تأملات فى حياة وخدمة السيد المسيح – المسيح مشتهى – الأنبا بيشوي مطران دمياط و البراري – الباب الثالث عشر

هذا الفصل هو جزء من كتاب: تأملات فى حياة وخدمة السيد المسيح – المسيح مشتهى – الأنبا بيشوي مطران دمياط و البراري. إضغط هنا للذهاب لصفحة تحميل الكتاب.

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”تأملات فى حياة وخدمة السيد المسيح – المسيح مشتهى – الأنبا بيشوي مطران دمياط و البراري” field=name]

السيد المسيح فى إرساله لتلاميذه ومتابعته للخدمة

مجد وكهنوت السيد المسيح

المسيح الراعى

لماذا اختار رسلاً

رقم الاثنى عشر

متابعة السيد المسيح الخدمة

ظهور السيد المسيح لاستفانوس

ظهور السيد المسيح لبولس الرسول

ظهور السيد المسيح لحنانيا

تسليم الإنجيل لبولس الرسول

رؤيا يوحنا اللاهوتى

مجد وكهنوت السيد المسيح

فى مناجاته مع الآب ليلة الصلب تكلّم السيد المسيح عن نوعين من المجد:

1- مجده الأزلى : قبل كون العالم بقوله للآب: “والآن مجدنى أنت أيها الآب عند ذاتك، بالمجد الذى كان لى عندك قبل كون العالم “(يو17: 5) .

2- مجده المسيانى: الذى ظهر به فى الجسد عندما أخلى نفسه وأخذ صورة عبد، ومارس عمله كمسيح للرب، ورئيس كهنة ومخلّص للعالم. وعن مجده كرئيس كهنة قال للآب فى ليلة آلامه، فى حديثه عن علاقته بتلاميذه الأحد عشر (بعد استبعاد يهوذا الإسخريوطى من الحديث): “وأنا قد أعطيتهم المجد الذى أعطيتنى” (يو17: 22) وقد شرح قداسة البابا شنودة الثالث –أطال الرب حياته– هذه المسألة مؤكداً أن المجد المقصود فى هذه العبارة الذى أعطاه الرب للتلاميذ هو مجد رئاسة الكهنوت والرعاية (مجلة الكرازة 3/12/2004م العدد 37 للسنة الـ32 ص 16 العامود الثانى سطر 37).

ومن المفهوم طبعاً أن السيد المسيح كان أحياناً يكشف عن شعاع من مجده الإلهى من خلال التجلى، ومن خلال المعجزات التى أجراها وخاصة معجزة قيامته المجيدة من الأموات بقدرته الإلهية.

ولكن لم يكن من الممكن أن يعلن مجده الإلهى بصورة كاملة أثناء وجوده على الأرض، لأن البشر لن يحتملوا رؤية هذا المجد قبل أن يلبسوا جسد القيامة الروحانى الممجد. لهذا قال الرب لموسى على جبل سيناء: “الإنسان لا يرانى ويعيش” (خر33: 20).

كما أن الخلاص لم يكن ممكناً أن يتم لو أعلن السيد المسيح فى تجسده على الأرض ملء مجده الإلهى. لهذا قال معلمنا بولس الرسول: “لأن لو عرفوا لما صلبوا رب المجد” (1كو2: 8). فالمسألة إذن أن السيد المسيح قد أخفى لاهوته عن الشيطان، وأخفى مجده المنظور عن البشر إلى حين إتمام الفداء وصعوده إلى السماء ودخوله إلى مجده السمائى عن يمين الآب.

وقد شرح القديس بولس الرسول هذه الحقيقة بقوله “بالإجماع عظيم هو سر التقوى، الله ظهر فى الجسد، تبرر فى الروح، تراءى لملائكة، كرز به بين الأمم، أومن به فى العالم، رُفع فى المجد” (1تى3: 16)

لقد أخفى السيد مجده الأزلى بالناسوت لكى يتمم الفداء ثم يدخل إلى مجده عند صعوده إلى السماء.

وتحدّث القديس بولس الرسول عن حالة السيد المسيح فى دائرة الإخلاء عند قبوله الآلام لأجل خلاصنا فقال: “ولكن الذى وضع قليلاً عن الملائكة، يسوع، نراه مكللاً بالمجد والكرامة، من أجل ألم الموت، لكى يذوق بنعمة الله الموت لأجل كل واحد. لأنه لاق بذاك الذى من أجله الكل وبه الكل، وهو آتٍ بأبناءٍ كثيرين إلى المجد، أن يُكمِّل رئيس خلاصهم بالآلام (عب2: 9، 10).

إن المجد الذى تكلل به السيد المسيح فى آلامه، هو مجد الحب والبذل والعطاء والفداء، ومجد رئاسة الكهنوت فى تقديم ذبيحته الخلاصية كرئيس للخلاص، وكقائد لمسيرة المفديين فى طريقهم نحو المجد السمائى. ولكن ينبغى أن نلاحظ أن عبارة “الذى وضع قليلاً عن الملائكة، يسوع” التى وردت فى النص السابق قد ورد قبلها فى نفس الرسالة إلى العبرانيين عن صعود السيد المسيح إلى المجد “صائراً أعظم من الملائكة بمقدار ما ورث اسماً أفضل منهم” (عب1: 4).

فالمسيح الذى “أخلى نفسه” هو هو نفسه “الذى رفع فى المجد”

مجد المسيح الأزلى

مجد المسيح الأزلى هو واحد فيه مع الآب ومع الروح القدس. هو مجد الثالوث القدوس الذى نسبحه فى الكنيسة ونعطيه ” الذوكصا” ونقول: {المجد للآب والابن والروح القدس}.

عن هذا المجد قال الرب: “ومجدى لا أعطيه لآخر” (إش42: 8). لذلك لا يمكن لأى أحد آخر أن يشارك الثالوث القدوس فى هذا المجد. ولا تنطبق عليه عبارة السيد المسيح عن رسله القديسين “وأنا قد أعطيتهم المجد الذى أعطيتنى” (يو17: 22).

مجد رئاسة الكهنوت

هذا المجد الذى منحه السيد المسيح لرسله القديسين، يترتب عليه سلطان التعليم فى الكنيسة ومقاومة البدع والهرطقات، وسلطان الحل والربط والتشريع فى الكنيسة من خلال المجامع المقدسة. وكذلك سلطان الحكم فى المجالس الإكليريكية، وسلطان إقامة الرتب الكنسية مثل سيامة الأساقفة بيد الآباء البطاركة ومعهم الأساقفة، وسيامة الآباء الكهنة بواسطة الأساقفة وكذلك سيامة الشمامسة وتدشين الكنائس والأوانى المقدسة. وسلطان وضع اليد قد منحه الرب للرسل وخلفائهم باعتبار أن الأسقف هو وكيل الله. لهذا قال معلمنا بولس الرسول: “يجب أن يكون الأسقف بلا لوم كوكيل الله” (تى1: 7).

كهنوت السيد المسيح

يقول معلمنا بولس الرسول عن رئاسة الكهنوت: “ولا يأخذ أحد هذه الوظيفة بنفسه، بل المدعو من الله كما هارون أيضاً. كذلك المسيح أيضاً لم يمجد نفسه ليصير رئيس كهنة، بل الذى قال له: أنت ابنى أنا اليوم ولدتك” (عب5 : 4، 5،  انظر مز 2: 7).

إذن فقد أخذ السيد المسيح مجد رئاسة الكهنوت من الآب السماوى لأن بولس الرسول يقول: “لم يمجد نفسه ليصير رئيس كهنة بل الذى قال له أنت ابنى”.

ومجد رئاسة الكهنوت الذى للسيد المسيح قد أشرنا إليه سابقاً فى تفسير عبارة “وأنا قد أعطيتهم المجد الذى أعطيتنى” (يو17: 22) التى قالها السيد المسيح للآب فى ليلة آلامه عن عطيته لرسله الأحد عشر والتى أخذها من الآب فى إرساليته الخلاصية.

وقد استطرد القديس بولس الرسول فى كلامة السابق فأشار إلى أن كهنوت السيد المسيح هو على رتبة ملكى صادق وليس على رتبة هارون فقال: “مدعواً من الله رئيس كهنة على رتبة ملكى صادق” (عب5: 10).

هكذا أيضاً كهنوت الآباء الرسل وخلفائهم من الآباء البطاركة والأساقفة هو على رتبة ملكى صادق، لأنهم يقدّمون ذبيحة الإفخارستيا (أى سر الشكر) بالخبز والخمر، والتى هى نفسها ذبيحة الصليب، ولكن تحت أعراض الخبز والخمر. ولا يقدّمون الذبائح الحيوانية الخاصة بالكهنوت الهارونى.

وهذا ما أوصاهم به السيد المسيح فى ليلة آلامه عن تقديم جسده ودمه الأقدسين “اصنعوا هذا لذكرى” (لو22: 19، 1كو11: 24).

إن ملكى صادق حينما خرج لملاقاة إبراهيم قدّم خبزاً وخمراً، ولم يقدم ذبيحة حيوانية وأعطاه إبراهيم عشراً من كل شئ. وقد ورد ذلك فى سفر التكوين كما يلى:

“وملكى صادق ملك شاليم أخرج خبزاً وخمراً. وكان كاهناً لله العلى. وباركه، وقال: مبارك أبرام من الله العلى مالك السماوات والأرض. ومبارك الله العلى الذى أسلم أعداءك فى يدك. فأعطاه عُشراً من كل شئ” (تك14: 18-20).

إن مجد رئاسة كهنوت السيد المسيح يرتبط ارتباطاً واضحاً بتقديم ذبيحة الإفخارستيا التى صنعها السيد المسيح وأمر تلاميذه أن يصنعوها. والتى هى نفسها ذبيحته الخلاصية على الصليب وتستمد وجودها وفاعليتها من حقيقة الصليب فوق الجلجثة، إذ هى امتداد لذبيحة الصليب عبر الزمان فى ليلة الآلام وإلى مجيء الرب الديان.

لهذا اهتم القديس بولس الرسول فى أكثر من موضع بإبراز رئاسة كهنوت السيد المسيح أنها على رتبة ملكى صادق “مدعواً من الله رئيس كهنة على رتبة ملكى صادق” (عب5: 10 انظر أيضاً عب6 :20).

ولا يخفى على أحد بالطبع أن كهنوت السيد المسيح هو كهنوت أبدى. فخدمته الكهنوتية مستمرة عبر الأحيال إذ أنه يشفع فينا بذبيحته الخلاصية إلى آخر الزمان. “إن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار وهو كفارة لخطايانا” (1يو2: 1، 2).

لقد دخل السيد المسيح إلى المقادس السماوية “حيث دخل يسوع كسابق لأجلنا صائراً على رتبة ملكى صادق رئيس كهنة إلى الأبد” (عب6: 20).

إنه شئ رائع أن نرى الكنيسة المقدسة وهى أيقونة للسماء على الأرض مثلما رآها يعقوب أب الآباء مثل سلم منصوب على الأرض ورأسه يمس السماء والرب واقف بجلاله المخوف والملائكة صاعدين ونازلين على السلم (انظر تك 28 : 12، 13، 17).

إن السماء تكون مفتوحة أثناء القداس الإلهى والسيد المسيح حاضر بجسده ودمه على المذبح سرائرياً بنفس ذبيحته الخلاصية التى بها يشفع فينا شفاعة كفارية أمام الآب السماوى.

والملائكة الذين كتب عنهم أنهم خدام العتيدين أن يرثوا الخلاص يكونون فى حالة صعود ونزول أثناء القداس يرفعون صلواتنا، وينزلون بالبركات السمائية، ويشاركون معنا تسبيح الحمل الذبيح وشكر الآب على محبته غير المحدودة.

حقاً إن الكنيسة هى بيت الملائكة لأن الرب قد صالح السمائيين مع الأرضيين، كقول بولس الرسول عن ذلك “لتدبير ملء الأزمنة ليجمع كل شئ فى المسيح ما فى السماوات وما على الأرض فى ذاك الذى فيه أيضاً نلنا نصيباً معينين سابقاً” (أف1: 10، 11).

المسيح الراعى

قال السيد المسيح عن نفسه: “أنا هو الراعى الصالح. والراعى الصالح يبذل نفسه عن الخراف” (يو10: 11).

واعتبر السيد المسيح أن الخراف هى رعيته؛ أى خرافه الخاصة التى يعرفها بأسمائها ويدعوها باذلاً نفسه من أجلها.

وهكذا قال الرب أيضاً بفم حزقيال النبى: “هأنذا أسأل عن غنمى وأفتقدها. كما يفتقد الراعى قطيعه يوم يكون فى وسط غنمه المشتتة هكذا أفتقد غنمى وأخلصها” (حز34: 11، 12).

وقال أيضاً: “أنا أرعى غنمى وأربضها يقول السيد الرب. وأطلب الضال وأسترد المطرود وأجبر الكسير وأعصب الجريح وأبيد السمين والقوى وأرعاها بعدل” (حز34: 15، 16).

الله هو الراعى والمخلّص والفادى وقد افتقد غنمه وحل فى وسطها لأن الله “الكلمة صار جسداً وحل بيننا” (يو1: 14) “كما يفتقد الراعى قطيعه يوم يكون فى وسط غنمه” (حز34: 12). وصار السيد المسيح هو الحمل والراعى فى آنٍ واحد.

دعوة الخراف

قال السيد المسيح: “الذى يدخل من الباب فهو راعى الخراف. لهذا يفتح البواب، والخراف تسمع صوته، فيدعو خرافه الخاصة بأسماء ويخرجها” (يو10: 2، 3).

وقال أيضاً:  “أما أنا فإنى الراعى الصالح، وأعرف خاصتى وخاصتى تعرفنى، كما أن الآب يعرفنى وأنا أعرف الآب” (يو10: 14، 15).

الدعوة والمعرفة مرتبطان ارتباطاً وثيقاً.. أى أن الرب يعرف خرافه بسابق معرفته الإلهية ولهذا فلابد أن يدعوها.. سواء أكانت من شعبه القديم أو شعبه الجديد. لذلك قال: “ولى خراف أُخر ليست من هذه الحظيرة، ينبغى أن آتى بتلك أيضاً فتسمع صوتى وتكون رعية واحدة وراعٍ واحد” (يو10: 16). فبهذا المفهوم تنبأ إشعياء النبى عن شعب مصر بعد مجيء السيد المسيح “مبارك شعبى مصر” (إش 19: 25).

نقول أن الدعوة وسبق المعرفة عند الله مرتبطان ببعضهما بالنسبة لخراف السيد المسيح لذلك يقول معلمنا بولس الرسول: “ونحن نعلم أن كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله، الذين هم مدعوون حسب قصده. لأن الذين سبق فعرفهم سبق فعينهم ليكونوا مشابهين صورة ابنه، ليكون هو بكراً بين إخوة كثيرين. والذين سبق فعينهم فهؤلاء دعاهم أيضاً. والذين دعاهم فهؤلاء بررهم أيضاً. والذين بررهم فهؤلاء مجدهم أيضاً” (رو8: 28-30).

إن سِبق معرفة الله لا تلغى حرية إرادة الإنسان ولكن الله بسابق معرفته يعلم من هم الذين يقبلون الحق بصفة عامة.. أو من لديهم استعداد لقبول الحق، كقول السيد المسيح لبيلاطس: “كل من هو من الحق يسمع صوتى” (يو18: 37). مثل هؤلاء الذين يتلمس فيهم الرب الاستعداد لقبول الحق لابد أن يدعوهم. وهذا هو معنى كلام بولس الرسول: “الذين سبق فعرفهم سبق فعينهم.. والذين سبق فعينهم فهؤلاء دعاهم أيضاً” (رو8: 29، 30).

ونادى إشعياء النبى قائلاً: “ها إن يد الرب لم تقصر عن أن تُخلّص ولم تثقل أذنه عن أن تسمع” (إش59: 1).

إن الدعوة لابد أن تصل إلى كل إنسان مستعد لقبولها لأن وسائل الرب وإمكانياته ليس لها حدود. لهذا قال السيد المسيح عن نفسه وعن خرافه: “والخراف تسمع صوته، فيدعو خرافه الخاصة بأسماء ويخرجها” (يو10: 3).وقد فهم معلمنا بولس الرسول هذه الحقيقة فى عمله الكرازى بالإنجيل فقال لتلميذه تيموثاوس: “اذكر يسوع المسيح المُقام من الأموات من نسل داود بحسب إنجيلى الذى فيه أحتمل المشقات حتى القيود كمذنب. لكن كلمة الله لا تقيّد. لأجل ذلك أنا أصبر على كل شئ لأجل المختارين لكى يحصلوا هم أيضاً على الخلاص الذى فى المسيح يسوع مع مجد أبدى” (2تى2: 8-10).

إنه يكافح ويحتمل المشقات لكى تصل كلمة الإنجيل إلى المختارين لكى يحصلوا هم أيضاً على الخلاص الذى فى المسيح. هو يعتبر نفسه موضوع لأجل الإنجيل وينال شرف أن يكون هو الأداة أو الوسيلة التى يستخدمها الله لهذا الغرض، ولكن حتى وهو فى السجن والقيود فإن كلمة الله لا تقيَّد أى لا تحبس كما قال لأنه كان يفهم قول إشعياء النبى: “ها إن يد الرب لم تقصر عن أن تُخلّص” (إش59: 1).

وفى حديث بولس الرسول عن المختارين نلاحظ أيضاً إنه يبنى الاختيار على سبق معرفة الله لمن سوف يقبلون الحق الذى فى المسيح. لهذا شرح هذا الاختيار فى رسالته إلى أهل أفسس فقال “مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح الذى باركنا بكل بركة روحية فى السماويات فى المسيح. كما اختارنا فيه قبل تأسيس العالم لنكون قديسين وبلا لوم قدامه فى المحبة. إذ سبق فعيننا للتبنى بيسوع المسيح لنفسه حسب مسرة مشيئته. لمدح مجد نعمته التى أنعم بها علينا فى المحبوب” (أف1: 3-6).

الرسول بولس يقول “اختارنا فيه (أى فى المسيح) قبل تأسيس العالم.. إذ سبق فعيننا للتبنى” وهو يربط بوضوح بين الاختيار وسبق المعرفة والتعيين مثلما ربط سابقاً فى رسالته إلى أهل رومية بين الدعوة وسبق المعرفة والتعيين كما ذكرنا سابقاً (انظر رو8: 29، 30).

والخلاصة إن سبق المعرفة والتعيين والاختيار والدعوة كلها مرتبطة ببعضها وعلى هذا الأساس قال السيد المسيح: “أعرف خاصتى وخاصتى تعرفنى” (يو10: 14). كما قال إنه “يدعو خرافه الخاصة بأسماء ويخرجها” (يو10: 3). ولكن كل ذلك بشرط أن يظل المدعو أميناً إلى النهاية حسب قول الرب: “من يغلب فذلك سيلبس ثياباً بيضاً ولن أمحو اسمه من سفر الحياة وسأعترف باسمه أمام أبى وأمام ملائكته” (رؤ3: 5).

الرعاية والمحبة

هذه العبارة قالها السيد المسيح لسمعان بطرس الرسول فى عتابه له بعد قيامة الرب من الأموات، مبيناً أن رعاية الغنم، أى خراف السيد المسيح الناطقة، ترتبط ارتباطاً كبيراً بمحبته.

وفى حديثه عن عمله كراعٍ للخراف قال الرب “أنا أضع نفسى عن الخراف” (يو10: 15). أى أنه وضع لنا مثلاً أعلى للرعاية الحقة ينبع من منطلق الحب. وقال “ليس لأحد حب أعظم من هذا أن يضع أحد نفسه لأجل أحبائه” (يو15: 13).

الله محبة

إن مفتاح المسيحية يكمن فى أن “الله محبة” (1يو4: 8، 16).

ففى علاقة الآب والابن والروح القدس يوجد مثال المحبة الكائنة قبل كل الدهور بين الأقانيم الثلاث. وحينما وجدت الخليقة العاقلة، غمرها الله الآب بمحبته بحسب مسرة مشيئته التى قصدها فى نفسه. وتمتعت الخليقة بمحبة الثالوث القدوس.

وحينما سقطت البشرية كان الله قد دبر لها الخلاص بابنه الوحيد بالفداء على الصليب وبعمل الروح القدس فى أسرار الكنيسة. حسب قول معلمنا بولس الرسول: “حين ظهر لطف مخلّصنا الله وإحسانه، لا بأعمال فى بر عملناها نحن. بل بمقتضى رحمته خلّصنا بغسل الميلاد الثانى وتجديد الروح القدس الذى سكبه بغنى علينا بيسوع المسيح مخلصنا” (تى3: 4-6).

عن حب الله الآب للبشرية قال السيد المسيح: “لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد الجنس لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية” (يو3: 16).

إذن المسألة تتلخص فى أمرين:

أولهما: إن المحبة كائنة وتمارس فى الله قبل كل الدهور.

وثانيهما: إن المحبة الإلهية تغمر الخليقة منذ أن وجدت. وتتألق كلما أتيحت الفرصة لذلك مثلما تألقت على الصليب.

لهذا فإن عمل الرعاية يرتكز أساساً على الحب: الحب نحو الله ونحو الخليقة. وقد لخص السيد المسيح  كل الوصايا الإلهية فى وصيتين: الأولى: محبة الله. والثانية: محبة القريب.

وقال إن الثانية هى على مثال الأولى “الثانية مثلها”.

من هذا المنظور قال السيد المسيح لبطرس الرسول: “يا سمعان بن يونا أتحبنى؟ ارع غنمى” (يو21: 16).

لذلك فكل من يتقدم إلى عمل الرعاية ينبغى أن يمتلئ أولاً من محبة الله ثم ينطلق نحو محبته للرعية بنقاوة وطهارة على مثال المحبة الإلهية.

المحبة ترجو كل شئ

هذه العبارة قالها معلمنا بولس الرسول (انظر 1كو13: 7). وإذا طبقناها على عمل الرعاية فمعناها أن الراعى ينظر بعين الرجاء إلى مخدوميه فلا يراهم فى ضعفهم وسقوطهم وخطاياهم، بل يراهم فى توبتهم وقيامتهم من الخطية وتمتعهم بحياة النصرة. مدركاً أنه “لا يحتاج الأصحاء إلى طبيب بل المرضى” (مت9: 12، مر2: 17، لو5: 31) وأن الرب لم يرسله ليدعو أبرارًا بل خطاة إلى التوبة.

بهذا المفهوم قال معلمنا بولس الرسول: “قوّموا الأيادى المسترخية والركب المخلعة واصنعوا لأرجلكم مسالك مستقيمة لكى لا يعتسف الأعرج، بل بالحرى يشفى” (عب12: 12، 13).

الرعاية تحتاج إلى صبر واحتمال وطول أناة.. تحتاج إلى حب يحتمل كل شئ، ويصبر على كل شئ، ويرجو كل شئ.. تحتاج إلى حب لا يسقط أبداً. وقد يحتاج الراعى أن يستخدم التأديب حرصاً على إصلاح شأن من يستهين بطول الأناة. وحرصاً على خلاصه، أو حرصاً على حماية باقى القطيع من أذيته. فبسلاح البر ذات اليمين وذات اليسار يستمر الراعى فى خدمته للرعية بطول الأناة والرفق أحياناً وبالتوبيخ والتأديب فى أحيان أخرى، ولكن الهدف باستمرار هو أن تنتصر المحبة ضد كل قوى الظلمة الروحية.

الله لا ينسى تعب المحبة

كل خادم سيأخذ أجرته بحسب تعبه. والله ليس بظالم حتى ينسى تعب المحبة. ولابد أن الخادم الأمين يفرح بثمار تعبه وخدمته ورعايته. فالمحبة كنز لا يفنى ولا يضيع بل هو أبقى من الدهور ويعبر إلى ما وراء الزمان.

إن الوجود يفقد معناه بدون المحبة أو كما قال أحد الكتاب المسيحيين [أن توجد معناها أن تحب، وأن تحب معناها أن توجد]. والوجود المقصود هنا هو الوجود فى المسيح والذى بدونه يصير الوجود بلا قيمة.

ليت الرب يثبتنا فى المحبة لكى نثبت فيه ويثبت هو فينا. وليته يشعرنا بمحبته الفائقة الوصف لكى ننطلق بكل قوة فى خدمتنا وفى محبتنا.

لماذا اختار رسلاً

أراد السيد السيح أن يكرّم عروسه المحبوبة -كنيسته المقدسة- بأن يشركها معه فى العمل، فقال لرسله القديسين “كما أرسلنى الآب؛ أرسلكم أنا” (يو20: 21). بحيث يحمل الآباء الرسل نفس رسالة الحب والمصالحة التى حملها السيد المسيح نفسه، صانعاً الفداء بدم صليبه..

يا له من شرف عظيم أن تشترك الكنيسة، بقوة الروح القدس العامل فيها، مع عريسها السمائى فى توصيل بشرى الخلاص إلى كل البشرية، مؤيَّدة بخدمة الملائكة السمائيين الذين قال عنهم الكتاب: “أليس جميعهم أرواحاً خادمة، مُرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص” (عب1: 14).

وقد اختار السيد المسيح اثنى عشر تلميذاً ليكونوا معه وأرسلهم، ثم اختار سبعين آخرين لتكميل عمل الخدمة وأرسلهم.

كان شعب إسرائيل أثناء خروجهم فى برية سيناء قد جاءوا إلى واحة اسمها إيليم وهناك اثنتا عشر عين ماء وسبعون نخلة. وشربوا من مياه الينابيع الاثنى عشر وأكلوا من ثمار النخيل وانطلقوا بعد ذلك فى رحلتهم فى البرية (انظر خر15: 27).

كانت الينابيع الاثنى عشر إشارة إلى تلاميذ السيد المسيح الاثنى عشر، والسبعين نخلة إشارة إلى السبعين الآخرين الذين أرسلهم.

بالفعل صار الاثنا عشر ينابيع لمواهب الروح القدس وهم الذين صاروا يمنحون عطية الروح القدس بوضع الأيدى فى سر المسحة المقدسة وأيضاً فى سر الكهنوت. كما قدّم السبعون رسولاً غذاءً حلواً للشعوب التى حملوا إليها بشرى إنجيل الخلاص.

رقم الاثنى عشر

قاله السيد المسيح لرسله الاثنى عشر مثلما قال: “متى جلس ابن الإنسان على كرسى مجده، تجلسون أنتم أيضاً على اثنى عشر كرسياً، تدينون أسباط إسرائيل الاثنى عشر” (مت19: 28).

فمن الواضح أن السيد المسيح قد اختار تلاميذه بنفس عدد أسباط إسرائيل أو أبناء يعقوب الاثنى عشر.

فمن الاثنى عشر سبطاً تكونت كنيسة العهد القديم فى إطار محدود. وبالاثنى عشر رسولاً تكونت كنيسة العهد الجديد فى المسكونة كلها.

ولكن لماذا رقم الاثنى عشر بالذات؟

أولاً: من الملاحظ أن السنة تتكون من اثنى عشر شهراً، أى أن الزمان يكمل بالنسبة للأرض باثنى عشر شهراً. مثل قول الرب لإبراهيم حينما ظهر له عند بلوطات ممرا: “إنى أرجع إليك نحو زمان الحياة، ويكون لسارة امرأتك ابن” (تك18: 10). والمقصود هنا إنها سوف يكون لها ابن فى نفس الموعد فى العام التالى.

فى العام الواحد أى فى اثنى عشر شهراً تكمل الأرض دورة كاملة حول الشمس. وتكمل كل فصول السنة بكل ما فيها من متغيرات..

وكمال العام باثنى عشر شهراً، يرمز إلى كمال الزمان. مثلما قال السيد المسيح: “قد كمل الزمان، واقترب ملكوت الله. فتوبوا وآمنوا بالإنجيل” (مر1: 15).

حقاً لقد أشرق شمس البر ربنا يسوع المسيح فى ملء الزمان، حسب وعد الرب “ولكم أيها المتقون اسمى تشرق شمس البر، والشفاء فى أجنحتها” (ملا4: 2).

لا توجد شمس لها أجنحة سوى ربنا يسوع المسيح، الذى بسط يديه -على خشبة الصليب- الممدودتين لاحتضان كل التائبين.

ثانياً: نلاحظ أيضاً أن اليوم يتكون من اثنتى عشرة ساعة، كما قال السيد المسيح: “أليست ساعات النهار اثنتى عشرة. إن كان أحد يمشى فى النهار لا يعثر، لأنه ينظر نور هذا العالم. ولكن إن كان أحد يمشى فى الليل يعثر لأن النور ليس فيه” (يو11: 9، 10).

إن السيد المسيح هو نور العالم.. والبشارة بالإنجيل هى نور العالم. ولهذا فقد حمل الاثنا عشر هذا النور، ونشروه فى المسكونة لإنارتها.

كانوا اثنى عشر ليحملوا أنوار ساعات النهار الاثنى عشر. وكل منهم كانت ترمز  إليه ساعة من ساعات النهار. كقول الرب عن يوحنا المعمدان “كان هو السراج الموقد المنير وأنتم أردتم أن تبتهجوا بنوره ساعة” (يو5: 35).

ثالثاً: رقم اثنى عشر هو رقم ثلاثة (مضروباً) فى رقم أربعة (3 × 4 = 12).

ورقم (3) هو إشارة إلى الثالوث القدوس وعمله فى خلاص البشرية.

أما رقم (4) فيشير إلى أربع اتجاهات المسكونة. أو يشير إلى الأناجيل أى البشائر الأربعة. وبهذا يكون رقم 12 هو إشارة إلى عمل الثالوث القدوس فى خلاص البشرية فى أرجاء المسكونة من مشارق الشمس إلى مغاربها ومن الشمال إلى الجنوب.

لهذا قال السيد المسيح لتلاميذه: “اذهبوا إلى العالم أجمع واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها” (مر16: 15) “وعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس وعلّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به” (مت28: 19، 20). وبالفعل قيل عن الآباء الرسل “فى كل الأرض خرج منطقهم وإلى أقطار المسكونة بلغت أقوالهم” (مز18: 4).

من الأمور الجميلة أن الكنيسة تحتفل بعيد الآباء الرسل يوم 12 من الشهر السابع من السنة الميلادية.

كما أن رقم 12 يستخدم فى حساب كثير من الأمور التى يتم إحصاؤها “بالدَسْتة”.

فى حديث السيد المسيح عن جيوش الملائكة قال لبطرس الرسول: “أتظن أنى لا أستطيع الآن أن أطلب إلى أبى فيقدم لى أكثر من اثنى عشر جيشاً من الملائكة” (مت26: 53).

وفى سفر الرؤيا رأى القديس يوحنا حول العرش فى السماء أربعة وعشرين قسيساً فى أيديهم مجامر وقيثارات، ويرفعون بخوراً أمام الله هو صلوات القديسين (انظر رؤ5: 8). والملاحظ هنا أن رقم 24 هو ضعف رقم 12 لأن النهار على الأرض، اثنتا عشرة ساعة، أما فى السماء فليس هناك نهار وليل، بل نهار دائم يرمز إليه رقم 24 (انظر رؤ21: 25).

أما المئة وأربعة وأربعون ألفاً البتوليون غير الدنسين (انظر رؤ14: 3، 4)، الذين ظهروا فى المشهد السماوى يتبعون الحمل (المسيح) أينما ذهب، فهؤلاء هم 12×12=144 مضاعفاً ألف مرة. فهؤلاء عاشوا حياة منيرة غير دنسة (12 ساعة)، وما فيها من نور هو بحسب الإيمان الرسولى (×12 رسول)، ويصعب حصر عددهم لكثرتهم (ألوف).

ولعل هذا يذكرنا بتوبة أهل نينوى الذين قال عنهم الله: إنهم اثنتا عشرة ربوة من الناس، أى مائة وعشرون ألفاً. وهو رقم 12×1000×10 ويرمزون إلى الذين يحيون حياة النور بالتوبة، فى أفواج يصعب حصرها (عشرات ألوف).

وهنا يتبادر إلى الذهن السؤال التالى

هل دبّر الله أن يكون النهار اثنتى عشرة ساعة، والسنة اثنى عشر شهراً، لكى يختار اثنى عشر تلميذاً؟ أم اختار اثنى عشر تلميذاً لأن النهار اثنتا عشرة ساعة، والسنة اثنى عشر شهراً؟

وللإجابة على ذلك نقول: إن المعنى الأساسى للرقم 12 هو الإشارة إلى الثالوث القدوس، فى عمله من أجل خلاص البشرية فى المسكونة كلها. وعلى هذا الأساس يأتى ترتيب باقى الأمور..

 

حقاً يا رب ما أعجب تدابيرك كلها بحكمة صنعت! وما أبعد أحكامك عن الفحص وطرقك عن الاستقصاء!.. إننا فقط نقف لنتأمل ونتفهم ونتعجب ويبقى أمامنا الكثير لنعرفه عنك يا إلهنا القدوس.

متابعة السيد المسيح الخدمة

قام السيد المسيح بمتابعته للخدمة بعد صعوده إلى السماء وإرسال الروح القدس ليعتنى بالكنيسة ويقودها ويرشدها ويذكّرها بكل ما قاله للتلاميذ، وليمنحها بركات الفداء الذى صنعه السيد المسيح لأجلها.

فبالرغم من الدور الواضح الفعال للروح القدس فى حياة الكنيسة حسب وعد السيد المسيح للتلاميذ: “أنا أطلب من الآب فيعطيكم معزياً آخر ليمكث معكم إلى الأبد” (يو14: 16)، إلا أنه هو نفسه أيضاً قد وعدهم قائلاً:”ها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر” (مت28: 20). ومعنى ذلك أنه بلاهوته الحاضر فى كل مكان وزمان لا يتخلى عن الكنيسة، بالرغم من صعوده جسدياً إلى السماء وجلوسه عن يمين الآب. هذا إلى جوار أنه يكون حاضراً بجسده ودمه على المذبح فى سر الإفخارستيا ليمنح المؤمنين حياة وثباتاً فيه بالتناول من أسراره الإلهية.

ولكن إلى جوار هذا كله، وإلى جوار قيامه بدور الشفيع أمام الآب من أجل غفران خطايانا وذلك باستحقاقات دمه المسفوك لأجلنا، كقول معلمنا يوحنا الرسول: “إن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار وهو كفارة لخطايانا” (1يو2: 1، 2). إلا أن السيد المسيح أيضاً كان يتابع الخدمة من السماء لأن الآب والابن والروح القدس يعملون معاً بالرغم من تمايز دور كل أقنوم من الأقانيم الثلاثة. وقد سبق أن قال السيد المسيح أثناء خدمته على الأرض: “أبى يعمل حتى الآن وأنا أعمل” (يو5: 17).

ظهور السيد المسيح لاستفانوس

فى بداية العصر الرسولى بعدما ارتفع السيد المسيح إلى السماء وبعد حلول الروح القدس على تلاميذه فى يوم الخمسين صار اسطفانوس رئيساً للشمامسة وكان يحاور اليهود حول شخص يسوع الناصرى مبرهناً أنه هو المسيح. وإذ أعطاه الرب حكمة لم يقدر اليهود أن يقاوموها، فكّروا فى التخلّص منه وقاموا بمحاكمته، وألقى هو خطاباً جامعاً فى جلسة المحاكمة موبخاً رؤساء اليهود على قساوة قلوبهم؛ وكان وجهه يضئ كوجه ملاك.. وتألّق اسطفانوس جداً ممتلئاً من الروح القدس وهو يشهد للسيد المسيح فقال: “ها أنا أنظر السماوات مفتوحة، وابن الإنسان قائماً عن يمين الله” (أع7: 56).

وهنا تألّقت حقيقة هامة، وهى أن السيد المسيح بالرغم من صعوده إلى السماء جسدياً إلا أن صلته بالكنيسة لم تنقطع.. بل باعتباره هو رأس الكنيسة فإنه يلهم الأعضاء ويقودهم ويؤازرهم فى وقت الشدة.

كان اسطفانوس يضع قدميه على أول درجات سلم الاستشهاد وظهر له السيد المسيح فى مجده السمائى مشجعاً إياه على الاستمرار مانحاً قوة الشهادة الكاملة فوق تأثير الزمان والمكان، ليكون القديس استفانوس غير عابئ بسخط اليهود واندفاعهم نحوه ليجروه نحو ساحة الاستشهاد راجمين إياه بحجارة الغضب المستطير. أما هو فظل منبهراً بالمشهد السمائى منشغلاً بالأمجاد الروحية.. فصلى بصراخ عظيم من أجل راجميه “يا رب لا تُقِم لهم هذه الخطية” (أع7: 60) أى طلب من الرب ألا تكون خطية رجمهم إياه عائقاً فى سبيل خلاصهم إن آمنوا بالمسيح.

وقبل ذلك عندما قاربت روحه على مفارقة الجسد تحت وطأة الرجم الشديد بالحجارة ازداد إحساسه بقربه من السيد المسيح وازداد تألقه الروحى فكان ينادى قائلاً: “أيها الرب يسوع اقبل روحى” (أع 7: 59) لقد قدّم نفسه ذبيحة حب وذبيحة إيمان وأخيراً انطلق ليكون فى عشرة دائمة مع المسيح لأن ذلك أفضل جداً.

ظهور السيد المسيح لبولس الرسول

كان شاول الطرسوسى هو من أبرز المشتركين فى رجم اسطفانوس رئيس الشمامسة وأول الشهداء حيث كان يحرس ثياب الراجمين “وكان شاول راضياً بقتله” (أع 8: 1). فقد كان يهودياً متعصباً يتصرف بجهل ويضطهد المؤمنين بالمسيح بعنف شديد.

ولكن الرب رأى فيه غيرة دينية من الممكن أن تفيد الكنيسة لو عرف صاحبها طريق الحق.. وإذ رأى فيه استعدادًا لذلك ظهر له فى الطريق إلى دمشق بمجد عظيم فى السماء وقال له عبارته المشهورة: “شاول شاول لماذا تضطهدنى.. صعب عليك أن ترفس مناخس” (أع9: 4، 5). يبدو أن الروح القدس كان قد بدأ يوبخه على قسوته فى معاملة المؤمنين بالمسيح خاصة ما حدث مع اسطفانوس الذى صلى من أجله فى أشد ساعات المحنة والعذاب.

وقال شاول متسائلاً: “من أنت يا سيد؟ فقال الرب: أنا يسوع الذى أنت تضطهده. صعب عليك أن ترفس مناخس. فقال وهو مرتعد ومتحير: يا رب، ماذا تريد أن أفعل” (أع9: 5، 6).

لقد تحوّل شاول الطرسوسى مضطهد الكنيسة إلى إنسان يؤمن بالمسيح وينتظر الخلاص والاستنارة بالمعمودية. وصار فيما بعد هو بولس الرسول الكارز العظيم بالمسيحية.

ظهور السيد المسيح لحنانيا

ظهر السيد المسيح لأسقف دمشق فى رؤيا وقال له: “يا حنانيا. فقال هأنذا يا رب، فقال له الرب قم واذهب إلى الزقاق الذى يُقال له المستقيم، واطلب فى بيت يهوذا رجلاً طرسوسياً اسمه شاول. لأنه هوذا يصلى، وقد رأى فى رؤيا رجلاً اسمه حنانيا داخلاً وواضعاً يده عليه لكى يبصر. فأجاب حنانيا: يا رب، قد سمعت من كثيرين عن هذا الرجل، كم من الشرور فعل بقديسيك فى أورشليم وههنا له سلطان من قبل رؤساء الكهنة أن يوثق جميع الذين يدعون باسمك. فقال له الرب اذهب لأن هذا لى إناء مختار ليحمل اسمى أمام أمم وملوك وبنى إسرائيل. لأنى سأريه كم ينبغى أن يتألم من أجل اسمى” (أع9: 10-16).

وبالفعل مضى حنانيا وقام بعماد شاول الطرسوسى وشفيت عيناه وامتلأ من الروح القدس “وكان شاول مع التلاميذ الذين فى دمشق أياماً” (أع9: 19).

لقد كان للسيد المسيح دور مباشر فى حياة القديس بولس الرسول.. فبالرغم من وجود الاثنى عشر رسولاً، إلا أن السيد المسيح بعد صعوده إلى السماء قد اختار بولس ودعاه وأعده للخدمة وأرسله، وظهر له أكثر من مرة، وقام بتوجيه خدمته، بل وسلّمه أشياء تخص صميم عمله الكهنوتى فى الكنيسة. وبهذا أضاف الرب إلى الكنيسة قوة هائلة فى الخدمة.

تسليم الإنجيل لبولس الرسول

بعد أن ظهر السيد المسيح لبولس الرسول الذى كان شاول الطرسوسى ودعاه وهو فى الطريق إلى دمشق، وبعد عماده وامتلائه بالروح القدس على يد حنانيا أسقف دمشق، وهروبه من دمشق حينما حاول اليهود أن يقتلوه، ذهب إلى الصحراء العربية لمدة ثلاث سنوات حيث استلم من السيد المسيح الإنجيل والتقليد الرسولى وكيفية ممارسة الأسرار الكنسية مثل سر الإفخارستيا وغيره ويتضح ذلك من سرده هو نفسه لهذا الأمر فى رسالته إلى أهل غلاطية إذ قال:

“وأعرفكم أيها الإخوة الإنجيل الذى بَشّرت به إنه ليس بحسب إنسان لأنى لم أقبله من عند إنسان ولا علّمته. بل بإعلان يسوع المسيح فإنكم سمعتم بسيرتى قبلاً فى الديانة اليهودية أنى كنت أضطهد كنيسة الله بإفراط وأتلفها. وكنت أتقدم فى الديانة اليهودية على كثيرين من أترابى فى جنسى إذ كنت أوفر غيرة فى تقليدات آبائى. ولكن لما سر الله الذى أفرزنى من بطن أمى ودعانى بنعمته أن يعلن ابنه فىّ لأبشر به بين الأمم، للوقت لم أستشر لحماً ودماً ولا صعدت إلى أورشليم إلى الرسل الذين قبلى، بل انطلقت إلى العربية ثم رجعت أيضاً إلى دمشق. ثم بعد ثلاث سنين صعدت إلى أورشليم لأتعرّف ببطرس، فمكثت عنده خمسة عشر يوماً. ولكننى لم أر غيره من الرسل إلا يعقوب أخا الرب” (غل1: 11- 19 ).

إذن لقد استلم بولس الرسول الإنجيل الذى بَشّر به فى كل مكان من السيد المسيح نفسه بعد صعود السيد المسيح إلى السماء، مثلما استمع باقى الرسل إلى السيد المسيح فى مدة خدمته على الأرض. وقد أكد بولس الرسول هذا فى رسالته إلى أهل كورنثوس فى حديثه عن سر الإفخارستيا (القداس الإلهى) إذ قال:

“لأننى تسلّمت من الرب ما سلّمتكم أيضاً، إن الرب يسوع فى الليلة التى أسلم فيها أخذ خبزاً وشكر فكسر وقال خذوا كلوا هذا هو جسدى المكسور لأجلكم. اصنعوا هذا لذكرى. كذلك الكأس أيضاً بعدما تعشوا قائلاً هذه الكأس هى العهد الجديد بدمى. اصنعوا هذا كلما شربتم لذكرى. فإنكم كلما أكلتم هذا الخبز وشربتم هذه الكأس تخبرون بموت الرب إلى أن يجيء” (1كو11: 23-26).

 

إننا نرى العناية الفائقة من الرب يسوع المسيح برسوله بولس إذ أنه قد قام بتسليمه كل مبادئ الإيمان والبشارة وكيفية ممارسة الأسرار الكنسية مثلما فعل قبل ذلك مع الرسل الذين عاصروا مدة خدمته على الأرض إلى اليوم الذى صعد فيه إلى السماء بعدما أوصاهم بأن لا يبرحوا أورشليم إلى أن يلبسوا قوة من الأعالى متى حل الروح القدس عليهم. ولكننا ينبغى أن نلاحظ أن بولس الرسول لم يستقل عن الكنيسة بالرغم من أنه قد تسلم من السيد المسيح كل شئ، بل كان يعتقد فى جامعية الكنيسة ومجمعيتها، لذلك أكمل حديثه إلى أهل غلاطية عن باقى تفاصيل مسيرته الرسولية بعد لقائه مع بطرس الرسول ويعقوب أخا الرب “ثم بعد أربع عشرة سنة صعدت أيضاً إلى أورشليم مع برنابا آخذاً معى تيطس أيضاً. وإنما صعدت بموجب إعلان وعرضت عليهم الإنجيل الذى أكرز به بين الأمم، ولكن بالانفراد على المعتبرين لئلا أكون أسعى أو قد سعيت باطلاً” (غل2: 1، 2).

إن فى هذا أعظم درس للذين يسيرون وراء الرؤى والإعلانات الكاذبة مثل إيلين هوايت التى ابتدعت كثيراً لطائفة الأدفنتست السبتيين، وأعطوها لقب نبية ورسولة واعتبروا أن الرؤى التى رأتها هى إعلانات إلهية، بينما هى تحوى على تعاليم كثيرة مضادة للتعليم الرسولى. ولم ترجع إيلين هوايت إلى خلفاء الرسل فى الكنائس الأرثوذكسية لتعرف صحة الرؤى التى رأتها، وإنما تمادت فى انحرافها ودعاها الأدفنتست نبية الأيام الأخيرة، وهى لم تكن نبية على الإطلاق.

لقد صعد بولس الرسول ليعرض الإنجيل الذى يكرز به بين الأمم على الآباء الرسل ليتأكد من صحة التعليم الرسولى الذى ائتمنه الرب عليه. وأكمل سرده لما حدث فقال “فإذ علم بالنعمة المعطاة لى يعقوب وصفا ويوحنا المعتبرون أنهم أعمدة؛ أعطونى وبرنابا يمين الشركة لنكون نحن للأمم وأما هم فللختان. غير أن نذكر الفقراء. وهذا عينه كنت اعتنيت أن أفعله” (غل2: 9، 10). لقد أضافوا إلى اختصاص بولس الرسول فى خدمة الأمم اهتمامه بفقراء أورشليم وهذا ما تم بالفعل.

رؤيا بولس الرسول فى أورشليم

إلى جوار ظهور السيد المسيح لبولس الرسول فى الطريق إلى دمشق، وإلى جوار إعلاناته له حينما سلّمه التقليد الرسولى فى مدة السنوات الثلاثة فى العربية فقد رآه بولس الرسول فى الهيكل بأورشليم وسرد ذلك كما يلى: “وحدث لى بعد ما رجعت إلى أورشليم وكنت أصلى فى الهيكل أنى حصلت فى غيبة فرأيته قائلاً لى أسرع واخرج عاجلاً من أورشليم لأنهم لا يقبلون شهادتك عنى. فقلت يا رب هم يعلمون أنى كنت أحبس وأضرب فى كل مجمع الذين يؤمنون بك وحين سُفك دم إسطفانوس شهيدك كنت أنا واقفاً وراضياً بقتله وحافظاً ثياب الذين قتلوه. فقال لى: اذهب فإنى سأرسلك إلى الأمم بعيداً” (أع22: 17-21).

ما أجمل هذا الحوار لإقناع بولس الرسول أن يفارق أورشليم المحبوبة ليذهب إلى كنيسة الأمم لتصير عروساً للمسيح، لم يكن من السهل على بولس الرسول أن يترك كرازة اليهود بالإنجيل ليذهب إلى الأمم.

ولكن السيد المسيح كان قد أعده للكرازة للأمم وهذا ما تحقق بالفعل فيما بعد وأعطته الكنيسة يمين الشركة للأمم لينشر الإنجيل وينضم الأمم إلى خراف السيد المسيح فتكون رعية واحدة لراعٍ واحد كما سبق ووعد بفمه الإلهى المبارك.

رؤيا يوحنا اللاهوتى

إلى جوار ما عمله الروح القدس للتلاميذ بعد يوم الخمسين فإن السيد المسيح قد شارك فى إعلان أموراً لرسله القديسين، منها ما أعلنه ليوحنا فى سفر الرؤيا أو ما أراه إياه.

فقد كتب يوحنا الرسول إنجيلاً بوحى من الروح القدس أفاض فيه فى شرح حقائق الإيمان بالثالوث القدوس. فهو الذى أوضح أن يسوع المسيح هو نفسه الله الكلمة الذى تجسد من أجل خلاصنا وأنه هو وحيد الجنس (monogenh,j  مونوجينيس) المولود من الآب والكائن فى حضن الآب أى أنه هو ابن الله الوحيد الذى يحمل نفس طبيعة الآب وجوهره. كما أوضح القديس يوحنا أقنومية الروح القدس (معزياً آخر) وأنه من عند الآب ينبثق، وأنه يسمع ويتكلم ويشهد ويأخذ ويخبر ويعلم ويرشد.

وجاء إنجيل يوحنا فى نهاية القرن الأول المسيحى ليؤكّد كل الإيمان الرسولى الذى تم تسليمه مرة للقديسين وليسجّل حقائق هذا الإيمان وليرد على الهرطقات التى بدأت تظهر فى فجر المسيحية. وكان إنجيل يوحنا هو آخر ما تم كتابته من الأناجيل.

إلى جوار ذلك كتب القديس يوحنا الرسول ثلاث رسائل حسبت ضمن الرسائل الجامعة تحوى تعاليماً كثيرة هامة فى حياة الكنيسة وفى تفسير وتأكيد تعاليم السيد المسيح خاصة وصية المحبة التى أوصى بها تلاميذه. وكتب يوحنا فى رسائله يقول أن “الله محبة ومن يثبت فى المحبة يثبت فى الله، والله فيه” (1يو4: 16).

ولكن الأمر لم يقف عند هذا الحد بل أراد الرب أن يستخدم تلميذه الحبيب يوحنا فى إعلان أمور تخص الآخرة والحياة الأبدية ومستقبل الكنيسة ونهاية العالم بصورة نبوية رؤيوية تحوى كثيراً من الرموز والأختام والأسرار وتدعو إلى التأمل العميق، كما تكشف أبعاد لاهوتية فى منتهى القوة تسند الكنيسة فى صراعها ضد الهرطقات وفى مواجهة الأيام الأخيرة.

الجميل فى هذا الأمر أن سفر الرؤيا (أبو غالمسيس) تبدأ أحداثه بظهور السيد المسيح فى مجده السمائى ليوحنا ليعلن له كثيراً من الأمور التى لم يكن من الممكن أن يذكرها لتلاميذه أثناء خدمته على الأرض بل قال لهم: “إن لى أموراً كثيرة أيضاً لأقول لكم ولكن لا تستطيعون أن تحتملوا الآن” (يو16: 12).

يقول يوحنا فى رؤياه: “كنت فى الروح فى يوم الرب، وسمعت ورائى صوتاً عظيماً كصوت بوق قائلاً: أنا هو الألف والياء الأول والآخر. والذى تراه، اكتب فى كتاب وأرسل إلى السبع الكنائس التى فى أسيا.. فالتفتُّ لأنظر الصوت الذى تكلّم معى. ولما التفتُّ رأيت سبع مناير من ذهب، وفى وسط السبع المناير شبه ابن إنسان، متسربلاً بثوب إلى الرجلين، ومتمنطقاً عند ثدييه بمنطقة من ذهب. وأما رأسه وشعره فأبيضان كالصوف الأبيض كالثلج، وعيناه كلهيب نار. ورجلاه شبه النحاس النقى، كأنهما محميتان فى أتون وصوته كصوت مياه كثيرة. ومعه فى يده اليمنى سبعة كواكب، وسيف ماضٍ ذو حدين يخرج من فمه، ووجهه كالشمس وهى تضئ فى قوتها” (رؤ1: 10-16).

الذى ظهر ليوحنا فى رؤياه هو السيد المسيح بدليل قوله له: “لا تخف. أنا هو الأول والآخر، والحى وكنت ميتاً، وها أنا حى إلى أبد الآبدين” (رؤ1: 17، 18).

وأوصاه السيد قائلاً: “اكتب ما رأيت، وما هو كائن، وما هو عتيد أن يكون بعد هذا” (رؤ1: 19).

وبعد أن أوصاه أن يكتب رسالة حددها له إلى كل أسقف من أساقفة الكنائس السبعة ممتلئة من التعاليم الهامة والنافعة والتحذيرية، يقول القديس يوحنا: “بعد هذا نظرت وإذا باب مفتوح فى السماء، والصوت الأول الذى سمعته كبوق يتكلم معى قائلاً: اصعد إلى هنا فأريك ما لابد أن يصير بعد هذا. وللوقت صرت فى الروح، وإذا عرش موضوع فى السماء، وعلى العرش جالس” (رؤ4: 1، 2).

لقد اخترق يوحنا بالرؤيا حاجز الزمن بروح النبوة ليرى أموراً مستقبلية.

أما الله فهو كائن فى كل زمان بما فى ذلك المستقبل لأن الله فوق الزمن لذلك قال ليوحنا “اصعد إلى هنا فأريك ما لابد أن يصير بعد هذا”.

إن اللسان ينعقد أمام هذه الإعلانات الإلهية المملوءة سراً ويقف الإنسان مبهوراً أمام روعة العمل الإلهى. وها هو السيد المسيح من السماء العليا يواصل عنايته بكنيسته المحبوبة يخاطبها ويرسل إليها الرسائل ويعلن لها أسرار الأبدية ويعمل فيها بروحه القدوس بكل قوة.

حقاً ما أعجب اسمك يا رب، وعظيمة هى أعمالك يا ملك القديسين!

 

 



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.