هذا الفصل هو جزء من كتاب: العبادة في كنيستنا – الأنبا يؤانس أسقف الغربية .
صلوات السواعى والتسبيح فى الكنيسة
● مصدر التسمية.
● المسيحيون الأوائل والخلفية اليهودية.
● جذور العبادة المسيحية واليهودية.
● صلوات المسيحيين اليومية فى الثلاثة قرون الأولى.
● مناسبات صلوات السواعى.
● المزامير فى كنيسة العهد الجديد.
● التسبيح فى الكنيسة ومتى بدأ.
● التسبيح هو عمل الكنيسة كأفراد وكجماعة.
● سمو التسبيح.
صلوات السواعى
عرف الإنسان الصلاة كركن من أركان العبادة، سواء كان ذلك فى الديانات الوثنية الكثيرة جداً أو الديانة اليهودية... هذا أمر معروف ومسلّم به. لكن الصلاة فى المسيحية أخذت طابعاً مختلفاً وروحاً آخر. إذ صارت تُقدم فى دالة البنين بثقة إلى عرض النعمة السماوى، فى اسم واستحقاقات ربنا يسوع المسيح، إلى آب سماوى قد صولحت البشرية معه بموت إبنه...
وفضلاً عن ووب الصلاة الانفرادية، فقد أكّد الرسل ومعلمو المسيحية الأوائل منذ البداية على ضرورة الصلاة الجماعية وأهميتها (1كو 11: 17، 18، 20؛ 1كو 14: 23، 26؛ عب 10: 25)... يقول القديس أغناطيوس الأنطاكى الشهيد «اذا كانت صلاة شخصين متحدين (مت 18: 19، 20)، لها مفعول كبير، فأى شئ لا تقدر عليه صلاة الأسقف متحدة بصلاة الكنيسة كلها؟! »... كما يقول «احرصوا على أن تقيموا اجتماعتكم بتواتر... لأنه بكثرة اجتماعاتكم تلاشون قوى الشيطانن وتتبدد قدرته المفسدة أمام اتفاق إيمانكم».
وجدير بالذكر أن الصلاة الربية استخدمت فى الصلوات احتراماً للنموذج الذى أعطاه ربنا يسوع المسيح نفسه. فضلاً عن أنها أعطت احساساً بالأخوة بين المسيحيين الأوائل، وهم يصّلون جميعاً إلى آب سماوى واحد، ينادونه كلهم «أبانا». وقد أوجبت تعاليم الرسل Didache استخدام الصلاة الربية على المؤمنين.
كما استخدمت الصلوات المكتوبة إلى جانب الصلوات الارتجالية... ولدينا دليل على ذلك مما جاء فى رسالة كليمنضس أسقف رومية إلى كنيسة كورنثوس التى كتبت نحو سنة 96م. ففى آخر هذه الرسالة نجد سلسلة من التوسلات المترابطة مقدمة لله. ويرجّح العلماء المتخصصون أنها كانت مقتبسة من ليتورجية موضوعة..
بعد هذه المقدمة ننتقل إلى الكلام عن صلوات السواعى ومنشأها واساسها فى كنيسة العهد الجديد...
مصدر التسمية:
انحدرت إلينا هذه التسمية (صلوات السواعى)، من الكنيسة الأولى.. ويذكر كاتب سفر الأعمال أن الرسولين بطرس ويوحنا.
«صعدا معاً إلى الهيكل فى ساعة الصلاة التاسعة» (أع 3: 1)).
ويذكر أن بطرس الرسول صعد إلى السطح.
«ليصلى نحو الساعة السادسة» (أع 10: 9)).
.. ومنذ البداية كانت مراعاة صلوات السواعى تعتبر عملاً تعبدياً. وأخذ يتطور عبر السنين والأجيال إلى أن استقّر فى صورته الحالية.
من الأمور المسلّم بها، والتى لا جدال فيها بين العلماء المتخصصين، أن هناك خلفية يهودية فيما يتصل بالليتورجية وصلوات السواعى فى العهد الجديد... فلقد إتبع المسيحيون منذ نشأة الكنيسة – شأنهم فى ذلك شأن اليهود – عادة الصلاة فى ساعات محددة. لا سيما وأن المؤمنين المسيحيين الأوائل كانوا من اليهود.
ارتبط اليهود بثلاث ساعات محددة للصلاة، هى «الثالثة والسادسة والتاسعة»... يقول داود النبى.
«مساءً وصباحاً وظهراً اشكو وانوح فيسمع صوتى» (مزمور 55: 17)).
.. وقد مارس دانيال النبى فى السبى الصلاة فى هذه الساعات الثلاث. فقد.
«جثا على ركبتيه ثلاث مرات فى اليوم، وصلى وحمد قدام إلهه كما كان يفعل قبل ذلك» (دانيال 6: 10)).
.. أثنان من هذه الساعات – وهما الثالثة والتاسعة – تقررتا وتحددّتا بوقت تقديم الذبائح اليومية.
[Josephus Antiquitus, 50, 14, C. 4].
وفى يوم الخمسين بعد حلول الروح القدس حينما تكلم التلاميذ بألسنة (لغات) أخرى غير لغتهم، وقف بطرس الرسول يعظ الجموع ويدلل على ذلك أن التكلم بألسنة جديدة ليس نتيجة سكر من خمر...
«هؤلاء ليسوا سكارى كما أنتم تظنون، لأنها الساعة الثالثة من النهار» (أع 2: 15)).
.. وبطرس فى حجّته هذه يعتمد على ما كان مألوفاً لسامعيه من اليهود، وهو أن اليهود عامة كانوا يحّلون صومهم قبل ذبيحة الصباح والصلاة. وكانت تقدمة الصباح تقدم نحو الساعة الثالثة بالتوقيت العبرى (التاسعة صباحاً بتوقيتنا الحالى)...
وكانت الساعة التاسعة هى الساعة التى صعد فيها الرسولتان بطرس ويوحنا إلى الهيكل (أع 3: 1)... وفى الساعة التاسعة أيضاً، كان كرنيليوس قائد المائة – وهو أحد الوثنين المتعبدين قبل اهتدائه للمسيحية – يصلى فى بيته (أع 10: 30)... وفى الساعة السادسة صعد بطرس الرسول إلى سطح المنزل الذى كان نازلاً فيه فى مدينة يافا، ليصلى حيث اعلنت له رؤيا (أع 10: 9).
المسيحيون الأوائل والخلفية اليهودية:
طبقاً لما سجله سفر أعمال الرسل، فإنه عقب صعود الرب يسوع إلى السماء، كان التلاميذ (المؤمنون) يواظبون على الصلاة بنفس واحدة مع النساء والعذراء مريم وأخوته (أع 1: 14)... وبعد ذلك نقرأ عن الصلاة كشئ رئيسى من ملامح حياة الجماعة المسيحية الأولى فى أورشليم...
«كانوا يواظبون على تعليم الرسل والشركة وكسر الخبز والصلوات» (أع 2: 42)).
.. وقال الآباء الرسل فى أظهار الحاجة لاقامة الشمامسة.
«أما نحن فنواظب على الصلاة وخدمة الكلمة» (أع 6: 4).
(انظر رومية 12: 12؛ كولوسى 4: 2)... ونلاحظ فيما ذكرناه أن كلمة «صلاة» تكتب أحياناً بصيغة المفرد وأحياناً بصيغة الجمع مما يشعرنا بأوقات محددة لهذه الصلوات.
وليس هناك ما يدعونا لافتراض أن هذا النشاط فى المفهوم المسيحى، كان ينطوى على اتجاه وطريقة مختلفة عما كان متبعاً فى اليهودية المعاصرة آنذاك، والتى كان لها ساعات ونصوص محددّة للصلاة... فالكلمة المترجمة صلوات فى (أع 2: 42) تأتى من فعل يفيد «التقيّد بطقس بأمانة»، الأمر الذى يرتبط بمواعيد منتظمة للصلاة... كما أننا فى نفس الآية السابقة (أع 2: 42) نلاحظ أن الفعل «يواظبون» فى صيغة الجمع، الأمر الذى يفيد بصورة طبيعية الارتباط بنص محدد للصلوات.
إذاً ما هى أوقات ومحتوى هذا النموذج المنتظم للصلاة، الذى التزمت به الكنيسة المسيحية الأولى والذى بلا شك تسلمته من الرب يسوع نفسه؟
لقد سجل الأنجيليون الأربعة حضور الرب يسوع المتكرر الخدمة فى المجمع اليهودى فى يوم السبت واشتراكه فيها بالوعظ والتعليم. ولأن تلاميذه استمروا فى الحضور فى الهيكل والمجامع اليهودية، فقد افترض العديد من العلماء أن المسيحيين الأوائل قد اشتركوا مع اليهود فى عبادتهم اليومية... ومن ذلك أن كاتب سفر الأعمال يسجل أن المؤمنين المسيحيين.
«كانوا كل يوم يواظبون فى الهيكل بنفس واحدة» (أع 2: 46)).
.. وليس غريباً أن نقرأ فى سفر أعمال الرسل أن القديس بولس الرسول فى رحلاته التبشيرية كان يذهب إلى المجامع اليهودية حال وصوله إلى أية مدينة (أع 13: 5، 14؛ 14: 1؛ 16: 13؛ 17: 1، 10، 17؛ 18: 4، 19؛ 19: 8). وإن كان ذهاب بولس إلى هذه المجامع لم يكن بقصد العبادة بل بقصد التبشير بالمسيح المخلص. وإن كان هدف التبشير لا يمكن أن ينفى المشاركة فى العبادة.
انفصال الجماعة المسيحية الأولى فى العبادة عن اليهودية:
على أن الأمر لم يستمر طويلاً، لأنه تقابلنا فقرات أخرى فى سفر الأعمال تدل على أن المسيحيين منذ البداية اتجهوا إلى تكوين جماعة متميزة داخل المجتمع اليهودى كالاسينيين Essenes وغيرهم ليعبدوا على انفراد وبطريقتهم الخاصة... على أنهم لم يبدأوا فى عقد اجتماعات الخدمة الخاصة بهم إلا بعد طردهم من المجامع اليهودية كعقاب لهم كهراطقة ومبتدعين.
وترتبط الإشارة الخاصة بالجماعة المسيحية الأولى والصلاة الواردة فى (أع 1: 14) بعلية صهيون وهى العلية التى فى بيت مريم أم يوحنا الملقب مرقس (مارمرقس)، وهى ذات المكان الذى أكل فيه السيد المسيح الفصح الأخير وأسس سرّ الأفخارستيا. ويحتمل كثيراً أن الاجتماع قبل الساعة الثالثة بالتقويم العبرى (التاسعة صباحاً الآن) فى يوم الخمسين (العنصرة) (أع 2: 1)، كان أيضاً اجتماعاً للعبادة فى نفس هذا المكان. بل ويحتمل كذلك أنه هو نفس المكان المشار إليه فى (أع 4: 23 - 31). وهو نفس المكان المذكور فى (أع 12: 5، 12) والذى قصده بطرس بعد أن أخرجه الملاك من السجن، الأمر الذى يدل على أنه كان هو المكان المخصص لاجتماع الصلاة لمؤمنى أورشليم. وحتى فى الهيكل اليهودى، قيل أن المسيحيين كانوا يجتمعون معاً فى رواق سليمان بقصد التبشير والصلاة. وهكذا ميّزوا أنفسهم عن الباقين.
مثل هذا الانفصال للجماعة المسيحية فى ذلك الوقت المبكر، لم يكن يثير الدهشة. إذ لم يعد المسيحيون يشعرون بالألفة فى مجامع اليهود، لأن العبادة اليهودية كان يعوزها شئ جوهرى وله أهمية فائقة فى نظر المسيحيين. وهو يسوع المسيح نفسه، الذى تتركز عليه عبادة شعب الله الجديد. ولهذا كان من المحتم أن الجماعة المسيحية تكوّن ذاتها متميّزة بوضوح عن الجماعة اليهودية... ويعنى الانطباع الوارد فى سفر أعمال الرسل، خاصة الأستخدام المتكرر لعبارة.
«معاً بنفس واحدة» (أع 1: 14).
؛ 2: 46؛ 5: 12)، إنه التزام مشترك بالصلاة اليومية فى الجماعة المسيحية الأولى.
جذور العبادة المسيحية واليهودية:
وحتى إذا كان المسيحيون الأوائل قد توقفوا عن الصلاة المشتركة مع اليهود منذ وقت مبكر، فإن نظام عبادتهم كان بدون شك متأثراً إلى حد كبير بالعبادة اليهودية التى انبثقت المسيحية منها. ولهذا يجب أن نتوقع أن يستمر المنتصرون الأوائل فى التمسك بنظام الصلاة اليومية، الذى التزم به اليهود فى ذلك الوقت، والذى نفترض أيضاً أن الرب يسوع نفسه كان يراعيه.
كان اليهود يمارسون الصلاة وقوفاً وسجوداً...
«فلما علم دانيال بامضاء الكتابة، ذهب إلى بيته وكواه مفتوحة فى عليّة نحو أورشليم، فجثا على ركبتيه ثلاث مرات فى اليوم وصلى وحمد قدام إلهه، كما كان يفعل قبل ذلك» (دانيال 6: 10)).
وطبعاً هذا يشير إلى ما سبق ذكره عن صلاة اليهود فى الصباح والظهر والمساء.
● وكما كان اليهود يؤدون الصلاة وقوفاً وسجوداً، هكذا فعل المؤمنون المسيحيون الأوائل:
توجد اشارة للوقوف فى الصلاة فى (مرقس 11: 25). يقول الرب يسوع « ومتى وقفتم تصلّون فاغفروا إن كان لكم على أحد شئ لكى يغفر لكم أيضاً أبوكم الذى فى السموات زلاتكم»... (والرب يسوع نفسه فى مناجاته لله الآب الواردة فى (يوحنا 17) تفيد أنها تمت وهو واقف «تكلم يسوع بهذا ورفع عينيه نحو السماء، وقال أيها الآب قد اتت الساعة. فمجّد إبنك ليمجدك إبنك أيضاً»... ويقول بولس الرسول «اريد أن يصلى الرجال فى كل مكان رافعين أيادى طاهرة بدون غضب ولا جدال» (1تى 2: 8)..
وكانوا يؤدون الصلاة أيضاً إما ركوعاً على الركبتين أو بسجود كامل والوجه إلى الأرض كما فعل الرب يسوع نفسه... فى بستان جثسيمانى يقول لوقا.
«جثا على ركبتيه وصلى» (لو 22: 41)).
ويذكر كل من متى ومرقس أنه.
«خرّ على وجهه وكان يصلى فى جثسيمانى» (مت 26: 39).
؛ مرقس 14: 35)... هكذا فعل استفانوس شهيد المسيحية الأول قبيل رجمه بالحجارة.
«ثم جثا على ركبتيه وصرخ بصوت عظيم يا رب لا تقم لهم هذه الخطية» (أع 7: 60)).
.. وهكذا أيضاً فعل بطرس الرسول حالة إقامة طابثا من الموت فى مدينة يافا.
«فاخرج بطرس الجميع خارجاً وجثا على ركبتيه وصلى... » (أع 9: 40)).
.. وفى مدينة ميليتس بعد أن انتهى بولس الرسول من حديثه الوداعى إلى الخدام.
«جثا على ركبتيه مع جميعهم وصلى» (أع 20: 36)).
.. وفى مدينة صور وهو فى رحلته الأخيرة إلى أورشليم يقول كاتب سفر الأعمال عن نفسه وبولس وبقية المؤمنين «فجثونا على ركبنا على الشاطئ وصلينا» ويكتب بولس إلى أهل أفسس.
«بسبب هذا احنى ركبتى لدى أبى ربنا يسوع المسيح» (أف 3: 14)).
ويقول لأهل فيلبى «لكى تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن فى السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض» (فى 2: 10).
صلوات المسيحيين اليومية فى الثلاثة قرون الأولى:
واضح أن صلوات المسيحيين الأوائل فى الساعات الثالثة والسادسة والتاسعة، مشابهة لما كان يتبعه اليهود فى صلواتهم الخاصة... والأدلة على ذلك نجدها فى:
(أ) تعليم الرسل الديداكى Didache:
فى الفصل الثامن منها نجد أول اشارة واضحة وبلا أى لبس إلى اسلوب الصلاة اليومية فى الكنيسة الأولى... يقول «لا تصلّوا كالمرائين، بل كما أمر الرب فى انجيله، صلوا هكذا: أبانا الذى فى السموات» مع التمجيد «لأن لك القوة والمجد إلى الأبد». ثم بعدها يتبعها الأمر «صلوا هكذا ثلاث مرات فى اليوم»... ووجه الأهمية فى هذا الصدد أن الديداكى كتبت غالباً فى أنطاكية. ويرجح أن كتابتها ترجع إلى الفترة من سنة 50 إلى سنة 70م. وهى معاصرة لكتابات بولس الرسول والأناجيل الثلاثة الأولى Synoptic Gospels... لكن ينبغى أن نذكر أن الصلاة الربانية لم تكن تمثل كل ما تحويه الصلاة المسيحية اليومية. لكنها كانت جزء من صلاة أطول كما يستنتج العلماء.
(ب) رسالة كليمنضس الرومانى أسقف رومية إلى كنيسة كورنثوس:
ويعتبر ما جاء فى هذه الرسالة التى ترجع إلى التسعينيات من القرن الأول أقدم شاهد مسيحى على الصلاة فى أوقات محددة (ف 40: 1 - 4). حقيقة أن ما جاء فى الرسالة لا يذكر ساعات محددة، لكن الرسالة تقول «فى أوقات ثابتة» At set times هذه العبارة فى هذه الفصل ثلاث مرات... «يجب أن نعمل بنظام (Taxi) كل ما أمرنا السيد أن نعمل فى أوقات ثابتة Kata Kairous Tetagmenous. لقد أمرنا بالتقدمات Prosphoros وخدمات Leitourgias فتممها، وليس بالصدفة وبلا ترتيب ولكن فى الأوقات والساعات الثابتة Orismenois Kai Horais... »...
وما ورد هنا فى رسالة كليمنضس هو أكثر من حث على النظام الكنسى المبنى على العهد القديم، لكنه بالأكثر وصف لما كان حادثاً بالفعل فى ذلك الوقت (أواخر القرن الأول المسيحى)... وما هو أكثر أهمية لليتورجية السواعى هو ما جاء فى رسالة كلمينضس هذه (ف 24: 1 - 3)، وهو الموضوع المسيحى فى ذلك العصر المبكر، ويحدد القيمة الرمزية لأوقات النهار... «لنضع فى اعتبارنا يا أحبائى، كيف أن الرب يظهر لنا دائماً القيامة الآتية، التى كان ثمرها الأول ما صنعه بقيامة المسيح من بين الأموات. وهكذا نرى أيها الأحباء أن القيامة تمت وقفاً للوقت. النهار والليل يظهران لنا قيامة. الليل يمضى لينام، والنهار يستيقظ. اليوم ينقضى يتلوه الليل».
(ج) كليمنضس الأسكندرى (سنة 150– قبل سنة 220م):
وفى بداية القرن الثالث فى مصر نرى ساعات (أوقات) محددة للصلاة كالثالثة والسادسة والتاسعة، فضلاً عن وقت الاستيقاظ (باكر) وقبيل النوم واثناء الليل... يصّر كليمنضس على ان المسيحى الحقيقى يجب أني صلى على الدوام. ومما يقوله يتضح أن الساعات المحددة للصلاة كانت عادة فى بعض الدوائر – صلوات الثالثة والسادسة والتاسعة – (المتنوعات 7: 7؛ 40: 3). وفى موضع آخر يذكر صلاة عقب الاستيقاظ وقبل النوم، فى الليل وقبل وجبات الطعام وأثناءها وبعدها (المربى 2: 9، 10؛ المتنوعات 7: 7؛ 49: 3، 4). لكن يبدو أن أوقات الصلوات هذه اعطيت بالأكثر كنماذج لصلوات الغنوسيين التى لا تنقطع، أكثر منها ساعات واضحة محددة للصلاة.
وفى كتابه المتنوعات (7: 7؛ 43: 6، 7) يشهد كليمنضس للعادة المسيحية المبكرة وهى الاتجاه نحو الشرق فى الصلاة باعتبار أن المسيح هو نور العالم وشمس البر التى يرمز لها بشروق الشمس من جهة الشرق. هذا الأمر اشير إليه صراحة فى قوانين الرسل على أنه تقليد رسولى. ويتضح ذلك من النقوش القديمة فى السراديب والقبور.
وكليمنضس الأسكندرى هو أول شاهد للصورة الاسخاتولوجية (الأخروية) للصلاة المسيحية ليلاً. وهذه ستصبح أساس الأسهار المسيحية فى الصلوات. هكذا يقول كليمنضس فى كتابه (المربى 2: 9) وهو يرجع فى ذلك إلى ما جاء فى (لو 12: 35 - 37؛ أمثال 8: 34؛ 1تس 5: 5 - 8). ومازالت كلمة الساهرين Vigilers أو المراقبين Watchers هى التعبير المألوف عن الملائكة فى الكنيسة السريانية حتى اليوم. وأن الرهبان والراهبات الذين يحفظون طقس السهر ليلاً – بينما العالم كله يكون نائماً – إنما يفعلون ذلك تشبهاً بالملائكة، الذين لا يحتاجون إلى النوم، ولا شئ يقطع تسبيحهم الذى لا ينتهى. وهكذا تصبح الحياة الدينية حياة ملائكية.
(د) أوريجينوس (185 – 253م):
وفى كتابه عن الصلاة (32) يشير إلى عادة الاتجاه نحو الشرق فى الصلاة. وفى الفصل (12: 2) من هذا الكتاب يشير إلى معرفته لأربع صلوات نهاراً: صباحاً وظهراً والمساء والليل. وما ذكره أوريجينوس يعتبر أقدم اشارة إلى المزمور 141 لداود فيما يتصل بصلاة المساء «رفع يدىّ كذبيحة مسائية».
(ﻫ) ترتليانوس (150 – 220م):
وعرف أيضاً ترتليانوس عادة الاتجاه نحو الشرق فى الصلاة (الدفاع 16)، فضلاً عن قواعد أخرى فى الصلوات مثل متى يقف المصلى ومتى يسجد فى الصلاة والصوم. وهذه تشير جميعها إلى نمو مستوى الصلاة المسيحية. وفى كتاباته نجد أول وصف لنظام الصلاة المسيحى، الأمر الذى سيصبح مقرراً نحو نهاية القرن الرابع المسيحى، مثل وجوب الصلاة فى بداية ونهاية كل يوم، مع تقدير كبير وتوصية بالصلاة فى الساعات الثالثة والسادسة والتاسعة وليلاً. كما يطالب المسيحيين بالصلاة قبل تناول وجبات الطعام أو قبل الاستحمام، وحينما يكونون مع الضيوف. ويشير إلى التسبحة Psalmody كجزء من الصلاة العامة... ويذكر ترتليانوس أيضاً عادة الاستيقاظ للصلاة ليلاً (رسالته إلى زوجته، ودفاعه 39: 18). بل أنه يشير إلى تجمعات أثناء الليل للصلاة، وهو يمدنا بأول شهادة مبكرة عن عشاء الأغابى (المحبة).
(و) كبريانوس أسقف قرطاجنة الشهيد (200 – 258م):
فى مقاله عن الصلاة الربية (ف 34 - 36) يتكلم عن نظام الصلاة فى القرن الثالث فى شمالى افريقيا. إنه يشير إلى صلوات النهار الثالثة والسادسة والتاسعة كعادة رسولية، ويربطها بما كان متبعاً فى اليهودية، وفى نفس الوقت يقول إنها تشير إلى سرّ الثالوث... ويقول « ولكن بالنسبة لنا يا أخوتى الأحباء، فإنه إلى جانب صلوات الساعات هذه التى روعيت منذ القديم، فإن الأوقات والأسرار زادت. فالإنسان عليه أن يصلى أيضاً فى الصباح حتى ما يحتفل بقيامة الرب. وهذا ما عناه الروح القدس حينما قال قديماً فى المزمور «انصت يا رب لكلماتى، واسمع صراخى.. اصغ إلى صوت طلبتى يا ملكى وإلهى، لأنى إليك اصلى يا رب، بالغداة تسمع صوتى. بالغداة أقف أمامك وترانى» (مزمور 5)... ومرة أخرى يقول الرب بفم النبى.
«فى ضيقهم يبكّرون إلىّ (قائلين) هلم نرجع إلى الرب» (هوشع 5: 15).
؛ 6: 1)... وبالمثل يقول النبى ملاخى عن المسيح أنه هو الشمس « ولكم أيها المتقّون إسمى تشرق شمس البرّ والشفاء فى اجنحتها» (ملاخى 4: 2)... فإذا كان المسيح فى الأسفار المقدسة هو الشمس الحقيقية واليوم الحقيقى، فيجب علينا عبادة الله دائماً وباستمرار طوال اليوم فى توسلاتنا... ».
وينهج كبريانوس نفس نهج ترتليانوس فى الإشارة إلى دانيال وصلواته ثلاث مرات، ومواضع أخرى من العهد القديم، وصورة الثالوث، وما جاء بسفر أعمال الرسل، وغيرها بوجوب الصلاة فى الساعات الثالثة والسادسة والتاسعة.
(ز) التقليد الرسولى Apostolic Tradition:
كتب هيبوليتس Hippolytus الرومانى حوالى سنة 215. وهو أهم مصدر ليتورجى يرجع إلى القرن الثالث. ويتكلم عن الصلاة باكراً وفى ساعات الثالثة والسادسة والتاسعة وقبيل النوم وفى نصف الليل.
والمهم فيما جاء فى تقليد هيبوليتس الرسولى أن ساعات الصلاة اليومية تضمنت سبع ساعات. لكنها ليست السبعة المستخدمة فى المصادر المتأخرة. وهى باكر والثالثة والسادسة والتاسعة وقبيل النوم وفى نصف الليل وفى وقت السحر (صياح الديك).
وفى القرن الرابع ظهرت الرغبة فى جعل الصلوات سبعة كما جاء فى المزمور.
«سبع مرات فى النهار سبحتك على احكام عدلك» (مز 119: 164)).
ويتسأل امبروسيوس أسقف ميلان «إذا كان النبى يقول سبع مرات، وهو الذى كان مشغولاً بمهام المملكة، فكم يجب علينا أن نفعله نحن الذين قيل لنا: اسهروا وصلوا حتى لا تدخلوا فى تجربة؟ »... ويقول أغسطينوس وايلارى أسقف بواتييه «إن الكنيسة عن اقتناع فكرى سبّحت الله لأحكامه البارة سبع مرات فى اليوم».
مناسبات صلوات السواعى:
لقد رتبت الكنيسة مواعيد صلوات السواعى على اساس مناسبات مقدسة، من الواجب والنافع أن يتذكرها المؤمن حتى ما يسمو بروحه وعقله فيما هو يصليها.
يقول القديس باسيليوس الكبير عن صلاة باكر «إن أول تحركات وانفعالات الروح والعقل يجب أن تكون لله. ويجب ألا نسمح لشئ أن يدخل إلى عقولنا قبل أن نكون قد استمتعنا بالفكر مع الله» «.. وجاء فى قوانين الرسل عن صلاة باكر» «حتى ما نشكر الله لأنه أجاز علينا الليل واقبل النهار واعطانا النور»... أما كبريانوس فيقول «إن قيامة الرب التى حدثت باكراً، يجب أن نحتفل فيها بالصلاة».
ويقول كبريانوس عن صلوات الساعات الثالثة والسادسة والتاسعة إنها اختيرت لتمجيد الثالوث القدوس. وصلاة الساعة الثالثة وإن كانت استمراراً لعادة يهودية، لكن صار لها سبب فى المسيحية، وهو حلول الروح القدس على المؤمنين الأوائل فى يوم الخمسين. وثمة سبب آخر وهو أنه فى تلك الساعة صدر الحكم من بيلاطس الوالى الرومانى على المخلص كما تقول قوانين الرسل وكما يذكر مرقس الإنجيلى (مرقس 15: 25).
والساعة السادسة هى تذكار صلب المخلص. وفيها بواسطة الرؤيا التى اعلنت لبطرس أن نعمة الخلاص هى للجميع.
وفى الساعة التاسعة محا المسيح عنا خطايانا بدمه كما يقول كبريانوس وقوانين الرسل.
وعن صلاة الغروب يقول باسيليوس الكبير «هل انتهى اليوم، اشكر ذاك الذى أعطنا الشمس لتدبر عمل اليوم» أما قوانين الرسل فتذكر سبباً آخر «إننا نشكر الله وقت الغروب أن الله أعطانا الليل كوقت للراحة من عناء اليوم»... ويقول كبريانوس «لأن المسيح هو الشمس الحقيقية واليوم الحقيقى. وحينما تغرب الشمس واليوم ينسحب من العالم نصلى ونتوسل أن يأتينا النور ثانية، ونصلى من أجل مجئ المسيح الذى سيعطى نعمة النور الأبدى»... ويضيف يوحنا كاسيان أن الرب المخلّص اعطى الافخارستيا للرسل فى وقت الغروب.
وعن صلاة نصف الليل يقول كبريانوس «ليست هناك خسارة من جراء ظلام الليل لأولئك الذين يصلّون، لأن الليل يتحول إلى نهار لأبناء النور»... ويقول كليمنضس الاسكندرى فى كتابه المعلم والتلميذ « وفى الليل علينا دائماً أن ننهض من النوم ونبارك الله، لأنه طوبى لمن يسهرون لأجله. إنهم بذلك يتشبهون بالملائكة». ويقول اوريجينوس «بدون هذه الصلاة نحن لا نعبر الليل بحالة جيدة». ثم يشير إلى ما قاله داود.
«فى نصف الليل نهضت لاشكرك على احكام عدلك» (مز 119: 62).
، وإلى بولس وسيلا فى سجن فيلبى (أع 16: 25).
والقديس كيرلس الأورشليمى يتساءل «متى يكون عقلنا منتبهاً فى الابصلمودية (التسبيح) والصلاة. أليس بالليل؟ متى نتذكر دائماً خطايانا. أليس بالليل؟ »... ويورد امبروسيوس مثال السيد المسيح ويقول «الرب نفسه امضى الليل كله فى الصلاة، حتى بمثاله هو يدعوك للصلاة». وفى موضع آخر يقول «كان داود كل ليلة يبل فراشه بالدموع. وكان ينهض فى منتصف الليل حتى ما يعترف لله. يجب أن نفكر أن الليل كله ليس للنوم»... ومرة ثانية يقدم مثال ربنا ويقول «النهار ليس كافياً للصلاة. يجب أن ننهض فى الليل وفى منتصف الليل. الرب نفسه امضى الليل فى الصلاة، حتى ما يدعوك للصلاة بمثاله هو».
والقديس جيروم فى بيت لحم يذكر على الأقل ست سواعى كانت تحفظها النساء التقيّات اللائى كان يقودهن «إنه لا يوجد أحد لا يعرف الساعات الثالثة والسادسة والتاسعة والفجر أيضاً والغروب... وفى الليل علينا أن ننهض مرتين أو ثلاثة (رسالته 18 إلى يوستخيوم»... ويقول لديمترياس Demetrias «إلى جانب طقس المزامير والصلاة – الأمور التى يجب أن تمارسينها دائماً فى الساعات الثالثة والسادسة والتاسعة والغروب ونصف الليل وباكر النهار» (رسالته 97). وعن بولا Paula وجماعتها يقول «إنهن يرتلّن المزامير بانتظام فى الصباح والساعات الثالثة والسادسة والتاسعة والغروب ونصف الليل» (إلى يوستخيوم رسالة 86). ونصح من تعدّ نفسها لهذا النمط من الحياة (حياة العذارى) أن تتدرب على النهوض ليلاً للصلوات والمزامير وترتل فى الصباح. وتقف فى الحقل كجندى صالح ليسوع المسيح فى الساعات الثالثة والسادسة والتاسعة... وتقدم ذبيحة المساء حينما توقد المصباح».
المزامير فى كنيسة العهد الجديد:
● كان كتاب المزامير هو الكتاب المستخدم للعبادة بواسطة شعب اسرائيل لعدة قرون. وكان ترتيب هذه الأناشيد الدينية بالصورة التى وصلت إلينا، يحتمل أنها ترجع إلى زمان بناء الهيكل للمرة الثانية أو بعد ذلك بقليل. ولمدة نحو خمسمائة سنة – أى منذ زمان عزرا للمسيح – استخدم شعب الله المزامير فى عبادتهم الدينية... فى الهيكل والمجمع والبيوت، رفع اليهود الاتقياء أصواتهم شكراً وحمداً، بنفس الكلمات التى أعطاها يهوه نفسه... إن اسفار أخبار الأيام وعزرا ونحميا، تُظهر كيف أن اليهود العائدين من السبى أعادوا بغيرة وحماس الترتيبات الإلهية، وكيف أنهم خدموا الله بفرح فى أناشيد الهيكل (نحميا 12: 24، 45 - 47)... ولدينا من الأسباب ما يدعونا للاعتقاد أن المزامير استخدمت فى العبادة بواسطة اليهود من وقت تجديد الهيكل بعد العودة من سبى بابل حتى بدء العصر المسيحى.
● وهناك دليل واضح أن المزامير انتقلت من استخدامها فى خدمة الهيكل والمجمع اليهودى إلى استخدامها فى الخدمة فى الكنيسة المسيحية وتنظيمها، وأنها استخدمت بواسطة المسيحيين ككتاب تسابيحهم فى عصر الرسل (30 - 100م).
(1) التكيّف العجيب للمزامير مع احتياجات واستخدامات المسيحية فى انتشارها، وإنما هو برهان غير مباشر على أن كنيسة الرسل استخدمتها فى تسابيحها... ولا عجب فى ذلك، فلقد كان المؤمنون المسيحيون الأوائل أصلاً من اليهود الذين قبلاً يسوع المسيح الناصرى كالمسيا رباً ومخلصاً. ومن بين هؤلاء كان الرسل الذين صبحوه خلال سنى خدمته بالجسد على الأرض، وكانوا شهوداً لقيامته... هؤلاء كانوا يألفون المزامير، سبّحوا بها فى عبادة يهوه فى الهيكل والمجمع اليهودى... كانوا على بعض المعرفة عما حوته المزامير من نبوءات بخصوص المسيا. وإن كانت دلالتها الكاملة لم يعرفونها كاملة إلا عندما فتح السيد المسيح ذهنهم ليفهموا الكتب (لوقا 24: 45)، وبعد أن حلّ عليهم الروح القدس فى يوم الخمسين... فضلاً عن ذلك، فلقد سبّح الرب يسوع معهم ليلة تأسيس العشاء الربانى (مت 26: 30)... حقيقة لم تذكر الأناجيل أى تسبحة كانت، لكن من المحتمل أن تكون هى تسبحة مزمور الفصح.
● وفى أول عظة مسيحية، التى ألقاها بطرس الرسولى يوم الخمسين (أع 2)، كانت العقيدة الأساسية التى قدمها لسامعيه ترتكز على تفسير مزمورين هما المزمور السادس عشر والمزمور المائة والعاشر... وفى أول حديث مسّجل لبولس الرسول فى المجمع اليهودى فى أنطاكية بيسيدة (أع 13)، يتحدث عن مزمورين هما الثانى والسادس عشر.. والرسالة إلى العبرانيين مليئة بأدلة مستمدة من المزامير مختصة بشخص الرب يسوع وعمله. فمثلاً فى الاصحاح الأول من تلك الرسالة هناك سبعة اقتباسات من العهد القديم، ستة منها من المزامير.. ومن الواضح أن المعلمين المسيحيين الرسوليين لم يجدوا صعوبة فى اثبات كل ما يتعلق بالمسيّا فى سفر المزامير كوظائفه ورسالته وموته وقيامته وتمجيده ومملكته ومجده... إلخ. وهكذا غدا كتاب المزامير فى أيديهم كتاباً مسيحياً.
● ولم يكن آباء الكنيسة الأوائل أقل يقيناً من جهة صفة المزامير العامة منا نحن... يقول باسيليوس الكبير (330 – 379) «التسبحة هى صوت الكنيسة... أمجاد اللاهوت بأشعتها تتألق، يسوع يُتنبأ عنه، القيامة مُعلن عنها. الدينونة معلنة. سيف الانتقام مُشّهَر. تيجان المجد تتلألأ. أسرار لا يُنطق بها تثير الدهشة. كل هذه كنوز محفوظة فى كتاب المزامير كما فى خزانة عادية».
لقد وجدت كنيسة العهد الجديد فى المزامير – وهى جزء من كتابها المقدس – اداة واسعة المحيط، جاهزة ومُنقّحة لاستخدامها. لذا لم تكن بحاجة إلى وضع تسابيح للعبادة الإلهية. فهذه كانت جاهزة وتحت يدها. فلديها تسابيح الهيكل والمجمع. فضلاً عن ذلك فقد كانت لديها المزامير باللغة اليونانية فى الترجمة السبعينية للعهد القديم. وهذا اعانها فى الخدمة فى كل انحاء الامبراطورية الرومانية لخدمة كل الشعوب.
(2) هل استخدم الرسل وبقية المسيحيين مزامير وتسابيح الكتاب المقدس فى خدمتهم الإلهية، أم كانت هناك تسابيح أخرى غير المزامير؟
حقيقة إن الرب يسوع فى ليلة آلامه سبّح مع رسله الهلّيل Hallel فى الفصح وهى المزامير من 113 إلى 118. وصدق من قال عن ذلك «يمكن القول أن هذه تعتبر النقطة التى منها انتقلت المزامي من العهد القديم إلى الجديد. لأنها صاحبت الاحتفال بالطقس الجديد للعشاء الربانى فضلاً عن الاحتفال بالفصح المنتهى»... ويظن أن نصف الهلّيل الأول (مزمور 113 - 115). كان يرتل فى بداية عشاء الفصح، والنصف الثانى فى النهاية، قبيل ذهاب الرب يسوع وتلاميذه إلى جبل الزيتون (مت 26: 30)... ولا شك أن استخدام السيد المسيح لهذه المزامير أوجب على مسيحيّى ذلك الزمان أن يستخدموها هم أيضاً فى خدمة التسبيح.
● واستخدام المزامير فى صلوات الكنيسة المسيحية عادة قديمة لها جذورها فى الديانة اليهودية على نحو ما ذكرنا... يكتب القديس بولس الرسول فى رسالته إلى أهل كورنثوس.
«أيها الأخوة متى اجتمعتم، فكل واحد منكم له مزمور» (1كو 14: 26)).
وواضح من هذه العبارة أن المزامير كانت جزء من العبادة الجماعية... وكلمات يعقوب الرسول.
«أمسرور أحد فليرتل» (يع 5: 13).
، إنما تشير بكل تأكيد إلى كتاب المزامير، حيث أن يعقوب الرسول يوجه كلامه إلى اليهود المتنصرين الذين كانوا قبل إيمانهم المسيحى، يسبحون بالمزامير فقط.
ولحكمة بالغة استخدمت الكنيسة المسيحية المزامير فى عبادتها منذ نشأتها. ولعل ذلك يتضح مما كتبه القديس البابا أثناسيوس الرسولى فى رسالة له إلى مارسلينوس... يقول:
«اعلم يا بنى أن كل أسفار الكتاب المقدس سواء العهد القديم أو العهد الجديد موحى بها من الله، وهى كقول الرسول «نافعة للتعليم» أما المزامير بالذات فتهب للباحث المُجدّ كنزاً خاصاً. هذا ويمتاز سفر المزامير يقيناً – من بين كافة الأسفار الأخرى – بنعمة خاصة وميزة عظيمة جديرة بالاعتبار. فإلى جانب الخصائص التى يتشارك فيها مع الأسفار الأخرى نجد له ميزة خاصة عجيبة فريدة. ففى المزامير نجد أن فيها تتمثل وترتسم خلجات النفس بكافة أنواعها المتباينة للغاية، حتى ليصبح السفر أشبه بصورة تعاين فيها نفسك مرسوماً. وإذ ترى نفسك تدرك فتشكلها وفق النموذج المرتسم... فى الكتاب المقدس تكثر النواهى عن فعل الشر، ولكن المزامير وحدها هى التى تنبئك كيف تطيع الوصايا وتمتنع عن الأثم. وكذلك تتكرر فى الكتاب المناشدة للتوبة أى ترك الخطية. ولكن المزامير هى التى ترشدك كيف تمضى فى التوبة، وبأى كلمات تفصح عنها... وفى أسفار الكتاب المقدس نقرأ ونسمع كلمات القديسين على أنها خاصة بمن تكلموها، وليست كأنها كلمات على الأطلاق. كما نرى فى الأعمال التى يقصدونها موضوعاً للإعجاب وأمثلة تحتذى. ولكنها ليست بحال أعمالاً عملناها نحن... أما المزامير عموماً فكأنما هى نفس كلمات قارئها. وكل من يستمع إليها يتحرك قلبه بداخله كأنها تنادى أعمق أفكاره... والعجيب فى المزامير هو أنه باستثناء مزامير النبوات عن المخلّص والأمم، يمكن للقارئ أن يتناول كلماتها بشفتيه على أنها كلماته، ويترنم كل إنسان على أنها كتبت لفائدته الخاصة. فلا يتلوها كأن سواه يتكلم أو باعتبارها وصفاً لمشاعر إنسان آخر، بل يرتلها عن نفسه رافعاً لله الكلام الصادر تماماً من ذات قلبه كأنه هو واضعه لنفسه».
ولعل مصدرنا الرئيسى عن صلوات المزامير فى كنيستنا القبطية هو يوحنا كاسيان الذى عاش نحو عشر سنوات فى مصر يتنقل بين النساك والمتوحدين الأقباط يسألهم ويسترشد بهم. ومما قاله عن رهبان مصر متصلاً بصلوات المزامير:
«رأيتهم فى صلواتهم حينما ينتهون من تلاوة كل مزمور، لا يستعجلون فى السجود كواجب يُراد إنهاؤه كما يعمل الكثير منا الآن. بل رأيتهم على خلاف ذلك. فبعد أن يفرغوا من المزمور، يقفون برهة يرفعون فيها صلاة قصيرة. ثم ينحنون فى خشوع ويسجدون إلى الأرض بوجوههم بورع كثير وتقوى شديدة. ثم ينتصبون بخفة ونشاط ويعودون إلى وقفتهم المنتصبة، وافكارهم منحصرة فى الصلاة».
«التسبيح فى الكنيسة»
يقول المرتل.
«طوبى للشعب الذى يعرف التسبيح. يا رب بنور وجهك يسلكون. باسمك طول النهار يبتهجون. وببّرك وعدلك يرتفعون» (مزمور 89: 15).
، 16).
يؤلف التسبيح جزءً هاماً فى العبادة المسيحية منذ نشأة الكنيسة... فى التسبيح تهليل وشكر وفرح وتمجيد... وليست الكنيسة وحدها هى التى تسبح، بل الخليقة كلها تسبح خالقها وسيدها وربها... لذا يقول داود.
«تسبّحه السموات والأرض، والبحار وكل ما يدّب فيها» (مزمور 69: 34)).
ولعل قوله هذا هو تعبير بصورة أخرى عن ما يقوله فى مزمور آخر.
«السموات تحدث بمجد الله. والفلك يخبر بعمل يديه» (مز 19: 1)).
وفى المزمور (148) لا يكتفى المرتل بأن يسبح الله، بل أنه يدعو الخليقة كلها لأن تشاركه فى تسبيح الرب:
فهو يدعو الملائكة وكل الأجناد السمائية، والشمس والقمر والكواكب، وسماء السموات، والمياه والتنانين، واللجج والنار، والبرد الثلج والضباب، والريح والجبال والآكام والشجر، والوحوش والبهائم والطيور، وملوك الأرض والرؤساء وكل الشعوب والأحداث والعذارى وغيرهم لتسبيح الرب.
ونعود إلى ما سبق أن قلناه وهو أنه فى التسبيح تهليل وشكر وفرح وتمجيد... ونقول أن صلواتنا تعتبر ناقصة ما لم تكتمل بعمل التسبيح بعناصره الذى تذخر به المزامير.
ليس أدل على أن فى التسبيح فرح وتهليل من قول يعقوب الرسول.
«أمسرور أحد فليرتل» (يع 5: 13)).
.. يقول بولس الرسول إلى أهل أفسس مكلمين بعضكم بعضاً بمزامير وتسابيح وأغانى روحية، مترنمين ومرتلين فى قلوبكم للرب» (أف 5: 19). ويكتب لأهل كولوسى.
«لتسكن فيكم كلمة المسيح بغنى. وانتم بكل حكمة معلمون ومنذرون بعضكم بعضاً بمزامير وتسابيح وأغانى روحية بنعمة مترنمين فى قلوبكم للرب» (كو 3: 16)).
..
هذه التعبيرات الثلاثة «مزامير، وترانيم، وأغانى روحية» تطلق فى الترجمة السبعينية للعهد القديم على سفر المزامير. وقد استخدم آباء الكنيسة هذه الترجمة اليونانية. إنهم يتكلمون عن المزامير كترانيم... وقد استخدم يوستينوس الشهيد وترتليانوس ويوحنا كاسيان هذا التعبير. بل حتى المؤرخ اليهودى الشهير يوسيفوس (القرن الأول) الذى كان يتكلم العبرية، تكلم عن المزامير كترانيم... ولعل ما قاله صفنيا النبى يؤكد هذا المعنى، يقول.
«الرب إلهك فى وسطك جباّر. يُخلّص. يبتهج بك فَرحاً. يسكت فى محبته. يبتهج بك بترنم» (صفنيا 3: 17)).
ويتكلم كاتب سفر الأعمال عن بولس وسيلا فى سجن فيلبى إنهما كانا نحو نصف الليل.
«يصليان ويُسبحّان الله والمسجونون يسمعونهما» (أع 16: 25)).
.. نلاحظ هنا أن التسبيح خلاف الصلاة المعروفة لنا. لم يذكر كات بسفر الأعمال ماذا كان يسبحان.. لكن باعتبارهما يهوديين متنصرين، فقد كانا يعرفان المزامير التى يستخدمها المتألمون. يقول داود.
«تحيا نفسى وتسبحك واحكامك تعيننى» (مزمور 119: 175)).
يقول القديس لوقا الانجيلى عن الرعاة بعد أن زاروا الرب يسوع مولوداً.
«ثك رجع الرعاة وهم يمجّدون الله ويسبحونه على كل ما سمعوه ورأوه كما قيل لهم» (لو 2: 20)).
.. ومُقعد باب الهيكل الجميل الذى شفاه الرسول بطرس. بعد شفائه كان.
«يمشى ويطفر ويسبح الله» (أع 3: 8)).
التسبيح هو عمل الملائكة... وقد اعلنت رؤيا لاشعياء النبى رأى فيه السيرافيم ينشدون قائلين «قدوس قدوس قدوس رب الجنود، مجده ملء كل الأرض» (أش 6: 1 - 3)... وحتى حينما ظهروا وقت ميلاد المخلّص، شوهدوا مسبحين...
«ظهر بغتة مع الملاك جمهور من الجند السماوى مسبحين الله وقائلين المجد لله فى الأعالى، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة» (لو 2: 13).
، 14)... من أجل هذا أخذت الحميّة المرتل وصرخ قائلاً.
«سبحوه يا جميع ملائكته. سبحوه يا كل جنوده» (مزمور 148: 2)).
.. من أنت أيها الإنسان حتى تحث الملائكة والخلائق السمائية حتى تسبح الله؟! لكنها النفس التى أحبت الله وهامت فى تسبيحه.
لذا فحينما يسبح الإنسان الكنيسة كجماعة مؤمنين فإنهم يعملون عمل الملائكة... ومن هنا نفهم ما يعنيه القديس غريغوريوس فى قداسه التأملى الرائع الموجّه للمسيح إبن الله... «الذى ثّبت قيام مصاف غير المتجسدين فى البشر. الذى أعطى الذين على الأرض تسبيح السرافيم. اقبل منا نحن أيضاً أصواتنا مع غي المرئيين. احسبنا مع القوات السمائية»!!
إن الصفة الغالبة للصلاة فى ترتيب كنيستنا هى تسميتها بالتسبحة، وذلك لأن معظم الصلوات تقدم داخل الكنيسة بالترتيل باللحن. فنقول مثلاً تسبحة الساعة الثالثة أو السادسة أو التاسعة... إلخ. وحتى فى المناسبات الحزينة كأسبوع البصخة، فإن الصلوات أيضاً تقدم مُلّحنة، لكنها الحان مناسبة ونغم خشوعى مناسب. وصلاتا الساعتين السادسة والتاسعة وهما تذكار آلام مخلصنا وموته تقدمان كتسبحة... ولعل هذا مأخوذ عن داود الذى قال «سبع مرات فى النهار سبحتك على أحكام عدلك» (مز 119).
متى بدأ التسبيح فى الكنيسة المسيحية؟
سبق أن ذكرنا أن الكنيسة المسيحية أخذت نظام التسبيح عن عبادة العهد القديم، سواء العبادة فى الهيكل أو المجمع اليهودى... والرب يسوع نفسه مارس بنفسه هذا التسبيح. فبعد أن أسس سرّ الأفخارستيا عقب أكل عشاء الفصح.
«سبحوا وخرجوا إلى جبل الزيتون» (مت 26: 30).
؛ مرقس 14: 26).
وعقب تأسيس الكنيسة المسيحية مباشرة فى يوم الخمسين، كان التسبيح جزء هاماً فى عبادة المؤمنين الجُدد...
«كانوا كل يوم يواظبون فى الهيكل بنفس واحدة. وإذ هم يكسرون الخبز فى البيوت، كانوا يتناولون الطعام بابتهاج وبساطة قلب مسبحين الله» (أع 2: 46).
، 47)... وعلى نحو ما ذكرنا فإن الرسولين بولس وسيلا بينما كانا مسجونين فى السجن بمدينة فيلبى كانا نحو نصف الليل.
«يصليان ويسبحان الله، والمسجونين يسمعونهما» (أع 16: 25)).
وإلى جانب ما ذكرناه قبلاً عما كتبه بولس الرسول إلى المؤمنين حاثاً إياهم على التسبيح (كو 3: 16؛ أف 5: 19)، يقول فى رسالته إلى العبرانين.
«فلنقدم به (المسيح) فى كل حين لله ذبيحة التسبيح، أى ثمر شفاه معترفة باسمه» (عب 13: 15)).
.. بل إن يوحنا الرسول يوضح لنا مكانة التسبيح فى العالم العتيد، وإنه هو عمل القديسين المنتصرين فى السماء، حينما يقول « وخرج من العرش صوت قائلاً سبحوا لإلهنا يا جميع عبيده الخائفيه الصغار والكبار» (رؤ 19: 5).
التسبيح هو عمل الكنيسة كأفراد وكجماعة:
ربما يظن البعض أن التسبحة (الأبصلمودية) هى عمل الكنيسة لارتباطه بطقوس العبادة فيها، وذلك بالنظر لما هو حادث الآن على مستوى الواقع. لكن هذه فكرة خاطئة تماماً. فالمؤمنون كأفراد مطالبون بالتسبيح كجزء مكمّل لعمل الصلاة. فلقد كانت الكنيسة منذ تأسيسها – بمفهومها كمؤمنين – يسبحون جميعاً على نحو ما ذكرنا... بل إن صلوات السواعى كانت نوعاً من التسبيح باللغات غير العربية... هذا فضلاً عما جاء فى سفر المزامير... يقول المرتل:
«لك ينبغى التسبيح يا الله فى صهيون. ولك توفى النذور. يا سامع الصلاة إليك يأتى كل بشر» (مز 65: 1).
، 2).
«طوبى للساكنين فى بيتك. أبداً يسبحونك» (مز 84: 4)).
.. ويقول داود النبى «سبع مرات فى النهار سبحتك على أحكام عدلك» (مز119)... «اسبع الرب المسحن إلىّ، وارتل لاسم الرب العالى»... «يا رب افتح شفتى فيخبر فمى بتسبيحك»... «تحيا نفسى وتسبحك واحكامك تعيننى» (مز 119)... «سبحى يا نفسى الرب. اسبح الرب فى حياتى، وارتل لإلهى ما دمت حياً»... ثم يختم سفر المزامير كله بالمزمور (150) الذى يقول فيه المرتل «كل نسمة فلتسبح اسم الرب إلهنا» (مز 150)... لنلاحظ كلام المرتل الذى قاله بالروح القدس «كل نسمة» أى كل إنسان مؤمن.
سموّ التسبيح ونفعه:
حينما تقترن كلمات الصلاة بالنغم واللحن الذى يتناسب معها ومع مناسبتها، فإنها تصل بمرتلها أو مرتليها إلى اسمى الدرجات الروحية، خاصة إذا كانت الكلمات منظومة وموزونة ولها انسجام اللفظ... إنها فى هذه الحالة تقدم وتُقبل كذبيحة إلهية...
يقول يوستينوس الشهيد نحو منتصف القرن الثانى فى حواره مع تريفو اليهودى «إنى اعتبر الصلوات وتقديم الحمد حينما تقدم من اشخاص معتبرين، إنها وحدها الذبائح الكاملة والمقبولة لدى الله»... ويقول القديس هيبوليتس عن سفر المزامير «إنه الكتاب الثانى بعد أسفار موسى. لأنه بعد موت موسى ويشوع والقضاة، قام داود وهو الإنسان الذى أتى المسيح من نسله حسب الجسد. إنه أول من اعطى اليهود تسابيح بطريقة جديدة، اطاح بها الفرائض التى أقامها موسى بخصوص الذبائح. فأقام بذلك نظاماً جديداً لعبادة الله بالتسابيح والتهاليل وأمور أخرى كثيرة تفوق ناموس موسى... وهذا هو علة تفّوق سفر المزامير فى القداسة والمنفعة»... ولا عجل فى هذا الكلام. فداود نفسه يعتبر التسبيح ذبيحة حقيقية... يقول.
«طفت وذبحت فى مسكنه ذبيحة التهليل» (مز 27: 6)).
..
«حللت قيودى فلك اذبح. ذبيحة التسبيح» (مز 116: 16).
، 17)...
«ليكن رفع يدىّ كذبيحة مسائية» (مز 141: 2)).
.. ويصادق بولس الرسول على هذا المفهوم بقوله عن المسيح.
«فلنقدم به فى كل حين لله ذبيحة التسبيح. أى ثمرة شفاة معترفة باسمه» (عب 13: 15)).
أمثلة للتسابيح فى كنيسينا:
يناجى داود الله ويقول له.
« وانت القدوس الجالس بين تسبيحات اسرائيل» (مزمور 22: 3)).
ونكتفى بمثل واحد على ذلك وهو التسبحة السنوية.
التسبحة السنوية:
تبدأ التسبحة اليومية فى الكنيسة قبيل الفجر، فيما الناس نيام... وكأن المؤمن والكنيسة كجماعة مؤمنين فى حالة سهر، انتظاراً للرب العريس المخلّص، وعلى نحو ما جاء فى مثل العشر عذارى «فى منتصف الليل صار صراخ، هوذا العريس قد أقبل فقمن واخرجن للقائه» (مت 25)...
وتسبق التسبحة صلاة نصف الليل بخدماتها الثلاث تذكاراً لصلوات السيد المسيح الثلاث فى بستان جثسيمانى ليلة آلامه (مت 26: 36 - 44)... وتدور الخدمة الأولى حول انجيل العشر عذارى والسهر الروحى فى انتظار الختن السماوى (مت 25)... والخدمة الثانية حول انجيل المرأة الخاطئة فى بيت سمعان الفريسى، تعبيراً عن الحب الذى يعترف بكل الزلات، والخاطئ الذى يفّرغ مشاعر قلبه التائب أمام سيده كقارورة طيب خالص كثير الثمن زكىّ الشذى والرائحة (لو 7: 36 - 50)... والخدمة الثالثة تدور حول عطية الملكوت لقطيع المسيح الصغير (لوقا 12: 32 - 46)... وبعد الانتهاء من صلوات الثلاث خدمات يقرأ انجيل سمعان الشيخ.
«الآن يا سيد تُطلق عبدك بسلام حسب قولك، لأن عينىّ قد أصرتا خلاصك» (لو 2: 29 - 32)).
.. وهنا تعبّر الكنيسة والمؤمن المصلى عن الشهوة إلى الانطلاق من العالم إلى الله لأن العين قد ابصرت خلاصه.
ثم تبدأ تسبحة نصف الليل بلحن tenqhnoj (قوموا يا بنى النور لنسبّح رب القوات...). وكأن المسيح قد اقبل وظهر، والكنيسة تصرخ بلحن شجىّ لتوقظ ابناءها – ابناء النور... هذه القطعة بلحنها ترتل والظلام باقٍ، لكن ليس ظلام لابناء الله، فهم دائماً ابناء النور «أنتم نور العالم»... ولماذا توقظ الكنيسة ابناءها للقاء رب القوات؟... «لكى ينعم علينا بخلاص نفوسنا»... «عندما نقف أمامك جسدياً انزع من عقولنا نوم الغفلة (مغالبة النعاس الجسدى، والنوم الروحى).
بهذه البداية تبدأ تسبحة نصف الليل، أما تسبحة عشية فتبدأ بلحن nheqnoc throj `cmou `e`psoig (المجد لإلهنا – يا جميع الأمم باركوا الرب، ولتباركه كافة الشعوب، لأن رحمته قد قويت علينا، وحق الرب يدوم إلى الأبد هلليويا. المجد للآب والإبن والروح القدس الآن وكل آوان وإلى دهر الدهور آمين هلليلويا هلليلويا، المجد لإلهنا) ويعجز اللسان ويعوزنا الوقت عن التأمل فى هذه الكلمات وهى عبارة عن المزمور (116 / 117)... إن المرتل ومعه الكنيسة كلها تدعو كل الأمم وكافة الشعوب فى المسكونة كلها أن تسبح الرب وتباركه. لماذا؟... لأن رحمته قد قويت علينا... نعم، رحمته قويت علينا. صارت قوية وأقوى منا، وهى التى جذبتنا إلى محبته، ومازالت تحفظنا فيها. نحن لم نذهب إليه، بل هو الذى آتى إلينا.. نحن فى يده القوية، ولا يستطيع أحد ان يخطفنا من يده (يو 10: 28). «رحمته قد قويت علينا، وحق الرب يدوم إلى الأبد»... وإن كانت رحمته قوية، فحقه يدوم إلى الأبد»... والحق هو المسيح (يو 14: 6)، وهو الذى يحررنا (يو 8: 32)... كل الرحمة والحق هى من خلال الثالوث القدوس الآب والإبن والروح القدس...
● نعود إلى تسبحة نصف الليل...
بعد tenqhnoj يأتى – فى أيام الأسبوع – ماعدا يوم الأحد – ما يعرف باسم الهوس الأول (كلمة هوس \wc كلمة قبطية تعنى تسبيح)، أى التسبيح الأول وهو من الاصحاح الخامس عشر من سفر الخروج. هذه التسبحة قيلت بعد خروج بنى اسرائيل من مصر وعبورهم البحر الأحمر مباشرة... هذه التسبحة بالمفهوم الروحى ترمز إلى تسبحة المفديين فى السماء لانقاذ الله إياهم من العالم وفرعون الروحى أى ابليس... يقول يوحنا فى سفر الرؤيا.
« ورأيت... الغالبين على الوحش وصورته وعلى سمته وعدد إسمه... معهم قيثارات الله. وهم يرتلون ترنيمة موسى عبد الله وترنيمة الخروف، قائلين: وعجيبة هى أعمالك أيها الرب الإله القادر على كل شئ. عادلة وحق هى طرقك يا ملك القديسين. من لا يخافك يا رب ويمجد إسمك لأنك وحدك قدوس. لأن جميع الأمم سيأتون ويسجدون أمامك، لأن احكامك قد أظهرت» (رؤيا 15: 2 - 4)).
معلوم لنا أن قصة عبودية بنى اسرائيل فى مصر، وخروجهم منها بقوة الدم (خروف الفصح)، وعبورهم البحر الأحمر مثال المعمودية (1كو 10: 1، 2). وغربتهم فى البرية مدة اربعين سنة، واطعامهم من المن والسلوى حتى بلوغهم اورشليم الأرضية (مثال اورشليم السمائية)... كل هذه رموز لقصة الخلاص الذى تم فى ملء الزمان بموت المسيح الكفارى على الصليب، وما يتصل به من بركات... ثم يسبح بنو اسرائيل التسبحة السابقة بعد خروجهم من مصر وخلاصهم من العبودية، وعبور البحر الأحمر.
لماذا رتبت الكنيسة التسبيح بهذه التسبحة التى تتصل بخلاص الشعب قديماً من العبودية بالقوة الإلهية وليس بقوتهم الذاتية؟ بهذه التسبحة (الهوس الأول) تعلن الكنيسة ( = مؤمنوها) إنها تحيا من الآن فى إيمان خلاصها الكامل ونصرتها على العالم، كمن عبرت الموت فعلاً. وهى تسبّح وتحمد وتشكر على نصيبها فى المجد، وهى فى طريقها إلى أورشليم السمائية... على إننا يجب ألا ننسى نقطة هامة، وهى أن هذه التسبحة لم يهتف بها الشعب قديماً إلا بعد تحررهم بقوة الدم وعبورهم البحر الأحمر، ويقينهم من خلاص الله العجيب... وهذا ما نفعله الآن وما يجب أن نذكره على الدوام أن خلاصنا مجانى من عمل النعمة الإلهية.
«ليس من أعمال كيلا يفتخر أحد» (أفسس 2: 9)).
لنتأمل فى بعض عبارات جاءت فى هذه التسبحة:
● «فلنسبح للرب لأنه بالمجد قد تمجد».. رمزياً أين ومتى وكيف تمجد! لقد تمجد الرب بالصليب حين دحر الشيطان وأباد سلطانه.
«قولوا بين الأمم أن الرب قد ملك على خشبة» (مز 96: 10).
الترجمة القبطية).
● «الفرس وراكبه طرحهما فى البحر»... هذا الراكب رمز للشيطان وأعوانه واندحارهم فى مياه المعمودية (التى ترمز إليها مياه البحر الأحمر)... «مدفونين معه فى المعمودية التى فيها أقمتم أيضاً معه بإيمان عمل الله الذى أقامه من الأموات... إذ محا الصك الذى علينا فى الفرائض الذى كان ضداً لنا. وقد رفعه من الوسط مسمّراً إياه بالصليب. إذ جرّد الرياسات والسلاطين، أشهرهم جهاراً ظافراً بهم فيه» (كولوسى 2: 12 - 15).
● «قال العدو إنى اسرع فادرك واقسم الغنائم واشبع نفسى واقتل بسيفى ويدى تتسلط»... هذا منطق الشيطان. أما عمل الله فهو دائماً فى هدوء وبدون غرور «ارسلت روحك فغطاهم البحر وغطسوا إلى اسفل كالرصاص فى مياه كثيرة... تمّد يمينك فتبتلعهم الأرض»... والمسيح مد يديه على الصليب وقهر ابليس.
«صليب ربنا يسوع الذى به قد صُلب العالم لى وأنا للعالم» (غل 6: 14)).
●.
«من يشبهك فى الآلهة يا رب من يشبهك. ممجدّاً فى قديسيك، متعجباً منك بالمجد. صانعا عجائب... أليس هذا هو عين ما يحدث حتى الآن من ذاك الذى هو أمس واليوم وإلى الأبد. ليس عنده تغيير ولا ظل دوران» (يع 1: 17)).
● «يسمع الشعوب فيرتعدون... حتى يعبر شعبك يا رب، حتى يعبر شعبك الذى اقتنيته»... «موسى يكرر عبارة (يعبر شعبك) مرتين، وذلك اشارة إلى العبور الثانى إلى السماء، الذى كان العبور الأول رمزاً له. وقد ذكرها موسى هنا لارتباطها بالفداء.
+ بعد الهوس الأول يأتى الهوس الثانى وهو المزمور 135 (136 فى الطبعة البيروتية). ثم يأتى الهوس الثالث وهو تسبيح لله من جميع خلائقه... ثم مديح الثلاثة فتية الذين ألقاهم نبوخذنصر ملك بابل فى أتون النار (دانيال 3)... إن الكلدانيين سكان بابل يمثلون الشيطان الذى يشتكى على أولاد الله (رؤيا 12: 10) وحرّضوا الملك ضد الفتية الثلاثة. غرور الملك نبوخذنصر عجيب حين يقول للثلاثة فتية «من هو الإله الذى ينقذكم من يدىّ».. أما الثلاثة فتية فقد أجابوا الملك فى أدب وهدوء «يا نبوخذنصر لا يلزمنا أن نجيبك عن هذا الأمر. هوذا يوجد إلهنا الذى نعبده يستطيع أن ينجينا من أتون النار المتقدة. وأن ينقذنا من يدك أيها الملك. وإلا فليكن معلوماً لك أيها الملك، إننا لا نعبد آلهتك ولا نسجد لتمثال الذهب الذى نصبته»... أما النتيجة فمعروفة أن نار الآتون الذى حُمّى سبعة أضعاف صارت برداً وسلاماً عليهم. وشوهد مع الفتية الثلاثة فى الأتون رابع شبيه بابن الآلهة...!!
هذه التسبحة مشجعة لنا نحو الذين نجاهد فى العالم... إنها تذكرنا بكل مواعيد الله الحلوة لنا نحن المؤمنين... يكفى أن نتذكر كلمات بطرس الرسول.
«من يؤذيكم إن كنتم متمثلين بالخير. ولكن وإن تألمتم من أجل البر فطوباكم. وأما خوفهم فلا تخافوه ولا تضطربوا. بل قدّسوا الرب الإله فى قلوبكم، مستعدين دائماً لمجاوبة كل من يسألكم عن سبب الرجاء الذى فيكم بوداعة وخوف» (1بط 3: 13 - 15)).
..
«فى العالم سيكون لكم ضيق. ولكن ثقوا أنا قد غلبت العالم» (يوحنا 16: 33)).
● بعد ذلك يُرتل الهوس الرابع وهو مزامير 148، 149، 150 وقد سبقت الإشارة إليه. ثم ابصالية اليوم (ابصالية تعنى ترتيل). وبعدها ثيؤطوكية اليوم (الكلمة تعنى تمجيد والدة الإله)... ويتخلل ذلك مجمع القديسين والذكصولوجيات الخاصة ببعض القديسين (ذكصولوجية تعنى تمجيد بركة).
إن ذكر القديسين فى مجمع التسبحة وكذا الذكصولوجيات تتضمن معنى عميقاً... إنها تؤكد مفهوم الخلود فى العالم الآخر، والشفاعة، والصلة القائمة على مستوى الواقع بين المؤمنين بالمسيح سواء كانوا قد انتقلوا وخلعوا الجسد أو كانوا مازالوا متغربين فى الجسد فى العالم...
والحق إنه يعوزنا الوقت جداً إن تناولنا كل شئ فى التسبحة بالشرح والتأمل. ونكتفى بمجرد الاشارات التى ذكرناها.
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.