التاريخ الكنسي لسقراتيس سكولاستيكوس عن الفترة 306 م – 439 م – الكتاب السادس – ترجمة ايه سي زينوس – تعريب د.بولا ساويرس

هذا الفصل هو جزء من كتاب: التاريخ الكنسي لسقراتيس سكولاستيكوس عن الفترة 306 م – 439 م – ترجمة ايه سي زينوس – تعريب د.بولا ساويرس.

إضغط هنا للذهاب لصفحة تحميل الكتاب.

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”التاريخ الكنسي لسقراتيس سكولاستيكوس عن الفترة 306 م – 439 م – ترجمة ايه سي زينوس – تعريب د.بولا ساويرس” field=name]

 

الكتاب السادس: الفصل الأول

 (تقسيم المملكة. مقتل روفينوس البريتوريون)

(6/1/1) وعقب وفاة الامبراطور ثيودوسيوس فى السابع عشر من يناير فى أثناء قنصلية اولبيريوس وبروبينوس، تكفل ابناه بإدارة الامبراطورية الرومانية، فإختص اركاديوس بحكم الشرق وهونوريوس بحكم الغرب.

(6/1/2) وفى ذلك الوقت كان داماسوس اسقفا لكنيسة روما الامبراطورية، وثيوفيلس اسقفا لكنيسة الأسكندرية. ويوحنا اسقفا لأورشليم، وفلافيان اسقفا لأنطاكية. بينما كان يشغل كرسى اسقفية القسطنطينية أو روما الجديدة نكتاريوس كما ذكرنا فى الكتب السالفة([4]).

(6/1/3) ونُقِل جثمان الامبراطور ثيودوسيوس([5]) إلى القسطنطينية فى الثامن من نوفمبر من نفس القنصلية، ودفنه إبنه اركاديوس بإكرام وفقا للإجراءات الجنائزية المعتادة([6]).

(6/1/4) وليس بعد ذلك، بوقت طويل، وصلت أيضا فى الثامن والعشرين من نفس الشهر، قوات الجيش التى خدمت تحت إشراف الامبراطور ثيودوسيوس فى الحرب ضد الطاغية. وعندما قابل الامبراطور اركاديوس الجيش خارج البوابات حسب العادة، قتل الجنود روفينوس “البريتوريون بريفكت” الذى أُشتُبه فيه بأنه يسعى إلى السلطة، وأنه قد دعى الهون لغزو المقاطعات الرومانية والتى كانت قد استولت بالفعل على ارمينيا، وبدأت تشن الغارات على المقاطعات الأخرى فى الشرق. وفى نفس اليوم الذى قُتِل فيه روفينوس، مات ماركيان اسقف النوفاتيين، وخلفه فى الاسقفية سيسينيوس الذى تحدثنا عنه آنفا([7]).

الكتاب السادس: الفصل الثانى

(وفاة نكتاريوس وسيامة يوحنا ذهبى الفم  لكرسى القسطنطينية )

(6/2/1) وبعد ذلك بفترة وجيزة، توفى أيضا نكتاريوس([8]) اسقف القسطنطينية، فى السابع والعشرين من سبتمبر فى قنصلية كاسيريوس Cæsarius وآتيكوس([9])Atticus.

(6/2/2) وثار نزاع على الفور بشأن تعيين خلف له، فالبعض يقترح شخصا ما وآخرون آخر. وأخيرا استقروا على استدعاء يوحنا([10]) القس بكنيسة انطاكية، الذى كان معروفا عنه أنه متعلم جدا وفى نفس الوقت بليغ أيضا. واستدعاه الامبراطور اركاديوس بسرعة، بناء على إجماع الكهنة والعلمانيين، إلى القسطنطينية. ولكى يجعل السيامة أكثر جزما وشرعية طلب حضور كثيرين من الاساقفة، وكان من بينهم أيضا ثيوفيلس اسقف الأسكندرية([11]). وهذا الشخص فعل كل ما يستطيع للحط من سمعة يوحنا، لأنه كان يرغب فى إسناد هذا الكرسى لإيسيدورس([12]) القس بكنيسته، والذى كان ملتصقا به بشدة بسبب مهمة خطيرة تكفل بها ايسيدورس لخدمة مصالحه.

(6/2/3) أما ماهية هذه الخدمة فيجب الإفصاح عنها الآن. عندما كان الامبراطور ثيودوسيوس يسعى للحرب ضد الطاغية مكسيموس، أرسل ثيوفيلس ايسيدورس بهدايا ورسائل مزدوجة، وكلفه بتقديم الهدايا والرسائل إلى المنتصر. وبناء على هذه الوصية، سافر ايسيدورس إلى روما، وانتظر نتيجة الحرب. ولكن مهمته لم تظل سرية طويلا، إذ احتجز القارىء الذى كان يصطحبه الرسائل، فعاد ايسيدورس عندئذ بسرعة الى الأسكندرية. وهذا هو السبب الذى من أجله اهتم ثيوفيلس بشدة بإيسيدورس.

(6/2/4) ومع ذلك فضَّل البلاط يوحنا، وخاصة أن الكثيرين قد أحيوا الإتهامات التى ضد ثيوفيلس، واستعدوا لتقديمها إلى الاساقفة المجتمعين هناك لمناقشة اتهامات عديدة. وجمع يوتروبيوس Eutropius رئيس ضباط المخادع الامبراطورية هذه المستندات، وآراها لثيوفيلس وأمره أن يختار بين سيامة يوحنا وبين المحاكمة بالتهم الموجَّهة إليه. وارتعد ثيوفيلس من هذا الإنذار ووافق على سيامة يوحنا.

(6/2/5) ومن ثم نال يوحنا الكرامة الاسقفية فى السادس والعشرين من فبراير فى خلال القنصلية التالية([13]) التى احتفل بها الامبراطور هونوريوس بألعاب رياضية عامة فى روما، وكان يوتيخيان Eutychian آنذاك هو بريتوريان القسطنطينية.

(6/2/6) ولكن لما كان هذا الرجل مشهورا بسبب الكتب التى خلفها، والمتاعب الكثيرة التى عانى منها، فمن الملائم ألا أعبر على أموره بصمت بل أروى بإيجاز على قدر ما يمكن من أين أتى ومَن هم أسلافه والأمور الخاصة بإرتقائه للأسقفية، والوسائل التى تم بها الحط منه فيما بعد، وأخيرا كيف كُرِّم عقب وفاته أكثر مما كان خلال حياته.

الكتاب السادس: الفصل الثالث

(ميلاد وتعلم يوحنا ذهبى الفم  اسقف القسطنطينية )

(6/3/1) كان يوحنا مواطنا من انطاكية بسوريا كوليه Cœle([14])، ابن سيكوندس وآنثوسا، من عائلة نبيلة بذلك الإقليم. درس المنطق على يد ليبانيوس السوفسطائى، والفلسفة على يد اندراجاثيوس([15]) الفيلسوف. وإذ كان على وشك ممارسة القانون المدنى([16])، تأمل فى عدم عدالة وعدم استقرار أولئك الذين كرسوا أنفسهم لممارسة المحاكم الشرعية، فعدل عن هذه المهنة وإختار نمطا للحياة أكثر هدوءًا، متبعا فى ذلك مثال ايفاجريوس([17]) الذين تعلَّم هو نفسه على يد نفس المعلمين، واعتزل فى وقت ما سابقا فى حياة خاصة.

(6/3/2) ومن ثم وضع جانبا الرداء القانونى وأخضع ذهنه لقراءة الكتب المقدسة، وتردد بإنتظام على الكنيسة بكل مثابرة. وعلاوة على ذلك، حث ثيودور([18]) ومكسيموس اللذين كانا رفقائه فى الدراسة على يد ليبانيوس السوفسطائى على هجر المهنة التى كانت غرضهما السابق، وتبنى حياة البساطة الأعظم. وقد صار ثيودور فيما بعد اسقفا لموبسوستيا بكليكية([19]) ومكسيموس بسلوقية فى ايسوريا. وفى ذلك الوقت إذ كانا يتطلعان بحماس إلى حياة الكمال، إنضما إلى الحياة النسكية تحت إشراف ديودورس([20]) وكارتيريوس اللذان ترأسا آنذاك مستوطنة رهبانية. وقد رقى أولهما الى ايبارشية طرسوس وكتب مقالات كثيرة حصر فيها كل اهتمامه فى التفسير الحرفى([21]) لمعانى الكتاب المقدس، متجنبا التفسير المستيكى([22]). وهذا كافٍ عن هذين الشخصين، ولنعد إلى يوحنا.

(6/3/3) لقد كان على علاقة وثيقة جدا بباسيليوس([23]) الذى رُسِم فى ذلك الوقت دياكون بيد مليتيوس، ولكنه صار فيما بعد اسقفا لقيصرية كبادوكيا. وعندما عاد زينو الاسقف من اورشليم، عيَّنه قارئا([24]) بكنيسة انطاكية.

(6/3/4) وبينما كان يشغل هذه الرتبة، ألف كتاب “ضد اليهود”. وليس بعد ذلك بوقت طويل، رقاه مليتيوس إلى رتبة دياكون([25])، فأنتج اعماله “عن الكهنوت”، و”ضد استاجريوس”، Stagirius بالإضافة إلى “الطبيعة الإلهية غير المدرَكة””، و”عن النساء اللواتى يعشن مع الإكليروس”([26]). وفيما بعد عقب وفاة مليتيوس فى القسطنطينية عندما ذهب بخصوص سيامة غريغوريوس النزينزى، انفصل يوحنا عن الميليتيين دون الاشتراك مع بولينس، وقضى ثلاث سنوات فى عزلة.

(6/3/5) وعندما توفى بولينس سيم قسا بواسطة ايفاجريوس الذى خلف بولينس. هذا ملخص مهنة يوحنا السابقة لدعوته للأسقفية.

(6/3/6) ولقد قيل أنه بسبب غيرته على الاعتدال، أنه كان قاسيا وصارما، وقال أحد اصدقائه القدامى أنه فى شبابه أظهر ميلا لحدة الطبع عن الوداعة. وبسبب استقامة حياته كان حرا من القلق بشأن الغد، وكانت بساطة شخصيته جلية وبهية، ومع ذلك كانت حريته فى الحديث سببا لغيظ الكثيرين جدا منه. كان قويا فى تقويم اخلاق سامعيه فى التعليم العام. ولكنه فى الأحاديث الخاصة كان يُظَن أنه متعالى ومتظاهر من قِبل أولئك الذين لا يعرفونه.

الكتاب السادس: الفصل الرابع

(عن سيرابيون شماسه الذى سبَّب عداء الكهنة له)

(6/4/1) وإذ كان هذا هو سلوكه وتدبيره، فقد بدأ يوحنا عندما رُقىّ الى الاسقفية فى التعامل مع كهنته بأكثر صرامة([27]) بهدف تقويم اخلاقهم. وإذ هيَّج هكذا مزاج الكنسيين، كرهوه وابتعدوا عنه كما عن رجل متاعب وصار آخرون أعداءً ألداء له.

(6/4/2) وقد ساعد سيرابيون الشماس فى كنيسته من جهته على زيادة غضب الاكليروس، إذ صاح ذات مرة بصوت عالى فى حضور الكهنة المجتمعين قائلا للأسقف “إنك يا سيدى لن يمكنك أن تحكم هؤلاء الرجال ما لم تقودهم بعصا”. وأدى كلامه هذا إلى تهييج الشعور العام بالإجماع ضد الاسقف.

(6/4/3) وليس بعد ذلك بمدة طويلة، طرد الاسقف الكثيرين من الكنيسة، البعض لعلة ما والبعض الآخر لعلة أخرى. وهكذا، كما هى العادة عندما يقوم شخص ما فى وظيفة ما بتبنى إجراءات عنيفة، شكَّل هؤلاء المطرودين عصبة ضده وقدحوه لدى الشعب. ومما أدى فى الواقع إلى كسب هؤلاء المطرودين لثقة الناس، أن الاسقف لم يكن راغبا فى أن يأكل مع أى شخص وكان يرفض قبول أى دعوة لوليمة. وبسبب ذلك، انتشرت مكيدتهم على نطاق عام. أما سبب رفضه للأكل مع آخرين، فلا يعرفه أحدٌ على وجه اليقين([28]). ولكن البعض يبرر سلوكه هذا بأن معدته كانت رقيقة جدا وعسرة الهضم، الأمر الذى اضطره الى العناية الخاصة بوجباته ولذلك كان يأكل على انفراد. بينما رأى آخرون أن ذلك كان بسبب صرامة تقشفه المعتاد. وأيا كان الدافع الحقيقى، فإن الظرف ذاته قد ساهم بدرجة ليست بقليلة فى توفير أرضية للمفترين عليه.

(6/4/4) ومع ذلك، ظل الشعب يجله بكل حب ووقار بسبب أحاديثه القيمة فى الكنيسة، ونتيجة لذلك، أولئك الذين فكروا فى الحط منه جلبوا فقط لأنفسهم الإزدراء.

(6/4/5) أما كم كان بليغا ومُقنعا فى عظاته سواء تلك التى نشرها بنفسه أو التى دُوِّنت بالإختزال عندما ألقاها، فلسنا فى حاجة إلى الإفصاح عنها. فأولئك الذين يتوقون إلى تكوين فكرة مناسبة عنها، عليهم قراءتها بأنفسهم ليجنوا بذلك مسرة وفائدة.

الكتاب السادس: الفصل الخامس

(يوحنا يجلب لنفسه مقت كثيرين من ذوى الرتب والسلطة. مسألة الخصى يوتروبيوس)

(6/5/1) وعندما كان يوحنا فى صراع مع الاكليروس فقط، كانت الدسائس ضده بلا قوة، ولكن عندما امتد نقده إلى أشخاص فى وظائف عامة بأسلوب غير معتدل([29]) أيضا، بدأ ينمو تيار من الكارهين له بين الشعب بأكثر قوة. ومن ثم قيلت القصص الكثيرة من المحتقرين له، ووجد معظمها آذانا صاغية ومصدقة لها لدى السامعين.

(6/5/2) ولم تكن هذه الفئة الكارهة المتزايدة بالعدد القليل، نتيجة للعظات التى ألقاها آنذاك ضد يوتروبيوس، الذى كان رئيس خصيان([30]) المخدع الإمبراطورى، وأول جميع الخصيان الذى تُعطَى له رتبة قنصل. هذا، إذ قد رغِب فى الإنتقام من أشخاص معينين كانوا قد إلتجأوا إلى الكنائس([31])، حضَّ الامبراطور على إصدار قانون([32]) يرفع الحصانة عن الهيكل، ويخوّل للسلطة القبض على مَن يلجأ إلى المبانى المقدَّسة.

(6/5/3) ولكن سرعان ما عوقب صاحب هذا القانون نفسه. إذ ما كاد يصدر هذا القانون ويُنشَر، حتى تعرض يوتروبيوس لغضب الامبراطور([33])، ففر الى الكنيسة طلبا للحماية([34]). لذلك اعتلى الاسقف المنبر([35]) حيث إعتاد أن يُخاطب الجمهور من هناك لكى يكون مسموعا بوضوح. وبينما كان يوتروبيوس يرتعد خوفا تحت المذبح، تكلم بقدحٍ ضده، الأمر الذى سبَّب ضيقا أكثر للبعض لأنه ليس فقط لم يُشفق على سىء الحظ([36])، بل أضاف إهانة إلى القسوة.

ومع ذلك بناء على أمر الامبراطور، قُطِعت رأس يوتربيوس لإرتكابه تعديات معينة على الرغم من أنه كان قنصلا، وحُذِف اسمه من قائمة القناصل حيث ظل زميله ثيودور يشغل القنصلية وحده فقط خلال تلك السنة([37]).

(6/5/4) وقد قيل أن يوحنا قد استخدم نفس التصريح أيضا ضد جايناس([38]) الذى كان آنذاك القائد العام للجيش، حيث عامله بخشونة لأنه حث الامبراطور على أن يُعطِى للأريوسيين الذين كان يتفق معهم فى المفاهيم، إحدى الكنائس داخل المدينة. وقد انتقد كثيرين آخرين من ذوى الرتب العليا، لأسباب متعددة لدرجة أنه بهذه الوسيلة خلق لنفسه معارضين أقوياء.

(6/5/5) ولذلك سعى ثيوفيلس الأسكندرى على الفور بعد سيامته، إلى وضع مكائد ضده لخلعه، وقام بهذه الأمور سرا عن طريق اصدقائه الذين كانوا حوله وبواسطة الخطابات من بُعد. إذ لم تكن له تلك الجسارة التى كان يوحنا يجلِد بها كل كريه، بعدما فشل ثيوفيلس فى مساعيه لسيامة ايسيدورس القس صديقه على كرسى اسقفية القسطنطينية.

(6/5/6) وبهذه الطريقة صار يوحنا مهددا بسوء المعاملة ضده فى ذات بداية اسقفيته. ولكننا سنتناول هذه الأمور بتوسع فيما بعد.

الكتاب السادس: الفصل السادس

(جايناس القوطى يسعى للإستيلاء على السلطة. مقتله بعد فشله)

(6/6/1) سأروى الآن بعض الأحداث التى تستحق الذِكر، والتى وقعت فى هذه الفترة، والتى يظهر فيها تدخل العناية الإلهية بطرق غير عادية للحفاظ على المدينة والامبراطورية الرومانية من اقصى هلاك.

(6/6/2) كان جايناسGaïnas قوطى الجنس، ولكنه بعد أن صار من رعايا الرومان، وإلتحق بالخدمة الحربية وارتقى من رتبة إلى أخرى، صار أخيرا القائد العام للقوات الحربية الفرسان والمشاة. وعندما حاز هذه الرتبة الرفيعة نسى وضعه وعلاقاته، وصار غير قادرٍ على ضبط نفسه. ومن ناحية أخرى، طبقا للقول القائل لم يدع حجرا إلا وقلبه من أجل أن يستولى على السلطة الامبراطورية.

(6/6/3) ولكى ما يُنجز ذلك، استدعى القوط الذين خارج بلدهم الخاص، وأعطى الرتب الرئيسية فى الجيش لأقاربه. ثم حث تريبيجيلدس أحد أقاربه الذى كان قائد القوات فى فريجية على إعلان الثورة علنا وإثارة الفوضى والرعب بين شعب فريجية. وطلب من الامبراطور اركاديوس إرسال وفد إليه لإستطلاع الأمر فى المقاطعات المضطربة. وإذ لم يشك الامبراطور [فى أى ضرر] عهد بهذه المهمة إليه. لذلك انطلق جايناس على الفور على رأس عدد من البرابرة القوط، ظاهريا فى حملة ضد تريبيجيلدس، ولكن فى الحقيقة بقصد تأسيس سلطانه غير العادل. وعندما وصل فريجية بدأ يقلب كل شىء.

(6/6/4) وبناء على ذلك صارت أمور الرومان فى خطر عظيم ليس فقط بسبب كِبر عدد القوات البربرية التى كان جايناس يرأسها، بل أيضا بسبب أن أكثر الأقاليم خِصبا وثراءً فى الشرق صارت مهددة بالدمار.

(6/6/5) وفى هذه الحالة، تصرف الامبراطور بفطنة عظيمة، وفكَّر فى القبض على البرابرة بهذه الطريقة. أرسل إليه سفارة بتعليمات بالموافقة على ما يُريد. فطلب جايناس تسليمه إثنين من أبرز السيناتورات هما ساتورينوس وأورليان. وكانا يشغلان رتبة قنصل، وكان يعلم أنهما غير متعاطفَين مع تطلعاته. وخضع الامبراطور لهذا الطلب بعدم رضا بتاتا نظرا لهذا الطارىء، واستعدا هذان الرجلان للموت من أجل الصالح العام، ووضعا نفسيهما بكل نبل تحت تصرف الامبراطور. وتوجها لذلك لمقابلة البربرى فى مكان يُستَخدم لسباق الخيل على مسافة ما من خلقيدون، وهما مستعدان لتحمل كل ما يوقع عليهما أيا كان.

(6/6/6) وتقدم الطاغية الى خلقيدون بدون رضاه، وذهب اركاديوس الامبراطور لملاقاته. ودخلا الإثنان الى الكنيسة التى كان بها جسد الشهيدة اوفيمية. وهناك تبادلا التعهد والاقسام على ألا يدبر أحدٌ المكائد ضد الآخر. وفى الحقيقة، حافظ الامبراطور على تعهده محترما القسَم كشخصٍ يؤمن بالله، ولكن جيناس سرعان ما حنث به ولم يتخل عن قصده الأول بل على النقيض عمد إلى السلب والنهب ليس فقط ضد القسطنطينية بل أيضا ضد كل الامبراطورية الرومانية، كلما استطاع ذلك بأية وسيلة. ومن ثم صارت المدينة بالكلية محل اهتمام البرابرة، وشبه محاصرة تماما.

(6/6/7)  وعلاوة على ذلك صارت فى خطر شديد آخر وهو ظهور مذنب هائل الحجم يصل من السماء الى الارض تقريبا، لم يُشاهَد من قبل، مما أعطى تحذيرا. وحاول جايناس، بلا خجل، أن يستولى على الفضة المعروضة فى محلات البيع. ولكن عندما شاع الخبر عن قصده، امتنعوا عن عرضها على موائدهم. فغيَّر فكره إلى أمر آخر وهو إرسال عدد هائل من البربر ليلا لحرق القصر.

(6/6/7) وهنا ظهرت، فى الحقيقة، العناية الإلهية على وجه التحديد. إذ ظهرت جمهرة من الملائكة أمام العصاة فى شكل جيش مسلَّح من العمالقة مما جعل البرابرة يتصورون أنها كتائب من جيش كبير شجاع، فإنصرفوا مرتعدين ومرعوبين. وعندا بلغ ذلك جايناس، لم يصدق ذلك بتاتا لأنه كان يعلم أن الشطر الأكبر من جيش الرومان كان بعيدا وموزعا على حصون المدن الشرقية. فأرسل آخرين فى الليلة التالية، ثم كرر ذلك فيما بعد. ولما كانوا يعودون إليه بنفس الخبر، إذ كانت ملائكة الله تظهر لهم بنفس الشكل جاء بعدد كبير وشاهد بنفسه الأمر. فإفترض أن هؤلاء بالفعل جنود حقيقيين وأنهم يختفون نهارا ويظهرون ليلا، فعدل عن محاولته، ودبَّر أمرا آخر ظن أنه سيكون مصيريا للرومان، ولكن الحدث أظهر أنه كان فى صالحهم.

(6/6/8) فتظاهر أن عليه شيطان، وخرج كأنه يريد أن يصلى بكنيسة مار يوحنا الرسول التى تقع على مسافة سبعة أميال من المدينة. وخرج معه بربر وهم يُخفون اسلحتهم فى براميل وأوعية أخرى واسعة. وعندما اكتشفها الجنود الذين يحرسون بوابات المدينة، ولم يدعوهم يمرون امتشقوا سيوفهم وقتلوهم. فثار رعب فى المدينة عندئذ، وهدد الموتُ كلَّ أحدٍ. ومع ذلك ظلت المدينة فى آمان آنذاك وكانت بواباتها فى كل مكان محصنة جيدا.

(6/6/9) وعلى الفور، أعلن الامبراطور بحكمة آنية أن جايناس عدو عام وأمر بقتل جميع البربر داخل المدينة. وهكذا عقب مقتل جنود البوابة بيوم واحد هاجم الرومان البربر الذين كانوا داخل سور المدينة بالقرب من كنيسة القوط والتى إختبأ بها عدد من البربر. وبعد أن قتلوا عددًا كبيرا منهم، احرقوا الكنيسة، ودمَّروها إلى الارض. وإذ علِم جايناس بمقتل اعضاء حزبه الذين لم يخرجوا معه من المدينة، وعرِف أن حيلته قد أُكتًشِفت، وأدرك فشله، ترك كنيسة مار يوحنا وتوجه بسرعة إلى تيراقيا، وعند وصوله الى كيرونيس عزم على العبور من هناك إلى لامباسكوس لكى ما يجعل نفسه هناك سيدا على الأرجاء الشرقية. وكان الامبراطور قد أرسل فى الحال قوات خلفه برا وبحرا. وهنا ظهر تدبير آخر للعناية الإلهية أكثر عجبا. إذ أن البربر عندما لم يجدوا سفنا لهم أسرعوا إلى استخدام الطواف([39])rafts محاولين العبور بواسطته. وعندئذ ظهر الاسطول الرومانى، وبدأت رياح غربية تهب، مما وفر سيرا سهلا للرومان، وانقلب البربر بجيادهم من عنف الأمواح على نحو أغرقهم أخيرا وغطتهم الأمواج، فضلا عن هلاك الكثيرين أيضا على يد الرومان. وهكذا هلك العدد الأكبر من البربر خلال العبور. ولكن جايناس رحل من هناك إلى تيراقيا حيث وقع فى قبضة القوات الرومانية وقُتِل مع البربر الذين كانوا معه.

(6/6/10) وتكفى هذه الإشارة عن جايناس هنا، ولكن من يبغى المزيد من التفاصيل الدقيقة عن تلك الحرب فليقرأ عمل يوسيبيوس الاسكولاستيك “جاينيا Gaïnea “، الذى كان تلميذ ترولس السوفسطائى فى ذلك الوقت، وكان مشاهدا للحرب، وراويا لأحداثها فى قصيدة بطولية من اربعة كتب والتى اشرنا إليها توا، وحاز بها على شهرة عظيمة. وأيضا الشاعر امونيوس قد ألف أخيرا وصفا آخر بالشعر بالنسبة لذات الاحداث والذى تلاه أمام الامبراطور فى القنصلية السادسة عشر([40]) لثيودوسيوس الصغير التى شغلها مع فوستوس.

(6/6/11) وانتهت الحرب فى قنصلية([41]) استيلكو واورليان. وفى السنة التالية([42]) شغل القنصلية فرافيتوس  وكان أيضا بربرى الأصل، ولكن الرومان كرَّموه لأنه أظهر أمانة عظيمة لهم، وقدّم خدمات هامة لهم فى هذه الحرب. ولهذا السبب اسندوا إليه رتبة قنصل. وفى تلك السنة فى العاشر من ابريل وُلِد ابن للامبراطور اركاديوس، وهو ثيودوسيوس الصالح([43]).

(6/6/12) وبينما كانت أحوال الدولة مضطربة هكذا، كان رؤساء الكنيسة لا ينفكون عن المؤمرات المشينة ضد بعضهم بعضا، على نحو يجلب التوبيخ للدين المسيحى. لأنه خلال هذا الوقت، ثارت المتاعب ضد بعضهم بعضا. وقد نشأت هذه المصائب فى مصر على النحو التالى.

الكتاب السادس: الفصل السابع

(الشقاق بين ثيوفيلس ورهبان الصحراء. إدانة كُتب اورجينوس)

(6/7/1) لقد بدأت المسألة([44]) قبل ذلك بفترة وجيزة، بشأن ما إذا كان لله شكل جسمانى مثل شكل الانسان، أم أن له شكل روحانى بدون شكل بشرى، أو بعبارة أخرى أى شكل جسدى آخر؟. وثارت من هذه المسألة منازعة وجدل بين عدد كبير من الأشخاص. فالبعض يؤيد رأيا ما فى هذا الموضوع وآخرون يعضدون الرأى المضاد. وذهب كثيرون من النساك البسطاء إلى أن لله شكل بشرى وجسدى. ولكن كثيرين آخرين أدانوا هذا الرأى، مؤكدين أن الله ليس له شكل جسدى، وبلا أى شكل أيا كان. وقد اتفق ثيوفيلس تماما مع هذا الفريق الثانى لدرجة أنه علَّم بكل وضوح فى الكنيسة أمام كل الشعب وحثهم ضد مَن أولئك الذين ينسبون الى الله شكلا بشريا، موضحا أن الكائن الإلهى غير جسمانى بتاتا.([45])

(6/7/2) وعندما علِم النساك المصريون بهذا، تركوا أديرتهم وجاءوا إلى الأسكندرية حيث أثاروا شغبا عاما ضد الاسقف متهمين إياه بالكفر ومهددين بقتله. وعندما أدرك ثيوفيلس الخطر الذى فيه فكر فى وسيلة مناسبة يُنقِذ بها نفسه من الموت المهدَّد به. فخرج إلى الرهبان، وخاطبهم بلهجة ودية بهذه العبارة “عندما اراكم، ارى وجه الله”. فلطفت هذه العبارة من ثورة هؤلاء الرجال، وأجابوا إن كنتَ حقا تسلّم بأن لله ملامح مثل التى لنا، فإحرم كتب اورجينوس لأن البعض استمد منها حججا تقاوم رأينا. فإن كنتَ لا تفعل ذلك فسنعاملك ككافر وعدو لله. فقال ثيوفيلس “أنا نفسى لطالما اهتممتُ بهذا الأمر، فلا تغضبوا منى. لأننى أنا نفسى أبغض اعمال اورجينوس. واعتبر مَن يهتمون بها مستحقين للذم”. وهكذا نجح فى اقناع وصرف الرهبان فى ذلك الوقت.

(6/7/3) ومن المحتمل أن المنازعة بشأن هذا الموضوع كانت ستنتهى لولا أن ظرفا آخر قد حدث فورا بعد ذلك. فقد كان هنالك أربعة اشخاص مشهورين فى أديرة مصر يُدعَون ديوسقورس وامونيوس ويوسيبيوس وأوثيميوس. وكانوا إخوة وطوال القامة لذلك أُطلِق عليهم “الرهبان الطوال”. وكانوا علاوة على ذلك مشهورين بقداسة سيرتهم وسِعة اطلاعهم، وكان صيتهم مرتفعا جدا فى الأسكندرية لهذا السبب. وكان ثيوفيلس بالذات مدبر تلك المدينة يحبهم ويكرِّمهم للغاية لدرجة انه رسم أحدهم وهو ديوسقورس اسقفا على هرموبوليس([46]) ضد إرادته، وسحبه عنوة من خلوته. ورجا اثنين آخرين منهم أن يستمرا معه، واستطاع بصعوبة من خلال ممارسة سلطته كأسقف، أن يتغلب عليهما أخيرا ويتمم غرضه. وعندما قلدهما خدمات اكليريكية ، اسند إليهما المهام الكنسية. وإذ ألزمتهما الضرورة، أنجزا الخدمات الموضوعة عليهما بنجاح. ومع ذلك، كانا غير مسروريَن لأنهما لم يكونا قادرين على اتباع ممارسات الفلسفة النسكية.

(6/7/4) وإذ أدركا بمرور الوقت أنهما قد أُضيرا روحيا، ولاحظا أن الاسقف يطمع فى الكسب ويرغب فى اقتناء الثروة بشراهة، وطبقا للقول السائر لم يدع حجرا إلا وقلبه من أجل الكسب، رفضا البقاء معه أكثر من ذلك، واعلنا أنهما يحبان الوحدة ويفضلانها بشدة عن الحياة فى المدينة وإذ كان يجهل الدافع الحقيقى لرحيلهما، رجاهما بحرارة أن يمكثا معه. ولكنه عندما أدرك أنهما غير راضيين على سلوكه، تضايق للغاية وهدد بإستعمال كل أنواع الضرر ضدهما. ولكنهما لم يكترثا كثيرا بوعيده، واعتزلا فى الصحراء.

(6/7/5) وعندئذ أثار ثيوفيلس الذى كان ذا مزاج متعجل وخبيث، افتراءات ضدهما ليست بالقليلة، وسعى بكل جهدهما إلى إلحاق الضرر بهما. وحمل كذلك كراهية ضد أخيهما ديوسقورس اسقف هرموبوليس. وعلاوة على ذلك تضايق للغاية من التقديس والتبجيل المرتفع الذى حازوه لدى النساك. وإذ كان يعى مع ذلك أنه لن يقدر على إلحاق الأذى بهؤلاء الأشخاص ما لم يستطع غرز الكراهية فى عقول الرهبان ضدهم، فقد استخدم هذه الحيلة. فهو يعلم جيدا أن هؤلاء الأشخاص فى احاديثهم اللاهوتية المتكررة معه، قد حافظوا على أن الألوهية غير جسمانية، وليس لها على الإطلاق شكل الجسم البشرى. لأن مثل هذا الفكر سيؤدى بالضرورة إلى مرافقة الآلام البشرية([47]). وهذا الرأى، قد شرحه الكتَّاب القدماء وعلى وجه الخصوص اورجينوس. وكان ثيوفيلس نفسه يأخذ بهذا الرأى ذاته بالنسبة للطبيعة الإلهية، ومع ذلك فلكى ما يُشبِع مشاعر الحقد والإنتقام لديه، لم يتردد فى العدول عما قد علَّمه هو نفسه بالصواب، وإنحاز إلى غالبية الرهبان الذين كانوا مخلصين و”عاميين فى الكلام”([48]). ولكن الشِطر الأكبر منهم كان أميا تماما.

(6/7/6) فأرسل رسائل إلى الأديرة بالصحراء، ينصحهم بعدم الإصغاء إلى ديوسقورس أو إخوته طالما أنهم يؤكدون أن الله ليس له جسم بشرى. وقال، أنه طبقا للكتاب المقدس الله له عيون وآذان وأقدام مثلما للبشر. ولكن فريق ديوسقورس، بما أنهم اتباع اورجينوس، قد جدفوا قائلين أن الله ليس له عيون ولا آذان ولا أيادى([49]). وبهذه السفسطة كسب إلى صفِّه هؤلاء الرهبان البسطاء([50]).

(6/7/5) وهكذا ثار شقاق حاد بينهم ،إذ كان هناك فريق لهم اذهان دارسة جيدة، فلم ينخدعوا فى الحقيقة بهذا التغرير، وظلوا ملتصقين بديوسقورس واورجينوس. ولكن الأكثرية التى كانت أكثر جهلا وتفوقهم فى العدد إذ إلتهبوا بالغيرة الحارة ولكن التى بلا معرفة، أثاروا على الفور جلبة ضد إخوتهم. وانقسموا هكذا الى فريقين كل منهما يصِم الآخر بالكفر. والبعض الذى أصغى إلى ثيوفيلس دعى الآخرين “اورجانيين” و”كفرة”. فدعاهم الفريق الآخر “انثروبومورفيين”([51]) ‘Anthropomorphitæ. ونشأ فى هذا الصدد صراع عنيف وحرب شعواء بين الرهبان.

(6/7/6) وعندما بلغت ثيوفيلس اخبار نجاح حيلته، توجه الى نتريا حيث الاديرة، مصحوبا بجمهرة من الاشخاص. وسلَّح الرهبان ضد ديوسقورس وإخوته الذين كانوا فى خطر فقدان حياتهم، فهربوا بصعوبة شديدة.

(6/7/7) وبينما كانت هذه الأمور تجرى فى مصر، كان يوحنا اسقف القسطنطينية جاهلا بها، ولكنه كان متألقا فى بلاغته، ومكرَّما بزيادة لأحايثه. وعلاوة على ذلك، أطال الصلوات التى تشتمل عليها التسابيح الليلية للسبب الذى سأذكره.

الكتاب السادس: الفصل الثامن

(الاجتماعات والتسابيح الليلية. عينة من مؤلفات اغناطيوس ثيوفورس Θεόφορος )

(6/8/1) كان الاريوسيون كما قد قلنا، يعقدون اجتماعاتهم خارج أسوار المدينة. لذلك كانوا فى أيام الاحتفال، اعنى السبت ويوم الرب، من كل اسبوع والتى كانت الاجتماعات تُعقَد فيها فى العادة داخل الكنائس([52])، يجتمعون فى الميادين العامة داخل بوابات المدينة، ويرتلون بالتجاوب([53]) ابيات معينة تعبِّر عن العقيدة الاريوسية. ويفعلون ذلك خلال الشِطر الأكبر من الليل. وفى الصباح يُرتلون ثانية نفس التراتيل التى يدعونها “تجاوبية” responsive ويطوفون فى وسط المدينة إلى أن يخرجوا من البوابات ليذهبوا إلى أماكن اجتماعاتهم([54]).

(6/8/2) ولكن لما كانوا لا يكفون عن استخدام عبارات مسيئة لأصحاب عقيدة “هومووسيون”، منشدين غالبا عبارات مثل هذه “أين هؤلاء الذين يقولون أن الثلاثة أشياء لها نفس السلطة”، فقد خشى يوحنا أن ينخدع بعض البسطاء بمثل هذا النوع من التسابيح وينجرفون بعيدا عن الكنيسة.

(6/8/3) لذا جعل بعضا من رجاله يتصدون لهم، ويستخدمون الإنشاد فى التسابيح الليلية، ليُبطِلوا أى أثرٍ للأريوسيين، وليثبِّتوا شعبه فى الإيمان القويم. وقد كانت خطة يوحنا جيدة حقا، ولكنها أدت إلى جلبة ومخاطر. إذ لما مارس الهومووسيون تسابيحهم الليلية بعرض أعظم، إذ كانوا يحملون الصلبان الفضية والشموع الموقدة([55]) المقدَّمة على نفقة أودكسيا، عزم الاريوسيون الذين كانوا عديدين جدا وملتهبين بالحسد على الانتقام لأنفسهم بالهجوم المتوحش على منافسيهم وتشتيتهم خاصة من فرط ثقتهم التامة بقدرتهم على التغلب عليهم. لذلك من فرط إزدرائهم بمقاوميهم، اندفعوا بلا إبطاء فى إحدى الليالى واشتبكوا معهم فى معركة، وجُرِح بريسو أحد خصيان الامبراطورة الذى كان يقود فى تلك الليلة فريق المنشدين، بحجر فى جبهته، وأصيب بعض الأشخاص من الجانبين، وقُتِل البعضُ من الجانبين.

(6/8/4) وإذ غضب الامبراطور، حظر على الاريوسيين الترتيل بعد ذلك علانية. وهكذا كانت أحداث هذه المناسبة.

(6/8/5) ومع ذلك يجب أن نشير إلى حد ما عن أصل هذه العادة الخاصة بالترتيل بطريقة التبادل Antiphonal فى الكنائس. إن اغناطيوس([56]) اسقف انطاكية بسوريا، والثالث بعد بطرس الرسول، والذى تحدث ايضا مع الرسل أنفسهم، رأى رؤية لملائكة يسبحون الثالوث القدوس بإنشاد متبادل. وبناء عليه، أدخل نمط الإنشاد الذى لاحظه فى الرؤية إلى الكنيسة الانطاكية([57]). ومن هناك انتقل بالتقليد إلى الكنائس الأخرى.

هذه هى الرواية [ التى استلمناها] بالنسبة لهذا التسبيح بالتبادل.

الكتاب السادس: الفصل التاسع

(نزاع بين ثيوفيلس وبطرس، ومحاولة خلع ذهبى الفم )

(6/9/1) وليس بعد ذلك بوقت طويل، جاء الى القسطنطينية ديوسقورس واخوته ومعهم لفيف كبير من رهبان الصحراء([58]). وكان معهم ايسيدورس([59]) الذى كان سابقا أوثق اصدقاء ثيوفيلس الاسقف، ولكنه صار الآن عدوه اللدود بسبب الحادثة التالية:

(6/9/2) كان هناك فى كنيسة الأسكندرية رئيس قسوس([60]) اسمه بطرس، تضايق منه ثيوفيلس لسبب ما فعزم على طرده من الكنيسة. ولكى ما يجعل لطرده أرضية مقبولة وجَّه إليه تهمة قبوله فى تناول السرائر المقدَّسة سيدة من اتباع شيعة مانى قبل أن تجحد هرطقتها أولا. فأعلن بطرس أنها ليس فقط قد جحدت هذه المرأة هرطقتها أولا، بل وأيضا ثيوفيلس نفسه قد صدَّق على قبولها فى التناول.

(6/9/3) فصار ثيوفيلس أكثر غضبا، كما لو كان قد أهين إهانة مميتة. وعندئذ أكد أنه لا يعرف شيئا عن هذا الموضوع. لذلك استدعى بطرس ايسيدورس للشهادة بعلِم الاسقف بشأن الحقائق الخاصة بالمرأة. وكان ايسيدورس فى مهمة من ثيوفيلس الى داماسوس مدبر المدينة الملكية، بشأن المصالحة بين فلافيان اسقف انطاكية وبين داماسوس، لأن اتباع مليتيوس كانوا قد انفصلوا عن فلافيان بسبب كراهيتهم لسيامته كما أشرنا سابقا([61]).

(6/9/4) وعندما عاد ايسيدورس من روما، وأُستُدعِى للشهادة من قبل بطرس اقر أن المراة قد قُبِلت بموافقة الاسقف وأنه هو نفسه قد ناولها السرائر المقدسة. وعندئذ هاج ثيوفيلس وصار أكثر غضبا وطردهما معا.([62])

(6/9/5) وأدى ذلك إلى توفير سبب لايسيدورس للتوجه إلى القسطنطينية مع ديوسقورس وإخوته ليُطلِع الامبراطور ويوحنا الاسقف على ظلم وعنف ثيوفيلس فى المعاملة معهم. وإذ علِم يوحنا بالحقائق استقبل الرجال بكل إكرام ولم يستبعدهم من الاشتراك فى الصلاة، ولكنه أجل الاشتراك فى التناول من السرائر المقدَّسة إلى أن يتم فحص قضيتهم.

(6/9/6) وبينما كانت الأمور على هذا النحو، وصلت إشاعة كاذبة إلى آذان ثيوفيلس، أن يوحنا قد قبِلهم فى شركة السرائر، وأنه على استعداد أيضا لمساعتدهم. وعندئذ عزم ليس فقط على الانتقام من ايسيدورس وديوسقورس، ولكن أيضا إن أمكن طرد يوحنا من كرسيه الاسقفى.

(6/9/7) وانطلاقا من هذا العزم كتب الى سائر الاساقفة فى المدن العديدة مخفيا دافعه الحقيقى، وطلب منهم مجرد إدانة كتب اورجينوس. تلك الكتب التى استخدمها سلفه اثناسيوس([63]) فى تثبيت الإيمان، مستندا مِرارا على شهادة وسلطة كتابات اورجينوس فى عظاته ضد الاريوسيين.([64])

الكتاب السادس: الفصل العاشر

 (ابيفانيوس اسقف قبرص يحرم كتب اورجينوس)

(6/10/1) وعلاوة على ذلك، جدد صداقته مع ابيفانيوس اسقف مدينة قنستانتيا([65]) بقبرص والذى كان مختلفا معه فى السابق، إذ كان ثيوفيلس قد اتهم ابيفانيوس بمشايعته لأصحاب مفهوم التجسيمية عن الله، بإفتراضه أن لله شكل بشرى([66]). أما الآن فعلى الرغم من أن ثيوفيلس لم يغيّر فى الحقيقة من فكره ورذله لأولئك الذين يقولون أن لله أعضاء جسمانية، إلا أنه بسبب كراهيته للآخرين، قد أنكر جهرا اقتناعاته الخاصة، وأعلن الآن وده لإبيفانيوس كما لو كان قد غيَّر رأيه واتفق معه فى أرائه عن الله. وأدار الموضوع الآن، على نحو جعل ابيفانيوس يعقد مجمعا من اساقفة قبرص لكى ما يدين كتابات اورجينوس.

(6/10/2) ولأن ابيفانيوس كان رجلا بسيطا فى فكره وسلوكه لذا كان من السهل التأثير عليه بسهولة برسائل ثيوفيلس. لذلك إذ جمع مجلسا من اساقفة تلك الجزيرة، أمرهم بحظر قراءة اعمال اورجينوس. وكتب أيضا إلى يوحنا يحثه على الامتناع عن دراسة كتب اورجينوس([67])، وأن يعقد مجمعا لهذا الغرض ذاته.

(6/10/3) وبناء عليه، بعد أن خدع ثيوفيلس ابيفانيوس الذى كان مشهورا بتقواه، ورأى أن خطته قد نجحت طبقا لرغبته صار أكثر ثقة وعقد هو نفسه مجمعا من عدد كبير من الاساقفة. وفى هذا المجمع سعى إلى نفس الغرض مثل ابيفانيوس، وأصدر حكما مماثلا بإدانة كتب اورجينوس، الذى كان قد توفِىَّ قبل ذلك بمائتى سنة. ولم يكن ذلك هو هدفه الأول، بل كان الرغبة العارمة  للإنتقام من ديوسقورس وإخوته.

(6/10/4) أما يوحنا فقد أولى قليلا من الإهتمام بمراسلات ابيفانيوس وثيوفيلس، وانهمك فى تعليم الكنائس وإزدهر بالأكثر كواعظ، ولم يحسب حساب المكائد التى كانت تُحاك ضده.

ولذلك بمجرد أن صار جليا أن ثيوفيلس يسعى الى خلع يوحنا من اسقفيته، حتى تحالف معه فى الافتراء عليه، كل مَن كان فى قلبه غِلٌ ضد يوحنا. وهكذا اجتهد كثيرون من الكهنة [المخلوعين] ومن العاملين ذوى التأثير الكبير فى البلاط، وهم معتقدون أنهم قد وجدوا فرصة مواتية الآن للإنتقام لأنفسهم من يوحنا، فى السعى لعقد مجمع كبير فى القسطنطينية، وذلك عن طريق إرسال الرسائل من ناحية، وعن طريق ارسال مبعوثين إلى سائر الإتجاهات لهذا الغرض.

الكتاب السادس: الفصل الحادى عشر

(سيفريانوس وانتيوخس. عدم موافقتهما على يوحنا)

(6/11/1) وأزدادت الكراهية ليوحنا ذهبى الفم  لدرجة كبيرة نتيجة لحدث إضافى آخر هو الآتى:

فى ذلك الوقت كان هناك اسقفان مشهوران، سوريان بالمولد، يُدعوان سيفريانوس Severian وانتيوخس Antiochus. وكان سفريانوس يرأس كنيسة مدينة جابلا([68]) Gabala بسوريا، وانتيوخس على كنيسة بتوليمايس بفينيقية([69])، وكانا كلاهما مشهوران ببلاغتهما. ولكن على الرغم من أن سيفريانوس كان متعلما جدا، فإنه لم ينجح فى استعمال اللغة اليونانية بكمال، ولذلك عندما كان يتحدث باليونانية، كان يكشف عن أصله السورى.

(6/11/2) وجاء انتيوخس أولا الى القسطنطينية، وإذ ألقى عظات فى الكنائس لبعض الوقت بمقدرة وغيرة عظيمة جمع بذلك مبلغا كبيرا من النقود[!!]، ثم عاد الى كنيسته. وإذ سمع سيفريانوس أن انتيوخس قد جمع ثروة من زيارته للقسطنطينية، صمم هو أيضا على أن يقتدى بمثاله. فإستعد لهذه الفرصة وأعدَّ عددا من العظات، ثم انطلق الى القسطنطينية.

(6/11/3) وهناك استقبله يوحنا بكل ترحاب وتلطف إلى حد معيَّن ورحب به. ولم يكن هو نفسه أقل حبا وتكريما منه.  وفى نفس الوقت جلبت له عظاته شهرة كبيرة لدرجة أنه لفت أنظار الكثيرين من ذوى الرتب، وحتى الامبراطور نفسه.

(6/11/4) وتصادف أن توفى اسقف افسس فى ذلك الوقت، وكان يوحنا مضطرا للذهاب إلى هناك لسيامة خلف له. وعندما وصل إلى تلك المدينة كان الشعب منقسما إلى فريقين، واحد يقترح شخصا ما، والآخر شخصا آخر. وأدرك يوحنا أن الفريقين فى حالة نزاع على نحو غير راغبين فيه للإستماع إلى مشورته، فعزم على إنهاء مهمته دون إبطاء وذلك بتفضيل هيراقليدس شماسه للأسقفية، وهو من أصل قبرصى. ومن ثم هدأ الفريقان المتنازعان مع بعضهما البعض ([70]).

(6/11/5) وعندما طالت هذه المهمة [فى أفسس]، استمر سيفريانوس فى الوعظ فى القسطنطينية، وكان يزداد يوميا ألفة مع السامعين. ولم يجهل يوحنا ذلك، إذ كانت الأخبار تصله فى الحال أيا كانت بواسطة سيرابيون شماسه الذى تحدثنا عنه سابقا([71])، والذى أرسل إليه مؤكدا متاعب الكنيسة بسبب سيفريانوس. وهكذا أُثير الأسقف بمشاعر الغيرة.

(6/11/5) وإذ كان إلى جانب ذلك، قد حرم الكثيرين من النوفاتيين والأربعة عشريين من كنائسهم، عاد الى القسطنطينية([72])، واسترد العناية بالكنائس التى تحت إشرافه الخاص. ولكن عجرفة سيرابيون لم يكن يحتملها أحد، لأنه إذ كسب ثقة يوحنا غير المحدودة واعتباره، فقد انتفخ لدرجة أنه عامل كلَّ أحدٍ بإزدراء. ولهذا السبب أيضا ازدادت الكراهية ضد الاسقف. فقد حدث ذات مرة أنه عندما كان سيفريانوس مارا عليه، أهمل سيرابيون تقديم الإكرام الواجب للأسقف واستمر فى جلوسه مشيرا بذلك إلى عدم اكتراثه بحضوره. ولم يستطع سيفريانوس تحمل ذلك بصبر [واعتبرها] خشونة وإزدراء منه، فقال بصوت عالى لأولئك الحاضرين “لو مات سيرابيون كمسيحى فإن المسيح لم يتجسد”.

(6/11/6) وانتهز سيرابيون هذه الملاحظة، وحث ذهبى الفم  جهرا ضد سيفريانوس إذ حذف العبارة الشرطية ” لو مات سيرابيون” من الجملة، وقال أنه يؤكد أن المسيح لم يتجسد، وأحضر شهودا كثيرين من حزبه ليؤكدوا هذه التهمة. ولكن عندما علِمت الامبراطورة اودكسيا بذلك أنَّبَت يوحنا بشدة، وأمرت بإستدعاء سيفريانوس على الفور من خلقيدون إلى بيثينية. وعاد فى الحال.

(6/11/7) ولكن يوحنا لم يتعامل معه ولا حتى أصغى لأى أحد حثه على ذلك إلى أن حضرت الامبراطورة اودكسيا بنفسها إلى الكنيسة التى تُدعى “الرسل” ووضعت ابنها ثيودوسيوس الذى يحكم الآن بكل سعادة([73])، ولكنه كان آنذاك طفلا، على ركبتى يوحنا وتوسلت إليه بحياة إبنها ([74]) الامبراطور الصغير بتكرار، وتغلبت عليه بصعوبة لكى يصطلح مع سيفريانوس. وبهذا الأسلوب تصالح الرجلان من الخارج، لكنهما لم يستمرا مع ذلك فى مشاعر الود أحدهما نحو الآخر, هذا هو أصل عداوة [يوحنا] لسيفريانوس.([75])

الكتاب السادس: الفصل الثانى عشر

(ابيفانيوس يرسم فى القسطنطينية بدون إذن يوحنا)

(6/12/1) وليس بعد ذلك بوقت طويل وبناء على اقتراح ثيوفيلس، جاء ابيفانيوس من قبرص إلى القسطنطينية، وأحضر معه نسخة من المرسوم المجمعى([76]) الذى لم يحرموا فيه اورجينوس نفسه، ولكنهم حظروا كتبه. وعندما وصل الى كنيسة يوحنا([77]) التى تبعد مسافة سبعة أميال عن المدينة، ترجل واحتفل هناك بالخدمة المقدسة، ورسم شماسا([78]) ثم دخل المدينة. ومجاملة منه لثيوفيلس رفض ضيافة يوحنا وأقام بمنزل خاص.

(6/12/2) ثم اجتمع بعد ذلك بالأساقفة الذين كانوا فى العاصمة آنذاك، وقدَّم لهم نسخة من المرسوم المجمعى الذى يحظر أعمال اورجينوس، وتلاه أمامهم دون أن يكون قادرا على إبداء أى سبب لهذا الحكم سوى أنه بدا من الملائم له ولثيوفيلس رفضها. لأن ابيفانيوس قد وقَّع على المرسوم لكن كثيرين قد رفضوا ذلك وكان من بينهم ثيوتيموس  Theotimusاسقف سكيثيا الذى خاطب ابيفانيوس هكذا “يا ابيفانيوس، إننى لا اختار لا إهانة ذكرى مَن قد انهى حياته بتقوى منذ زمن بعيد، ولا اتجاسر أن أكون مذنبا بعمل ٍغير تقوى كهذا أن أدين ما لم يُدنه اسلافنا ولم يرفضوه. وخاصة عندما أعرف أنه ليست هناك عقيدة شريرة فى كتب اورجينوس”.

وإذ قال ذلك أخرج أحد اعمال اورجينوس، وقرأ منها بعض فقرات مُظهِرا أن المفاهيم الواردة بها كانت متفقة تماما مع الإيمان الأرثوذكسى. ثم أضاف عندئذ “أولئك الذين يتكلمون بالشر ضد هذه الكتابات إنما يهينون بدون وعى منهم المجلد المقدس الذى استقت منه هذه الكتابات مبادئها. هكذا كان رد ثيوتيموس الاسقف المكرَّم لتقواه وصرامة حياته على ابيفانيوس.

الكتاب السادس: الفصل الثالث عشر

(رأى سقراتيس فى اورجينوس)

(6/13/1) ولكن لما كانت افتراءات المفترين قد فُرِضت على الكثيرين من الأشخاص ونجحت فى إبعادهم عن قراءة أعمال اورجينوس كما لو كان كاتبا مجدِّفا، فإننى أحسبُ من غير المناسب ألاَّ أذكرُ بضعة ملاحظات بشأنه.

(6/13/2) إن الشخصيات التى بلا وزن أو قيمة، وتفتقر لهذا إلى القدرة فى الوصول إلى التميز تسعى غالبا إلى الحط من أولئك الذين يتفوقون عليهم([79]).

(6/13/3) فأولا كان ميثودويوس اسقف مدينة فى ليكيا تدعى اوليمبس، يعانى من هذا الداء. ثم يوستاثيوس الذى كان يرأس لفترة قصيرة كنيسة انطاكية ومن بعده ابوليناريوس، وأخيرا ثيوفيلس. هؤلاء المنافسون الاربعة قد هتكوا سيرة اورجينوس، ولكن ليس بنفس الدرجة، فواحد وجد عِلةً ما للإتهام ضده، وآخر أخرى. وجميعهم يظهرون أن ما يأخذون به ليس محل اعتراض، ومقبول بالكامل. فإنه عندما هاجم أحدٌ رأيا ما على وجه الخصوص ووجد آخرٌ خطأً آخر فإنه من الثابت أن كلاً منهما قد سلَّم بما لم يجده هو، وبالتالى يوافق على حظر ما لم يهاجمه هو. فميثوديوس فى الحقيقة عندما شنَّ هجوما على اورجينوس فى مواقع عديدة، فإنه فيما بعد كما لو كان قد تراجع عن كل ما قد قاله سابقا، يبدى إعجابه بذلك الرجل فى حواره المعنون إكزنون Xenon. ولكننى أؤكد أنه قد نجم عن انتقاد هؤلاء الرجال مديحا متزايد لاورجينوس.

(6/13/4) لأن أولئك الذين سعوا إلى الحط من قدره، ولم يستطيعوا مع ذلك أبدا أن يُقدِّموا اتهاما ثابتا برأى غير سليم بشأن الثالوث القدوس، إنما هم فى الواقع قد قدموا شهادة قوية على وجه الحصر بأورثوذكسيته. وإذ لم يوبخوه أو ينتقدوه فى هذه النقطة، إنما قد مدحوه بشهادتهم الخاصة.

(6/13/5) فأثناسيوس المدافع عن عقيدة المساواة فى الجوهر كان يستشهِد بإستمرار بهذا المؤلِّف على إيمانه فى حديثه “ضد الاريوسيين”، وينسج كلامه بكلامه الخاص ويقول “إن اورجينوس المبجًّل والمجتهد يؤكد بشهادته على عقيدتنا بشأن ابن الله، مؤكدا أنه أزلى مع الآب”([80]). لذلك أولئك الذين نعتوه بخزى إنما يُغفِلون عن عمد حقيقة أن سبابهم ينصب فى نفس الوقت على اثناسيوس الذى قرَّظ اورجينوس. ولنعد الآن إلى مجرى تاريخنا.

الكتاب السادس: الفصل الرابع عشر

(ابيفانيوس يرفض لقاء يوحنا. مغادرته للمدينة)

(6/14/1) ولم يغضب يوحنا من قيام ابيفانيوس بالسيامة فى كنيسته ضدا للقانون الكنسى([81]) ودعاه إلى المكوث معه فى الدار الاسقفية. ومع ذلك أجابه أنه لن يقيم معه ولن يصلى معه ما لم يطرد ديوسقورس وإخوته من المدينة، ويوقع بيده على إدانة كتب اورجينوس.

(6/14/2) فأرجأ يوحنا إجراء هذه الأمور قائلا له أنه لا ينبغى التعجل قبل فحص الأمر بواسطة مجمع عام. فقاد معارضو يوحنا ابيفانيوس إلى منحى آخر، وهو أنه جاء إلى كنيسة الرسل، وأعلن أمام الشعب حرم كتب اورجينوس وديوسقورس وكل اتباعه، واتهم يوحنا بتأييدهم.

(6/14/3) ووصلت أخبار ذلك إلى يوحنا، ومن ثم أرسل رسالة فى اليوم التالى إلى ابيفانيوس وهو يهم بدخول الكنيسة “يا ابيفانيوس لقد فعلتَ امورا كثيرة ضد القوانين الكنسية. فأولا قمتَ بالسيامة فى كنائس تحت رعويتى، ثم بدون موافقتى قمتَ بسلطتك الخاصة بالخدمة فيها. وعلاوة على ذلك، عندما دعوتك للإقامة معى رفضتَ المجىء، والآن أعطيتَ لنفسك الحرية. فإحذر لذلك لئلا يثور شغب بين الشعب، وتتعرض أنتَ نفسك فيه للخطر”.

(6/14/4) وانتبه ابيفانيوس لهذا التحذير عند سماعه، فترك الكنيسة. وبعد أن اتهم يوحنا بأمور كثيرة، شرع فى العودة إلى قبرص. ويقول البعض أنه عندما كان على وشك المغادرة قال ليوحنا “ارجو ألاَّ تموت وأنت اسقف”، فأجاب يوحنا على ذلك “لا تتوقع أنك ستصل إلى بلدك”. ولا يمكننى التأكد من أن كلاهما قد تنبأ للآخر بذلك. لأن ابيفانيوس لم يصل بالفعل إلى قبرص، إذ توفى على ظهر السفينة خلال سفره. وبعد ذلك بفترة وجيزة طُرِد يوحنا من كرسيه، كما سنرى بعد قليل.

الكتاب السادس: الفصل الخامس عشر

(طرد يوحنا من الكنيسة بسبب قدحه فى النساء )

(6/15/1) وعندما رحل ابيفانيوس، علِم يوحنا من بعض الاشخاص أن الامبراطورة اودكسيا هى التى حرضت ابيفانيوس ضده. وإذ كان ملتهب المزاج وسريع الخطابة، ألقى عظة عامة قدَح فيها سلوك النساء بصفة عامة.

(6/15/2) وفهم الشعب هذه العظة بأنها موجَّهة بطريق غير مباشر ضد الامبراطورة. وهكذا، حُمِلت الكلمة من قِبل ذوى النوايا الشريرة وأُبلِغت لأولئك الذين فى السلطة. وأخيرا عندما علِمت الامبراطورة بذلك شكت لزوجها وقالت له أن الإهانة التى تلحقها هى فى نفس الوقت وبنفس القدر إهانة موجهة ضده.

(6/15/3) لذلك كلف الامبراطور([82]) ثيوفيلس بعقد مجمع ضد يوحنا بلا تأخير. وتعاون سيفريانوس أيضا فى إنجاز ذلك، إذ كان ما زال يحمل فى نفسه حقدا ضد يوحنا. وبالتالى لم يمض وقت طويل حتى وصل ثيوفيلس وحث اساقفة عديدين من مدن مختلفة على الاشتراك معه، وهؤلاء تم استدعاءهم بأوامر من الامبراطور. وكثيرون من اساقفة اسيا الذين كان يوحنا قد عزلهم عندما توجه الى افسس لسيامة هيراقليدس. وبالتالى اجتمعوا جميعا بإتفاق مسبق فى خلقيدون ببيثينية. وكان سيرينوس فى ذلك الوقت اسقف خلقيدون، وهو مصرى بالمولد، والذى قال أمورا كثيرة بإحتقار ضد يوحنا، ناعتا إياه بالكافر والمتعجرف والمتزمت. وفى الحقيقة كان كثيرون راضين بهذا التشهير. ولكن ماروثاس اسقف ميسوباتاميا، إذ قد وطأ عفوا على قدم سيرينوس فقد أصيب بشدة من جراء ذلك ولم يستطع السفر مع الباقين إلى القسطنطينية، ولكنه تخلف عنهم فى خلقيدون بينما اجتاز الباقون.

(6/15/4) وعندئذ أظهر ثيوفيلس جهرا كراهيته ليوحنا لدرجة أن أحدا من الاكليريكين لم يذهب لملاقاته أو تقديم أدنى إكرام له([83]) فيما عدا بعض البحارة الأسكندريين الذين تصادف وجودهم فى الموقع، إذ كانت هناك آنذاك البواخر التى تنقل القمح، قد حيّوه بصيحات الترحيب. واعتذر عن دخول الكنيسة، وأقام فى أحد الديارات الامبراطورية والتى تُدعى بلاسيديان’The Placidian.” . ثم بدأ يشيع سيلا جارفا من الاتهامات ضد يوحنا، دون أى ذكرٍ لاورجينوس الآن، ولكن جميعها كان إثارة جرائم متعددة بعضها فى غاية السخف.

(6/15/5) وإذ تم الإعداد الأولى للأمور، اجتمع سائر الاساقفة فى أحد أحياء خلقيدون فى مكان يُدعى “البلوطة”([84])، ثم طالبوا يوحنا بالدفاع عن التهم الموجهة إليه واستدعى أيضا سيرابيون الدياكون، وتيجريس الكاهن الخصى، وبولس القارىء للمثول معه. لأن هؤلاء الرجال كانوا مشمولين فى الاتهامات كمشاركين، فى ذنوبه.

(6/15/6) وعندما علِم يوحنا بأولئك المذكورين، رفض الحضور([85]) على أساس أن هؤلاء أعداء له وطالب بمجمع عام وبدون إبطاء. فكرروا استدعائه اربع مرات، وإذ أصرَّ على رفض اللقاء بهم كقضاة، معطيا دائما نفس الإجابة، أدانوه وعزلوه بدون أن يعزوا إليه أية تهمة أخرى لخلعه سوى رفضه طاعة المجمع.

(6/15/7) وإذ أٌعلِن هذا القرار نحو المساء أثار الشعب جدا، فقاموا بشغب لدرجة أنهم ظلوا ساهرين طوال الليل، ولم يدعوه يبرح الكنيسة بأى حال من الأحوال، وصاحوا أن قضيته يجب أن تُناقش على مستوى مجمع أكبر. ومع ذلك أمر مرسوم الامبراطور بطرده فى الحال، وإرساله إلى المنفى. وبمجرد أن أُخطِر يوحنا بذلك سلَّم نفسه طواعية فى نحو الظهر بدون علِم الجماهير فى اليوم الثالث لإدانته إذ خشى من حدوث أية اضطرابات بسببه([86]).

الكتاب السادس: الفصل السادس عشر

(شغب بسبب نفى ذهبى الفم . استدعاؤه)

(6/16/1) وصار الشعب عندئذ فى شغب وضجيج لا يُحتمل، وكما يحدث مرارًا فى مثل هذه الحالات، فإن كثيرين ممن كانوا ضد يوحنا بشدة فى السابق، قد عدلوا عن كراهيتهم له الآن، وصاروا متعاطفين معه. وقال اولئك الذين كانوا تواقين منذ برهة إلى رؤيته معزولا، أنه قد تعرض لوشاية. ولهذا صار الذين يصرخون ضد الامبراطور ومجمع الاساقفة عديدين جدا وأشاروا على وجه الخصوص إلى ثيوفيلس على أنه أصل المكائد إذ لم يعد سلوكه الاحتيالى الخداع بخفى بعد عليهم، بعد أن ظهر بمؤشرات أخرى كثيرة، وخاصة بحقيقة أنه قد اشترك فى التناول مع ديوسقورس والآخرين الملقبين بالرهبان الطوال([87]) فور عزل يوحنا([88]).

(6/16/2) ووقف سيفريانوس ليعظ فى الكنيسة، وهو يظن أن الفرصة مواتية له للحط من يوحنا([89])، وقال “إن كان يوحنا لم يُدَن لأى شىء آخر فإن عجرفته وسلوكه المعيب هما جريمة كافية لتبرير إدانته، فالله يغفر فى الحقيقة سائر خطايا البشر لكنه يُقاوِم بصفة خاصة المتكبرين كما يقول الكتاب المقدس([90])“.

(6/16/3) وهذا القدح جعل الشعب أكثر ميلا للمقاومة لدرجة أن الامبراطور أعطى أوامره بإعادته فورا. وبالتالى انطلق بريسو([91]) الخصى المكلَّف بخدمة الامبراطورة فى إثره ووجده فى برنيتيوم Prænetum المدينة التجارية التى تقع وراء نيقوميديا وأعاده إلى القسطنطينية.

(6/16/4) وعندما عاد يوحنا رفض دخول المدينة قبل إعلان براءته بواسطة تربيون أعلى([92]) ولهذا ظل فى ضاحية تُدعَى مارينيا Marianæ، ولما أبطأ فى ذلك المكان زادت الاضطرابات وجعلت الجماهير يتفوهون بلغة مشينة ضد حكامهم، لذلك اضطر يوحنا إلى متابعة السير ليكبح من غضبهم. وفى طريقه التفَّت حوله جماهير غفيرة بكل وقار وتكريم، وقادوه إلى الكنيسة فى الحال، وأجلسوه على العرش الاسقفى ليعطيهم بركته المعتادة. وعندما حاول الاعتذار قائلا “أنه ينبغى لإعادته صدور أمر من قضاته أولا وأن ينقض أولئك الذين أدانوه حكمهم، إزدادوا إلتهابا بالرغبة فى أن يروه جالسا على كرسيه، وأن يستمعوا إليه ثانية. وتغلب الشعب أخيرا على يوحنا وجلس على كرسيه، وصلى كالعادة من أجل السلام لهم، ثم نزولا على رغبتهم ألقى أيضا عظة. وقد وفَّرت غبطة الشعب هذه بيوحنا أرضية أخرى للإفتراء عليه، ولكنها لم تؤدِ إلى أى أثر فى ذلك الوقت.

الكتاب السادس: الفصل السابع عشر.

(صراع بين الأسكندريين واهل القسطنطينية. هروب ثيوفيلس واساقفة حزبه)

(6/17/1) وحاول ثيوفيلس فحص حالة سيامة هيراقليدس([93]) لعله يجد فيها إن أمكن مناسبة أخرى لعزل يوحنا مرة ثانية. ولم يكن هيراقليدس حاضرا فى هذا التقصى، ومع ذلك حُكِم عليه غيابيا بتهمة أنه قد ضرب ظلما بعض الاشخاص وقيَّدهم بالسلاسل خلال مدينة افسس. وعندما اعترض يوحنا واتباعه على عدم عدالة الحكم  الصادر على شخص غيابيا، زعم الأسكندريون أنه ينبغى الاستماع الى الشاكين ضد هيراقليدس حتى وإن كان غائبا.

(6/17/2)  ولذلك اندلع نزاع حاد بين الأسكندريين وبين اهل القسطنطينية وثار شغب جُرِح فيه الكثيرون، وقُتِل فيه البعض. وإذ رأى ثيوفيلس ما قد حدث، هرب الى الأسكندرية بدون أى احتفال له، وكذلك الاساقففة الآخرون فيما عدا القلة التى آزرت يوحنا وتبعت مثاله، وعادوا الى كراسيهم الخاصة بهم.

(6/17/3) وعقب ذلك، انحط قدر ثيوفيلس فى عيون كل أحدٍ، ولكن العار الذى لحقه قد تزايد للغاية من جراء الأسلوب المشين الذى استمر به فى قراءة اعمال اورجينوس. وعندما سُئل لماذا يطلع على ما قد أدانه جهرا، أجاب: إن كتب اورجينوس هى مثل مرج ملىء بالزهور من كل نوع. فإذا تصادف ووجدتُ زهرة جميلة بينها، فإننى اقطفها، ولكن كل ما يظهر لى أنه شائك، فإننى اتجاوزه حتى لا أوخز”([94]). لقد ردد ثيوفيلس هذه الإجابة دون أن يمعن الفكر فى الآية التى تقول عن سليمان الحكيم “إن كلام الحكماء كالمناخس والأوتاد”([95]) وأن أولئك الذين يوخَزون بالوصايا التى تشتمل عليها، ينبغى ألا يرفسوها. ولهذا السبب نظر الجميع إلى ثيوفيلس بإزدراء.

(6/17/4) وتوفى ديوسقورس أحد أولئك الملقبين بالرهبان الطوال عقب هروب ثيوفيلس بفترة وجيزة، وكُرِّم بجنازة مهيبة ودُفِن فى الكنيسة التى فى البلوطة حيث إلتأم بها المجمع الخاص بقضية يوحنا. وانهمك يوحنا فى ذات الوقت فى الوعظ بجدية. ورسم سيرابيون الذى كان قد قُدِّمت ضده افتراءات اسقفا على هيراقليا([96]) بتيراس([97]). وليس بعد ذلك بوقت طويل حدثت الواقعة التالية.

الكتاب السادس: الفصل الثامن عشر

 (تمثال اودكسيا الفضى. نفى يوحنا الثانى)

(6/18/1) فى ذلك الوقت نُصِب تمثال من الفضة للإمبراطورة اودكسيا([98]) برداء طويل فوق عمود([99]) من حجر البروفيرى([100]) مزود بقاعدة مرتفعة. وكان هذا التمثال ليس على مسافة بعيدة أو قصيرة من كنيسة صوفيا إذ كان يفصله عن الكنيسة شارع عريض. وعند نصب هذا التمثال، حدثت الألعاب العامة المعتاد حدوثها فى مثل هذه الحالات.

(6/18/2) واعتبر يوحنا ذلك إهانة للكنيسة، واستعاد حريته المعتادة وطلاقة لسانه ضد أولئك الذين احتملهم. وبينما كان من الممكن والملائم أن يتقدَّم بإلتماس إلى السلطات يحثهم فيه على عدم الاستمرار فى الألعاب، فإنه لم يفعل هذا، واستخدم لغة حادة موبخا أولئك الذين مارسوا هذه الأعمال([101]).

(6/18/3) ومرة أخرى طبقت الامبراطورة هذا الكلام على نفسها، وأنه مؤشر على احتقاره لها، لذلك سعت لعقد مجمع آخر من الاساقفة ضده. ولما علِم ذهبى الفم  بذلك ألقى فى الكنيسة تلك العظة الإحتفالية التى تبدأ بهذه الكلمات “ها هى هيروديا تهذى من جديد، وترقص ثانية وهى ولجة وتطلب رأس يوحنا فى طبق”([102]). وأثار هذا بالطبع حنق الامبراطورة أكثر.

(6/18/4) وليس بعد ذلك بوقت طويل، وصل الاساقفة الآتين: ليونتيوس اسقف انقيرا، وامونيوس اسقف لاودكية، وبيسو اسقف فيلبى بتيراقيا. واكاكيوس اسقف بيرية فى سوريا وبعض الآخرين. ومثُل يوحنا أمامهم بلا خوف، وطالب بفحص الإتهامات الموجهة ضده. ولكن ذكرى ميلاد مخلصنا كانت قد حلَّت، ولم يحضر الامبراطور إلى الكنيسة كالعادة، ولكنه أرسل رسالة إلى ذهبى الفم  أنه غير مستعد للإشتراك معه فى التناول إلى أن يُبرأ نفسه من الجرائم المنسوبة إليه. وإذ كان يوحنا ممتلىء جرأة وغيرة، وكان متهموه خائرى النفوس، فقد نحى الاساقفة الحاضرون سائر الأمور جانبا وقالوا أنهم سيحصرون أنفسهم فى هذا الاعتبار فقط، وهو أنه قد أجلس نفسه على مسؤوليته الخاصة على الكرسى الاسقفى([103]) عقب نفيه بدون سلطة مجمع. وعندما رد أن سلطة خمسة وستين اسقفا قد اشتركوا معه هى التى أعادته، اعترض حزب ليونتيوس قائلا “لقد صوَّت ضدك العدد الأكبر فى المجمع يا يوحنا”. فإحتج يوحنا عندئذ بأن ذلك كان قانونا اريوسيا وليس من قوانين الكنيسة الجامعة، ومن ثم هو بلا أثر بالنسبة لحالته، لأنه قد صدر فى مجمع إلتأم ضد اثناسيوس([104]) فى انطاكية للقضاء على عقيدة المساواة فى الجوهر([105]). ولكن الاساقفة لم يشاءوا الإصغاء إليه وأدانوه فى الحال، غير واعين أنهم بتطبيق هذا القانون ذاته يكونوا قد صدَّقوا على عزل القديس اثناسيوس نفسه([106]).

(6/18/5) وقد صدر هذا الحكم قبل عيد القيامة بوقت وجيز. وارسل الامبراطور إلى يوحنا قائلا أنه لا يمكنه الذهب الى الكنيسة لأن مجمعيَن قد أداناه. وبناء عليه صمت يوحنا ولم يعد يذهب إلى الكنيسة واحتفل اتباعه بعيد القيامة فى الحمامات العامة التى تُدعَى قنسطانتيا، ومن ثم تركوا الكنيسة وكان من بينهم اساقفة وكهنة كثيرين مع رتب إكليريكية أخرى، وعُرِفوا منذ ذلك الوقت باليوحانيين، وكانوا يعقدون اجتماعاتهم بمفردهم فى أماكن عديدة.

(6/18/6) ولمدة شهرين امتنع يوحنا عن الظهور علانية. وبعد ذلك أُرسِل بمرسوم من الامبراطور إلى المنفى، فأُقتيد بالقوة إلى النفى.

(6/18/7) وفى ذات يوم رحيله أشعل بعض اليوحانيين النار فى الكنيسة([107])، والتى امتدت نتيجة لأثر رياح شرقية قوية إلى دار السينات. وقد حدثت هذه الكارثة فى العشرين من يونيو فى القنصلية السادسة([108]) لهونوريوس والتى تعهد بها بالاشتراك مع ارستانيتوس([109]), ولذلك أوقَع اوتاثيوس حاكم القسطنطينية شدائد جسيمة على اصدقاء يوحنا، وقد كان وثنى الديانة وكارها لذهبى الفم ([110])، وحكم بالموت على كثيرين متهما إياهم بالحرق عن عمد، الأمر الذى أظن واعتقد أنه يجب العبور عليه فى صمت.([111])

الكتاب السادس: الفصل التاسع عشر

(سيامة ارساكيوس خليفة ليوحنا. معاناة كيرونوس اسقف خلقيدون. موت الامبراطورة)

(6/19/1) وبعد انقضاء بضعة أيام، رُسِم ارساكيوس  Arsaciusاسقفا للقسطنطينية وكان أخا لنكتاريوس الذى ادار بمهارة وفطنة الكرسى قبل يوحنا، على الرغم من أنه كان آنذاك طاعنا جدا فى العمر إذ كان يبلغ الثمانين سنة.

(6/19/2) وبينما كان يدير الايبارشية بسلام واعتدال، كانت صحة كيرونوس([112]) اسقف خلقيدون الذى داس ماروثاس اسقف ميسوباتاميا على قدمه سهوا، تسوء بشدة من جراء الحادثة لدرجة أنه صار من الضرورى بتر قدمه. ولم يتم هذا البتر مرة واحدة فقط، بل تكرر عدة مرات،

لأنه بعد بتر الطرف المصاب، توغل الشر فى باقى جسده السليم، لدرجة أن القدم الأخرى قد أصيبت هى أيضا بذات المرض وخضعت هى الأخرى للبتر([113]).

(6/19/3) إننى اشير إلى هذه الواقعة لأن كثيرين يؤكدون أن ما عاناه كان حكما عليه بسبب اقترافه ووشايته ضد يوحنا ذهبى الفم  الذى نعته مرارا بالمتعجرف والعنيد([114])، كما قلتُ آنفا([115]).

(6/19/4) وعلاوة على ذلك، فى الثلاثين من سبتمبر فى القنصلية المذكورة أخيرا([116])، سقط على القسطنطينية وضواحيها جليد ضخم بحجم غير عادى. وهذا ايضا أعتُبِر تعبيرا عن الغضب الإلهى من جراء عزل ذهبى الفم  غير العادل. ثم أعطى موت الامبراطورة ثِقلا كبيرا لهذه الأخبار، إذ ماتت بعد سقوط هذا الجليد بأربعة أيام.

(6/19/5) ومع ذلك، زعم آخرون أن يوحنا قد عُزِل بعدل بسبب العنف الذى مارسه فى اسيا وليديا، بحرمان النوفاتيين والاربعة عشريين من كنائسهم الكثيرة، عندما ذهب إلى افسس لسيامة هيراقليدس.

(6/19/6) ولكن سواء أكان عزل يوحنا عدلا كما يصرّح أعداؤه، أو أن كيرنوس قد عانى من جراء وشايته وافترائه، أو أن هذا الجليد الساقط وموت الامبراطورة كان من جراء ظلم يوحنا، أو أن كل هذه الأمور قد حدثت لأسباب أخرى، أو لإرتباطها بأسباب أخرى؛ فالله وحده هو الذى يعرف لأنه هو وحده المطلع على الخفايا والديان العادل للحق نفسه. أما أنا فقد سجَّلت ببساطة الأخبار التى جرت فى ذلك الوقت.

الكتاب السادس: الفصل العشرون

 (موت ارساكيوس وسيامة آتيكوس)

(6/20/1) ولم يدم ارساكيوس طويلا فى كرسى الاسقفية، إذ توفى فى الحادى عشر من نوفمبر فى خلال القنصلية التالية([117])، وهى الثانية لستيلكو والأولى لأنثيموس.

(6/20/2) ونتيجة لحقيقة أن الاسقفية قد صارت محل رغبة الكثيرين الذين يتطلعون إلى شغل الكرسى الشاغر فقد انقضى وقت طويل قبل سيامة خليفة له. ولكن أخيرا فى القنصلية السادسة لاركاديوس والاولى([118]) لليبريوس، تم ترقية رجل تقى يُدعى آتيكوس لرتبة الاسقفية. وكان مواطنا من سبسطيا بأرمينيا، وتبنى الحياة النسكية منذ عمر مبكر وإلى جانب قدر معقول من العلم كان يمتلك قدرا كبيرا من الفطنة، ولكننى سأتكلم عنه بتفصيل أكثر بعد قليل([119]).

الكتاب السادس: الفصل الواحد والعشرون

(وفاة يوحنا فى المنفى)

(6/21/1) ونُقِل يوحنا إلى المنفى، وتوفى فى كومانا  Comanaعند اوكسين Euxine فى الرابع عشر من سبتمبر فى القنصلية السابعة لهونوريوس والثانية لثيودوسيوس([120]). لقد كان رجلا، كما قد لاحظنا سابقا([121])، يميل إلى الغضب عن الاحتمال بسبب غيرته على العفة والإعتدال، وقد قادته قداسة شخصيته إلى نوع من الخطاب كان يُعتبَر فى نظر الآخرين غير معتدل. وفى الحقيقة، يعسر علىَّ جدا شرح كيف يمكن لمثل هذه الغيرة الحارة فى ممارسة ضبط النفس، وحياة بلا لوم أن تلقى عظات تبدو أنها تعلم بحرية سائبة فى الاعتدال.

(6/21/2) وبينما سمح مجمع من الاساقفة بالتوبة مرة واحدة فقط بعد المعمودية لمن يُخطىء بعدها، فإن يوحنا كان يردد بإستمرار بدون تردد “اقتربوا حتى وإن تبتم آلاف المرات”([122]). إن تعليمه هذا، جعل الكثيرين من اصدقائه ينتقدونه بشدة وخاصة سيسينيوس اسقف النوفاتيين الذى كتب كتابا يُدين فيه تعبير ذهبى الفم  هذا المقتبس عاليه، ويلومه بشدة عليه. ولكن ذلك، كان قد حدث قبل ذلك بزمن طويل([123]).

الكتاب السادس: الفصل الثانى والعشرون

(سيسينيوس اسقف النوفاتيين)

(6/22/1) ولن يكون خارجا عن سياق الموضوع حسب تصورى أن أقدم وصفا ما لسيسينيوس. فقد كان رجلا بليغا مشهورا ومتعلما جيدا للفلسفة كما سبق أن قلتُ مرارا([124]). ولكنه كان يُجيد بالأخص المنطق وكان ماهرا جدا فى تفسير الكتب المقدسة لدرجة أن الهرطوقى أنوميوس كان يرتعد مرارا من المواجهة العقلانية معه. وبالنسبة لغذائه لم يكن بسيطا، فإنه على الرغم من أنه كان يمارس اعتدالا صارما، إلا أن مائدته كانت دائما فاخرة، وكان معتادا دائما على التدثر بثياب بيضاء، ويستحم مرتين فى اليوم فى الحمامات العامة. وعندما سأله واحد ما لماذا يستحم مرتين فى اليوم، أجاب لأنه ليس من الملائم أن يستحم ثلاث مرات. وإذ كان ذاهبا يوما ما لزيارة ارساكيوس الاسقف سأله أحد اصدقاء ذلك الاسقف لماذا يرتدى ملابسا غير ملائمة للأسقف، وأين كُتِب أن الكنسيين يرتدون الملابس البيضاء؟. فأجابه “قل لى أنتَ أولا أين كُتِب أن الاسقف عليه أن يرتدى ملابس سوداء”. وعندما لم يستطع السائل أن يُجيب على هذا السؤال الاعتراضى، قال له سيسينوس “أنت لا تستطيع أن تبين لى أن القس يجب أن يرتدى الأسود. ولكن سندى أنا سليمان الذى يقول “ثيابك بيضاء”([125]) ومخلصنا ظهر فى الأناجيل برداء أبيض([126]) بل وأظهر موسى وايليا للرسل وهما متدثران بثياب بيضاء. وكان رده السريع هذا، وغيره من الردود سببا فى إعجاب الحاضرين به.

(6/22/2) ومرة أخرى عندما أخذ ليونتيوس اسقف انقيرا بغلاطية الصغرى كنيسة من النوفاتيين وكان فى زيارة للقسطنطينية، ذهب إليه سيسينيوس والتمس منه رد الكنيسة، ولكنه تلقى منه ردا خشنا إذ قال له “لا ينبغى لكم أيها النوفاتيون أن يكون لكم كنائس لأنكم تلغون التوبة وتغلقون رحمة الله” وعندما نطق ليونتيوس بهذا الكلام وبغيره الكثير ضد النوفاتيين، اجابه سيسينوس “لا أحد يندم بأكثر جدية أكثر منى”. وعندما سأله ليونتيوس “ولماذا تندم أنت” قال له “لإننى جئتُ لآراك”. وفى إحدى المرات قال له يوحنا الاسقف([127]) فى جدال معه “لا يمكن للمدينة أن يكون لها اسقفان”([128])، فرد عليه “وليس لها”. فلما تضايق يوحنا من هذا الرد، قال سيسينيوس ” أنتَ تدعى أنك وحدك الاسقف، وأنا لم أقل ذلك. ولكننى لستُ اسقفا فى نظرك أنت فقط، بينما أنا كذلك فى نظر آخرين”. وإذ ظل يوحنا غاضبا من هذا الرد وقال لسيسينوس “إننى سأمنعك من الوعظ لأنك هرطوقى”، أجاب سيسينيوس عنئذ بهدوء “إننى سأكافئك إن ارحتنى من هذه المهمة الشاقة”. وإذ تلطف يوحنا إلى حد ما بهذا الرد، قال “إننى لن اجعلك تكف عن الوعظ إن وجدت كلاما متعبا كهذا”. هكذا كان سيسينيوس فكها. ومستعدا دائما لسرعة الرد، وسيكون الأمر مملا إن ذكرنا المزيد من فكاهته. لذلك يكفى هذه الامثلة القليلة للتعرف على شخصية ذلك الرجل على نحو كافٍ.

(6/22/3) وسأضيف فقط أنه كان مكرَّما لسعة إطلاعه ولوذعيته، ولذلك أحبه سائر الاساقفة الذين تلوه وكرَّموه، وليس هم فقط بل قدره ايضا كل اعضاء مجلس السينات وأٌعجبوا به. وهو مؤلف لأعمال كثيرة، ولكنها تتسم بالمغالاة الشديدة فى بلاغة التعبير العاطفى، وتداخل التعبيرات الشعرية المسرفة والتى بسببها كان محل إعجاب كمتكلم عنه ككاتب، لأنه كان له كرامة فى محياه وفى صوته كما فى شكله وهيئته. وكانت كل حركة من شخصه مدعاة للإعجاب. وبسبب هذه السمات كان محبوبا من جميع الطوائف، وكانت له حظوة خاصة لدى آتيكوس الاسقف. واكتفى الآن بهذه الإشارة المختصرة عن سيسينيوس.

الكتاب السادس: الفصل الثالث والعشرون

(موت الامبراطور اركاديوس)

(6/23/1) وليس بعد وفاة يوحنا([129]) بوقت طويل، مات أيضا اركاديوس الامبراطور. وكان هذا الملك لطيفا ووديعا فى سلوكه، وكان فى نحو ختام حياته محبوبا من الله بدرجة كبيرة كما يظهر من الظرف التالى. كان هناك مبنى ضخم فى القسطنطينية يُدعى كاريا Carya. وكانت هناك فى فنائه شجرة جوز قيل أن أكاكيوس قد أُستُشهِد خنقا عليها، وبسبب ذلك شُيّدت مقصورة بالقرب منها. فرغب الامبراطور اركاديوس يوما ما فى زيارتها.

(6/23/2) وبعدما صلى هناك وغادر المكان، ركض جميع الذين كانوا يعيشون بالقرب من هذه المقصورة ليشاهدوا الامبراطور، وخرج البعض من المبنى المذكور وشغلوا الشوارع ليروا ملكهم بردائه على نحو أفضل، بينما سار آخرون خلف موكبه إلى أن خرج جميع السكان بما فى ذلك النساء والاطفال. وما أن أُخلِىّ المكان من شاغليه حتى إنهار بالكامل. وعندئذ صاح الجمهور بصوت عظيم صيحات الإعجاب لأنهم اعتقدوا أن صلاة الامبراطور نجَّت هذا العدد الغفير من الأشخاص من الهلاك، وقد حدثت هذه الواقعة بهذا الأسلوب.

(6/23/3) وفى اليوم الأول من مايو مات اركاديوس تاركا ابنه ثيودوسيوس([130]) فى الثامنة من عمره فى خلال قنصلية باسوس وفيليب فى السنة الثانية من الأولمبياد 297([131]) بعد أن حكم ثلاثة عشر سنة مع ثيودوسيوس أبيه، واربعة عشر سنة بعد وفاته، وكان قد بلغ من العمر واحد وثلاثين سنة.

وبالتالى يُغطى هذا الكتاب مدة اثنتى عشر سنة وستة أشهر.

[1] – قارن ، مقدمة ك 5 هنا.

[2] –  أى كما يُقال الآن “الكلى القداسة” فى بعض الكنائس.

[3] – أنظر على سبيل المثال، الشعراء الكوميديين، ميناندر، وبلوتوس، وتيرنس.

[4] – أنظر 8:5.

[5] – وهو الكبير أو الأول. وهو الوارد فى سيرة يوحنا الليكوبولى. أنظر “هستوريا موناخورم” للمعرب.

[6] – عن تفاصيل الإجراءات الجنائزية فى الكنيسة الأولى، أنظر:  Bennett, Christian Archæology, p. 210 seq., and Bingham, Christ. Antiq. XXII. 1 and 2,

[7] – أنظر ك 10:5، 21.

[8] – أنظر 8:5.

[9] – أى سنة 397م.

[10] – هو القديس يوحنا ذهبى الفم .

[11] –  قارن، ثيودوريت، 22:5.

[12] – أنظر فصل 9 هنا.

[13] – أى فى 26 فبراير سنة 398م.

[14] – “سوريا كوليه” تعبير هيللينى قديم يُقصَد به كل سوريا ماعدا فينيقية (أى لبنان حاليا).

[15] – كتبه البعض “اندروغاثيوس”.

[16] – قارن، سوزمينوس 2:8.

[17] – ليس من المحقق تماما مَن يكون ايفاجريوس هذا الذى يقصده ذهبى الفم  هنا، والذى اقتدى به. وقد خمن فاليسيوس أنه ربما يكون ذاك القس الذى ذكره جيروم. على أية حال ليس هو بالطبع ايفاجريوس البونطى الناسك الشهير فى نيتريا القرن الرابع الميلادى. لذا لزم التنويه لعدم الخلط. ولابد أنه كان معروفا فى زمن سقراتيس وإلا كان قد ذكر مَن يكون.

[18] – كتبه البعض ديودر.

[19] – يقول القمص تادرس فى هامشه 2 ص 15 من كتابه “يوحنا ذهبى الفم ” أن ديودور هذا كان معلما لنسطور صاحب البدعة المعروفة بإسمه ومن ثم كانت مصير كتاباته كمصير كتابات نسطور.

[20] – هو الأب ثيودورس (ديودور) الطرسوسى الذى كان أحد اعمدة الكنيسة الانطاكية فى أيام ذهبى الفم ، والذى اهتم بالرد على الهرطقات ودافع عن لاهوت المسيح فى كتاب له بعنوان” صخرة عظيمة فى المحيط”. وواضح أن ذهبى الفم  قد تتلمذ على يديه. ويذهب سوزمينوس أيضا إلى أن ديودورس هذا قد تبنى التفسير الحرفى فى مقابل التفسير الرمزى لأوريجينس، وصار بذلك حجر الاساس لمدرسة التفسير الأنطاكية، ومعلما لثيودور اسقف موبسستيا، وثيودوريت المؤرخ أسقف كيروس.

[21] – كان هذا هو “المنهج الأنطاكى” فى تفسير الكتاب المقدس والمعروف بالمنهج اللغوى أو الحرفى. ولأنهم أخذوا أيضا الأحداث التاريخية فى الكتاب المقدس كأحداث وقعت فى زمن ومكان محدد فقط، دون إعتبارها بالإضافة إلى وقوعها التاريخى، أعمالا مجازية ورمزية (على غرار تفسير معلمنا مار بولس الرسول نفسه لعبور بنى اسرائيل للبحر الأحمر) لذلك عُرِف أيضا “بالمنهج التاريخى”. ويقول القمص تادرس يعقوب أن البابا كيرلس عمود الدين فيما بعد قد حمَّل هذا الأب مسؤولية ظهور النسطورية ولذلك أُبيد الكثير من كتاباته.

[22] – أى المجازى، أو الرمزى وهو المنهج الذى اتسمت به المدرسة الاسكندرية.

[23] – هناك جدل حول من باسيليوس المذكور هنا، فهناك مَن يرى أن سقراتيس وآخرين قد خلط بينه وبين باسيليوس الكبير الكبادوكى الشهير، والذى كان آنذاك أكبر من ذهبى الفم  بثمانية عشر سنة، وهذا توفى سنة 379م. ومن ثم ذهبوا إلى أن باسيليوس المذكور هنا هو باسيليوس اسقف رافينيا بسوريا بالقرب من انطاكية والذى حضر مجمع القسطنطينية فى سنة 381م. أنظر عن هذا الجدل (هـ 836 زينوس).

[24] – أى رسم يوحنا “أوغنسطس” بكنيسة أنطاكية.

[25] – يقول القمص تادرس يعقوب(فى كتابه عن ذهبى الفم ) أنه رسمه فى سنة 381م.

[26] – وهؤلاء النسوة كنَّ يعشن فى بيوت الاكليروس كأخوات للقيام بالأعمال الخيرية. وبالطبع مع إنتشار هذه الظاهرة ارتبطت بها بعض الفضائح، فتصدت لها الكنيسة بشدة منذ البداية، حتى أن يوسيبيوس فى(ت.ك.، 30:7) يقول أن أحد أسباب خلع بولس الساموساطى هو أنه احتفظ “بأخوات” فى بيته. كما صدرت من المجامع المسكونية والمحلية القوانين تِلْو الأخرى الرادعة ضد هؤلاء. وكان يُطلق عليهن Συνείσακτοι   (Syneisactæ )

[27] – فى الواقع استخدم هنا سقراتيس أو المترجم الانجليزى كلمة تعنى حرفيا “تشامخ أو عجرفة”. ولا أظن أن شخصية يوحنا كانت متعجرفة هكذا. ربما الخصوم وكارهو التقويم يفسرونها هكذا، خاصة وأن تقويم الخطأ دائما مر على النفس ونادر جدا ما يعترف المخطىء بخطأه. ولذلك ترجمتها هنا “بصرامة” تعبيرا عن سلوك رئيس نحو مرؤسيه.

[28] – يحكى لنا بالاديوس الأسقف صاحب التاريخ الرهبانى، فى كتابه “حوار عن القديس يوحنا”، ف 12( قيد الطبع، للمعرب). فيقول “كان معتادا أن يأكل بمفرده، كما أعرف جزئيا، لهذه الأسباب: فأولا كان لا يشرب النبيذ. وثانيا لأن معدته كانت، بسبب سقم معين، غير منتظمة لدرجة أن الطعام المعَّد له غالبا ما كانت تعافه، وكان طعام آخر مرغوب فيه لا يوضع أمامه. أيضا كان يهمل الأكل فى بعض الأوقات مؤجلا إياه حتى المساء. وفى بعض الأحيان يكون منهمكا فى الشؤون الكنسية، وأحيانا فى التأمل… والعادة أنه عندما يجتمع الرفقاء للأكل، يصبح الشخص الذى لا يشاركهم فى ذات الطعام مادة للضحك والنكات التافهة. ومناسبة لسوء السلوك”.

[29] – الذين يدمغون سقراتيس بالتحيز والمحاباة، عليهم أن ينتبهوا الى هذه العبارة التى يقولها عن قديس يجله هو.

[30] – يصفه القس منسى يوحنا “برئيس وزراء”، أنظر “يوحنا ذهبى الفم “، ص 41.

[31] – على غرار مدن الملجأ فى العهد القديم.

[32] – يقول سوزمينوس (فى 7:8) أن هذا القانون سرعان ما أُلغِى بعد ذلك.

[33] – تماما مثل قصة هامان ومردخاى، فى العهد القديم. أنظر سفر استير.

[34] – أنظر عظة ذهبى الفم ، “عن يوتربيوس”(3:1) بمجموعة NPN F, Vol. IX. p. 251

[35] – “المنبر”(ἄμβων آمبون) هنا واضح من وصفه أنه ليس مجرد درجة عالية أمام الهيكل، وإنما هو “الإمبل” الموجود فى الكنائس الأثرية، مثل الامبل فى كنائس “مصر القديمة”. والذى يوجد دائما فى وسط الكنيسة، وكان يُقرأ من فوقه الإنجيل. وقد اختفى الآن من الكنائس الحديثة لحلول وسائل تضخيم الصوت الحديثة، التى تسمح للأعداد الغفيرة بسماع صوت المتكلم أيا كان موضعه.

[36] – واضح هنا الجانب العاطفى للشعوب الشرقية، فرغم أنه المحرض الرئيسى لقانون ضد الكنيسة وضد سيئى الحظ والذين يكونون مظلومين حقا، ومحل افتراءات من أشرار، إلا أن العادة الشرقية “معلش” قد سادت عليهم، وتعاطفوا معه ضد الاسقف. وتجدر الإشارة هنا إلى أن سقراتيس يصوّر هنا ذهبى الفم  على أنه وعظ(إنتقاما منه، أو من باب الشماتة وعدم الرثاء، أو عدم الشفقة على إنسان بائس) بينما حقيقة الأمر خلاف ذلك تماما. إذ انتهز الأب ذهبى الفم  هذه المناسبة ليرتفع بعقول أبنائه الى حقيقة الخلود، وزوال “العالم وكل ما فيه من سلطة وجاه ومال..إلخ”، حسبما رأى القمص تادرس يعقوب فى كتابه “القديس يوحنا ذهبى الفم: 1981م، 53-56.

[37] – سنة 399م.

[38] – كتبه آخرون، غاياناس وغايناس.

[39] – الطواف جمع طَوْف rafts (ويَرِد فى المعجم الوجيز بإسم رمث)هى أبسط وسائل الانتقال على سطح الماء. وهى الوسيلة الأولى التي استخدمها الإنسان ليتمكن من الانتقال مستخدما المسطحات المائية كالمستنقعات والبحيرات والأنهار والبحار. فهو عبارة عن مسطبة لها إمكانية العوم، إما لقلة كثافة مادتها بالنسبة للماء كالخشب، وإما لأنها أوعية معدنية ممتلئة بالهواء، مثل الصفائح أو البراميل الفارغة. حيث تُربط عدة براميل فارغة بعضها ببعض ثم تُغطَي بألواح خشبية، يمكن بعد ذلك الجلوس عليها أو تزويدها بقلاع فتتحرك بالريح. (أنظر اللوحة المرفقة). وهى ما تُعرف بالعامية المصرية “عوامة”.

[40] – أى سنة 438م.

[41] – أى فى سنة 400م.

[42] – سنة 401م.

[43] – أو التقى، وهو ثيودوسيوس الثانى أو الصغير.

[44] – راجع، ابيفانيوس: “ضد الهرطقات”. وقد عُرِفَت هذه البدعة بالهرطقة الأودية نسبة إلى شخص يُدعَى أوديوس Audius or Audæus

[45] – أنظر الرسالة الفصحية له المرسلة الى المستوطنات الرهبانية فى الاسقيط، والتى رفض مدبرو ثلاثة من الأربعة الكبرى قراءتها فيما عدا الأب بافنوتيوس مدبر سيق براموس. فى “دير سيدة  براموس: تاريخيا وأثريا، وفنيا”، رسالة للماجستير للمعرب.

[46] – هذه المدينة هى “هرموبوليس بارفا”، وهى دمنهور حاليا. وكانت هناك مدينة أخرى تُعرف بإسم “هرموبوليس ماجنا”، فى مصر العليا (طيبة)، وهى مدينة الأشمونين الآن بالمنيا.

[47] – التكملة هنا هى “اللاهوت”. حاشا لله.

[48] – قارن، 2كو6:11.

[49] – عجيب أن يستخدم ثيوفيلس هذا اللون من الإثارة لأغراض شخصية. فهل كان الأنبا بافنوتيوس خليفة ايسيذورس قس الاسقيط من اتباع اوريجانوس عندما تصدى بمفرده من بين سائر التجمعات الرهبانية فى برية شهيت فى أواخر القرن الرابع الميلادى ضد هذه البدعة، إلى حد أنه كان الوحيد الذى قرأ رسالة ثيوفيلس الفصحية التى ارسلها ضد هذه البدعة، ورفض جميع رؤساء المستوطنات الرهبانية حتى مجرد الاشارة إليها. أنظر المحاورة العاشرة من الكتاب الأول لكاسيان، فى “المحاورات”، للمعرب، تحت الطبع.. و”دير سيدة براموس”، للمعرب.

[50] – بالطبع بسطاء فى المعرفة الكتابية وطرق التفسير. الأمر الذى يكشف لنا أن بساطة الروح وصرامة النسك والتقشف بلا معرفة كتابية سليمة يمكن أن تؤدى إلى هلاك صاحبها روحيا وعقيديا. مثل حالة سيرابيون الناسك الشيخ فى سيق براموس الذى اشار إليه كاسيان، وسجَّل كشاهد عيان ترديه وضياعه. انظر المحاورة العاشرة، سابقة الذكر.

[51] – ‘Anthropomorphitæ، أى المجسِّمين. أى الذين ينسبون إلى الله اعضاء بشرية ومادية. أنظر ايفلين هوايت، “تاريخ أديرة وادى النطرون” للمعرب. و”دير سيدة براموس”.

[52] – نلاحظ هنا إشارة إلى أيام العبادة الجمهورية الأساسية فى كنائس القسطنطينية فى القرن الرابع الميلادى، السبت والأحد من كل اسبوع. قارن أيام الاجتماع الكنسى العام فى برية شهيت فى نفس الفترة فى “الأنظمة” لكاسيان، للمعرب.

[53] – Antiphonal Hymns ، أى بالتبادل أو التناوب، أو ما نسميه فى مصر”المرابعة”. وفى هذا النوع من الترتيل الجماعى ينقسم جمهور الحاضرين الى فريقين كل فريق يرتل شِطر أو عدد معين من أبيات الترنيمة، ثم يقول الفريق الآخر الشِطر الذى يليه. ولهذا ترجمها البعض بالمجاوبة.

[54] – شاهدتُ نفس الأسلوب فى افريقيا فى سبعينات القرن الميلادى العشرين لطائفة  تُدعَى “جيش الخلاص” (salvation army). حيث اعتمدت على جذب الاتباع عن طريق رداء عسكرى، للرجال والنساء، أبيض اللون يشبه ملابس البحرية فى مصر. ثم يقفون فى شكل كتيبة، ويتقدمهم صف أو صفان من قارعى الطبول الضخمة الحجم، ثم يطوفون بهذا المنظر طرقات القرية منشدين بعض الترانيم باللهجة المحلية بنفس فكر ومنهج الاريوسيين القدامى. وتٌعتبر هذه هى الخدمة الرئيسية لهم.

[55] – لاحظ هنا بعض مظاهر الطقوس التى سادت الخدمة الكنسية فى الشرق ومصر بعد ذلك، فى المواكب الاحتفالية من استخدام “الصلبان الفضية” و”الشموع” ثم فيما بعد الأيقونات.

[56] – “القديس أغناطيوس” المُلَّقَب ثيوفورس Θεόφορος   اى المولود من الله، أو المولود على ذراعى الله”، أو “المحمول من الله”، والذى يذهب التقليد المسيحى إلى أنه الطفل الذى أخذه يسوع بين ذراعيه وأقامه فى وسط الرسل(مر36:9) وإن كان البعض يسمونه “حامل الله”. أما عن كونه هو الذى أنشأ الترتيل بالتناوب، فهناك رأيان: أولهما يرى أنه هو المؤسس لهذه الطريقة ويمثل هذا الرأى سقراتيس هنا ، والثانى يرى أن فلافيان وديودورس هما اللذان أدخلا هذه الطريقة فى عهد قنسطنطين. وذلك رأى فالسيوس. ولكن مصادر أخرى – فى رأى زينوس(هـ857) ترى أن اغناطيوس هو المؤسس، وأن الآخرين طوراها.

[57] – هناك من الكتَّاب القدامى من اختلف مع سقراتيس فى رأيه هذا بشأن مصدر الإنشاد بالتناوب، المعروف بـ (Antiphonal) البعض يؤيد والبعض يرفض.

[58] – يقول سوزمينوس أن عدد الرهبان الذين نزحوا معهم كان ثمانون راهبا.

[59] – عن ثيوفيلس وموقفه ضد ذهبى الفم ، أنظر بالاديوس، Vita S. Joannis Chrysost. chap. 6″” ، للمعرب، قيد الطبع.

[60] – أى قُمص.

[61] – أنظر ك 15:5

[62] – عن البابا ثيوفيلس ودوره فى قضية “الإخوة الطوال” و”نفى ذهبى الفم “،  أنظر الأب متى المسكين “الرهبنة القبطية”. وكتاب “يوحنا ذهبى الفم  أو خطيب المدينتين” للقس منسى يوحنا، هامش ص80 و81 ب. و “ذهبى الفم ” للقمص تادرس يعقوب ملطى.

[63] – أنظر على سبيل المثال لا الحصر  Athan. de Decr. Nic. 27.

[64] – فى ضوء هذه الملاحظة، تُرى هل نقف مع ثيوفيلس ضد القديس البابا اثناسيوس الرسولى بكل جهاده المرير والطويل؟؟!!.

[65] – مدينة “قونستانتيا” أو “كونستانتيا”Constantia  بقبرص هى مدينة “سلاميس المذكورة فى أع 5:13. والتى كانت عاصمة لقبرص لقرون عديدة.  وفى بداية القرن الرابع دمرتها عدة زلازل متعاقبة، فأعاد بناؤها قنستانتيوس الثانى ودعاها قنستانتيا، وصارت كرسيا اسقفيا.

[66] – يقول زينوس(فى هـ 863) (قد يبدو غريبا أن يُصَّنَف ابيفانيوس ضمن مشايعى التجسيمية، حيث أنه هو نفسه قد سبق أن شجب آرائهم طبقا لشهادة جيروم( ضد باماخيوم،2). ثم يُعلِّق زينوس قائلا(لابد أن بعض الاوريجانيين قد فرضوا [ذلك] على سقراتيس حيث أنهم كانوا معتادين على تسمية كل مَن يختلف معهم فى آرائهم، بالمجسِّمين[ انثروبومورفيت] . راجع ف 7 عاليه بهذا الكتاب. [ لقد ذكرت رأى زينوس كما سجله، من باب الموضوعية. ولكننى أحب أن أقول أن نعت كل طرفٍ للطرف المخالف بنعت مضاد، ليس قاصرًا على الأوريجانيين فقط، فهى طبيعة شرقية، كانت وما زالت قائمة، بل وستظل لأنها طبيعة بشرية عامة، تشمل الشرق والغرب. فيكفى أن تستمع فى صمت إلى أى فريق من الفرق البشرية من حولك، وهو يتحدث – لا عن خصم له – بل حتى عن فريق منافس له، وبأى نعوت ينعته بها!!!. أما من جهة سقراتيس، فحتى لو كان قد تأثر بهذا أو ذاك فإن مَن يفترض الحياد المطلق فى بشرٍ يكون هو المخطىء. وقيمة “تاريخ”  أى مؤرخ تُقاس بمدى قلة تحيزه، وليست “عدم” تحيزه. وسعيه بكل طاقته إلى الموضوعية على قدر ما يستطيع. المعرب].

[67] – أرى أن هذا الأسلوب يمثل ارهاصات محاكم التفتيش فى القرون الوسطى لأوربا.

[68] – جابلا Ǧabla أو Jabala أو, Jablah أو Gabala, وتكتب بالعربية جبلة (وهو إسم فينيقى أصلا، يعنى “قبة” أو “مكان” [المعبود] ” الأيل الكبير الفينيقي” ). هى الآن هي مدينة ومركز منطقة جبلة في محافظة اللاذقية في شمال غرب سوريا. وتطل على البحر المتوسط، وتبعد مسافة 25 كم جنوب اللاذقية Latakia، وعلى مسافة 25 كم شمال بانياسBaniyas . وقد وضع كاتب سيرة هذا الاسقف بالسنكسار القبطى طبعة دير السريان هذه البلدة فى بلاد اليونان، وهذا بالطبع غير صحيح. ويتعين أيضا التفرقة بينها وبين مدينة قريبة فى النطق منها تُعرف بإسم كابلا توجد بأذريبجان الحالية.

[69] – نلاحظ هنا أن سقراتيس يحدد هذه المدينة بفينيقية، وذلك لأن هذا الإسم يُطلَق على عدة مدن فى أقطار مختلفة. أما المدينة المقصودة هنا فهى حاليا عكا بشمال اسرائيل الحالية.

[70] – يشير زينوس (فى هـ 865 )هنا إلى وجود اختلاف فى نهاية هذه الفقرة فى النص اليونانى لمخطوطة برايت لهذا العمل.

[71] – تدس هنا بعض النسخ من المخطوطات فقرة تقريظ فى سيرابيون، وواضح أن زينوس لم يأخذ بهذه النسخ، حيث أشار إليها فقط فى هوامشه 866، 867.

[72] – ثم يقول: من هنا إلى نهاية هذا الفصل تختلف النسخ التى اطلع عليها زينوس فى نقاط كثيرة عن بعضها البعض.

[73] – هذا يعطينا إشارة، إلى جانب إشارات أخرى، إلى تاريخ تدوين سقراتيس لعمله هذا. أنظر المقدمة العامة للمعرب.

[74] – كان القدماء، كما يقول زينوس، يحلفون دائما بأولادهم، وخاصة عندما يلتمسون أمرا ما بحماس شديد. وأقول أن هذه العادة الشعبية الجماعية ما زالت بالفعل متجذرة فى لا وعى الشعوب الشرقية، وهى الحلف بالأبناء، أو إستحلاف الآخرين بأبنائهم. فنسمع عبارة ” وحياة أولادى يا رجل، اللى ما ليش أعز منهم، اقول لك….” أو “وحياة أولادك يا رجل اللى بتترجاهم من الله…”. ويقول زينوس، أن استحلاف أودكسيا لذهبى الفم  ربما كان هكذا “و[حياة] طفلى الصغير هذا، ابنك الروحى الذى أنا أربيه، وأنت الذى اقتبلته من جرن المعمودية المقدس، اصطلح مع سيفريانوس”. غير أن فاليسيوس يشك فى هذه الرواية.

[75] – واضح من تدخل الإمبراطورة هنا أن سيفريانوس كان بالفعل قد جذبت عظاته انتباه الرتب العليا، مما يدل على أنه كان واعظا قديرا رغم لكنته غير اليونانية كما قال سقراتيس وندا لذهبى الفم ( على الرغم من أن المقتطف السابق الإشارة إليه لا يعكس تأملات عميقة أو متفردة به)، ومن هنا لعب الضعف البشرى دوره المعتاد فى إذكاء النفور، فى رأيى، بين قطبين متشابهين. وهو الأمر الذى لا يمكن تجاهله، والظاهر من عدة أحداث مماثلة عبر التاريخ، وحتى الآن وإلى انقضاء الدهر. فذكى سيرابيون الشماس هذه الروح.

[76] – الذى عقده هو مع اساقفة قبرص.

[77] – كنيسة مار يوحنا المعمدان.

[78] – أيا كانت مسألة سلوك سيرابيون، وصرامة اسلوب ذهبى الفم  [ودعنى أقول عدم دبلوماسيته الإدارية بتعبير أحد الكنسيين] فإن سلوك ابيفانيوس هنا لا يقبل أى عذر بتاتا، فهو أولا ضد القوانين الكنسية التى كانت قد تبلورت وبدأت تستقر بعد مجمعى نيقية (ق 16) والقسطنطينية الأول، بل وبحسب قوانين الرسل ذاتها(ق 35). وثانيا واضح الرغبة العارمة فى الهجوم على ذهبى الفم  فى ايبارشيته.

[79] – ملاحظة سيكلوجية جميلة من سقراتيس.

[80] – أنظر القسم اللاهوتى لكتاب ” القديس اثناسيوس” لمتى المسكين، السابق الذكر.

[81] – نلاحظ هنا خطأ عن عمد وتعدى على حقوق اسقف آخر بلا مبرر على الإطلاق، من جانب ابيفانيوس. ومع ذلك نلقبه بالقديس، ويرد اسمه فى مجمع التسبحة. ولم يمنع تبجيلنا له أن نأخذ عليه تاريخيا كسره لأبسط قواعد الاحترام المتبادل حتى على فرض عدم وجود قانون ينظم التعامل بين الايبارشيات، وتجاهله لأحد قوانين مجمع نيقية الذى يحظر ممارسة أى اسقف لمهام كهنوتية فى نطاق لا يخضع لسلطته.

[82] – يقول المؤرخون أنه كان ضعيف الشخصية مترددا فى قراراته، ومن ثم كان خاضعا لزوجته وليوتروبيوس.

[83] – أى لثيوفيلس.

[84] –  أو السنديانة، أو السنديان. ومن هنا عُرِف هذا المجمع تاريخيا بمجمع البلوطة، وهو مجمع محلى، انعقد خصيصا فى يوليو سنة 403م، لأجل إدانة ذهبى الفم .

[85] – مثلما رفض البابا اثناسيوس من قبل حضور مجمع ما من الاريوسيين لنفس الأسباب وهى أن القضاة أنفسهم هم الشاكون. أنظر، ك 31:1 هنا.

[86] – نلاحظ هنا حرص القديس يوحنا ذهبى الفم  والبابا اثناسيوس الرسولى(فى أكثر من مرة) على تسليم أنفسهم للمسؤلين بل والإسراع فى الإختفاء تجنبا لثورة الشعب من أجلهم حرصا على حياة الرعية، كرعاة أمناء.

[87] – أنظر ف7 من هذا الكتاب. وقارن الحوار الشيق للإخوة الطوال مع الأنبا ابيفانيوس، فى سوزمينوس(ك15:8) .

[88] – تعليق سقراتيس هنا يشير إلى أن الشعب قد وعى جيدا أن موقف ثيوفيلس من الإخوة الطوال لم يكن عقيديا بالفعل وإنما كان مجرد ذريعة للإحتكاك بيوحنا وخلعه.

[89] – العجيب أن الكنيسة القبطية قد إحتفظت له بمقتطف من عظاته عن الثالوث، يتلى فى اسبوع الآلام، رغم موقفه التنافسى والعدائى لذهبى الفم . وقد أدرك القدماء في الكنيسة القبطية غرابة هذا الموقف واعتبار كل من ثيؤفيلس وذهبى الفم  قديسين رغم العداء بينهما، فقام مؤلف مجهول بتأليف قصة ليصالح بين الطرفين. انظر إطلالات على تراث الأدب القبطي ص ٧٣-٧٥.

[90] – أنظر، 1 بط 5:5 ، يع 6:4.

[91] – ف 8 عاليه.

[92] – “التربيون” بمثابة محامى عام يدافع عن حقوق الشعب ومصالحه فى الدولة الامبراطورية. (عن هامش للقمص تادرس يعقوب ص 105 من كتابه “القديس يوحنا ذهبى الفم “).

[93] – ف 11 عاليه .

[94] – بالطبع هذا رد جميل للغاية ولا غبار عليه، ولكن المأخذ التاريخى، بل والاجتماعى، بعيدا الآن عن ثيوفيلس فى شخصه، هو قصره فقط على شخص قائله وتحريمه على الباحثين المدققين إن لم يكونوا أكثر من القائل لهذه العبارة فعلى الأقل جدا مثله فى المعرفة الكتابية والعقيدية. فعلى سبيل المثال ديوسقورس أحد الإخوة الطوال وايسيدورس قس الأسكندرية، هل كان يعوزهما هذا المنهج؟. والعبارة ذاتها يمكن أن يرتكن عليها آخرون ويطبقونها على غرار اسلوب محاكم التفتيش فى اوربا العصور الوسطى. وهذا ما حدث بالفعل من أحد الإكليريكيين فى أوائل سبعينات القرن العشرين، إذ خاطب أمناء خدمة على درجة عالية من العلوم الكنسية والوضعية قائلا “لا تتعبوا أنفسكم أنتم بالبحث أو الاطلاع، أنا أعدُّ لكم ملخصا وأنتم تحفظوه”.!!

[95] – جا 11:12

[96] – أو هيراكليا.

[97] – أو تيراقيا، تيراقية.

[98] – من المصادر المدنية نعلم أن هذا التمثال نُصب سنة 403م.

[99] – تحطم هذا العمود ضمن ما قد تحطم عند الغزو التركى للقسطنطينية.

[100] – نوع معين من أنواع الصخور يحتوى على درجة كبيرة من الكريستال.

[101] – لاحظ هنا تعليق سقراتيس على مسلك يوحنا ذهبى الفم  الذى يدافع عنه، وهو خير رد على ذلك الشخص الذى رآه متحاملا على ثيوفيلس. أما من جهتى فإننى أرى فى موقف سقراتيس من قضية يوحنا وثيوفيلس، أنه سجل الاحداث بموضوعية مقبولة.

[102] –  يؤكد القس فرر رئيس كنيسة كانتربرى ببريطانيا فى كتابه “الغيوم المتجمعة فى أفق الكنيسة”، 1895م، أن أعداء ذهبى الفم  قد زوروا نسخة الموعظة التى قدموها للإمبراطورة، لأنهم أخذوا النسخة الأصلية المكتوبة بالخط المختزل، وأدخلوا عليها كلمات هيروديا وغيرها، ثم بيضوها ثانية. ويقول أن هذه النسخة كانت ما زالت موجودة فى أيام كتابته لمؤلفه هذا، حيث يظهر فيها التزوير من الفرق الواضح بين اسلوبها واسلوب ذهبى الفم . وقد ذهب غيره إلى أن الموعظة كلها كانت مزورة بكليتها، ودليلهم على هذا اسلوبها الردىء. (انظر هامش 1 ص 91 من كتاب “يوحنا ذهبى الفم ..” للقس منسى يوحنا).

[103] – لاحظ هنا التلاعب عن عمد فى صيغة الإتهام “أجلس نفسه” بينما الشعب هو الذى أجلسه بالقوة رغم امتناعه، أى بلغة القانون “اصدروا حكما قبل المداولة والمرافعة”.

[104] – أنظر 8:2.

[105] – أنظر  ك 8:2.

[106] – واضح فعلا بجلاء أنها “محاكمة سياسية” بتعبيرنا اليوم، وليست محاكمة كنسية أوحتى مدنية. وأن الحكم كان معدا سلفا بدون مرافعة أو دفاع. ويكفى جدا تبرير حكمهم بنص اريوسى وهم يتغافلون عن عمد من أجل هدفهم السياسى المطلوب، أنهم بذلك جعلوا معاناة البابا اثناسيوس طوال سنوات حبريته عن عدل واستحقاق، كما لاحظ سقراتيس بصواب، باطلة. ألم تدنه الأكثرية الغالبة من الاساقفة الاريوسيين!!.

[107] – نلاحظ هنا اختلاف سقراتيس عن سوزمينوس(8/12) فى تبرير حرق الكنيسة.

[108] – أى سنة 404م.

[109] – سنة 404م.

[110] – مرة أخرى نلاحظ هنا رغم أن الدولة دينية، لكن الوثنيين كانوا لا يُمنعَون من شغل الوظائف العامة. مثلما يحدث الآن فى الدول الغربية حيث لا تتدخل الهوية الدينية فى شغل الوظائف، عكس الدول العربية.

[111] –  ما صمت عنه سقراتيس هنا توسع فيه سوزمينوس فى 23:8، 24.

[112] – أو سيرينوس حسب لفظ آخرين.

[113] – يُشير بالاديوس فى كتابه “حوار عن ذهبى الفم “، ف17 (قيد الطبع، للمعرب)، الى هذه الحادثة بدون ذكر الإسم.

[114] – inexorable، يقول زينوس أن الكلمة اليونانية التى ترجمها بهذه الكلمة [ والتى تعنى بالعربية عنيد أو لا يرحم] هى فى الأصل اليونانى تعنى “بلا ركب kneeless”. ومن ثم ربط سقراتيس بين بتر اقدام هذا الواشى وبين النعوت التى أطلقها على ذهبى الفم ، وفهم العامة لقضاء الله.

[115] – ف 15 عاليه.

[116] – سنة 404م.

[117] – أى سنة 405م.

[118] – سنة 406م.

[119] – أنظر 2:7.

[120] – أى فى 14 سبتمبر سنة 407م. وتحتفل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية بتذكار نياحته فى اليوم السابع عشر من شهر هاتور.

[121] – قارن ف 3 عاليه.

[122] – يقول زينوس أن هذه العبارة لم توجد بتاتا فى سائر العظات التى وصلتنا لذهبى الفم . ولكن ليس هناك ما يمنع من أن يكون ذهبى الفم  قد قالها فى عظات لم تصلنا. ثم يقول أن هذه الإشارة من جانب سقراتيس كانت ضمن الاعتبارات التى أدت بالبعض إلى الظن بأنه من النوفاتيين. وأود أن أشير هنا إلى ملاحظتين: أولاهما أننا لا نستطيع أن نجزم بأن كل ما قاله كاتب أو معلم من الآباء الأولين قد وصلنا كله بالكامل، هذا تصور خيالى لا اساس له حيث يُغفل جانب الأحاديث الشفاهية والفردية(التى شكلت أساس ونواة الأبوفثجماتاباتروم على سبيل المثال لا الحصر) وبالتالى لا يجوز الحكم على ما اذا كان ذلك قاله هذا الكاتب أم لا من واقع ما وصلنا له فقط. وإنما ندرس المحتوى اللاهوتى أو العقيدى للعبارة ونرى مدى تطابقها مع فكر الكاتب أو المتكلم فى اجماله. وهذه العبارة هنا تتسق تماما، فى رأيى، مع فكر ومنهج ذهبى الفم  الرعوى والعقيدى الذى يشجع جميع النفوس، رغم سقوطها المتكرر وتوبتها على “الإقتراب” أى على التناول من السرائر المقدسة. والمعرب هنا له فى أبيه القمص بيشوى كامل أسوة ونبراسا، إذ كان هذا الأب الجليل يأمر الزانى بالتناول حتى قبل أن يُقدّم توبة كافية، مرددا لنا “الذبيحة المقدسة هى التى ستقويه وتتوبه”. وهنا تأتى الملاحظة الثانية، وهى أن هذا المنهج يتعارض جذريا مع فكر وتعليم النوفاتيين، ولم يعترض عليه سقراتيس فكيف كان أحد العوامل التى أخذها من نسبوه إلى النوفاتية؟.

[123] – أنظر عن حياة وكتابات وفكر ذهبى الفم ، القمص تادرس يعقوب، مرجع سابق الذكر.

[124] – أنظر ك 10:5، 21.

[125] – جا 8:9.

[126] – مت 2:17. مر3:9. لو29:9.

[127] – ذهبى الفم .

[128] – بالطبع كان هذا عرفا سائدا منذ الرسل. ولذلك عندما حاول قنسطانتيوس جعل ليبيريوس وفيلكس يمارسان ادارة الايبارشية معا، رفض الشعب اقتراحه وصاحوا “رب واحد مسيح واحد، أسقف واحد”

[129] –  ذهبى الفم .

[130] – الثانى أو الصغير.

[131] – هنا، على سبيل المثال لا الحصر، تظهر مسألة تباين كيفية رد التاريخ date فى الكتابات القديمة إلى التقويم الجارى حاليا. فالسنة المذكورة عاليه حسب التقويم الآثينى القديم تعادل فى جداول التصفح الآلى لهذا التقويم سنة 410م. بينما التواريخ المدنية العامة، تسجل موت اركاديوس فى سنة 408م. وهذا التاريخ الأخير أخذ به أيضا زينوس هنا.



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.