طقوس المعمودية والتثبيت

طقوس المعمودية والتثبيت

● خطوات الاعداد لقبول العماد.

● طقس جحد الشيطان.

● طقس المعمودية.

● الختم أو الوْسْم ومعناه.

● أنماط المعمودية فى العهد القديم.

● سر التثبيت.

● الرشم بالميرون فى الكنيسة القبطية.

قبل أن نتناول الكلام عن المعمودية وطقوسها، نقول بصفة عامة أن حكمة الكنيسة من طقوسها والأعياد الكبرى على مدار سنتها الليتورجية، هو أن تكون هذه الطقوس وسيلة فعّالة – ليس فقط لنقل نعمة الأسرار فحسب – ولكن أيضاً لتعليم المؤمنين معناها، ومعنى الحياة المسيحية كلها.

لكن ينبغى أن نقرر أمراً هاماً، قبل البدء فى موضوعنا وما يليه من موضوعات، وهو اننا – قبل القرن الرابع المسيحى، لم تكن كل طقوس الكنيسة تُرى فى كمالها وروعتها، حينما كانت الكنيسة مضطهدة تمارس عبادتها خفية تحت الأرض فى السراديب والكهوف والأماكن النائية. ولكن ما أن اعترفت الدولة الرومانية – ممثلة فى شخص قسطنطين – بالمسيحية حتى بدأت تمارس عبادتها فى حرية، وبدأت تظهر أبنية الكنائس بطرز معمارية خاصة اظهاراً لمعانى خاصة.

زمان المعمودية:

من المؤكد أن المعمودية كانت تعطى فى ثلاث مناسبات رئيسية فى السنة هى الغطاس والفصح والعنصرة... أقدم اشارة إلى هذه الممارسة جاءت فى مقالة ترتليانوس عن المعمودية «الفصح هو الوقت الذى نحتفل فيه بآلام السيد المسيح، والذى فيه نعتمد، ثم بعد ذلك العنصرة حيث هناك متسع كبير جداً من الوقت لهذا الغرض، لأنه فى ذلك الوقت اظهر السيد المسيح ذاته حيّاً للتلاميذ، وفيه أيضاً أعطيت نعمة الروح القدس وبشّر الملائكة بمجيئه الثانى».

وعن عيد الغطاس يقول القديس غريغوريوس النزينزى وهو يخاطب الذين يؤجلون المعمودية «البعض يقول أنه سوف ينتظر الغطاس، أى اليوم الذى اعتمد فيه المسيح وظهر للعالم. والآخر يقول أنه يهتم بالفصح أكثر من غيره من الأعياد. والثالث يقول أنه سوف ينتظر العنصرة».

ومن المؤكد أن كنيسة أورشليم كانت تعمّد فى الأعياد الثلاثة السابق ذكرها حسب شهادة جيروم وذهبى الفم، وإن فترة الخماسين كانت مخصصة للتعميد. وحسب شهادة المؤرخ سقراط فإن بعض الكنائس كانت تعمد ليلة عيد الفصح.

لكن على الرغم من كل هذا فإن الكنيسة كانت تمارس المعمودية فى أى وقت وإن كان التعميد فى هذه المناسبات الثلاث كان شائعاً.

مكان المعمودية:

اعتمد ربنا يسوع المسيح فى نهر الأردن، واعتمد الخصى الحبشى وزير الملكة كنداكة فى مكان فيه ماء قرب الطريق العام، وعمّد بولس الرسول سجّان فيلبى فى بيته... لم تخصص الكنيسة مكاناً معيناً فى ذلك الوقت المبكر لاجراء المعمودية. حتى أن العلامة ترتليانوس فى أوائل القرن الثالث يقول أن بطرس الرسول عمّد من اهتدوا فى روما فى نهر التيبر مثلما فعل يوحنا المعمدان فى نهر الأردن. ليست ثمة فرق لأن الروح الواحد هو نفسه يقدّس المياه فى كل مكان، ووهب الروح للمياه قوة التقديس بالاستدعاء والصلاة... لكن بعد ذلك كان التعميد يتم فى الكنائس دون سواها.

الاعداد لقبول المعمودية:

كانت الكنيةس تعّد الآتيين إليها لقبول المعمودية المقدسة. وكان هذا الاعداد يتطلب دقة واهتمام، لكى لا ينضم للكنيسة إلا من يفهم حتى ما يكون ثابتاً... كان هؤلاء الراغبون فى العماد – فى فترة اعدادهم يسمون «موعوظين Catechumens». وكان الموعوظ يُقبل فى الكنيسة – حسب شهادة التقليد الرسولى وقوانين الرسل – بطقس خاص يعرف باسم وضع اليد... وعلى ذلك فقد كان اعضاء الكنيسة على درجتين: مؤمنون وهم الذين نالوا سرّ العماد المقدس؛ وموعوظون وهم الذين يرغبون فى الانضمام إلى شركة الكنيسة، وقبلوا كسامعين بوضع اليد والصلاة. وكان وضع اليد يعقبه رسم الجبهة بعلامة الصليب. وكان الموعوظ يبقى نحو ثلاث سنين فى فترة الاعداد.

أما الموضوعات التى تدرس للموعوظين على مدى هذه السنين فكانت: معرفة الله، وخلق العالم، ومعاملات الله مع الأبرار والأشرار، وتجسد إبن الله وآلامه وقيامته وصعوده، ومعنى جحد الشيطان والدخول فى عهد مع المسيح. وكان يُسمح للموعوظين بالقراءة فى الكتاب المقدس خاصة اجزاء معينة منه، كما كانوا يقرأون اسفار الحكمة لابن سيراخ ويهوديت وطوبيت، وتعليم الرسل وكتاب الراعى لهرماس... وكان الموعوظون على درجتين:

(أ) السامعون: وهؤلاء كان يسمح لهم بحضور الوعظ وسماع فصول الكتاب المقدس. لكن لم يكن يسمح لهم بحضور صلوات الكنيسة.

(ب) المستنيرون أو الذين سيعمدون: هؤلاء الذين تم اختيارهم وقدمت اسماؤهم للأسقف وبدأ اعدادهم للمعمودية.

فى القرن الرابع المسيحى كان الشائع أن المعمودية كانت تمنح عادة أثناء الليلة السابعة لأحد القيامة. لكن مراسم المعمودية أو الاعداد الأخير لعماد الموعوظين كان يبدأ فى بداية الصوم الأربعينى المقدس (الصوم الكبير). فلننظر كيف كان يُعَدّ الموعوظون:

خطوات الاعداد لقبول العماد:

(1) كانت اسماء المتقدمين تقيّد فى ذلك الوقت. ثم بعد ذلك مباشرة يبدأ اعدادهم لقبول السرّ.

ومنذ أن تقيّد اسماء هؤلاء الموعوظين فى بداية الصوم الكبير، كان المرشحون ينخرطون فى مجموعة واحدة تعرف باسم جماعة ا ل Photizonenoi أى «الذين سوف يخرجون إلى النور».

كان هذا الاعداد للمعمودية يتخذ صورة تسجيل ا لأسماء... ولدينا وصف ممتع لذلك مما دونته الرحالة الأسبانية ايثريا Etheria أوائل القرن الخامس المسيحى، واستغرقت رحلتها ثلاث سنوات زارت خلالها مصر وفلسطين وسوريا ودونت ما رأته من مشاهدات دينية فى هذه الأقاليم ومن ضمنها طقس المعمودية الذى شاهدته فى أورشليم أثناء رحلتها للأماكن المقدسة. تقول: «كل راغب فى قيد إسمه كان يفعل ذلك فى عشية رفاع الصوم الكبير. ويقوم أحد الكهنة بقيد كل الاسماء. وفى اليوم التالى وهو بدء الصوم الكبير الذى تبدأ فيه الأسابيع الثمانية[1]. وفى وسط الكنيسة الرئيسية كان يُعدّ كرسى الأسقف. وكان هؤلاء المرشحين يتقدمون الواحد تلو الاخر. فإن كانوا من الرجال يصحبهم اشابينهم من الرجال. وإن كانوا من النساء فمع الأشابين من النساء. وحينئذ يسأل الأسقف – موجهاً السؤال إلى المرافقين لكل شخص منهم قائلاً: «هل هو يحيا حياة صالحة؟ هل يوقّر والديه؟ هل هو مستعبد لشرب الخمر أو الكذب؟ وإن ظهر أن المتقدم لا لوم فيه باقرار هؤلاء الذين وجهت إليهم الأسئلة، وبحضور الشهود، فإن الأسقف يدّون بخط يده اسم الرجل. أما إذا اتّهم المتقدم بشائبه فى إحدى النقاط، فإن الأسقف يرسله خارجاً قائلاً عليه أن يصلح حياته. وعندما ينصلح يعود إلى المعمودية».

وهكذا نرى ما انطوت عليه هذه المراسم: لقد اعطى المرشح للعماد اسمه إلى الشماس فى المساء. وفى اليوم التالى وبصحبه اشبينه تقدم بنفسه، واجتاز نوعاً من الامتحان لضمان نقاوة دوافعه[2]. وبعد ذلك قيّد الأسقف اسمه فى السجلات. هذا الطقس الذى كان متبعاً فى كنيسة اورشليم يؤكده تيودور الموبسيستى Theodore of Mopsuestia عن طقس كنيسة أنطاكية، لكنه يضيف على ما ذكرته ايثريا Etheria، إن المرشح للعماد كان عليه أن يبسط ذراعيه، ويخفض النظر إلى اسفل ويخلع جلبابه، ويقف عارى القدمين على مسح من الشعر.

إن المعنى الحرفى لهذه الطقوس واضح، لكن يهمنا أن نسجل ما قاله الآباء المعاصرون لها بحسب فهمهم لها:

● فى رأى تيودور الموبسيستى عن الامتحان الذى يسبق تسجيل الاسقف وما يصحبه من مناقشة، إنه فى تلك اللحظة «يحاول الشيطان جاهداً أن يجادلنا مدّعياً أنه لا يحق لنا ان نفلت من ربقته. ويقول إننا ننتمى إليه، لأننا من سلالة رأس جنسنا». ولكى نرده عن أعقابه «علينا أن نسارع الخطى لأن نمثل أمام القاضى، لكى نبين أنه بموجب حقوقنا فنحن لا ننتسب إلى الشيطان منذ البداية، وإنما إلى الله، الذى خلقنا على صورته... ثم يقارن تيودور هذا الامتحان (التجربة) بمنظر الشيطان، وهو يحاول أن يقتاد المسيح بأجابيله واغراءاته... ومهما يكن من أمر فإن موقف المتقدم للمعمودية يتعبر موقف رمزياً: «لقد خلع رداءه الخارجى، وهو عارى القدمين»، لكى يُظهر العبودية التى يمسكه فيها الشيطان أسيراً، ولكى يستثير عطف القاضى. إنه يشبّه هذه التجربة أو الامتحان بتجربة آدم الأول وآدم الثانى (المسيح). يقول مرقس الانجيلى.

« وكان هناك فى البرية أربعين يوماً يجرّب من الشيطان. وكان مع الوحوش وصارت الملائكة تخدمه» (مرقس 1: 13)).

إن التجربة المتقدم للعماد هى بمثابة مشاركة فى تجربة المسيح (انجيل التجربة يقرأ فى كنيستنا فى الأحد الثانى من الصوم الكبير)... إن وقوف المقبل على العماد على مسح من الشعر إنما يشير إلى التوبة وهو رمز لأقمصة الجلد التى ارتداها آدم بعد السقوط (تك 3: 21). وكونه يقف عليها، إنما هى دليل على أنه من الآن فصاعداً يطأ بقدميه هذه الأقمصة الجلدية.

● بعد الامتحان يأتى دور تسجيل الأسماء. وهذا بدوره يأخذ معنى رمزياً...

يقول غريغوريوس النيسى فى عظة له لمن يُرجئون معموديتهم «هاتوا اسماءكم فأدوّنها بالمداد. ولكن الرب نفسه سوف ينقشها فى مخطوط لا يفسد، ويكتبها بأصبعه، كما سبق أن كتب يوماً ما شريعة العبرانيين». هذه الكتابة فى سجل الكنيسة رمز لكتابة اسماء المختارين فى سجل السماء.

فى الأحد الأول من الصوم الكبير، كان يتم امتحان وقيد المتقدمين للعماد. وكانت الأربعون يوماً التالية فترة اختلاء... يقوم كيرلس الأورشليمى «إنه من هذا اليوم فصاعداً، عليكم أن تبتعدوا عن أى عمل شرير، ولا تتفوهوا بأى كلام غير لائق»... هذه الفترة بأكملها ينبغى أن تخصص للاستعداد للمعمودية... ويقول كيرلس الأورشليمى أيضاً «لو كان يوم عرسك يقترب، ألا تترك كل شئ آخر وتتفرغ تماماً للإعداد للحفل؟ إنك على وشك أن تكرّس نفسك لعريسها السمائى. ألا ينبغى أن تدع الأمور المادية جانباً لكى تربح الروحية؟ » إن هذا الاستعداد يشمل من ناحية تقوية الإيمان ضد هجمات الزلل. وهذا هو الهدف من الدروس. ومن الناحية الأخرى فهى فترة للتقديس والتطهير حيث «يجب أن يزول الصدأ الذى يعلو الروح. وبذلك ينجلى ويبقى المعدن الحقيقى».

● فى أثناء هذه الفترة يحضر الموعو يومياً إلى الكنيسة وقت صلاة باكر. وهذا الحفل اليومى، كان يشمل أول كل شئ طرد الشياطين excorcism بواسطة تلاوة المزامير والقراءة فى الكتب المقدسة... إن طقس طرد الشياطين يعبّر عن الصراع الذى ينشب بين المسيح وبين الشيطان حول النفس المؤمنة. وله هدف محدد وهو تحرير النفس رويداً رويداً من رقبة الشيطان التى فرضها عليها...

● وبعد طقس اخراج الشياطين الذى كان يؤدى كل صباح، كان يأتى دور التعليم بالحوار. كان الأسقف يجلس فى الكنيسة، ويلتفّ حوله جميع الذين يتهيأون للعماد مع أشابينهم رجالاً ونساءً وكل من له رغبة فى الاستماع ماداموا مسيحيين.

● وطوال مدة الأربعين يوماً فى الصوم المقدس، يقرأ الأسقف الكتب المقدسة مبتدئاً بسفر التكوين. ويأخذ فى تفسيرها حرفياً أولاً، ثم تفسيراً روحياً... ثم بعد مضى خمسة اسابيع من التعليم، يتلقون المعنى الرمزى. وكان هذا هو الأسلوب المتبع فى كل الأسفار المقدسة: أولاً المعنى الحرفى، ثم بعد ذلك الروحى... وتنتهى هذه الدروس يوم الأحد السابق لأحد القيامة بدراسة «قانون الإيمان» وتلاوته... ويعتبره تيودور الموبسيستى بمثابة الشئ المقابل لعملية اخراج الشياطين. فهذه قد حررت النفس من عبودية الشيطان. أما بتلاوة قانون الإيمان فانك تربط نفسك بالله بتوسط الأسقف. فإنك تبرم ميثاقاً أن تداوم على المحبة نحو الطبيعة الإلهية. على أننا سوف نلاحظ أن هذه النظرة المزدوجة للصراع مع الشيطان ثم التحول إلى المسيح، سوف نجدها باستمرار فى طقس المعمودية كله، الذى ينصب على سرّ الموت ثم القيامة.

طقس جحد الشيطان:

● وآخر طقس فى مرحلة التمهيد للمعمودية يتم فى ليلة عيد القيامة. وكان ينحصر فى «جحد الشيطان» والالتصاق بالمسيح. وهذا الطقس يمثل جزءً من المراسم التمهيدية، بالرغم من أنه موضوع فى طقس ليلة عيد القيامة. وهذا الطقس موجود فى جميع الكنائس القديمة. ويرجع تاريخه إلى زمن قديم، حيث نجد الإشارة إليه فى كتاباته العلامة ترتليانوس (النصف الثانى من القرن الثانى واوائل الثالث). ويبدو أنه متصل اتصالاً مباشراً بجحد الوثنية.

كان جحد الشيطان يتم والإنسان متجه نحو الغرب رافعاً يده على نحو ما هو متبع فى كنيستنا حتى الآن. وفى بعض البلاد كان يتم جحد الشيطان بعد أن يخلع الإنسان جلبابه ويقف على مسح من الشعر العارى القدمين، ويداه مرفوعتان ويقول «اجحدك أيها الشيطان، وكل قوتك، وكل عبادتك... ». أما السبب فى الاتجاه نحو الغرب أثناء جحد الشيطان، فكما يشرحه كيرلس الأورشليمى «إن الغرب هو جهة الظلمة المنظورة. ونظراً لأن الشيطان الذى صارت الظلمة نصيبه، ومملكته مملكة الظلمة، ولذلك فإنك حينما تتجه بطريقة رمزية نحو الغرب فإنك بذلك تجحد هذا المغتصب المُظلم المُعتم».

إن صياغة جحد الشيطان هى «تحطيم للميثاق القديم مع الجحيم». وبعد ذلك لا تعود الروح تخشى ذلك «الباغى الطاغى» الذى كان يقتنصها فى قبضته. فلقد حطّم المسيح قوة الشيطان وابطل الموت بموته... أما دلالة رفع اليد الواحدة، أو اليدين فهى تبرز دلالة الجحد. لأن هذه هى العلامة التى كانت فى العصور القديمة تصاحب التعّهد الجاد، اثناء تأدية القسم أو انكاره... إنها تعبّر عن انكار المتقدّم للعماد للعهد الذى كان قد ارتبط به مع الشيطان بسبب خطيئة آدم..

● « وعبادة الشيطان» تعنى بالنسبة لكيرلس الأورشليمى وتيودور الموبسيستى، كل أنواع الممارسات الوثنية والخرافات والعرافة والرجم بالغيب وتلاوة التعاويذ والتمائم والاعمال السحرية والتنجيم... إن جحد الشيطان وقواته The apotaxis يتفق مع الالتصاق بالمسيح The syntaxis... يقول كيرلس الأورشليمى «إنك عندما تجحد الشيطان، وتكسر الميثاق القديم مع الجحيم، حينئذ ينفتح أمامك فردوس الله، ذلك الفردوس الذى غرسه الله فى المشرق، ومنه قد طُرد أبونا الأول بسبب عدم طاعته.. وما يرمز إليه هذا، هو انك تتحول فى الأتجاه من الغرب إلى الشرق، الذى هو موطن النور. وهكذا قد طُلب منك أن تردد قائلاً: أؤمن بالآب والابن والروح القدس، وبالمعمودية الواحدة للتوبة»... والاعتراف بالإيمان الذى يتم فى مواجهة الشرق، يكمل الجحد الذى حدث فى مواجهة الغرب..

● لقد كانت العادة المألوفة والعامة هى الاتجاه نحو الشرق للصلاة. ويعتبرها القديس باسيليوس الكبير من أقدم التقليدات فى الكنيسة. وفى أماكن العبادة، بل وفى المساكن الخاصة كان الشرق يُميَّز بصليب منقوش على الحائط. والاتجاه نحو الشرق وقت الصلاة يظهر واضحاً بنوع خاص عند الاستشهاد. ولقد شاهدت بربتوا – شهيدة قرطاجنة الشهيرة – اربعة ملائكة وهم الذين اتوا ليحملوها نحو الشرق بعد موتها. كما نجد هذه العادة فى الاتجاه نحو الشرق أيضاً ساعة الموت. إن الاتجاه نحو الشرق أمر تتميز به المسيحية، وهو ما يقابل الاتجاه نحو أورشليم عند اليهود، ثم ظهر بعد ذلك بفترة من الزمن نحو القبلة أو نحو مكة عند المسلمين... وللاتجاه نحو الشرق مغزى اخروى escatological للطقس. فاتجاه الميت نحو الشرق كانهم ينتظرون المسيح ليأتى ويأخذهم، ويرتبط بمجئ المسيح الثانى.

«لأنه كما أن البرق يخرج من المشارق ويظهر إلى المغارب، هكذا يكون أيضاً مئ إبن الإنسان» (مت 24: 27)).

.. إن الشرق يعنى المسيح ذاته.

وعند القديس امبروسيوس «إنك تتجه نحو الشرق. والإنسان الذى يجحد الشيطان يتجه نحو المسيح ويراه وجهاً لوجه»... ويوحنا فى سفر الرؤيا يقول عن أورشليم الجديدة.

«لا يحتاجون إلى سراج أو نور الشمس لأن الرب الإله ينير عليهم» (رؤيا 22: 5)).

.. وهكذا يظهر المسيح على أنه الشمس المشرقة الأبدية للخليقة الثانية... الشرق يرتبط بالفردوس القديم الذى كان فى الشرق (تك 2: 8)... يقول غريغوريوس النيسى «كما لو كان آدم حياً فينا، فإن كل مرة نتجه نحو الشرق، ليس لمجرد التأمل فى الله هناك، وإنما لأن موطننا الأصلى، الفردوس الذى سقطنا منه كان فى المشرق. فإنه جدير بنا أن نقول على مثال الإبن الضال: اغفر لنا ذنوبنا»... وتأكيداً لذلك يقول القديس كيرلس الأورشليمى فيما يتعلق بطقس المعمودية... «انك عندما تجحد الشيطان ينفتح أمامك فردوس الله، ذلك الفردوس الذى غرسه الله شرقاً. وهو المكان الذى طرد منه أبونا الأول بسبب عدم طاعته. والرمز فى هذا هو تحولّك فى الاتجاه من الغرب إلى الشرق».

علينا أن نلاحظ هنا أيضاً الأهمية التى للفردوس فى طقس المعمودية، وإنه مقابل آدم الساقط فى أسر ابليس والمطرود من الفردوس، يكون الشخص المتقدم إلى المعمودية بمثابة الإنسان الذى تجدّد على يد آدم الجديد من إسار ابليس ثم يُعاد إلى الفردوس... وهكذا فإنه مع جحد الشيطان والاعتراف يكون الاستعداد للعماد قد أكتمل على مشارف ليلة القيامة. بعد جحد الشيطان يسأل الكاهن الشخص المعتمد إذا كان بالغاً أو اشبينه إن كان طفلاً: آمنت؟ ثلاث مرات. فيجاوبه ثلاثاً آمنت. وهو مثال اعتراف بطرس للسيد المسيح عند بحر طبرية عقب قيامته المجيدة ثلاث مرات حينما كان يسأله.

«يا سمعان بن يونا اتحبنى؟ » (يوحنا 21: 15 - 17)).

«طقس المعمودية»

كل ما سبق أن ذكرناه من استعداد كان يحدث خارج حجرة المعمودية. ومازال المتقدّم للعماد يعامل كغريب عن الكنيسة. أما الدخول إلى حجرة المعمودية فيعتبر علامة بداية الاستعداد السريع للعماد.. وكان هذا يتضمن اجرائين تمهيدين: خلع الثياب، والدهن بالزيت... وبعد ذلك يتم العماد الفعلى بالتغطيس فى بركة المعمودية وكان يلى هذا التوشح بالثوب الأبيض فى مقابل خلع الثياب السابق...

الدخول إلى حجرة المعمودية:

إن الدخول إلى حجرة المعمودية يشير إلى الدخول إلى الكنيسة، أى العودة إلى الفردوس الذى ضاع بخطيئة الإنسان الأول... يقول غريغوريوس النيسى لمن يؤجلون عمادهم «انتم خارج الفردوس يا معشر الموعوظين. انتم تشاركون آدم آبانا الأول فى منفاه. أما الآن فإن الباب ينفتح. فارجعوا إلى حيث كنتم قبلاً»... وبنفس الطريقة يخاطب القديس كيرلس الأورشليمى المتقدمين للعماد «إن الفردوس وشيك الأنفتاح لكل واحد منكم».

وفى الكنائس القديمة كانت هذه الرمزية تأخذ طريقها للظهور فى رسوم حجرات المعمودية. كان من المألوف أن نجد المسيح مرموزاً إليه بالراعى الصالح تحيط به خرافه فى وضع فردوسى ملئ بالأشجار والزهور والفسقيات. وهكذا كانت حجرات المعمودية تذخر بالرسوم والزينات التى تعبّر عن معانى لاهوتية. إنها الفردوس الذى رد منه آدم، والذى تعيده إلينا المعمودية. ومن هذه الزخارف منظر الغزال تحقيقاً لما جاء فى المزمور «كما يشتاق الإيل إلى جداول المياه». ويرمز ذلك إلى تعطّش الموعوظين إلى اقتبال سرّ المعمودية..

ومن الأمور التى تلاحظ على حجرات المعمودية القديمة انها غالباً ما تتكون من ثمانية اضلاع. ولعل الأصل فى هذا الشكل يحمل معنى رمزياً. «فالعدد 8 (ثمانية) كان بالنسبة للمسيحية الأولى رمزاً للقيامة. فإنه كان فى اليوم الذى يلى السبت أى اليوم الثامن أن المسيح قام من القبر. إن أيام الأسبوع السبعة هى صورة زمان هذا الدهر. أما اليوم الثامن فهو صورة الحياة الأبدية. ويوم الأحد هو التذكار التعبّدى لهذا اليوم الثامن. فهو بذلك تذكرا القيامة ونبوءة عن الدهر الآتى فى نفس الوقت. فإلى هذا اليوم الثامن الذى افتتحه المسيح، يُدخل المسيحى بالمعمودية.

خلع الثياب:

وحينما يقتادون طالب العماد إلى حجرة المعمودية، فإن المعمودية تنتزع عنه ثيابه. يقول كيرلس الأورشليمى «إنك بمجرد أن دخلت، قد خلعتَّ عنك رداءك. لأن مدة صوم الأربعين وما حدث خلالها من طرد الشيطان Lenten exorcime، قد خلع المتقدم للمعمودية ثيابه الخارجية فقط وحذاءه. أما الآن فهو عار تماماً إنه بمثابة صورة «خلع الإنسان العتيق وأعماله»... الثوب القديم رمز للموت، وبالمعمودية يلبس رداء عدم الفساد.

هذا الإنسان العتيق – وهو الذى يشير إلى كل من حياة الخطيئة وإلى الموت أيضاً، قد انتزع أولاً عن الجنس البشرى بالمسيح على الصليب. فإذا كانت المعمودية تعنى صورة المسيح الممات والقائم فإن أمر خلع الثياب هذا هو فى رأى كيرلس الأورشليمى صورة المسيح العارى على الصليب، ويقول «أنتم الآن عراة، خالعين الثياب. وفى هذا تحاكون المسيح، الذى انتزعت عنه ثيابه على صليبه، ذاك الذى بعريه جرّد الرئاسات والسلاطين وأشهرهم جهاراً ظافراً بهم على الصليب (كولوسى 2: 15). وحيث ان قوات الشر كانت يوماً تملك على اعضائك فإنه ينبغى لك الآن ألا ترتدى ذلك الثوب القديم مرة أخرى. وأنا لا أتكلم الآن عن طبيعتك العاقلة، وإنما عن ذلك الإنسان العتيق بنزواته الفاشلة»... إن تجرد المسيح عن ثيابه على الصليب هو مثال لخلع الإنسان العتيق، الذى تشير إليه الثياب البالية التى يرتديها الإنسان. وبانتزاعها يكون المسيح قد جرّد قوات الشر التى كانت مسيطرة على البشرية، بواسطة الإنسان العتيق هذا. وبالخلع الذى يتم فى المعمودية، والذى هو بمثابة المشاركة فى الخلع الذى اتمه المسيح على الصليب، فإن المتقدم إلى المعمودية يكون بدوره قد تعرّى هكذا، أو جرّد قوات الشر فى مملكته التى كان يسيطر عليها.

إن هذا العُرى الذى يحدث أثناء العماد لم يرمز إلى انتزاع حكم الموت فقط، بل هو أيضاً عودة إلى حالة البرارة الأولى... يقول كيرلس الأورشليمى «يا للعجب! لقد كنتم عراة أمام أعين الجميع دون الشعور بأى تحرّج أو خجل. وهذا يرجع إلى أنكم تحملون فى قرارة انفسكم صورة آدم الأولا، ذاك الذى كان عرياناً دون شعوره بالخجل».

الدهن بالزيت:

وبعد نزع الإنسان الموعو لثيابه، يدهن بالزيت. ويعلّق القديس كيرلس الأورشليمى على هذا الطقس فيقول: «بعد أن نزعتم ثيابكم، دهنتم بالزيت، الذى تمت الصلاة عليه لطرد الشياطين من اعلا رؤوسكم إلى اخمص اقدامكم، وصرتم شركاء فى شجرة الزيتون الحقيقية، التى هى يسوع المسيح. قد انتزعتم من الزيتونة البرية، وطُعمتم فى الشجرة التى بخلاف الطبيعة، وصارت لكم شركة فى غنى الزيت الحقيقى. لأن الزيت الذى تمت الصلاة عليه لطرد الشياطين هو رمز للمشاركة فى غنى المسيح (رومية 11: 17، 24). وهو يجعل كل اثر لقوة العدو تتلاشى. وبالتضرع إلى الله وبالصلاة، يكتسب الزيت القوة، ليس فقط للتطهير من ادران الخطية والقضاء عليها، بل وأيضاً لكى يبدّد كل القوات غير المنظورة التى للشرير.

النزول إلى بركة المعمودية:

ويُبين لنا القديس كيرلس الأورشليمى أن النزول إلى بركة المعمودية يعتبر كأنه نزول إلى مياه الموت التى هى مستقر شيطان البحر على نحو ما نزل المسيح إلى الأردن لكى يسحق قوة الشيطان الذى كان مختفياً هناك... ويكتب كيرلس قائلاً «إن الشيطان بهيموث Behemoth كما جاء فى سفر أيوب كان فى الماء (أيوب 40). وكان يبتلع مياه الأردن. ولكن من حيث أنه من الضرورى سحق رؤوس التنين، فإن يسوع نزل إلى الماء، وقيّد بالسلاسل ذلك القوى، لكى نأخذ نحن السلطان أن ندوس الحياة والعقارب. إن الحياة قد اقبلت، وقُيّد الموت منذ الان. وكذلك فإن كل من ينال الخلاص يستطيع أن يقول: أين غلبتك يا موت؟ لأنه بالمعمودية تُنتزع شوكه الموت. إنك تنزل إلى الماء، حاملاً خطيئتك، ولكن نداء النعمة الذى يختم على روحك بخاتمة، يحول دون ايذائك من الوحش الجبار. وبنزولك إلى مياه الموت – موت الخطية – تخرج منها بعد ذلك حياً فى البرّ».

العناوين الحالية فى طقس العماد توضح لنا أن المسح بالزيت يجب أن يتم على الصدر والكتفين. لكن فى تاريخ المسيحية القديم، كان يقتضى دهن كل أجزاء الجسم. لكن ما الذى يقصد بهذا الترتيب؟ فى بعض الصلوات القديمة الخاصة بتقديس الماء نقول «أنت أنت قدست مياه الأردن بارسال روحك القدوسن وسحقت رؤوس التنين المختفية فيها». هذا النص شاهد واضح على الاعتقاد بأن اعماق المياه كانت مستقر القوات الشيطانية. وأن السيد المسيح قد قهرها بالمعمودية. ومن أجل هذ الصراع الغالب ضد قوات الظلمة، استعد المتقدمون إلى العماد بنوالهم هذا الدَهن الرمزى». (هذا المفهوم واضح فى صلوات اللقان بكنيستنا).

العماد بالتغطيس:

نأتى الان إلى العماد الفعلى. لكن يسبق العماد تقديس الماء كما نراه فى تعاليم الرسل. يقول تيودور الموبسيستى «أول كل شئ يأتى الأسقف طبقاً لما جاء فى قانون الخدمة الكهنوتية. ويتلو الكلمات المنصوص عليها، ويسأل الله أن تحل نعمة الروح القدس على الماء، فتكون مياهاً قادرة على هذه الولادة الرهيبة»... ويقول القديس امبروسيوس «لقد ابصرتم المياه. لكن ليس كل المياه تشفى. إن الماء الذى يشفى هو الماء الذى يمتزج بنعمة المسيح. إن الماء هو الوسيلة، ولكنه الروح القدس الذى يعمل. إن الماء لا يشفى إذا لم يحلّ عليه الروح القدس لكى يقدّسه».

إن طقس المعمودية يقوم أساساً على التغطيس والخروج من الماء، مصحوباً باستدعاء الأقانيم الثلاثة. إن التغطيس الرمزى يشير إلى التطهير من الخطية. والعماد تطهير وتنقية. وكان هذا هو معنى العماد فى الطقس اليهودى عند التائبين المهتدين. ويصفه لنا العهد الجديد على أنه حميم واغتسال (افسس 5: 26). ويشير الخروج من الماء أو الصعود منه إلى شركة واتصال الروح القدس الذى يعطى الإنسان التبنى. وهذا يجعل الشخص المعتمد خليقة جديدة بواسطة الميلاد الجديد (تيطس 3: 5).

وهنا أيضاً يظهر المعتمد واقفاً قبالة آدم. إن المعمودية خلق جديد للإنسان على صورة الله بعد سقوط آدم القديم إن الموازنة بين آدم والمسيح على جانب كبير من الأهمية فيما ذكره بولس عن لاهوت العماد. ومقارنة المعمودية بخليقة آدم الأول نجدها شائعة عند الآباء. يقول العلامة ترتليانوس «بواسطة المعمودية يستعيد الإنسان مشابهته لله».

لكن هذا القضاء على القديم، وخلق الإنسان الجديد، يتم فى الشخص المعتمد، مثالاً للمسيح المائت والمقام من الموت... يقول القديس كيرلس الأورشليمى «إن المعمودية ليست مجرد تطهير من الخطايا ونوال نعمة التبّنى، بل إنها أيضاً مثال لآلام المسيح... وهكذا فإنك تؤخذ إلى البركة المقدسة فى المعمودية الإلهية كما أخُذ المسيح من عند الصليب ووضع فى القبر المُعّد له. لقد سُئل كل واحد باسم الآب والإبن والروح القدس. ولقد اعترفت باعتراف الخلاص، وغُمرت فى الماء ثلاث مرات، ثم خرجت متشبهاً بدفن المسيح ثلاثة أيام. وإنك بهذا الصنيع تكون قد مُتّ ثم وُلدتَ. وتكون المياه المخلّصة بمثابة قبر، وكذلك بمثابة رحم الأم»... هذه الرمزية فى هذا الطقس يظهرها بولس الرسول، أى هذه المشابهة السرائرية بموت المسيح وقيامته.

ويربط كيرلس الأورشليمى بين الثلاث تغطيسات والأيام الثلاثة الفصحية. ثم يقول «يا للعجب ويا للحيرة! إننا لم نمت حقيقة، ولم ندفن حقيقة. وكذلك فإننا فى الحقيقة بعد أن صُلبنا حدث إننا قد قمنا. ولكن هذه المحاكاة تأخذ هذه الصورة eikon، ولكننا نحصل على الخلاص حقيقة. المسيح الأمور حدثت من خلال المحبة من نحونا، حتى اننا إذ تشاركنا معه بالمحاكاة فى آلامه نحصل بالحقيقة على الخلاس. يا لهذا الحب الغامر الفيّاض من نحو البشر. لقد ارتضى المسيح يديه وقدميه الطاهرة أن تثقب بالمسامير، ولقد تألم. وبالمشاركة فى هذه الآلام منحنى نعمة الخلاص دون أن أتألم أنا أو أعانى»... ثم يمضى كيرلس ويقول «فلا ين أحد إذاً أن المعمودية ما هى إلا مجرد مغفرة الخطايا أو التبنى. أى أننا نصير أبناء فحسب، حيث أننا ندرك يقيناً أنها فى الوقت الذى تكون فيه تطهيراً من خطايانا واستحقاقاً لموهبة الروح القدس، فإنها أيضاً التشبه بآلام المسيح. وهذا ما حدا ببولس أن يقول: أم لستم تعلمون أننا كل من أعتمد للمسيح اعتمدنا لموته. لأننا دفنا معه بالمعمودية للموت... «لقد قال هذه الكلمات لأناس ظنوا أن المعمودية منحت مغفرة الخطايا، وكذلك منحت التبنى، وليس على أنها قد اعطت أيضاً المشاركة فى التشبه بآلام المسيح الحقيقية. وإنما لكى نعلم أن ما تألم به المسيح قد تألم به من أجلنا ومن أجل خلاصنا الحقيقى، وليس بحسب الظاهر. واننا مشتركون فى آلامه. فإن القديس بولس يؤكد ذلك: لأنه إن كنا صرنا متحدين معه يشبه موته، نصير أيضاً بقيامته. عالمين هذا أن إنساننا العتيق قد صُلب معه ليُبطل جسد الخطية، كى لا نعود نستعبد أيضاً للخطية (رو 6: 5، 6). لأنه حيث أن الكرمة الحقيقية قد غُرست فإننا أيضاً فى المعمودية قد طُعمنا فى موته بالمشاركة. تأملوا هذه الفكرة جيداً، متتبعين كلمات الرسول. فهو لم يقل: إن كنا قد طُعمنا فى موته، ولكن فى شبه موته. لأن المسيح مات فعلاً وانفصلت نفسه عن جسده فعلاً. أما بالنسبة لنا، فمن ناحية هناك مشابهة لموته وآلامه. ومن ناحية أخرى فالأمر ليس مشابهة، ولكنه واقع الخلاص».

إن هذا النص عجيب من كل ناحية. فالمعمودية مثال للآلام والقيامة. أى إنها فى نفس الوقت شبه حقيقى وغير حقيقى للأصل. والنص يوضح لنا مدى التطابق ومدى عدم التطابق. ففى موت وآلام المسيح هناك شقّان ينبغى التمييز بينهما: الحقيقة التاريخية، واحتواء نعمة الخلاص. نحن نتشبه بالحقيقة التاريخية فحسب. ويقدّم لنا طقس السرّ هذا الرمز. أما مضمون نعمة الخلاص فيعطينا مشاركة حقيقية. وهكذا يتحدّد الشقّان للسرّ تماماً. إنها (المعمودية) رمز عميق الأثر للآلام والقيامة، وهى تعطينا هذا المثال مادياً، وتحقيقه لنا روحياً.

إن وجه المقابلة بين دفن المسيح فى باطن الأرض، وتغطيس المعتمد فى الماء، يوضح بجلاء الفارق بين الحقيقة وبين السرّ. وهذا ما يوضحه القديس غريغوريوس النيسى «فلنسأل لماذا يحدث التطهير بواسطة الماء. وما المقصود بالثلاث تغطيسات؟ إليكم ما علّمنا إياه الآباء بهذا الشأن، وما قد تسلمناه منهم: إن ربنا فى قيامة بتدبير خلاصنا، نزل إلى الأرض لكى يقيم حياتها. ونحن حينما نقبل العماد، فإننا نفعل هذا حقيقة على صورة ربنا ومعلمنا، ولكننا لا نُدفن فى الأرض، لأن هذا سوف يكون مثوى حسدنا حينما نموت، ولكننا ندفن فى الماء، وهو العنصر القريب من الأرض، وبفعلنا هذا ثلاث مرات، فإننا نتشبه بنعمة القيامة. ونحن لا نفعل هذا السر بنوالنا السر فى صمت. ولكن الثلاثة أقانيم تحلّ علينا بالصلاة».

مياه المعمودية قبر وأم ولود:

ولكن إن كانت مياه المعمودية بمثابة القبر التى يُدفن فيها الإنسان الخاطئ، فهى أيضاً العنصر المحيى، الذى تتجدّد فيه ولادة الخليقة الجديدة... إنها فى نفس الوقت «قبر وأم» كما يقول القديس كيرلس الأورشليمى... إن هذه الفكرة تتصل اتصالاً وثيقاً بمبدأ أمومة الكنيسة. وهى التى يبدو أنها ترعرعت ونشأت بنوع خاص فى كنائس افريقيا. يكتب العلامة ترتليانوس فى نهاية كتابه عن المعمودية «إنك تنال البركة بعد أن تخرج من أقدس حميم للميلاد الجديد. وحينما تصلى لأول مرة بجوار امك ومع أخوتك»... إننا نرى هنا العلاقة بين أمومة الكنيسة والمعمودية. وهذه تبدو أكثر وضوحاً عند القديس كبريانوس... «طالما كانت ولادة الشخص المسيحى تتم فى المعمودية، وطالما أن الولادة الجديدة بالمعمودية لا تحدث إلا مع العروس الوحيدة التى للمسيح، التى تستطيع روحياً أن تلد أولاد الله، فأين يمكن أن يولد من لم يكن إبناً للكنيسة».

إن بركة (جرن) المعمودية هو بمثابة رحم الأم، حيث يولد ويخرج أولاد الله. وهذا يفسر بجلاء ديديموس الضرير فى عقيدته اللاهوتية بشأن المعمودية... «إن بركة المعمودية هى أداة الثالوث لأجل خلاص جميع البشر. إنها تصير أماً للجميع بالروح القدس، بينما هى تظل عذراء. وهذا ما يعنيه المزمور: ابى وامى قد تركانى أما الرب فقبلنى إن آدم وحواء لم يستطيعا أن يستمرا بغير الموت). وهو الذى أعطانى أماً، ألا وهى بركة المعمودية، وأباً الإله العلىّ، وأخاً هو الرب الذى اعتمد من أجلنا»... ويقول تيودور الموبسيستى «على الأسقف أن يسأل الله أن نعمة الروح القدس تحلّ على الماء لكى يصير الرحم لولادة سرية. لأن المسيح قال لنيقوديموس: إن لم يولد الإنسان من الماء والروح، لا يقدر أن يدخل ملكوت الله. وكما هو الحال فى ولادة الجسد، فإن رحم الأم يتلقى النسل، أما اليد الإلهية فتشكله. وهكذا الحال فى المعمودية. يصير الماء رحماً لمن يولد. ولكنها نعمة الروح التى تصوغ وتشكل هنا الشخص المعتمد لولادة جديدة».

ارتداء الثياب البيضاء:

ثم بعد طقس العماد نفسه، ومازال هناك احتفال أخير، ألا وهو ارتداء الثوب الأبيض... يقول القديس امبروسيوس «ها انك بعد العماد قد ارتديت ثياباً بيضاء، لتكون علامة أنك نزعت عنك رداء الخطية، وارتديت ثياب نقاوة وبراءة» وهذه الملابس البيضاء تعطى لكى تحل محل الملابس القديمة المخلوعة قبل العماد، وهى التى كانت رمزاً للإنسان العتيق. وأما هذه فهى رمز الجديد. وهكذا يتضح بالرمز أحد الجوانب الهامة فى المعمودية. والعبارة «ثوب عدم الفساد»، واصل هذه الرمزية نجده عند القديس بولس.

«أنتم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح» (غل 3: 27)).

وهكذا يرمز الطقس (لبس الثوب الأبيض) إلى أحد الجوانب المتعلقة بنعمة العماد.

● وتشير هذه الثياب فى نفس الوقت إلى طهارة الروح ونقائها وعدم فساد الجسد... ويقول القديس كيرلس الأورشليمى «أما وقد نزعتم ثيابكم العتيقة، وتدثّرتم بثياب بيضاء وهكذا ينبغى لكم أيضاً أن تكونوا من الناحية الروحية لابسين الملابس البيضاء. ولست اقصد بذلك أن تلبسوا دائماً الملابس البيضاء، ولكن يلزمكم دائماً أن تتغطّوا دائماً بتلك التى هى بالحقيقة بيضاء ولامعة، حتى تقولوا مع النبى اشعياء: البسنى ثياب الخلاص، كسانى رداء البرّ (الفرح) (أش 61: 10).

وما هذا المجد سوى مشاركة فى مجد ربنا عند تجليه، حينما.

«تغيرت هيئته قدامهم، وأضاء وجهه كالشمس، وصارت ثيابه بيضاء كالثلج» (مت 17: 2)).

.. إن كل من يعتمد يصير طاهراً، بحسب ما جاء بالانجيل، لأن ثياب المسيح كانت بيضاء كالثلج حينما اظهر مجد قيامته كما جاء فى الانجيل. لأن كل من تُغفر خطاياه يصير أبيضاً كالثلج. نفس هذا المعنى يكرره ثيودور الموبسيستى وغريغوريوس النيسى.

● وهناك مجموعة أخرى من النصوص تجد فى الثياب البيضاء رجوعاً إلى حالة البرارة الأولى التى خلق عليها آدم الأول. ومعنى ذلك أن هذه الثياب البيض ترتبط مرة أخرى بالفردوس، الذى اشرنا إليه فى الكلام عن طقس خلع الثياب القديمة، والتى تشير إلى الأقمصة الجلدية التى ارتداها الإنسان بعد السقوط. ويظهر ذلك من قول غريغوريوس النيسى وهو يتكلم عن المعمودية «إنك يا رب قد طردتنا من الفردوس واسترجعتنا ثانية. لقد نزعت عنا اوراق التين، رداء البؤس، والبستنا مرة أخرى ثوب المجد»... ويمضى غريغوريوس باكثر وضوح يتحدث عن الإبن الضال حينما أعطاه أبوه حلّة... «ليست هى حلّة عادية كسائر الحلل، وإنما الحلة الأولى، التى كانت قد نُزعت عنه بسبب عصيانه وعدم طاعته»... لقد تعرى آدم وحواء بالسقوط، بحيث ادركا أنهما عريانان. وهذا معناه أنهما كانا يلبسان شيئاً ما. وهذا يعنى أيضاً – بحسب التقليد المسيحى – أن النعمة الفائقة للطبيعة كانت توشح الإنسان كالثوب. وهكذا كان ثوب الفردوس بمثابة الحالة الروحية التى كان الإنسان عليها حين خُلق، والتى فقدها بالخطية... أما ثياب العماد فهى بمثابة العودة إلى تلك الحال... يقول غريغوريوس النيسى « وكما لو كان آدم مازال يعيش فى كل واحد منا، فإننا نرى طبيعتنا تكسوها أقمصة من الجلد. أما الأوراق الساقطة لحياة هذه الأرض، فما هى إلا ثياب صنعناها لأنفسنا بعد أن تعرينا من ثوب النور. فإننا نرتدى الأباطيل والتكريم واشباعات الجسد الزائلة بدلاً من ثيابنا الإلهية».

● واللون الأبيض فى الكتاب المقدس هو لون الثياب المقدسة. ففى العهد القديم كان الكهنة يرتدون قمصاناً من الكتان الأبيض. وفى رؤيا القديس يوحنا رأى الأربعة وعشرين قسيساً مرتدين ثياباً بيضاء (رؤ 4: 1). وثياب المسيح البيضاء وقت التجلى إنما تشير إلى القميص الأبيض الذى كان يرتديه الكاهن الأعظم فى يوم الكفّارة.

● والثياب البيضاء لها مغزى اخروى (اسخاتولوجى escatological) إنها تشير إلى المجد الذى يتوشح به القديسون بعد موتهم. يحدثنا سفر الرؤيا أن هؤلاء الذين غلبوا الشيطان بالاستشهاد يرتدون الملابس البيضاء (رؤ 3: 5، 18). ويذكر العلامة ترتليانوس أن الثياب البيضاء هى بمثابة الرمز إلى قيامة الجسد.

● أخيراً نقول أن ما ترمز إليه الثياب البيضاء تتكامل. فهى تشير إلى آدم وحالته فى الفردوس قبل السقوط، ثم تشير إلى المسيح الذى أتى ليُعيد النعمة المفقودة بآدم. وفى المعمودية تعبّر عن صورة نعمة المسيح. ثم أخيراً تشير إلى المجد العتيد الذى ننتظره فى هذه الحياة الحاضرة.

«الختم أو الوَسْم The Sphragis»

تشمل مراسم التعميد طقساً آخر هو طقس «الختم». أى نقش علامة الصليب على جبهة المتقدم إلى العماد وقت اجراء التعميد. وهذا الطقس تقليد قديم جداً. ويستشهد به باسيليوس الكبير على أنه تقليد يرجع إلى عصر الرسل. يقول فىكتابه عن الروح القدس «الذين علمونا أن نضع علامة الصليب على أولئك الذين يلقون رجاءهم على إسم الرب».

ويتنوع وضع هذا الطقس. فتارة نجده مع طقس قيد إسم الراغب فى العماد عند بداية تعليمه. وتارة أخرى يوضع بين جحد الشيطان والعماد كما يذكر تيودور الموبسيستى. لكن يبدو أن استعماله الأكثر شيوعاً كان بعد المعمودية كما نقرأ عن ذلك فى كيرلس الأورشليمى وامبروسيوس. فهو عندهما يرتبط بدهن الميرون، ويرد ذكره مع هذا الطقس المذكور. وبالاضافة إلى هذا، فإنه يمكن تكراره خلال فترة الاختبار الأولى.

أهميته:

وترجع أهمية هذا الطقس من أنه يُؤدَّى كدليل للمعمودية عامة. وهذا غالباً ما كان يسمى بالختم. وربما يرجع هذا الطقس فى قدمه إلى بولس الرسول...

« ولكن الذى يثبتنا معكم فى المسيح، وقد مسحنا هو الله، والذى ختَمَنا أيضاً واعطانا عربون الروح فى قلوبنا» (2كو 1: 22)).

..

«الذى فيه أيضاً انتم إذ سمعتم كلمة الحق انجيل خلاصكم، الذى فيه أيضاً إذ آمنتم خُتمتم بروح الموعد القدوس» (أف 1: 13)).

.. كذلك نجد الاشارة إليه فى كليمنضس الرومانى فى رسالته إلى كنيسة كورنثوس، وهرماس، وترتليانوس...

على سبيل المثال يقول كيرلس الأورشليمى «ما أعظم المعمودية. إنها فداء المأسورين وغفران الخطايا، وموت الذنوب، والولادة الجديدة للروح، وحلة النور، والختم الذى لا يُمحى، والمركبة التى تنقلنا إلى السماء، وافراح الفردوس، وعربون الملكوت، ونعمة التبنّى»... « ويقول غريغوريوس النزينزى«المعمودية هى الشركة فى اللوغس (الكلمة، وتحطيم الخطية، والمركبة التى تنقلنا إلى الله، ومفتاح ملكوت السموات، وحلة عدم الفساد، وحميم الميلاد الجديد، والخاتم».

اصل الكلمة واستخدامات الختم:

إن كلمة ختم (سفراجيس Sphragis) فى الأزمنة القديمة، كانت تدل على الأداة التى تستخدم فى بَصْم علامة ما. أو هى العلامة التى تطبع بواسطة هذه الأداة. وهكذا فإن كلمة سفراجيس كانت هى الكلمة المستعملة للدلالة على الأداة التى تستخدم فى دمغ علامة على الشمع. وهذه الأختام غالباً ما كان لها احجار ثمينة تستند إلى قاعدتها أو مقبضها... وهكذا فإن كيرلس الأسكندرى يُحبّذ أن يجعل المسيحيون الأختام على هيئة حمامة أو سمكة أو سفينة منبسطة الشراع، وليس على هيئة الأشكال التى وردت فى الأساطير... وكانت هذه الأختام تستخدم بنوع خاص فى ختم الوثائق الرسمية والوصايا. وهكذا فإن القديس بولس يستعمل هذا الرمز حين يخاطب أهل كورنثوس ويقول أنهم ختم رسالته فى الرب (1كو 9: 2). أى أنهم العلامة الصحيحة لها... ولكن بأكثر تحديد – وهنا نأتى إلى الرمزية العمادية – فإن كلمة سفراجيس كان تستخدم للدلالة على العلامة التى كان يدمغ بها صاحب الشئ ما يملكه... وبهذا المعنى فإن كلمة سفراجيس يكون لها استعمالات متعددة، يكون لها أهمية خاصة بالنسبة لنا هنا.

● فالختم كان العلامة التى يستخدمها الرعاة من أجل تمييز مواشيهم. كما كان من المالوف فى الجيش الرومانى، أن يعلّموا المستدعين للتجنيد، كعلامة لقيد اسمائهم. وكانت هذه العلامة تتكون من وشم على اليد او ساعد الذراع على شكل صورة مختصرة لإسم القائد... وهذه المعانى المتنوعة استخدمها آباء الكنيسة للتأكيد بكل الوسائل لخاتم المعمودية.

● إن علامة الصليب التى تطبع على جبهة الشخص المتقدم للمعمودية، تظهر أنه اصبح من الآن فصاعداً للمسيح. وهذا يمكن أن يشير إلى أن ينتمى إلى قطيع المسيح أو إلى جيش المسيح. وهذا التفسيرات المختلفة تتصل بالمفاهيم المختلفة للمعمودية. فإن مفهوم القطيع يتفق مع الفكرة، بل هو على اقصى غاية من الأهمية فى العماد، أن يكون للراعى الصالح، الذى يعرف خرافه، ويبذل نفسه عنها ضد الرعاة الأشرار. وبواسطة قبول الختم سفراجيس، فإن الشخص الموعوظ يُعتبر منضماً إلى قطيع الراعى الصالح.. يقول كيرلس الأورشليمى مخاطباً المتقدمين للعماد... «اقتربوا واقبلوا الختم السرائرى لكى ما يمكن تمييزكم بواسطة المعلم (المسيح). وكونوا معدودين ضمن قطيع المسيح المقدس والمعروف لكى ما توضعوا عن يمينه»... نفس المعنى يورده تيودور الموبسيستى بقوله أن العلامة واضحة وهى علامة الانضمام إلى عضوية المجتمع المسيحى.

● لكن الختم Sphragis ليس هو مجرد رمز للامتلاك فحسب، وإنما هو أيضاً حماية ووقاية. ويربط القديس غريغوريوس التنزينزى بين الفكرتين حينما يقول عن الختم إنه «ضمان للحفظ وعلامة الامتلاك». ثم يطوّر هذه الفكرة بدرجة أكبر قائلاً «إن حصّنتم نفوسكم بالختم، واسمين ارواحكم واجسادكم بدهن المسحة Chrism والروح القدس، فماذا عساه أن يحدث لكم؟ إن هذا، حتى فى هذه الحياة، هو أكبر ضمان يمكن أن تحصلوا عليه. إن الخروف المختوم لا يمكن أيقاعه بالمخادعة بسهولة. ولكن الخروف الذى لا يحمل أية علامة، فهو الذى يقع فريسة للصوص. وبعد الانتهاء من هذه الحياة، يمكنك أن ترقد فى اطمئنان، دون أن تخشى أن تحرم من معونة الله، التى منحك إياها لأجل خلاصك»... « ونفس هذا المعنى يورده ديديموس الضرير».

● إن الختم Sphragis لا يعتبر بمثابة علامة مميزة للإنتماء إلى قطيع المسيح فحسب، بل أنه أيضاً علامة الإنضمام إلى قائمة جيشه... وهنا ننتقل إلى فكرة مختلفة. فالمسيح ليس هو الراعى فقط، بل هو أيضاً الملك الذى يدعو رجاله للانضمام إلى قواته... ويُعتبر المعمّدون، بمجرد أن يذكروا اسماءهم فى بداية اجراء سرّ العماد، انهم قد استجابوا لهذا النداء، وسجّلوا انضمامهم... يقول كيرلس الأورشليمى... « وكما يحدث حينما يُفحص الذين يستعدون للقيام بحملة عسكرية، من جهة السّن والصحة، هكذا فإن الرب حينما يسّجل النفوس فإنه يختبر مشيئتها. فإذا اخفى أحدهم شيئاً من النفاق المستتر فإنه يرفضه، حيث أنه شخص غير لائق للحرب الروحية. أما إذا وجده لائقاً، ففى الحال يعهد إليه بنعمته. فهو لا يعطى القدسات للكلاب. ولكنه بمجرد أن يجد ضميراً بلا لوم، فإنه يدمغه بخاتمه العجيب المخلَّص، وهو ترهبه الشياطين، وتعرفه الملائكة، لدرجة أن هؤلاء (الفريق السابق) يولّون الإدبار، أما أولئك اللاحقون فيرافقونه كصديق. إن هؤلاء المختارين إذن وهم الذين ينالون هذا الختم، ينبغى أن تكون لهم مشيئة تتفق مع هذا الختم... ويقول يوحنا ذهبى الفم «كما أن الخاتم يطبع على الجندى، هكذا الحال أيضاً مع الروح القدس الذى يطبع على الذين يؤمنون.

إن وضع المسيحى المعّمد حديثاً والجندى يرجع إلى بولس الذى يتكلم صراحة عن المسيحى كجندى ثم عن سلاح المسيحى.

● لاحظنا فيما ذكرناه عن آباء الكنيسة فيما يختص بالخاتم Sphragis هى أنه يجعل المسيحيين مرهوبين من الشياطين. إن انطباع الصليب فى المعمودية هو وجه من أوجه الكفاح ضد الشياطين، الذى كان يبدأ مع المعمودية منذ البداية. وبالطريقة نفسها، فإن استعمال علامة الصليب فى الحياة المسيحية هى تعبير عن حقيقة إن هذا ما هو إلا استمرار للصراع ضد الشيطان. وبواسطة المعمودية انهزم الشيطان، وبعلامة الصليب لم يعد الشخص المعتمد ينتمى إلى الشيطان. ومن ذلك الوقت فصاعداً يكفى المسيحى أن يرسم هذه العلامة فحسب، لكى يصّد هجمات الشيطان، ويجعله يلوذ بالفرار.

● كانت علامة الختم Sphragis تستعمل كعلامة للجنود والأغنام. وثمة استخدام ثالث ألا وهو استعماله كعلامة للعبيد... ولدينا الدليل على مثل هذا الاستعمال فى الشرق، حيث كان العبيد يأخذون هذه العلامة التى لا تُمحى دلالة على امتلاكهم، وذلك بنوع من انواع الوشم. أما فى الغرب فكان الأمر قاصراً على العبيد الهاربين من القانون، الذين كانوا يُعملَّون بعلامة هكذا. وهذا ما يذكره امبروسيوس «إن العبيد يُميّزون بعلامة سيدهم». ونحن نسمى هذه العلامة ختماً Sphragis أو وصمة وانطباعها يسمى الندبة.

ونضيف هنا أن الختم لم يترك مجرد علامة انتماء عبد لسيد أرضى، وإنما للدلالة على العلامة التى يظهر بها العبد الأمين انتماءه لذلك الإله (عادة وشم الجسم مألوفة منذ القديم عند المسيحيين. ويذكر بروكوبيوس Procopius الذى من غزة أن كثيرين وشموا أنفسهم على اليد أو الذراع باسم يسوع أو الصليب)... وهذا يلقى الضوء على النص الذى ورد فى (غلاطية 6: 7) «فيما بعد لا يجلب أحد علىّ اتعاباً، لأنى حامل فى جسدى سمات الرب يسوع».

وتمييز إنسان بختم كعلامة لكى يكون مصوناً، له امثلة فى الكتاب المقدس... فقايين ميّزه الله بعلامة لئلا يقتله أحد (تك 4: 15). هذه العلامة هى علامة وقاية. إنها اثبات من الله لحماية الإنسان الخاطئ. وفى حزقيال نقرأ أن المنتمين لعضوية اسرائيل المستقبل يحملون علامة الله على جباههم (حزقيال 9: 4). هنا إذن رمزية مبدئية للختم Sphragis ومما هو جدير بالملاحظة، أن هذه العلامة على شكل T. وفى العهد الجديد فى سفر الرؤيا، يظهر القديسون ولهم علامة الخروف (رؤ 7: 4)... [هذان النصّان يربطهما كبريانوس ربطاً قوياً بعلامة الصليب الموضوع على جباه المسيحين]... وربما كانت هذه العلامة T هى علامة الصليب فإذا كنا نتذكر الحقيقة فى سفر الرؤيا ملئ بالاشارات إلى المعمودية، فمن المؤكد أن علامة الخروف هذه تشير إلى الختم Sphragis فى طقس تقديم الموعوظين.

وعلى أية حال، فإننا نرى المعنى الذى اختص بختم المعمودية من خلال هذه السطور أنه يحمل طابع صيانة المسيحى... يقول كيرلس الأورشليمى «إن الكاهن قد أعطاك علامة على جبهتك بالختم Sphragis لكى تنال بطابع الختم هذا التكريس لله»... لقد ارتبط المسيحى ارتباطاً مباشراً بعلامة الصليب نفسها. فإنه بالصليب قد جرّد المسيح الرئاسات والقوات، فصاروا بعد ذلك منهزمين. وبالمعمودية يتشارك المسيحى فى انتصار المسيح هذا. ومن الآن فصاعداً لن يكون لقوات الشر سلطان عليه. لذا يكفى أن يرسم ذاته بعلامة الصليب، لكى يذكّر هذه القوات بانهزامها فتلوذ بالفرار. ويتفق هذا مع طقس العماد نفسه تماماً، كما يشرح كيرلس الأورشليمى «إن عمل النعمة الذى انطبع على روحك بخاتمه يحول دون أن يبتلعك الشيطان».

وحين يتحدث كيرلس عن الختم لا يقصد مجرد وضع علامة الصليب عند العماد، بل إلى العادة المسيحية الشائعة بيننا برسم علامة الصليب على جباهنا فى جميع ظروف الحياة... «ليتنا لا نستحى بصليب المسيح، بل وإذا أخفاه أحد آخر، ألست تحمل علامته علانية على جبهتك، حتى إذا رأى الشيطان هذه العلامة الملوكية، فإنه يرتعد ويرتد هارباً. ارسم هذه العلامة حينما تأكل وحينما تشرب، وحينما تتكلم. والخلاصة فى جميع المناسبات... ليتنا لا نخجل من أن نعترف بالمصلوب. ولنرسم علامة الصليب بثقة على جباهنا بأصابعنا ونفعل هكذا فى كل الظروف. وحينما نأكل وحينما نشرب، وحينما ندخل وحينما نخرج. وقبل أن ننام. وحينما نرقد، وحينما نستيقظ. وفى هذا حماية عظمى مجاناً للفقراء، وفى متناول يد الضعفاء، مادامت النعمة تأتى من عند الله. إنها علامة للمؤمن ورعب للشياطين. لقد انتصر الرب عليهم بالصليب. وهكذا فإنهم مادامت حين يرونها، يتذكرون المصلوب فيرهبونه، ذلك الذى سحق رؤوس الشياطين».

وأمامنا مثلان بارزان عن هذه القوة التى للختم Sphragis:

الأول نجده فى حياة القديس انطونيوس الكبير فى احدى تجاربه. لقد حدث أن بعض النسوة أتين ليزرن القديس أنطونيوس. ونظراً لأنه لم يشأ أن يقبلهن فى قلايته، اضطررن أن يمكثن فى الخارج نهاراً وليلاً... وما لبثن أن سمعن من الداخل صياحاً، كما لو كان صياح جماهير، وعويلاً وأنيناً وصراخاً: اذهبوا بعيداً، ماذا تفعلون ههنا فى الصحراء؟ إنكم لن تستطيعوا أن تقاوموا هجماتنا. وفى أول الأمر ظن الناس الواقفون خارجاً أنه لابد وأن يكون هناك أناس فى الداخل، كانوا يقاتلون مع أنطونيوس. ولكنهم نظروا إلى الداخل من خلال ثقب المفتاح فلم يروا شيئاً، ففهموا أن الضوضاء كان مصدرها الشياطين، الذى ارتعبوا. فصرخوا إلى انطونيوس. أما هو فأعطاهم (أى الذين فى الخارج) اهتماماً أكثر مما أعطاه للشياطين. واتى إلى الباب، وجعلهم يتعهدون أمامه أن يغادروا المكان. ثم قال ارسموا انفسكم بعلامة الختم، واذهبوا بسلام. وهكذا ذهبوا مؤيدين بعلامة الصليب.

أما الحادثة الثانية فنجدها فى حياة القديس غريغوريوس العجائبى كما يذكرها القديس غريغوريوس النيسى. يحكى أن أحد الشمامسة، دخل إحدى المدن ليلاً وأراد أن يستحم. وكان يسيطر على هذا المكان شيطان قتّال للناس، كان يسكن الحمامات. وكان يمارس قوته الشريرة حينما يسدل الظلام، على أى أحد يقترب منه ولذا فلم يكن أحد يستعمل هذه الحمامات بعد غروب الشمس. وذهب الشماس إلى حارس البوابة، سأله أن يفتح له الباب. ولكن الحارس أكّد له أن كل من تجاسر واقترب من المياه فى هذا الوقت من النهار، لم يرجع على قدميه، بل الكل قد وقع فى براثن لسلطة الشيطان. ووقع كثير من الناس فريسة لأمراض عضال. ولكن الشماس أصّر، فأعطاه الحارس المفتاح. ولم يكد يخلع ملابسه ويدخل حتى ثارت كل وسائلا الازعاجات والرعب من الشيطان، وظهرت اشباح من كل صنف، فى مزيج من اللهب والدخان، يشدون فى اشكال رجال وحيوانات، ويهمسون فى اذنيه، ويقتربون إليه، حتى تكاد أنفاسه أن تصدمهم، وينتشرون أمامه فى حلقة مستديرة حول جسمه. ولكنه كان يحمى نفسه بعلامة الختم Sphragis، وكان يبتهل باسم السيد المسيح، ثم عبر الغرفة الأولى دون عائق. وبالطريق نفسها عبر الحجرة الثانية. وهناك واجهته اشباح جدد، فأعاد الكرّة بعلامة الصليب. وأخيراً أخذ اشماس حمّامه، وعاد فى هدوء، لشدة دهشة الحارس.

معانى الختم:

فيما يختص بمعانى الختم Sphragis يتبقى نص آخر عند القديس كيرلس يشير إلى دلالة جديدة ترشدنا إلى طريق المعنى الحقيقى لهذا الطقس... يقول «بعد الإيمان – شأننا فى ذلك ابراهيم – ننال الختم الروحى Spritual Sphragis بعد أن نختتم فى المعمودية بواسطة الروح القدس»... هذا يعنى ارتباط فى المعمودية بالختان اليهودى. وحيث ان هذا كان ختم العهد مع الله والاتحاد فى اسرائيل القديم، هكذا تكون المعمودية ختم الارتباط الجديد والارتباط فى اسرائيل الجديد (تعبير ختم العهد مستعملة فى قوانين الرسل فيما تتصل بالمعمودية Apost. Canstitution 7,22,2) فالختم Sphragis هنا أخذنا إلى لاهوت العهد. ونتية لهذا فان المعمودية تنسب إلى رموزها فى العهد القديم. هذا التفسير له أهميته فكثيراً ما يشير بولس الرسول إلى الختم Sphragis...

«الذى فيه أيضاً إذ آمنتم خُتمتم بروح الموعد القدوس» (أف 1: 13).

ويستخدم بولس الرسول فى مكان آخر عبارة الختم لكى يصف ختان ابراهيم.

« وأخذ (ابراهيم) علامة الختان ختماً Sphragis لبرّ الإيمان، الذى كان فى الغرلة» (رو 4: 11)).

إن التوافق تام بين النصين. فنحن على حق تماماً فى أن نعتقد أن القديس بولس حينما يتحدث عن خاتم Sphragis المسيحيين الذى يتم بعد الإيمان، إنما هو يؤسس توازياً بين المعمودية والختان الذى كان ختم Sphragis العهد القديم [فضلاً عن ذلك فإن التسلسل الذى يشمل المتقدم للمعمودية، ثم بعد ذلك نوال المعمودية، يبدو أنه يطابق الطقس الذى كان يتبع فى انضمام الدخلاء Proselytes فى المجتمع اليهودى. كانوا يختنون ثم يعمدون].

إن استعمال كلمة ختم Sphragis للدلالة على الختان، غالباً ما تصادفنا فى أماكن أخرى متعددة. نحن لا نجدها فى النسخة السبعينية. ويعتبر القديس بولس هو أول من استعملها، ونهج على منواله الآباء الذين استعملوها بكثرة. ونقتبس على سبيل المثال ما كتبه يوسابيوس القيصرى «إن ابراهيم حينما كان شيخاًن كان أول من قبل الختان فى جسده، على سبيل الختم، وسلّم هذه العلامة للذين يأتون بعده، بمثابة علامة الانتماء لجنسه». فالختان إذن هو علامة العضوية فى جنس ابراهيم فى اسرائيل القديم، ودليل المواعيد المعطاه لابراهيم بالعهد.

كان الختان مجرد رمز أما الختم، Sphragis الحقيقى فهو ختان العهد الجديد، وهذا ما يعلنه القديس بولس فى نص سبق أن ذكرناه، ولكننا نود أن نذكره بالكامل.

« واما من جهتى فحاشا لى أن افتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح الذى به قد صُلب العالم لى وأنا للعالم، لأنه فى المسيح يسوع ليس الختان ينفع شيئاً ولا الغرلة، بل الخليقة الجديدة... فيما بعد لا يجلب أحد علىّ أتعاباً، لأنى حامل فى جسدى سمات الرب يسوع» (غل 6: 14).

، 15).. إن ما يعتبره بولس علامة افتخاره، وما يجعله شخصاً مقدساً، لم يعد هو علامة الختان، وإنما هو صليب المسيح، وهو فى جسده سمات هذا الصليب. لقد تلقى هذه السمات لأول مرة، حينما صار خليقة جديدة، أى عند المعمودية. وفى خلفيه تفكيره يوجد ختم المعمودية، وفى صورة صليب فى مقابل الختان فى العهد القديم كعلامة العهد (انظر كولوسى 2: 11، 12) « وبه أيضاً خُتنتم ختاناً غير مصنوع بيد، بخلع جسم الخطايا البشرية، بختان المسيح، مدفونين معه فى المعمودية».

إن المقارنة بين الختان والختم Sphragis هى جانب من الاتجاه الأكثر شمولاً عن الختان كرمز للمعمودية، ولا سيما التوازن بين الختان فى اليوم الثامن والمعمودية كمشاركة فى قيامة المسيح وفى اليوم الذى يلى السبت أى فى اليوم الثامن. وكان هذا أحد الجوانب التى رأى من خلالها ما يحمله اليوم الثامن من رمزية فى العهد القديم... يقول يوستينوس «إن وصية الختان التى تأمر بإلزام كل الأطفال بأن يختنوا فى اليوم الثامن، هو مثال للختان الحقيقى الذى ختنك من الزلل والخطيئة، بذاك الذى قام من الأموات فى أول الأسبوع، يسوع المسيح ربنا لأن اليوم الأول من الأسبوع هو أيضاً اليوم الثامن» (الحوار مع تريفو اليهودى 41: 4 - Dialogue 41.4).

ثمة جانب آخر للختم Sphragis والذى يربطه بالختان. فنحن نلاحظ بحسب ما يراه القديس بولس أنه توجد علاقة بين الختم Sphragis والروح القدس (أف 1: 13)، ومع أن الطابع السرائرى للختم لم يتضح بعد. وهذه العلامة أيضاً نجدها عند الآباء، ونجدها هذه المرة فى نصّ مفصّل للعبادة. وهكذا يذكَّر كيرلس الأورشليمى الاشخاص المعتمدين « وقد قدمت لنا أكثر من معنى: فمن حيث أنها طابع لعلامة الصليب فهى تنسب إلى المسيح المصلوب، ولكنها أيضاً تنسب إلى الروح القدس. ويشهد امبروسيوس لهذا التعدد من المعنى: «إن الآب والإبن والروح القدس هم فى كل مكان. وهم بعمل واحد، وتقديس واحد. ولكن هناك اشياء معينة تهر مختصة بكل اقنوم على حدة. فكيف يكون هذا؟ لقد مَسَحك الله، وميّزك بعلامة الختم، ووضع الروح القدس فى قلبك. فانت إذن قد اخذت الروح القدس فى قلبك. إلا فاقبل شيئاً آخر. لأنه كما أن الروح القدس فى قلبك، هكذا يكون المسيح فى قلبك. فأنت تمتلك المسيح الذى قال فى نشيد الأناشيد: ضعنى كخاتم على قلبك. لقد وضع المسيح عليك علامة الختم، كيف؟ لأنك أخذت علامة بشكل صليب آلامه فإنك قد نلت الختم على مثاله».

الخصائص التى حددّها الآباء عن ختم المعمودية إنه لا يزول أثره... يقول كيرلس الأورشليمى «الختم المقدس الذى لا يزول»... «الا ليت الله يمنحكم الختم الذى لا يُمحى، الذى للروح القدس للحياة الأبدية. أنه كوَسْم قد انطبع على النفس. فى الواقع إن الطبيعة التى لا تمحى لخصائص المعمودية تأتى من حقيقة أنها تأسست على وعد الله الذى لا يُنقص. فختم المعمودية Sphragis إذن يحمل معنى تعاقد الله مع الشخص المعتمد، والذى به يمنح الله هذا الشخص المعّمد حقاً لا رجعه فيه من بركات النعمة. قد يتراجع الشخص المعّمد ويسحب نفسه من هذا الحق، ولكنه لا يستطيع أن يجعل هذا الحق نفسه يُنقص.

يهاجم القديس اغسطينوس الدوناتيين المبتدعين بخصوص مبدأ اعادة المعمودية ويقول إن هذا السر يعطى ولا يمحى آثره. وبالخطية يتراجع الإنسان عن فوائده. ولك يبقى هناك شئ نسميه الطابع الذى تأسس على ميثاق محبة الله الذى يزول، والذى ختم رسمياً بختم Sphragis المعمودية.

نستطيع الآن أن ندرك غنى عقيدة الختم Sphragis كطقس خاص يتم فى وقته وبصفته أحد جوانب المعمودية كما أنه من الواضح تماماً أن المعمودية نفسها هى ختم العهد. ولكن تنوع الطقس، يقصد به أن يبين بصورة مرئية الغنى الحقيقى الذى تحدثه المعمودية نفسها: الثياب البيضاء، استرجاع حالة عدم الفساد، التغطيس، تحطيم إنسان الخطية، الختم Sphragis والعهد الجديد.

«انماط المعمودية»

نتناول هنا رموز طقس المعمودية فى العهد القديم... هناك العديد من هذه الرموز منذ أقدم العصور. ويظهر هذا فى كتاب العلامة ترتليان عن المعمودية. De. Baptisme والقائمة التى أعدها، وأعاد صياغتها وزاد عليها ديديموس الضرير الأسكندرى. كما يقدم كيرلس الأورشليمى قائمة فى دروسه عن المعمودية.. والرموز نفسها موجودة فى العهد الجديد، وعند كتَّاب الكنيسة الأوائل. فعبور البحر الأحمر والطوفان قد ورد ذكرها: الأول فى (1كو 10: 1 - 5). والثانى فى (1بط 3: 19 - 21) وصخرة حوريب هى الأخرى رمز للمعمودية عند القديس يوحنا الانجيلى (يو 7: 38)... كما أن برنابا ويوستينوس الشهيد وايريناوس يذكرون هذه الأفكار وغيرها أيضاً كمياه مارّة وحميم نعمان السريانى.

وفى فكر الآباء، لا تُعدّ هذه المثالات مجرد توضيحات: فإن شخصيات العهد القديم، كان المقصود منها أولاً قانونية المعمودية، بإبراز انها أعلنت بواسطة تقليد شامل، فهى تعتبر أدلة. وفوق كل هذا فإن المقصود منها أيضاً هو شرح المعمودية، وهو القصد الذى مازلنا ندرك أهمية اليوم. وفى الحقيقة إن كنا نود أن نفهم المعنى الحقيقى للمعمودية، فمن الواضح أنه ينبغى لنا أن نلتفت إلى العهد القديم... والمعمودية فى مغزاها الحقيقى تقف فى صف واحد مع كافة الأعمال العظمى للخليقة والفداء، والتى أتمها الله فى العهد القديم.

مياه الخليقة الأولى:

أول مثال للمعمودية نجده فى أقدم التعاليم، هو ما يتعلق بمياه التكوين القديمة... لقد أعلن الأنبياء أن الله فى نهاية الزمان سيقوم بعمل خليقة جديدة. وهذا المبدأ المثالى يشغل مكاناً هاماً عند اشعياء. ولقد لاحظ أن كلمة يخلق Create وبالعبرة «بارا Bara» تظهر أولاً فى الحديث عن الخليقة المستقبلة.

وهنا يكون أمامنا مثال أخروى حيث تظهر فيه الخليقة الأولى كمثال للخليقة الجديدة التى سوف تتم فى نهاية الزمن.

ولكن العهد الجديد يُظهر لنا أن هذه الخليقة الجديدة. قد تمتّ فعلاً فى المسيح. ويعتبر التجسد هو خلق الكون الجديد. وهذا الخلق يستمر فى التاريخ الحاضر، ويحدث فى المعمودية. حقاً إنه خلق جديد و«تجديد» طبقاً للقول الوارد فى انجيل القديس يوحنا (3: 5)... والقديس بولس يدعو الشخص المعمّد حديثاً.

«خليقة جديدة» (2كو 5: 17)).

وهذا التجديد يتم فى مياه المعمودية (يوحنا 3: 5). وعلى ذلك فإن الموازنة بين المياه الأولى وبين مياه المعمودية تعتبر جانباً انجيلياً أساسياً للموازنة بين الخليقة الأولى والثانية.

ولقد اتجه العلامة ترتليان فى كتابه عن المعمودية إلى الرغبة فى أن يبررّ استعمال المياه فى المعمودية – بشهادة الانجيل المستمرة – إلى قصة الخليقة فى سفر التكوين. وفى هذه القصة، كانت للمياه صفتان تمايزتان، تستعيدهما المعمودية: فهى العنصر الأساسى الذى تظهر فيه الحياة، والذى يتقدس بواسطة الروح القدس. ويتمشى ترتليان مع الجانب الآخر: «أول كل شئ، أيها الإنسان، يجب أن نقدم التوقير لعراقه وقدم المياه كعنصر أصيل. لقد ظهرت الأرض من خلال المايه. وبمجرد أن انتظمت عناصر العالم، حتى تهيأت للسكان، وصدر الأمر إلى المياه الأصلية لكى تُخرج كائنات حيّة، فأخرت المياه الأصلية حياة، حتى لا يندهش أحد انه فى المعمودية، تستطيع المياه أن تهب الحياة».

ثم تضاف خاصة أخرى إلى هذه الخاصية، وهى أن «روح الإله كان يرف على وجه المياه، وهو الذى كان عتيداً أن يجدد خليقة المعمّدين. إن هذا القدوس كان يرف على ما كان مقدساً، أو بالأحرى، على من ينال القداسة من القدوس الذى كان يرف... وهكذا فإن طبيعة الماء التى تقدست بالروح، وصارت لها القدرة من ذاتها أن تكون مقدّسة. هذا هو السبب فى أن كل المياه، بفضل هذا الامتياز الأصلى، يمكن أن تنال سرّ التقديس بالطلبة إلى الله». وما نتعلمه هنا هو تقديس مياه المعمودية، التى كانت المسيحية الأولى توليه أهمية قصوى: «... يقول القديس امبروسيوس لقد رأيتم المياه. ولكن ليست كل المياه تشفى، لو لم ينزل الروح ويقدّس تلك المياه».

ويضيف ديديموس الضرير الأسكندرى إلى ما قاله ترتليان «إن الثالوث الذى لا ينقسم ولا يزول، ناظراً من خلال الأبد، إلى سقوط الطبيعة البشرية وفى الوقت نفسه قد أوجه من العدم مادة المياه، قد أعدّ للبشر الشفاء الذى يُعطى من خلال المياه، يَظهر لنا، مقدساً لها، ومانحاً إياها من تلك اللحظة خصوبتها فى الولادة. بالإضافة إلى هذا، ينبغى أن نربط هذا بحقيقة هامة « وهى أن لحظة عماد يسوع، قد حلّ الروح القدس على أمواج البحر»... وهنا نرى علاقة كان ديديموس على حق فى ابرازها: وهى العلاقة بين حلول الروح القدس على المياه الأولى، وحلوله على الأردن.

والواقع أن هذا التفسير، ليس بغير اساس، لأنه يُبرز بوضوح معنى حمامة المعمودية، التى يبدو أنها تذكَّرنا بحسب المعنى الحرفى للنص، بروح الله، الذى كان يرف «على وجه المياه». والآن نستطيع أن نرى المعنى الكامل للرمز: فكما أن الروح القدس، وهو يرف على المياه القديمة، قد اخرج منها الخليقة الأولى، هكذا أيضاً فإن الروح القدس، وهو يرف على مياه الأردن، قد أعطاها الخليقة الثانية. إن هذه الخليقة الثانية، هى التى يولد لها الشخص المعمَّد فى المياه المقدسة، بواسطة الصلوات. وهكذا يتضح المعنى الخلقْى للمعمودية. حقاً إن خليقة جديدة، وتجديد للخليقة الأولى. وهنا تبرز أمامنا المثالية Typology فى أكمل معنى لها: فهى تعبّر حقيقة عن العلاقة بين العملين الخّلاقين، اللذين عملهما الله. إن رمزية المياه فى المعمودية تعتبر علامة معقولة لهذه العلاقة – إن مياه المعمودية تشير حقيقة إلى المياه الأولى.

الطوفان:

الموازنة بين الطوفان والمعمودية، قد افصح عنها العهد الجديد...

«فإن المسيح أيضاً تألم مرة واحدة من أجل الخطايا، البار من أجل الآثمة، لكى يقرّبنا إلى الله، مماتاً فى الجسد، ولكن مُحيى فى الروح. الذى فيه أيضاً ذهب فكرز للأرواح التى فى السجن، إذ عصت قديماً، حين كانت أناة الله تنتر مرة فى أيام نوح، إذ كان الفٌلك يُبنى، الذى فيه خلص قليلون، أى ثمانى أنفس بالماء. الذى مثاله يخلصنا نحن الآن، أى المعمودية» (1بط 3: 18 - 21)).

من هذا النص نرى أن «الطوفان» مثال تحققه «المعمودية»... نحن أمام تفسير كامل لطقس المعمودية. وكما أن البشرية الخاطئة فى زمان نوح قد تحطمت بقضاء الله فى غمرة المياه، ونجا إنسان واحد، لكى يكون المولود الأول للجنس البشرى الجديد. هكذا فى المعمودية يتلاشى الإنسان العتيق بواسطة سرّ الماء، والإنسان الذى يخرج من جرن المعمودية، ينتمى إلى الخليقة الجديدة... وبين الطوفان والمعمودية يجب علينا أن نضع نزول المسيح إلى العالم السفلى لأننا نجد أمامنا ههنا التحقيق الفعلى لسرّ الطوفان. ففى موت المسيح تتلاشى البشرية الخاطئة التى اتخذها له بمياه الموت الهائلة، ثم أنه يقوم بينهم كالبكر فى الخليقة الجديدة. أما المعمودية، فكما يخبرنا القديس بولس، فهى تقليد سرائرى لموت وقيامة المسيح (على سبيل المثال يذكر القديس يوحنا ذهبى الفم «إن التغطيس ثم الخروج (من المعمودية) هما صورة لنزول (المسيح) إلى الجحيم، وعودته من هناك. وهذا ما جعل القديس بولس يدعو المعمودية دفناً).

إن المثالية السرائرية Sacramental typology التى تسرد خطوطها الرسالة الأولى للقديس بطرس، قد طّورها التقليد الآبائى فيما بعد... نجد هذا عند يوستينوس الشهيد فى نصّ يقدم لنا فيه بإسهاب المثالية عند القديس بطرس الرسول: «لقد تحقق فى الطوفان سرّ Mysterion خلاص الإنسان. فإن نوحاً البار مع بقية اشخاص الطوفان الثمانية، يُظهرون رمزية اليوم الثامن، وهو اليوم الذى فيه ظهر المسيح قائماً من الأموات، وهو الذى كان دائماً، كأنه شئ مفهوم ضمناً، اليوم الأول، لأن المسيح، وهو بكر كل الخليقة، قد صار فى مفهوم جديد، الرأس (كولوسى 1: 18) لخليقة جديدة. تلك التى تجددت بواسطته، بالماء والخشبة التى كانت تحوى سرّ الصليب. كما أن نوحاص قد أنقذ بخشبة الفلك، حينما كان يطفو فوق المياه مع أهل بيته. وكما أن الأرض كلها بحسب ما جاء فى الكتاب قد أغرقت، فمن الواضح أن الأرض لم تكن هى التى تكلّم معها الله، ولكنه كان يخاطب الناس الذين أطاعوه، حين أعدّ لهم موضعاً للراحة فى أورشليم، كما سبق أن اظهره بكل هذه الرمزيات فى زمن الطوفان. واننى اقصد أولئك المستعدين بواسطة الماء والإيمان والخشبة، والذين تابوا عن خطاياهم، هؤلاء سيهربون من دينونة الله العتيدة» (حواره مع تريفو اليهودى).

بالإضافة إلى ما سبق نجد تقليد آخر يؤكد المميزات الأخرى، ولا سيما فكرة الحمامة. وهذا التقليد يظهر فيما ذكره ترتليان فى كتابه عن المعمودية (نفس الكلام يورده كبريانوس)، والذى يضم جميع الأشكال التقليدية للمعمودية، بطريقة تجعلنا نفترض أنها تعيد الدروس الأولى... «كما أنه بعد مياه الطوفان، والتى بها تظّهر العالم القديم من الآثام، كذلم بعد المعمودية، كما لو كانت معمودية العالم، فإن الحمامة التى خرجت من الفلك ثم عادت بغصن زيتون، وهو مازال حتى الآن يعتبر رمز للسلام بين الناس، معلنة أن السلام قد حلّ فى العالم، طبقاً لنفس الخطة. فإنه على المستوى الروحى، فإن حمامة الروح القدس، التى هبطت إلى الأرض، أى على اجسادنا، حينما نخرج من جرن المعمودية، وبعد أن تتطهّر من خطاياها القديمة، لكى تمنح سلام الله الآتى من اعلا السماء، حيث يرمز إلى الكنيسة هنا بالفلك».

إنه إذا كانت الحمامة التى نزلت على السيد المسيح وقت العماد تعتبر اشارة إلى روح الله، الذى كان يرف على المياه الأولى (تك 1: 2)، فيبدو أيضاً أنها تلميح إلى حمامة الفلك. إذن فمن المعقول أن التقليد الآبائى كان يرى فى الطوفان شكلاً لمعمودية المسيح، حيث يظهر فيها بمثابة نوح جديد، الذى يحل عليه الروح القدس، لكى يعلن المصالحة بين الإنسان والله... يقول كيرلس الأورشليمى «إن البعض يقول: كما أن الخلاص قد أتى فى أيام نوح بواسطة الخشبة والماء، وهناك كان بدء خليقة جديدة. وكما أن الحمامة قد عادت إلى نوح وقت المساء بغصن زيتون، هكذا، وكما يقولون، فإن الروح القدس قد نزل على نوح الحقيقى، منشئ الخليقة الجديدة، حينما حلّت الحمامة الروحية عليه وقت عماده، لكى تُظهر لنا إنه هو هو بعينه، وبواسطة خشبة الصليب يهب الخلاص للمؤمنين. كما أنه هو أيضاً، الذى فى وقت المساء، وبموته قد وهب العالم نعمة الخلاص».

وثمة صفة مميزة أخرى لهذه المثالية عند ترتليانوس، وهى التى تدلنا على أن الفلك يعتبر شكلاً للكنيسة ونجد هذا الشكل عند القدامى حتى ايريناوس. وإن كان يوستينوس يرى أن خشب الفلك هو بمثابة شكل ما لخشبة الصليب. ويؤكد كبريانوس ما قاله ترتليانوس بخصوص رمزية فلك نوح للكنيسة حتى أنه يقول «إن استطاع أحد أن ينجو خارج فلك نوح، إذن فليخلص من كان خارج الكنيسة». وهذا تعبير عن المبدأ القائل «لا خلاص خارجاص عن الكنيسة» نفس المعنى نجده فى كلام القديس عن خلاص الثمانية انفس الذين كانوا فى الفلك، والذين انقذوا بواسطته والذى كان رمزاً للكنيسة الواحدة... ويؤكد على هذا المعنى القديس ايرونيموس «إن فلك نوح كان مثال الكنيسة»...

ويقول ذهبى الفم «إن قصة الطوفان تعتبر أحد السرائر Mysterion، وتعد تفاصيلها مثالاً Typos لأمور قادمة. فالفلك هو الكنيسة، ونوح هو المسيح، والحمامة هى الروح القدس. وغصن الزيتون هو الخير السمائى. وكما كان فى وسط البحر، أن حفظ الفلك أولئك الذين كانوا فى داخله، هكذا تحفظ الكنيسة المخلَّصين. لكن الفلك قد حفظ فقط، أما الكنيسة فتعمل أكثر من هذا. وعلى سبيل المثال. فلقد استوعب الفلك الحيوانات عديمة العقل، وحفظها سالمة، أما الكنيسة فتقبل الناس الذين لم يقبلوا الكلمة Logos، وهى لا تحافظ عليهم فقط بل هى تغيّرهم أيضاً».

عبور البحر الأحمر:

على منوال الطوفان، يعتبر البحر الأحمر أحد انماط أو مثاليات Types المعمودية والتى تصادفنا مراراً كثيرة... إن قصة الخلاص من مصر بأكملها – كما هو وارد فى سفر الخروج – إنما هى نمط للفداء... ولقد سبق أن أعلن الأنبياء عن خروج جديد، يتحقق فى آخر الأيام، حيث يتمم الله أعمالاً، تعتبر اعظم من تلك التى قام بعملها من أجل شعبه فى البرية. ويبين لنا العهد الجديد – لا سيما انجيل القديس متى – أن أعمال الله قد أكملت فى شخص المسيح. فيه قد «تم الخلاص» وهذا الخلاص يُمنح فعلاً لكل انسان بواسطة المعمودية.

وينبغى لنا أن نتأكد هنا، من أن كلاً من الانجيل والليتورجيا يبرزان لنا مدى العلاقة المذهلة بينهما وبين خروج شعب الله قديماً Exodus. لأن هذا فى الحقيقة كان فى أيام «الفصح»، وهو الذى كان بالنسبة لليهود ذكرى خلاصهم من مصر، حيث أكمل المسيح فداءنا بموته، هذا بالاضافة إلى أنه فى تلك الليلة نفسها، وهى ليلة عيد القيامة، كان من المعتاد منح سرّ المعمودية. وهكذا يتبين من التوافق بين هذه المواعيد، وبطريقة عجيبة، استمرارية أعمال الله المختلفة... ففى خروج شعب الله قديماً The Exodus، وفى موت المسيح وقيامته، وفى المعمودية، نجد نفس العمل الفدائى الذى يتم فى مختلف المستويات التاريخية، سواء أكان من جهة الرمز، أو الواقع أو السرّ. وهكذا كان من المألوف عند المسيحين أن يستعملوا النصوص الخاصة بليتورجية مجمع اليهود والخاصة بالفصح، ويطابقونها على قيامة المسيح وعلى المعمودية.

ولعل عبور البحر الأحمر، والظروف التى أحاطت به فى سفر الخروج، تتصل إتصالاً وثيقاص بطقوس المعمودية ذاتها، أى تلك التى تتعلق بعبور الماء. يقول القديس بولس الرسول.

«فإنى لست أريد أيها الأخوة أن تجهلوا أن آباءنا جميعهم كانوا تحت السحابة، وجميعهم اجتازوا فى البحر. وجميعهم اعتمدوا لموسى فى السحابة وفى البحر» (1كو 10: 1).

، 2).

«سر التثبيت»

هذا السرّ يتعلق بالروح القدس وحلوله على المؤمن... لكن هل يتمثل هذا الحلول فى وضع الأيدى كما يعلّم العهد الجديد، أم بالمسح بزيت الميرون المقدس بحسب ما هو مستعمل الآن... هناك حقيقة معينة، هى وجود مسح بالميرون فى سرذ التثبيت.

أول ما يتميّز به هذا الطقس هو أنه مسح Chrisma. وهذه الحقيقة تاخذنا إلى رمزية انجيلية... كان «المسح» فى العهد القديم هو الطقس الذى من خلاله يُمسح به الكهنة والملوك. وكان هذا يؤسس سراً، فينتقل الروح القدس إليهم بمقتضى الوظائف التى يكلفون بأدائها... فى أسفار الأنبياء نمطية رمزية هامة هى مسيانية، تعلن أنه فى آخر الأيام سوف يأتى الشخص الممسوح – مسيّا – أى من هو مدهون بالمسيحة Christos. وهو من كان الملك داود ونسله والكاهن الأعظم مجرد رموز له. هذه النمطية المثالية والمسيانية تحت لمكاناً هاماً فى المزامير، تلك التى كانت جزء من ليتورجية الهيكل، وكانت علاقتها بالكهنوت واضحة جلية.

هذه النمطية الاسخاتولوجية قد تحققت فى يسوع الناصرى. ونفس الاسم «خرستوس Christos» الذى اطلق على يسوع هو الذى يفصح عن هذا... هذا اللقب قد قبله يسوع امام بيلاطس (مت 27: 12)، بل أكثر من هذا، فإن المسيح نسب إلى شخصه نبوة اشعياء.

«روح الرب علىّ لأنه مسحنى لأبشر المساكين.. » (اش 11: 2).

؛ لو 4: 8). أما سفر أعمال الرسل فيطبّق عليه ما جاء بسفر المزامير الذى يعتبر كله نبوياً تحقق بمجئ المسيح... وإذا تتبعنا الخط الفكرى الذى نسير وراءه، فإن ما يقال عن المسيح يصدق أيضاً على شخص المسيحى. أمامنا إذن نمطية سرائرية مزدوجة، حيث يبدو المَسْح مرتبطاً بالعهدين القديم والجديد.

اقدم شاهد على هذا هو ترتليانوس فى مقاله عن المعمودية... «بعد أن نخرج من بركة المعمودية فإننا نُدهن بالزيت المبارك، طبقاً للنظام القديم، حيث كان من المعتاد أن يكون الدهن بزيت مسكوب على القرن لقبول الكهنوت. وبهذا الزيت مُسح هارون على يد موسى. ومن هنا نشأت التسمية «المسيح» (خرستوس Christos) المشتقة من المسحة Chrisma بمعنى الدهن. وهذا المسح هو الذى اعطى هذه التسمية للرب، بعد أن صار مسحاص روحياً. لأنه حقاً قد مُسح بالروح القدس بواسطة الآب، كما يقال فى سفر الأعمال.

«اجتمع على فتاك القدوس الذى مسحته هيرودس وبيلاطس النبطى مع أمم وشعوب اسرائيل» (أع 4: 27)).

.. وهكذا ينسكب المَسْح علينا بحيث نشعر به، ولكنه يعمل بطريقة روحية»... إن ما ورد فى سفر الأعمال يشير إلى هذا المسح، مبيناً انه يتحقق فى المسيح. أما المسح بالزيت فى العهد القديم فإنه مجرد شكل رمزى للمَسْح الروحى، وهو الذى به مُسح الابن بالروح القدس. وهذا الدهن فى النهاية يسمى مَسْحاً Chrisma، ومن يناله يدعى مسيحياً Christianos.

ويطوّر كيرلس الأورشليمى هذه الفكرة فيصّور نفس التقليد مثل ترتليانوس.. «بعد أن استحققتم هذه المسحة المقدسة، فإنكم تُدعون مسيحيين. وبهذا تجعلون هذا الاسم هو اسمكم حقاً بالميلاد الجديد. ولكن قبل إن استحققتم لهذه النعمة، فإنكم لم تكونوا مستحقين لهذه التسمية، وإنما كنتم فى الطريق إليها، هادفين لأن تكونوا مسيحيين. ومن الضرورى أن تعرفوا أن الشكل الرمزى لهذه المسحة موجود فى العهد القديم. فإنه حينما نقل موسى إلى أخيه الوصية المقدسة فى تنصيبه رئيس كهنة، فبعد أن غسله بالماء، مسحه فسُمى مسيحاً بسبب المسحة الرمزية. وبنفس الطريقة أيضاً، فإن رئيس الكهنة أيضاً فى تنصيب سليمان ملكاً مسحه بعد أن غسله فى جيحون. لكن هذه الأمور قد اجريت لهم بالرمز، وأما أنتم فليس بالرمز بل بالحقيقة، حيث انكم قد مُسحتم فعلاً بالروح القدس. لأن مبدأ خلاصكم هو شخص الممسوح (أى المسيح) ».

الدهن المسيحى هو مشاركة فى دهن المسيح... يقول كيرلس الأورشليمى عن سرّ التثبيت «إنكم بعد أن اعتمدتم فى المسيح، وبعد أن لبستم المسيح، قد تغيّرتم إلى شكل ابن الله. لأن الله فى الواقع قد سبق فاختاركم كأولاد التبنّى. لقد غيّر شكلكم إلى جسد مجد المسيح. ولكنكم قد صرتم مسحاء عندما اخذتم سرّ الروح القدس. وكل هذه الأمور قد اجريت رمزياً، لأنكم صور المسيح. فإنه (المسيح) بعد أن استحم فى الأردن، ونزل عليه الروح القدس شخصياً، قرين الشئ نزل على قرينه. هكذا أنتم أيضاً. فانكم بعد ما خرجتم من بركة الماء المقدس، قد اخذتم المسحة. ذلك السر الذى به قد مُسح المسيح، اقصد الروح القدس، الذى قال عنه الطوباوى اشعياء متحدثاً باسم الرب: روح الرب علىّ، لأنه مسحنى (أش 61: 1).

يتحدث كيرلس الأورشليمى عن سرّ الروح القدس ويقول أنه «تحت (قيادة) موسى، قد أعطى الروح القدس بوضع الأيدى، وأن بطرس بوضع الأيدى قد اعطى الروح». ولكنه يمضى قائلاً «إن النعمة سوف تحلّ عليكم بعد أن تعتمدوا. وسوف احدثكم عن كيفية هذا فيما بعد»... وهنا نجد دليلاً على التمييز بين التثبيت والمعمودية. وأيضاً حقيقة أنه على الرغم من التغيير فى الطقس فإن هذا هو ذلك السرّ بعينه الذى منحه بطرس بوضع الأيدى. وفى الدرس عن قيامة الجسد، يعلن كيرلس سرّ التثبيت فى هذه العبارات « وبعد ذلك فإنكم سوف تدركون كيف أنكم قد تطهرتم من خطاياكم، من الرب، بحميم الماء، وبالكلمة معاً، وكيف أنكم صرتم بطريقة كهنوتية شركاء فى اسم المسيح. وكيف أن ختم شركة الروح القدس قد اعطى لكم».

ويوضح كيرلس رأيه فى هذه الفقرة...

«إن المسيح لم يُمسح بزيت أو بعطر مادى من يد إنسان، ولكن الآب الذى كان قد عينّه من قبل مخلصاً للعالم كله، قد مسحه بالروح القدس، كما يقول بطرس «يسوع الذى من الناصرة (كيف) مسحه الله بالروح القدس» (أع 10: 38)).

.. وبنفس الطريقة، وكما صلب المسيح حقيقة، ودفن بالحقيقة، وقام أيضاً بالحقيقة. وكما أنه قد وهب لكم فى المعمودية أن تُصلبوا معه وتدفنوا معه، وتقوموا معه بمشابهة ما، فهكذا الحال أيضاً مع المسحة. لقد مُسح بزيت البهجة الروحى، أى بالروح القدس. الذى سُمى زيت البهجة لأنه منبع الفرح الروحى. وأنتم أيضاً لقد مسحتم بالزيت العطر وصرتم شركاء فى المسيح».

أول كل شئ إن هذا النص يثبت بوضوح ما هية السرّ. إنه مشاركة فعلية فى نعمة المسيح. وثانياً فإنها تبيّن لنا كيف أن هذا البناء ينطبق أيضاً على سر التثبيت مثل انطباقه على سرّ المعمودية. وبالكيفية نفسها، كما أن المعمودية تصوّرنا للمسيح المائت والقائم أيضاً، فهكذا يصورنا التثبيت إلى المسيح الممسوح بالروح القدس، ينر إليه هكذا على أنه شكل رمزى مسبق لموته، ويليه تجليسه على عرشه الملوكى. وهذا ما يتشارك فيه الشخص المسيحى بدوره بواسطة سرّى الماء والمسحة.

ويقول تيودور الموبسيستى تعليماً مماثلاً «بعد ان تنال النعمة بالمعمودية، وبعد أن تتوشح برداء ناصع البياض، يأتى إليك الأسقف ويرسمك على جبهتك ويقول: (فلان) قد رُسم باسم الأب والابن والروح القدس، لأنه كما أن يسوع قد صعد من الماء، فإنه أخذ الروح القدس، الذى أتى إليه فى شكل حمامة وحلّ عليه. كذلك – حيث أنه قد قيل عنه (المسيح) أنه قد مُسح بالروح القدس، وحيث أن هذا يقال أيضاً عن الذين يُمسحون بدهن المسحة، أن الزيت يلازمهم ولا ينزع منهم. لذلك فأنت أيضاً يجب أن تقبل الوَسْم على جبهتك حتى تنال هذا الوسم، حتى يحلّ الروح القدس، وحتى تُمسح معه»... إن صياغة تيودور الموبسيستى هذه تذكرنا بنص كيرلس الأورشليمى «إن التثبيت هو مشاركة فى مسحة المسيح بالروح القدس بعد عماده. وينبغى لنا أن نلاحظ أنه يرتبط بهذه المسحة الحلول الخاص للروح القدس. كما نلاحظ أن تيودور يؤكد طابع الثبات للزيت. وهذا يأخذنا إلى مبدأ الطابع السرائرى الذى ينطبق هنا على «التثبيت».

إن عقيدة التثبيت عند امبروسيوس كما هى عند كيرلس، إنما هى توصيل للروح القدس: «إن المعمودية يتبعها الختم الروحى. فإنه بعد البداية، يلزم الحصول على الاكتمال. وهذا يحدث بصلوات الكاهن. فيحل الروح القدس، روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوة، روح المعرفة والتقوى، روح المخافة المقدسة. إنها سبعة، لأن قوات الروح سبعة. والحق أن كل الفضائل تُنسب إلى الروح القدس. ولكن هذه تعتبر بمثابة الفضائل الرئيسية. هذه هى الفضائل السبع التى تنالونها، حين توسمون بالختم».

إن هذا النص يظهر لنا عنصراً جديداً يوضح بجلاء نقطة فى دراستنا، كانت غامضة حتى هذه اللحظة. ولقد سبق أن ذكرنا أن القصد من سرّ التثبيت هو توصيل الروح القدس. ولكن الإنسان المسيحى الجديد قد تعمّد فى الروح القدس. والآن فإن هذا النص يبرز بدقة الشئ الذى مازال مطلوباً بعد المعمودية، أى «الكمال»... يقول كبريانوس «إن الشخص المعمّد حديثاً ينبغى له أن يظهر أمام رؤساء الكنيسة لكى ينال الروح القدس، وذلك بالدعاء ووضع الأيدى. ولكى ما يبلغ حدّ الكمال بواسطة ختم الرب»... ثم إن هذا الاكتمال يتكون فى مواهب الروح القدس، فنأتى إلى صميم الغرض من سرّ التثبيت. وليس معنى هذا هو اعطاء الروح القدس، فهو الذى سبق أن اعطى عند المعمودية. وإنما الذى يحدث فى سر التثبيت هو انسكاب جديد للروح القدس، بقصد تكميل الطاقات الروحية التى دُعيت إلى النفس بواسطة المعمودية».

إن التقليد الشرقى يرى فى سرّ التثبيت، سرّ التقدم الروحى، بينما تكون المعمودية هى سر الولادة الروحية. [فى قوانين الرسل Apostolical Constitutions 3. 16. 3 جاء عن المعنى الرمزى للأسرار، يقترن الروح القدس بزيت الموعوظين، والتثبيت الذى يتميز به الميرون، «إن الماء يشير إلى الدفن، والزيت إلى الروح القدس، والختم Sphragis إلى الصليب، والميرون إلى التثبيت. وعند ديديموس الضرير: ختم المسيح Sphragis على الجبهة، وقبول المعمودية والتثبيت بالمسيحة].

إن هذا الاكتمال للحياة الروحية، يعبّر عنه عند الآباء بطريقتين، فيربطه القديس امبردسيوس بمواهب الروح القدس. يقول فى كتاب الأسرار De Mysteriis «لقد اخذتم الختم الروحى، روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوة، روح المعرفة والتقوى، روح المخافة المقدسة. فاحتفظوا بما أخذتم. لقد مسحكم الآب بالختم. ولقد منحكم وقوّاكم المسيح الرب. ووضع فى قلوبكم عربون الروح». أما الدراسات اللاهوتية المتأخرة، فإنها فى الواقع ترى فى مواهب الروح القدس، العلاقة الحقيقية للنفس الكاملة، التى لم تعد تنقاد بالفضائل العادية، وإنما يقودها مباشرة الروح القدس بواسطة المواهب، التى تجعل النفس مذعنة لعمل «الروح».

لكننا نجد عند كيرلس الأورشليمى، خطأ فكرياً مختلفاً حيث تُنسب المسحة Chrisma إلى التعليم الخاص بالحواس الروحية. ونحن نعمل ان هذا التعليم الذى ابتدأ باوريجينوس، عزيز جداً على الصوفية الشرقية. أما فى اورشليم فيخبرنا كيرلس الأورشليمى بأن الدَّهن بالمسحة كان يتم ليس بمسحة الرأس فحسب، وإنما على الحواس، يكون علامة لإيقاظ الحواس الروحية. يقول «لقد دُهنت أولاً على الجبهة، لكى تتحرر من العار الذى نقله الإنسان الأول بعد خطيئته، فى كل مكان، لكيما تتحرر تماماً حتى تتمكن من أن تتأمل فى مجد الله بوجه مكشوف كما فى مرآة. ثم بعد ذلك على الأذنين حتى تسترد الأذنين اللتين يمكنك كما فى مرآة. ثم بعد ذلك على الأذنين حتى تسترد الأذنين اللتين يمكنك بهما أن تستمع إلى السرائر الإلهية. ثم فتحتى الأنف حتى انه بعد ان تشتم العطر السماوى، يمكنك ان تقول: نحن رائحة المسيح الزكية».

ثم إن كيرلس يضيف قائلاً إن المسحة الأخيرة تكون على الصدر... «لقد دُهنت أخيراً على الصدر، حتى إذا لبست درع البرّ، تستطيع أن تقف بثبات أمام هجمات الشيطان. وحقاً، كما أن المسيح، بعد عماده، وحلول الروح القدس عليه، ذهب لكى ينتصر على المضاد، فهكذا أنت أيضاً بعد المعمودية المقدسة والمسحة السرائيرية، وبعد أن توشحت بكل سلاح الروح القدس، فإنك تقاوم القوات المعادية». إن هذا الجانب من السرّ هو الجانب الذى احتفظنا به واسميناه «التثبيت». وكما رأينا، لقد كان هذا جانباً واحداً من مفهوم الختم Sphragis فى المعمودية. أما الشئ الذى يظل قاصراً «سر التثبيت» وحده فهو فكرة واكتمال القوة الممنوحة فى سر المعمودية.

«الرشم بالميرون فى الكنيسة القبطية»

يأخذ الكاهن قارورة الميرون المقدس ويُصلّى عليه قائلاً «أيها القادر وحده، صانع جميع العجائب، الذى لا يعسر عليك شئ، لكن ارادتك وقوتك فاعلة فى كل شئ. انعم بالروح القدس عند نضح الميرون المقدس. ليكن خاتماً مُحيياً، وثباتاً لعبيدك، بابنك الوحيد الجنس يسوع المسيح ربنا. هذا الذى من قبله يليق بك المجد... إلخ.

ثم يمسح الكاهن الأطفال المعمّدين بالميرون المقدس بمثال الصليب، كل واحد 36 رشماً دون رفع يده عن الجسد الذى يرشمه. علماً أن رشم الجسد بالميرون بهذا العدد من الرشومات قاصر على الكنيسة القبطية.

(أولاً): يرشم النافوخ، والمنخارين، والفم، والأذن اليمنى، والعين اليمنى، والعين اليسرى، والأذن اليسرى (ثمانية رشوم) وهو يقول:

باسم الآب والابن والروح القدس. مسحة نعمة الروح القدس آمين.

(ثانياً): يرشم القلب والصرّة والظهر والصلب (4رشوم) وهو يقول:

مسحة عربون ملكوت السموات آمين.

(ثالثاً): يرشم مفصل الكتف الأيمن من فوق وتحت فى الإبط، ومفصل الكوع الأيمن ومثناه، ومفصل الكف الأيمن وأعلاه (6 رشوم) وهو يقول:

دهن شركة الحياة الأبدية غير المائتة آمين.

(رابعاً): يرشم مفصل الكتف الأيسر من فوق، وتحت الأبط. ومفصل الكوع الأيسر ومثناه، ومفصل الكف الأيسر وأعلاه (6 رشوم) وهو يقول:

مسحة مقدسة للمسيح إلهنا، وخاتم لا ينحّل آمين.

(خامساً): يرشم مفصل الورك الأيمن، والحالب الأيمن، ومفصل الركبة اليمنى ومثناه، ومفصل عرقوب الرجل اليمنى وأعلاه (6 رشوم) وهو يقول:

كمال نعمة الروح القدس، ودرع الإيمان والحق آمين.

(سادساً): يرشم مفصل الورك الأيسر والحالب الأيسر، ومفصل الركبة اليسرى ومثناه، ومفصل عرقوب الرجل اليسرى واعلاه (6 رشوم) وهو يقول:

ادهنك (يا فلان) بدهن مقدس باسم الآب والابن والروح القدس آمين.

وعند انتهاء شم المعّمد يضع الكاهن يده عليه ويقول:

تكون مباركاً ببركات السمائيين، وبركات الملائكة. يباركك الرب يسوع المسيح وباسمه. ثم ينفخ فى وجه المعتمد ويقول:

اقبل الروح القدس، وكُن إناءً طاهراً من قبل يسوع المسيح ربنا هذا الذى له المجد مع أبيه الصالح والروح القدس الآن وكل آوان وإلى الأبد آمين.

بعد هذا يلبس المعتمد ثوباً ابيض وهو يقول: لباس الحياة الأبدية غير الفاسدة آمين.

ونلاحظ أن طقس الرشم بالميرون 36 رشماً تقريباً على كل عضو وحاسة، المستخدم فى كنستنا القبطية، له دلالة روحية جميلة جداً... لقد صارت اعضاء الإنسان المؤمن وكأنه كتب على كل منها «قٌدس للرب»، أى صارت مقدسة للرب، لا تستخدم إلا له وفمياً يمجد إسمه... وهنا نتذكر كلمات بولس الرسول.

«ألستم تعملون أن أجساكم هى أعضاء المسيح. أفآخذ أعضاء المسيح واجعلها أعضاء زانية (للخطية) » (1كو 6: 15)).

..


[1] - الاشارة هنا إلى مدة الصوم الكبير ثمانية اسابيع فى القرن الرابع. وهذا يتمشى مع ما هو متبع فى كنيستنا حتى الآن.

[2] - هذا الامتحان تمتد الاشارة إليه إلى التقليد الرسولى لهيبوليتس سنة 215م. كما يقدم اغسطينوس تفسيراً ممتازاً للطريقة التى كان يتم بها.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

›

طقوس القدّاس الإلهى

‹

صلوات السواعى والتسبيح فى الكنيسة

المحتويات
المحتويات