طقوس القدّاس الإلهى

طقوس القدّاس الإلهى

● مدخل لطقوس الإفخارستيا.

● تأمل فى موكب المعمدين الجدد.

● الاشكال الرمزية للافخارستيا فى العهد القديم.

تقدمة ملكى صادق + المن.

+ خروف الفصح + مزمور الراعى.

+ نشيد الأناشيد.

القداس الإلهى هو مجموع الصلوات التى رتّبتها الكنيسة لتقديس سر الافخارستيا – الخبز والخمر البسطين – ليصيرا جسد الرب ودمه الأقدسين... ومنذ بدء المسيحية احتل تقديس الافخارستيا مركز الصدارة فى العبادة المسيحية. وغدا هذا السّ الذى أسسّه ربنا يسوع المسيح قلب العبادة المسيحية والحياة المسيحية ذاتها.

فى سرّ المعمودية الذى هو سرّ الاستنارة، يربطنا المسيح بنفسه، ويسمح لنا أن نشاركه علاقته بالآب، فندعوه أبانا بنوالنا روح التبنىّ... وهكذا يستنير إنساننا الداخلى، ليتعرفّ على الله، على مستوى جديد لا تقدر خليقة أن تبلغه... وفى سر الأفخارستيا، الذى هو سرّ الاتحاد بالله، يحمل ابن الله – رئيس كهنة الخيرات العتيدة (عب 9: 11) – كنيسته فيه سريّاً، مقدماً معرفة حقّة لله أبيه، وعبادة فريدة جديدة سلمّها لكنيسته...

«ليس أحد يعرف الابن إلا الآب، ولا أحد يعرف الآب إلا الابن، ومن أراد الإبن أن يُعلن له» (مت 11: 27).

؛ لو 10: 22).

وإلى اليوم ليس لدى الكنيسة ما تقدّمه لله الآب سوى ما قدمّه له ابنه الوحيد الجنس، حينما قّدم ذاته نيابة عن البشرية كلها...

«فعل هذا مرة واحدة إذ قدّم نفسه» (عبرانيين 7: 27)).

.. أصعد ذاته ذبيحة مقبولة على خشبة الصليب عن خلاص جنسنا، فاشتّمه أبوه الصالح وقت المساء على الجلجثة (سرّ بخور عشية).

لذلك فإن صلوات القداس الإلهى الذى يقام من أجل تقديس سرّ الأفخارستيا إنما تمثل ذروة كل عمل تعبّدى، لأنه عمل المسيح ذاته. من أجل ذلك تعتّز به الكنيسة. إنه استمرار دائم لذبيحة الصليب. إنه عمل المسيح نفسه، الذى قدّمه ويقدّمه للآب باسمها... وبعدما أسس الرب هذا السر وسلمّه لكنيسته، ناجى آباه السماوى قائلاً.

«هذه هى الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقى وحدك، ويسوع المسيح الذى ارسلته» (يوحنا 17: 3)).

.. معنى هذا الكلام أن بلوغنا الحياة الأبدية تتم من خلال استنارتنا بالمعرفة، لنعرف الثالوث القدوس.

وإن كان الكتاب المقدس يقدم لنا المعرفة عن الله وتدبيره الخلاصى، فإن سرّ الافخارستيا يحدثنا عن الله حديثاً عملياً من خلال المصالحة التى تمت مع الآب بابنه الذى مات عنا... وبعبارة أخرى، نحن فى سرّ الأفخارستيا ندخل إلى معرفة جديدة، ونتدّرب على تقديم عبادة جديدة، أساسها ليس روح العبودية والخوف، بل روح التبنى (رو 8: 15).

الكنيسة كجسد المسيح – بهذا المفهوم – تدخل بدورها، وتتمم ما قد صنعه مرة لأجلها لأنها واحدة معه. فتقدم لله الآب – فى القداس الإلهى – ما قدمه إبنه الوحيد الجنس... يقول القديس ايريناوس (القرن الثانى) فى كتابه ضد الهرطقات «إذ نحن نقدّم ما له، نُعلن على الدوام تبعيتنا واتحادنا بالجسد والروح»... لا يمكن فصل المسيح عن كنيسته التى هى جسده (افسس 1: 23؛ 5: 30) إنهما واحد، لهما رسالة واحدة، وعناية واحدة. يقول القديس اغسطينوس «عندما كان السيد المسيح على الأرض منظوراً، كانت الكنيسة مختفية فيه، يفعل كل شئ لحسابها. والآن صعد إلى السماء، وصار هو مختفياً فى كنيسته، فتعمل هى كل شئ باسمه ولحسابه.

مدخل لطقوس الأفخارستيا:

فى اجراءات الانضمام المسيحى، التى كانت تتم ليلة عيد الفصح – والتى تكلمنا عنها فى الموضوع الماضى – كانت المعمودية والتثبيت والافخارستيا تشكّل وحدة متكاملة، بها يتم تقديم الشخص المسيحى الجديد إلى الكنيسة. ثم أن الدروس التى تُلقى لتفسّر للمسيحيين الجُدد الأسرار التى قبلوها، فإن هذه الأسرار كانت تقدم بترتيبها الواحد تلو الآخر. كانت ليتورجية الأفخارستيا فى القرون الأولى – ومنذ العصر الرسولى – تمثل مركز حياة الكنيسة، لكنها – كما سبق أن ذكرنا – كانت قاصرة على المؤمنين. أما غير المؤمنين من الموعوظين الذين كانوا فى فترة الاعداد، فكانت الكنيسة تُعلن لهم أخبار الخلاص المفرحة، وتُحّدثهم عن الإله الحقيقى والرب يسوع المسيح الفادى والمخلص.

كان سرّ الافخارستيا – ليلة عيد الفصح، فى تلك الفترة المبكّرة من تاريخ الكنيسة – يبدأ بالموكب الذى يقود المعمّدين الجُدد من حجرة المعمودية إلى الكنيسة، حيث يكون قد تم الاستعداد لتقديم القرابين. معنى ذلك أن الجزء الخاص بما هو قبل القداس (رفع بخور باكر)، بما يشمل على صلوات وقراءات يكون قد أسْدل عليه الستار.

وثمة ملاحظة يجب لفت النظر إليها، وهى إننا إذا امعنّا النظر فى الدروس الافخارستية الرئيسية، نجد أن هناك اتجاهين رئيسيين يتكرران باستمرار فى تفسير المغزى الأولى للسرّ، وهو أن القداس اعلان سرائرى لذبيحة الصليب، وأنه مشاركة سرائرية فى الليتورجيا السمائية... هذان الاتجاهان يتخلّلان ليتورجياً الأفخارستيا بأكملها، وهما واضحان فى المقام الأول، فى ارتباطهما بلبّ وجوهر تلك الليتورجيا، ألا وهى صلاة التقديس. غير أن نفس هذين الاتجاهين يسيطران على تفسير الطقوس المتنوعة لليتورجيا منذ بدايتها.

هذان الاتجاهان الفكريان لذبيحة الصليب والذبيحة السمائية يبرزان منذ بدء الاحتفال الأفخارستى. فإنه بعد المعمودية يرتدى المسيحيون الجّدد الثياب البيضاء ويحملون شموعاً فى أيديهم، وهم ينتظمون فى موكب، متوجهّين فى ليلة الفصح من المعمودية إلى الكنيسة، حيث يشتركون لأول مرة فى سرّ الأفخارستيا... يقول القديس امبروسيوس «إن الناس الذين تطهّروا، واغتنوا بالمواهب العجيبة (فى المعمودية والتثبيت)، يبدأون فى المسير فى موكب نحو المذبح قائلين: أدخل إلى مذبح الله، إلى الله الذى ابهج شبابى. إنهم بعد أن نزعوا عن أنفسهم آخر أثار الخطية القديمة، وتجددوا فى شبابهم كالنسور، يسارعون إلى المأدبة السماوية، فيدخلون ثم انهم إذ يرون المذبح المقدس قد تهيأ، يصرخون: هيأت قدامى مائدة».

هذا الموكب الول له جانبان: الموكب ذاته، والدخول إلى الكنيسة... فيما يتعلق بالموكب فهناك تأمل خاص به، فى اقتباس من المزمور 42 (43) (احكم لى يا رب وانتقم لمظلمتى...)... أما عن الثانى، فهو يشغل مركزاً ممتازاً فى ليتورجيا المتقدمين للانضمام للمسيحية، وهو اقتباس من المزمور 22 (23): «الرب راعّى فلا يعوزنى شئ... »، وسيأتى الكلام عنه بالتفصيل. لكن ما ينبغى أن نلاحظه هو أن الأفخارستيا تظهر منذ البداية على أنها المأدبة السمائية. الافخارستيا هى الدخول إلى المقادس السماوية، الذى يُرمز إليه بالدخول إلى الكنيسة الأرضية.

تأمل فى موكب دخول المعمدين:

القديس غريغوريوس النزينزى يقول عما يرمز إليه هذا الموكب وهو يتأمل فى مثل العذارى والحكيمات... «إن وضعك المباشر بعد المعمودية، وأمام العرش العظيم، هو رمز للمجد الأسمى. إن انشاد المزامير الذى يستقبلونكم به، هو المقدمة لترانيم السماء. والشموع التى تحملونها فى أيديكم، هى بمثابة السرّ Mysterion لموكب النور فى الأعالى. وهى التى سوف نأخذها معنا لملاقاة العريس. وتكون ارواحنا مستنيرة وعذراوية، وهى تحمل مصابيح الإيمان المشتعلة»... إن كافة تفاصيل الطقس والمزامير والموكب والمصابيح تُفسَّر فى علاقتها بالليتورجيا السمائية. وحسبما يراه القديس غريغوريوس النزينزى، تنفتح ليلة الفصح على الأبدية. ولقد بدأ المعمدّون للدخول فيها. أما الحدود الفاصلة بين العالم الأرضى والسماوى، فلقد تبددّت وتلاشت. إن المعمدين اصبحوا يختلطون بالملائكة.

بعد الدخول إلى الهيكل، يبدأ هؤلاء المعمّدون الجُدد، ولأول مرة، يتأملون فى الأسرار الخفيّة... وهنا يبدأ جزء ثان من الليتورجيا، وهو استعداد الشمامسة لتقديم القرابين على المذبح. هذا هو المنظر الذى يراه المعمّدون الجُدد. ويمكننا هنا أن نمّيز بين ثلاثة عناصر: المذبح، والشمامسة، والاستعداد. وكلها رموز لحقائق سماوية. فالمذبح هو رمز لجسد المسيح الموضوع عليه (المذبح) [هذا رأى القديسين امبروسيوس وكيرلس الأسكندرى... المسيح هو المذبح]، وهو الكاهن [هذا التعبير مصدره العلامة اوريجينوس]... أما الشمامسة فيرمزون إلى الملائكة (هكذا يقول كل من ديديموس الضرير مدير الكلية اللاهوتية بالاسكندرية، وتيودور الموبسيستى من الكنيسة السريانية الأنطاكية)... وفكرة حضور الملائكة فى الليتورجيا الأفخارستية كثيراً ما يشير إليها كتاّب القرن الرابع المسيحى، ويقولون إن الملائكة يحيطون بالكاهن. الهيكل كله والمكان الذى يحيط بالمذبح ملئ بالقوات السمائية، لتكريم ذاك (الله) الحاضر على المذبح على نحو ما يقول القديس يوحنا ذهبى الفم... هذا يُبرز فكرة أن الذبيحة الأفخارستية هى مشاركة سرائرية فى الذبيحة السمائية الوحيدة...

نتوقف الآن عن الاسترسال فى الكلام عن طقوس القداس الإلهى لنتكلم عن الأشكال الرمزية للأفخارستيا فى العهد القديم...

الأشكال الرمزية للافخارستيا فى العهد القديم

تحتلذ الافخارستيا مركزاً اساسياً فى استمرار الصلة السرائرية بين العهد القديم والعهد الجديد... وكل آباء الكنيسة وعلمائها شرقاً وغرباً، لهم اتجاه عام واحد فى اعتبار الأفخارستيا عملاً استمرارياً وسرياً لذكرى ذبائح بعض ابرار العهد القديم كذبيحة هابيل الصديق، وتقدمة ملكى صادق، وذبيحة ابراهيم لاسحق إبنه... وهذا ما يقول الكاهن فى كنيستنا القبطية فى سرّ بخور باكر... «يا الله الذى قبل إليه قرابين هابيل الصديق، وذبيحة نوح وابراهيم، وبخور هارون وزكريا، اقبل إليك هذا البخور من ايدينا نحن الخطاة رائحة بخور، غفراناً لخطايانا مع بقية شعبك، لأنه مبارك ومملوء مجداً اسمك القدوس أيها الآب والابن والروح القدس... ». لكن الأمر لا تقتصر على من ذكرت اسماؤهم اعلاه. لكن العلاقة بين سرّ الافخارستيا والعهد القديم، تأخذ صورة أوضح من جهة المادة السرائرية، كما نرى فى تقدمة ملكى صادق، ونزول المّن من السماء كخبز سمائى، وخروف الفصح... إلخ.

وكمثال لارتباط الجديد بالقديم، ما جاء بالكتاب الثامن من قوانين الرسل Apostolical Constitutions، حيث يذكر أن كبير الكهنة يقدّم الشكر لله، لأنه خلق العالم، وخلق الإنسان ووضعه فى الفردوس. ومن أجل ذبيحة هابيل وقبولها، ونقل اخنوخ إلى السماء، وخلاص نوح، والعهد مع ابراهيم، وذبيحة ملكى صادق، والخلاص من مصر... وتستمر الصلاة بتذكار أعمال الله العظيمة فى العهد الجديد، وكذلك اسرار المسيح... مثل هذا الصلاة تبيّن لنا الأستمرارية بين العهد القديم وبين العهد الجديد والأسرار. وهى بهذا تدعونا أن نُمعن النظر فى العهد القديم، لكى نرى فيه الأشكال الرمزية المسبقة التى للعهد الجديد والأسرار... إذن القداس يُنظر إليه على أنه الاستمرار فى الزمان الحاضر للأعمال الكهنوتية لكلا العهدين... والآن نستعرض بعض هذه الأشكال الرمزية...

تقدمة ملكيصادق:

كان الخبز والخمر اللذين قدمهما ملكيصادق، يعتبران منذ أمد بعيد جداً شكلاً رمزياً للافخارستيا. ولقد سبق أن تكلّم كليمنضس الأسكندرى عن ملكيصادق الذى قدّم خبزاً وخمراً، وعن الطعام المقدس كشكل رمزى ومثال Typos للأفخارستيا (المتنوعات 25)... ويضيف القديس كبريانوس إلى هذه الفكرة – فى خطاب له يهاجم الهراطقة الذين رفضوا استخدام الخمر فى الافخارستيا – معدّداً النصوص الرئيسية فى العهد القديم حيث قدَّم الخمر كشكل رمزى للأفخارستيا ومن بين هذه النصوص واهمها كلها ما يختص بملكيصادق... يقول «إننا نرى فى ملكيصادق الكاهن، سرّ لذبيحة الرب، مرموزاً إليها سابقاً بحسب شهادة الكتاب المقدس.. لقد قدم ملكيصادق ملك ساليم خبزاً وخمراً... ويدلّل كبريانوس على أن مليكصادق هو الرمز والمثال للمسيح، مؤسساً مقولته على المزمور (109: 4) «أنت هو الكاهن إلى الأبد على رتبة ملكيصادق»... إذن فكما أن ملكيصادق هو رمز للمسيح، كذلك تقدمته هى الرمز لقربان المسيح. وكما يلاحظ كبريانوس، أنها ليست فقط بمثابة رمز لذبيحة المسيح، بل لسرّ الذبيحة ومطابقة تقدمة الخبز والخمر، تؤكد هنا العلاقة...

هذا الشكل الرمزى لملكيصادق يعتبر جزءً من التعليم المألوف. ويرجع إليه القديس امبروسيوس كثيراً، ويقول «إننا نذكر بأن الشكل الرمزى لهذه الأسرار قد أتى قبل زمن ابراهيم، حيث قدم ملكيصادق خبزاً وخمراً». ويخلص امبروسيوس من ذلك إلى اسبقية الذبيحة المسيحية على الموسوية... ثمة ملاحظة هامة، وهى اختيار المسيح نفسه للخبز والخمر كمادة منظورة للافخارستيا كما فى تقدمة ملكى صادق. إن ملكيصادق رمز للمسيح فى شخصه وتقدمته (انظر عبرانيين 7). ويؤكد يوسابيوس القيصرى هذه المعانى مع القديس امبروسيوس. إن ذبيحة مليكيصادق كانت كهنوتاً شاملاً وعاماً، وليس امتيازاً قاصراً على فئة معينة. لم يتم اختيار ملكيصادق من بين الناس، ولم يُمسح بزيت مصنوع بيد إنسان... كما أن العبادة فى العهد القديم كانت محددة فى مكان معين هو هيكل أورشليم. لكن النبى ملاخى يُعلن كصفة مميزّة للملكوت الآتى أن الذبيحة سوف تُقدم فى كل مكان... «لأنه من مشرق الشمس إلى مغربها اسمى عظيم بين الأمم، وفى كل مكان يُقرّب لإسمى بخور وتقدمة طاهرة» (ملاخى 1: 11)... ويرى الآباء فى ذلك رمزاً للافخارستيا ذبيحة الشريعة الجديدة المقدسة فى مكان. ولقد كانت ذبيحة ملكيصادق غير قاصرة على مكان بالذات، إذ كان يمكن تقديمها فى كل مكان... ثم أن الخبز والخمر كما قدمهما ملكيصادق لابراهيم هما بالأكثر ذبيحة روحية، واقرب إلى البساطة الطبيعية عن تلك المجازر المقدسة التى قدمها الناموس اليهودى.

المنّ:

التفسير الافخارستى من أن المنّ رمز للافخارستيا يستند إلى ما جاء فى (يوحنا 6: 31 - 33). قال اليهود للرب يسوع «آباؤنا أكلوا المنّ فى البرّية، كما هو مكتوب أنه اعطاهم خبزاً من السماء ليأكلوا. فقال الرب يسوع الحق أقول لكم ليس موسى أعطاكم الخبز من السماء، بل أبى يعطيكم الخبز الحقيقى من السماء. لأن خبز الله هو النازل من السماء الواهب حياة للعالم»... يقول القديس امبروسيوس بعد أن دلّل بمثال مليكصادق أن الأسرار المسيحية تمتد فى القِدَم عن الديانة اليهودية، فإن الله يوضح بالمنّ إنها أكثر فعالية أيضاً... » لقد كان المنّ معجزة كبرى، ذلك الذى امطره الله على الآباء. لقد كانت السماء تُطعمهم بالطعام اليومى كما هو مكتوب أكل الإنسان خبز الملائكة (مزمور 78: 25). وبالرغم من ذلك؛ فإن الذين أكلوا هذا الخبز ماتوا فى البرية. أما الغذاء الذى تتناولونه، الخبز النازل من السماء، يجلب لكم قدام الحياة الأبدية. إنه جسد المسيح. وكما أن النور أعظم من الظل، والحقيقة أعظم من الرمز، هكذا جسد الخالق أعظم من المن النازل من السماء»... نفس هذا المعنى يؤيده كل من القديسين كبريانوس واغسطينوس.

وقد أضفت الديانة اليهودية على المنّ معنى أخروى اسخاتولوجى. فكما أن الله قد اطعم شعبه بطعام معجزى فى أيام «الخروج» فى القديم، فإنه يعود أيضاً ويصنع هذا فى أيام الخروج الأخروى... هذا المغزى الأخروى للمن يظهر فى العهد الجديد...

«من يغلب فسأعطيه أن يأكل من المنّ المخفى» (رؤيا 2: 17)).

.. لقد وُضع المنّ على نفس المستوى مع شجرة ا لحياة (رؤيا 2: 7)، وذلك على سبيل رمز المشاركة فى البركات السمائية فى العالم الآتى.

ولكن الهدف الواضح للعهد الجديد هو ابراز كيف ان الطعام الأخروى، موجود من الآن فى الكنيسة بواسطة الافخارستيا. وهذا هو تعليم القديس بولس الرسول والقديس يوحنا الانجيلى. فبعد أن قال القديس بولس عن الشعب اليهودى أيام الخروج أنه أكل من الطعام الروحى، فيقول.

« وهذه الأمور حدثت مثالاً لنا» (1كو 10: 6)).

كما أن القديس يوحنا يخبرنا بأن السيد المسيح قال لليهود.

«آباؤكم أكلوا المن فى البرية وماتوا... إن اكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد» (يو 6: 49).

، 51).

إن المنّ كرمز للأفخارستيا إذن يُعتبر – ليس مجرد تقليد مألوف عند الكنيسة – بل هو من صميم تعليم المسيح. أمامنا هنا مستويان للمثال المستعلن بالمسيح، والمثال السرائرى. وثمة أمر آخر وهو أن تيودور الموبسيستى والقديس يوحنا ذهبى الفم ربطا بين صخرة حوريب والمنّ كرمز للافخارستيا على أساس أن المنّ رمز للخبز، والماء من الصخرة رمز للخمر. وهذا يصّور تقليداً يرجع بأصوله للقديس بولس (1كو 10: 4).

وهناك أصل آخر يربط بين صخرة حوريب والمعمودية، وهذا يرجع بأصوله إلى القديس يوحنا. وإن كان كبريانوس يرفض أن يرى فى الماء النابع من الصخرة رمز للخمر الأخارستى. لكن على أية حال، فإن التقليد الأفخارستى لصخرة حوريب مشهود له تماماً خاصة عند آباء كنيسة انطاكية، وكذلك فى التقليد الغربى عند القديس امبورسيوس والقديس اغسطينوس مقتفين منهج القديس بولس الرسول فيما قال.

« وجميعهم شربوا شراباً واحداً روحياً، لأنهم كانوا يشربون من صخرة روحية تابعتهم، والصخرة كانت المسيح» (1كو 10: 4)).

والقديس كبريانوس فى رسالته إلى سيسليوس Cecilius، حيث يقدّم فيها رموز العناصر الأفخارستية فى العهد القديم، يضيف إلى واقعة ملكيصادق، أن مائدة الحكمة (أم 9: 5) «بواسطة سليمان أيضاً يرينا (الروح) رمز ذبيحة الرب فى الاشارة إلى ذبيحة القربان التى للخبز والخمر وأيضاً للمذبح: الحكمة كما يقول بنت بيتها ودعمّته بأعمدة سبعة. لقد ذبحت ذبحها، ومزجت ماءً وخمراً فى الكأس، وأعدت المائدة. ثم إنها ترسل العبيد وبصوت عالٍ، وتدعو المدعوين ليأتوا فيشربوا من كأسها قائلة: هلّموا، كلوا خبزى واشربوا الخمر التى مزجتها لكم. إن سليمان يتحدث عن الخمر الممزوج. أى أنه يعلن نبوياً عن كأس الرب الممزوجة بالخمر والماء».

خروف الفصح:

خروف الفصح الذى ذُبح ليلة خروف بنى اسرائيل من أرض مصر، ولطّخوا بدمه القائمتين والعتبة العليا من أبواب بيوتهم، كان رمزاً واضحاً للمسيح (خروج 11: 12؛ 1كو 5: 7)... وقد مات السيد المسيح على الصليب فوق الجلجثة وقت ذبح خروف الفصح، الذى غدا عند اليهود شريعة دائمة... والأفخارستيا جسد الرب ودمه هى امتداد لذبيحة الصليب.

إن أول نص نجد فيه اشارة واضحة للافخارستيا فى هذا الخصوص، هو ما جاء بالموعظة الفصحية لهيبوليتس (أوائل القرن الثالث)... يقول «سوف تأكلون فى بيت: هناك مجمع واحد، ومنزل واحد، وكنيسة واحدة، حيث يؤكل جسد المسيح المقدس»... هذا التفسير عن البيت حيث يؤكل الفصح، كرمز لوحدة الكنيسة قديم جداً. ولعل هذه الاشارة عن الكنيسة هى التى قادت هيبوليتس إلى اعتبار رمزية الوليمة الفصحية، على أنها رمز للأفخارستيا. ولكى نشترك فيها حقاً، ينبغى أن يكون الإنسان «فى البيت» أى فى الكنيسة. إنها إذن فكرة الأفخارستيا، كسر الوحدة الذى سبق الرمزية فى الوليمة الفصحية.

لكننا نجد عند كيرلس الأسكندرى تطوراً كاملاً للرمزية الأفخارستية للوليمة الفصحية. إنه يفسر وصية أكل الفصح عند المساء بأنها تعنى حقيقة أن السر الأفخارستى محفوظ لهذه الحياة الحاضر... ويتحدث النصّ عن اللحم أنه ينبغى أن يؤكل فى الليل، أى فى العالم الحاضر. لأن هذا ما قاله بولس الرسول «قد تناهى الليل واقترب النهار». وهو يقصد بالنهار العصر القادم، حيث يكون المسيح هو نوره. ثم يمضى النص فيذكر أن الطعام ينبغى أن يؤكل فى هذا العالم. وحقاً فإنه طالما نحن فى هذا العالم، فإنه بواسطة الجسد المقدس والدم الكريم، إننا نشترك فى المسيح بطريقة مازالت غير كاملة حينما نأتى إلى قوته وسلطانه، واتينا إلى بهاء قديسيه، سوف نتقّدس بطريقة أخرى معلومة عند الذى يوزع البركات الآتية».

على أن الوليمة الفصحية، التى كان يحتفل بها الشعب فى أثناء الليل، وقبل نهار تحريرهم، كانت رمزاً للافخارستيا، من حيث أنها كانت شكلاً من أشكال الشركة مع المسيح فى هذه الحياة الحاضرة، كما أنها رمز لوليمة الدهر الآتى. ويربط القديس كيرلس أيضاً خواص الافخارستيا بالعلاقة بين خروف الفصح وموت المسيح» إن الشركة فى الجسد المقدس والشرب من الدم المنقذ، يحوى الاعتراف بآلامه، والموت عنا، الذى قُدّم من أجلنا بالمسيح، مثلما قاله هو بنفسه فى خلال تأسيسه للقوانين التى استّنها للسر: كل مرة تأكلون من هذا الخبز وتشربون من هذه الكأس تبشرون بموت الرب. إنه فى العالم الحاضر إذن، وبالمشاركة فى هذه الحقائق، نُبشر بموته. ولكن حينما نكون فى مجد الآب، فلن يكون هذا وقت الاعتراف بآلامه، وإنما للتأمل فيه تأملاً خالصاً كإله وجهاً لوجه».

وهكذا فإننا نرى الجانب الذى ننظر من خلاله المائدة الفصحية إلى الافخارستيا... إن ما تتميّز به هذه الوليمة هو أكل الخروف المذبوح. كما أن الحَمَل المذبوح هو رمز للمسيح فى آلامه، كما يعلمنا القديس يوحنا (يو 19: 36). ونتيجة لهذا، بصفتها وليمه فصحية، فإن الافخارستيا هى سرّ المسيح الممات. إنها تذكار الصليب والآلام. وهذا بالضبط معنى النص الذى ورد فى (1كو 11: 26)، والذى اقتبسه القديس كيرلس الأسكندرى... بل ويمكننا أن نسأل أنفسنا ما إذا كان هذا النص ليست فيه اشارة إلى المسيح فى الإطار الفصحى، الذى يتصل بتاسيس الأفخارستيا. كما أنه أيضاً نظراً لوجود أصداء فصحية عديدة فى الرسالة الأولى لأهل كورنثوس... إننا نرى الأهمية اللاهوتية للفكرة الافخارستية لخروف الفصح، وكيف أنها تبدأ فى الظهور رويداً رويداً.

نحن نرى خصائص المثالية الافخارستية للوليمة الفصحية... فاولاً نراها مؤسسة على العهد الجديد نفسه من خلال الحقيقة أن المسيح أسس الأفخارستيا فى نطاق الوليمة الفصحية... إن الرمز لا يهتم بالعناصر، وهى التى تختلف. فهى من ناحية خبز وخمر، ومن ناحية خروف، وإنما هو يهتم بالوليمة نفسها. إن الوليمة نفسها حتى فى الديانة اليهودية هى «سرّ الخلاص»، ولكن هذا السرّ كان رمزياً... فى الأفخارستيا نجد أن الحقيقة التى سبق الرمز إليها بالخروف قد صارت منذ الآن موجودة تحت اعراض الخبز والخمر... والافخارستيا ينظر إليها الآن على أنها أكل الخروف الحقيقى. كما أنها علاقتها بالوليمة الفصحية يربطها بكل الرموز التى لخروف الفصح.

إن هذا هو الطابع الثانى لهذا المثال الرمزى Typology... فهو يوضح جانباً فى غاية الأهمية للافخارستيا، ألا وهو علاقته بآلام المسيح وصلبه. إن خروف الفصح هو فى الحقيقة رمز للآلام والصلب، طبقاً للعهد الجديد. وبقدر ما كان الرمز إليه بخروف الفصح، وبقدر ما كان يُنظر إليه فى اطار فصحى، فإن الأفخارستيا يُنظر إليها على أنها سرّ الآلام والصلب. وهذا ما رآه القديس كيرلس الأسكندرى بوضوح... إنه تذكار الآلام بل وأكثر من ذلك. فهو الاشتاك فى سرّ موت المسيح وقيامته... إن خروف الفصح كان سرّ العهد القديم، الذى يعيد إلى الذاكرة حرية اختيار الله لشعب اسرائيل [المعنى للاحتفال الفصحى، كان بقصد أن يجعل من العهد حقيقة حيّة كل سنة، وهو الذى تأسس بمقتضى النعمة الإلهية بين يهوه واسرائيل]... وإن الأفخارستيا إذن هى «دم العهد الجديد، المُهرق لمغفرة الخطايا، ليس لشعب اليهود فحسب، وإنما لشعب غفير»، إنه سرّ العهد، الذى تمّ مع البشرية بالمسيح على الصليب.

ومن ضمن التوجيهات المصاحبة للوليمة الفصحية، تلك التعليمات المتعلقة بالفطير (الخبز غير المختمر)، الذى كان يُؤكل مع الخروف... إن هذا الفطير يرد ذكره فى موضعين من سفر الخروج فيما يتصل بالفصح: فهو جزء من الوليمة الفصحية. وكطعام للشعب خلال السبعة أيام التالية... وللفطير أهمية خاصة فى الرمزية الفصحية – فلقد كان له تفسير رمزى فى العهد الجديد. فهى الرسالة الأولى لأهل كورنثوس، التى فيها اشارات إلى الفصح، يكتب القديس بولس.

«ألستم تعلمون أن خميرة صغيرة تخمر العجين كله. إذاً نقّوا منكم الخميرة العتيقة لكى تكونوا عجيناً جديداً، كما أنتم فطير. لأن فصحنا المسيح قد ذُبح لأجلنا. إذاً لنعيّد – ليس بخميرة عتيقة، ولا بخميرة الشرّ والخبث، بل بفطير الاخلاص والحق» (1كو 5: 7).

، 8).

إن القديس بولس يستمد رمزيته من حقيقة أن الفطير كان خبزاً لا خمير فيه، وان الخمير يُصنع من عجينة مختمرة سابقة، وأما الفطير فهو خبز جديد مصنوع من دقيق من المحصول الجديد، ليس فيه خمير بعد. فهو لهذا رمز لجدّة الحياة. وكونه يؤكل بعد الفصح، فإن الفضير يرمز إلى حقيقة، وهى أنه بعد ذبيحة المسيح، التى اشترك فيها جميع المسيحيين بالمعمودية، فإنهم ماتوا للحياة القديمة، ويحيون بالجديدة. ويلزمنا أن نلاحظ أن هذه السبعة أيام ترتبط باسبوع البصخة الذى كان يلى العماد، وأنه فى أثناء هذا الأسبوع، كان الثوب الذى يرتديه المعمّدون، يرمز إلى جدّة الحياة التى دخلوا فيها.

إن رمزية القديس بولس هذه، كانت بمثابة توجيهاً لما طرأ بعد ذلك من تطورات... فإن الفطير لا يظهر بعد ذلك أبداً على أنه رمز للافخارستيا فى حقيقة الأمر، ولكنه يتصل برمزية الانضمام للمؤمنين الجدد، بقدر ما هم يمثلون الاستعداد للانضمام الجديد. فهو إذن رمز للزمن الذى يلى فترة الانضمام بالمعمودية، أو بصفة عامة للحياة المسيحية. وينبغى أن نلاحظ أن الفطير كرمز إلى الحياة النقية يُعتبر سابقاً على المسيحية. وها هو فيلو Philo الفيلسوف اليهودى الأسكندرى الشهير فى القرن الأول المسيحى يذكر من قبل «أن الفطير كما يرسمه الناموس كان كباعث لجذوة الحياة النسكية الطاهرة، التى كانت للعصور الأولى للبشرية. إن عيد الفطير حقاً، هو التذكار السنوى لخلقة العالم، ولتمجيد وتكريم البساطة والمسكنة للوجود البدائى»... لقد ربطت المسيحية هذه الرمزية بالخليقة الجديدة.

لقد فهم اقدم الكتاب المسيحيين رمزية الفطير بمفهوم القديس بولس، دون أن يجدوا أية علاقة مباشرة بالأسرار. إن الفطير يرمز إلى بساطة الحياة المسيحية وجدّتها. وهكذا فإن بالنسبة ليوستينوس الشهيد فى حديثه إلى اليهود يقول: «إن ما يرمز إليه الفطير هو أنكم لا تعودوا إلى الأعمال القديمة لخمير الشر. وإنما أنتم الآن تفهمون كل شئ بمفهوم حسىّ فقط. ولهذا السبب قد امركم الله أن تعجنوا خميراً جديداً بعد سبع أيام الفطير، التى ترمز إلى ممارسة الأعمال الجديدة» (الحوار مع تريفو)... إن الرمزية تتعلق بالخمير الجديد، الذى يمثل الحياة الجديدة، التى اتى بها الانجيل. إن رمزية الخمير الجديد، التى تُطبق الآن على المسيح موجودة عند هيبوليتس... «فليأكل اليهود الآن إذن فطيراً سبعة أيام، وليواصلوا جهادهم لسبع أحقاب لهذا العالم. أما نحن، فإن المسيح فصحنا قد بُذل من أجلنا. ولقد أخذنا خميراً جديداً من مزيجة المقدس»... وهنا أيضاً نجد عند القديس كيرلس الأسكندرى أن العلاقة بين رمزية الفطير والأفخارستيا، تتضح بأشد جلاء. إنه لا يرى الفطير كرمز للافخارستيا، ولكنه يرمز إلى الإنسان الذى يشترك فى الافخارستيا.

المزمور 22 (23) (مزمور الراعى):

يشدّ انتباهنا المزمور 22 (23)... يكتب القديس كيرلس الأورشليمى... «إن داود الطوباوى يعرّفنا بقوة السرّ (الأفخارستيا) حين يقول «هيأت مائدة تجاه مضايقىّ». فماذا يقصد بهذا سوى المائدة السرية والروحية التى أعدّها الله لنا. مسحت بالزيت رأسى. لقد مسح رأسى على الجبهة بختم الله Sphragis الذى اخذتموه، لكى ما تُدمغوا بالختم Sphragis، تكريساً لله. وانكم ترون أيضاً أنه يذكر الكأس، التى حينما شكر الله عليها قال: هذه الكأس الذى لدمى»...

إننا نرى أنه فى نظر كيرلس، يُعتبر المزمور بمثابة نبوءة عن قبول الدعوة المسيحية. ففى المسح بالزيت نجد الختم Sphragis الذى يلى المعمودية، والذى يتم بالزيت المقدس. ففى المائدة والكأس التى اسكرتنى يبرز لنا شكل عُنصرَى السرّ. إن القديس كيرلس يشير إلى النصوص بخصوص هذا المزمور، وكأنها معروفة جداً لمن تعمّدوا حديثاً. ويفترض أن هذا المزمور قد سبق فهيأ للمتقدم للمعمودية معرفة الأسرار التى تعطى له ليلة عيد الفصح.

وهذا يؤكده بوضوح القديس امبروسيوس الذى يعلّق على هذا المزمور فى عظتين من مواعظه... «انصتوا إلى السر الذى قبلتموه، واستمعوا إلى داود إلى يخاطبكم. لقد سبق فانبأ بالروح بهذه الأسرار وامتلأ بالروح، وأعلن أنه لا يريد شيئاً (لا يعوزنى شئ)، ولماذا؟ لأنه نال جسد المسيح، فهو لا يجوع أبداً. كم مرة سمعتم المزمور 22 (23) دون أن تفهموه؟ انظروا كيف أنه يتمشى مع الأسرار الإلهية»... إن التعليم هنا أكثر وضوحاً إن الشخص المعمّد، كثيراً ما سمع المزمور دون أن يعيّه... إذن لقد كان للمزمور نصيب فى ليتورجية المعمودية.. وكذلك يشير ديديموس الضرير الأسكندرى إلى هذا المزمور فى كتابه عن الثالوث، الأمر الذى يؤكد أن المعمّد حديثاً، كان يرتل هذا المزمور... بل إن القديس امبروسيوس فى كتابه عن الأسرار لا يشير فقط إلى هذا المزمور وعلاقته بالمعمّد حديثاً، بل أنه يحدد وقت تلاوته... يقول: «إن المعمّد حديثاً حال وصوله ورؤيته المذبح مُعداً، فإن يصيح قائلاً: هيأت قدامى مائدة»... إن هذا المزمور إذن، لابد وإنه كان يرتل فى أثناء موكب المعمّدين حديثاً ليلة الفصح إلى الكنيسة، إلى حيث كانوا يتهيأون لأن ينالوا تناولهم الأول.

إن هذا المزمور لابد وأنه كان يبدو ملائماً لأن يُنشد فى هذه اللحظة، فهو بمثابة تلخيص لعملية الانضمام والمعمودية كلها... هذا يؤكده القديس غريغوريوس النيسى (علماً أن معانى هذا المزمور والانضمام إلى عضوية الكنيسة يظهر لأول مرة عند أوريجينوس). هذا ولابد من الاشارة إلى أن هذا المزمور كان يرتبط بتفسيرين آخرين، كانا يقّدمان خلال اسبوع القيامة، هما تفسير نشيد الأناشيد، والصلاة الربية (أبانا الذى فى السموات)... ويبدو أن هذه التفاسير الثلاثة مع الأمور الإيمانية، كانت تقّدم لطالبى العماد، والدليل على ذلك أن المعمدين الجدد كانوا يرددّونه.

إن الطيب المسكوب على الرأس المذكور فى هذا المزمور (مسحت بالزيت رأسى)، هو زيت المسحة التى منها استمدّ المسيحيون تسميتهم... كان المزمور 22 (23) يُعتبر عند الآباء بمثابة ملخص سرائرى لسلسلة السرائر الخاصة بالانضمام فى المعمودية... الآية الثانية فى هذا المزمور تتحدث عن المراعى التى يقود إليها الراعى رعيته. ويرى القديس غريغوريوس النيسى أن هذه المراعى إنما تشير إلى التعاليم التمهيدية قبل المعمودية، حيث تغتذى فيها الروح بكلمة الله. ونفس هذا المعنى نجده عند العلامة اوريجينوس والقديس كيرلس الأورشليمى وتيودور الموبسيستى.

أما الآية الثالثة (على ماء الراحة يوردنى)، فهى تُفهم على المعمودية. وهذا هو رأى القديسين أثناسيوس الرسولى وكيرلس الأسكندرى وكذلك تيودور الموبسيستى... أما غريغوريوس النيسى فيربط بين الآية الثانية والثالثة... «إن سلكت فى وادى ظل الموت لا أخاف شراً لأنك معى»، فيقول «يجب أنك تدُفن فى الموت معه (الله) بالمعمودية. ولكن ليس الموت نفسه، وإنما هو ظلّ وصورة للموت»... هذا نفسه هو رأى القديس كيرلس الأورشليمى...

والآية التالية «عصاك وعكازك هما يعزياننى». وكلمة يغرىّ ترجمة للكلمة اليونانية باركاليسيس Paraclesis أى يعزى. هذا هو السبب فى أن هناك اشارة إلى الباركليت يمكن رؤيتها فى هذه الآية... وهكذا فإن غريغوريوس النيسى يكتب... «ثم إنه (الله) يعزيه... ولكن بوجه أكثر عمومية فإن انسكاب الروح القدس يرتبط بالآية (5) «مسحت بالزيت رأسى». ويفهمها كيرلس الأورشليمى على أنه مسح الجبهة بالختم... ويؤكد ذلك البابا أثناسيوس الرسولى «إن هذه الآية تشير إلى المسحة السرائرية».

لقد فرح الآباء حينما وجدوا أن سرّى المعمودية والتثبيت قد سبقت الاشارة إليهما فى الآيات الأولى للمزمور 22 (23) وبالإضافة إلى هذا، فإن الآيات الأخيرة قد بّينت لهم رمزاً للوليمة الأفخارستية. فأولاً الآية (5) «هيأت قدامى مائدة تجاه مضايقى»... يقول القديس كيرلس الأورشليمى «إذا أردت أن تعرف تأثير السرّ، فعليك أن تسأل الطوباوى داود الذى يقول: هيأت قُدامى مائدة تجاه مضايقىّ». انظروا ما يود أن يقوله: إنك يا الله قبل مجيئك قد هيأت الشياطين للناس موائد فاسدة وكريهة، مليئة بالقوى الشيطانية. ولكنك حينما أتيت أيها الرب، فقد هيأت مائدة قدامى، وما هى إلا المائدة السرائرية الروحية التى أعدّها الله لنا». نفس الكلام يرددّه القديسون امبروسيوس وغريغوريوس النيسى واثناسيوس الرسولى وكذلك تيودور الموبسيستى.

وإذا كانت المائدة التى هيّأها الراعى تعتبر رمزاً للوليمة الأفخارستية، فإن هذا يصدق بالأولى والأكثر على الكأس « وكأسك روتنى»، التى هى كأس الدم فى الأفخارستيا... هذا التفسير نجده عند القديس كبريانوس، ويعتبره من أهم الرموز للأفخارستيا. وقبله نجده عند العلامة اوريجينوس. كما نجده عند القديسين أثناسيوس الرسولى وكيرلس الأورشليمى.

يقول القديس غريغوريوس النيسى «فى المزمور يدعوك داود لأن تكون خروفاً ناطقاً، راعيه هو المسيح، لا يعوزه شئ طيب. أنت يا من يصير لك الراعى الصالح مرعى فى الحال، وماء راحة وطعاماً، ومسكناً وطريقاً ومرشداً، يوزّع نعمه بحسب احتياجك. إنه بهذا يعلّم الكنيسة أنك يجب أولاً أن تكون خروفاً ناطقاً للراعى الصالح، الذى يقودك بتعليم الخلاص إلى المراعى وينبوع التعاليم المقدسة».

وبالطريقة نفسها يرى القديس كيرلس الأسكندرى فى هذا المزمور «انشودة الوثنين الذين اهتدوا وصاروا تلاميذاً لله، الذى اطعمهم روحياً واشبعهم. فهم يعبّرون عن امتنانهم لقائدهم لهذا الطعام الخلاصى، فيدعونه راعياً وأباً. فإنه بالنسبة لهم كمرشد، وليس هو مجرد قديس كما كان موسى بالنسبة لاسرائيل، بل هو راعى الرعاة ومعلّم المعلمين المذخر فيه كل كنوز الحكمة والمعرفة».

ويتجاوز أثر المزمور 22 (23) العبادة المسيحية الأولى إلى الرسوم والصور. وكثير من الدراسات الحديثة ذهبت إلى بيان أن تصوير الراعى الصالح بكثرة فى حجرات المعمودية القديمة، إنما يرجع إلى ارتباطه بالمزمور 22 (23)، وخصوصاً وأن فى بعضها نقرأ هذا النقش «فى مراعِ خضر يربضنى، على ماء الراحة يوردنى» (نقول هذا لئلا يختلط بالمسيح الراعى الصالح كما جاء فى إنجيل يوحنا ص10).

وفى العهد القديم اعتقاد عن الراعى الذى لابد وأن يأتى فى نهاية الأيام، لكى يجمع الخراف المشتتة من بيت اسرائيل. وهذا الراعى سيقود خرافه إلى المراعى العجيبة، حيث تتفجّر الينابيع، وتنمو الخضرة بغزارة ووفرة. هذه نجدها موصوفة فى عبارات تعيد إلى الذاكرة اشجار الفردوس، وينابيع سفر الخروج (انظر على وجه الخصوص اشعياء 49: 10؛ حزقيال 34: 1؛ زكريا 11: 4)... أما العهد الجديد فيعلمنا أن هذه الصورة الاسخاتولوجية الأخروية، قد تحققت فى المسيح. فإنه هو الراعى الصالح الذى يبذل حياته عن خرافة ويقودها إلى المراعى (يوحنا 10: 10، 11).

نشيد الأناشيد:

إن انبياء العهد القديم يمثلون العهد بين يهوه واسرائيل فى برية الخروج، على أنه بمثابة «عهد زواج». ولكن هذا الاتحاد كان مجرد رمز لاتحاد اكمل، كان عتيداً أن يحدث فى نهاية الزمان، فى الخروج الجديد... يقول السيد الرب.

«سأذهب بها إلى البرية والاطفها» (هوشع 2: 14)).

.. والآن فإن نشيد الأناشيد، بالنسبة لبعض الباحثين، هو بمثابة النبوءة لهذا الزواج المستقبلى. إنه ترنيمة الزواج لهذا القران الاسخاتولوجى الذى للخروف، والذى ورد وصفه فى سفر الرؤيا...

«رأيت المدينة المقدسة، أورشليم الجديدة، نازلة من السماء من عند الله، مهيّأة كعروس مزينة لرجلها» (رؤيا 21: 2)).

.. ويبيّن لنا العهد الجديد هذا الزواج الاسخاتولوجى على أنه قد تحقق بتجسد الكلمة، وبه اتحد اتحاداً لا ينحلّ بالطبيعة البشرية (يوحنا 3: 29) [هنا كلمات يوحنا المعمدان: من له العروس فهو العريس]... إن هذا الزواج سوف يتحقق فى النهاية حينما يرجع العريس فى نهاية الزمان، فتحّف به ارواح الصديقين فى تشكيل الزواج، ليذهبوا للقائه (متى 25: 1 - 3 مثل العشر عذارى).

ولكن فى الفترة بين البداية والنهاية عند الظهور، يستمر هذا الزواج بين المسيح والكنيسة، ويستمر أيضاً فى حياتها السرائرية... إن هذا يُعتبر جانباً آخر للاهوت الانضمام إلى عضوية الكنيسة، ألا وهو جانب الاقتران والزواج. على أنه ليس بأقل أهمية، فهو يصدق على المعمودية وعلى الأفخارستيا [يطلق يوحنا ذهبى الفم على عملية الأنضمام إلى المسيحية فى مجموعها «الزواج الروحى»]... ولدينا شهادات كثيرة عنها فيما يتصل بكل من السرّين..

ففيما يتعلق بالمعمودية، فإن هذه الفكرة تظهر لأول مرة عند العلامة ترتليان... «حينما تأتى النفس إلى الإيمان بعد أن تتجددّ خلقتها بالماء والروح القدس، بالميلاد الجديد، يستقبلها الروح القدس. ويصاحب الجسد النفس فى هذا القران مع الروح (القدس). ايه أيها الزواج المبارك، إذا كان لا يسمح بأى زنا»... نفس هذه الفكرة نجدها عند العلامة اوريجينوس... «إن المسيح يسمى بعريس النفس، وهو الذى تقترن به النفس حينما تأتى إلى الإيمان» (من عظاته على سفر التكوين). ونلاحظ أن العريس عند ترتليان هو الروح القدس، بينما هو المسيح عند اوريجينوس.

وفى القرن الرابع يكتب ديديموس الضرير الأسكندرى... «فى بركة المعمودية، إن الذى صنع النفس، يأخذها له عروساً» (كتابه عن الثالوث)... والافخارستيا تقدّم أيضاً على أنها اتحاد الزواج بين المسيح والنفس. يقول القديس كيرلس الأورشليمى «لقد أعطى المسيح لأبناء مخدع الزواج التلذّذ بجسده ودمه».

فهناك إذن نوع من الأساس لتفسير سفر النشيد، الذى يعتبر نبوءة للزواج الاسخاتولوجى، على أنه رمز للانضمام للمسيح، وحفل القران بين المسيح والنفس... ويمكن اضافة سبب آخر لهذا السبب فى ترتيبه الليتورجى. ففى القرن الرابع المسيحى، كانت المعمودية تُمنح عادة ليلة الفصح. ونحن نعلم الآن أنه فى الليتورجية اليهودية، كان يُقرأ سفر النشيد أثناء الفصح. ونحن نعمل أيضاً أن الليتورجيا المسيحية القديمة، كانت تتميز بطابع الليتورجيا اليهودية. فمن الممكن والمحتمل إذن، أن الليتورجيا المسيحية حذت فى ترتيبها حذو ليتورجية المجامع اليهودية. ثم بعد ذلك اظهرت فى المعمودية والأفخارستيا التحقيق الدقيق للنص الذى يُقرأ فى أثناء هذه المناسبة الليتورجية.

فى معرض التفسير السرائرى للنشيد، ينبغى لنا أن نميّز بين جانبين: الأول وهو أن النشيد يعتبر على الأجمال عند الآباء رمزاً للأسرار، على أنها اتحاد زواج بين المسيح والكنيسة. ويبدو هذا بمثابة تطّور شرعى للمعنى الحرفى للآية... ولكن الآباء حاولوا أيضاً أن يربطوا بين الآيات المختلفة فى النشيد بالجوانب المتعددّة فى ليتورجية الانضمام للمسيحية. وهنا نجد عناصر ذات قيمة غير متاسوية: فالبعض منها له أساس كتابى، مثل الدعوة إلى وليمة النشيد (5: 1). والبعض الآخر ينصب على الأقل على تقليد قديم وشائع مثل خلع الثوب (5: 3). ثم أخيراً نجد تعبيرات مجازية تنصب على مشابهات خارجية. وبالنسبة لهذه، فلا حاجة بنا لأن نعطيها أهمية ما... وإذا نحن قمنا بشرح النصّ، فإننا نجد أنفسنا منساقين لعديد من التكرار. ولهذا فإننا سوف نتبع بدلاً من ذلك، ترتيب الانضمام إلى المسيحية والمعمودية. وكما كان الحال مع المزمور 22 (23)، فإن النشيد كان يُنظر إليه على أنه رمز متكامل للأسرار بأجمعها.

ويبدأ كتاب الدروس الابتدائية للقديس كيرلس الأورشليمى بقوله...

«ها إن عطر البركة blessedness قد هفت رائحته إليكم ايها الموعوظون. وها انكم تقطفون الزهور الروحية لكى تنسجوا التيجان السمائية. وها أن العطر الزكى للروح القدس ينسكب عليكم. إنكم فى ردهة المسكن الملوكى. ألا ليتكم تدخلون إليه على يد الملك. من هنا فصاعداً حقاً قد بزغت الأزهار على الشجر، والآن لابد أن تُينع الثمار.. إن الأشارة إلى سفر نشيد الأناشيد واضحة: «الزهور ظهرت فى الأرض» (نش 2: 12).

،.

«لقد انسكب الطيب» (نش 1: 3).

،.

«ادخلنى الملك إلى حجاله» (نش 1: 4)).

إن الموعوظين على عتبة بستان الفردوس الملوكى، حيث يتم الزواج. وها أن انفاس هواء الفردوس تهب عليهم... ويتكلم القديس امبروسيوس بأكثر تحديد، فيزيد على موقف الموعوظين آية أخرى من النشيد «اجذبنى وراءك فنجرى وارء رائحة اطيابك» (1: 3، 4). إن عطر الفردوس هذا، وهذه الرائحة الزكية التى للروح القدس، هو عربون نعمة الله، الذى به يجذب النفوس إلى فردوسه». انظروا ماذا يحمل هذا النص من معنى، انكم لا تقدرون أن تتبعوا المسيح ما لم يجذبكم المسيح بنفسه».

قد دخلت جنتى يا أختى العروس. قطفت مرّى مع طيبى. اكلت شهدى مع عسلى. شربت خمرى مع لبنى. كلوا أيها الأصحاب، اشربوا واسكروا أيها الأحباء» (نش 5: 1)... فى رأى القديس امبروسيوس، يعتبر هذا وصفاً للوليمة الافخارستية: لماذا يتكلم الرب عن طعام وشراب. إن هذا أمر سوف يفهمه الشخص الذى انضم إلى عضوية الكنيسة.

فى هذه الآية، إن مجرد الاشارة إلى الخبز والخمر هو الذى يوحى إلى القديس إمبروسيوس بمغزى افخارستى. وأما الآية التالية فهى من الناحية الأخرى تعتبر دعوة موجهة من العريس إلى النفوس، لكى يشتركوا فى حفل العرص لزواجه من الكنيسة. وهذا ما يشرحه القديس غريغوريوس «بالنسبة لمن يدركون المعنى الدقيق للكتاب المقدس، فإنه لا يوجد ثمة فرق بين ما يقال فى النشيد: كلوا أيها الأصحاب. اشربوا واسكروا أيها الأحباء، وبين تعاليم الرسل عن الأسرار للمنضمين لعضوية الكنيسة. فحقاً فى كلا الموضعين تقول الآية «كلوا واشربوا». ولربما نعترض بالرغم من هذا، كما يقول غريغوريوس النيسى «إنه فى آية الانجيل لم يرد ذكر أى شئ بخصوص السكر، ولكن هذا يرجع إلى أن هذا السكر هو المسيح بشخصه، الذى يرفع الحقائق الدنيا إلى الحقائق العليا».

إن الدعوة إلى السكر التى يدعو إليها العريس فى النشيد، مُفسرة بنفس الطريقة الموجودة فى دروس الدين التى نعطيها. إن الكنيسة وهى ترى مثل هذه النعمة الكبرى ألا وهى الاحتفال بوليمة عرس المسيح، فإنها تدعوا ابناءها وتدعو جيرانها ليسرعوا إلى الأسرار كُلوا يا اصدقائى واشربوا واسكروا أنفسكم يا أحبائى. إن ما نأكله وما نشربه سبق أن وصفه الروح القدس فى موضع آخر بالنبى القائل: ذوقوا وانظروا إن الرب حلو. إن المسيح موجود فى هذا السرّ لأن هذا هو جسد المسيح، كغذاء روحى وليس جسدياً». ثم أنه فى كتابه عن الأسرار نراه يحتفل بهذا السكر الواعى الذى يعطى بخمر الأفخارستيا «كلما تشربون، تنالون مغفرة الخطايا، وتصيرون سكارى بالروح. إن من يسكر بالخمر يترنح ويتلعثم، أما الذى يسكر بالروح فإنه يترسخ فى المسيح. يا له من سُكر عجيب يُحدثه سُكر الروح! وهذا هو ما يلزم أن نختبره بإزاء الأسرار».

ويصحب السكر الواعى الذى يذكيه خمر الأفخارستيا، أن يرتوى أخيراً تعطّش الروح. فعند الانتهاء من الانضمام إلى عضوية الكنيسة من ناحية اتمام الأسرار، فإن النفس تكون قد اجتازت الأشياء الأرضية إلى الأشياء السمائية. ولكنه يتعَّين علينا بالرغم من هذا، أنه فى هذا الاحتفال بوليمة عرس المسيح والكنيسة – وهذا ما يتحقق فى الأفخارستيا – فإن جانب الزواج لا يبرز، ولا تختلف الرمزية عن تلك التى نراها فى وليمة الحكمة أو فى كأس المسكر مزمور 22 (23)، إن الجانب الزيجى فى الافخارستيا – بوضوح أكثر – يظهر فى تفسير آيات أخرى من آيات النشيد، والتى فيها يظهر حفل العرس، بل واتحاد الزواج نفسه، وهما يشيران إلى وحدة المسيح مع النفس، حيث يتم اتحادهما واقترانهما فى الأفخارستيا.

ويرجع بنا القديس امبروسيوس إلى الآية الأولى فى سفر النشيد «لقد اتيت إلى المذبح، وها هو الب يسوع يناديك، لأن الآية تتحدث عنك أو عن الكنيسة، وهو يقول لك «ليقبلنى بقبلات فمه». إن هذا القول يمكن تطبيقه على المسيح وعليك أنت أيضاً. فهل تريد أن تطبقّه على المسيح؟ إنك ترى أنك قد تطهرت من كل خطية، حيث أنه قد مُحيت خطاياك. إن هذا هو السبب فى أنك تكون مستحقاً للأسرار السمائية، وهو يدعوك لوليمته السمائية. ليقبلنى بقبلات فمه. أو تريد أن تطبّق ذات الشئ على نفسك؟ ها أنك ترى نفسك وقد تطهرت من كل الخطايا، وصرت أهلاً لأن تأتى إلى مذبح المسيح. لأنه ما هو المذبح حقاً، سوى شكل جسد المسيح. ها أنك ترى السرائر العجيبة، فتقول: ليقبّلنى بقبلات فمه، أى ليت المسيح يقبّلنى».. وهكذا يكون حال شركة الأفخارستيا، حيث يوضع جسد المسيح على شفتىّ المعمّد الذى تطهر من كل خطاياه. هو حقاً بمثابة القبلة المعطاة من المسيح إلى النفس. وهو التعبير عن اتحاد المحبة الذى قد تعاهد المسيح به مع النفس. وهنا يكون هذا هو الاقتران الزيجى، الذى يكون هو الرمز المباشر للأفخارستيا.. ويقول ثيودريت «إن كان هناك شخص تزعجه أفكاره السقيمة ويضطرب لكلمة «قبلة»، فعليه أن يتأمل أن فى وقت السرّ، وعند قبول أعضاء العريس إننا نقّبلها ونحتضنها، ونضع العريس وعيناه مستقرتان على قلوبنا، ونتصوّر نوعاً من العناق الزيجى، ونتأمل فى أننا نتحد بأنفنسا بشخصه المبارك، ونعانقه ونقبّله بمحبة تطرح الخوف خارجاً، بحسب ما جاء بالكتب المقدسة»...

إن شركة الافخارستيا تُعتبر حقاً بمثابة وحدة زواجية. إنها زواج الأغابى، زواج المحبة بالاتحاد. وترجع الفكرة نفسها فى مواضع أخرى... وتيودور فى تأملاته عن عبارة «يوم الزواج» يطبقّه على الأفخارستيا فيقول «إننا حينما نأكل اعضاء العريس، ونشرب دمه، فإننا نحقق اقتراننا الزيجى معه» [هذا التعبير – يوم الزواج – يشير فى سفر النشيد إلى «المجئ الأخروى – وهذا المجئ الأخروى ينشأ بالانضمام إلى عضوية المسيح].

إن كل التعاليم التى جاءت فى التقليد تظهر لنا فى سفر نشيد الأناشيد، شكلاً للانضمام إلى العضوية المسيحية. وأساس هذا الاقتران واضح جلىّ. فمن حقيقة أن النشيد يعتبر نبوءة للاقتران الأخروى مع المسيا واسرائيل الجديد. إننا فى جانب الصواب حينما نرى ذلك محققاً فى الأسرار، حيث يتم فيها اقتران الزواج بين المسيح والكنيسة. ولكن لعلنا نتساءل ما إذا كان هذا التفسير السرائرى للاهوت الزيجى يستمد قوته من العهد الجديد.

هنا آية فى الرسالة إلى أهل أفسس حيث يُقَّدم لنا سرّ الأفخارستيا بمثابة تحقيق الزواج الأخروى:

«أيها الرجال (الأزواج) احبوا نساءكم كما أحب المسيح أيضاً الكنيسة واسلم نفسه لأجلها، لكى يقدسها مطهراً إياها بغسل الماء بالكلمة (كلمة الحياة) لكى يحضرها لنفسه كنيسة مجيدة، لا دنس فيها ولا غضَن (تجعد)... من يجب إمرأته يحب نفسه... يقوتها ويربيها، كما الرب أيضاً للكنيسة، لأننا أعضاء جسمه. من أجل هذا يصير الرجل والمرأة جسداً واحداً. هذا السرّ عظيم، ولكننى أنا أقول من نحو المسيح والكنيسة» (أف 5: 25 - 32)).

. إن الاشارة إلى سّر الافخارستيا واضحة جلية. فإنه بواسطة هذا السر يصير المسيح مع النفس جسداً واحداً كحال الرجل والمرأة. وهذا بالضبط ما يبيّنه الآباء فى تفسيرهم لسفر نشيد الأناشيد. [هذا التفسير الأفخارستى لأفسس 5: 31 موجود بوضوح عند القديس يوحنا ذهب الفم فى شرحه للرسالة إلى أفسس].

ولقد لفتت هذه الحقيقة ميثوديوس الأوليمبى... إن الزواج بين المسيح والكنيسة، وهو الذى حدث على الصليب، يستمر فى الكنيسة كلها بالمعمودية وسر الافخارستيا: «لقد نزل كلمة الله إلى الأرض لكى يتحد بنفسه مع عروسه، مائتاً بإرادته عنها، لكى يجعلها مجيدة وبلا دنس فى حميم التطهير. وإلا لما استطاعت الكنيسة أن تتمخّض بأولئك الذين يؤمنون وتلدهم مرة أخرى ميلاداً جديداً بحميم التجديد والولادة الجديدة، لو أن المسيح لم يَمْت أيضاً، ولو لم يتحد بنفسه مع كنيسته، ويمنحها السلطان من جانبه، حتى يقدر هؤلاء جميعاً أن ينمو – أولئك الذين ولدوا فى حميم المعمودية» (وليمة العشر عذارى 3: 8)... إن المعمودية على الدوام تجدّد ميلاد المسيحين، بإلقائهم فى موت المسيح. والأفخارستيا تهئ لهم باستمرار النمو، وذلك بمنحهم القوة التى تأتى من جانبه، أى بالشركة فى جسده القائم. وهكذا تصير العملية كلها للعضوية المسيحية السرائرية، هى التعبير عن السرّ الزيجى... وما ورد فى نصّ القديس بولس هو نفسه يعطينا التفسير لهذه الأشكال التى كنا بصدد فحصها. وإنه نظراً إلى أن سرّ الآلام هو الجانب التنفيذى للزواج الأخروى «لكلمة الله» « واسرائيل الجديد»، ونظراً إلى أن الأنضمام إلى العضوية المسيحية هو الاستمرار «لسر الآلام»، فإن المعمودية والأفخارستيا هما سرّ زواج واقتران.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

›

القداس الباسيلى

‹

طقوس المعمودية والتثبيت

المحتويات
المحتويات