ما هو موقف كنيسة العهد الجديد من الفلسفة والمعرفة؟

كارت التعريف بالسؤال

البيانات التفاصيل
التصنيفات أسئلة وأجوبة, الخدمة الكنسية - اللاهوت الرعوي, العلم والكنيسة, قضايا مسيحية عامة
آخر تحديث 11 أكتوبر 2021
تقييم السؤال من 5 بواسطة إدارة الكنوز القبطية

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ6 – المفاهيم المسيحية والحياة اليومية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو موقف كنيسة العهد الجديد من الفلسفة والمعرفة؟

وُلدت كنيسة العهد الجديد فى عصر يمكن تلقيبه "عصر الفلسفة". كانت كلمة "فلسفة" فى القرون الأولى تُعادل "التقدم الصناعى" فى العصور الوسطى بأوروبا، والتقدم العلمى فى القرن العشرين، والتقدم التكنولوجى فى عصرنا الحالى. فكان الحكام والقضاة وأصحاب المراكز القيادية يفتخرون بأنهم فلاسفة أو عشاق الفلسفة ورجالها، وأنهم أصحاب ثقافة عالية. أوضح الرسول بولس أن الصليب عند اليونانيين (الفلاسفة) جهالة (1كو2: 14)، لكنه فى حقيقته فلسفة إلهية فائقة. "لأن جهالة الله أحكم من الناس! وضعف الله أقوى من الناس!" (1كو1: 25). يحسبونه جهالة بسبب عجز هؤلاء الفلاسفة عن إدراك سرّ حكمة الله وفلسفته.

لم تسفه الكنيسة الفلسفة ولا المعرفة، فكثيراً ما استخدم الرسل كلمة "يعرف" ومشتقاتها فى العهد الجديد! المعرفة لا تقف فى تضاد مع الإيمان، إنما هما أختان متلازمتان، مادامت المعرفة صادقة (الحق) والإيمان حقيقى غير مُزيف.

تبقى مدرسة الإسكندرية المسيحية– أول معهد مسيحى علمى فى العالم – شاهداً عملياً فى نظرة الكنيسة الأولى المتسعة نحو الثقافة فى المجتمع:

أولاً: يشهد العلامة أوريجينوس (185 - 254) أن القديس بنتينوس مدير المدرسة (تنيح حوالى عام 190م) كسب كثيراً من الفلاسفة للإيمان المسيحى باستخدامه للفلسفة.

ثانياً: يُعتبر القديس إكليمنضس السكندرى (150 - 215) أول كاتب مسيحى قام بتزويج الإيمان مع الفلسفة، بكونهما هبة من الله، وإن كان بعض الفلاسفة أدخلوا عليها ما هو باطل. وكان القديس يلبس بلين الفلاسفة وهو يُدرس فى مدرسة إسكندرية المسيحية. آمن أنه لا توجد عداوة بين المسيحية والفلسفة. وتتلخص نظرته إلى الفلسفة فى النقاط التالية[111]:

أ. أن الفلسفة ليست عملاً من أعمال الظلمة، بل كل مذهب من مذابها يشرق عليها شعاع نور[112] من اللوغوس... ففى بداية كتابة "المتفرقات Stromata" انتقد القائلين بأن الفلسفة شرّ، ووعد أنه سيوضح خلال هذا العمل، أنها من جانب هى "عمل التدبير الإلهى[113]". فى رأيه أن غاية الفلاسفة فى كل المدارس الفلسفية هى ذات غاية المسيحية، ألا وهى الحياة السامية، ولكن الفارق هو أن الفلاسفة لم يتمتعوا إلا بقليل من الحق، أما المسيحية فأعلنت الحق كاملاً فى المسيح[114]. الفلسفة، فى رأيه، أقل من الحق[115]، لكنها ليست بلا قيمة[116]. لهذا يرى الفلاسفة أطفالاً بقوا هكذا حتى جعلهم السيد المسيح رجالاً.

ب. لقد قال: "أقصد بالفلسفة ولا المذهب الرواقى أو الأفلاطونى أو الأبيقورى أو الأرسطاطلى، بل ما قد قيل بحق فى كل المذاهب ويُعلم مع العلم التقوى.

ج. يرى أن عناية الله لم تتجاهل أى شعب. فكما اعد الله العبرانيين بالناموس ليقودهما للسيد المسيح، هكذا استخدم الفلاسفة بالنسبة لليونانيين للبلوغ بهم إلى ذات. فى هذا يقول: [قبل مجئ الرب الإعدادى للذين ينالون الإيمان خلال البرهان... لقد أعطيت الفلسفة اليونانية مباشرة، وبطريقة بدائية إلى أن يدعوهم الرب. وكما يقول الناموس العبرانيين للمسيح (غل3: 24)، هكذا كانت الفلسفة إعداداً، تهيئ الطريق الذين يتكلمون فى المسيح[117] "].

د. أكد القديس بأمثلة عديدة أن اليونانيين قد استعاروا الكثير من العهد القديم[118]. قال إن أفلاطون انتحل آراء موسى والأنبياء، ولو أنه لم يُقدمها بطريقة صادقة. كما شبه الفلسفة اليونانية بالشريعة الموسوية، ومع ذلك فكثيراص ما أكد أن الإيمان هو أساس كل المعرفة[119]، وأعظم منها وهو الحكم عليها [120]، كما دافع عن الإيمان ضد الفلاسفة[121].

ه. إذ عرف القديس العالم بجانبيه الوثنى والمسيحى، عرف الكتابات اليونانية الكلاسيكية واللاهوت المسيحى. لهذا اعتقد أنه ليس من واجب الكنيسة ان تثبط همة الموعوظين عن متابعة دراستهم الفلسفية، إنما تستطيع الكنيسة أن تعطى مسحة مسيحية للفلسفة بثقافتها وتعليمها.

ثالثاً: قيل فى القرن الثانى وبدء القرن الثالث صار الفلاسفة مسيحيين، والمسيحيون فلاسفة، حيث كان الفلاسفة على علاقة وثيقة بعمداء مدرسة إسكندرية المسيحية وأساتذتها[122].

رابعاً: لا نعجب أن مدرسة الإسكندرية منذ بدء نشأتها، لا يقف منهجها عند الدراسات الدينية، بل تدرس علوماً كثيرة encyclopedic. هذا الموقف المشرف من قادة الفكر المسيحى فى الكنيسة الأولى يكشف كيف واجهت الكنيسة المجتمع بثقافاته وقدراته وإمكانياته، لا لتأخذ موقف المواجهة ضد المجتمع، بل تقديس ونمو وتطور كل ما هو للبنيان.

خامساً: القديس إكليمنضس السكندرى فى محاولاته لإرساء "غنوسية" مسيحية حقيقية وأصيلة وعملية، يستخدم بصفة مستمرة، مصطلح "غنوسى Gnostic" بمعنى "المؤمن الروحانى". فهو لا يفصل بين المعرفة Gnosisوالروحانية.

فى حديث الشهيد يوستين (100 - 165م) عن الفلسفة والفلاسفة يقول: [إن كل ما علموه من حقائق يخصنا نحن المسيحيين، وذلك لأن "اللوغوس" الذى نعبده ونحبّه، والمولود من الآب، والمتجسد لأجلنا ولأجل شفائنا من آثامنا بتحمله العذابات والآلام، هو ذاته الذى أوحى إليهم بتلك الحقائق. لقد عرفوا الحقيقة، لأن اللوغوس نفسه وضع فيهم زرعه. ولكن الفارق كبير بين الحصول على هذا الزرع وبين المشاركة فيه. لهذا فإن جميع المبادئ الصحيحة التى اكتشفها الفلاسفة والمُشرعون وعبّروا عنها تعود إلى أنهم وجدوها وتأملوها جزئياً فى اللوغوس. وعندما كانوا يخطئون، فيعود ذلك إلى أنهم لم يعرفوا اللوغوس بالكلية، الذى هو المسيح. أما نحن فعرفناه وأخذنا عنه الحقيقة كاملة[123]].


[111] - راجع للمؤلف: آباء مدرسة الإسكندرية الأولون، 2001، ص69 - 72.

[112] Stormata, 13: 1.

[113] Stormata, 4: 1.

[114] W. Fairweather: Origen & Greek Patristic Theology, Edinburgh 1901, p. 15.

[115] Stormata,98: 1.

[116] Stormata, 15: 1.

[117] Stormata, 5: 1 (A. N. Frs, vol2, P305).

[118] Stormata, 5: 2.

[119] Stormata, 4: 2.

[120] Stormata, 4: 2: 5.

[121] Stormata, 2: 2: 8.

[122] Cf. Fr. Tadros Malaty: The School of Alexandria, chapters 4,5.

[123] Apology, 2 - 10.

هل كان المسيحيون شعباً منعزلاً عن المجتمع؟

كيف هيأت الكنيسة العالم لفتح التعلم لكل إنسان؟