هذا الفصل هو جزء من كتاب: العبادة في كنيستنا – الأنبا يؤانس أسقف الغربية .
القداس الباسيلى
● طقس تقديم الحمل.
● ليتورجيا الموعوظين.
● الأنافورا (قدّاس المؤمنين).
القداس الباسيلى
تكلمنا فى المرة الماضية عن الأشكال الرمزية للافخارستيا فى العهد القديم... وكان بودى أن نتناول بالكلام موضوع القداس الإلهى، الذى فيه نحتفل بسرّ الافخارستيا، والليتورجيات القديمة ابتداءً من القرن الأول، لكن الوقت لا يسعفنا، لذا نقصر حديثنا عن القداسات المستخدمة فى كنيستنا حالياً؛ وهى القداس الباسيلى والقداس الغريغورى والقداس الكيرلسى وهو قداس مارمرقس... وقد نشير فى سياق حديثنا إلى بعض القداسات القبطية القديمة، وغير المستخدمة حالياً... ونبدأ اليوم بالكلام عن القداس الباسيلى الأكثر استعمالاً والمألوف لدى الشعب... ينقسم القداس الباسيلى إلى ثلاثة أقسام:
(1) تقدمة الحمل (2) قداس الموعوظين (3) قداس المؤمنين (الأنافورا).
طقس تقديم الحمل:
(أ) الاستعداد:
قبل تقديم الحمل، يتقدم الكاهن الخديم (الذى سيرفع القرابين) بخوف ورعدة نحو مذبح الله، ويصلى صلاة الاستعداد... ولا تسعفنى الكلمات للتعبير عن الاستعداد الواجب على الكاهن حين يمثل فى حضرة الله فى سرّ الافخارستيا، حينما يكون إبن الله بذاته بجسده ودمه على المذبح... وإذا كان الاحتفال السنوى بالفصح القديم، استوجب أن يبقى بنو اسرائيل سبع أيام كاملة، يأكلون فطيراً، ويبعدون الخمير من بيوتهم، كرمز لحياة النقاوة والقداسة مدة حياتهم بالجسد على الأرض، الذى يرمز إليه السبعة أيام، فكم يلزم الإنسان المسيحى أن يستعد؟!
وإذا كان الله، حينما اراد أن يحلّ بمجده فوق جبل سيناء، أمر موسى النبى أن يتقدس الشعب مدة ثلاثة أيام، ويغسلوا ثيابهم ولا يقربوا زوجاتهم. ولا يقترب أحد من الجبل. وكل من يمسّ الجبل، إنساناً أو بهيمة يقتل ويرجم. ولما حلّ الرب بمجده فوق الجبل أنه كان يدخّن وتزعزع الجبل (خروج 19)... الأمر الذى اشار إليه القديس بولس فى رسالته إلى العبرانيين...
«لأنكم لم تأتوا إلى جبل ملموس مضطرم بالنار، وإلى ضباب وظلام وزوبعة، وهتاف بوق وصوت كلمات استعفى الذين سمعوه من أن تزاد لهم كلمة، لأنهم لم يحتملوا ما أمرّ به وإن مسّت الجبل بهيمة تُرجم أو تُرمى بسهم. وكان المنظر هكذا مخيفاً حتى قال موسى أنا مرتعب ومرتعد» (عب 12: 18 - 21)).
.. ويضيف القديس بولس إلى الكلام السابق.
«نخدم الله خدمة مرضية بخشوع وتقوى لأن إلهنا نار آكلة» (عب 12: 28).
، 29)...
إذا كان هذا هو ما حدث فى العهد القديم، فكم وكم ينبغى أن يكون وقوف خدام الله فى حضرته فى سرّ الأفخارستيا؟!... وكما يقول آباء الكنيسة القديسون وكتاب وعلماء القرن الرابع المسيحى – وعلى رأسهم غريغوريوس النزينزى ويوحنا ذهبى الفم – إن الملائكة يكونون حاضرين فى الليتورجية الافخارستية. وإن الملائكة يحيطون بالكاهن. الهيكل كله – المكان الذى يحيط بالمذبح – ملئ بالقوات السمائية، لتكريم الحاضر على المذبح.
الاستعداد المطلوب إذن هو بالدرجة الأولى، استعداد روحى وفكرى وجسدى. ثم يزيّن المذبح بالفرش المناسب على نحو ما كانت العلية التى أسس فيها الرب سرّ الأفخارستيا (ر 14: 15؛ لو 22: 12)... ثم يعّد الأوانى، ويقول صلاة سراَ هى صلاة الاستعداد... وهى صلاة مملوءة انسحاقاً وتذللاً لاستدرار مراحم الله ومعونته، معترفاً بضعفاته فتتفاضل نعمة الله على الكاهن المصلّى:
«أيها الرب العارف قلب كل واحد، القدوس المستريح فى قديسيه، الذى بلا خطية وحده، القادر على مغفرة الخطايا. أنت يا سيد تعلم إنى غير مستحق ولا مستعد ولا مستوجب لهذه الخدمة المقدسة التى لك. وليس لى وجه أن اقترب وافتح فاى أمام مجدك المقدس. بل ككثرة رأفاتك اغفر لى أنا الخاطئ. وامنحنى أن أجد نعمة ورحمة فى هذه الساعة. وارسل لى قوة من العلاء، لكى ابتدئ واهيئ اكمّل كما يرضيك خدمتك المقدسة، كمسرة ارادتك رائحة بخور. ثم يا سيدنا كن معنا. اشترك فى العمل معنا باركنا. لأنك أنت هو غفران خطايانا وضياء أنفسنا وحياتنا وقوتنا ودالتنا. وأنت الذى نرسل لك إلى فوق المجد والاكرام والسجود أيها الآب والابن والروح القدس الآن وكل أوان وإلى دهر الدهور آمين».
وبعد الانتهاء من فرش المذبح وتزيينه، يقول هذه الصلاة سراً:
«أنت يا رب علمتنا هذا السرّ العظيم الذى للخلاص. أنت دعوتنا نحن الأذلاّء غير المستحقين عبيدك لنكون خداماً لمذبحك المقدس. أنت يا سيد اجعلنا مستوجبين بقوة روحك القدوس، أن نكمّل هذه الخدمة، لكى بغير وقوع فى دينونة أمام مجدك العظيم نقدم لك صعيدة البركة، مجداً وعظم بهاء فى قدسك. اللهم معطى النعمة مرسل الخلاص الذى يفعل كل شئ فى كل واحد. اعط يا رب أن تكون مقبولة أمامك ذبيحتنا عن خطاياى وجهالات شعبك (عب 7: 27؛ 9: 7)، ولأنها طاهرة كموهبة روحك القدوس بالمسيح يسوع ربنا... » [نلاحظ الكلمات المعبّرة عن فهم المسئولية... خطاياى وجهالات شعبك. لأن الذى يعرف أكثر يطلب بأكثر].
(ب) ارتداء ثياب الخدمة:
يرتدى الكاهن الحلّة الكهنوتية بعد رشمها على اسم الثالوث القدوس... ويجب أن تكون الثياب الكهنوتية بهية وفاخرة ونظيفة لأن الكاهن سيقف بها أمام المسيح الرب على المذبح. والثياب الكهنوتية البهية ليست نوعاً من الفخفخة أو التباهى والمظهرية، بل هى من أجل جلال الحال فوق المذبح.
فى رؤيا اعلنت لزكريا النبى فى العهد القديم، يقول.
« وأرانى يهوشع الكاهن العظيم قائماً قدام ملاك الرب... وكان يهوشع لابساً ثياباً قذرة وواقفاً قدام الملاك. فأجاب وكلّم الواقفين قدامه قائلاً: انزعوا عنه الثياب القذرة. وقال له انظر. قد اذهبت عنك اثمك، وألبسُك ثياباً مزخرفة. فقلت ليضعوا على رأسه عمامة طاهرة. فوضعوا على رأسه العمامة الطاهرة والبسوه ثياباً، وملاك الرب واقف» (زكريا 3: 1 - 5)).
كان القديس مارافرام السريانى معاصراً للقديس باسيليوس رئيس اساقفة قيصرية كبادوكية بآسيا الصغرى، ذلك القديس والعالم الجبّار الذى طبق صيته الآفاق... كان مارافرام ناسكاً مقيماً ببلاد ما بين النهرين (العراق)، وإذ به يرى يوماً عموداً من نور واصل بين الأرض والسماء، وصوت يقول «هذا هو باسيليوس الكبادوكى»... هذه الرؤيا حركت قلب مارافرام شوقاً لرؤية باسيليوس. فشّد رحالة إلى قيصرية كبادوكية حيث كان يقيم باسيليوس، فوصلها يوم أحد ودخل الكنيسة ليحضر القداس الإلهى. وإذ به يرى باسيليوس مرتدياً ثياباً كهنوتية فاخرة، فأعثر به فى داخله، وندم انه قطع رحلة طويلة من العراق إلى كبادوكية... وما لبث أن حان وقت العظة، ووقف القديس باسيليوس ليعظ الشعب، وإذا بمارافرام يرى حمامة بيضاء واقفة على كتف باسيليوس، والكلمات خارجة من فمه مثل ألسنة نارية تستقر فى قلوب من كانوا يسمعونه. ومع ذلك ظلت أفكار الشك تساوره ازاء ثياب باسيليوس الفاخرة... لكن القديس باسيليوس علم بالروح بوجود القديس مارافرام بالكنيسة، وما كان يدور بخلده ويفكر فيه. فأرسل شماساً واستدعاه. وبعد انتهاء القداس التقى القديسان. وسأله باسيليوس لماذا أعثر به. ثم كشف الثياب الفاخرة التى كان يتحلى بها، فرأى مارافرام مسحاً من الشعر كان باسيليوس يرتديه على جسده. ثم قال له إن هذه الثياب الخارجية تليق بكرامة الخدمة والحالّ فوق المذبح.
اثناء ارتداء الثياب الكهنوتية يقول الكاهن سراً المزمور 29 (30) «اعظمك يا رب لأنك احتضنتنى ولم تشّمت بى أعدائى... حولت نوحى إلى فرح لى. مزقت مسحى، ومنطقتنى سروراً»... وكذلك المزمور 92 (93) «الرب قد ملك ولبس الجلال. لبس الرب القوة وتمنطق بها... » إنه يفرح بهذه الخدمة رغم عدم استحقاقه لها، وكأنه يقول مع اشعياء.
«أما انتم فتدعون كهنة الرب، تُسمون خدام إلهنا... فرحاً افرح بالرب. تبتهج نفسى بإلهى لأنه قد البسنى ثياب الخلاص. كسانى برداء البرّ مثل عريس يتّزيّن بعمامة، ومثل عروس تتزيّن بحليها» (اش 61: 6).
، 10)... إن التونية البيضاء رمز للنقاوة والطهارة، على مثال كهنة العهد القديم، الذين كانوا يلبسون الملابس الكتانية البيضاء... ولا يفوتنا أن نقرر هنا أن ثياب الخدمة هذه، بدأ استخدامها منذ عصر الرسل على الرغم من أن الكنيسة كانت مضطهدة، ولم تكن فى وضع يسمح لها أن تظهر بالجمال الذى نشاهده الآن...
وبعد ارتدائه الثياب الكهنوتية، يصلى الكاهن والكنيسة كلها المزامير حسب طقسها. ففى أيام الفطر تُصلى مزامير الساعتين الثالثة والسادسة. وفى أيام الصوم (ماعدا صوم يونان والصوم الكبير وصوم البرامون)، تصلى مزامير الساعات الثالثة والسادسة والتاسعة. أما فى صوم يونان والصوم الكبير والبرامون، فتصلى مزامير السواعى من الثالثة إلى الثانية عشر. وذلك لأن القداس الإلهى مفروض أن ينتهى وقت الغروب.
(ج) غسل الأيدى:
قبل أن يقترب الكاهن من الحمل، يغسل يديه ثلاث مرات وهو يردد كلمات المزمور «تنضح علىّ بزوفاك فاطهر. تغسلنى فأبيض أكثر من الثلج»؛ «تسمعنى سروراً وفرحاً فتبتهج عظامى المتواضعة»؛ «اغسل يدىّ بالنقاوة واطوف بمذبحك يا رب، لكيما اسمع صوت تسبحتك»... يقول كليمنضس الأسكندرى «أنه من الطبيعى أن نجد فى عنصر الماء الذى يقوم بالتنظيف، رمزاً للنقاوة الداخلية»... ويقول القديس كيرلس الأورشليمى «يُقدّم الشماس للخدام والكهنة المحيطين بمذبح الله الماء لغسل أيديهم. وهذا لا يُقّدم لهم بسبب وسخ جسدانى، ولكن غسل الأيدى بمثابة رمز للتطّهير من كل خطية، وكل عدم استحقاق. وكما أن الأيدى تعتبر رمزاً للعمل، فإنه بغسل الأيدى نرمز إلى نقاوة وبساطة أعمالنا. وهكذا يظهر أن غسل الأيدى ليس أمراً يتصل بالجسد فحسب، بل بالروح.
(د) الحَمَل:
ويُقصد به القربانة التى سيصلى عليها. وبحلول الروح القدس عليها وعلى الخمر الموضوع فى الكأس، يتّحولان إلى جسد المسيح الرب ودمه الأقدسين. القربانة عبارة عن خبزة صغيرة مستديرة. جاء فى كتاب تعليم الرسل الديداكى Didache أن السيد الذى هو رأس جسده (الكنيسة)، يضمنا فى جسده، كما تضم الخبزة حبّات كثيرة من القمح. وكون القربانة مستديرة فلأن الدائرة ليس لها بداية ولا نهاية. وهى بهذا ترمز للمسيح – الله الذى ظهر فى الجسد – الذى هو بلا بداية أيام ولا نهاية حياة، إنما هو إزلى أبدى. ويُخبز قربان الحمل من دقيق قمح خالص، لأن المسيح هو حمل الله الذى بلا عيب. وهو خبز مختمر لا يضاف إليه ملح. والخمير يشير إلى الشر الذى حمله ربنا عنا على الصليب. أما عدم اضافة ملح إليه فذلك لأن الملح يُصلح الشئ، والمسيح لا يحتاج إلى ما يصلحه، فهو الصالح وحده ومصدر الصلاح. والقربانة مختومة بختم فى وسطه علامة صليب كبير نسبياً، يحيط به أثنا عشر صليباً صغيراً رمزاً لرسله الأثنا عشر، نواة الكنيسة الأولى.
«مبنيين على أساس الرسل والأنبياء ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية» (أفسس 2: 20)).
ثم أن العدد (12) يشير إلى الكنيسة ملكوت الله على الأرض. أما تفسير العدد (12). فهو حاصل ضرب 3 (رمز الثالوث القدوس) ×4 (التى تشير إلى أربعة أركان المسكونة) [3×4 = 12]... لهذا السبب كان عدد اسباط بنى اسرائيل اثنا عشر، وعدد رسل المسيح اثنا عشر، وابواب اورشليم السمائية اثنا عشر وفى رؤيا يوحنا تكلم عن عبيد الرب الذين ختموا على جباههم. وكان عددهم مائة وأربعة وأربعون ألفاً، من كل سبط من بنى اسرائيل أثنا عشر ألف مختوم (رؤ 7: 3 - 8). ويذكر سفر الرؤيا أن اطوال اضلاع اورشليم السمائية مضاعفات العدد (12). كما أن لها اثنا عشر أساساً (رؤ 7: 3 - 8؛ 21: 10 - 17)... وحول هذه الصلبان فى القربانة نقوش علهيا الثلاثة تقديسات. وكأن الله المثلث الأقانيم يحيط بكنيسته فى العالم، وهو حالّ فى وسطها فلا تتزعزع. وهناك خمسة ثقوب فى القربانة، تمثل جراحات المسيح: ثقبان فى اليدين وثقبان فى القدمين، وطعنة الحربة فى جنب المسيح الأيمن... ثلاثة ثقوب على اليمين، وثقبان إلى اليسار.
ويعد القربان ويخبز فى حجرة خاصة ملحقة بالكنيسة تسمى «بيت لحم»، التى معناها بيت الخبز، لأن ابن الله الذى ولد فيها هو خبز الحياة. وأثناء عجن القربان تتلى المزامير. والحمل الذى يُقدّم يكون خبز يومه.. ويسمى الخبز حَمَلاً وهو اللقب الذى اطلق على المسيح».
«حلم الله الذى يرفع خطية العالم» (يوحنا 1: 29).
، 36)...
«عالمين أنكم افتديتم... بدم كريم كما من حمل بلا عيب ولا دنس دم المسيح» (1بط 1: 19)).
..
«مستحق هو الخروف المذبوح. أن يأخذ القدرة والغنى والحكمة القوة والكرامة والمجد والبركة» (رؤيا 5: 12)).
ثم يقدم الحمل، وفى أثناء اختيار الكاهن له، يصلى الشعب كيرياليسو (يا رب ارحم) واحد واربعين مرة. استمطاراً لمراحم الرب، لأن عدد (41) هو عدد الجلدات التى جُلد بها المسيح قبل صلبه (39)، وطعنة الحربة فى جنبه الأيمن، ثم ضربة القصبة التى ضربوه بها على رأسه... والحمل الذى يختاره الكاهن يجب أن يكون بلا عيب ظاهر بقدر الإمكان، كما يجب أن يكون الخمر من عصير العنب وحده. وعلى نحو ما تضم القربانة حبات كثيرة من القمح، كذلك فإن الخمر هو عصير حبات كثيرة كما تقول الديداكى Didache.
يرشم الكاهن القربانة (الخبز) والخمر ثلاث رشوم بالصليب على إسم الثالوث القدوس أثناء اختيار الحمل على باب الهيكل، قبلما يذهب الكاهن بالحمل إلى المذبح، مُعلناً أن الرب قِبلَ الصليب بارادته مقّدماً، قبلما يذهب إلى الجلجثة التى يرمز إليها المذبح... ثم يضع الكاهن يديه على القرابين على شكل صليب. وهذا يذكرّنا بكاهن العهد القديم، ومقّدم الذبيحة الذى كان يضع يده على رأسها ويعترف بخطاياه. وكان الخطية قد انتقلت إلى الذبيحة عوض مقدمها الخاطئ، وينفذ منها حكم الموت عوضاً عنه... إن الكنيسة ترى أنه يتّم فى عريسها ومخلّصها قول اشعياء النبى «جعل نفسه ذبيحة إثم» (أش 53: 10).
بعد اختيار الحمل يرشمه الكاهن بالخمر باصبعه مع بقية القربانات، وهو يقول: ذبيحة مجد، ذبيحة بركة، ذبيحة ابراهيم، ذبيحة اسحق، ذبيحة يعقوب، ذبيحة ملكيصادق. ونلاحظ أن الرشم الأول بالخمر (ذبيحة مجد)، والرشم الأخير (ذبيحة ملكيصادق) يكونان على القربانة المختارة حملاً... ورشم الحمل بالخمر اعلان أن هذا الخمر يتحول إلى دم السيد المسيح، الذى له ذات الجسد. أما رشم بقية القربانات فيرمز إلى تقديس الكنيسة (اخوته) بدمه.
يدخل الكاهن إلى المذبح، ويبلّ يده بالماء ويمسح وجه القربانة الحمل وظهرها بالماء، اشارة إلى عماد المسيح. وأثناء ذلك يقول سراً «اعط يا رب أن تكون مقبولة أمامك ذبيحتنا عن خطاياى وجهالات شعبك. ولأنها طاهرة كموهبة روحك القدوس بالمسيح يسوع ربنا»... هنا يذكر الكاهن سراً من يريد أن يذكره من الشعب كل بحسب ظروفه (إن كان مرض أو سفر أو انتقال للعالم الآخر أو أى مشكلة...). ثم يذكر جميع المسيحيين الأرثوذكسيين «اذكر يا رب عبيدك المسيحيين الأرثوذكسيين كل واحد باسمه، وكل واحدة باسمها. اذكر يا رب ابى وأمى واخوتى واقربائى الجسديين وآبائى الروحيين. الأحياء احفظهم بملاك السلامة. والمضجعين نيّحهم». وفى ختام كل هذا يذكر ذاته «اذكر يا رب ضعفى أنا المسكين، واغفر لى خطاياى الكثيرة»... بعدها يقول سراً أوشية سلامة الكنيسة والآباء والاجتماعات الصغيرة.
بعد ذلك يلف الكاهن الحمل فى لفافة كتانية بيضاء... [الكتان لأبيض يشير إلى القداسة والنقاوة. لهذا كانت ملابس كهنة العهد القديم من الكتان الأبيض. وقد راى دانيال النبى السيد الرب فى رؤيا ملتحفاً بثوب من كتان (دانيال 10: 5)]... هذه اللفافة الكتانية تشير إلى الأقمطة التى تقمّط بها الرب يسوع فى المزود، كما تُذكرنا بالأكفان التى كفنوه بها (متى 27: 59)... ثم يرفع الكاهن الحمل فوق صليب اليد إلى جبهته، ويتجه نحو الشعب جهة الغرب ويقول: «مجداً واكراماً، اكراماً ومجداً للثالوث القدوس الآب والابن والروح القدس. سلاماً وبنياناً لكنيسة الله الواحدة الوحيدة المقدسة الجامعة الرسولية آمين. اذكر يا رب الذين قدّموا لك هذه القرابين، والذين قدمت عنهم، والذين قُدمت بواسطتهم اعطهم كلهم الأجر السماوى»... يقول الكاهن «سلاماً وبنياناً» لأن سر الافخارستيا هو الذى يبنى الكنيسة روحياً...
بعد الانتهاء من ذلك يدور حول المذبح دورة واحدة، مثال لما فعله سمعان الشيخ حينما حمل الطفل يسوع على ذراعيه. ويسير خلفه شماس يحمل قارورة الخمر ومعه شمعة مضاءة، اشارة إلى أنه بدم المسيح استنارت المسكونة... وبعد أن ينتهى الشمامسة الذين بداخل الهيكل ومن بخارجه من مرداتهم، يرشم الكاهن القرابين (الخبز والخمر) بمثال الصليب ثلاث مرات على إسم الثالوث القدوس الآب والإبن والروح القدس، لأن كل شئ يقدّس على إسم الثالوث... ثم يضع الحمل فى الصينية وهو يقول «مجداً واكراماً اكراماً ومجداً للثالوث القدوس الآب والابن والروح القدس... » ويفرّغ قارورة الخمر فى الكأس. ثم يمزجه بما يوازى الثلث ماءً. ومزج الخمر بالماء تذكار للماء الذى خرج من جنب المخلّص حين طعن بالحربة وهو معلق على الصليب. كما أن مزج الخمر بالماء فى الكأس فيه اعلان عن اتحاد الأمم والشعوب التى يشير الماء إليها كما جاء فى سفر الرؤيا.
«ثم قال (الملاك) لى، المياه التى رأيت... هى شعوب وجموع وأمم وألسنة» (رؤيا 17: 15)).
.
صلاة الشكر:
تبدأ كنيستنا جميع صلواتها بصلاة الشكر، سواء الصلوات التى ترفع داخل الكنيسة أو خارجها بالمنازل أو غيرها. حتى الصلاة على المنتقلين تبدأ بصلاة الشكر... إن الكنيسة فى طقس الافخارستيا تبدأ بصلاة الشكر، إذ تشكر الكنيسة الله الآب على كل عمله الخلاصى الذى اتمه من أجلنا، وكذلك على كل احساناته... بل إن هذا السر يسمى الافخارستيا ومعناه «الشكر».
صلاة تقدمة الخبز والكأس:
بعد صلاة الأنتهاء من صلاة الشكر يقول الكاهن سراً صلاة تقدمة الخبز والكأس وتسمى صلاة الغطاء ويقول فيها:
«أيها السيد الرب يسوع المسيح الشريك الذاتى، وكلمة الآب غير الدنس، المساوى له مع الروح القدس. أنت هو الخبز الحىّ الذى نزل من السماء. وسبقت أن تجعل ذاتك حَمَلاً بغيرعيب عن حياة العالم. نسأل ونطلب من صلاحك يا محب البشر. اظهر وجهك على هذا الخبز وعلى هذه الكأس (ويشير بيديه إليهما). هذين اللذين وضعناهما على هذه المائدة الكهنوتية التى لك (يشير إلى المذبح)، باركهما، قدسهما، طهرهما وانقلهما (يرشم ثلاثة رشوم مثال الصليب على الخبز والخمر). لكى يصير هذا الخبز جسدك المقدس، والمزيج الذى فى هذه الكأس من دمك الكريمن وليكونا لنا جميعاً ارتقاء وشفاءً وخلاصاً لأنفسنا واجسادنا وارواحنا. لأنك أنت هو إلهنا، ويليق بك المجد مع أبيك الصالح والروح القدس المحيى المساوى لك الآن وكل آوان... إلخ».
تسمى هذه الصلاة بصلاة الغطاء، لأنه فى نهايتها يغطى الكاهن الصينية والكأس كل منهما بلفافة من الكتان، ثم يضع عليهما الأبروسفارين (تقدمة)، ويضع عليه لفافة صغيرة على شكل مثلث. بعد ذلك يسجد الكاهن أمام الذبيحة ويلف دورة واحدة حول المذبح وهو يقول التحليل الثالث الموجّه للإبن، وينزل من الهيكل... وهذا الطقس يشير إلى المسيح وقد كُفّن بالكتان، ووضع فى القبر المقدس (الذى يرمز إليه المذبح) ودُحرج عليه حجر عظيم (الذى يرمز إليه بالابروسفارين) ووضع عليه الختم (الذى ترمز إليه اللفافة المثلثة) [متى 27: 66)... ونزول الكاهن والشمامسة من الهيكل يذكرنا بما تم فى ذلك الوقت إذ تركه الكل وخرجوا خارجاً.
«تاتى ساعة وقد أتت الآن تتفرقون فيها كل واحد إلى خاصته وتتركوننى وحدى» (يو 16: 32)).
تحليل الخدام:
يقول الكاهن خارج الهيكل تحليل الخدام وهم ساجدون... «عبيدك يا رب خدام هذا اليوم... يكونون محالّين من فم... ومن قم حقارتى». هذا التحليل يكشف لنا روح كينستنا. يتحتم علىكل من يتقدم من الخدام للخدمة، أن ينال حَلاً عن خطاياه، مهما علا فى رتبته الكهنوتية... ونلاحظ أن هذا الحلّ يشمل جميع الخدام وكل الشعب الحاضر فى الكنيسة. فطالما أن الإنسان يخطئ فيجب أن ينال حَلاً قبل أن يتقدم للخدمة، على نحو ما أمر الله موسى أن يقدّس هارون وبنيه ليكهنوا له (خروج 28: 41).
ليتورجية الموعوظين
هذه التسمية – ليتورجيا الموعوظين – لا تُطلق عليها لأنها أقيمت لأجل الموعوظين، بل لأنه يُسمح لهم أن يشاركوا المؤمنين هذه الصلوات... هى تمثل الجزء التعليمى فى القداس الإلهى... إن كلمة الله فى هذا القسم من القداس، تعمل فى الموعوظين لتعدهم لنوال نعمة العماد وروح التبنى، كما تعمل فى المؤمنين لنوال جسد الرب ودمه... يقول العلامة اوريجينوس أنه فى قداس الموعوظين تُخطب النفس للرب يسوع. وفى قداس المؤمنين ترتبط النفس معه برباط الزيجة. وتشتمل ليتورجيا الموعوظين على الآتى:
رسائل البولس – الكاثوليكون.. أعمال الرسل (الأبركسيس) – السنكسار – الانجيل – العظة. يتخلل هذا القسم من القداس سرّ بخور البولس والكاثوليكون واوشية القرابين (حسب المناسبة)، وسرّ بخور الأبركسيس، حيث يبخّر الكاهن حول المذبح وفى الكنيسة. ومجموع دورات الكاهن فى سرّى البولس والأبركسيس هى سبع دورات حول المذبح وفى صحن الكنيسة. دورات الكاهن حول المذبح يصلى خلالها من أجل سلامة لاكنيسة وآبائها واجتماعاتها. هذا الطقس يعيد إلى ذاكرتنا ما فعله كهنة اسرائيل، حينما ساروا حول اسوار مدينة اريحا سبع مرات، وهم حاملين تابوت عهد الرب. فسقطت اسوار المدينة بعدها من تلقاء ذاتها (يشوع 6). والكنيسة بهذا انما تهدم حصون الشر.
«إن كنا نسلك فى الجسد لسنا حسب الجسد نحارب. إذ اسلحة محاربتنا ليست جسدية بل قادرة بالله على هدم حصون» (2كو 10: 3).
، 4).
ويهمنى فى هذه المناسبة أن اوضح نقطة فى غاية الأهمية، وهى أن كنيستنا كنيسة صلاة. وهى تصلى إيماناً منها بقوة الصلاة وفعاليتها... فبينما يُقرأ فصل من رسائل بولس الرسول، يُصَلّى الكاهن صلاة سرية يقول ضمن كلماتها «... أنت الآن أيضاً أيها الصالح محب البشر، نسألك انعم لنا ولشعبك كله بعقل غير مشتغل وفهم نقى، لكى نعلم ونفهم ما هى منفعة تعاليمك المقدسة، التى قرئت علينا الآن من قبله (بولس). وكما تشبّه بك أنت يا رئيس الحياة، هكذا نحن أيضاً اجعلنا مستحقين أن نكون متشبهين به فى العمل والإيمان، ممّجدين اسمك القدوس ومفتخرون بصليبك كل حين... » واثناء قراءة الكاثوليكون، يقول الكاهن صلاة سرية «أيها الرب إلهنا الذى من قبل رسلك القديسين اظهرت لنا سرّ انجيل مجد مسيحك، واعطيتهم كعظيم الموهبة التى لا تُحَد التى لنعمتك، أن يبشّروا فى كل الأمم بالغنى الذى لا يستقصى الذى لرحمتك. نسألك يا سيدنا اجعلنا مستحقين نصيبهم وميراثهم. وانعم لنا كل حين أن نسلك فى آثارهم، ونكون متشبهين بجهادهم، ونشترك معهم فى الاعراق التى قبلوها على التقوى. واحرس بيعتك المقدسة، هذه التى اسستها من قبلهم، وبارك خراف قطيعك. واجعل هذه الكرمة تكثر، هذه التى غرستها يمينك بالمسيح يسوع ربنا... ».
أثناء قراءة فصل الكاثوليكون، يتلو الكاهن سرّ الكاثوليكون، لكنه يظل فى الهيكل ملازماً المذبح ولا يخرج إلى صحن الكنيسة ليبخّر بين الشعب، لأن الرسل لم يتركوا أورشليم، وكانوا فى انتظار موعد الآب (حلول الروح القدس).
أما فى بخور الأبركسيس فينزل الكاهن ويعطى بخوراً فى الخورس الأول (القسم الملاصق للهيكل). ولا يعطى بخوراً للشعب كله فى صحن الكنيسة، لأن الرسل – حسب وصية المسيح – بدأوا عملهم الكرازى أولاً فى أورشليم واليهودية.
بعد قراءة الأبركسيس يُقرأ السنكسار وهو الكتاب الحاوى لسير الشهداء والقديسين. وهو فى الحقيقة تتمة لسفر أعمال الرسل. وهو شهادة الكنيسة بأنها ليست عقيمة. والقديسون فى كل زمان ومكان إنما هم شهود على عمل الرب فى الكنيسة...
تسبحة الثلاث تقديسات:
هى تسبحة طغمة السيرافيم كما أعلنت لاشعياء النبى (اشعياء 6: 3؛ رؤيا 4: 8)... يرددها الشمامسة بعد قراءة السنكسار... «قدوس الله، قدوس القوى، قدوس الحىّ الذى لا يموت». وكما يقول القديس كيرلس الأورشليمى «إذ نترنم بهذه التسبحة اللاهوتية التى جاءت إلينا عن السيرافيم، نشارك القوات العلوية تسبيح الحمد». ويقول القديس يوحنا ذهبى الفم «كأن الإنسان قد انتقل إلى السماء عينها، يقف بجوار عرش المجد، يطير مع السيرافيمن ويتغّنى بالتسبحة المقدسة»... وتعتقد الكنائس الشرقية أن بداية هذه التسبحة واصلها يرجع إلى نيقوديموس ويوسف الرامى، اللذين – حال تكفين السيد المسيح – سبّحاه بهذه التسبحة حين تملكتهما الدهشة إذ كيف يموت ذاك الذى وهب الحياة للموتى؟!
قراءة الانجيل:
تسبق قراءة الانجيل ما يعرف باسم «أوشية الانجيل». وهى طلبة مؤسسة على كلمات ربنا يسوع الواردة فى (متى 13: 16، 17)... وهى اعداد اذهان المصلّين فى الكنيسة لسماع انجيل الله المقدس... بعد الانتهاء منها يدور الكاهن حول المذبح وأمامه شماس حاملاً الانجيل والصليب ويقول سراً «الآن يا سيدى تطلق عبدك بسلام حسب قولك، لأن عينيىّ قد ابصرتا خلاصك الذى أعددته قدام جميع الشعوب. نوراً تجلّى للأمم ومجداً لشعبك اسرائيل». وهى صلاة سمعان الشيخ حين حمل الرب يسوع طفلاً على يديه (لوقا 2: 29 - 32)... وكلمات هذه الطلبة تعبّر عن الشوق للانطلاق إلى الله، إذ يرى خلاص الله معلناً فى انجيله المقدس... أما دوران الكاهن حول المذبح وأمامه الشماس حاملاً الانجيل، فهو اشارة إلى أن البشارة بالانجيل فى العالم كله كانت بفاعلية الصليب الذى يستند إليه الانجيل.
وبعد أن يُنذر الشماس الشعب بالوقوف لسماع الانجيل المقدس يقول الكاهن... «مبارك الآتى باسم الرب. بارك يا رب الفصل من الانجيل المقدس من... ». وأثناء قراءة الانجيل يعطى الكاهن بخوراً للانجيل وهو يطلب من الله فيم يعرف باسم «سرّ الانجيل» لأنه يقال سراً.. يسأل الكاهن الله «فلنستحق سماع أناجيلك المقدسة ونحفظ وصاياك واوامرك ونثمر فيها بمائة وستين وثلاثين بالمسيح يسوع ربنا». بالإضافة إلى طلبات أخرى من أجل المرضى والمسافرين واهوية السماء أو مياه النهر أو الزروع بحسب الزمان، وخلاص الناس والبهائم، وخلاص الموضع المقدس. ومن أجل رئيس البلاد، والمسبيين. ونفوس الذين رقدوا، ومقدمى القرابين، والمتضايقين ثم الموعوظين...
لكن ما لزوم هذه الطلبات وقت قراءة الانجيل؟ الكنيسة إذ ترى الله يُعلن فى انجيله المقدس محبته واتساع قلبه لخلاص جميع البشر، فإنها تطلب منه من أجل الجميع سواء من اجل أرواحهم أو احيتاجاتهم الجسدية، إعمالاً بوصية الرسول بولس لتلميذه الأسقف تيموثاوس «فاطلب أول كل شئ أن تقام طلبات وصلوات وابتهالات وتشكرّات لأجل جميع الناس، لأجل الملوك وجميع الذين هم فى منصب، لكى نقضى حياة مطمئنة هادئة فى كل تقوى ووقار. لأن هذا حسن ومقبول لدى مخلصنا الله، الذى يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون» (1تى 2: 1 - 4).
ثم يقول الكاهن الخديم (الذى يقّرب القرابين) صلاة سرية تعرف باسم صلاة الحجاب، لأنه يقولها وهو واقف مقابل حجاب الهيكل. وهى صلاة تذللية قبل أن يتقدّم لسرّ الافخارستيا «يا الله الذى من أجل محبتك للبشر التى لا ينطق بها ارسلت ابنك الوحيد إلى العالم ليردّ إليك الخروف الضال. نسألك يا سيدنا لا تردّنا إلى خلف إذ نضع أيدينا على هذه الذبيحة المخوفة غير الدموية. لأننا لا نتكل على برّنا، بل على رحمتك. هذه التى بها أحييت جنسنا. نسأل ونتضرع إلى صلاحك يا محب البشر، أن لا يكون لنا دينونة ولا لشعبك اجمع هذا السرّ الذى دبرته لنا خلاصاً. ولكن محواً لخطايانا وغفراناً لتكاسلنا، ومجداً واكراماً لاسمك القدوس... ».
ما قبل الأنافورا (العظة والأواشى الثلاث الكبار وصلاة الصلح):
بعد الانتهاء من قراءة الانجيل تُلقى العظة. وبعدها يصلى الكاهن جهراً الثلاث أواشى الكبار (السلامة والآباء والاجتماعات)، وهى نهاية ليتورجية الموعوظين... بعدها ينذر الشماس الشعب بقوله «بحكمة الله انصتوا. يا رب ارحم. يا رب ارحم»... أما سبب انذار الشماس، فهو أنه فى ذلك الوقت كان الموعوظين يخرجون من الكنيسة. وكان خروجهم يحدث هرجاً ومرجاً.. ولذلك يلفت الشماس نظر المؤمنين الباقين فى الكنيسة أن يُنصتوا للصلوات بحكمة الله. وبعد خروج الموعوظين كانت أبواب الكنيسة تُغلق.
ثم يُتلى قانون الإيمان، يعلنه جميع المؤمنين، وهو تعبير عن إيمان الكنيسة بوحدانية الله وتثليث اقانيمه والتجسد والخلاص الذى أكمله ابن الله بموته على الصليب وقيامته من بين الأموات وصعوده إلى السموات، والروح القدس والكنيسة المقدسة والمعمودية الواحدة لمغفرة الخطايا والإيمان بحياة الخلود فى الدهر الآتى.
صلاة الصلح:
يغسل الكاهن يديه، ويلتفت إلى الشعب طالباً الصفح عنه فيما اخطأ به نحو أحدٍ منهم. ثم يبدأ يصلى صلاة الصلح. وبها يصطلح الشعب مع الله ومع بعضهم البعض... إذ كيف يتجاسر إنسان على التقدم الافخارستيا – جسد الرب ودمه – وهو غير مصطلح مع الله أو مع أخيه...
يقول السيد المسيح فى العظة على الجبل.
«إن قدمت قربانك إلى المذبح، وهناك تذكّرت أن لأخيك شيئاً عليك، فاترك هناك قربانك قدام المذبح، واذهب أولاً اصطلح مع اخيك. وحينئذ تَعَال وقدّم قربانك» (مت 5: 23).
، 24)... وقول رب المجد « وهناك تذكرت أن لأخيك شئ عليك»، يعنى أن الأمر حدث سهواً وليس بقصد أو عن عمد. ومع ذلك يترك قربانه قدام المذبح حتى يتمم صلحه مع أخيه... إذا كان هذا هو أمر الخطأ السهو، فماذا يكون الذين عن عمد وعدم اكتراث يتجاسرون على التقدّم للافخارستيا، وهم ملتصقون بالبغضة... وإذا كان هذا عن العلاقات بين الناس، فكم وكم يكون عن علاقة الإنسان بالله... معنى أن نصطلح مع الله هو أن نتوب. وليس غير. الله لا يقبل حلاً آخر، أو انصاف الحلول. وهذا الأمر ليس قاصراً على التناول من جسد الرب ودمه، ولكن يشمل حياتنا الروحية كلها. فينبغى ألا تغرب الشمس على غضبنا وغيظنا (أف 4: 26)... وماذا يحدث لو لم نتب؟ دينونة رهيبة تنتظرنا. وفيما يختص بسرّ الافخارستيا، فإنه «أى من أكل من هذا الخبز أو شرب كأس الرب بدون استحقاق يكون مجرماً فى جسد الرب ودمه»... يا لهول هذه الكلمات «يكون مجرماً فى جسد الرب ودمه». لماذا؟ لأنه أكل بدون استحقاق... ثم ماذا أيضاً... يقول الرسول بولس.
« ولكن ليمتحن الإنسان نفسه، وهكذا يأكل من الخبز ويشرب من الكأس. لأن الذى يأكل ويشرب بدون استحقاق يأكل ويشرب دينونة لنفسه غير مميز جسد الرب. من أجل هذا فيكم كثيرون ضعفاء ومرضى وكثيرون يرقدون (يموتون) » (1كو 11: 27 - 30)).
.
ويكمّل مفهوم صلاة الصلح – ليس فقط صلحنا مع الله ومع بعضنا البعض – بل أيضاً أن نذكّر الله بالصلح الذى عمله معنا، لأنه كان صلحاً عجيباً تمّ من طرف واحد هو الله. أما الطرف الآخر، وهو البشر، فظلّوا مُصّرين على عداوتهم حتى عُلّق المسيح على الصليب.. نذكر الله بمحبته وبمراحمه فيما أتمه معنا من صلح بدون استحقاق، لعله بذلك يتحنن علنيا ويرحمنا.. يقول القديس بولس الرسول « وإن يصالح به (بالمسيح) الكل لنفسه، عاملاً الصلح بدم صليبه بواسطته، وسواء كان ما على الأرض أم ما فى السموات. وانتم الذين كنتم قبلاً أجنبيين واعداء فى الفكر فى الأعمال الشريرة، قد صالحكم الآن فى جسم بشريتّه بالموت ليحضركم قديسين، وبلا لوم ولا شكوى أمامه» (كولوسى 1: 20 - 22)..
«الله الذى صالحنا لنفسه بيسوع المسيح... إن الله كان فى المسيح مصالحاً العالم لنفسه، غير حاسب لهم خطاياهم» (2كو 5: 18).
، 19).
والصلح مع الله ومع النفس ومع الآخرين، يثمر سلاماً، لذلك تسأل الكنيسة الله أن يطّهر الجميع من كل شر وشبه شر، ومن تذكار الشر، أى تذكار الخطايا السالفة... يقول الكاهن:
«بمسرتك يا الله أملأ قلوبنا من سلامك. وطهّرنا من كل دنس، ومن كل غش، ومن كل رياء، ومن كل فعل خبيث، ومن تذكار الشر المُلبس الموت. واجعلنا مستحقين كلنا يا سيدنا، ان يقّبل بعضنا بعضاً بقبلة مقدسة، لكى ننال بغير وقوع فى دينونة من موهبتك غير المائتة السمائية بالمسيح يسوع ربنا... ».
هنا يقول الشماس: «قبلوا بعضكم بعضاً بقبلة مقدسة، يا رب ارحم، يارب ارحم، يارب ارحم. نعم يارب الذى هو يسوع المسيح ابن الله اسمعنا وارحمنا. تقدموا على الرسم، قفوا برعدة وإلى الشرق انظروا نُنصت»... وفى الآحاد والأعياد يُقال: «قبولا بعضكم بعضاً بقبلة مقدسة. يارب ارحم، يارب ارحم، يارب ارحم الذى هو يسوع المسيح ابن الله اسمعنا وارحمنا. فلنقف حسناً. لنقف بتقوى. نقف باتصال. نقف بسلام. نقف بخوف الله ورعدة وخشوع. أيها الأكليروس وكل الشعب، بطلبه وشكر، بهدوء وسكوت. ارفعوا اعينكم إلى ناحية الشرق، لتنظروا المذبح وجسد ودم عمانوئيل إلهياً موضوعين عليه. والملائكة ورؤساء الملائكة قيام. السيرافيم ذوو الستة الأجنحة والشاروبيم الممتلئون أعيناً، يسترون وجوههم من بهاء عظمة مجده غير المنظور ولا منطوق به يّسبحون بصوت واحد صارخين قائلين: قدوس قدوس قدوس، رب الصباؤوت. السماء والأرض مملوءتان من مجدك الأقدس».
قبلة السلامة المقدس:
قُبلة السلامة – التى طالب الشماس الشعب أن يقبُلوا بعضهم بعضاً بها – هى على جانب كبير من الأهمية. إنها تأكيد عملى لما جاء فى صلاة الصلح... يقول القديس كيرلس الأورشليمى «بعد ذلك فلنقبل بعضنا بعضاً. ونعطى قبلة السلامة. ولا تظن أن هذه القبلة مثل تلك التى اعتاد الأصدقاء أن يعطوها لبعضهم البعض، حينما يلتقون فى الساحة agora. إنها قبلة ليست كهذه إنها توحّد النفوس مع بعضها، وتحطم كل قوة مضادة. إن القبلة تُعتبر رمزاً لاتحاد النفوس. ولهذا قال الرب «إذا قدّمت قربانك على المذبح، وتذكرت أن لأخيك عليك حقاً. اذهب أولاً اصطلح مع أخيك»... ويذكر تيودور الموبسيستى معنى هذا الطقس حينما يقول «إن الجميع يعطون السلام لبعضهم البعض. وهم بهذه القبلة التى يقدمونها، يقدمون نوعاً من الاقرار بالاتحاد والمحبة التى بينهم بعضاً لبعض. وحقاً إننا بالمعمودية، قد قبلنا ميلاداً جديداً، به نتحد مرة أخرى فى وحدانية الطبيعة. ونحن جميعاً مع الكثرة التى نكون عليها، نكّون جسداً واحداً، لأننا نتشارك فى نفس الخبز المقدس. فيجب علينا اذن قبل أن نتقدم إلى الأسرار المقدسة، أن ننفّذ مبدأ أن نعطى السلام، الذى به نظهر اتحادنا ومحبتنا نحو بعضنا البعض. ولا يليق بالذين يكوّنون جسداً واحداً فى الكنيسة، أن يُبغض واحد منهم أخاً من أخوته فى الإيمان». يقول القديس اغسطينوس عنها «هى علامة السلام، وما تقوم به الشفاه ظاهراً يُعبّر عما فى قلوبنا».
هذا الكلام يظهر جانباً جديداً من السرّ: إنه علامة الوحدة بين اعضاء جسد المسيح. وننظر إلى القبلة التى للسلام، على أنها علامة هذه الوحدة... وقد استخدمت القبلة فى طقس خدمة الافخارستيا منذ عصر الرسل (رومية 16: 16؛ 1كو 16: 20؛ 2كو 13: 12؛ 1تس 5: 26؛ 1بط 5: 14)... هذه القبلة خاصة باجتماعات العبادة. وقد اشار إليها يوستينوس الفيلسوف الشهيد (منتصف القرن الثانى) فى دفاعه الأول.
ولقد كانت هذه القبلة فى العصور الأولى المسيحية قبلة حقيقية، وليس مجرد مصافحة باليد أو اليدين. كان الرجال يُقبّلون بعضهم بعضاً. ويُقبّل النساء بعضهن بعضاً... وأثناء القبلة كان كل يقول للآخر «المسيح فى وسطنا»، فيجب الآخر «نعم وسيظل دائماً». على نحو ما كانوا يقولون – وحتى الآن عند اليونانيين – أثناء التعزية فى الجنازات «اخرستوس انستى»، فيجاوبون «اليثوس انستى» [المسيح قام – حقاً قام].
الأنافورا (قداس المؤمنين):
تبدأ ليتورجية المؤمنين بتسبيح الشعب «بشفاعات والدة الإله القديسة مريم، يا رب انعم لنا بمغفرة خطايانا. نسجد لك أيها المسيح مع أبيك الصالح والروح القدس، لأنك أتيت وخلصتنا. رحمة السلام ذبيحة التسبيح»... هذه الكلمات الأخيرة «رحمة السلام ذبيحة التسبيح»، هى بمثابة استجابة لإنذار الشماس للشعب أن يقفوا بمخافة وخشوع... إنهم يعلنون أنهم يقدّمون ذبيحة السلاح والتسبيح... ثم يرفع الكاهن الأبروسفارين الذى كان يُغطّى الذبيحة – وهو يرمز للحجر الذى كان موضوعاً على قبر المسيح، ودحرجه الملاك فجر أحد القيامة. معنى ذلك أن هذه اللحظة تمثل قيامة المسيح... وهكذا فإن ليتورجية المؤمنين تبدأ بقيامة الرب يسوع من بين الأموات... ومفروض أن الأبروسفارين مثبتة فيه جلاجل، تحدث صوتاً وقت رفعه، تذكيراً بالزلزلة التى حدثت عند قبر الرب يسوع، عندما نزل ملاك ليدحرج الحجر، حتى ما يرى النسوة القبر فارغاً (وليس لكى يتمكن السيد المسيح من الخروج من القبر حياً!!) [متى 28: 2].
يقول الكاهن وهو يرشم الشعب بمثال الصليب «الرب مع جميعكم»، فيجاوبونه « ومع روحك أيضاً»... لقد استخدمت هذه البركة الرسولية «الرب مع جميعكم» منذ القرن الأول المسيحى. وقد جاء فى تلمود اليهود أنها كانت مستخدمة بين اليهود، حينما كان يرغب واحد منهم أن يذكّر آخر بالناموس.
وإن كانت عبارة «الرب مع جميعكم»، هى فى حدّ ذاتها بركة ودعاء. لكن الكنيسة تهدف فى طقسها إلى ما هو أعمق من هذا المفهوم السطحى... إن الكاهن بعد رفع الأبروسفارين واللفافة التى كانت موضوعة عليه على شكل مثلث، والتى كانت ترمز إلى الختم الذى على قبر السيد المسيح، يأخذ اللفافة التى تغطى الحمل الموضوع فى الصينية، ويرشم بها الشعب وهو يقول «الرب مع جميعكم»... ما معنى هذا؟ إنه بالكشف عن الحمل الذى كان مغطى باللفاة، يعلن أن المسيح الرب مع جميعكم... وثمة ملاحظة ثانية، وهو أن الاسم الذى اختاره السيد المسيح لذاته قبل تجسدّه، واعلنه بفم اشعياء النبى هو «عمانوئيل» الذى تفسيره «الله معنا». إنه لا يقصد المعنى المعنوى أى أنه معنا بعنايته، لكنه يعنى وجوده معنا وبيننا بالجسد حال تجسدّه. وحين قال لتلاميذه قبيل صعوده، وها أنا معكم كل الأيام إلى انقضاء الدهر (متى 28: 20)، لا يقصد فقط أنه معنا، بمعنى أنه معتنى بنا. لكنه يعنى أنه معنا بجسده فى الأفخارستيا، اتماماً لمفهوم عمانوئيل الذى يعنى الله معنا بجسده... إذن فلنفهم معنى قول الكاهن «الرب مع جميعكم»، وأن هذا الأمر يختص بالافخارستيا... لقد كشف الغطاء من على الحمل وصار معنا!!
ثم يرشم الكاهن الخدام شرقاً وعن يمين المذبح وهو يقول «ارفعوا قلوبكم»، فيجاوبونه «هى عند الرب». ثم يقول الكاهن وهو يرشم ذاته بمثال الصليب «فلنشكر الرب».
يقول القديس كيرلس الأورشليمى «حينئذ يقول الكاهن: ارفعوا قلوبكم. نعم وحقاً فى هذه اللحظة، ونحن بملء الرهبة والخشوع المقدس.، ينبغى أن نرفع قلوبنا للأعالى إلى الله، فلا تعود مرة أخرى إلى الأرض والأشياء الأرضية. ويدعونا الكاهن جميعاً بكل خشوع أن نترك عنا فى هذه اللحظة كل هموم الحياة وانشغالاتنا العائلية، ونجعل قلوبنا تتحول إلى السماء، إلى الله محب البشر. ثم نقول «هى عند الرب». وبجوابك هذا توافق وتذعن لكلام الكاهن. ولا يكن أحد يحرّك الشفاه بهذا القول «هى عند الرب» بينما يحتجز هو روحه فى غمار اهتمامات الحياة. ينبغى علينا دائماً أن نكون منتبهين لله. وإذا كان هذا مستحيلاً بسبب الضعف البشرى، فعلى الأقل يجب أن نسعى فى هذه اللحظة إلى الالتفات لله».
«ارفعوا قلوبكم»... لماذا؟ لأن الله حاضر. إن الخوف المقدس هو الشعور الذى يتملك على قلب الإنسان حينما يعلن الله الحى عن حضوره. وهذا هو موقف الملائكة فى الليتورجية السمائية... يقول القديس يوحنا ذهبى الفم «إن لحظة التقديس هى قمة الرهبة. ينبغى على الإنسان فى حضرة الله أن يقف بخوف ورعدة. إنه بكل خشوع يجب أن نقترب إلى هذه الحقائق الرهيبة».
وإذ يُعبر الشعب أن قلوبهم عند الرب، فإن الكاهن يُقدّم الشكر لله على ذلك «فلنشكر الرب»، لأننا بدونه لا نقدر أن نفعل شيئاً. وحتى رفع قلوبنا إليه، هى بنعمته ومعونته وعمله فينا.
بعدها يصلى ا لكاهن «مستحق وعادل» ويكررها. وهو بذلك إنما يردد نفس كلمات السمائيين... يصف يوحنا فى سفر الرؤيا الذى أعلن له أن الأربعة وعشرين قسيساً يخرّون ويسجدون للحىّ إلى أبد الأبدين، وهم يطرحون اكاليلهم أمام العرش قائلين.
«أنت مستحق أيها الرب أن تأخذ المجد والكرامة والقدرة» (رؤيا 4: 11).
؛ 5: 2، 9). ويقول يوحنا أنه سمع ملاكاً يقول «عادل أنت أيها الكائن والذى كان والذى يكون». إنه تأكيد للمعنى اننا منذ الآن فى السماء نشارك السمائيين تسابيحهم.. «مستحق وعادل» هو الحمل ربنا يسوع المسيح الذى فكّ ختوم السفر (انظر رؤيا ص 5)... وأى سفر هذا؟ إنه سفر الخليقة الذى كان مختوماً أى مغلق على العالم كله فى العصيان كما يقول بولس الرسول. لكن الحمل ذُبح واشترانا بدمه الطاهر من كل قبيلة ولسان وشعب وأمة (رؤيا 5: 9)، وصار مستحقاً أن يفتح ختوم السفر، أى يعلن اسرار الخلاص الإلهى. ولقد فكّ ختوم السفر بعلامة الصليب المحيّى... لذلك عندما رأى يوحنا فى رؤياه كيف ان الأختام السبعة لم يقدم أحد أن يفكّ ختومها إلا الأسد الذى غلب، الذى من سبط يهوذا (رؤيا 5: 5)، وإنه هو بذاته.
«الحمل القائم كأنه مذبوح» (رؤيا 5: 6)).
إنه بذاته أسد وحمل. أسد لأنه غلب، وحمل لأنه قدّم ذاته للآب. وهكذا تظهر لنا اسرار الخليقة التى سقطت فى آدم، ونالت حياة جديدة بآدم الأخير ربنا يسوع المسيح... وبقولنا «مستحق وعادل» مع السمائيين نرى أننا قد صرنا معهم واحداً فى التسبيح. وإننا المذبح السمائى الذى لا يمكن ان يدركه غير المؤمنين... وقولنا «مستحق»، أى مستحق أن يأخذ المجد والكرامة لأنه ابدعنا من العدم، ثم عاد وجدد طبيعتنا الساقطة. وقولنا «عادل» فلأنه اظهر عدله بدعوتنا نحن الخطاة للتوبة، ومنحنا حياة جديدة ولم يسمح بهلاكنا...
ونحن نقول «مستحق وعادل» لأننا قيام أمام المذبح السمائى وأمام الصعيدة السماوية، وندرك أننا نقف أمام أسرار الخليقة كلها. لأن السماويين حاضرون معنا بكل رتبهم المقدسة، وكذلك الظافرين من القديسين والأبرار الذين لا يُكملوا بدوننا (عب 11: 40). لأننا ننال معهم الحياة والنجاة... لقد اكمل تجسّد ربنا يسوع سرّ الخلق بدعوتنا للخلاص من الموت ومن الشيطان عدو جنسنا. ولما فرغت الخليقة الأولى استراح الرب من عمل يديه. ولكنه استراح بالحقيقة فى القبر لما أكلم بالآلام كل ما تحتاجه الخليقة الجديدة.
بعد قول الكاهن «مستحق وعادل» يتابع الصلاة ويقول «أيها الكائن السيد الرب إله الحق... ابو ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح. هذا الذى خلقت الكل به ما يُرى وما لا يُرى. الجالس على عرش مجده، المسجود له من جميع القوات المقدسة»... هنا يذكر الكاهن كيف خلق الله الآب بابنه يسوع المسيح ربنا كل الأشياء. هذه الصلاة هى وثيقة ملوكية تُظهر أن ملك الكل الله الآب ضابط الكل، وابنه يسوع المسيح ربنا، والروح القدس هو مدبّر الخليقة الذى أتى بها من العدم. هذا هو الصكّ الملوكى الذى يُثبت لنا سبب وقوفنا امام المذبح السماوى. وهو كائن كل حين لأنه إله الحق. وهو أمام المذبح يُظهر ذاته كخالق الكل، ومخلّص الكل بيسوع المسيح ربنا.
أيها الجلوس قفوا... وإلى الشرق انظروا:
يصرخ الشماس قائلاً «أيها الجلوس قفوا». ونحن قيام على اقدامنا. ولكن لئلا يُدرك التعب أحدانا أو يمّر التهاون على قلبه، أو يصيبه السَجَس، يطلب الشماس أن تقف عقولنا – لا أقدامنا – وأن ننال بهجة الانتباه الروحى لا الوقوف الجسدانى.
ويعود الشماس ويقول « وإلى الشرق انظروا»، حيث صار اعترافنا بالمسيح الإله وبكل نواميسه المحيية وشريعة حياته المخلّصة فى طقس جحد الشيطان فى المعمودية المقدسة. وتحولنا من الغرب إلى الشرق معترفين بالإيمان واشرقت لنا الحياة الجديدة بقيامة ربنا يسوع المسيح. وقد رتّبت الكنيسة أن ننظر إلى الشرق قبل تسبحة الشاروبيم والسرافيم، لكى إذا استعدنا كرامتنا بالمعمودية، نُقبل إلى التسبيح بعزّة البنين وشكر المفديين. كما أن قول الشماس «إلى الشرق انظروا»، يعنى إننا عدنا إلى الفردوس، وإننا لا ننظر إليه كمن أمامنا، بل ننظر إلى شمس الحياة يسوع المسيح ربنا الذى اشرق لنا بالحياة عديمة الفساد.
نُنصت `procxwmen
ومتى بلغنا هذا الجبل المقدس الذى يرفعنا إلى هذه الرؤية الروحانية، فلنكّف عن كل الأهتمامات الجسدانية، ولنسمع صوت السيرافيم والشاروبيم، حتى ما نشترك معهم قائلين «قدوس قدوس قدوس... ».
ويلزمنا أن نربط بين «ارفعوا قلوبكم»، وتسبحة الثلاثة تقديسات التى تليها... إنهما معاً يشكّلان التمهيد الجادّ للقانون الكنسى. وكلاهما يعبّر عن الفكرة بأن الأفخارستيا هى اشتراك فى الليتورجيا السمائية. فالثلاثة تقديسات هى تسبحة السيرافيم الذين يُحيطون إلى الأبد بالثالوث القدوس... يقول القديس يوحنا ذهبى الفم «كأن الإنسان قد انتقل إلى السماء نفسها. إنه يقف بجوار عرش المجد، ويطير مع السيرافيم ويُنشد أقدس تسبحة».
ويؤكد القديس كيرلس الأورشليمى على نفس الفكرة فيقول «نحن نتكلم عن السيرافيم الذى رأه اشعياء فى الروح القدس، محيطين بالله، وهم يقولون: قدوس قدوس قدوس الرب إله الجنود. وهذا هو السبب فى اننا نهتف بهذه الإلهيات التى تأتينا من السيرافيم، حتى نشترك فى التسبيح مع الجنود الملائكية، فيما هو فوق العالم».
هذان الطقسان معاً، هما تعبير عن حقيقة ليتورجية الافخارسيتا على أنها مشاركة فى الليتورجيا السمائية. وهذا يشكل مباشرة «الاستعداد للذبيحة»... إننا لم نعد على الأرض، ولكننا بطريقة ما قد انتقلنا إلى السماء. وهذا هو المقصود بعبارة «ارفعوا قلوبكم».
ما قبل صلوات التقديس:
يضع الأب الكاهن اللفافة التى على يده اليُسرى على المذبح، والتى على يده اليمنى يضعها على يده اليسرى. ويأخذ اللفافة التى على الكأس، ويرشم بها ثلاثة رشومات مثال الصليب وهو يقول AGIOC أجيوس أى قدوس: الرشم الأول على ذاته وهو متجه إلى الشرق، والثانى على الخدام الواقفين عن يمين المذبح، والثالث يرشم الشعب وهو متجه إلى الغرب...
أما سبب أخذه اللفافة التى على الكأس والرشم بها فهو اعلان أن التقديس قد صار أمام عرش النعمة بدم ربنا يسوع المسيح، الذى قدّم ذاته عنا ذبيحة فائقة، وهبت لنا المصالحة والتقديس مع الآب والروح القدس ومع القوات السمائية...
يرشم الكاهن ذاته أولاً بقوله آجيوس (قدوس) مثالاً لما كان يحدث فى العهد القديم، إذ يتقدّس الكاهن قبل أن يدخل إلى الأقداس. مع الفارق أن ذاك كان تقديساً جسدياً خارجياً، أما هنا فى كنيسة العهد الجديد فهو تقديس داخلى بعلامة الصليب. وهى ختم التقديس الذى عندما أخذنا قوته صِرنا قادرين بسبب قوة الصليب المحيى أن نقول قدوس.
أما رشم الخدام فى الرشم الثانى فلأن الخدام مساعدون فى الصعيدة. ومتى أُعطيت علامة الصليب، فليس فى الرشم كبير أو صغير، لأن مقام الإنسان مهما عظم أو صغر، لا يضيف إلى قوة الصليب شيئاً، ولا يُنقص منها شيئاً. وهكذا يصير الرشم بقوة الصليب المحيى، لكى تنال النفس قوة حياة لا تذبل، والكل حول المذبح يقول قدوس.
أما رشم الشعب بالرشم الثالث، فكل واحد يرشم ذاته أيضاً بعلامة الصليب، لأنه حيثما يُقال قدوس، ولو فى الصلاة الانفرادية الخاصة، فإن الكل يرشم ذاته، لأن التقديس بواسطة صليب ربنا هو الذى يُعلن لنا الحياة الجديدة الفائقة... وهكذا يصير الصليب عقد القداسة بين الذين فى البيعة، وعلامة خلاص لكل الذين ينالون المعمودية. وكما أن الصليب هو شجرة الحياة الكائنة فى الفردوس، التى أثمرت لنا طعام الحياة الباقية، أى جسد ودم ربنا يسوع المسيح، فهو أيضاً الذى منه نبعت مياه الحياة الواهية الغفران لكل العالم.
بعد آجيوس يُصلى الكاهن ذاكراً الخلقة الأولى والسقوط بغواية ابليس، وكيف أننا نفينا من الفردوس. وأن الله لم يتركنا تماماً، بل تعّهدنا بأنبيائه القديسين. وفى آخر الزمان ظهر لنا بابنه الوحيد الجنس ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح، هذا الذى من الروح القدس ومن العذراء القديسة مريم.
تَجَسَّد وتأنس:
يضع الكاهن بخوراً فى الشورية (المجمرة) وهو يقول «تجسد وتأنس». وهو بذلك يُعلن كيف ظهرت رائحة حياة طردت رائحة الموت القديم، أى الفساد الذى ورثناه عن آدم. وأنت يا من تَشُمّ رائحة المسيح الزكية الواهبة الحياة، ارفع قلبك بالشكر لله لأن الحياة ظهرت، وبشارة الخلاص اعلنت... ومات المسيح عنا وقام من بين الأموات وصعد إلى السموات ورسم يوماً للدينونة... وهنا يصرخ الشعب طالباً الرحمة بقولهم «كرحمتك يا رب وليس كخطايانا». لأن الرحمة تفتخر على الحكم فى الدينونة.
تقديس الخبز والخمر:
يقول الكاهن « ووضع لنا هذا السرّ العظيم الذى للتقوى»، ويشير بيديه إلى الخبز ثم إلى الكأس، ويترك اللفافتين من يديه على المذبح، ويُبخّر يديه على المجمرة ثلاث مرات... وبقوله هذا يعلن ظهور ابن الله بالجسد من والدة الإله واصعاد جسده بخبز وخمر حسب وصيته المقدسة.
أما تبخير يديه ثلاث مرات فلأن ربنا يسوع المسيح اظهر أنه تجسَّد بثلاث افعال ثابتة: الأول ميلاده من العذراء، والثانى موته، والثالث قيامته. وهذه هى افعال الخلاص الثلاثة التى تهب الحياة للذين يطلبونها... أما وضع يدى الكاهن على البخور فلأن سيدنا يسوع المسيح قد ظهرت حياته النقية رائحة بخور سمائى. والكاهن يضع يديه على البخور لكى يُعلن أنه يخدم هذا السر الفائق. وأنه ليس هو سبب الحياة، بل ربنا يسوع المسيح الذى يُعطى النقاوة لكل من يطلب.
أثناء ذلك يوقد الشمامسة وسائر الخدام حول المذبح شموعاً، اعلاناً أن نور الحياة قد اشرق من قبل هذه الذبيحة غير الدموية... إن عبارة «هذا السرّ العظيم الذى للتقوى»، تذكرنا بكلمات بولس الرسول عن سرّ التجسد «عظيم هو سرّ التقوى الله ظهر فى الجسد» (1تى 3: 16)... إن الموضوع على المذبح هو عينه سر التقوى الذى اشار إليه الرسول بولس. ثم أنه من الناحية الروحية سرّ التقوى.
يأخذ الكاهن الحمل ويضعه على يده اليسرى، ويرفع اللفافة من الصينيه ويضعها على المذبح، ويقول «أخذ خبزاً على يديه الطاهرتين اللتين بلا عيب ولا دنس الطوباويتيين المحييتين». يردّ الشعب «نؤمن أن هذا هو بالحقيقة آمين»... ثم يضع الكاهن يده اليمنى على الحمل الذى على يده اليسرى ويرفع نظره إلى فوق ويقول... « ونظر إلى فوق نحو السماء إليك يا الله أباه وسيد كل أحد: وشكر، وباركه، وقدّسه». مع كل من كلمة شكر وباركه وقدسه، يرشم صليباً على الخبز، ويجاوب الشعب بعد كل رشم قائلاً «آمين». ثم يقولون «نؤمن ونعترف ونمجدّ».
عندما يرشم الكاهن صليباً واحداً ويقول « وشكر»، إنما يُعلن أن الشكر بعلامة الصليب هو الشكر الكامل المقبول لدى الآب ولدى مسيحه يسوع المسيح ربنا الحمل الذى بلا عيب والروح القدس. ورشم الصليب يقوم عوضاً عن الكلمات مهما كثرت، ويُصبح ختم الشكر والتسبيح... وعندما يرشم الكاهن صليباً ثانياً ويقول « وباركه»، فإن البركة هى زيادة العطايا وقبولها مجاناً. ولذلك صار الصليب هو ختم البركة الذى يوضع على الخبز ليصير متكاثراً بقوة ربنا وموته وقيامته... وعند قول الكاهن « وقدسه»، يرشم صليباً ثالثاً على الخبز. والتقديس هو املاك وتخصيص. وهكذا من قبل صليب ربنا يسوع المسيح يصير الخبز صعيدة مقدّسة للآب ضابط الكل. ويتم قول الرب يسوع.
«من أجلهم اقدّس أنا ذاتى» (يوحنا 17: 19)).
وقد قدّس ذاته بذبيحة نفسه، فصار الصليب ختم التقديس الذى يوضع على الخبز لكى يصير جسد ربنا يسوع المسيح بحلول الروح القدس عليه.
ثم يقسم الكاهن القربانة ثلثاً وثلثين من فوق إلى اسفل دون فصلهما عن بعضهما، لأن السيد المسيح نزل من فوق من السماء إلى عالمنا. والثلث الذى على اليمين جهة الثلاث ثقوب، والثلثان هما باقى القربانة. ويتم التقسيم بالابهام الأيمن وليس الظفر. وفيما هو يقسم « وقسمه واعطاه لتلاميذه القديسين ورسله الأطهار قائلاً: خذوا كلوا منه كلكم لأن هذا هو جسدى الذى يقسم عنكم وعن كثيرين يعطى لمغفرة الخطايا هذا اصنعوه لذكرى»... ويرد الشعب قائلاً «هذا هو بالحقيقة آمين».
يضع الكاهن يده اليمنى على حافة الكأس ويمّر بطرف اصبعه على حافة الكأس، لأن دم العهد كان يُرش مستديراً على غطاء تابوت العهد. ولكنه الآن لا يُسكب وإنما يُعطى لكى ينال منه الخطاة حياة. يقول « وهكذا الكأس أيضاً بعد العشاء مزجها من خمر وماء شكر، وباركها، وقدسّها». وفى كل مرة يرشم الكأس بمثال الصليب، على نحو ما فعل فى حالة الخبز... والصلوات تقال أولاً على الجسد ثم على الدم، لأن الدم ينبع من الجسد، ولا دم بدون جسد... ثم يمسك الكاهن فم الكأس بيده ويقول « وذاق واعطاه أيضاً لتلاميذه القديسين ورسله الأطهار قائلاً: خذوا اشربوا منها كلكم، لأن هذا هو دمى الذى للعهد الجديد الذى يُسفك عنكم وعن كثيرين يعطى لمغفرة الخطايا هذا اصنعوه لذكرى»... وفيما يقول الكاهن ذلك يحّرك الكأس برفق مثال الصليب إلى الغرب ثم إلى الشرق فالشمال ثم الجنوب. معلناً أنه بالصليب تمّ توزيع دم ربنا فى أرجاء المسكونة الأربعة.
استدعاء الروح القدس:
يقول الكاهن «لأن كل مرة تأكلون من هذا الخبز وتشربون من هذه الكأس... إلخ». ثم بعدها يصلى قائلاً «ففيما نحن أيضاً نصنع ذكرى آلامه المقدسة... إلخ»... هذا يعنى أن الأفخارستيا هى عمل خاص بذكرى المسيح المصلوب الفعّال فى حياتنا... إن ما نقدّمه من قرابين، إنما هى ذبيحة المسيح الحيّة واهبة الحياة، الخلاّقة فى حياة الكنيسة. خلالها تقّدم الكنيسة ذاتها بكونها جسد المسيّا. تمارس آلامه وصلبه وقيامته وصعوده، كأنها خاصة بها...
يصرخ الشماس «اسجدوا لله بخوف ورعدة». يسجد الجميع ومعهم الكاهن... ويقول الشعب «نسبحك، نبارك، نخدمك، نسجد لك»... يستدعى الكاهن الروح القدس وهو ساجد بتلاوة صلاة خاصة. ثم ينهض ويرشم قربانة الحمل ثلاث رشوم بمثال الصليب ويصرخ « وهذا الخبز يجعله جسداً مقدساً له». يسجد ثانية ويقول سراً «ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح يعطى لغفران الخطايا وحياة أبدية لمن يتناول منه». ثم ينهض ويرشم الكأس ثلاثة روشم بمثال الصليب ويصرخ قائلاً « وهذه الكأس أيضاً دماً كريماً للعهد الجديد ا لذى له». يسجد ثانية ويقول سراً «ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح. يعطى لغفران الخطايا وحياة أبدية لمن يتناول منه».
نلاحظ أن الكاهن يستدعى الروح القدس ساجداً، لأن الذى دبّر هذا السرّ واسس العهد هو المسيح الذى يُرسل روحه القدوس على القرابين. وإذا وقف يقف مُنحنياً فيما يقول « وهذا الخبز يجعله جسداً مقدساً له». إنه ينحنى أمام الملك ورئيس الكهنة يسوع المسيح، ويرشم بمثال الصليب بيده ثلاث مرات ويسجد ويقول سراً «ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح... إلخ»، لأن الذى يقدس إنما هو الرب يسوع المسيح وباعتراف الكاهن بلاهوته يحل الروح القدس معلناً أن يسوع المسيح هو الرب. ورشم الصليب عند استدعاء الروح القدس هو ستة رشومات. ثلاثة على الخبز وثلاثة على الكأس. والرشومات متساوية فى المعنى والعدد، لأن الجسد هو بالدم، كما أن الدم هو بالجسد. أما الرشومات فهى سرّية لا يجوز فيها الكلام. فالسر الفائق الذى لا يمكن النطق به يتم تقديسه سراً... والرشم الأول للآب الذى وبهنا إبنه الوحيد، فهو الينبوع. والرشم الثانى للابن الذى اعطانا ذاته. والرشم الثالث للروح القدس، الذى أعلن وأظهر هذا السر وختم الصليب هو ختم الثالوث، لأن الإبن الذى ذبح واشترانا وغسلنا بدمه، هو إبن الآب، وهو أيضاً الذى تكّون جسده فى أحشاء العذراء بالروح القدس، وهو سرّ استدعاء الروح القدس لكى يهبنا جسد ودم الإبن الوحيد... وحيثما صارت ثلاثة صلبان متتالية فهى اشارة صريحة للثالوث.
ماذا يقول آباء الكنيسة عن تقديس الخبز والخمر واستدعاء الروح القدس؟
يقول القديس كيرلس الأورشليمى «لا تنظروا إلى الخبز والخمر على أنهما شيئان عاديان. إنهما جسد المسيح ودمه بحسب كلمته». ويضيف قائلاً «بعد أن نكون قد تقدّسنا بالثلاثة تقديسات، فإننا نصلى إلى الله لكى يرسل روحه القدوس على القرابين، لكى يحّول الخبز إلى جسده والخمر إلى دمه. وما لمسه الروح القدس يصير مقدساً ومتحولاً تماماً».
ويربط القديس امبروسيوس تقديس الخبز والخمر – ليس بحلول الروح القدس الذى استدعى بصلوات الكاهن بل بعمل المسيح الذى يعمل بكلماته التأسيسية. يقول «بمجرد أن يحدث التقديس يصير الخبز جسد المسيح. وكيف يحدث هذا؟ بالتقديس. ويحدث التقديس بواسطة أية كلمات؟ بكلمات الرب يسوع. وحقاً إن ما ذكرناه حتى الآن قد قاله الكاهن. أما هنا، فإنه يستعمل كلمات المسيح. وما هى كلمة المسيح؟ إنه ذاك الذى به كان كل شئ».
وهكذا، فإنه من ناحية يكون التقديس، وهو عمل مشترك للأقانيم الثلاثة، وينُسب للروح القدس الذى به نفَّذ الله أعماله العظيمة فى التاريخ. ومن الناحية الأخرى، ينسب إلى الله الكلمة الخالق الذى هو أيضاً الأداة لقوة الله وقدرته.
على أن ما هو حاضر على المذبح ليس مجرد جسد المسيح ودمه فحسب، بل إنها ذبيحة المسيح نفسها. أى أنها سرّ آلامه وقيامته وصعوده، والتى تعتبر الافخارستيا تذكاراً فعلياً لها Anamnesis... كل مرة تُقدم فيها ذبيحة المسيح فإنه المغزى المقصود هو موت الرب وقيامته وصعوده وغفران الخطايا. وكلمة مغزى هنا لا يقصد بها مجرد التذكار. ولكن الكلمة يقصد بها اثبات أن الذبيحة المقدسة ليست ذبيحة جديدة، وإنما هى الذبيحة الوحيدة التى للمسيح.
ويشرح القديس يوحنا ذهبى الفم ذلك فى درس له عن الافخارستيا ورد فى تفسيره للرسالة إلى العبرانيين. فبعد أن ذكر حقيقة أن الذبائح الوثنية كانت تتكرر وذلك لعدم جدواها، وأما ذبيحة المسيح فهى فعّالة ووحيدة... « ولكن ألا نقدم الذبيحة يومياً؟ إننا نقدمها، وإنما بصنع تذكار موته. وهذه واحدة ولا تتكرر. ولقد قُدّمت مرة واحدة، حيث أنه دخل إلى قدس الأقداس. إن التذكار هو رمز موته. وهى بنفسها الذبيحة التى نقدّمها وهى ليست واحدة اليوم وأخرى غداً. فالمسيح واحد فى كل مكان. كامل فى كل مكان. جسد واحد فقط. وكما أنه جسد واحد فى كل مكان ففى كل مكان هناك ذبيحة واحدة. وهذه هى الذبيحة التى مازلنا نقدّمها الآن. وهذا هو معنى كلمة anamnesis. غننا نصنع تذكار الذبيحة»... ونحن نرى بوضوح فى هذه الفقرة قوة التذكار التى تحضر أمامنا. ليس بصورة تذكارية، وإنما بصورة فعلّية، وتحت الأعراض السرائرية، الذبيحة الوحيدة للمسيح.
ويصّر القديس يوحنا ذهبى الفم فوق كل شئ، على تذكار ذبيحة الصليب. بل ويرى تيودور الموبسيستى فى الافخارستيا الذبيحة السمائية، التى صارت منظورة فى السرّ.
إن طقس توزيع جسد المسيح هو موضوع تعليقات متنوعة، مثل تلك التى ظهرت فيما يتعلق بسرّ التقديس، لأنه حقاً كجانب اساسى من جوانب الأفخارستيا، أن ينظر إليها على أنها طعام روحى، تحت اعراض الخبز والخمر. ورمزية الخبز والخمر على أنها تشير إلى الطعام الروحى. ان الأفخارستيا توقّع سابق للبركات السمائية كما يقول تيودور الموبسيستى «بواسطتها نحن المائتين بالطبيعة، نتوقع أن ننال الخلود، وكفاسدين نصير غير فاسدين. ومن الأرض والشرور الأرضية، ننتقل إلى كل البركات والمسرات السمائية وبواسطة هذه الأنواع من الأشكال الرمزية، لدينا الإيمان أن نمتلك الحقائق نفسها. إن الأفخارستيا إذن هى «خبز الملائكة»، الذى قد اشتركنا فيه من خلال ستار الطقس. وهى تظهر أمامنا كمشاركة منتظرة فى المأدبة السمائية. وهى التى تسبق فتشير إليه، وقد حققته.
لكن هذا الغذاء الروحى ينبغى ألا ينظر إليه منفصلاً عن ذبيحة المسي، فهو مشاركة فى الذبيحة، أى فى موت المسيح وقيامته. وحقاً إن سرّ الآلام والقيامة يكون حاضراً لمجرد أن تنطبق آثارها علينا. أما الشركة فهى الطريقة الحاسمة التى بها تصل هذه الآثار إلى النفوس. وبهذا ننظر إلى لاهوت الشركة، ليس على أنه شئ يفترق عن لاهوت التقديس، من حيث أنه مشاركة فى سرّ المسيح المائت والقائم أيضاً. والحقيقة أنه من المهم أن نلاحظ أن الشركة – وذلك من أجل تعليمنا – هى فى نظرنا مشاركة بنفس القدر فى موت المسيح وفى قيامته.
وهذا الأمر قد ادركه تماماً القديس امبروسيوس... «كل مرة تتناولون (الافخارستيا)، ماذا يقول لكم الرسول؟ كل مرة نتناول منه، نبشر بموت الرب. وإذا بشرنا بموته، نبشر بمغفرة الخطايا. فإن كان فى كل مة يُسفك الدم، يُسفك لمغفرة الخطايا، فيلزمنى أن اتناول منه دائماً، لكيما تُغفر خطاياى»... إذن فمن الواضح جلياً أن الشركة ما هى إلا تهيئة النفس لفاعلية الذبيحة التى قُدمت فى التقديس... وهذه الناحية يؤكدها أيضاً القديس غريغوريوس النزينزى بقوله «إن الافخارستيا هى الذبيحة غير الدموية، التى بها نشترك فى آلام المسيح وطبيعته الإلهية».
وهذا الارتباط بين الشركة وموت المسيح، يؤكده بنوع خاص تيودور الموبسيستى... «كما أنه أيضاً – بموت المسيح ربنا – ننال ميلاد المعمودية، هكذا بالطعام يكون أيضاً بشكل رمزى ننال الشركة بواسطة موته. إن الاشتراك فى الأسرار معناه تذكار موت الرب، الذى يهبنا القيامة وبهجة الخلود. لأنه من اللائق أننا، نحن الذين بموت ربنا، قد أخذنا ميلاداً سرياً، ينبغى أن ننال بنفس الموت، طعام سرّ الخلود. وبالمشاركة فى السرّ نتذكر بالرمز آلامه، التى من خلالها نحصل على اقتناء الخيرات العتيدة ومغفرة الخطايا».
والآن وقد تحولت القرابين المقدسة إلى جسد الرب ودمه الأقدسين، فإن الكنيسة لا تجتمع حول المذبح حيث يوجد المسيح، بل هى قد صارت جسده. إن كل واحد يرى نفسه عضواً فى هذا الجسد الواحد... الأفخارستيا هى سرّ المسيح، وهى سرّ اتحاد كل واحد مع أخيه فى هذا الجسد الواحد... إنها سرّ الحب الذى لا يعرف حدوداً. من أجل هذا يصلى الحاضرون فى الكنيسة من أجل كل احتياجاتهم، ومن أجل الجميع حتى المنتقلين والغائبين لأى سبب...
صلوات الأواشى والمجمع والترحيم:
يغطى الكاهن يديه بلفافتين، بعد استدعاء الروح القدس، رمزاً لأن النعمة الإلهية سترت عرى آدم وجعلت الكاهن يقف شفيعاً أمام الرب.
يبدأ الكاهن الصلاة بقوله «اجعلنا مستحقين كلنا يا سيدنا أن نتناول من قدساتك طهارة لأنفسنا وأجسادنا وأرواحنا... ». إنه يصلى من أجل الجميع أن يكونوا مستحقين للتناول المقدس... ثم يصلى السبع أواشى الصغار (أواشى جميع أوشية، وهى كلمة يونانية افشى وتعنى صلاة). وهذه الأواشى السبع الصغار هى: سلامة الكنيسة وآباؤها الكبار والقمامصة والقسوس والشمامسة، وكل الخدام، وخلاص الموضع المقدس وكل المواضع وديارات الآباء الأرثوذكسيين، ثم أوشية مياه النهر أو الزروع والعشب ونباتات الحقل بحسب توقيتها وأخيراً القرابين التى يختم بها قبل مجمع القديسين.
مجمع القديسين:
الصلاة عن الراقدين المنتقلين هى خاتمة الطلبات... والمؤمنون المسيحيون – أحياء أم منتقلون – هم أعضاء كنيسة الله الواحدة، المنظورة وغير المنظورة. يضم الجميع جسد واحد هو جسد المسيح... يقول العلامة اوريجينوس: محبة القريب هى أعظم الفضائل... لهذا يليق بنا أن نتطلع إلى القديسين الذين رقدوا قبلنا، إنهم يُحبّون الذين مازالوا يجاهدون فى هذه الحياة، أكثر مما كانوا عليه، وهم حاملون الضعف البشرى، حين كانوا يجاهدون مع القطيع الأضعف. يقول بولس الرسول لأهل كورنثوس: إذ انتم وروحى مجتمعون مع قوة ربنا يسوع المسيح... فإن كان بولس وهو فى الجسد يحسب نفسه مجتمعاً بالروح مع أهل كورنثوس، فإنه يليق بنا ألا نقطع رجاءنا فى أن الطوباويين الذين رحلوا هم حاضرون بالروح فى اجتماعات الكنيسة، بل ربما أكثر مما كانوا عليه وهم فى الجسد... يليق بنا ألا نستخف بصلواتهم».
يبدأ مجمع القديسين بهذه العبارة... «لأن هذا يا رب هوأمر ابنك الوحيد الجنس، أن نشترك فى تذكار قديسيك. تفضل يا رب أن تذكر جميع القديسين الذين ارضوك منذ البدء».. بعد هذه المقدمة يذكر اسماء بعض القديسين ابتداء من « والدة الإله القديسة الطاهرة مريم».. هؤلاء هم جميعاً شركاء الحياة الجديدة، وجلوس على مائدة الرب فى أورشليم السمائية. وهم وإن كانوا لا يشتركون معنا فى الذبيحة، بمعنى أنهم لا يتناولون مثلنا إلا أنهم قد سبق لهم الاتحاد بالثالوث فى سرّ المعمودية، فصاروا أحياء إلى الأبد، وأعضاء لا يقوى الموت على فصلها من جسد ربنا يسوع المسيح، أى الكنيسة الجامعة.
لكن ما معنى كلمات الكاهن فى بداية صلاة مجمع القديسين«لأن يا رب هذا هو أمر ابنك الوحيد الجنس، أن نشترك فى تذكار قديسيك... ». إن هذه الكلمات تذكرنا بوصية ربنا يسوع، بعد أن سكبت امرأة فى بيت عنيا قارورة طيب على رأسه وتقمقم تلاميذه، واعتبروا هذا اتلافاً، إذ كان من الممكن أن يباع هذا الطيب ويوزع ثمنه على الفقراء. وكان رد السيد المسيح على هذا التذمر.
«الحق أقول لكم، حيثما يكرز بهذا الانجيل فى كل العالم يخبر أيضاً بما فعلته هذه تذكاراً لها» (متى 26: 13)).
إن الكنيسة تقدم هؤلاء القديسين كقدوة صالحة لأعضائها فى مجالات الإيمان المستقيم والتعليم وقداسة السيرة هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى، فإن عبارة «نشترك فى تذكار قديسيك» تذكرنا بعمل المسيح الخلاصى. فالتذكار المقبول هو جسد ودم ربنا يسوع. لأنه ليس بالكلام نتذكر، وإنما بالسرّ المجيد، الذى يظهر فيه ربنا يسوع المسيح رأس الجسد، وقد ضم إليه كل الذين فى السموات وعلى الأرض. أما الذين فى السموات فهم المنتصرون، وأما الذين على الأرض فهم الذين قدمت عنهم القرابين. وهكذا تصير الحياة الجديدة ا لتى تجمع الكل فى وحدة سرّ الكنيسة، هى التى تجعل تذكار الآباء والراقدين أمراً واجباً، لأنهم شهود أحياء فى أورشليم السمائية... هذا المفهوم هو الذى يحمل الكاهن أن يقوم فى ختام مجمع القديسين « وكل مصاف قديسيك، هؤلاء الذين بسؤالتهم وطلباتهم ارحمنا كلنا معاً وانقذنا من اجل اسمك القدوس الذى دُعى علينا».
البخور بعد المجمع:
وكما أننا نشبّه سرّ تدبير وتجسد ربنا يسوع المسيح بالمجمرة (الشورية)، التى ترمز للعذراء مريم التى ولدت الله الكلمة بالجسد، هكذا يضع الكاهن بخوراً تقدمة وصعيدة زكية عن الراقدين، ونذكرهم كمن اضطجع فى احضان والدة الإله القديسة مريم أمنا كلنا وحواء الجديدة، ونال رائحة الحياة أى ربنا يسوع المسيح... هذا هو سرّ وضع الكاهن للبخور أثناء الترحيم، لكى نتشجع بحياة عدم الفساد التى لربنا يسوع المسيح، ونطلب الرحمة بثقة. وتتقوّى قلوبنا فلا نرهب الموت، بل تكون لنا شجاعة الحياة الجديدة.
صَلَواتْ ما قبل القسمة:
وهى ثلاث صلوات يحسن التأمل فى كلماتها وعباراتها. وسوف نترك ذلك لكل واحد حسبما يعطيه الرب نعمة:
● الصلاة الأولى...: «أولئك يا رب الذين أخذت نفوسهم نيّحهم... ونحن أيضاً الغرباء فى هذا المكان احفظنا فى إيمانك وانعم لنا بسلامك إلى التمام» (إلى الانقضاء).
● الصلاة الثانية...: « واهدنا إلى ملكوتك، لكى وبهذا كما أيضاً فى كل شئ يتمجد ويتبارك ويرتفع إسمك العظيم القدوس، فى كل شئ كريم ومبارك، مع يسوع المسيح ابنك الحبيب والروح القدس. «سلام لجميعكم». هنا يخضع الكاهن برأسه نحو المذبح والذبيحة، ولا يلتفت إلى جهة الغرب لكى يرشم الشعب، لأن ربنا يسوع المسيح رئيس الكهنة الحالّ فوق المذبح، هو الذى يرشم الشعب.
● الصلاة الثالثة...: « وأيضاً فلنشكر الله ضابط الكل أبا ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح، لأنه جعلنا أهلاً الآن أن نقف فى هذا الموضع المقدس، ونرفع أيدينا إلى فوق ونخدم إسمه القدوس. هو أيضاً فلنسأله أن يجعلنا مستحقين لشركة وصعود اسراره الإلهية غير المائتة».
صلاة القسمة:
قبلما يصلى الكاهن صلاة القسمة، يأخذ الجسد المقدس على يده اليسرى ويضع السبابة اليمنى على الجسد بجانب الاسباديقون عند المكان المقسوم، ويقول «الجسد المقدس». ثم يرفع اصبعه ويمده إلى الكأس، ويغمس انملته دون ظفره فى الدم الكريم. ثم يرفع اصبعه المغموس بالدم ويرشم الدم داخل الكأس رشماً واحداً بمثال الصليب وهو يقول « والدم الكريم» وهنا يرد الشعب «نسجد لجسدك المقدس» و«دمك الكريم»، وذلك عقبل رشم الجسد ثم رشم الدم على التوالى. ثم يرفع الكاهن اصبعه بحرص من الكأس ويرشم بالدم الجسد الطاهر رشماً واحداً على وجه الجسد وظهره ودون أن يقلبه، وهو يقول «اللذين لمسيحه الضابط الكل الرب إلهنا». ثم يردّ الشعب بالرد المناسب.
بعدها يصلى الكاهن صلاة القسمة المناسبة بحسب الزمان، ويقسم الجسد إلى اثنى عشر جزءً دون فصلها. وتختم صلاة القسمة بصلاة «أبانا الذى فى السموات... » جهراً... وقد أشار الآباء القديسون كيرلس الأورشليمى ويوحنا ذهبى الفم وامبروسيوس واغسطينوس إلى أهمية الصلاة الربية فى نهاية تقديس الأفخارستيا. فيقول القديس اغسطينوس فى عظه له للمعمدين حديثاً... «نحن نصلى بها قبل تناولنا جسد المسيح ودمه بسبب ضعفنا البشرى كأن يكون هناك فكر ردئ، أو زلفة لسان أو نظرة دنسة أو سماع شئ غير لائق. فإن كنتم خلال تجارب العالم، وبسبب الضعف البشرى تتعرّضون لمثل هذه الخطية، فإن بالصلاة الربية تُنزع عنكم بقولكم « واغفر لنا ما علينا». وعندئذ نقدر أن نقترب من المذبح بأمان، عالمين أننا لا نأكل أو نشرب دينونة لأنفسنا».
الصلوات السرّية:
يُندر الشماس الشعب «احنوا رؤوسكم للرب». ويصلى الكاهن صلاة تضّرع إلى الآب السماوى القدوس ألاّ يدخلنا فى تجربة ولا يتسلط علينا كل اثم، وأن ينجينا من الأعمال الغير نافعة وافكارها وحركاتها ومناظرة. وأن يُبطل قوة المجرّب ويطرده عنا، وينتهر حركاته المغروسة فينا. ويقطع عنا الأسباب التى تسوقنا إلى الخطية. وأن يُنجينا بقوته المقدسة بالمسيح يسوع ربنا... ثم يصلى الكاهن صلاة خضوع سرّية للآب أيضاً، يُقّدم فيها الشكر لجلاله الأقدس من أجل رحمته العظيمة، إذ أعدّ لنا ما تشتهى الملائكة أن تطلّع عليه. ويطلب إليه أن يطهرنا حتى بتناولنا من الأسرارالإلهية نمتلئ من الروح القدس ونثبت فى الإيمان المستقيم، ونمتلئ شوقاً لمحبته الحقيقية، وننطق بمجده كل حين بالمسيح يسوع ربنا... وهنا يقول الشماس «ننصت بخوف الله». ثم يعطى الكاهن السلام للشعب دون رشم، بل ينحنى أمام الذبيحة. ثم يصلى صلاة تحليل لله الآب يطلب بها الحلّ عن نفسه والآباء الكهنة الحاضرين، وأن يقبل توبة التائبين وأن يغفر خطاياهم... ثم يذكر سرّاً من يريد أن يذكره، وأن يُنعم للجميع بعقل وقوة وفهم ليهربوا تماماً من كل أمر ردئ، وأن يكتب اسماءهم مع كل صفوف قديسيه فى ملكوت السموات بالمسيح يسوع ربنا... ثم يصلى أخيراً عن ضعفه فى انسحاق «اذكر يا رب ضعفى أنا أيضاً واغفر لى خطاياى الكثيرة. وحيث كثر الأثم فلتكثر هناك نعمتك. ومن أجل خطاياى خاصة ونجاسات قلبى لا تمنع شعبك نعمة روحك القدوس»... ثم يطلب الكاهن سراً من أجل سلام الكنيسة والأب البطريرك والأسقف ثم يقول جهراً «اذكر يا رب اجتماعاتنا باركها».
القدسات للقديسين وما بعدها:
يمسك الكاهن بإصبعيه برفق الأسباديقون Aecpotikon (أى الجزء السيدى أى الذى يشير إلى السيد المسيح فى الجسد) – يمسكه مقلوباً لأن الحمل إذا ذبح حسب شريعة العهد القديم كان يُقلب على ظهره لكى يتمكن الكاهن الذى يقرّ به من ذبحه. يغمس الكاهن طرف الأسباديقون داخل الكأس ويرفعه مغموساً بالدم باحتراس ويرشم به الجسد الطاهر الذى فى الصينية بمثال الصليب. وأثناء ذلك كله يقول «القدسات للقديسين مبارك الرب يسوع المسيح ابن الله وقدوس الروح القدس آمين».
وكلمة «قديس» ومشتقاتها فى اللغة اليونانية (آجيوس) لا تحمل معنى «صالح»، بل «المنتمى لله القدوس وحده». بهذا نفهم تعبير «قديسين»، الذين كان القديس بولس الرسول يُوجه إليهم رسائلة أنهم «الشعب المختار المنتمى لله القدوس»... بهذا المفهوم نستطيع أن نقول أن عبارة «القدسات للقديسين» تعنى «الأمور المقدسة الخاصة بالله القدوس هى لكل شعب الله المقدس فيه»... لكن هذا التفسير لا يعنى أن المقدسين بدم المسيح لا يكونوا قديسين، بل إن هذا يليق بالمؤمنين أن يكونوا قديسين متحدين بابن الله القدوس، إذ نحن أعضاء جسده من لحمه ومن عظامه (أفسس 5: 30)... والرسول بطرس يقول للمؤمنين عامة.
«نظير القدوس الذى دعاكم كونوا انتم أيضاً قديسين فى كل سيرة. لأنه مكتوب كونوا قديسين لأنى أنا قدوس» (1بط 1: 15).
، 16)... ومهما يكن من أمر فإن التناول من جسد الرب ودمه ليس للكاملين بل للمجاهدين فى طريق الكمال، لا بقوتهم بل بالمسيح الذى يقوّيهم..
يجاوب الشعب «آمين واحد هو الآب القدوس، واحد هو الابن القدوس، واحد هو الروح القدس آمين». ويعلق القديس يوحنا ذهبى الفم على هذه العبارة بقوله «إن الكاهن يصرخ ويقول القدسات للقديسين. فيردّ الشعب: لسنا قديسين، لكن واحد هو الآب القدوس، واحد هو الابن القدوس، واحد هو الروح القدس»... أى لسنا قديسين، بل ضعفاء محتاجين لنعمتك ومعونتك وهذا الجسد المقدس الذى يُثبتنا فيك.
بعد أن يرشم الكاهن الدم بالكأس بالجسد (الأسباديقون) بمثال الصليب ثم يغمسه فيه ويرشم به الجسد المقدس بمثال الصليب، ثم يعود ويرشم به الدم بالكأس بمثال الصليب، ويضع الاسباديقون فى الكأس مقلوباً بحرص على نحو ما شرحنا. ويظل بالكأس حتى يكمل الكاهن تناوله الخدام والشعب جميعاً.
بعدها يقول الكاهن «جسد مقدس ودم كريم حقيقى ليسوع المسيح ابن إلهنا آمين»... ويجاوب الشعب آمين. ثم يقول «مقدس وكريم جسد ودم حقيقى ليسوع المسيح إبن إلهنا آمين». ويجاوب الشعب آمين. ثم يقول «جسد ودم عمانوئيل إلهنا هذا هو بالحقيقة آمين». يجاوب الشعب «حقاً نؤمن».
الاعتراف الأخير:
يرفع الكاهن الصينية وبها الجسد المقدس ويقول الاعتراف الأخير، وفيه يُعلن أن هذا هو الجسد المحيى الذى أخذه ربنا وإلهنا ومخلصنا يسوع المسيح من سيدتنا ملكتنا كلنا والدة الإله القديسة الطاهرة مريم. وجعله واحداً مع لاهوته بغير اختلاط ولا امتزاج ولا تغيير. ويكمل الاعتراف أن هذا الجسد يعطى الغفران الخطايا وحياة أبدية لمن يتناول منه.
وبعد أن يتناول الكاهن من الجسد ويناول شركاءه من الكهنة وكذلك الشمامسة، يُغطّى الصينية التى بها الجسد الطاهر بلفافة ويرشم بها الشعب وهو يقول أولاً «القدسات للقديسين». ثم يرشم رشماً ثانياً ويقول «جسد مقدس ودم كريم حقيقى ليسوع المسيح ابن إلهنا آمين». فيسجد الشعب أو ينحنون برؤوسهم قائلين «مبارك الآتى باسم الرب».
أثناء ذلك يرتل الشمامسة المزمور المائة والخمسين «سبحوا الله فى جميع قديسيه»... وبعد الانتهاء من التناول وغسل الأوانى يصرف الكاهن ملاك الذبيحة، ويرش الشعب بالماء، ثم يعطيهم التسريح لينصرفوا بقوله «امضوا بسلام وسلام الرب مع جميعكم».
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.