تأملات فى حياة وخدمة السيد المسيح – المسيح مشتهى – الأنبا بيشوي مطران دمياط و البراري – الباب الرابع عشر

هذا الفصل هو جزء من كتاب: تأملات فى حياة وخدمة السيد المسيح – المسيح مشتهى – الأنبا بيشوي مطران دمياط و البراري. إضغط هنا للذهاب لصفحة تحميل الكتاب.

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”تأملات فى حياة وخدمة السيد المسيح – المسيح مشتهى – الأنبا بيشوي مطران دمياط و البراري” field=name]

بعض ألقاب السيد المسيح

ملك الملوك

رب الأرباب

ابن الله الوحيد

ابن الإنسان

الصخرة

حجر الزاوية

كلمة الله “ويدعى أسمه كلمة الله” (رؤ19: 13).

الراعى الصالح “أنا هو الراعى الصالح” (10: 11).

ملك الملوك ورب الأرباب

من أهم ألقاب السيد المسيح التى وردت فى العهد الجديد من الكتاب المقدس هو لقب “ملك الملوك ورب الأرباب” (رؤ19: 16) أو “رب الأرباب وملك الملوك” (رؤ17: 14).

فلم يطلق على السيد المسيح لقب “الرب” فقط كما ورد فى كثير من المواضع فى الكتاب المقدس بعهديه. ولكنه أخذ لقب “رب الأرباب”. ولا يمكن أن يأخذ هذا اللقب إلا الله وحده، هذا إلى جوار أن كلمة “الرب” مع استخدام أداة التعريف أيضاً لا تطلق إلا على الله.

وقد ذكر بولس الرسول أن استخدام كلمة “رب” واستخدام كلمة “إله” قد تنسب أحياناً إلى الآلهة غير الحقيقية مثل آلهة الوثنيين.

ولكن هناك رب واحد حقيقى وإله واحد حقيقى هو الله، الإله الواحد المثلث الأقانيم.

لذلك قال فى رسالته الأولى إلى أهل كورنثوس: “فمن جهة أكل ما ذبح للأوثان نعلم أن ليس وثن فى العالم، وأن ليس إله آخر إلا واحداً. لأنه وإن وجد ما يسمى آلهة، سواء كان فى السماء أو على الأرض، كما يوجد آلهة كثيرون وأرباب كثيرون. لكن لنا إله واحد: الآب الذى منه جميع الأشياء، ونحن له ورب واحد يسوع المسيح، الذى به جميع الأشياء، ونحن به” (1كو8: 4-6).

إذن السيد المسيح ليس مجرد “رب” من ضمن الأرباب، بل هو الرب الواحد مع أبيه الصالح والروح القدس، الذى هو فى الحقيقة رب جميع الأرباب سواء كان هؤلاء الأرباب من الملائكة الأبرار أم من الشياطين ومنهم الآلهة الوثنية “لأن كل آلهة الأمم شياطين” (مز95: 5). كما قال معلمنا بولس الرسول عن ذبائح الأوثان: “إن ما يذبحه الأمم فإنما يذبحونه للشياطين لا لله” (1كو10: 20).

وفى قول معلمنا بولس الرسول “لنا.. رب واحد يسوع المسيح” (1كو8: 6) ما يذكرنا بما ورد فى سفر التثنية “اسمع يا إسرائيل: الرب إلهنا رب واحد” (تث6: 4) فحينما يُقال: لنا رب واحد؛ فإن هذا يعنى مباشرة الإله الواحد الحقيقى الذى هو فى الحقيقة “رب الأرباب” والسيد المسيح لم يأخذ فقط لقب “رب الأرباب”، بل قيل عنه أنه هو “رب الأرباب” أى أن الأمر ليس مجرد لقب بل حقيقة جوهرية فى صميم كيانه وجوهره الإلهى.

لذلك نقرأ ما ورد فى سفر الرؤيا عن الملوك العشرة الذين يعطون الوحش قدرتهم وسلطانهم “هؤلاء سيحاربون الخروف، والخروف يغلبهم، لأنه رب الأرباب وملك الملوك. والذين معه مدعوون ومختارون ومؤمنون” (رؤ17: 14).

الآب والابن

إن لقب “رب الأرباب” يؤكد حتماً على وحدانية الجوهر الإلهى للآب والابن معاً بالرغم من التمايز الأقنومى بينهما إذ أن الآب “والد” والابن “مولود” فلكل منهما أقنومه الخاص وشخصيته المتمايزة. إلا أن هذا لا يتعارض مع وحدة الوجود والكينونة الإلهية، لأن اللاهوت غير منقسم على الإطلاق. وهذا ما يظهر جلياً مما كتبه القديس بولس الرسول فى رسالته الأولى إلى تيموثاوس.

لقد نسب القديس بولس إلى الآب السماوى لقب “رب الأرباب” الذى هو نفس حقيقة ولقب السيد المسيح كما أوضحنا من قبل. بل قال عن الآب أنه هو الوحيد “ملك الملوك ورب الأرباب”، وهو يعنى بذلك الوحيد بين الأرباب الآخرين مثلما قال: “لنا إله واحد الآب” (1كو8: 6) فى مجال مقارنة بين الإله الحقيقى والآلهة الأخرى غير الحقيقية كما ذكرنا.

ولننظر الآن إلى ما كتبه القديس بولس الرسول إلى تلميذه تيموثاوس: “أوصيك أمام الله الذى يحيى الكل والمسيح يسوع الذى شهد لدى بيلاطس البنطى بالاعتراف الحسن، أن تحفظ الوصية بلا دنس ولا لوم إلى ظهور ربنا يسوع المسيح، الذى سيبينه فى أوقاته المبارك العزيز الوحيد: ملك الملوك ورب الأرباب، الذى وحده له عدم الموت، ساكناً فى نور لا يدنى منه، الذى لم يره أحد من الناس ولا يقدر أن يراه، الذى له الكرامة والقدرة الأبدية. آمين” (1تى6: 13-16).

فمن الواضح أن الذى سيبين ظهور ربنا يسوع المسيح هو الآب الذى لم يره أحد من الناس ولا يقدر أن يراه. وهو نفسه المبارك العزيز الوحيد ملك الملوك ورب الأرباب.

فإذا كان الآب هو ملك الملوك ورب الأرباب والابن يسوع المسيح أيضاً هو ملك الملوك ورب الأرباب فلابد أن يكون لهما ملك واحد، وربوبية واحدة، ومجد واحد، ولاهوت واحد. وهذا هو إيماننا الذى تسلّمناه من الآباء وعليه بنيت الكنيسة أن يسوع هو “المسيح ابن الله الحى” (مت16: 16).

ابن الإنسان

ابن الله الوحيد صار ابن الإنسان..

استخدم السيد المسيح كثيراً لقب “ابن الإنسان” فى الحديث عن نفسه لكى يؤكّد حقيقة تجسده وتأنسه. فكما أنه هو ابن الله المولود من الآب قبل كل الدهور، هكذا فإنه هو هو نفسه ابن الإنسان الذى ولد من العذراء مريم فى ملء الزمان، إذ اتخذ منها ناسوتاً كاملاً بفعل الروح القدس.

فابن الله الكلمة له ميلادان: الميلاد الأول من الآب بحسب لاهوته، والميلاد الثانى من العذراء القديسة مريم بحسب ناسوته، ولكنه هو هو نفسه وليس آخر.

لهذا قال معلمنا بولس الرسول: “يسوع المسيح هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد” (عب13: 8). أى أنه هو نفسه الذى ولد من الآب، وهو نفسه الذى جاء إلى العالم وصنع الفداء، وهو نفسه الذى سوف يأتى ليدين الأحياء والأموات ويملك إلى الأبد.

وقد استخدم السيد المسيح تعبير “ابن الإنسان” فى أمور تخص طبيعته الإلهية، كما أنه استخدم تعبير “ابن الله” فى أمور تخص طبيعته الإنسانية. وذلك لكى يؤكد أنه هو هو نفسه ابن الله وابن الإنسان فى آنٍ واحد، حينما تجسد وتأنس من أجل خلاصنا.

فمثلاً قال عن نفسه أن “ابن الإنسان هو رب السبت أيضاً” (لو6: 5). وكذلك “ليس أحد صعد إلى السماء إلا الذى نزل من السماء، ابن الإنسان الذى هو فى السماء” (يو3: 13). وقال أيضاً: “متى جاء ابن الإنسان فى مجده” (مت 25: 31). وكذلك “لكى تعلموا أن لابن الإنسان سلطاناً على الأرض أن يغفر الخطايا” (مر2: 10). وذلك حينما قال اليهود فى أنفسهم: “من يقدر أن يغفر خطايا إلا الله وحده” (مر2: 7).

ومن الجهة الأخرى قال: “لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد الجنس لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية” (يو3: 16). وهو فى هذه الحالة استخدم لقب “ابن الله الوحيد” عن نفسه فى أمر يخص صلبه بحسب الجسد، لأنه بحسب لاهوته لم يكن ممكناً أن يُصلب دون أن يتجسد ويصير ابناً للإنسان. وقد صُلب جسدياً وأسلم الروح الإنسانية فى يدى الآب، دون أن ينفصل لاهوته لا عن جسده، ولا عن روحه الإنسانية لحظة واحدة ولا طرفة عين.

ما أجمل هذه العبارة أن “ابن الإنسان قد جاء لكى يخلّص ما قد هلك” (مت18: 11) إن الذى جاء ليطلب ويخلّص ما قد هلك هو ابن الله الوحيد، ولكنه كان يحلو له أن يستخدم لقب “ابن الإنسان” لكى نفهم أنه هو نفسه الإله المتجسد كما قال معلمنا بولس الرسول: “وبالإجماع عظيم هو سر التقوى الله ظهر فى الجسد” (1تى3: 16). وتتغنى الكنيسة بهذه المعانى الجميلة فى تسبحة نصف الليل عن السيد المسيح فتقول مثلاً فى الثيئوطوكيات {لم يزل إلهاً أتى وصار ابن بشر لكنه هو الإله الحقيقى أتى وخلّصنا} (من ثيئوطوكية يوم الخميس).

أى أن ابن الله الكلمة حينما أتى وصار ابن بشر أى ابناً للإنسان، فإنه استمر كما هو لم يتغير من جهة كونه الإله الحقيقى الواحد مع أبيه والروح القدس والذى تجسد وتأنس من أجل خلاصنا.

كما تقول التسبحة أيضاً {أشرق جسدياً من العذراء بغير زرع بشر حتى وخلصنا} (من ثيئوطوكية يوم الاثنين) إن الذى أشرق هو الله الكلمة ولكنه حينما “ظهر فى الجسد” (1تى 3: 16) فإنه قد أشرق جسدياً. وفى ميلاده البتولى العجيب قد تجسد بغير زرع بشر وبلا خطية، بل هو قدوس بلا شر ولا دنس وبغير الميل الطبيعى نحو الخطية وضعفاتها ونقائصها، بل بكمال لا يوصف حتى أنه قال: “الذى رآنى فقد رأى الآب” (يو14: 9). وقيل عنه: “الشعب السالك فى الظلمة أبصر نوراً عظيماً” (أش9: 2) وأيضاً قيل “كان النور الحقيقى الذى ينير كل إنسان آتياً إلى العالم” (يو1: 9). “فيه كانت الحياة والحياة كانت نور الناس والنور يضئ فى الظلمة، والظلمة لم تدركه” (يو1: 4، 5).

إن عبارة أو لقب “ابن الإنسان” التى قيلت عن السيد المسيح لا تنتقص من مكانته شيئاً، بالعكس ما كانت الحاجة إليها لولا أنه أراد أن يؤكد تجسده وتأنسه. فالمعروف طبعاً أن أى إنسان هو ابن إنسان، ومن البديهى أن أى إنسان لا يحتاج إلى مثل هذا اللقب. ولكن السيد المسيح لقب نفسه وقيل عنه إنه هو “ابن الإنسان” مرارًا كثيرة فى الإنجيل المقدس لكى ندرك معنى ظهوره فى الجسد، وأنه ليس ظهوراً مثل ظهوراته فى العهد القديم التى اتخذ فيها شكل إنسان بل هو ظهور مصحوب بتجسد حقيقى من نفس طبيعتنا البشرية بلا خطية.

وقد قيل عن أب الآباء يعقوب “صارعه إنسان حتى طلوع الفجر” (تك 32: 24). وكان هذا مجرد ظهور للسيد المسيح بغير تجسد فى العهد القديم.

وهكذا ظهر أيضاً لأبينا إبراهيم مع ملاكين فى هيئة ثلاثة رجال، وظهر لمنوح والد شمشون فى هيئة إنسان، وظهر للآباء قديماً بأنواع وطرق شتى، ولكن لم تكن هذه الظهورات تجسداً حقيقياً، بل ظهوراً مؤقتاً لهدف معين.

أما ميلاد السيد المسيح من العذراء القديسة مريم فإنه كان ظهوراً وتجسداً وتأنساً حقيقياً كاملاً أى بطبيعة بشرية كاملة وباتحاد تام طبيعى مع لاهوته. وهذا هو الاتحاد الأقنومى الذى تكلم عنه آباء الكنيسة ودافعوا عنه ويصلى به الكاهن أثناء دورة البخور {يسوع المسيح هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد بأقنوم واحد نسجد له ونمجده}.

المسيح هو الصخرة

يدّعى البعض أن بطرس الرسول هو الصخرة التى بنيت عليها الكنيسة. وهذه مسألة خطيرة تتعارض مع أقوال الكتب المقدسة، لأن الرب أكد فى مواضع كثيرة من الكتاب المقدس أنه هو الصخرة وأنه لا توجد صخرة غيره. لذلك قيل “الصخرة كانت المسيح” (1كو10: 4).

أما عن قول السيد المسيح لبطرس: “على هذه الصخرة أبنى كنيستى” (مت16: 18)، فالمقصود به هو صخرة الإيمان بالمسيح أنه هو “ابن الله الحى” (مت16: 16). لذلك وبناءً على هذا الإيمان قال: “وأبواب الجحيم لن تقوى عليها” (مت16: 18).

أقوال الكتاب المقدس التى تؤكد ذلك

“إليك يا رب أصرخ يا صخرتى لا تتصامم من جهتى” (مز28: 1).

“هلّم نرنم للرب نهتف لصخرة خلاصنا” (مز95: 1).

“أحبك يا رب يا قوتى. الرب صخرتى وحصنى ومنقذى” (مز18: 1، 2) (انظر 2صم22: 2).

“إلهى صخرتى به أحتمى، ترسى وقرن خلاصى وملجأى” (مز18: 2) (انظر 2صم22: 3).

“اسمع يا الله صراخى واصغ إلى صلاتى. من أقصى الأرض أدعوك إذا غُشى على قلبى. إلى صخرة أرفع منى تهدينى. لأنك كنت ملجأ لى. برج قوة من وجه العدو” (مز61: 1-3).

“هكذا يقول الرب ملك إسرائيل وفاديه رب الجنود: أنا الأول وأنا الآخر ولا إله غيرى.. فأنتم شهودى، هل يوجد إله غيرى، ولا صخرة لا أعلم بها؟” (أش 44: 6، 8).

“أعطوا عظمة لإلهنا. هو الصخر الكامل صنيعه. إن جميع سبله عدل، إله أمانة لا جور فيه، صديق وعادل هو” (تث32: 3، 4).

“روح الرب تكلّم بى وكلمته على لسانى. قال إله إسرائيل إلىّ تكلّم صخرة إسرائيل. إذا تسلط على الناس بار يتسلط بخوف الله” (2صم23: 2، 3).

“ألست أنت منذ الأزل يا رب إلهى قدوسى. لا نموت. يا رب للحكم جعلتها ويا صخر للتأديب أسستها” (حب1: 12).

“حى هو الرب ومبارك صخرتى ومرتفع إله خلاصى” (مز18: 46).

“لأنه من هو إله غير الرب. ومن هو صخرة سوى إلهنا” (مز18: 31).

فإذا كان داود يقول بالروح القدس: “من هو صخرة سوى إلهنا”، فمن يجسر أن يقول أن بطرس هو الصخرة التى بنيت عليها الكنيسة، وإلا فماذا يكون السيد المسيح؟!.

لذلك يقول معلمنا بولس الرسول عن شعب إسرائيل فى البرية: “وجميعهم شربوا شراباً واحداً روحياً. لأنهم كانوا يشربون من صخرة روحية تابعتهم والصخرة كانت المسيح” (1كو10: 4).

وكان الرب قد أمر موسى أن يضرب الصخرة بعصاه مرة واحدة حتى تخرج لشعب إسرائيل ماء ليشربوا منه.

وكانت هذه الصخرة ترمز إلى السيد المسيح الذى صُلب على خشبة الصليب مرة واحدة، وسكب الروح القدس ليرتوى منه المؤمنون باسمه كقوله المبارك “من آمن بى كما قال الكتاب تجرى من بطنه أنهار ماء حى” (يو7: 38).

ولا ننسى أن السيد المسيح حينما طعنه الجندى الرومانى بالحربة فى جنبه وهو معلق على الصليب خرج من جنبه دم وماء (انظر يو19: 34)، مثلما فاض الماء من الصخرة حينما ضربها موسى.

إن الصخر يرمز إلى الصلابة والقوة ودوام الوجود وكذلك إلى الارتفاع وإلى الحماية لأن الصخر يوجد غالباً فى الجبال المرتفعة ويصعب اختراقه. لذلك يقول المرنم “أساساته فى الجبال المقدسة. يحب الرب أبواب صهيون أفضل من جميع مساكن يعقوب” (مز86: 1، 2).

إن جبل صهيون الذى أقيمت عليه مدينة أورشليم والذى بنى عليه هيكل سليمان يرمز إلى السيد المسيح.

لذلك أيضاً يقول المرنم: “رفعت عينىَّ إلى الجبال من حيث يأتى عونى. معونتى من عند الرب” (مز120: 1، 2).

فإذا كان الكتاب المقدس قد أكّد فى العهد القديم وفى العهد الجديد أن الصخرة هو المسيح الرب، فهل يليق أن يضع أحد بطرس الرسول ليحل محل الرب الذى قال: “هل يوجد إله غيرى ولا صخرة لا أعلم بها” (إش44: 8).

إن كلمة صخرة باللغة اليونانية هى “بيترا pe,tra” أما كلمة بطرس اليونانية “بيتروسPe,troj ” والتى هى باللغة الآرامية “كِيفا كيفا” فتعنى الحجر الصغير المقطوع من الصخرة.

لذلك لم يقل السيد المسيح لبطرس أنت هو “بيترا”، ولكن قال له أنت هو “بطرس” ونحن لا ننكر بالطبع أن أعضاء الكنيسة “مبنيين كحجارة حية” (1بط2: 5)، “مبنيين على أساس الرسل والأنبياء ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية” (أف2: 20). فكل مؤمن قديس هو حجر مثل بطرس، والفرق فقط أن بطرس وسائر الرسل ومعهم الأنبياء هم الأساس.

أما الصخرة التى بنيت عليها الكنيسة كلها فهى الرب بكل تأكيد لأنه “من هو صخرة سوى إلهنا” (مز18: 31). فهناك فرق بين الصخرة الثابتة والأحجار المنحوتة.

حجر الزاوية

أشار السيد المسيح إلى قول المزمور عنه “الحجر الذى رذله البناؤون هذا صار رأساً للزاوية” (مز117: 22، انظر مت 21: 42).

وقال معلمنا بولس الرسول عن الكنيسة: “مبنيين على أساس الرسل والأنبياء ويسوع المسيح نفسه حجر للزاوية” (أف 2: 20).

فلماذا قيل عن السيد المسيح أنه حجر الزاوية فى بناء الكنيسة؛ أى هيكل الله فى العهد الجديد؟

كان البناؤون قديماً يختارون أفضل حجر من حيث النوع والحجم والتماسك والصلابة والنقاء لينحتوا منه حجر الزاوية.

حجر الزاوية كان هو أول حجر يوضع فى أساسات أى مبنى ويكون كافياً من حيث الطول والعرض والعلو ليقاس عليه أضلاع كل المبنى. بمعنى أنه كان ذا زوايا قائمة بالضبط فى الاتجاهات الثلاثة الرئيسية أى الطول والعرض والارتفاع. وكان الحجر أيضاً مستوى الجوانب ليس فيه أى تعاريج بأسطح ملساء يتم شد الخيط عليها بحيث يلامس الأسطح بدون انبعاج إلى الداخل أو انفراج إلى الخارج.

فإذا انضبط الخيط المشدود بطول المبنى كله مبتدئاً بحجر الزاوية تأتى الحوائط متعامدة على بعضها تماماً، كما إنها ترتفع باتجاه رأسى ليس فيه أى ميل وبهذا ينضبط البناء بسهولة على قياس حجر الزاوية.

إن السيد المسيح هو الذى على قياسه ينضبط البناء كله فى حياة الكنيسة، هو المثل والقدوة والمقياس مثلما تقول الوصية الرسولية “نظير القدوس الذى دعاكم كونوا أنتم أيضاً قديسين فى كل سيرة” (1بط 1: 15).

لماذا رفضوه ؟

وضع اليهود مقاييساً خاصة بهم للمسيح الملك: أرادوه يجلب لهم الغنى المادى، وجاء السيد المسيح فقيراً ليس له أين يسند رأسه. أرادوه يملك القوة الأرضية والسياسية لتحريرهم من الاستعمار الرومانى، وجاء السيد المسيح ينادى بتحرير الإنسان من عبودية الخطية وعبودية الشيطان ولم يقبل مُلكاً أرضياً ينافس به ملوك العالم، بل قال مملكتى ليست من هذا العالم. أرادوه رئيساً للحرب، وجاء هو رئيساً للسلام ينادى بمحبة الأعداء والمغفرة والإحسان إلى المسيئين والمبغضين. أرادوه ناموسياً يسلك حسب حرفية الناموس، وجاء هو ينادى بشريعة الكمال حيث الحرية من عبودية الحرف إلى حيوية الروح، وقال: “ما جئت لأنقض بل لأكمل” (مت 5: 17)، فهو لم ينقض الناموس ولكن أكمله بصورة رائعة ناقلاً الإنسان من رقاد السبت إلى قيامة الأحد. أرادوه شبعاً لرغباتهم الجسدية، فجاء يقول: “اعملوا لا للطعام البائد بل للطعام الباقى للحياة الأبدية” (يو 6: 27)، يكلمهم عن “خبز الله هو النازل من السماء الواهب حياة للعالم” (يو 6: 33). وقال لهم: “الخبز الذى أنا أعطى هو جسدى الذى أبذله من أجل حياة العالم” (يو 6: 51). أرادوه وارثاً ومالكاً للأرض، فجاء يتحدث عن ميراث ملكوت السماوات وعن التنازل عن الأرضيات وعدم التنازع عليها. أرادوه ساحقاً للذين أذلتهم الخطية، فجاء كطبيب معالج يقول: “لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى، لم آتِ لأدعو أبرارًا بل خطاةً إلى التوبة” (مر 2: 17).

ومثلما حدث فى قصة أيوب الصديق أراد أصحابه الثلاث أن يثبتوا له أن التجارب والآلام لا تصيب الأبرار بل الأشرار فقط. ولم يستحسن الله مفاهيمهم، لأنه كان قد سمح للشيطان أن يجرّب أيوب البار.

هكذا أراد اليهود أن يثبتوا على السيد المسيح أنه لم يكن بارًا فزادوا فى تنكيلهم به وأذاهم لجسده حتى تمزق الجسد من كثرة الضرب والسياط والأشواك والمسامير. وأصرّوا أن يموت مصلوباً ليطبقوا عليه حرفياً نص الكتاب أن “المعلق (على الخشبة) ملعون من الله” (تث21: 23)

وكان السيد المسيح قد حمل لعنة خطايانا مسمراً إياها بالصليب “وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا” (إش 53: 5) و”كلنا كغنم ضللنا، ملنا كل واحد إلى طريقه والرب وضع عليه إثم جميعنا” (إش 53: 6). “ونحن حسبناه مصاباً مضروباً من الله” (إش 53: 4).

كانت مقاييس اليهود فاشلة، وكانت مقاييس الله مذهلة؛ لأنه أقام يسوع من الأموات ماحياً اللعنة وغافراً الخطايا والذنوب، ومظهراً بر المسيح الذى بواسطته يتبرر الذين يؤمنون به وبمحبة أبيه الصالح ويقبلون عمل الروح القدس فى الأسرار الخلاصية.

حقاً إن “الحجر الذى رذله البناؤون (أى رؤساء اليهود) هذا صار رأساً للزاوية. ومن قبل الرب كان هذا وهو عجيب فى أعيننا.. يا رب خلّصنا، يا رب سهل طريقنا، مبارك الآتى باسم الرب” (مز117: 22، 23، 25، 26).



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.