تأملات فى حياة وخدمة السيد المسيح – المسيح مشتهى – الأنبا بيشوي مطران دمياط و البراري – الباب السادس

هذا الفصل هو جزء من كتاب: تأملات فى حياة وخدمة السيد المسيح – المسيح مشتهى – الأنبا بيشوي مطران دمياط و البراري. إضغط هنا للذهاب لصفحة تحميل الكتاب.

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”تأملات فى حياة وخدمة السيد المسيح – المسيح مشتهى – الأنبا بيشوي مطران دمياط و البراري” field=name]

التجلى

بعد قيامة السيد المسيح من الأموات قال لتلاميذه: “هذا هو الكلام الذى كلمتكم به وأنا بعد معكم أنه لابد أن يتم جميع ما هو مكتوب عنى فى ناموس موسى والأنبياء والمزامير” (لو24: 44).

وقبل الصلب بأيام معدودة أراد السيد المسيح أن يؤكد لنا العلاقة الوثيقة بين ناموس موسى والأنبياء والمزامير. وأن يظهر أهمية ما تكلم به الأنبياء فى الكتب المقدسة عن تجسده وصلبه وقيامته أى عن الخلاص “الخلاص الذى فتش وبحث عنه أنبياء.. باحثين أى وقت أو ما الوقت الذى كان يدل عليه روح المسيح الذى فيهم إذ سبق فشهد بالآلام التى للمسيح والأمجاد التى بعدها” (1بط1: 10، 11).

على جبل التجلى

التقى الناموس والأنبياء مع ابن داود صاحب المزامير، أو مع الملك الحقيقى ابن داود الذى قال عنه الملاك: “ويعطيه الرب الإله كرسى داود أبيه ويملك على بيت يعقوب إلى الأبد ولا يكون لملكه نهاية” (لو1: 32، 33).

التقى موسى كاتب الناموس، وإيليا النبى العظيم مع المسيا مخلّص العالم. فما أروعه لِقاء.

التقى مَنْ رقد ميتاً على الرجاء، ومعه مَنْ صعد حياً إلى السماء مع مَن مات وقام وصعد إلى أعلى السماوات بعد أن قهر الموت، وحرر البشر من سلطانه.

التقى الناموس والأنبياء مع مشتهى الأجيال، فوق كل حواجز الزمان والمكان.. فى لقاء يحوطه مجد الآب .. فى سيمفونية الخلاص والفداء.. فى حديث ملئه الرجاء، عن خروج الكلمة المرسل من السماء، ليصنع خلاصاً كاملاً فى أورشليم. حسب ما ذكره القديس لوقا فى إنجيله عن واقعة التجلى إذ قال: “وإذا رجلان يتكلمان معه وهما موسى وإيليا. اللذان ظهرا بمجدٍ وتكلّما عن خروجه الذى كان عتيداً أن يكمله فى أورشليم” (لو9: 30، 31). والمقصود “بخروجه” أى أنه “خرج وهو حامل صليبه” (يو19: 17) فى طريقه من أورشليم إلى الجلجثة لإتمام الفداء. وبهذا يتضح أن الحديث الذى دار بين موسى وإيليا وبين السيد المسيح على جبل التجلى كان بشأن الصليب.

على جبل التجلى أظهر السيد المسيح كيف يمكن أن يجتمع الكل حول شخصه باعتباره الرب الفادى والمخلّص. وكيف يتقوى الجديد “الرسل” بالقديم “الأنبياء”. وكيف تجتمع الأزمنة انطلاقاً نحو الأبدية بمعرفة يسوع المسيح ابن الله الوحيد.

لهذا جاء إعلان الآب من المجد الأسنى فوق الجبل عن ابنه “هذا هو ابنى الحبيب الذى به سررت، له اسمعوا” (مت17: 5).

كل هذه الإعلانات المختصة بالفداء والأبدية أراد الرب أن يتركها لنا، ولكنه مع ذلك أوصى تلاميذه الذين عاينوا مجد التجلى قائلا: “لا تعلموا أحداً بما رأيتم حتى يقوم ابن الإنسان من الأموات” (مت17: 9).

كان الرب يصنع الكثير لأجلنا، ولأجل ثباتنا فى الإيمان، ولكنه لم يرغب فى هذه الأمور إطلاقاً بدافع التباهى أو التظاهر.

لقد صُلب السيد المسيح على مرأى من الجميع بكل ما فى الصلب من هوان وعار. ولكنه آثر أن يقوم ويدخل إلى مجد القيامة فى هدوء ولا يراه قائماً إلا تلاميذه المؤمنون به فقط. فكان متضعاً فى قيامته كما علّمنا قداسة البابا شنودة الثالث.

وهكذا أيضاً لم يشاهد واقعة التجلى سوى ثلاثة من تلاميذ السيد المسيح ليكونوا شهوداً على ما جرى مثلما صاروا شهوداً للقيامة فيما بعد.

وحتى حينما اعترف بطرس والتلاميذ بألوهية السيد المسيح “أنت هو المسيح ابن الله الحى” (مت16: 16) فإن السيد المسيح قد أوصى تلاميذه: “أن لا يقولوا لأحد إنه يسوع المسيح” (مت16: 20) “من ذلك الوقت ابتدأ يسوع يظهر لتلاميذه أنه ينبغى أن يذهب إلى أورشليم ويتألم كثيراً من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة ويقتل وفى اليوم الثالث يقوم” (مت16: 21) وكأن السيد المسيح لا يرغب فى تعطيل الصليب، لأن معرفة ألوهيته سوف تتأكد بالأكثر حينما يقهر الموت بالصليب، منتصراً عليه فى قيامته المحيية.

وقد صعد السيد المسيح إلى جبل التجلى بعد ستة أيام فقط من حديثه للتلاميذ عن صلبه وآلامه، ليؤكد لهم صدق كلام الأنبياء الذين تنبأوا عن تفاصيل كثيرة تخص هذه الآلام التى للمسيح والأمجاد التى بعدها.

فى كل ذلك كان حريصاً أن يحتفظ بأسرار أمجاده الإلهية، فلا تُعلَن للناس إلا بعد  إتمامه الفداء، وذهابه إلى أبيه السماوى بتركه لهذا العالم الحاضر، الذى لم يطلب فيه مجداً من الناس لأن مجده الحقيقى هو عند الآب الذى أرسله.

عجيب أنت يا رب فى تواضعك من يقدر أن يصفه!

هل أخفى السيد المسيح مجده الإلهى؟

أخفى السيد المسيح مجده الإلهى المنظور عن غالبية الناس حتى يتم الفداء. ولذلك فحينما تجلى على الجبل، أوصى تلاميذه بطرس ويعقوب ويوحنا، الذين شاهدوا منظر التجلى، أن لا يخبروا أحداً بما رأوه إلى أن يقوم من الأموات بعد إتمام فداء الصليب، وذلك لكى لا يتعطل خلاص البشرية. وقد روى القديس متى الرسول الإنجيلى هذه الواقعة كما يلى:

“أخذ يسوع بطرس ويعقوب ويوحنا أخاه وصعد بهم إلى جبل عال منفردين وتغيرت هيئته قدامهم، وأضاء وجهه كالشمس، وصارت ثيابه بيضاء كالنور. وإذا موسى وإيليا قد ظهرا لهم يتكلمان معه فجعل بطرس يقول ليسوع: يا رب جيد أن نكون ههنا، فإن شئت نصنع هنا ثلاث مظال، لك واحدة ولموسى واحدة ولإيليا واحدة. وفيما هو يتكلم إذا سحابة نيرة ظللتهم وصوت من السحابة قائلاً: هذا هو ابنى الحبيب الذى به سررت له اسمعوا. ولما سمع التلاميذ سقطوا على وجوههم وخافوا جداً. فجاء يسوع ولمسهم وقال: قوموا ولا تخافوا. فرفعوا أعينهم ولم يروا أحداً إلا يسوع وحده. وفيما هم نازلون من الجبل أوصاهم يسوع قائلاً: لا تُعلِموا أحد بما رأيتم حتى يقوم ابن الإنسان من الأموات” (مت17: 1–9).

وكان من الضرورى لإتمام الفداء، أن يخفى حقيقة لاهوته عن الشيطان.. وأن يخفى مجده الإلهى عن عظماء هذا الدهر. لهذا قال معلمنا بولس الرسول عن الحكمة المكتومة منذ الدهور: “التى لم يعلمها أحد من عظماء هذا الدهر. لأن لو عرفوا لما صلبوا رب المجد” (1كو2: 8).

ربما يعتقد البعض أن عدم إعلان السيد المسيح لمجده الإلهى الكامل (ملء مجده)، هو تجزئة لهذا المجد. ولكن الحقيقة أن السيد المسيح يعلن مجده بحسب مقتضيات الحال فى إتمام رسالته الخلاصية وبدرجات متفاوتة. فمثلاً حادثة التجلى سمح لثلاثة فقط من تلاميذه الرسل القديسين أن يعاينوها كما ذكرنا وهم بطرس ويعقوب ويوحنا. وأمرهم أن لا يُعلِموا أحداً بما رأوه حتى يقوم من الأموات.

وأشار القديس بطرس إلى هذه الرؤية التى كشف فيها السيد المسيح عن شعاع من مجده بحيث يحتمله هؤلاء التلاميذ “إذ عرّفناكم بقوة ربنا يسوع المسيح ومجيئه، بل قد كنا معاينين عظمته، لأنه أخذ من الله الآب كرامة ومجداً إذ أقبل عليه صوت كهذا من المجد الأسنى: هذا هو ابنى الحبيب الذى أنا سررت به، ونحن سمعنا هذا الصوت مقبلاً من السماء إذ كنا معه فى الجبل المقدس” (2بط1: 16-18).

ملء مجد المسيح

حدثت واقعة على جبل سيناء طلب فيها موسى النبى من السيد المسيح أن يريه ملء مجده فقال له: إن الإنسان لا يستطيع أن يراه ويعيش، وقال له يمكنك أن ترى ورائى فقط أما وجهى فلا يُرى. بمعنى أنه يمكنه أن يرى مستوى من مجده لا يصل إلى مجده الكامل. وفى كل الأحوال لا يعنى تجزئة المجد الإلهى بل إعلانه للبشر بالمستوى الذى يحتملونه.

وقد روى موسى النبى فى التوراة فى سفر الخروج هذه الواقعة فى حوار بينه وبين الابن الوحيد إذ قال موسى للرب: “فإنه بماذا يُعلم أنى وجدت نعمة فى عينيك أنا وشعبك أليس بمسيرك معنا؟ فنمتاز أنا وشعبك عن جميع الشعوب الذين على وجه الأرض. فقال الرب لموسى: هذا الأمر أيضاً الذى تكلّمت عنه أفعله لأنك وجدت نعمة فى عينى وعرفتك باسمك. فقال: أرنى مجدك. فقال: أجيز كل جودتى قدامك وأنادى باسم الرب قدامك وأتراءف على من أتراءف وأرحم من أرحم. وقال: لا تقدر أن ترى وجهى لأن الإنسان لا يرانى ويعيش. وقال الرب: هوذا عندى مكان فتقف على الصخرة. ويكون متى اجتاز مجدى أنى أضعك فى نقرة من الصخرة وأسترك بيدى حتى أجتاز، ثم أرفع يدى فتنظر ورائى وأما وجهى فلا يرى” (خر33: 16-23).

وحينما قال الرب لموسى: “الإنسان لا يرانى ويعيش” كان بكل وضوح يتكلم عن مجده الكامل لأن موسى طلب من الرب كما ورد فى النص “أرنى مجدك” (خر33: 18). ولهذا قال له الرب: “متى اجتاز مجدى.. تنظر ورائى أما وجهى فلا يرى” (خر33: 22، 23).

إن الإنسان لا يستطيع أن يرى مجد الرب الكامل، أى ملء مجده ويعيش. لأن الملائكة نفسها تستر وجوهها من بهاء عظمة مجده، كما أن الإنسان الذى لا يزال تحت الآلام فى جسد الموت لا يمكن أن يرى مجد الله الفائق ويعيش؛ لأنه لم يأخذ جسد القيامة الروحانى الممجد. أما فى الأبدية فهناك أمجاد لا يعبر عنها ولا يسوغ لإنسان أن يتكلم عنها ولا نستطيع أن نحدد أبعادها لأن أسرارها لم تعلن بعد.

ليت الرب يعطينا فهماً لمعنى إخلاء السيد المسيح لنفسه حينما تجسد وأخفى مجده المنظور “الذى إذ كان فى صورة الله لم يحسب مساواته لله اختلاساً، لكنه أخلى نفسه آخذاً صورة عبد صائراً فى شبه الناس. وإذا وجد فى الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب” (فى2: 6–8).

أخفاء المجد المنظور حينما أخلى الابن الوحيد الجنس نفسه آخذاً صورة عبد، فإنه قد أخفى مجده المنظور. لأنه سبق أن قال لموسى فى الجبل حينما طلب أن يرى مجده الكامل: “لا تقدر أن ترى وجهى. لأن الإنسان لا يرانى ويعيش..” (خر33: 20-23).

لقد أظهر السيد المسيح لتلاميذه بطرس ويعقوب ويوحنا شعاعاً من مجده على جبل التجلى. ولكنه أثناء نزولهم من على الجبل أوصاهم ألا يخبروا أحداً بما رأوه إلى ما بعد إتمام الفداء على الصليب وقيامته المجيدة من الأموات (انظر مت17: 1-9، مر9: 1-9).

وحتى هذا المجد على جبل التجلى لم يكن إلاّ قدر ضئيل من مجده. لأن الإنسان قبل أن يلبس جسد القيامة الممجد لا يستطيع أن يرى المسيح فى ملء مجده ويعيش.

لقد أخفى السيد المسيح مجده فى التجسد، لكى يمكن أن يتم الفداء. وإلا لما استطاع أن يقترب منه أى إنسان، أو يمد يده عليه بالجلد والصلب وكل ما كان. وعن هذا قال معلمنا بولس الرسول: “لأن لو عرفوا لَما صلبوا رب المجد” (1كو2: 8).

وفى مناجاة السيد المسيح للآب فى ليلة آلامه قال له: “أيها الآب قد أتت الساعة. مجّد ابنك ليمجّدك ابنك أيضاً.. أنا مجدّتك على الأرض. العمل الذى أعطيتنى لأعمل قد أكملته. والآن مجّدنى أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذى كان لى عندك قبل كون العالم” (يو17: 1، 4، 5). وقال أيضاً: “أيها الآب أريد أن هؤلاء الذين أعطيتنى يكونون معى حيث أكون أنا لينظروا مجدى الذى أعطيتنى لأنك أحببتنى قبل إنشاء العالم” (يو17: 24).

إذن لقد أخفى السيد المسيح مجده المنظور أثناء وجوده فى الجسد على الأرض لكى يكون من الممكن أن يتم الفداء.

ولكنه أظهر قدراً من هذا المجد لبعض تلاميذه على جبل التجلى ليبرهن لهم أنه قد أخفى هذا المجد بإرادته، ولم يفقده على الإطلاق. إذ هو خاص بجوهره الإلهى الذى هو واحد فيه مع أبيه السماوى من حيث لاهوته. فالابن له نفس الجوهر مع الآب وهو مساوٍ له فى المجد الإلهى والربوبية، وممجد مع أبيه الصالح والروح القدس المساوى.

مجداً من الناس لست أقبل لماذا قال السيد المسيح هذه العبارة فى إنجيل يوحنا (يو5: 41) مع أن تمجيده هو من أهم أساسات العبادة المسيحية.

فنحن نعطى المجد (الذوكصا) للثالوث قائلين فى كل صلاة: {المجد للآب والابن والروح القدس}.

ويكلّمنا الكتاب المقدس عن مجد المسيح فى كثير من المواضع وعلى سبيل المثال:

“كما اشتركتم فى آلام المسيح افرحوا لكى تفرحوا فى استعلان مجده أيضاً مبتهجين” (1بط4: 13).

“كل خليقة مما فى السماء وعلى الأرض وتحت الأرض وما على البحر كل ما فيها سمعتها قائلة: للجالس على العرش وللخروف (للمسيح) البركة والكرامة والمجد والسلطان إلى أبد الآبدين” (رؤ5: 13).”ومتى جاء ابن الإنسان فى مجده وجميع الملائكة القديسين معه فحينئذ يجلس على كرسى مجده ويجتمع أمامه جميع الشعوب فيميّز بعضهم من بعض كما يميّز الراعى الخراف من الجداء” (مت25: 31، 32).”كان ينبغى أن المسيح يتألم بهذا ويدخل إلى مجده” (لو24: 26).

نوعان من المجد

هناك نوعان من المجد: المجد الحقيقى، والمجد الباطل.

المجد الحقيقى: هو المجد الممنوح من الله.

والمجد الباطل: هو الذى يفتعله البشر بدون أساس حقيقى.. وهو مجد زائل قال عنه السيد المسيح: “كيف تقدرون أن تؤمنوا، وأنتم تقبلون مجداً بعضكم من بعض، والمجد الذى من الإله الواحد لستم تطلبونه” (يو5: 44).

هذا المجد الباطل هو الذى قال عنه السيد المسيح: “مجداً من الناس لست أقبل” (يو5: 41) وهو نوع المجد الذى يمنع الناس من الإيمان بالمسيح أو يمنعهم من الاعتراف بهذا الإيمان بسبب خوفهم من ضياع مجد الناس كما هو مكتوب عن السيد المسيح “ولكن مع ذلك آمن به كثيرون من الرؤساء أيضاً غير أنهم لسبب الفريسيين لم يعترفوا به لئلا يصيروا خارج المجمع. لأنهم أحبوا مجد الناس أكثر من مجد الله” (يو12: 42، 43).

بين التجلى والصليب

كان اللقاء بين التجلى والصليب، هو مقدمة التجلى فوق الصليب.

ولكن التجلى المنظور على جبل تابور، كان فى الخفاء بعيداً عن أعين الناس. فلم يبصره سوى ثلاثة من التلاميذ، هم أنفسهم الذين أبصروا الجهاد فى البستان.

أما الصليب فقد رآه كثيرون. لأن موضع الجلجثة كان قريباً من أورشليم. ولكن التجلى فوق الصليب لم تلحظه إلا أعين الإيمان، وسوف يبقى الصليب تجلياً مخفياً، لا تراه إلا الأعين الأمينة فى تطلعها نحو السماء.

على الصليب تألق الحب فى أجلى معانيه.. الحب الذى يتألم بكل الفرح من أجل من يحب.. والذى يغفر بكل حب.. والذى يعطى بلا حدود، وإلى المنتهى “أحبهم إلى المنتهى” (يو13: 1).. الحب الذى احتمل العار، لأنه حب بلا افتخار.

وعلى الصليب تألق العدل، مُعلناً قداسة الله الكاملة، الرافضة للشر والخطية، فالله لم يشفق على ابنه حينما حمل خطايانا فى جسده، ليعلن الله رفضه للخطية فى حياة الإنسان، ولتظهر الخطية فى بشاعتها: خاطئة جداً “فالله إذ أرسل ابنه فى شبه جسد الخطية، ولأجل الخطية دان الخطية فى الجسد” (رو8: 3).على الصليب تألق الابن فى طاعته الكاملة لأبيه السماوى، معلناً أن الطاعة هى الطريق إلى الانتصار على كل قوى الظلمة والشر الروحية.

وعلى الصليب تألق الكاهن الأعظم وهو يصلى من أجل غفران خطايا كثيرين، مقدماً الذبيحة التى بلا عيب “الذى بروح أزلى قدّم نفسه لله بلا عيب” (عب9: 14).

على الصليب تجلى الاتضاع، الذى هو سر الغلبة الحقيقية على الشيطان.فبالاتضاع (إخلاء الذات) صار التجسد الإلهى ممكناً للابن الوحيد الحبيب.. وبالاتضاع أخفى السيد المسيح لاهوته عن الشيطان الذى ملأ الحقد قلبه بشكل رهيب.وبالاتضاع أرضى السيد المسيح قلب أبيه السماوى بسر عجيب . وبالاتضاع قَبِل الآلام والتعيير وعار الصليب.. وبالاتضاع قَبِل الموت عنا ودخل القبر فى سكون مهيب.. لقد تصور إبليس فى حماقته وكبريائه أنه قد انتصر حينما عُلق السيد المسيح على الصليب، وحينما ذاق الموت.

وكان السيد المسيح قد وضع نفسه، حتى أنه قَبِل الموت فى صورة المهزوم من أعدائه.

ولكنه فى الحقيقة قد سحق الشيطان بموته، وبقوة صليبه المحيى. وداس الموت بقيامته من الأموات منتصراً.

كان الموت بالنسبة للسيد المسيح هو الطريق إلى الفداء والكفارة، والمصالحة بين الله والإنسان، ودينونة الخطية فى الجسد، وإعلان حب الله كاملاً على الصليب.. فكان فى حقيقته انتصارًا، وفى ظاهره هزيمة.

هكذا دائماً الاتضاع يسلك من خلال التخلى عن مظهر القوة، لكى يحقق جوهرها الذى يستطيع أن يتألق (يتجلى) كحق أبدى لا يزول، تفهمه عقول قد استنارت بالرب، مصدر الحق والحياة.



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.