هذا الفصل هو جزء من كتاب: المراعي الروحية-جولة آبائية – جون موسكوس- القمص أشعياء ميخائيل .
جدول المحتويات
القصص من 151 - 200
151 - حياة ثيؤدور رجل الله الذي يعيش في العالم
قال لنا الأب يوردانيس [Jordanes] الناسك الآتى: ذهب ثلاثة من النساك إلى الأب نيكولاس [Nicholas] عند وادى بستاسبموس [Bestasimos] حيث كان يعيش داخل أحد الكهوف يقع بين دير القديس إلبيديوس [Elpidios] ودير آخر يعرف بدير الغرباء، وأثناء حديثنا عن خلاص الروح وإذ بغريب يقترب منا، فقال له الأب نيكولاس: هل تريد أن تضيف شيئاً آخر إلى قولنا وتخبرنا به؟ فأجاب الرجل الغريب وقال: ما عساى أنا أن أقول أى شئ حسن، فأنا رجل أعيش فى العالم؟ ولا أستطيع حتى أن أفعل ما هو خير لنفسى.
فقال له الأب نيكولاس: فى الحقيقة يا أخى أنت من سيقول شئ لنا.
قال الرجل الذى من العالم: طيلة عشرون سنة عدا أيام السبت والأحد لم ترانى الشمس أتناول الطعام قط، فأنا أعمل أجير لدى رجل غنى ولكنه ظالم وطماعاً وأعمل عنده منذ خمسة عشر عاماً أكد وأكدح ليلاً ونهاراً، ولكنه لم يدفع لى أجرى طيلة هذه المدة بل ويسئ معاملتى على نحو لا يمكن وصفه، فقد قلت لنفسى: يا ثيؤدور [Teodore] إذا تحملت هذا الرجل فإنك ستدخل ملكوت السموات عوضاً عن الأجر المدين به لك لذلك حافظت على جسدى طاهراً ولم أرتبط بأى إمرأة حتى يومنا هذا! بالحقيقة تهذبنا وتعلمنا كثيراً من قول هذا الرجل.
152 - قصة الأب يوردانيس مع الساراسين
كما روى أيضاً الأب جوردانيس أن لأب نيكولاس قال له الآتى:
فى عهد الإمبراطور التقى موريس [Maurice] وعندما قام القائد السارسينى نعمان [Saracen Naaman] بالعديد من الغارات البربرية وبينما كنت أنا فى رحلة طويلة إلى كل من عانون [Annon] وأيدون [Aodon] رأيت ثلاثة من الساراسين وبقبضتهم شاب وسيم حسن الطلعة ويبلغ من العمر حوالى العشرين عاماً، وعندما رآنى هذا الشاب بدأ فى الصياح والنداء حتى أخلصه من بين أيديهم لذا توجهت إليهم وبدأت فى التوسل إليهم راجياً منهم أن يتركوا هذا الشاب المسكين فتحدث إلىّ أحدهم باللغة اليونانية قائلاً: لن ندعه يرحل.
قلت لهم: خذونى أنا ودعوه يرحل فهو لن يتحمل مشقة العبودية فأجاب نفس الرجل السارسينى قائلاً: لن ندعه يرحل فقلت لهم للمرة الثالثة: هل يمكنكم تركه مقابل فدية؟ سلموه لى وسوف أذهب وأحضر لكم ما تطلبونه.
أجاب الرجل السارسينى مرة ثالثة قائلاً: لا نستطيع أن نسلمه لك لأننا سبق وقطعنا عهداً على أنفسنا أمام كاهن مدينتنا بأننا إذا أخذنا شاب صغير حسن الطلعة كأسير ويمكن تسليمه له ليُقدم كذبيحة، والآن أغرب عن وجهنا وإلا جعلنا رأسك تتدحرج على الأرض، وبعد أن فشلت فى اقناعهم بأى حل ينقذ الشاب طرحت نفسى أمام الرب راكعاً وقلت له: أيها الرب المخلص يسوع المسيح خلص عبدك، وعلى الفور جذب الثلاثة رجال الساراسينين سيوفهم وبدأوا يتناحورا حتى قطع كل منهم الآخر إلى أجزاء، فأخذت الشاب إلى كهفى وبقى فيه ولم يرغب فى تركه البتة، ورفض حياة العالم وبعد أن أمضى سبعة سنوات فى تلك الحياة الطاهرة البتولية رقد فى الرب بسلام، وكان هذا الشاب من مدينة تاير [Tyre].
153 - جواب أحد الرهبان على إثنين من الفلاسفة
ذهب إثنان من الفلاسفة المفكرين[39] إلى أحد الرهبان يطلبان أن يعطيهم كلمة قد تعود بالمنفعة على أرواحهما، ولكن هذا الراهب العجوز بقى صامتاً فقال له الفليسوف للمرة الثانية: ألن تجيبنا يا أبانا؟
قال الراهب: أنتما ماهران فى إستخدام الكلمات والعبارات، وأنا أعرف ذلم تمام المعرفة، ولكننى أشهد إنكما لستما محبين حقيقيين للمعرفة فمنذ متى وأنتما ت حترفان فن الخطابة حيث أنكما لا تفهمان ما تتحدثان عنه؟ إجعلا موضوع تفكيركما وبحثكما هو تأمل الموت وإملئا أنفسكما وأرواحكما بالصمت والهدوء.
154 - الراهبان اللذان إسترشدا بكلب صغير
قابلت عند دير كلامون [Calamon] بالقرب من نهر الأردن المقدس الأب ألكسندر [Alexander] وكان برفقتى المفكر سوفرونيوس، وكان هناك راهبان سوريان الأصل جاءا إليه من سوبيبا [soubiba] [40] وهما اللذان أخبرانا الآتى: أتى إلينا راهب عجوز من مكان بعيد، ودخل دير بيسوى [Besoi] فى سوبيبا وقام بتقديم عطية للمكان ثم قام بسؤال الأب الكاهن الذى بالدير عن ما إذا تفضل وسمح بإرسال أحد الأشخاص إلى دير أخر بنفس الحى وهو دير السوريين، ويخبرهم بأن يأتوا ويأخذون نصيبهم من العطية وان يعلنوا تلك الدعوة فى دير شوريمب [Chorembe] حتى يتمكنوا أيضاً من المجئ ويحصلوا على هذه العطايا، فقام الأب الكاهن بإرسال أحد الإخوة إلى دير السوريين فى سوبيبا وعندما وصل هذا الأخ، قال للكاهن: إذهب إلى دير بيسوى وإرسل تلك الرسالة إلى دير شوريمب حتى يتمكن من بالدير من المجئ فأجاب الراهب العجوز وقال: لا يوجد لدى من أرسله، فإذا سمحت أنت وتفضلت إذهب بنفسك وأخبرهم.
قال الأخ: لكنى لا أعرف المكان.
فقال الراهب إلى كلبه الصغير: إذهب مع هذا الأخر إلى دير شوريمب حتى يتمكن من تسليم رسالته.
رافق الكلب الصغير الرجل حتى وصل إلى بوابة الدير ووقف امامها من أخبرونا تلك القصة أرون الكلب الصغير وابقوه معهم.
155 - حمار صغير يخدم بالدير
يوجد دير على قمة جبل بجوار البحر الميت يدعى دير مارديس [Mardes] [41] كان هذا الجبل شاهق الإرتفاع وكان هناك بعض من النساك يعيشون على هذا الجبل، وكانت لديهم مزرعة يزرع بها الخضروات وتقع على بعد ستة أميال من البحر بالقرب من حافته أى تقع عند ضفاف البحر وكان أحد هؤلاء النساك يقيم فى تلك المزرعة حتى يرعاها، وفى أحد الأيام أراد هؤلاء النساك بعض الخضروات من تلك المزرعة فقاموا بوضع سرج التحميل على ظهر الحمار وقالوا له: إذهب إلى الراهب الذى يرعى المزرعة وأحضر لنا بعض الخضروات فذهب الحمار بمفرده حتى وصل إلى الراهب المقيم بالمزرعة فوقف عند الباب وقام بضرب الباب برأسه فأتى إليه الراهب راعى المزرعة وقام بتحميله بالخضروات وأرسله إلى حيث أتى، ويمكنك أن ترى هذا الحمار وهو يرجع فى كل مرة ولكنه كان يخدم الرهبان فقط ولا يخدم اى أشخاص آخرين.
156 - حياة الأب سوفرونيوس ووصايا الأب مينا
قال الأب ميناس [Menas] رئيس دير الأب سيفريان [ٍSeverian] هذا بخصوص الأب الناسك سوفرونيوس [Sophronoios]:
كان الأب سوفرونيوس يقتات من عشب الأرض فى المناطق المحيطة بالبحر الميت وعاش هكذا لمدة سبعين عاماً، وكان يسير عارياً يأكل النباتات البرية فقط كما قال أيضاً الأب ميناس أنه سمع الأب سوفرونيوس يقول: أنا أصلى دائماً للرب ألا يسمح للشياطين بالإقتراب من كهفى الذى أعيش فيه وقد رأيت بعض منهم قادماً ومتجهاً نحو كهفى ولكنهم عند مسافة ثلاث (ستاد[42]) وقفوا وعجزوا عن الإقتراب أكثر، وقد قال الأب ميناس للإخوة من الرهبان: يا أبنائى الصغار دعنا نتحاشى التعامل مع أهل العالم فإن التعامل معهم قد يؤذى ويشوش بخاصة الشبان من الرهبان، فإن صغار السن فى حاجة إلى التوبة لكى يستحقون الحياة الأبدية فيما بعد والمجد السماوى العظيم الذى ينتظرهم، فصغار السن فى حاجة إلى التوبة بسبب الرغبة الجسدية والجنسية الجامحة، فإن تفكيرهم لا يتعدى أسفل بطونهم أما بالنسبة لكبار السن فربما قد يحتاجون لتغيير نزوعهم للشر والذى قد إكتسب قوة كبيرة وثباتاً بفعل طول المعايشة لهذه النوازع.
157 - كيف ظهر شيطان لراهب في شكل طفل أسود
أخبرنا الأب بولس [Paul] رئيس دير الأب ثيوجنياس [Theognias] عن أحد الرهبان قال له:
فى أحد الأيام وبينما كنت جالساً فى قلايتى منهمك فى بعض الأعمال اليدوية كنت أجدل السلال بينما أرنم المزامير، وإذ بفتى ساراسينى [Saracen]، ويحمل سلة الخبز وينظر إلىّ من خلال النافذة، وقف أمامى ثم بدأ فى الرقص فتركته وعدت إلى ترانيمى، فقال لى: أيها الراهب هل أنا أجيد الرقص؟ فلم أجبه عليه بكلمة واحدة.
فقال ثانية: هل تعجب الطريقة التى أرقص بها أيها العجوز؟
وعندما لم أعيره أى إهتمام وألا أتفوه بكلمة واحدة له قال لى: أيها العجوز الشرير هل تعتقد أنك تعمل شيئاً ذا أهمية؟ فدعنى أخبرك شيئاً لقد أخطأت عدة مرات فى المزمور الخامس والستين والسادس والستين والسابع والستين، فوقفت وركعت أمام الرب وعلى الفور إختفى هذا الصبى.
158 - حياة الأب إسحاق وكيف ظهر له الشيطان
كانت هناك مدينة تسمى ليكوس [Lycos] فى بلدة طيبة [Thebaid] يبعد عن تلك المدينة بسته أميال دير أنشئ على سطح جبل، وهناك أيضاً الكثير من الرهبان بعضهم يعيش داخل كهوف والآخر داخل القلايات وعندما ذهبنا إلى هذا المكان قابلنا الأب إسحاق [Isaac] وهو من طيبة حيث قال لنا:
أعمل لمدة إثنين وخمسين عاماً فى صناعة الناموسيات اليدوية، وفى أحد الأيام صنعت خطأ ما فى عملى تكدرت كثيراً وخصوصاً لأننى لم أستطع إيجاد مكان الخطأ لأعدل منه، وقضيت اليوم بأكمله منزعجاً وفى ذلك الحين رأيت شاباً يأتى إلىَّ من نافذة قلايتى ويقول لى: لقد إرتكبت خطأ فى عملك فأعطينى ما صنعته لأعدل منه.
فقلت له: أغرب عن وجهى يا هذا فأنا لن أفعل هذا قط.
فقال لى: ولكنه مؤلم ومحزن بالنسبة لك أن تصنع شيئاً سيئاً.
قلت له: لا حاجة لك ولا تقلق بشأنى.
فقال: لأنك ستضيع وقتك.
قلت له: إنصرف لا أنت ولا من أرسلك إلى هنا مرغوباً فيكما.
ولكنه قال: فى الحقيقة أنت من أجبرتنى على المجئ إلى هنا والآن أنت ملكى.
قلت: كيف لك أن تقول ذلك؟
قال: مرت ثلاثة أحاد وتناولت جسد المسيح ودمه بينما أنت مستعداً لقتال جار لك، فقلت له: أنت كاذب.
ولكنه قال: ألن تكن الضغينة والكره لهذا الجار بسبب خلاف على بعض من محصول نبات العدس، فأنا المسئول عن مشاعر الكره والضغينة ومن الآن فصاعداً أنت ملكى.
عندما سمعت هذا الكلام تركت قلايتى وإنطلقت لهذا الأخ الجار وركعت أمامه لربما يغفر لى، وعندما رجعت وجدت هذا الزائر الشاب قد أحرق ناموسيتى والمشاية التى كنت أركع عليها أمام الرب، فعلمت أنه إحترق غيظاً وغيرة من مشاعر الحب التى أظهرتها للجار الأخ.
159 - جواب الأب ثيؤدور على سؤال بخصوص الخمر
يوجد دير يسمى دير كلامون [Calamon] يقع على بعد عشرين ميلاً من مدينة الإسكندرية بين الميل الثمانية عشر منطقة المافورا [MAphora] فى هذا الدير إلتقينا بالأب ثيؤدور [Theodore] كان المفكر سوفرونيوس معى، وقمت بسؤاله هل مسموح لنا أن نخرق قانون تحريم الخمر عندما نكون فى زيارة بعض الأشخاص أو أحد الأشخاص قام بزيارتنا؟
أجاب الأب ثيؤدور قائلاً: آبائنا القدامى كانوا بالفعل رجال صالحين ومتحكمين فى أنفسهم، فقد كانوا قادرين على أن يرتخوا فى تطبيق أحد القوانين ثم يُعيدون تطبيقها ثانية بنفس الصرامة أما الجيل الحالى، فهم ليسوا بالقوة الكافية حتى يتساهلوا فى تطبيق القوانين ثم يُعيدون تطبيقها ثانية فبمجرد أن نتساهل فى قوانين التقشف فلن نستطيع الحفاظ عليها ثانية.
160 - حياة الأب بولس اليوناني
فى دير كالامون [Calamon] عند نهر الأردن المقدس قال الأب ألكسندر [Alexander]: فى أحد الأيام وعندما كنت عند الأب بولس اليونانى [Paul] فى كهفه طرق أحد الأشخاص الباب فقام الأب ليفتح الباب ثم خرج فى إلتهام الطعام فى بادئ الأمر إعتقدت أنه شخص غريب، فنهضت ونظرت من نافذة القلاية وإذ به أسد.
فقلت لراهب الحيوانات: أيها الراهب الصالح لماذا تطعم الحيوانات أخبرنى؟
قال الأب بولس: إن إعتنائى به حتى لا يؤذى إنساناً أو حيواناً كما أننى قد أخبرته بأن يأتى إلى هنا كل يوم لأعطيه ما يكفيه من الطعام، فهو يأتى إلى هنا مرتين باليوم خلال السبعة شهور الماضية وأقوم أنا بإطعامه.
مرت عدة أيام ثم إلتقينا ثانية، فقلت له: كيف تسير الأمور أيها الأب الصالح؟ قال لى: الأمور تسير بسوء.
فسألته: كيف ذلك؟ فأجاب قائلاً: بالأمس جاء إلىَّ الأسد لأطعمه فوجدت فمه ووجهه ملوث بالدماء، فقلت له لماذا لم تطيعنى وقمت بأكل اللحم؟
فليباركك الرب إذهب من هنا فلن أطعمك ثانية البتة لن أطعم حيوانات آكلات للحوم من طعام آباءنا، ولكنه لم يذهب بعيداً فأخذت حبلاً وثنيته ثلاث مرات وضربته به ثلاث ضربات وبعدها رحل دون رجعة.
161 - رد الأب الناسك فيكتور على راهب فاتر القلب
قام أحد الإخوة بزيارة الأب فيكتور الناسك [Victor] عند دير إليوسا[43] [Eleousa] وقال له: ماذا أفعل يا أبانا؟ لقد أصبت بمرض روحى وهو فتور القلب؟
فقال له الأب فيكتور: هذا المرض الروحى يشبه أعراض من يعانون من إلتهاب العين (الرمد) فيكون لديهم إنطباع دائم بأنهم يرون المزيد من الضوء (عندما يشتد عليهم المرض) أكثر من الأشخاص الأصحاء، وبالمثل ففتور القلب هو الإدانة السريعة لبعض الأمور الصغيرة وتناولها كما لو كانت أمور هامة، وهذا عكس تماماً ما يحدث بالنسبة لأصحاء الروح حيث أنهم يستمتعون فى التجارب.
162 - حياة اللص سيرياكوس
قال لنا أحد أحباء المسيح قصة تخص أحد اللصوص وإسمه سيرياكوس [Cyriacos] حيث كانت كل أعمال السرقة التى يقوم بها فى المناطق التى حول مدينة إيموس [Emaus] والمعروفة أيضاً بإسم نيكوبوليس [Nicopolis] كان همجى وقاسى القلب حتى أن أهل المدينة لقبوه بالذئب، وكان برفقته لصوص آخرين وليس مسيحيون فقط بل أيضاً يهود وسامريين، وفى أحد الأيام وكان ذلك فى الأسبوع المقدس أسبوع الآلام أتى الناس من أحد المناطق فى إقليم نيكوبوليس إلى المدينة المقدسة حتى يعمدون أطفالهم فى هذا الأسبوع المبارك، وبعد أن تعمد الأطفال قرر الأهالى الرجوع إلى مدينتهم حتى يحتفلون بعيد الفصح وبينما هم فى طريق عودتهم إذ باللصوص يعترضون طريقهم (لم يكن معهم زعيم اللصوص) سلم الرجال أقدامهم للريح وهربوا تاركين الأطفال حديثى المعمودية، فقام اللصوص اليهود والسامريين بالقبض على النساء وتجريدهن من ممتلكاتهن أما بالنسبة للرجال فإنطلقوا إلى زعيم هؤلاء اللصوص والذى سألهم: لماذا هربتم؟
أخبر الرجال زعيم اللصوص بما حدث لهم، فأخذهم هذا اللص الزعيم وذهبوا جميعاً ليبحثوا عن رفقائه من اللصوص فوجد الأطفال ملقين على الأرض، وعندما تحرى هذا اللص الزعيم وعرف الجناة الذين قاموا بهذه المذبحة قام بقتلهم جميعاً كما أيضاً رافق هؤلاء الناس حتى وصلوا إلى مدينتهم بسلام.
مرت فترة وجيزة وقبض على هذا الرجل زعيم اللصوص حيث أمضى أكثر من عشر سنوات محبوساً فى زنزانته ولم يكن هناك أى حكم عليه وبعدها أفرج عنه، وكان دائماً ما يردد: أن الفضل لهؤلاء الأطفال فى هروبى من الموت المرير، فقد كنت دائماً ما أراهم فى أحلامى يقولون لى: لا نخاف فنحن قد رشحنا للدفاع عنك لقد قابلت هذا الرجل وكان برفقتى الأب يوحنا [John] كاهن دير يونكس [Eunuchs] وقد حكى لنا قصته بالكامل وإستمعنا إليه ومجدنا ربنا يسوع المسيح.
163 - حياة اللص الذي أصبح راهباً ثم قطعت رأسه
قال الأب سباتيوس [Sabbatios] عندما كنت فى دير فيرمينوس [Firminos] أتى أحد اللصوص إلى الأب زوسيموس السيليزيانى [Zosimos the Cilician] وتوسل إلىّ قائلاً: إذا تفضلت يا أبانا من أجل المسيح إرسمنى راهباً، فقد كنت المسئول عن الكثير من جرائم القتل، فإصنع منى راهباً حتى أقضى باقى أيام حياتى أكفر عن تلك الأعمال الشريرة.
أعطى الأب التعليمات بأن يتم رسامته راهباً، وتعليمه وتهذيبه بالطقوس المقدسة، وبعد أيام قليلة قال الأب الكاهن للراهب الجديد: صدقنى يا بنى لا يمكنك البقاء هنا فى الدير حيث أنه إذا وصل إلى سمع الحاكم بأنك هنا سيأتى ليقبض عليك، أو ربما قد يسلك نفس الطريق بعض أعدائك ويقتلونك فأصغ إلىَّ جيداً سآخذك لكنيسة تبعد قليلاً عن هنا.
أخذ الأب زوسيموس الراهب الجديد لكنيسة الأب دوروثيؤس [Dorotheos] بالقرب من مدينة غزة ومدينة مايوما [Maioma].
مكث الراهب تسع سنوات بهذا الدير وهناك تعلم ودرس دراسة شاملة متعمقة لكتاب المزامير كما كان يراعى كل التعليمات والعادات الرهبانية المقدسة بعدها عاد هذا الراهب إلى دير الأب فيرمينوس وقال للأب زوسيموس: يا أبى رفقاً بى أرجوك أعد لى ملابس العالم وخذ رداء الرهبان فإنزعج الأب مما سمعه وسأله: لماذا يا بنى تريد ذلك؟
أجاب الراهب: أصغ إلىّ يا أبانا كما تعلم لقد كنت خلال التسع سنوات الماضية التى قضيتهم بالدير دائم الصوم أكثر مما تتحمله قدرتى، ومارست ضبط الذات بأقصى درجاته، وعشت حياة من الطاعة والصمت التام من أجل مخافة الرب، فأنا مؤمن بأن صلاح الرب قد غفر لى خطاياى الكثيرة وأعمالى الشريرة إلا أنه كل يوم أرى طفل رضيع يقول لى: لماذا ذبحتنى؟ فأنا أرى هذا الطفل فى الكنيسة وفى حجرة الطعام وفى كل مرة يقول نفس الكلام ويسأل نفس السؤال لم تفارقنى تلك الرؤية أبداً، فهى لا تتركنى أشعر بالسلام ولو لساعة واحدة، وهذا يا أبى سبب رغبتى فى الرحيل يبدو أنه يجب علىّ أن أموت من أجل هذا الطفل لأننى قتلته دون سبب.
أخذ الراهب ملابس العالم وإرتداها وترك الدير وذهب إلى ديوسبوليس [Diospolis] وفى اليوم التالى قبض عليه وحكم عليه بقطع رأسه.
164 - حياة وموت الأب بومن الناسك
قال لنا الأب أجاثونيسوس [Agathonicos] رئيس دير القديس العظيم الأب ساباس [Sabas] دير كاستليوم [Castellium] [44]:
فى أحد الأيام ذهبت إلى روبا [Rouba] لزيارة الأب بومن الناسك، وعندما وجدته قمت بسؤاله عن بعض الأمور والأفكار التى قد تشرد ذهنى وتشوشه، وعندما أسدل الليل تركنى فى الكهف وخرج، وكان ذلك فى أحد أيام الشتاء القارص وكانت تلك الليلة بالفعل شديدة البرودة وكنت على وشك التجمد وعندما عاد الأب الناسك فى الصباح الباكر قال: كيف صارت الأمور يا بنى؟
قلت له: سامحنى يا أبى لقد قضيت ليلة سيئة بسبب برودة الجو الشديدة.
فأجابنى الناسك وقال: هل صحيح يا بنى؟ فأنا لم أشعر بالبرد، فاندهشت مما قاله لأنه كان عارياً، فأسرعت بسؤاله كيف لم تشعر بالبر؟ ولكنه قال لى: جاءنى أسداً ورقد بجوارى وقد مدنى ببعض الدفء ولكن أريد أن أخبرك شيئاً يا بنى: إننى سأموت فريسة لأحد الحيوانات لأننى عندما كنت فى موطنى (وقد كنا نحن الإثنان من غلاطية) كنت راعى أغنام، وكنت أعادى أحد الغرباء المارين بى وإفترسته كلابى، وكنت قادراً على إنقاذه ولكننى لم أفعل ذلك بل وتركته لقدره حتى لاقى حتفه فريسة لكلابى، فأنا أعرب بأننى من المحتم أن أموت بنفس الطريقة.
مضت ثلاث سنوات ولقى الناسك حتفه فريسة للحيوانات البرية الشرسة كما تنبأ من قبل.
165 - أقوال الأب ألكسندر الراهب
يقول الأب ألكسندر [Alexander] فى دير الأب فنسنت [Vincent] للإخوة: كان سعى آباءنا ومقصدهم هو الحياة فى البرية وتحمل الآلام أما نحن فنسعى للمدنية والرفاهية.
ثم قال: فى أيام آباءنا كانت فضيلتى التقشف والتواضع فى أوجها أما هذه الأيام، فالجشع والكبرياء هو ما نتصف به.
ثم قال: لم يعتاد آباءنا البتة على غسيل وجوههم ونحن غارقون فى الحمامات العامة.
واحسرتاه يا أبنائى لقد إٌنتزعت منا الحياة الملائكية.
قال له تلميذ للأب فنسنت: نحن بالفعل مرضى يا أبى.
فقال له الأب ألكسندر: ماذا تقصد يا فنسنت؟ بنحن مرضى صدقنى يا بنى نهتم بأجسادنا كما يفعل أبطال الأولمبياد، ولكن نحن فعلاً مرضى بالروح، وبعدها قال: نحن قادرين على أن نأكل ونشرب كمبية هائلة ونلبس أفضل الهندام، ولكن عاجزين على التحكم فى مشاعرنا وكبريائنا.
فقال إلكسندر: آه ألكسندر.. ألكسندر كم من العار سيصيبك عندما ترى الآخرين هم يحصلون على أكاليلهم.
166 - حياة راهب أعمى
حياة هناك راهباً أعمى فى منطقة تدى سكيت Scet دير الأب سيسيوس [sisoes] وكانت قلايته تبعد حوالى نصف ميل عن عين للماء، وكان هذا الراهب لا يسمح لأى شخص على الإطلاق بأن يحضر إليه الماء، فقد صنع حبلاً وربط أحد طرفيه فى بئر الماء والآخر فى قلايته، وكان هذا الحبل موضوع على الأرض، وعندما كان يحتاج إلى الماء كان يمشى بمحاذاة هذا الحبل حتى يصل إلى بئر الماء، ولكن عندما هبت رياح عاتية وغطت الرمال هذا الحبل أخذ هذا الراهب العجوز يتحسس مكان الحبل حتى إلتقطه وأزال الرمال من عليه، ووضعه ثانية على الأرض ومشى بمحاذاته حتى وصل إلى بئر الماء، ولكن عندما عرض عليه أحد الإخوة بان يحضر إليه الماء رفض الراهب الأعمى وقال له: الحقيقة يا بنى إننى أحضر ما أحتاجه من ماء طيلة إثنين وعشرين عاماً، فهل تريد أن تحرمنى من عملى هذا؟
167 - حياة إمرأة قديسة ماتت فى البرية
يوجد دير على بعد عشرين ميلاً من أورشليم يدعى دير سامبسون[45] [Sampson] خرج إثنان من الآباء من هذا الدير للصلاة عند جبل سيناء وعندما رجعا قالا لنا تلك القصة:
عندما إنتهينا من صلاتنا وتمجيدنا للرب على الجبل المقدس أخذنا طريقنا للعودة ولكننا فقدنا وجهتنا وهيمنا فى البرية طولاً وعرضاً لعدة أيام حتى وكما نعتقد وصلنا للبحر الأعظم، وبعد عدة أيام رأينا كهفاً بعيداً فإتجهنا إليه ورأينا عين للماء صغيرة للغاية وحولها بعض الخضروات مزروعة كما رأينا آثار أقدام بشرية، فقال كل منا للآخر: هناك بالفعل أحد خدام الرب وعندما دخلنا الكهف لم نرى أى شخص لكننا سمعنا شخص ما يتنفس، فذهبنا نفتش المكان جيداً فوجدنا شئ يشبه المذود وشخصاً ما يرقد عليه.
دنونا من خادم الرب وطلبنا منه أن يقول شيئاً لكنه لم يجيبنا فلمسنا جسده وكان مازال دافئاً رغم أنه كان قد أسلم الروح ورقد فى سلام.
عندها أدركنا أن هذا الشخص كان قد أسلم الروح عند دخولنا الكهف، فأخذنا الجسد وبدأنا فى حفر مقبرة حتى ندفنه فيها خلع أحدنا عباءته وقام بلف جسد هذا الراهب فيها لإعداده للدفن وإكتشفنا أن هذا الجسد لإمرأة، فمجدنا الرب وقمنا بالصلاة ودفناها.
168 - حياة رجلان متميزين مفكر وقارئ
كان فى مدينة الإسكندرية رجلان تقيان ورائعان الأب ثيؤدور [Theodore] المفكر والأب زويلوس [Zoilos] القارئ وكنا نعرفهم معرفة تامة أحدهما من محاضراته والآخر من نفس بلدتنا التى نشأنا بها.
كان الأب ثيؤدور لا يقتنى أى شئ على الإطلاق غير عباءة المفكر وبعض الكتب، وكان ينام على مقعد خشبى فى أى مكان عند الكنيسة، وبعدها رفض حياة العالم ودخل دير سالاما [Salama] وهناك قضى آخر أيامه.
أما بالنسبة للأب زويلوس الكاتب فقد كان لا يختلف عن المفكر ثيؤدور فيما يقتنيه، فقد كان يقتنى عباءة المفكر وحقيبة بالية وبها بعض الكتب، وكانت الكتابة هى وظيفته التى يقتات منها، وعندما تنيح قمنا بدفنه فى ليثازومينوس [Lithazomenos] فى دير الأب بلاديوس [Palladios].
ذهب بعض الآباء إلى المعلم كوزماس [Cosmas] المحامى لسؤاله عن الأب ثيؤدور المفكر والأب زويلوس الكاتب، وما إذا كان هذان الشخصان قد تفوقا على الآباء فى ممارسة حياة التقشف؟ ولكنه أجاب: كان للإثنان نفس نوع الملبس ونفس نوع الفراش ونفس نوع الطعام وكلا الإثنان رفضا كل ما يتعدى الإحتياجات الأساسية فكان الإثنان على نفس القدر من التواضع والتقشف وضبط النفس، ولكن بالنسبة للأب ثيؤدور والذى كان يسير حافى القدمين والذى عانى كثيراً وتألم بعينيه وتعلم وحفظ عهدى الكتاب القديم والجديد عن ظهر قلب، وكما كان لديه أيضاً مشورته الخاصة لصحبة من الأصدقاء وكان على إتصال بهم حيث كان لا يكل ولا يمل عندما يعمل ويُعلم الآخرين.
أما بالنسبة لزويلوس الكاتب فعزلته عن العالم ورفضه له يستحق التقدير، بل أيضاً حياة التوحد والعمل الهائل الذى يقوم به وحفظه للسانه فلم يكن لديه أصدقاء ولا يملك شيئاً لم يكن لديه أحد ليحدثه ولم يسمح لنفسه بالراحة ولا يقبل أن يخدمه أحد، فقد كان يطهو الطعام لنفسه ويغسل ملابسه، ولم يكن يسمح لنفسه بالإستمتاع بالقراءة منعزلاً، فقد كان على إستعداد تام وفى أى قت لسماع الآخرين وكان لا يضع أى إعتبارات لبرودة الطقس ولا لحرارة الجو لا لمرض الجسد، وكان يتجنب الضحك والحزن والكسل والإسترخاء، ونظراً لملابسه البالية وعدم إهتمامه بمظهره الشخصى، فقد كان يعانى كثيراً من حشرات الجسد، ومع ذلك فعند مقارنة هذا الرجل بالرجل الأول وهو الأب ثيؤدور، فإن الكاتب زويلوس لم يكن لديه مشورته الخاصة نظراً لحرية حركته وتنقلاته، فقد كان حراً طليقاً يذهب أينما يريد بالليل أو بالنهار، ومع ذلك حتى تلك الحرية لم يستفيد منها كثيراً لما كان يتعهد به من أعمال شاقة، ومن ثم فقد كان يظهر دائماً وهو يدرس ويقرأ كثيراً ليتجنب المزيد من العلاقات والإتصال بالعالم الخارجى، وعلى أى حال الرجلين لهما أجرتهم بما يتلائم مع أعمالهم، وتطورهم الروحى ونقائهم الذهنى ومخافة الرب ومساعدة الآخرين والصلاة والضمير اليقظ والترنيم الدائم والمستمر للمزامير والإيمان الدؤوب، وأخيراً التمتع بالرب والذى هو خفى وغير ظاهر للناس.
169 - حياة المحامي كوزمس المذكور أعلاه
فيما يتعلق بالمعلم المحامى كوزمس فقد سمعنا الكثير والكثير عنه من مختلف الناس وكلها أمور عظيمة، ولكننا سوف نذكر ما إختبرناه بالفعل حتى تسنح الفرصة للجميع ممن يقرأ هذا أن يستفيد منها روحياً:
فقد كان رجل شديد الإتضاع رحيم القلب وعفيف النفس والجسد وصامت وهادئ الطبع وحميم فى علاقاته ومضيف للغرباء وكريم مع الفقراء والمحتاجينن لقد تعلمنا الكثير من هذا الرجل الرائع ليس فقط من مجرد رؤيته وتدريسنا بل أيضاً كانت لديه ذخيرة من الكتب والمراجع تفوق الكتب الموجودة فى أى مكان آخر فى الإسكندرية، وكان يقدمهم طواعية لأى شخص يرغب فى قرائتهم، ومع ذلك لم يكن لديه مقتنيات خاصة فعند دخولنا منزله لم نرى شيئاً بالمنزل سوى الكتب فى كل مكان وسرير متواضع ومنضدة صغيرة.
كان لكل إنسان الحق فى الذهاب إليه وسؤاله عما ينفع به نفسه وروحه ويقرأه فكان كلما ذهبت إليه ودخلت منزله أراه إما أنه يقرأ ما هو معاد لليهود أو يكتب ما هو ضدهم حيث كانت لديه رغبة متأججة ليحول اليهود إلى الحقيقة، ولهذا السبب كان كثيراً ما يرسل لى بعض اليهود لمناقشتى فى بعض الأمور التى تتعلق بالكتاب المقدس حيث أنه لا يرغب فى ترك المنزل وأن يأتى بنفسه، وفى أحد الأيام ذهبت إلى منزل المعلم المحامى كوزمس حيث أننى كنت على توافق تام معه وقلت له: إذا تفضلت يا سيدى منذ متى وأنت تسلك هذه الحياة؟ حياة التوحد.
ظل كوزمس صامتاً ولا يجيب فسألته ثانية: من أجل محبة المسيح أجب على سؤالى، صمت لفترة ثم أخبرنى قائلاً: لمدة ثلاثة وثلاثون عاماً، فمجدنا الرب يسوع المسيح.
ثم ذهبت إليه فى وقت آخر وقلت له: من بالغ إحسانك وعطفك ومن معرفتك التامة بحاجة روحى أريد أن أسألك، ما الذى أنجزته خلال الفترة الطويلة من التوحد والعفة؟
تنهد المعلم كوزمس تنهيدة خرجت من أعماق قلبه وقال لى: ما الشئ الذى ينجزه الإنسان الذى يعيش فى العالم، وبالتحديد الشخص الذى يمضى حياته ساكناً فى منزله؟ ومع ذلك أخذت فى الإلحاح عليه وقلت: من أجل المسيح ومن أجل منفعتى الروحية، وأخيراً وبالرغم من إصرارى قال: إغفر لى أنا أعرف فقط أن هناك ثلاث أشياء نجحت فى تحقيقهم وهم: ألا أضحك، ألا أحلف وألا أكذب.
170 - العمل الرائع للراهب ثيؤدور الذي صنع ماء عذب في وسط البحر
كان عند نهر الأردن المقدس راهب مخصى إسمه ثيؤدور [Theodore] لسبب ما إضطر للذهاب إلى القسطنطينية وإستقل إحدى السفن، وتأخرت السفينة كثيراً عند البحر الأعظم مما نتج عنه نفاذ كل المياه العذبة التى لديهم فأصيب كل البحارة والركاب على حد سواء بالقلق والإحباط الشديدين، فوقف الناسك ثيؤدور وبسط يده نحو السماء وصلى للرب الذى ينقذ الأرواح من الموت وقام برسم الصليب على البحر وبعدها قال للبحارة: مبارك الرب خذوا إحتياجاتكم من المياه، فملأ البحارة كل ما لديهم من آنية بالماء العذب وتغير ماء البحر ومجد الجميع الرب.
171 - قصة القبطان التقي الذي صلي من أجل المطر
حكى لنا الأب غريغورى الراهب [Gregory] الآتى: عند عودتى من البيزنطية [Byzantium] على ظهر سفينة وكان هناك أيضاً كاتب وبصحبته زوجته وكانا يريدان أن يذهبا إلى المدينة المقدسة للصلاة كان قبطان السفينة رجلاً تقياً يحب الرب يصوم بلا إنقطاع وفى أثناء سفرنا كان رفقاء الكاتب يستهلكون الماء العذب بإسراف وعندما وصلنا لقلب البحر الأعظم كان ما لدينا من ماء عذب قد نفذ على آخره تكدرنا كثيراً مما حدث، وكان منظر النساء ومعهن أطفالهن وقد داهمهم جميعاً العطش وملقين على أرض السفينة كما لو كانوا جثث هامدة ينزف القلب، وبقينا على هذه الحالة المؤسفة لمدة ثلاثة أيام حتى فقدنا أى أمل فى النجاة لم نستطيع تحمل هذه المحنة، فجذب الكاتب سيفه راغباً فى قتل القبطان وجميع البحارة مدعياً أنه خطأهم جميعاً بأن ضلوا الطريق كما أنهم لم يأخذوا كفايتهم من الماء العذب، وهنا تدخلت مع هذا الكاتب وناقشته قائلاً: لا تفعل هذا وقد يكون من الأفضل أن تصلى للرب يسوع المسيح إلهنا الحقيقى ثم ذكرت آية من الكتاب المقدس "الله يرعد بصوته عجباً يصنع عظائم لا ندركها" (أيوب 37: 5) أعلم أنه ثالث يوماً يصوم فيه قبطان السفينة ويصلى من أجلنا، وعندئذ هدأ الكاتب وفى اليوم الرابع وفى حوالى الساعة السادسة صرخ القبطان بصوت دوى وقال: المجد للرب يسوع إلهنا فتعجبنا جميعاً من صراخه ثم طلب القبطان من البحارة الذين معه قائلاً: أبسطوا القرب وعندما فعل البحارة كما طلب منهم القبطان أتت سحابة أعلاهم وإنهال المطر بشدة وملأت القرب مما يفى بإحتياجاتهم وأكثر، كانت أعجوبة عظيمة ومخيفة فى آن واحد، ودفعت الريان السفينة نحو الطريق الذى نقصده وكانت السحابة ترافقنا ولم نلحظ سقوط المطر خارج السفينة.
172 - قصة الإمبراطور زينو كثير العطايا
حكى لنا أحد الآباء قصة تخص الإمبراطور زينو [Zeno] (474 – 491م) الآتى: ظلم الإمبراطور إمرأة بأنه أذى إبنتها فدأبت المرأة على الذهاب إلى كنيسة السيدة العذراء والدة الإله تتوسل إليها وتتضرع بدموع غزيرة قائلة: دافعى عن قضيتى ضد الإمبراطور زينو.
كررت ذلك فى كل يوم تذهب فيه للكنيسة حتى ظهرت لها السيدة العذراء والده الإله وقالت لها: صدقينى أيتها المرأة لقد حاولت كثيراً لأرضيك ولكن يده اليمنى منعتنى حيث أن هذا الرجل رجل سخى كثير العشور والعطايا.
173 - القصة الرائعة للأب أندراس العشر مسافرين
حكى لنا الأب بلاديوس [Palladios] بأنه سمع أحد الآباء وإسمه أندرو [ِAndrew] ونحن قابلناه أيضاً يقول:
عندما كنا بالإسكندرية، وكان الأب أندرو يقيم فى مكان يبعد عنا مسافة ثمانية عشر ميلاً أخبرنا: عندما كنت شاباً صغيراً كنت شخصاً غير ملتزم ولا أميل إلى الإنضباط فى تصرفاتى، وعندما شنت الحرب على المدينة عمت الفوضى المكان فهربت إلى فلسطين ومعى تسعة آخرون، كان أحد التسعة أشخاص عامل كفء يعشق العمل، وآخر يهودى وعندما توغلنا فى قلب الصحراء والبرية مرض الشخص اليهودى مرضاً لا شفاء منه حتى كاد يموت أصابتنا الحيرة والحزن فلم نكن نعرف ماذا نفعل بشأن هذا اليهودى المريض، ولكننا لم نتركه فأخذنا فى تبادل الأدوار فكل واحد منا كان يحمله أطول مسافة يمكن أن يتحملها ثم بحمله آخر وهكذا الوصول أى مدينة أو أى سوق من الأسواق حيث أنه لا يجب ان يموت هكذا من الصحراء، وعندما تعب الرجل تماماً وهلك ووصل لنقطة النهاية من الجوع وحرارة المرض والارهاق الشديد والظمأ القاتل من حرارة الجو (فى الحقيقة كاد يموت على الفور) حتى أنه لم يعد يتحمل حتى أن يحمله شخص آخر فوقفنا جميعاً نذرف الدمع ونحن نقرر تركه فى الصحراء ونذهب إلى طريقنا، فقد كنا أن ظمأ سيحصدنا واحداً يلو الآخر، فإنهلنا جميعاً فى البكاء ونحن نضعه على الرمال وعندما رأى الرجل اليهودى ذلك بدأ يشدنا ويستحلفنا ويقول: أستحلفكم بالله الذى يدين الأحياء والأموات لا تتركونى أموت يهودياً بل مسيحياً لكننا قلنا له: فى الحقيقة يا أخى أنه من غير الممكن فعل شئ من هذا القبيل، فنحن رجال كذبة غير ملتزمين دينياً والذى يجب أن يقوم بالمعمودية أسقف أو كهنة بالإضافة إلى انه لا يوجد ماء هنا للمعمودية، ولكنه كان يصر على نفس طلبته وهو يبكى ويقول: أيها المسيحيين لا تحرموننى من هذه النعمة، وبينما نحن فى حيرة مما يجب عمله فيما بعد وإذ بالشخص الآخر العامل الكفء، وقد ألهمه الله شئ قاله لنا وهو: أوقفوه إخلعوا ملابسه.
قمنا جميعاً بإيقافه وتجريده من ملابسه قام هذا العامل يملئ كفيه بالرمال ووضعها على رأس اليهودى المريض ثلاث مرات ويقول: يُعمد ثيؤدور بإسم الآب والإبن والروح القدس.
أجبنا جميعاً: أمين لكل إسم من أسماء الأقانيم الثلاثة، ويشهد يسوع المسيح إبن الله الحى على قولى هذا لقد شفى الرجل حتى أنه لم يظهر عليه أى أثر للمرض بل ظهرت عليه علامات صحة وقوة حتى كان يجرى أمامنا باقى الرحلة وعندما رأينا بأعيننا التغيير السريع والمفاجئ للرجل مجدنا الرب جميعاً لحبه الذى لا يوصف ورحمته، وعندما وصلنا إلى عسقلون [Ascalon] نقلنا هذا الأمر للمبارك الأب القديس ديونيسيوس [Dionysios] والذى كان أسقف فى ذلك الوقت، وقصصنا عليه ما حدث خلال تلك الرحلة ذهل الأسقف الصالح عندما سمع تلك القصة والمعجزة غير العادية التى حدثت لليهودى، فإستعدى كل الكهنة والخدام، وقام بسؤالهم ما إذا كان يمكن إعتبار الرمل المراق وسيلة للمعمودية أم لا البعض أجاب اعتماداً على تلك المعجزة غير المسبوقة بأنه يمكن السماح به فى المعمودية وكان هناك فريق له يعارض هذا الرأى.
لكن الأب غريغورى [Gregory] متخصص اللاهوت قد شرح كل أنواع المعمودية حيث تكلم عن المعمودية المُوسوية، ومعمودية الماء، ومعمودية السحاب معمودية البحر حيث أن معمودية يوحنا كانت لا تزال معمودية يهودية حيث أنها لم تكن فقط معمودية بالماء، بل أيضاً كانت معمودية توبة السيد المسيح ايضاً إعتمد ولكن بالروح القدس وهى المعمودية الأكمل، وأنا أعرف نوع رابع من المعمودية وهى معمودية الشهادة {أى معمودية الدم} كما أن هناك أيضاً نوع خامس من المعمودية وهى معمودية الدموع.
سأل البعض: إذاً أى من المعمودية فعلها هذا الرجل فيجب أن نحكم على مدى صحتها؟ وحيث قال الرب لنيقوديموس:
"الحق الحق أقول لك: إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت السموات" (يو 3: 5)،
ولكن كان هناك فريق ثان إعترض على هذا القول وقال: كيف ذلك؟ فإنه لم يكتب شئ عن الرسل يفيد أنهم جميعاً قد إعتمدوا أيعنى ذلك أنهم جميعاً لن يدخلوا ملكوت السموات؟
ثم رد فريق آخر على هذا الكلام قائلاً: لكن فى حقيقة الأمر فقد تعمد الجميع، ويبدو ذلك عندما قال بولس فى.
(1كو 1: 14) "أشكر الرب أنى لم أعمد أحداً منكم إلا كريسبوس وغايُس"،
وقد قيل أن يسوع لم يعمد أحد غير بطرس ثم قام بطرس بتعميد إندراوس ويعقوب ويوحنا، وقاموا هم بتعميد باقى الجمع بعد كل هذا القول والجدل المثمر وأكثر من ذلك شعر الأب المبارك الأسقف ديونسيوس أنه يجب أن يرسل هذا الأخ لنهر الأردن المقدس ليتعمد هناك ثم قام برسم الأخر العامل المجتهد شماساً.
174 - الموت الرهيب لأحد الرهبان المصريين
قال لنا الأب يوحنا السيليزيانى [John the Cilician] أنه عندما كان يعيش فى أحد الأديرة والتى تبعد تسعة أميال عن الإسكندرية جاء راهب مصرى وقال: أخ من مكان بعيد أتى إلى دير القلايات ويريد الإقامة هنا فركع أمام الأب الكاهن طالباً أن يقضى الليل فى قلاية إيفاجريوس [Evagrios] ولكن الكاهن قال له: أنه لا يستطيع الإقامة هنا. فأجابه الراهب المصرى: إذا لم أقضى الليله فى هذه القلاية سوف أرحل.
أخبره الكاهن قائلاً: يا بنى فى حقيقة الأمر هناك فى هذه القلاية شيطان قاس وعنيف، فقد سبق وأضل إيفاجريوس وحاد به بعيداً عن الإيمان الصحيح وملأ ذهنه بالتعاليم البغيضة.
أصر الراهب المصرى وألح قائلاً: إذا أقمت هنا فى هذا المكان فستكون هذه هى قلايتى التى أقيم بها.
فقال له الكاهن: كما ترى وتُقرر إذهب وأقم بها.
ذهب الراهب المصرى وعاش فى هذه القلاية لمدة أسبوع، وفى يوم الأحد أتى للكنيسة للتناول، فإنشرح صدر الكاهن عندما رآه، ولكن فى يوم الحد الذى يليه لم يحضر الراهب المصرى فشعر الكاهن بالقلق وإستدعى إثنين من الإخوة وطلب منهما أن يذهبا إلى قلايته ليتحروا الأمر.
فذهب الأخوين إلى قلاية الراهب المصرى فوجدا الراهب وقد ربط حول عنقه حبلاً وشنق نفسه.
175 - حياة راهب بسيط فى دير سكولاري
أخبرنا الأب غريغورى [Gregory] كاهن دير سكولارى [Scholarii] أنه كان هناك راهب فى بلدة مونيديا [Monidia] قد فاق الجميع فى العمل الشاق، ولكنه كان يختلف فى بعض الأمور الدينية والممارسات العقيدية، فقد كان يتناول جسد المسيح ودمه بشكل مختلف وفى أى كنيسة يذهب إليها، وفى أحد الأيام ظهر له ملاك الرب وقال له: أيها الراهب عندما تموت كيف تريد أن يدفنك الناس؟ كما يدفن المصريون رهبانهم أم متريد أن تتبع عادات أورشليم؟
أجاب الراهب أنه لا يعرف ثم قال له الملاك ثانية: فكر فى الأمر وسوف آتى هنا ثانية بعد ثلاثة أسابيع لتخبرنى فذهب الراهب لأحد رفقاؤه وأخبره بما حدث وما سمع من ملاك الرب، فإندهش رفيقه مما يقوله الراهب وحملق فى الرجل لفترة طويلة وبعدها وبوحى من الروح القدس قال: أين تتناول جسد المسيح ودمه؟
أجاب الراهب قائلاً: إنى أتناول فى أى مكان أذهب إليه.
فأجابه رفيقه قائلاً: إياك وأن تتناول جسد المسيح ودمه فى مكان غير الكنيسة الجامعة والتى أسموها كنيسة المجامع الأربعة:
1 - مجمع الثلاثمائة والثمانية عشر أب فى نيقيا [Nicaea].
2 - مجمع المائة وخمسون أب فى القسطنطينية.
3 - مجمع المائتان الأول فى أفسس.
4 - مجمع الستمائة أب فى خلقدونية [Chalcedon].
وعندما يأتى لك ملاك الرب قل له: أريد أن أدفن طبقاً لتقاليد الدفن فى أورشليم، ومرت الثلاث أسابيع وأتى ملاك الرب ثانية وسأل الراهب أيهم تريد أيها الراهب؟ هل فكرت فى هذا الأمر؟ أجاب الراهب بأنه يريد أن يُدفن طبقاً لتقاليد الدفن المتبعة فى أورشليم.
بعدها قال له الملاك: حسناً جداً وعلى الفور أسلم الراهب روحه.
حدث هذا للراهب حتى لا يفقد الراهب عمله الشاق وخدمته للرب ويدينه المسيح كمهرطق.
176 - حياة إمرأة تقية من المدينة المقدسة
عندما قمنا بزيارة للناسك يوحنا [John] والمعروف بيوحنا الأحمر قال لنا: أنه سمع الأب يوحنا الموابيتى [John the Moabite] يقول توجد فى المدينة المقدسة راهبة مكرسة تماماً للرب وحققت الكثير فى خدمتها للرب إستاء إبليس من تلك العذراء فزرع رغبة شيطانية نجسة نحوها فى قلب شاب صغير، ولكن هذه المرأة التقية فهمت أن إبليس قد نصب لها شَركاً حتى يرى هذا الشاب وهو يفسد ويتحطم بسبب هذه الرغبة، فقامت الراهبة بوضع بعض الحبوب المبللة بالماء فى سلة وإنطلقت نحو البرية، فأدى إنسحابها من العالم إلى نوع من السلام والسكون فى قلب الشاب بينما هى حصلت على الأمان الذى تتسم بها حياة الوحدة، وبعد فترة زمنية طويلة وبترتيب من الرب وعندما اراد الرب ألا تستمر حياة تلك المرأة التقية خادمة الرب غير معروفة للمؤمنين، فسمح الرب أن يراها أحد الرهبان فى البرية عند نهر الأردن العظيم، فذهب وخاطبها: أيتها الأم ماذا تفعلين فى هذه البرية؟ لم ترغب الراهبة أن تظهر نفسها لهذا الراهب فقال له: إغفر لى يا أبى فقد ضللت الطريق، فإذا تفضلت ومن أجل محبة المسيح أرنى الطريق.
لكن روح الله القدوس أخبر هذا الراهب فى الطريق شئ عن تلك المرأة فقال لها: صدقينى يا أمى أنت لم تضلى الطريق ولا تبحثين عن طريق أنت تعلمين أن الكذب من أعمال إبليس، لهذا أخبرينى حقيقة مجيئك هنا، وهنا قررت العذراء أن تتكلم معه وقال: سامحنى يا أبى كان هناك شاب تعرض للخطر وكان على وشك الخطية بسببى، ولهذا السبب أتيت إلى هناك وأقمت فى تلك البرية فأنا أفضل الموت هنا على أن أكون عثرة لشخص ما، وكما يقول بولس الرسول:
"ولسنا نجعل عثرة فى شئ لئلا تُلام الخدمة" (2كو 6: 3).
سألها الراهب: منذ متى وأنت تعيشين فى هذه البرية؟
قالت: سبعة عشر سنة بنعمة المسيح.
فسألها الراهب: وماذا تأكلين؟
قالت: معى سلة بها بعض الحبوب المبللة ثم أضافت لقد خرجت وأنا أحمل هذه السلة وبها بعض الحبوب المنقوعة، والتى هى بمشيئة الرب وعنايته أشبعتنى طوال تلك الفترة ولم تنقص أبداً كما يجب أن تعرف يا أبى أن صلاح الرب ورحمته قد حفظونى طوال هذه السنين، فلم تقع عين رجل علىَّ حتى فعلت أنت هذا اليوم ليس من ناحيتى أنا، فقد كنت أستطيع أن أراهم جميعاً سمع الراهب وتعلم من هذه القصة الرائعة والمرأة التقية وإنطلق يمجد الرب.
177 - حياة يوحنا الناسك الذي عاش في بلدة سوكو
قال الأب القديس العظيم ديونيسيوس [Dionysios] كاهن وحارس المقدسات فى الكنيسة المقدسة بعسقلان عن الأب يوحنا [John] الراهب: كان هناك رجل من نفس جيلنا كان تقياً عظيماً فى عين الرب، وكدليل عملى يوضح مدى فرح الرب بهذا الرجل نستعرض المعجزة التالية والتى تنسب إليه: كان يعيش يوحنا الناسك فى كهف يبعد عشرون ميلاً عن أورشليم فى منطقة قسمى سوكو [Socho] وكان يحتفظ فى كهفه بأيقونة للسيدة العذراء والدة الإله وهى تحتضن يسوع المسيح بين ذراعيها وكان هذا الناسك فى بعض الأحيان يقرر السفر إلى أى مكان وقد تكون لمسافات بعيدة جداً وفى قلب الصحراء أو يذهب إلى أورشليم ليتبارك بالصليب المقدس ويزور الأماكن المقدسة هناك ويصلى على جبل سيناء أو ليزور مزارات القديسين، وكان يقضى أيام طويلة للسفر وزيارة تلك المزارات حيث أنه كان مغرماً بهؤلاء الشهداء العظماء، فهو الآن يزور قبر القديس يوحنا فى أفسس، وفى وقت آخر يزور القديس ثيؤدور فى أوكيتا [Euchaita] أو يزور القديس ثكلا [Thecla the Isaurian] فى سلوشيا [Seleucia] أو يزور القديس سيرجيوس [Sergios] فى سافاس [Saphas] فى يوم يزور قديس وفى يوم آخر يزور قديس آخر.
حيث كان لديه تقليداً ما عندما يريد الرحيل كان دائماً يعد مصباحاً، ويقف يصلى ويتضرع إلى الله حتى يمهد طريقه ويخفف عليه عبء السفر ويهرع إلى الأيقونة التى يعشقها ويقول للسيدة العذراء: أيتها السيدة العذراء والدة الإله حيث أننى على وشك الرحيل وسوف أقوم برحلة طويلة، وقد تستغرق أياماً كثيرة فإحفظى هذا المصباح موقداً لا ينطفئ، وسوف أستعين بك رفيقاً فى رحلتى هذه وبمجرد أن ينتهى يوحنا فى حديثه مع الأيقونة يبدأ رحلته قد تستغرق هذه الرحلة شهراً أو شهرين أو ثلاثة أشهر، وقد تطول تصل إلى خمسة وستة شهور، وعند عودته يجد المصباح موقداً تماماً كما تركه قبل رحيله ولم يُرى أبداً أن هذا المصباح ينطفئ من تلقاء نفسه سواء عندما يستيقظ من نومه أو عند عودته من رحلة طويلة قضاها فى البرية.
178 - قصة أخرى عن يوحنا الناسك
وإستمر الأب ديونيسيوس فى روايته عن بعض قصص ونوادر الأب يوحنا الناسك حيث قال الآتى: فى أحد الأيام كان يوحنا الناسك يسير عند ضواحى مدينة سوكاس [Sochas] حيث كان الكهف الذى يعيش فيه وبينما يسير يوحنا فى طريقه وإذ بأسد ضخم يأتى فى عكس إتجاهه وأصبح قريباً جداً منه وكان الطريق الذى يسير فيه يوحنا الناسك طريقاً ضيقاً، كما كان هناك سياج من الشوك على الجانبين صنعه المزارعون حتى يحمون حقولهم مما زاد الطريق ضيقاً حتى أنه كان بالكاد يسمح بمرور شخصاً واحداً بشرط ألا يكون حاملاً معه أى شئ، وحتى لا يؤذى هذا الشخص أثناء مروره من هذا الطريق، وعندما إقتربا الإثنان من بعضهما البعض يوحنا الناسك وهذا الأسد الهائل لم يلتفت الراهب ولم يترك الطريق الصحيح للأسد، وفى نفس الوقت لم يستطع الأسد أن يلتفت لضيق الطريق حتى كان من المستحيل للإثنين أن يمرا بجوار بعضهما البعض، فعندما شعر الأسد أن هذا الرجل خادم الرب سوف يسيرفى طريقه إلى الأمام تحت اى ظرف بدأ يتراجع إلى الخلف حتى وقف على قدميه الخلفية منتصباً ومائلاً نحو السياج الذى على يسار الراهب حتى زاد الطريق إتساعاً بفعل وزنه وقوته الجسدية بما يسمح لرجل الله التقى أن يمر ويكمل رحلته دون تأخير.
مر الراهب بجوار الأسد حتى إحتك بشعر ظهره، وبعد عبور الراهب أخفض الأسد قدميه الأماميتين وذهب فى طريقه، وفى أحد الأيام ذهب أحد الإخوة للأب يوحنا فى كهفه، فلم يجد فى الكهف شئ فسأله: كيف لك أن تعيش هنا يا أبى حيث لا يوجد أى مؤن قد تحتاجه؟
اجاب يوحنا: هذا الكهف كحلبة الرياضة شئ من الأخذ والعطاء.
179 - قصة الأب ألكسندر الذي وقع في قبضة شيطان قبل وفاته بأيام
عند دير الأب سيرجيوس [Sergios] والذى يعرف ب زيروبوتاموس [Xeropotamos] على بعد ميلين من مدينة بيت لحم وكان رئيس الدير وهو الأب أوجينيوس [Eugenios] رجلاً تقياً مكرساً لخدمة الرب، والذى أصبح فيما بعد أسقفاً لمدينة هيرموبوليس [Hermopolis] بمصر، والتى تقع على حدود طيبة الأولى [Thebaid].
عندما قمنا بزيارة هذا الدير أخبرنا رئيس الدير عن قصة تخص الأب ألكسندر السيليزيان {Alexander the Cilician} أنه عندما طعن فى السن وعجز عن مساعدة نفسه حيث كان فى ذلك الوقت يعيش فى كهف عند نهر الأردن المقدس أخذه الأب أوجينيوس ليقيم معه فى الدير وكان ذلك فى الثلاثة شهور الأخيرة قبل نياحته حيث أنه كان ملازماً تماماً للفراش، ولكن قبل نياحته بعشة أيام وقع فى قبضة شيطان ماكر وخبيث.
بدأ العجوز فى لعن الشيطان قائلاً: بأس لك أيها الشيطان أتيت إلىّ متأخراً جداً فأنا طريح الفراش ولا يمكنى التحرك لأريك كم أنت ضعيف أيها الأحمق لو كنت بالفعل قادراً على هزيمتى لحاولت فعل ذلك منذ خمسين أو ستين سنة لأعرفك كم أنت ضعيف وهزيل لأحطم كبريائك وأثنى عنقك فهزال صحتى ليس من صنيعى، ولكنه بفعل الزمن والسن ومع ذلك فأنا أشكر الرب لأنى سأرحل إليه، والذى سرأف بحالى ويرفع ظلمك عنى بشنك تلك الحرب غير الرحيمة على شيخوختى، وبعد هذه السنوات الطويلة من حياة التقشف القاسية، وكان يقول ذلك وأكثر من ذلك كله جاء الحصاد وفى اليوم العاشر أسلم روحه ورقد فى سلام.
180 - العمل الرائع لداود المصري
قال الأب ثيؤدور السيليزيانى [Theodore the Cilician] عندما كنت أعيش فى دير سكيتى [Scete] كان هناك راهب صالح إسمه داود وفى أحد الأيام خرج جميع الرهبان للحصاد كما كان ذلك تقليد يومى فى هذه المدينة بأن يذهبوا جميعاً للحصاد، فذهب أخى وطلب من أحد المزارعين بأن يعمل لديه فى الحصاد على أساس أجر يومى، فإستأجره المزارع وبدأ داود فى الحصاد، وفى أحد الأيام بينما داود الراهب يعمل وفى حوالى الساعة السادسة (الثانية عشر ظهراً) وكان الجو شديد الحرارة، فلم يتحملها الراهب ودخل كوخاً صغيراً يحتمى به، وعندما أتى المزارع ورأى الراهب داخل الكوخ قال له بلهجة شديدة: أيها الراهب لماذا لا تعمل فى الحصاد؟ ألا تعرف أننى أدفع لك أجرك؟
قال الراهب: نعم أعرف لكن حرارة الجو فى ذروتها مما تسبب فى حرق بعض الحبوب وسقوطها، فأنا منتظر قليلاً حتى تخفف حرارة الجو وحتى لا يضيع عملنا ومجهودنا هباء.
قال المزارع بصوت حاد: قم وإستأنف عملك حتى ولو تحول الجو إلى لهيب.
قال له الراهب: أتريد أن يحترق جميع المحصول؟
فرد المزارع بغضب: إنى لم أقل ذلك.
وقف الراهب وعلى الفور تحول الحقل إلى كتلة من اللهب، هرع المزارع خائفاً إلى باقى الرهبان الذين يعملون فى أجزاء أخرى من الحقل متوسلاً وراجياً أن يتدخلوا بينه وبين هذا الراهب لربما يصلى الراهب وتتوقف تلك النيران المشتعلة، ذهب الرهبان إلى الراهب المصرى وإنحنوا أمامه معبرين عن خضوعهم له ولكن داود الراهب قال لهم: هذا الرجل نفسه قال حتى لو تحول إلى لهب، ومع ذلك إستطاع الإخوة الرهبان إقناع داود المصرى بأن يصلى، فذهب بالفعل ووقف بين أجزاء الحقل وهو مشتعل وصلى للرب وعلى الفور إنطفأت النيران وأنقذ باقى المحصول، فإندهش الواقفون مما شاهدوا وذهب كل منهم يستأنف عمله وهو يمجد الرب.
181 - حياة الأب يوحنا المخصي والرجل الذي أقسم ألا يتجرع الخمر والماء
على بعد تسعة أميال من مدينة الإسكندرية قمنا بزيارة دير الأب يوحنا المخصى [John the Eunuch] لنتعلم ونتهذب من نعمة المسيح التى يتمتع بها، وهناك رأينا رجلاً طاعن فى السن قد قضى ثمانين عاماً فى هذا الدير، كان يتمتع برقة مشاعر تفوق أى إنسان وقعت عليه أعيننا حيث لم تظهر رقة مشاعره فقط على البشر بل أيضاً قد لمسها أيضاً الحيوان، فلم يكن لهذا الأب الراهب عملاً غير الآتى:
عندما يستيقظ فى الصباح يقوم بإطعام الكلاب التى بالدير، ويضع قليل من الدقيق لصغار النمل وحبوباً لكبيرها ثم يكسر قطع البسكويت ويبدأ يرطبها بالماء ويضعها على قمة الأسطح ليعطم الطيور وكانت هذه هى حياته، فلم يترك شيئاً للدير عند موته ولا باب ولا شباك ولا حتى فتحة باب ينظر بها على الأغراب لم يترك مصباح ولا حتى منضدة أى يمكن ألقول وبإختصار شديد أنه ترك العالم دون أن يكون قد إمتلك أو إحتفظ بشئ من ممتلكات هذا العالم، لم يمتلك كتباً حتى ولو لساعة واحدة ولا أى أموال ولا قطعة ملابس، فقد كان يعطى كل ما يملك لذوى الحاجة وكان يستثمر نفسه وكل ما لديه من طاقة فيما هو آت: لقد كتب هذا لمن يرغب فى معرفة مدى رقة مشاعر ووداعة قلب هذا الرجل وسوف نخبر ببعض منها:
أتى مزارع فى أحد الأيام ويسأل هذا الراهب الصالح أن يعطيه قطعة ذهب، وحيث أن هذا الراهب لا يملك شئ ليعطيه لهذا الرجل (كما أنه لم يمتلك قط قطعة من الذهب فى حياته) قام الراهب بالذهاب إلى الدير وإقترض قطعة من الذهب وأعطاه للرجل والذى قال له أنه سيقم بردها بعد شهر مر عامين ولم يرد هذا المزارع قطعة الذهب التى إقترضها (فلم يرجع المزارع للراهب حتى يرد له الذهب).
قام الأب يوحنا بطلب هذا الرجل وسأله أن يرد إليه قطعة الذهب الذى سبق وإقترضها من الدير منذ عامين حيث قال له: يا أخى رد لى قطعة الذهب، ولكن المزارع أجاب الأب يوحنا قائلاً: يعمل الله جيداً أنه ليس لدى هذه القطعة الذهبية، فأجاب الأب: ولكنى وجدت الطريقة التى سترد بها هذا الدين إعتقد المزارع أن هناك بعض المهام سيقوم بأدائها، وعليه قال للأب يوحنا: أخبرنى ما هو الشئ؟ وسوف أقوم به.
قال له الأب يوحنا: عندما يكون لديك متسع من الوقت وليس لديك عمل آخر للقيام به تعال إلى هنا وقم بعمل ثلاثون ميطانية وسوف أعطيك كيراشن (ربع قطعة من الذهب) وقام بإعطاء الرجل بعض الطعام والشراب ووافق الرجل على أن يأتى عندما يكون لديه متسع من الوقت لعمل هذه الميطانيات ويأخذ مكافأته من الأب نظير ذلك ويأكل ويشرب ويأخذ معه بعض الحلوى تكفى أفراد أسرته، وعندما إدخر المزارع خمسة وعشرون كيراشن وهى ما تعادل قطعة ذهب أخذ الأب قطعة الذهب وبارك الرجل المزارع الصالح وصرفه فى سلام.
أخبرنا نفس الأب يوحنا المخصى الآتى: عندما ذهبت إلى طيبة [Thebaid] وفى دير الأب أبولو [Apollo] هناك رأيت راهباً شاباً وكان أبيه فى الجسد راهباً أيضاً وكان هذا الراهب الشاب قد قطع على نفسه عهداً ألا يتجرع ماءاً ولا خمراً أو أى نوع من السوائل كان طالما هو حى لذلك كان يأكل الهندبا البرية والأعشاب المرة وبعض الخضروات التى يمكنها إطفاء ظمأه، وكان عمله بالدير هو وضع الخبز فى الفرن، مرت ثلاث سنوات ومرض مرضاً شديداً حتى كاد أن يرحل إلى السماء، وبينما كان جسده يشتعل من حرارة الحمى والظمأ القاتل ألح عليه من حوله من الرهبان حتى يتجرع ولو القليل من الماء ولكنه لم يصغ إليهم إستدعى رئيس الدير أحد الأطباء ليعمل ما يمكنه عمله حتى ينقذ هذا الرجل الذى يحتضر، فأتى الطبيب وعندما رأى هذا الشاب وقد وصل بمرضه إلى مرحلة من الخطر ألح هو الآخر على الشاب حتى يشرب بعض الماء ولكنه عجز كغيره عن إقناع الشاب بالشرب، وأخيراً قال الطبيب للأب رئيس الدير أحضر وعاء كبير وصب أربع مكيالات من الماء الفاتر وقم بوضع هذا الراهب المريض فيها حتى تصل الماء إلى فخذيه وأتركه هكذا لمدة أربع ساعات، ويؤكد الأب يوحنا (حيث أنه كان أحد الحاضرين فى هذا الموقف أنهم عندما رفعوا هذا الراهب من الوعاء المملوء بالمياه) أن المياه إنخفضت بمقدار مكيال وهذا ليعرفنا أى نوع من أنواع التقشف كان يتبعه هذا الراهب الشاب، وكم تحمل من المعاناة ليكتسب التهذيب التام للنفس وقمع الجسد من أجل المسيح المخلص ومن أجل الحياة الأبدية، وإستمر الأب يوحنا فى سر القصص التى حدثت وعاصرها فقال الآتى: عندما ذهبت إلى أحد الرهبان الصالحين ودخلت قلايته لاحظت أن هناك لوحة من الخشب إعتاد أن يركع عليها أمام الرب، ورأيت أنه عندما يقوم هذا الراهب بالركوع عليها وتلمس يديه وركبتيه هذه اللوحة تهبط إلى أسفل فى عمق أكثر من عرض أربعة أصابع وذلك لكثرة ركوعه عليها.
182 - حياة الزوجة المسيحية وحكمتها الرائعة والتي حولت بها زوجها الوثني إلى مسيحى
أخبرتنا إمرأة تدعى مريم [Mary] المحبة ليسوع المسيح والفقراء ووالدة المعلم بولس [Paul] الذى يعمل بالجيش والذى إلتحق بالمحكمة، والتى كانت تعيش على جزيرة تدعى ساموس [Samos].
أخبرتنا تلك المرأة أنه كانت هناك زوجة مسيحية مؤمنة فى بلدة نيسبيس [Nisbis] وكان لها زوج وثنى وقد إدخرا الإثنان خمسين ميلياريزا (جنيه من الذهب يعادل ألف ميلياريزا) وفى أحد الأيام قال الزوج للزوجة: هيا بنا نقوم بتسليف هذا المبلغ للآخرين نظير فوائد، فنحن لسنا بحاجة إليهم الآن وحتى لا نبددهم فأجابت الزوجة على زوجها وقالت: إذا كنت مصراً على إقراض هذا المبلغ نظير فوائد تعلى معى لنقرضه لإله المسيحيين.
قال لها الزوج: حسناً جداً أين هو إله المسيحيين حتى أعطيه هذا المبلغ؟
قالت له: تعالى وسأريك أين هو فإنك لست فقط ستحتفظ بأموالك بل أيضاً ستعود إليك بأرباحها ويتضاعف رأس مالك.
قال الزوج: تعالى إذن وأرينى مكانه حتى أعطيه إياها.
أخذت الزوجة الزوج وإنطلقا نحو الكنيسة المقدسة وكان فى ذلك الوقت كنيسة نيسبيس لها أربعة بوابات كبرة ثم أتت به نحو المدخل وكانت هناك شرفة كبيرة وأشارت له إلى الفقراء وقالت: إذا أعطيت هؤلاء المسيحيين، فإن إلههم سيستلم منك تلك الأموال لأن ما تفعله معهم تفعله مع إلههم، وعلى الفور وبسعادة بالغة قام الزوج بإقراض شعب الله الفقير الخمسين ميلياريزا وعاد الإثنان إلى منزلهم، ولكن بعد فترة من الزمن زادت مصروفاتهم عن إستطاعتهم حتى عجزا من مواصلة العيش فقال الزوج للزوجة: يا زوجتى الحبيبة ألا ينوى إله المسيحيين رد شيئاً مما أقرضناه، فنحن فى حاجة ماسة لهذا المال.
أجابت الزوجة: نعم إنه سيرد لك أموالك لكن إذهب إلى حيث أقرضته وسوف يقوم هذا الإله برد أموالك على الفور.
إنطلق الرجل إلى الكنيسة المقدسة حتى وصل إلى المكان الذى أقرض فيه شعب الرب الفقير، ومر حول الكنيسة متوقعاً أن يرى أحدهم عساه يرد له أمواله، ولكن كل ما رآه هم نفس الفقراء ما زالوا جالسين فى أماكنهم، وبينما كان يحاول أن يتكلم مع أحدهم ويفكر أياً منهم يجب عليه أن يسأله، وإذا به ينظر إلى موضع قدميه ويرى قطعة عمله كبيرة موضوعة على الأرض وكان هو نفس المكان الذى وقف فيه موزعاً أمواله لإخوته الفقراء فمال إلى أسفل وإلتقط قطعة النقود وعاد إلى منزله، ثم قال لزوجته: لقد ذهبت إلى الكنيسة ولكنى لم أرى إله المسيحيين كما قلت، ولم يعطنى اى شئ على الإطلاق، سوى أننى وجدت هذه العملة موضوعة على الأرض فى نفس المكان الذى وزعت فيه أموالى.
عندئذ أجابت تلك الزوجة الحكيمة قائلة: فإنه هو من أعطاك هذه القطعة من النقود دون أن تراه، فهو يعمل ويحرك العالم دون أن تراه بذراع عالية ويد قادرة غير مرئية، وعلى أى حال يا سيدى إذهب وإشترى لنا شيئاً لنأكله اليوم وسوف يعطيك الرب شيئاً آخر.
ذهب الزوج وقام بشراء بعض الخبز والخمر وسمكة كبيرة، ثم رجع إلى منزله وأعطى زوجته مشترياته قامت الزوجة بتنظيف السمكة إستعداداً لطهيها، ولكن عندما فتحت السمكة وجدت قطعة من الحجر بداخلها رائعة الجمال تعجبت المرأة منها ولكن لم يكن لديها أى فكرة ماذا يكون هذا الشئ؟ فإحتفظت بها وعندما أتى إليها زوجها وبينما كانا يتناولان الطعام أحضرت الزوجة قطعة الحجر وأرتها لزوجها وقالت له: أنظر!! لقد وجدت هذا الحجر داخل السمكة.
رأى الزوج الحجر إندهش من شكل الحجر وجماله الذى يسرق الأبصار ولكنه هو الآخر لم يكن يعرف ما هذا وبعدما إنتهى الإثنان من طعامهم قال الزوج لزوجته: أعطينى إياه، وسوف أذهب لبيعه وسأحاول أن أجد طريقة لبيعه بأى ثمن، وكما أخبرتكم كان هذا الرجل رجلاً بسيطاً لا يعرف قيمة هذه الأشياء، وذهب الرجل إلى أحد تجار الأموال وهو أيضاً صائغ فضة كان الوقت متأخراً وكان هذا التاجر يعد نفسه لغلق محله والعودة إلى منزله، وذهب الرجل إليه وقال: أتريد أن تشترى حجراً؟ عندما سمع التاجر هذا ونظر إلى الحجر قال للرجل: كم من المال تريد فيه؟
فقال له الرجل: أعطينى ما تشاء، فقال له التاجر: أتأخذ خمسة ميلياريزا فيه؟
إعتقد الرجل أن هذا التاجر يسخر منه، فقال له الرجل: هل ستعطينى كل هذا المبلغ؟ فإعتقد التاجر أن هذه الفرصة العظيمة ستضيع منه.
فقال له: حسناً يا رجل سأعطيك عشرة بدلاً من خمسة.
لازال الرجل يعتقد أن التاجر يسخر منه، فصمت ولم يتكلم عندئذ قال التاجر بل عشرون ولم يبدى الرجل اى تجاوب لما يقوله التاجر، وبدأ التاجر فى رفع المبلغ إلى ثلاثون ثم إلى خمسون وهو يقسم بأنه يدفع بذلك الكثير مقابل هذا الحجر، ولكنه لم يكف عن رفع قيمة المبلغ حتى وصل إلى ثلاثمائة ميلياريزا، وهنا وافق الزوج على المبلغ واعطى التاجر الحجر وتسلم النقود، وعاد إلى زوجته وهو مغمور من الفرحة، وعندما رأته تلك الزوجة الصالحة سألته بكم باعها وكانت تتوقع أن يقول لها ثمناً بخساً خمس أو عشر من العملة الصغيرة ولكن الزوج أخذ الثلاثمائة ميلياريزا وسلمهم لزوجته ففاضت المرأة عجباً من كرم هذا الإله الصالح الطيب وقالت لزوجها: أيها الزوج هل رأيت كم هو هذا الإله صالح وكريم إله المسيحيين؟ هو لم يرد لك نقودك فقط بل وفوائدهم مضاعفة، ولم تمر غير أيام وضاعف هذا الإله رأس مالك ستة أضعاف، فعليك إذن أن تعرف أنه لا يوجد إله آخر لا فى السماء ولا فى الأرض غيره.
غيرت تلك المعجزة من قلب الزوج وعلمته الحقيقة بخبرة مباشرة مع الرب وعلى الفور قبل الزوج يسوع المسيح وأصبح مسيحياً يمجد الرب المخلص فى كل أعماله، وشعر بالإمتنان لزوجته التى منحه الله إياها ليعرف حقيقة من هو الرب؟
183 - حياة موسكوس التاجر
قمنا بزيارة الأب إستاثيوس [Eustathios] فى دير كهف القديس ساباس [Cave of Saint Sabas] أخبرنا الآتى:
كان هناك تاجر إسمه موسكوس [Moschos] يعيش فى مدينة تدعى تاير [Tyre] أنه أخبره ما يلى: كنت مرتبطاً ببعض الأعمال التجارية وفى إحدى الليالى ذهبت لأغتسل فى أحد الحمامات العامة، وبينما كنت أسير فى طريقى مررت بإمرأة كانت تقف فى الظلا م، فإتجهت إليها وقدمت لها التحية، فوافقت على أن تتبعنى ففرحت كما يفرح الشيطان عندما يدفع بأحد نحو الخطية، فلم أذهب لأغتسل بل ذهبت لنتناول العشاء سوياً، ولكنها لم تذق ولا كسرة خبز صغيرة، وفعلت كل ما بإستطاعتى لإقناعها بأن تأتى إلى منزلى وأخيراً نجحت فى إقناعها وذهبنا للمنزل، وعندما بدأت فى إحتضانها إنفجرت باكية وقالت: كم أنا من إمرأة بذيئة وقبيحة كنت أرتجف وأنا أسألها ما الأمر؟ فزادت من بكائها وهى تقول: يعمل زوجى بالتجارة وقد تحطمت سفينة تجارية، وخسر كل ممتلكاته وممتلكات غيره وهو الآن فى السجن بسبب ما تكبده الغير من خسائر بسببه، وقد قررت بعدما أرهقت ذهنى من التفكير وأنا أشعر بالعار والخزى من بيع جسدى حتى أستطيع الحصول على خبز لزوجى فقد أخذوا كل ما نملك.
قلت لها: كم يبلغ دينكم؟
قالت: خمسة جنيهات من الذهب أى = 360 قطعة ذهب أو 1638 جرام ذهب، فذهبت وأحضرت لها الخمسة جنيهات ذهبية وقلت لها: لخشية الرب ومخافته لم ولن ألمسك إذهبى وخلصى زوجك بهذا الذهب وصلى من أجلى، وبعد فترة من الزمن حدثت إفتراءات كثيرة ضدى حتى وصلت لأذن الإمبراطور بأننى أبدد تجارتى، فأمر الإمبراطور بالقبض علىّ وأحضرنى إلى القسطنطينية مكرهاً وأنا بملابس رثة وزج بى فى السجن، فمكثت هناك لفترة من الزمن وانا بهذه الملابس الفقيرة، وكان يصل لسمعى عند كل شروق للشمس أن الإمبراطور ينوى قتلى حتى يئست من الحياة وكنت أنام كل ليلة باكياً ومتحسراً ويائساً، وهناك بدى لى أننى ارى تلك المرأة الحرة التى سُجن زوجها وهى تقول لى: ما المشكلة يا موسكوس؟ ولما أنت مسجون هنا؟
قلت لها: لقد إتُهمت بالباطل وأعتقد أن الإمبراطور ينوى قتلى.
فقالت: هل تريدنى أن أذهب للإمبراطور وأحدثه بشأن أن يتركك؟
قلت لها: هل يعرفك الإمبراطور؟
قالت: نعم فإستيقظت من نومى وأنا فى حيرة ماذا يعنى ما رأيته وأنا نائم؟ وفى المرة الثانية والثالثة كانت تظهر لى وهى تقول: لا تخف غداً ستصبح حراً وفى اليوم التالى وفى الصباح الباكر جاء الحرس وإصحبونى إلى الإمبراطور بناء على أوامره، وعندما شاهدنى الإمبراطور وأنا بهذه الملابس الرثة قال لى: لقد تعاطفت معك وأشفقت عليك، فإذهب ولا تخطئ فيما بعد.
رأيت المرأة تقف عن يمين الإمبراطور وقالت لى: إهدأ ولا تخف.
بعدها أمر الإمبراطور بأن أسترد كل ممتلكاتى وأعطاها لى، وأعاد تعيينى لوظيفتى السابقة وبشرف بالغ أصبحت ممثله، وفى تلك الليلة بالذات ظهرت لى نفس المرأة وقالت: هل تعرف من أنا؟ أنا من أشفقت عليها من أجل الرب وإحترمت جسدى وأنا الآن أنقذك من هذا الظلم الواقع عليك أنظر كيف أن الرب طيب وهو يتعامل مع البشر جميعاً، وهذا ما فعلته أنت معى لذا فقد إتسعت الرحمة بى حتى شملتك أنت أيضاً.
184 - تعاليم الأب يوحنا وكيف تنال الفضيلة
عندما ذهبنا من دير جثيمانى المقدس (Gethsemane) إلى جبل الزيتون وإتجهنا إلى دير يعرف بدير الأب أبراهام [Abraham] والذى أنشأه الأب العظيم أبراهام (لكنيسة القديسة العظيمة مريم العذراء إلى الأبد ووالدة الإله) والذى أصبح رئيساً للدير هناك بعد أودوكسيوس [Eudoxios] كان رئيس هذا الدير هو الأب يوحنا [John of Cyzicos] وفى أحد الأيام قمنا بسؤاله عن كيفية نيل الفضائل، فأجاب الأب يوحنا وقال: إذا أراد أى شخص أن ينال فضيلة معينة عليه أولاً أن ينجح فى التغلب على نقيض هذه الفضيلة، فإذا رغبت فى أن تكون حزيناً فأرفض الضحك، وإذا أردت أن تصبح متواضعاً فإكره الكبرياء، وإذا أحببت الإعتدال فإبتعد عن الجشع، وإذا أردت أن تصبح نقياً فإكره النجاسة، وإذا تطلعت إلى القشف فتخلص من الممتلكات المالية، وإذا رغبت أن تكون عطّاء فإبتعد عن إكتناز المال، وإذا أردت أن تعيش فى البرية فلا تتملق حياة المدينة.
أى إنسان يرغب فى حياة الإنضباط والصمت يجب عليه أن يمقت كثرة الكلام، ومن يرغب أن يكون غريباً فعليه أن يرفض المباهاة ومن يرغب أن يكون متحرراً من الغضب فعليه ألا يتصل بمن يعيش فى العالم، ومن يريد أني كون متسامحاً فلا يجب عليه أن يُدين أحداً، ومن يريد ألا يعيش منزعجاً فعليه أن يعيش منعزلاً، ومن يحب أن يتحكم فى لسانه فعليه أن يغلق أذنيه تماماً حتى لا يسمع كثيراً، ومن يريد أن يعيش حياة فى مخافة الرب فيجب ألا يرفه جسده وأن يعشق الألم، وهنا سيخدم الرب خدمة لا يشوبها شائبة.
185 - قصة الأخوان السوريان
قص علينا الأب ثيؤدور [Theodore] رئيس الدير القديم [46] قصة أخان سوريان كانا يعملان بالتجارة فى مدينة القسطنطينية قال:
فى أحد الأيام قال الأخ الأكبر لأخيه الأصغر: تعالى معى لنرجع لسوريا حتى نأخذ بعض الأشياء من منزل والدنا.
قال الأصغر: ولماذا يجب علينا الذهاب سوياً؟ وأن نترك تجارتنا دون رعاية من أحدنا إذهب أنت وسأبقى أنا هنا، أو أذهب أنا وتبقى أنت هنا، وأخذا يتناقشان حتى وصلا إلى إتفاق بأن يذهب الأخ الأصغر إلى سورياً ويبقى الأخ الأكبر فى منامه رجلاً عجوزاً يقول له: أتعرف أن أخاك الأصغر قد زنى مع زوجة حارس أحد الخانات غضب الأخ الأكبر عندما إستيقظ من تومه مما قيل له وقال لنفسه: إنه خطأى أنا لماذا سمحت له بالذهاب بمفرده؟ مر أيضاً وقت قصير ورأى الأخر الأكبر نفس الرجل العجوز حيث قال له: أتعرف أن أخاك قد ركز كل إهتماماتهت على زوجة حارس الخان؟
إشتد حزن الأخ الأكبر مما يسمعه، وفى المرة الثالثة لظهور هذا العجوز له قال له: أتعرف أن أخاك الأصغر قد أساء إلى إمرأة وحط من نفسه مع زوجة حارس الخان؟
فى هذه المرة كتب الأخ الأكبر لأخيه فى سوريا يطلب منه ترك أى شئ ويحضر فوراً إلى البيزنطية ودون أدنى تأخير، وبمجرد أن وقعت عين الأخ الأكبر على أخيه الأصغر أخذه وأسرع به إلى الكنيسة العظيمة، وبدأ يوبخه ويعنفه بقسوة ويقول له: هل إستمتعت بالزنا مع زوجة الحارس؟ وعندما سمع أخيه هذا الكلام أكد بأمانة الرب بأنه لا يعرف أى شئ عما يقوله أخيه وأنه لم يخطئ كما أنه لم يعرف إلا زوجته، وعندما سمع الأخ الأكبر منه هذا الكلام قال له: أفعلت أى شئ آخر ربما يكون خطأ؟
أنكر الأخ الأصغر وقال: فأنا لا أعلم ما إذا كنت قد قمت بعمل غير عادى، إلا إننى قد قابلت بعض الرهبان فى القرية من أتباع سيفيران (المهرطقين) ولا أعلم ما إذا كنت أخطأت أم لا، فقد تناولت معهم فى قداسهم وهذا على حسب علمى، فأدرك الأخ الأكبر أن ما فعله الأخ الأصغر من زنا هو تركه للكنيسة المقدسة الجامعة وذهابه للمهرطق سيفيريوس أسيفالوس [Severus Acephalos] والذى هو بالفعل حارس خان إذ أنه بفعلته هذه قد جلب العار والنجاسة على شرف إيمانه الحقيقى.
186 - قصة حياة الزوجة المخلصة وزوجها التاجر
كما قمنا أيضاً بالذهاب إلى دير {الآباء فى عسقلان} حيث يقيم هناك الكاهن الأب أوسيبيوس [Eusebios] وقال الآتى: كان فى هذه المدينة تاجر كبير قام بإحدى الرحلات التجارية، ولكنه فقد كل تجارته وكل ما كان يحمله معه فى هذه الرحلة، وبالكاد تم إنقاذه هو بمفرده من هذه الكارثة وعندما عاد إلى مدينته قبض عليه الدائنون وقذفوا به فى السجن وتم مصادرة كل ممتلكاته وكل شئ كان يقتنيه فى منزله، ولم يبقى معه غير زوجته المخلصة، وبالرغم مما أصاب الزوجة من حزن وقلق على حياتهما فقد قررت أن تفعل شئ بانتظام وهو أن تذهب لزوجها كل يوم ومعها بعض الخبز ليتناوله، وفى أحد الأيام وبينما تقوم هذه الزوجة بزيارة زوجها فى السجن حاملة بعض الخبز ليتناوله، مر أحد المشرفين على السجن ليتفقد عمله فوقعت عينيه على تلك المرأة حيث أنها كانت تتمتع بجمال إلهى يسحر العيون ويسرق الأبصار فإمتلأ رغبة فيها، فأرسل لها رسالة مع سجان زوجها يطلب أن تأتى إليه، فأسرعت الزوجة متوقعة أن يعطيها بعض العطايا وعندما رآها أخذها وتحدث معها منفرداً بها حيث قال لها: ما الأمر ولماذا تأتى هنا؟ حكت له المرأة كل القصة وبعدها قال لها: إذا قمت أنا بتسديد كل ديونك وديون زوجك أتوفقين على قضاء ليلة معى؟
أجابت المرأة التىتتمتع بنقاء وجمال روحى وذهنى كما تتمتع بالجمال الشكلى وقالت: يا سيدى سمعت أن القديس بولس الرسول يقول أن:
"ليس للمرأة تسلط على جسدها، بل للرجل" (1كو 7: 4)
فدعنى أذهب وأسأل زوجى وسوف أفعل ما يأمرنى به.
كان الزوج يتمتع بحكمة عظيمة كما كان يحب زوجته حباً عظيماً ولكنه لم يريد أن يجرفه إحتياجه للحرية بعيداً عن الحق ويضل طريقه، فتنهد الزوج عندما أخبرته زوجته بما حدث بينها وبين هذا المشرف ثم دمعت عيناه وقال لها: أرفضى ما قاله هذا الرجل ودعنا نضع ثقتنا فى الرب فهو لن يتركنا ونحن فى الهزيع الرابع نهضت المرأة من عند الزوج وذهبت وأخبرت هذا الرجل قائلة: لقد أخبرت زوجى وهو لا يرغب فى ذلك.
كان فى ذلك الوقت هناك قاطع طريق فى زنزانة مجاورة لسجن هذا الزوج يستمع لحوار الزوج والزوجة، فتنهد وقال لنفسه: أنظر!! يا له من مأزق للزوج والزوجة ومع ذلك يرفضان أن يتنازلان عن حريتهما لا مقابل مال أو حتى مقابل إطلاق صراح الزوج، فلهم من الشرف والعفة ما يفوق عمله أنا لهذا الإنسان الخسيس الذى لم يفكر حتى ما إذا كان الله موجود أم لا؟ وقد قمت بالعديد من الجرائم والشرور دون مقابل ثم قام بالنداء عليهما من خلال نافذة فى زنزانته بالسجن وقال هما: أنا سارق وفعلت الكثير والكثير من الشرور والعديد من جرائم القتل لذلك فى أى وقت يأتى فيه الحاكم إلى هنا سوف يحاكمنى كقاتل، ويأمر بقطع رأس ولكن بعد ما شاهدت عفتكما وعزتكما تأثرت وكما تعاطفت معكما وعلى أى حال إذهبا إلى: وقام بوصف طريق ما لهما عند سور المدينة وقال لهما: هنا قوماً بالحفر بجوار هذا السور وخذا الأموال التى ستجدونها هناك، وسددا ديونكما ببعض منها وقدما الكثير منها كعشور وصليا من أجلى لربما يرحمنى الرب.
مرت أيام قليلة وجاء حاكم المدينة وحكم على هذا السارق بقطع رأسه، وبعدها قالت الزوجة لزوجها: إذا أردت يا سيدى أن أذهب للمكان الذى أخبرنا به هذا السارق وأرى ما إذا كان يقل لنا الحقيقة ام لا؟
فقال لها الزوج: خير ما قلت وفى المساء نظروا الزوجة وأخذت معها فأس صغير وقامت بالحفر فى المكان الذى أشار إليه اللص، فوجدت إناء كبير ملئ بالذهب أخذته وإستخدمت هذا الذهب بتدبير وتعقل حتى يعتقد الناس أنها إقترضت بعض هذه الأموال من شخص ما وبعضها من آخر حتى قامت بتسديد كل ديونهم وأصبحت قادرة على إطلاق صراح زوجها.
قال لنا الشخص الذى حكى لنا هذه القصة: أنظروا حيث أنهما كانا مخلصنا لإلههم وإحترما أحكامه فقد ضاعف الله محبته ورحمته عليهما.
187 - معجزة الأخشاب المعطاة للأب بروكا
قال لنا الأب أثناسيوس المصرى [Athanasios] لذى كان يعمل فى السلطة المدنية[47] عن الأب بروكا [Brocha] أنه وجد مكان فى البرية عند مدينة سيلوشيا [Seleucia] بالقرب من إنطاكية ورأى أنه مناسب لعمل قلاية صغيرة له ليقيم بها وعندما بدأ فى إنشاء هذه القلاية رأى أنه بحاجة إلى بعض الأخشاب حتى يستطيع عمل سطح لهذه القلاية، وفى أحد الأيام خرج وذهب إلى المدينة وهناك رأى أناتوليوس [ِAnatolios] والمعروف بالأحدب وهو رجل ذو مركز مرموق فى مدينة سيلوشيا وكان هذا الرجل جالساً أمام منزله فتوجه إليه وقال له الأب بروكا: لو تفضلت أعطينى قليل من الأخشاب لأعمل به سطح لمنزلى فأجابه هذا الرجل بإستياء وقال: أنظر هناك خذه وإنصرف وكان يشير إلى عمود ضخم موضوع أمام منزله والذى صنعه لعمل سفينة تنقل حوالى خمسين ألف مكيال من الحبوب، فقال له الأب بروكا: باركك الرب سوف آخذه، وكان الرجل أناتوليوس مازال فى حالة الإستياء وأمسك الراهب العجوز بعمود الخشب وحمله من الأرض ووضعه على كتفه وإنطلق نحو قلايته، فتعجب الرجل من قدرة الراهب غير العادية التى حدثت حين أعطى الراهب كم من الأخشاب أكثر مما يحتاجه ومن قدرته على حملها.
ذهب الأب بروكا وقام يوحنا ذهبى الفم لقلايته بل وقام بعمل الكثير من الأشياء التى كان الدير فى حاجة إليها.
188 - نبذة مختصرة عن الأب يوحنا ذهبى الفم
كان هناك رجل قديس وعظيم هو القديس يوحنا ذهبى الفم [John Chrysostom] بطريرك القسطنطينية وقد سمى بذلك لما يتمتع به من نقاء وطهارة فى قلبه وروحه، كما كان معلماً بارعاً فى تلقينه للآخرين وعليماً بفنون البلاغة، ومنذ أن نال نعمة المعمودية وهو لا يحلف أو حتى يقبل شخص آخر يحلف أو يكذب أو يتكلم أو يستمع إلى أى كلام.
189 - قصة راهب[48] فى دير الأب الصالح غريغورى الذي غفر له بعد موته
جاء كاهن إسمه بطرس [Peter] من روما وأخبرنا شئ عن القديس العظيم غريغورى [Gregory] بطريرك المدينة: أنه عندما أصبح بطريرك قام ببناء ديراً كبيراً للرهبان وسن قانوناً ألا يمتلك أى راهب من رهبان المكان أى شئ يتفرد به، وكان ضمن هؤلاء الرهبان راهباً له أخاً يعيش فى العالم وفى أحد الأيام طلب الراهب من أخيه قائلاً: ليس لدى ما أرتديه فإذا تفضلت يا أخى إشترى لى رداءاً.
قال له أخيه العلمانى: خذ هذه الثلاث قطع ذهبية لتشترى كل ما قد تحتاجه أخذ الراهب الثلاث قطع ذهبية وذهب إلى رئيس الدير ووضعهم تحت تصرفه، والذى قام بدوره بأخذ الثلاث قطع ذهبية وذهب للباب ووضعهم هو الآخر تحت تصرف هذا البطريرك، فعندما سمع البطريرك ما حدث قام بإستبعاد الراهب من الدير حيث أنه قد خرق قانون الدير، وبعد فترة قصيرة تنيح الأخ المستبعد ولم يعلم البابا بتنيحه.
مر يومين أو ثلاثة وقام رئيس الدير بإخبار البابا بتنيح الراهب المستبعد من الدير حزن البابا حزناً جماً لأنه لم يعطى حلاً للراهب قبل أن يرحل من هذا العالم لذا فقد قام البابا بكتابة صلاة على قصاصة من الورق واعطاها إلى كبير الشمامسة وطلب منه أن يذهب ويقرأها على رفات الراهب كانت الصلاة تمثل حلاً من البابا للراهب المستبعد ومغفرة لخطيته ولخرقه قانون الدير ذهب كبير الشمامسة وفعل ما طلبه البابا منه وقام بقراءة الصلاة لىعلى جسد الراهب المستبعد بينما فى نفس الليلة التى صلى فيها كبير الشمامسة على قبر الراهب رأى رئيس الدير هذا الراهب بينما كان نائماً.
فسأله رئيس الدير: هل أنت ميت بالفعل يا أخى؟
فأجاب الراهب: نعم لقد مت بالفعل.
فسأله رئيس الدير ثانية: أين كنت حتى يومنا هذا؟
فقال له الراهب: الحقيقة يا سيدى لقد كنت سجيناً ولم يُطلق سراحى إلا أمس عندها علم الجميع بأنه قد أحله البابا من خطاياه ومن عقاب الإستبعاد فى نفس الساعة التى صلى فيها كبير الشمامسة على رفاته، ولقد خلصت روحه من الإدانة.
190 - العمل الخيري الرائع الذى قام به القديس العظيم الأب أبوليناريوس بطريرك الإسكندرية لشاب ثرى إنحدر لدرجات العوز
وصل لسماعنا عن الأب القديس أبوليناريوس [Apollinarios] بطريرك الإسكندرية والذى كان مثلاً يُحتذى به فى كثرة العطايا والرأفة على كل البشر، ولتوضيح هذه الخصال والنعمة الرائعة فقد حكى لنا بعض الأشخاص أنه كان هناك شاباً ووالديه من الشخصيات البارزة فى المدينة وعندما توفيا تركا لإبنهم الشاب ثروة طائلة والكثير من الممتلكات الأخرى فى أشكال متنوعة من أشكال الثراء مثل السفن البحرية وذهب، ولكن هذا الشاب لم يكن ناجحاً فى إدارة هذا الإرث مما أفقده كل هذه الثروة وإنحدر إلى أقصى درجات الفقر والعوز كما ذكر فى الكتاب المقدس:
"وبعد أيام ليست بكثيرة جمع الإبن الأصغر كل شئ وسافر إلى كورة بعيدة، وهناك بذر ماله بعيش مسرف، فلما أنفق كل شئ حدث جوع شديد فى تلك الكورة، فإبتدأ يحتاج" (لو 15: 13 - 14)
وقد عانى شدائد كثيرة من تحطم سفنه وغرقها وإهلاك تجارته وتبديد ثروته وبعد أن كان أحد أثرياء المدينة وصفوتهم أصبح من فقراءها وكما يقول كاتب المزامير:
"يصعدون إلى السموات، يهبطون إلى الأعماق. ذابت أنفسهم بالشقاء" (مز 107: 26)
فبعد أن كان موضع إحترام وتبجيل فى فترة ثراءه أصبح يعانى السقوط فى بؤرة الفقر.
عندما علم البطريرك أبوليناريوس بذلك ورأى وهنه وعوزه حيث كان يعرف والديه جيداً ومدى الثراء الذى كانوا ينعمون به أراد البابا عمل شئ عملى وواقعى لمساعدة هذا الشاب بأن يعطيه بعض الأموال فى شكل عطايا أو عشور قد ترفع بعض المعاناة عنه لكنه خجل أن يفعل ذلك، وكان كلما أتى إليه هذا الشاب إلى مكتبه ويراه بملابسه الرثة ووهن عزيمته ووجهه الحزين والتى هى علامات العوز والفقر المدقع كانت تتألم مشاعر البابا، ولكنه كان فى حيرة ما عساه أن يفعله نحو هذه المضعلة التى يرغب فى إيجاد حل لها ولا يرى وسيلة لذلك ولكن الله أرشد روحه فألهمه بخطة رائعة والتى تتلاءم مع قداسته، فقام بطلب المسئول القانونى بالكنيسة وهو أيضاص مسئول الخزانة لكنيسته المقدسة وتحدث معه منفرداً حيث قال له: أريد أن أئتمنك على سر خاص بى.
أجاب على هذا المسئول قائلاً: إذا كنت ترغب بالفعل فى ذلك فلن أخبر أى شخص عما ستقوله لى ولن يعلم أحداً شيئاً قط مما ستكشفه لى.
فقال له البابا: إذهب وإسحب صكك ضد الكنيسة بمبلغ خمسين قطعة ذهبية لصالح مكاريوس [Macarios] والد هذا الشاب وإجعل له شهوداً وقم بعمل أمر دفع لهذا الشاب ثم أحضر لى هذا الصك.
أطاع مسئول الخزينة البابا وقام بعمل كل ما طُلب منه على الفور ودون أدنى تأخير، ثم ذهب للبابا بالصك وقدمه له وحيث أن والد الشاب كان قد توفى منذ عشر سنوات أو أكثر وحيث أن الصك يبدو حديثاً فقال قال البابا للمسئول: يا سيد إذهب وقم بدفن هذا الصك فى قمح أو شوفان ثم أحضره لى مرة أخرى بعد عدة أيام قام هذا الرجل يعمل ما قاله البابا وعاد بعد عدة أيام كما قال له وهو يحمل الصك وقال له البطريرك: الآن إذهب وقل للشاب ماذا ستعطينى مقابل صك خاص بثروة أبيك؟ لكن لا تأخذ منه أكثر من ثلاث قطع ذهبية أيها السيد وأعطه هذا الصك.
فقال له المسئول: إنها إرادتك أيها البابا، ولن آخذ منه أكثر مما طلبت منى، فذهب مسئول الكنيسة للشاب وقال له: ماذا ستعطينى إذا قدمت لك شيئاً ذا قيمة مالية ولصالحك؟
وافق الشاب على تقديم أى مقابل يطلبه المسئول، فصمت المسئول برهة وقال له: منذ خمسة أو ستة أيام كنت أبحث فى أوراقى ووجدت هذا الصك وتذكرت مكاريوس والدك قد وثق فىّ وترك هذا الصك معى لعدة أيام وعندما توفى وبفعل القدر قد نسيته طيلة هذا الزمن حتى وجدته منذ أيام، فذاكرتى الضعيفة لم تساعدنى على تذكره لأعطيه لك.
فقال له الشاب: كم تريد لتعطينى إياه؟
فقال المسئول: ثلاث قطع ذهبية.
سأله الشاب: هل هذا الشخص المدين شخصاً ثرياً؟
فقال له المسئول: فهو ثرى جداً وكريم للغاية، ويمكنه تسديد كل ديونك دون تعب.
فقال له الشاب: يعلم الرب أننى لا أملك شيئاً قط ولكن إذا رد لى هذا الدين سوف أعطيك الثلاث قطع ذهبية وأكثر، فأعطى المسئول الشاب الصك الذى يعادل خمسين قطعة ذهبية (16380 جرام ذهب).
أخذ الشاب الصك وذهب به للبابا فإنحنى أمامه وأعطاه إياه اخذ البابا الصك وبدأ يقرأه وكان يظهر للشاب أنه قد إنزعج من هذا الدين المستحق على الكنيسة ثم سأل الشاب: أين كنت طوال هذه المدة وحتى الآن؟ فقد توفى أباك منذ أكثر من عشرة سنوات إذهب أيها السيد ليس لدى رد الدين فأجاب الشاب على البابا: فى الحقيقة يا أبى لم أتمكن من الحصول على هذا الصك، فقد كان فى حوزة مسئول الخزانة ولم يكن يعلم بذلك ولكن رحمة الرب ورأفته علىّ سمحت له بأن يعطيه لى، وقد قال لى: لقد كنت أبحث فى أوراقى ووجدت هذا.
قام البابا بصرف الشاب وقال له: سوف أفكر فى الأمر وفى الوقت نفسه سأحتفظ بهذا الصك هنا فى الكنيسة.
مضى أسبوع روجع الشاب مرة أخرى للبطريرك، وعندما رآه البابا وبخه مرة أخرى على إحتفاظه بهذا الصك طيلة هذه المدة دون المطالبة به وأظهر له أنه لا يرغب فى منحه شيئاً مما يستحقه.
أخيراً قال له الشاب: أيها السيد العظيم يعلم الله جيداً أنه ليس لدى ما يفى بإحتياجات أسرتى، فإذا وضع الرب هذا الأمر فى قلبك لتفعل أى شئ يرأف بى وبأسرتى، وهنا بدأ البابا فى إظهار بعض التعاطف والإقتناع بحديث الرجل الشاب وبعدها قال له: سأقوم بدفع قيمة هذا الصك بالكامل ولكن يا بنى أنا ألتمس منك ألا تطالب الكنيسة بفوائد على هذه السنوات العشر السابقة.
غمرت الفرحة قلب الشاب وقام بعمل ستة وسبعين ميطانية أمام البابا وقال له: ما تأمرنى به أيها السيد العظيم سأفعله وإذا أردت أن تنقص من قيمة الصك لصالح الكنيسة فأنا أوافق على ذلك.
فقال له البابا: لا يكفينى أنك ستتنازل عن الفوائد المستحقة على هذا الصك فذهب البابا وأحضر الخمسون قطعة ذهبية وسلمها للشاب وسمح له بالإنصراف مع الكثيرمن مشاعر الإمتنان والعرفان بأنه كان كريماً مع كنيسة الرب ولم يطالب بالفوائد المستحقة على الصك.
تظهر لنا هذه القصة كم كان هذا البطريرك الصالح عطوفاً ورحيماً كما كان يفعل ذلك سراً وكما بارك أيضاً الرب هذا الشاب وتجارته حيث إستطاع أن يرفعه من الفقر والذل ولم يستعيد فقط ثروات اسرته بل زاد منها كما أثرى هذا العمل الرائع من البابا من روح هذا الشاب.
191 - نصيحة الراهب الذى يعيش فى دير سكيتى لراهب آخر حتى لا يدخل أحد الحانات
قام أحد رهبان دير سكيتى [Scete] بالسفر إلى الإسكندرية لبيع بعض أعماله اليدوية، وهو بالمدينة رأى راهب آخر يدخل أحد الحانات، إنزعج الراهب مما يراه وقرر أن ينتظره بالخارج حتى يخرج ويتحدث معه وقد حدث بالفعل فقد خرج هذا الراهب من الحانة فتوجه إليه راهب دير سكيتى وأخذه من يده وتحدث معه منفرداً وقال له: يا أخى أتعلم معنى الرداء المقدس الذى ترتديه؟ ألا تعرف ذلك؟ ألا تعلم أن حيل إبليس كثيرة؟ ألا تعرف أيضاً أن الرهبان الذين يعيشون فى المدن كثيراً ما يجرحون أعينهم ويلوثون آذانهم ويهينون ملابسهم؟ فقد ذهبت إلى تلك الحانة بمحض إرادتك وسمعت أشياء لا يصح سماعها ورأيت ما لا ترغب فى رؤيته وإختلطت خلطاً مخزى بالرجال والنساء العابثين أرجوك يا أخى ألا تفعل ذلك بل وأنصحك بالهروب نحو البرية حيث تجد الخلاص الذى ترغبه.
فقال له الراهب الآخر: سأذهب معك أيها الراهب الصالح لأن الرب لا يريد شيئاً غير نقاء القلب.
رفع الراهب الصالح يده نحو السماء وقال: المجد لك أيها الرب فقد أمضيت خمسين عاماً فى دير سكيتى ساعياً وراء نقاء القلب والروح إلا أن هذا الراهب الذى ألف الذهاب غلى الحانات قد بلغ هذه النعمة وإلتفت نحو الراهب الآخر وقال له:
"أعضدنى حسب قولك فأحيا ولا تخزنى من رجائى" (مز 119: 116).
192 - قصة المفكر إيفاجريوس والذى تحول مسيحياً بفعل صلاة وعمل الأسقف سينسيوس
بينما كنا نقيم فى مدينة الإسكندرية لفترة أتى رجلاً مكرساً يحب المسيح حباً جماً وهو ليونتيوس من أباميا [Leontios of Apamea] أتى من مدينة بنتابوليس [Pentapolis] حيث أمضى سنوات طويلة فى دير سيرينى (Cyrene) وكان فى ذاك الوقت البطريرك أولوجيوس [Eulogios] بابا الإسكندرية والذى أصبح فيما بعد أسقف فى سيرينى والذى أتى هو الآخر وإجتمعنا سوياً نتحاور حيث قص علينا ليونتيوس الآتى:
عندما كان البطريرك المبارك ثيؤفيلوس [Theophilos] بابا الإسكندرية قام برسم المفكر سينسيوس [Synesios] أسقفاً لسيرينى وعندما ذهب المفكر سينسيوس إلى سيرينى وجد أحد تلاميذه وصديقه الحميم لازال على عبادته الوثنية إمتلأ قلب الأسقف رغبة فى تصحيح إيمان تلميذه وصديقه المقرب، والأكثر من ذلك فإنه كان يبذل الجهد المضنى فى مساعدته حينما تقابله متاعب الحياة وذلك من أجل العلاقة الحميمة التى كانت بينهما، ولكن إنتهى الأمر بالأسقف بأنه عجز عن إقناع المفكر الصديق بالإيمان المسيحى الحقيقى أو حتى يقبل أى شئ من تعاليم الأسقف، ولكن الأسقف لم يبالى بهذه النتيجة ولم يكف عن إصراره فى بذلك المزيد والمزيد من الجهد، فكان يعلمه ويحثه على قبول المسيحية فى كل يوم يذهب إليه وأن يعرف شخص المسيح معرفة حقيقية كاملة وقد أسفر كل هذا العمل الدؤوب إلى أن أتى المفكر الصديق فى يوم من الأيام إلى الأسقف قائلاً: أتعرف أيها الأسقف من بين الأمور المسيحية وتعاليمها يوجد أمراً لا يقنعنى على الإطلاق وهو انه ستكون هناك نهاية ما لهذا العالم، وبعد هذه النهاية سيعود الإنسان مرة أخرى ويعيش حياة أبدية حيث لا يفسد جسده ويخلد إلى الأبد وسيحصل المسيحيين على مكافأتهم وأن الإنسان الذى يرأف بالفقراء ويعطيهم من ماله فهو بذلك قد أعطى الله نفسه ومن كان يوزع أمواله على المحتاجين سوف يسترد كل ما قدمه إلى هؤلاء البشر من المسيح أضعافاً مضاعفة فى الحياة الابدية مع الرب كل هذه الأمور والقصص تبدو أموراً مضحكمة وساذجة ولا تزيد عن حكايات الجدات للأطفال لكن الأسقف أكد له أن كل إيمان المسيحيين إيماناً حقيقياً ولا يوجد شئ باطلاص أو حتى غريب وغير مقبول كما حاول جاهداً أن يشرح له بأمثلة عديدة حقيقية كل هذه الإيمانيات.
مر وقت طويل ولم يضع جهد وصلاة هذا الأسقف هباء بل قد كلله الله حيث أصبح المفكر مسيحياً وعمده الأسقف كما عمد كل أطفاله وأهل بيته، وبعد المعمودية بزمن قصير أعطى المفكر للأسقف ثلاث عملات ذهبية (Denariir) كعشور للفقراء حيث قال للأسقف: خذ هذه العملات الثلاث وأعطيهم للفقراء ولكن أعطنى شهادة بأن المسيح سوف يردهم لى فى الأبدية، ففعل الأسقف ما طلبه منه صديقه المفكر فأخذ النقود وعلى الفور أعطاه شهادة بذلك.
عاش المفكر بضعة سنوات بعد معموديته وبعدها سقط مريضاً وحيث لا أمل فى شفائه، وعندما وصل لنقطة النهاية قال لأبنائه: عندما تعدوننى للدفن ضعوا هذه الشهادة فى يدى وتدفنوها معى.
فعل الأبناء ما أمر به والدهم وعند وفاته ودفنه وضعوا الشهادة فى يده ودفنت معه، مرت ثلاث أيام وإذ بالأسقف يرى فى نومه أن الصديق الفيلسوف يظهر أمامه ويقول: تعلى إلى قبرى حيث أرقد فى مثواى الأخير وخذ الورقة الذى كتبتها بيدك حيث أننى قد إستلمت ما كنت دائناً به، وأنا الآن أشعر بالرضى التام ولا يوجد أى مطالبات أخرى عليك وحتى تتأكد من قولى هذا إذهب إلى قبرى وأحصل على الشهادة وهى موقعة منى بذلك وبخط يدى ولم يكن الأسقف يعلم شئ بأمر دفن الشهادة مع المفكر صديقه، وفى صباح اليوم التالى قام الأسقف بإستدعاء أبناء المفكر وعندما أتوا إليه قال لهم: ما الشئ الذى قمتم بدفنه مع والدكم؟ إعتقد الأبناء أنه يتحدث عن أموال لذلك اجابوه قائلين: لا شئ يا سيدنا ما عدا ملابس الدفن، فقال الأسقف: وماذا؟ ألم تقوموا بدفن أى شئ آخر معه حين كان يحتضر؟
تذكر الأبناء أمر الشهادة وأدركوا أنه يسأل عنها، فقالوا له: نعم يا سيدنا عندما كان أبانا يحتضر أعطانا ورقة ما وقال: عندما تعدوننى للدفن قوموا بوضع هذه الورقة فى يدى ولا أريد أى شخص آخر يعلم بهذا الأمر، فقام الأسقف بإخبارهم بالحلم الذى رآه وأخذ أبناء المفكر وبعض الكهنة وبعض الشخصيات البارزة بالمدينة وذهبوا جميعاً لقبر المفكر وقاموا بفتحه فوجدوه راقداً هناك وهو يحمل فى يده الشهادة الموقعة من الأسقف وعندما قاموا بفتح الشهادة رأوا أن هناك توقيع جديد وبخط المفكر الراحل وقد كتب: أنه أنا المفكر إيفاجريوس ولقد إستلمت ما هو مدون فى هذا الصك ولقد أخذت ما يرضينى ولن يكون هناك أى مطالبات أخرى فيما يتعلق بالذهب الذى أعطيته لك أو بالأحرى أعطيته لوكيلك يسوع المسيح إلهنا الصالح.
إندهش جميع الحضور مما رأوا وقرأوا وإستمروا لساعات طويلة وهم يصيحون قائلين: الرب طيب والمجد لله الذى يصنع العجائب ويعضد خدامه، وقد أكد لنا المعلم ليونتيوس أن التوقيع كان بخط يد المفكر وهذه الشهادة محفوظة فى خزانة الكنيسة فى سيرينى وهى تسلم لكل أمين يُعيّن مسئولاً بالكنيسة ومعها بعض الآنية المقدسة والذى يقوم بالحفاظ عليها لتبقى صالحة وسليمة لمن يأتى بعده.
193 - المعجزة التى حدثت عندما قام بعض الأطفال بقراءة صلاة القداس أثناء لعبهم.
قام بقص هذه القصة الحاكم جورج [George] حاكم مقاطعة فى أفريقيا وكان هذا الرجل محباً لشخص المسيح كما كان يقدم العون والمساعدة للرهبان ويعطف على الفقراء، وكان يتمتع بنعم الروح القدس والتى تسعد قلب يسوع المسيح وقد قال لنا:
عندما كنت فى بلدتى (كان من منطقة تدعى أباميا Apamea بسوريا وهى فى مدينة ثوراكس Thorax) كانت هناك ولاية تدعى جوناوس [Gonaos] وهى تبعد أربعين ميلاً عن المدينة وكان هناك بعض الأطفال يقومون برعى بعض الحيوانات ذهب هؤلاء الأطفال ومعهم حيواناتهم بعيداً حيث بعدوا حوالى ميلاً عن منازلهم، وكعادة جميع الأطفال أرادوا أن يلعبوا بعض الألعاب وبينما يلهون ويجرون قال كل منهم للآخر: دعونا نصلى صلاة القداس ونقدم الذبيحة وشعر جميع الأطفال أنها فكرة جيدة وقاموا بإختيار أحدهم ليقوم بتمثيل دور الكاهن وبعض الأطفال الآخرين يقومون بتمثيل دور الشمامسة، وإقتربوا من أحد الصخور الملساء وبدأوا فى لعبتهم الجديدة.
أتى الأطفال ببعض الخبز ووضعوه على الصخرة والتى تمثل المذبح وبعض الخمر فى إناء خزفى صغير، وبدأت الصلاة وكان الكاهن الطفل فى المنتصف وعلى كل جانب يقف إثنان من الشمامسة.
قام الكاهن بصلاة القدس ليحل الروح القدس على القربان، وبينما الشمامسة يمسكون بأفرع شجر يستعملونها كمرواح كان هذا الكاهن الصغير يعرف الصلاة ويحفظها عن ظهر قلب حيث أنه فى هذه الأيام كانت عادة الأطفال أن يكونوا أمام المذبح أثناء صلاة القداس وهم أول من يتناول جسد المسيح ودمه بعد الكهنة كما كانت هناك عادة فى بعض الأماكن أن يقوم الكاهن بالصلاة بصوت مرتفع لذلك كان من السهل على الأطفال الذين يترددون على الكنيسة ويكثرون من التناول حفظ كل طقوس وكلمات الصلاة عن ظهر قلب، كان الكاهن الطفل يصلى صلاة القداس بقلب طاهر ويعرف بكل خطواتها كما كانت تؤدى فى الكنيسة، ولكن حدثت المفاجأة فقبل أن يقوموا بتقسيم الخبز وتوزيعه أتت نار من السماء وإلتهمت كل القربان وحرقت الصخرة بالكامل ولم يبقى بالمكان أى أثر للصخرة ولا لأى شئ أقاموه الأطفال للقداس.
صعق الأطفال من هول هذا المشهد فسقطوا جميعاً على الأرض شبه أموات غير قادرين على الحركة أو حتى على الصراخ ليأتى من ينجدهم إستمر الأطفال منطرحين على الأرض دون حراك وأتت ساعة عودتهم إلى منازلهم ولكنهم لم يفعلوا، فقلق الآباء وأسرعوا للبحث عن أطفالهم فهم جميعاً لم يعودوا فى وقتهم المعتاد كما كانوا يفعلون، وإستمر البحث حتى وصلوا إلى المكان الذى به أطفالهم ووجدوهم ملقين على الأرض ولا حراك فيهم حتى أن الأطفال لم يشعروا بهم ولم يردوا عليهم عندما بدأ بعض الآباء فى التحدث إليهم، ورأى الآباء حال الأطفال فقام كل منهم بحمل طفله ورجعوا إلى منازلهم وكان الآباء فى حالة من الذهول مما بأولادهم، ولكن كان من الصعب التكهن بما حدث، وبدأت كل أسرة فى سؤال طفلها عما حدث ولكن دون رد من الأطفال، فكان من المستحيل على أهالى الأطفال أن تكتشف الحقيقة وراء ما حدث للأطفال.
مر اليوم بالكامل وأيضاً الليل، وبدأ الأطفال يعودون لوعيهم قليلاً قليلاً وقصوا لذويهم ما قد حدث لهم بالضبط، فذهب الآباء مع أطفالهم ليتحروا الأمر وكان برفقتهم بعض المسئولين بالمدينة وذهبوا جميعاً إلى المكان الذى حدثت به تلك المعجزة غير العادية، وهناك قام الأطفال بالإشارة إلى بعض آثار النيران التى أحرقت المذبح والقربان، فصدق الجميع ما قاله الأطفال، وإنطلق الجميع إلى المدينة لينقلوا خبر تلك المعجزة كما ذهبوا إلى أسقف المكان وقصوا عليه ما حدث فتعجب وإندهش لما حدث وقام بزيارة مكان المعجزة وبرفقته بعض الكهنة والاكليروس، وقابل أيضاً الأطفال وإستمع إليهم حيث قصوا عليه القصة بالكامل بكل تفاصيلها، ورأى بعض دلائل النيران التى أتت من السماء، فقرر الأسقف إرسال جميع الأطفال إلى الدير وقام بإنشاء ديراً خاصاً فى مكان المعجزة كما أمر أيضاً ببناء كنيسة حيث كانت الأعجوبة نفس البقعة التى حدثت بها معجزة القربان المقدس والنيران.
كما قال لنا أيضاً نفس المعلم العظيم جورج: أنه قد رأى أحد هؤلاء الأطفال فى نفس الدير الذى أقيم فى المكان الذى شهد تلك الأعجوبة الإلهية والملائكية والذى كتب عنها الأب جورج محب المسيح والتى حدثت فى زماننا هذا.
194 - قصة أطفال آخرين مع القديس أثناسيوس
ذكر المؤرخ الكنسى روفينوس [Rufinus] شئ من هذا القبيل قد حدث منذ زمن بعيد شئ يتعلق بأطفال حدث لهم أثناء اللعب هذه الرواية عن القديس أثناسيوس [Athanasios] المعلم العظيم والمدافع المناضل عن الحقيقة وهو بطريرك مدينة الإسكندرية والذى رعى الكنيسة بفطنة وحكمة إلهية وبمنتهى الخضوع لمشيئة الرب.
دعونا هنا نتحدث عن طفولة هذا القديس وسوف يعرض لنا روفينوس المؤرخ الكنسى كيف أعلنت له مرتبة الأسقفية فى طفولته وأن الرب قد أذن له بذلك، ولمعرفة المزيد عن تاريخ هذا القديس العظيم دعونا نتتبع تاريخه والحياة التى سلكها منذ كان طفلاً صغيراً وطريقة تنشأته بقدر ما وصل إلى آذاننا: كان ذلك فى عهد القديس العظيم ألكسندر [Alexander] والذى خلف القديس أشيلس [Achilles] بابا الإسكندرية كما تنبأ الشهيد العظيم الأسقف بطرس والذى حارب آريوس [Arius] الظالم وأدانه.
فى أحد الأيام كان البطريرك ألكسندر ينظر من نافذته فى إتجاه البحر وإذ به يرى بعض الأطفال يلهون ويلعبون عند الشاطر كما يفعل كل الأطفال، ولكنهم فى هذه المرة كانوا يمثلون بعض الطقوس الكنسية فكان أحدهم يلعب دور الأسقف وباقى الأطفال يمثلون دور الكهنة من حوله لفت هذا المشهد إنتباه البطريرك وأدرك أنهم يمثلون بعض أسرار الكنيسة فإنزعج البطريرك وغضب بشدة وقام على الفور بإستدعاء أحد الكهنة وأراه ما يدور عند الشاطئ وطلب منه أن يُحضر هؤلاء الأطفال ويأتى بهم على الفور عندما أتى الأطفال إلى البابا وسألهم عن طبيعة لعبتهم هذه وماذا كانوا يفعلون؟ أراد أن يعرف هويتهم الدينية، ولصغر سنهم فى البداية خافوا وأنكروا كل شئ ولكنهم بعد ذلك قاموا بسرد تفاصيل اللعبة وكيف كانوا يعمدون بعض المتنصرين حيث كان أثناسيوس هو الأسقف والذى عين بمعرفة باقى الأطفال فقام البابا ألكسندر بسؤالهم عن الأشخاص الذين تعمدوا وكيف؟ بعدها تأكد البابا أن معموديتهم كانت صحيحة تماماً كما تؤدى طبقاً لتعاليم الكنيسة والطقوس الدينية.
إستعدى البابا الكاهن وأخبره بأن هؤلاء الأطفال الذين سبق وأن عمدهم الطفل أثناسيوس معمودية صحيحة مقدسة ليسوا بحاجة إلى معمودية أخرى.
ثم قام البابا بصرف الأطفال لبيوتهم أثناسيوس ومن معه من كهنة صغار، والذين نشأوا وتربوا على مخافة الرب وخشيته وبخاصة الطفل أثناسيوس والذى كان أقرب للقداسة ولطريق الرب وحيث أنه كان أكثرهم تمتعاً بنعم إلهية وثمار الروح القدس والتى نمى بها وتطور حتى وصل لرتبة البابا فيما بعد لتميزه بين الأطفال فى الروح.
بعدها قام البطريرك بإستدعاء والدى أثناسيوس وباقى الأطفال الذين كانوا يؤدون دور الكهنة والشمامسة وطلب منهم إيداع هؤلاء الأطفال فى الدير حتى يتغذون وينمون روحياً بداخله.
لم يمضى إلا وقت قصير وتعلم أثناسيوس جيداً الكتابة وقواعد اللغة وكأمانة مقدسة قام والديه بإعادته إلى الكاهن كما حدث مع النبى صموئيل وكان كلما قام ألكسندر بزيارة باقى الأطفال الكهنة كان أثناسيوس يسير وراءه ويتبعه حاملاً حلة الكهنوت والتى كانت تسمى عند اليهود إيفود [Ephod] ولجسارة أثناسيوس فى الدفاع عن الكنيسة ضد المهرطقين وكما قيل {سأعلن كم هو عانى من أجل إسمى} والتى يعتقد أنها قد كتبت خصيصاً له، وقد تآمر عليه العالم أجمع وكل حكام الأرض الذين أروه كيف تكون المعاناة من أجل إسم الرب، فكانت كل الأرض والممالك وكل الجيوش قد حشدت ضده ولكنه وقف صامداً لا يتقهقر ويقول:
"إن نزل علىَّ جيش لا يخاف قلبى. إن قامت علىَّ حرب ففى ذلك أنا مطمئن" (مز 27: 3).
كل ام سبق من أعمال لهذا الرجل الجسور لا يمكنها أن تمر دون أن تُسجل له ولتاريخه الحافل، ومع ذلك فإن له العديد والعديد من المواقف التى يجب علىَّ ذكرها مما وضعنى فى معضلة لا أجد لها حلاً ولا أستطيع تحديد ما يجب علىَّ ذكره وما يمكن عدم ذكره، ولذلك فقد ذكرت الشئ القليل جداً والذى وجدت أنه ربما يكون ذات صلة بموضوع حديثنا أما باقى المواقف فستُرحل لتدون فى سجل آخر شامل عن هذا القديس العظيم، ومع ذلك فإن هذا السجل الشامل القائم على بعض النقل والتأويل قد يكون أقل من حقيقة هذا الرجل العظيم.
195 - جواب البابا أثناسيوس على مدى صحة المعمودية دون إيمان.
سأل أحدهم البابا أثناسيوس [Athanasios] بابا الإسكندرية عن شخصاً ما كان قد تعمد بينما إيمانه مغايراً للإيمان الحقيقى، والتعاليم المسيحية وما هو مصير هذا الشخص والذى قد ينتقل من هذا العالم بزعم باطل وإيمان غير حقيقى، فأجاب البابا أثناسيوس عليه قائلاً: لقد سمعتم ممن يكبرونكم سناً عن الشهيد القديس طبرس وهو يواجه نفس الأمر عندما تفشى وباء الطاعون وهرع الناس يتزاحمون ليتعمدوا، وكان لا يوجد سبباً آخر غير خوفهم من الموت، وظهر له ملاك الرب وقال له: إلى متى ستستمر هكذا ترسل آنية بختم حقيقى ولكنهم فارغين من الداخل ولا يوجد شئ بداخلهم؟ ويمكن من تلك القصة أن نقول: أن هؤلاء قد تعمدوا معمودية صحيحة لإيمانهم بأنه ما قد فعلوه هو الصالح لهم، ولكنهم تعمدوا خوفاً من الموت وليس لهم أساس إيمانى.
196 - قصة الراهب البسيط الذى أعتاد أن يرى الملائكة حول المذبح اثناء القداس
قال أحد الآباء أنه كان يوجد أحد الرهبان نقى القلب وعفيف الروح إعتاد أن يرى الملائكة حول المذبح أثناء صلاته للقداس وكان بعضاً منهم يقف عن يمينه والبعض الآخر عن يساره، ولكنه كان قد تلقى تعاليم القداس الإلهى على أيدى بعض المهرطقين لأنه لم يكن متعلماً ولم يدرس الأمور اللاهوتية الصحيحة مع ذلك كان عندما يصلى صلاة القداس الإلهى كان يتكلم ويصلى ببساطة وبراءة ولم يكن يدرى أنه هناك خطأ ما، ولكن عناية الله لم تتركه أبداً حيث أتى إليه يوماً ما أحد الإخوة الدارسين اللاهوت، وصلى هذا الراهب البسيط صلاة القداس أمامه، فقال له هذا الأخ وكان هذا الأخ شماساً: أيها الأب الصالح إن ما تقوله أثناء القداس لا يتماشى مع الإيمان الصحيح إنها لهرطقة وحيث أن الراهب كان يلاحظ وجود الملائكة من حوله أثناء الصلاة فلم يعير أدنى إهتمام لقول هذا الأخر ولا لما يقوله كما لو كان هذا الأخ لا يتحدث، فأعاد الشماس الكلام وقال له: أنت مخطئ أيها الأب الصالح ولن تسمح الكنيسة لك بأن تقول هذه الأشياء لأنها هرطقات، فشعر الراهب بأن هذا الشماس يتهمه ويوجه اللوم إليه، فإنتظر حتى صلاة القداس التالى وقام بسؤال الملائكة من حوله عندما يوجه هذا الشماس اللوم إلىّ ماذا أفعل حيال ذلك؟ فأجابت الملائكة عليه وقالت: إستمع له فهو يقول لك القول السديد والمشورة الصحيحة، فقال لهم الراهب إذن لماذا لم تخبرونى أنتم بهذا؟ أجابت الملائكة قائلة له: لقد سن الرب قانوناً إلهياً وهو ألا يُصلح ويقوم الإنسان إلا إنساناً مثله، ومنذ ذلك الحين قبل هذا الراهب الإيمان الصحيح من يد ذلك الشماس، وشكر الرب على ذلك وشكر هذا الشماس الذى أصلحهوأنار له طريقه.
197 - كيف أصبح شاب صائغ إبناً بالتبنى لأحد النبلاء
حكى لنا أحد الآباء عن شاب صغير موهوب ذهب ليتعلم إحدى الحرف اليدوية عند صائغ للذهب، وهناك أتقن تلك الحرفة وأصبح من أمهر العاملين بهذه الصنعة، وفى أحد الأيام أتى أحد نبلاء المدينة لهذا الصائغ حتى يصنع صليب من الذهب ومرصع بالأحجار الكريمة حتى يقدمه عطية للكنيسة وبما أن هذا الشاب كان ماهراً فى حرفته فقد عهد إليه صاحب العمل هذه المهمة حتى يصنع هذا الصليب ففكر الشاب وقال لنفسه: حيث أن هذا النبيل سوف يقدم هذه الثروة ليسوع المسيح فلماذا لا أضيف إليها أجرى حتى تزيد قيمة هذه العطية ويحسبه لى السيد المسيح وذلك كما فعلت الأرملة؟ فبدأ الشاب عمله وقام بإستعارة بعض المال حتى ينفقه على صناعة هذا الصليب، ولكن عندما أتى هذا النبيل وقام بوزن الصليب قبل تطعيمه بالأحجار الكريمة وجده أكثر من وزن الذهب الذى سبق واعطاه للصائغ حتى يصنع الصليب بدأ فى توجيه الإتهامات للشاب مدعياً أنه قد تلاعب بالذهب، ولكن الشاب أجاب قائلاً: الله الذى بخفايا القلوب وهو يعلم تماماً أننى لم أفعل شيئاً من هذا القبيل إلا أننى قد رأيت الأموال التى ستقدمها أنت للمسيح فإعتقدت أنه بإضافة أجرى لهذه الأموال سيجعلنى أشاركك هذه العطية لربما يقبل الرب عشورى كما فعل مع الأرملة.
"فجاءت أرملة فقيرة وألقت فلسين قيمتهما ربع" (مر 12: 42)،
"ورأى أيضاً أرملة مسكينة ألقت هناك فلسين" (لو 21: 2)،
فإندهش هذا النبيل مما يسمعه من الشاب الصغير وقال له: أتعتقد ذلك يا بنى؟ فأجاب الشاب عليه: نعم أعتقد ذلك.
فأجابه النبيل: حيث أنك تعتقد ذلك وقد كرست كل عملك من أجل المسيح لكى تشاركنى عطيتى فمنذ الآن أنت إبنى ووريثى، وأخذ الشاب معه وجعله وريثاً لأمواله وثرواته.
198 - محبة أحد النبلاء والذى جعل الرب يسوع وصى علي إبنه بعد وفاته
كان أحد الآباء الرهبان قد ذهب إلى القسطنطينية لأداء بعض الأعمال حدث قال لنا: عندما كنت جالساً فى الكنيسة أتىَ إلىّ أحد أغنياء المدينة وأكثرهم شهرة وكان شخصاً محباً للمسيح وعندما رآنى أتى وجلس بجوارى وبدأ يسألنى فى بعض الأمور الروحية وفى كيفية خلاص الروح، فقمت بالتحدث معه عن أن الحياة الأبدية فى السماء هى حياة لمن عاش حياة روحية على الأرض، وبعدها قال لى هذا الرجل: لقد قلت الصواب يا أبى مبارك هو الإنسان الذى يضع رجاؤه فى الرب والذى يقدم نفسه ذبيحة للرب، فأنا إبن لأحد الأثرياء وكان والدى عطوفاً مع الفقراء كما كان يوزع الكثير من أمواله على المحتاجين من شعب الله، ولكنه فى أحد الأيام طلبنى ووضع كل أمواله وثرواته أمامى وقال لى: يا بنى أيهم تفضل أن أترك لك الأموال أم أعطيها للمسيح ليكون وصياً عليك وهنا فهمت وصية أبى فقلت له: أنا أفضل أن تعطيهم للمسيح ليكون وصياً علىّ حيث أن كل ما هو موجود وفى متناول اليد اليوم قد لا يكون كذلك غداً وأما المسيح فهو أبدى وموجود كل حين، وبمجرد أن سمع ذلك إطمئن والدى ولم يضيع وقتاً فترك لى القليل من الأموال وتوفى، وتركنى فقيراً أحيا حياة البسطاء ولكن ظل رجائى فى الرب والذى تركنى أبى تحت وصايته وكان فى ذلك الوقت هناك رجلاً آخر ينعم فى الثراء، وكان من حكام المدينة وكانت زوجته امرأة محبة للمسيح وتخشى الله كما كان لهما إبنة وحيدة، فقالت الزوجة لزوجها: لقد منحنا الرب إبنة وحيدة وثروة طائلة، فما هو الشئ الذى قد تحتاجه هذه الإبنة؟ فإذا رغبنا فى أن نزوجها لأحد من نفس طبقتنا قد تكون طريقته فى الحياة غير ملائمة لها ويسبب لها الكثير من المتاعب فدعنا نبحث عن شخص من طبقة إجتماعية أقل ولكنه يخشى الرب، فيحبها ويرعاها كما هو بالكتاب المقدس.
قال لها الزوج: إنها خير نصيحة، فإذهبى للكنيسة وصلى صلاة خالصة من القلب للرب وإنتظرى هناك وأول رجل يأتى إلى الكنيسة يكون قد أرسل من قبل الرب لإبنتنا، ففعلت الزوجة ما قاله زوجها وذهبت للكنيسة وقضيت وقتاً طويلاً فى الصلاة وبعدما إنتهت من صلاتها همت بالجلوس وكنت أنا فى نفس اللحظة أدخل إلى الكنيسة، فقامت بإرسال خادمها لى تطلب التحدث معى فبدأت تسألنى من أين أنا؟ فقلت لها إننى من نفس المدينة ووالدى هو (وأخبرتها بإسم والدى) فقالت المرأة أهو ذلك الشخص المعروف بتعاطفه وسخاءه مع الفقراء؟ ثم سألتنى هل لك زوجة؟
فأجبتها: لا، ثم أخبرتها بما قاله أبى لى وما قلته له.
فمجدت الرب وقالت: أنظر يا بنى إن الوصى الصالح والذى إخترته أنت قد أرسل لك زوجة وثروة طائلة لتتمتعا بها أنتما الإثنين فى ظل مخافة الرب، وأنا أصلى لربما أحذو حذو أبى فى نهاية أيامى.
199 - حياة خادم الرب وإبن رجل العالم
قال أحد الآباء أنه كان هناك رجل يعيش فى العالم وكان لهذا الرجل إبن يتقى الله ونقى القلب ومعتدل فى كل أموره لم يتجرع الخمر منذ طفولته وكان يسعى نحو الإنسحاب من هذا العالم ويتخذ من حياة الرهبان حياة له، ولكن رغبة أبيه كانت على عكس ذلك حيث كان يريد أن يصبح إبنه خلفاً له فى أعماله التجارية ولكن هذا الإبن التقى كان معارض لهذه الرغبة كما كان لهذا الشاب إخوة آخرين ولكنهم يصغروه سناً، ونظراً لعدم تلاقى كل من رغبة الأب وإتجاه قلب الإبن، فكان الأب كلما رأى إبنه هنا أو هناك يوجه له التوبيخ والإهانة وهو يجز على أسنانه ويقول: لماذا تختلف عن باقى إخوتك ولماذا ترفض الإنخراط معى فى شئون تجارتى؟ ولكن الإبن كان يتحمل كل هذا التوبيخ صامتاً، وكان الجميع من حوله يحبونه لتقواه وإعتداله، وعندما مرض الأب وكان على مشارف الموت إجتمع بعض أفراد من العائلة مع بعض الأصدقاء والشاب التقى أبيباس [Abibas] قائلين: ربما يحرم هذا الأب إبنه أبيباس خادم الرب من إرثه لإعتقادهم أن هذا الأب لا يحب إبنه، وذلك بسبب طريقة تعامله معه وتوبيخه له فى كل حين، لذلك فقد عزموا على التدخل والتحدث مع الأب والذى كان فى ذلك الحين مريضاً جداً.
ذهب هذا الجمع للأب حيث قالوا له وهو فى فراش الموت: لقد جئنا نطلب منا معروفاً.
فأجاب الرجل قائلاً: ما هذا الذى تطلبونه؟ قالوا له: أنه بخصوص إبنك السيد أبيباس ونحن نطلب منك ألا تزدريه وتحتقره وتحرمه إرثك.
قال الأب: أجئتم لتطلبوا منى أن أصنع معروفاً فيه؟ أجابوا هؤلاء الأهل والأصدقاء وبالفعل لقد جئنا من أجل هذا.
فقال لهم الرجل: أحضروه إلى هنا فإعتقد الجميع أنه سيقوم بتوبيخه وسبه مثلما إعتاد، وعندما حضر الشاب طلب الأب منه الإقتراب، وعندما إقترب الإبن سقط الأب راكعاً أمامه وهو يبكى ويقول له: إغفر لى يا بنى وصلى للرب حتى لا ينقلب ظلمى لك ويكون ضدى، فقد كنت تسعى من أجل الوصول للمسيح بينما أنا غارق فى التجارة والإهتمامات العالمية.
ثم قام الأب بالنداء على باقى أبناءه وقال لهم: هذا هو سيدكم وأبوكم، وما يقوله تقبلونه وما لا يقوله لا تفعلونه، فإندهش الجميع مما يحدث وبعدها مات الأب، فقام أبيباس بتقسيم تركه والده على إخوته كما أخذ هو الآخر نصيبه واعطاه بالكامل للفقراء ولم يحتفظ لنفسه بشئ قط وذهب وبنى قلاية صغيرة ليقيم فيها وينسحب من هذا العالم، ولكن عندما إنتهى من بناء هذه القلاية سقط مريضاً، وكانت نهايته قد إقترب فقال للراهب الذى يقيم معه: إذهب وأقض هذا اليوم المقدس مع عائلتك وكان هذا هو يوم عيد الرسل المقدس.
فأجاب الأخ المقيم معه قائلاً: كيف لى أن أذهب وأتركك هكذا؟
فأجاب أبيباس: إذهب وعندما يأتى ميعاد رحيلى سأقف عند النافذة وأطرق عليها.
أطاع الأخ كلام أبيباس وذهب، وعندما سمع إشارة هذا الرجل المريض أتى وبمجرد أن وطأت قدميه داخل القلاية كان أبيباس قد أسلم الروح وإنتقل للسماء فتعجب الجميع ومجدوا الرب وهم يقولون: كانت نهايته تليق بشخص قد أحب المسيح من كل كيانه.
200 - قصة تاجر المجوهرات وقراره الحكيم وهو فى قلب البحر
أخبرنا أحد الآباء القديسين عن أحد تجار المجوهرات والمعروف بأنه يمتلك أفضل الجواهر والأحجار النفيسة، وعندما كان فى سفره ومعه بعض خدامه قاصداً أحد المدن لمزاولة بعض الأعمال هناك تدخلت عناية الرب حيث أحب أحد أفراد طاقم السفينة وعطف عليه وكان هذا الغلام يخدم هذا التاجر ويرافقه، فكان ينام بالقرب منه ويأكل من نفس طعامه، وفى أحد الأيام سمع هذا الغلام باقى البحارة وهم يتهامسون ويدبرون لأمر ما وهو أن يلقوا بهذا التاجر إلى البحر ويسطون على مجوهراته النفيسة والنادرة فقلق هذا الغلام على هذا السيد العطوف، وذهب إليه كما يفعل كل يوم ليخدمه وهو صامت لا يعرف ما يفعل حيال هذا المأزق، وعندما رآه السيد قال له: ماذا بك اليوم ايها الغلام؟ لكن لم يتلفظ الغلام بكلمة واحدة وبقى صامتاً.
فقال له التاجر مرة ثانية: تعالى إلى هنا الآن وأخبرنى ما الأمر؟
سقط الغلام منهاراً وهو يبكى وبدأ يتحدث وهو يتنهد من أعماق قلبه ويقول: أن البحارة الذين على ظهر السفينة يخططون لقتلك.
فقال التاجر: هل هذا حقاً؟
قال الغلام: نعم يا سيدى.
فقال التاجر: لماذا قرروا فيما بينهم فعل هذا؟ وبعدها نادى التاجر على خدامه وقال لهم: مهما أقول كم تفعلونه دون سؤال وعلى الفور، فأحضر قطعة القماش المصنوعة من الكتاب وقال لخدمه: احضروا صناديق الجواهر فأحضر الخدم الصناديق وبينما يتلفون حوله بدأ التاجر يتكلم ويقول: هل هذه هى الحياة؟ أمن أجل هذه الأحجار أخاطر بحياتى وأتركها للقدر ولرحمة البحر وما هى إلا لحظات وأموت ولا أحمل شيئاً معى من هذا العالم؟
ثم قال لخدامه: أفرغوا هذه الصناديق فى البحر ففعل الخدام كما أمرهم السيد وقذفوا بثرواته فى البحر فإندهش البحارة مما فعله التاجر وبذلك أحبط التاجر بقراره الحكيم مؤامرتهم الشريرة.
القصص من 201 - 239.
201 - كيف أستطاعت إمرأة تقية تخشى الرب أن تكبح حرب الشهوة والنجاسة لدى أحد الرهبان
قال الأب: فى أحد الأيام لدغت حية أحد الرهبان ونقل على الفور إلى المدينة حتى يتلقى العلاج وكانت هناك إمرأة تقية مكرسة للرب وتخافه، وكانت تقوم على علاجه وعندما بدأ يتماثل للشفاء بدأ دور إبليس فى زرع بعض الأفكار النجسة فى قلب هذا الراهب نحو هذه المرأة التقية، وبدأت محاولات الراهب ورغبته فى لمس يد تلك المرأة ولكن المرأة عارضته قائلة: لا أيها الأب هناك الرب يسوع المسيح يجب أن تخافه فكر فى لحظات الحزن والندم وأنت تلتمس التوبة والمغفرة وأنت جالس فى قلايتك.. إسمع صوت تنهداتك القادمة من أعماقك ودموعك السائلة التى لا تنقطع.. إستمع إليها الراهب وأنصت إلى تذكرتها، فهدأت المعركة التى شنها عليه إبليس وشعر أنه يريد أن يهرب من أمام وجهها خجلاص ولم يقدر على النظر إليها ثانية، ومع ذلك وبرحمة السيد المسيح وعطفه عليه قالت له المرأة: لا تجعل الخجل والعار ينالا منك، فأنت لا تزال فى حاجة إلى المزيد من الرعاية الطبية، وتأكد أن رعاية الرب لك لن تسمح لهذه الأفكار النجسة أن تأتى مرة ثانية إلى قلبك النقى وروحك الطاهرة، فهذه الأفكار ما هى إلا أحد أسهم الشيطان الحسود والحاقد على الإنسان، ومن ثم بدأ الإثنان فى الأخذ والعطاء فيما بينهم دون إدانة حتى تم شفاء هذا الراهب وذهب فى طريقه وأعطته المرأة بعض الأشياء التى قد يحتاج إليها فى رحلته.
202 - إمرأة أخرى إستطاعت بحكمتها وفطنتها حماية نفسها من راهب حورب بالشهوة تجاهها
حكى لنا أحد الأشخاص عن راهب ما يعيش فى أحد الأديرة إعتاد ترك الدير من وقت لآخر لأداء الأعمال كما كان هناك رجل من العالم يعيش فى أحد القرى إعتاد هو الآخر إستضافة هذا الراهب تعبيراً منه عن إيمانه وإخلاصه للكنيسة، ولكن هذا الرجل العلمانى لكونه تاجر كان كثيراً ما يخرج من القرية لأداء بعض المهام ثم يعود إليها مرة أخرى كما كان لهذا الرجل القروى إبنة توفى زوجها منذ فترة قصيرة بعد حياة زوجية إستمرت سنة أو سنتين، وعندما جاء هذا الراهب إلى منزلها بدأ يضطرب بأفكار شيطانية تتعلق بهذه الأرملة الشابة، ولكن بسبب وعى هذه المرأة وفطنتها فقد لاحظت هذا فكانت تتجنب التواجد فى حضوره، وفى أحد الأيام ذهب والد الأرملة الشابة لأداء بعض الأعمال فى مدينة مجاورة لقريته تاركاً الإبنة بمفردها فى المنزل، وجاء الراهب كما تعود ولكنه وجدها بمفردها فى المنزل فسألها: أين والدك؟
فأجابت: ذهب للمدينة، فبدأ الشيطان فى حربه وأغوى الراهب حتى أشعله بالرغبة وكان يقترب منها ويلمسها فلاحظت المرأة ذلك فقالت له بفطنة وحكمة لا تضطرب هكذا أيها الأب ولا تتسرع لأن أبى لن يعود هذه الليلة كما لا يوجد غيرنا فى هذا المنزل لكنىى وحسب علمى أن الرهبان لا يفعلون الشئ دون صلاة مسبقة إذن صلى أولاً للرب وإذا وضع فى قلبك عمل هذا الشئ سنفعله سوياً، فكان ما تقوله المرأة كلام غير مقبول وغير معقول لهذا السبب لم تهدأ حربه بل وإشتعل رغبة أكثر.
فقالت له ثانية: ألم تعرف إمرأة من قبل؟
فقال لها الراهب: لا، ولهذا السبب أريد أن أعرف ماهية المرأة؟
قالت له: لهذا السبب فأنت محارب هكذا، فأنت لا تعرف الرئحة الكريهة التى للمرأة لكن لكى تُهدأ من عشقه للمرأة أضافت قائلة: إننى حائض ولا يقدر أحد على الإقتراب منى، فرائحتى الكريهة قد أفسدت جسدى فعندما سمع الراهب هذا الكلام وكلمات أخرى مشابهة إسترد نفسه مرة ثانية وبكى أمامها وندم على ما قد فكر فيه، وعندما شعرت المرأى وأدركت أنه هو ذلك الراهب الصالح وقد إسترد نفسه قالت: أنظر لو كنت رضخت لك وأرضيتك لأصبحت خاطى وزانى للأبد ولا كنت قادراً على النظر فى وجه أبى أو حتى تذهب إلى ديرك وتجلس وتسمع إلى ترانيم المرنمين أو تسابيح المسبحين؟ عد إلى رُشدك أتوسل إليك ولا تكون هكذا على إستعداد لفقد كل عملك ومعاناتك وتحرم نفسك من أمور جيدة وأبدية، وكل هذا من أجل متعة قصيرة الأجل.
سمع الراهب كلام المرأة، وحكى ما حدث للشخص الذى قالها لنا وبعد ذلك إنصرف الراهب بمجد الرب ويشكره الذى إستخدم فطنة المرأة وحكمتها ليحميه من السقوط فى هوة لا صعود منها.
203 - الحيلة التي إستطاعت بها إمرأة أن تتعلم التواضع.
قال لنا أحد الآباء أن إمرأة فى مركز مرموق ومن الطبقة الحاكمة فى المدينة أتت لتصلى فى الأماكن المقدسة، ففضلت أن تقيم بمفردها فى خلوة ولكنها سألت الأسقف أن يرشح له إحدى الراهبات الخادمات لتثقفها فى دينها وتعلمها مخافة الرب، فإختار الأسقف إحدى الراهبات وأكثرهن تواضعاً وارسلها لهذه المرأة العظيمة، مر بعض الوقت وقابل الأسقف هذه المرأة وسألها: كيف حال الراهبة التى عندك؟
فردت المرأة: هى بخير لكننى لم أستمد منها الكثير من المنفعة الروحية فهى شديدة التواضع وتتركنى أفعل ما أشاء، فأنا أحتاج شخصاً يعارضنى ولا يتركنى أفعل ما أشاء، فقام الأسقف بأخذ الراهبة التى عند هذه السيدة وأرسل بدلاً منها راهبة أخرى قاسية إعتادت أن تنادى هذه السيدة: أيتها الحمقاء الغنية، وتصب اللعنات عليها، مر وقت وقابل الأسقف هذه المرأة وسألها عن الراهبة التى تقيم معها.
أجابت المرأة: هذه الراهبة هى أفضل شئ لروحى، وأصبحت هذه المرأة بعد ذلك مثال يحتذى به فى التواضع.
204 - فتاة الإسكندرية التى نُقلت من جرن المعمويدة والملائكة يحملونها
قال الأب ثيؤناس [Theonas] والأب ثيؤدور [Theodore] أنه فى عهد البطريرك بولس [Paul] بطريرك الإسكندرية كانت هناك فتاة تعيش فى الإسكندرية وفجأة فقدت والديها وكان لأسرة هذه الفتاة ثروة طائلة، ونظراً لما تعرضت له الفتاة من فقد أسرتها وكل الأشخاص الذين حولها فإنها لم تتعمد فى تلك الفترة، وفى أحد الأيام ذهبت للتنزه فى حدائق أسرتها والتى تركوها لها، وكانت تلك الحدائق فى وسط المدينة حيث المنازل والقصور الفخمة، وبينما هى بالحديقة وإذ بها ترى شاباً يعد بعض الأشياء حتى يشنق نفسه، فهرعت إليه الفتاة وحاولت منعه من ذلك وقالت له: أيها الشاب الصالح ماذا تفعل؟
أجابها الشاب: إبتعدى يا إمرأة وأتركينى بمفردى فأنا فى كرب عظيم ومحنة لا مفر منها.
فقالت له الفتاة: أخبرنى الحقيقة ربما يمكننى مساعدتك.
قال لها: إنى غارق فى الديون والدائنون يطاردوننى لكى أرد لهم أموالهم، وقد إخترت الموت فضلاً عن الإستمرار فى هذه الحياة القاسية.
قالت له: أرجوك ألا تفعل ذلك سأعطيك كل ما أملك لتقدمه لهؤلاء الدائنين ولكن كل ما أرجوه ألا تقتل نفسك.
أخذ الشاب ما قدمته له الفتاة وإنطلق إلى دائنيه وسدد ما عليه، وبعد ما فقدت الفتاة كل أملاكها بدأت تظهر متاعب وصعوبات الحياة، وحيث أنه لا يوجد من يرعاها فقد حُرمت من أسرتها وبدأت الإحتياجات الملحة تظهر وشعرت بحاجتها للمال حتى يمكنها العيش فإضطرت إلى الإتجار بجسدها وكان هناك بعض الأشخاص ممن يعرفون أصلها ونسبها جيداً والمركز المرموق لأسرتها فى المجتمع، فقد قالوا: من يعرف أحكام الرب ولماذا سمح بهلاك نفس هذه الفتاة أو لأى سبب؟
لم يمضى وقت طويل ومرضت هذه الفتاة مرضاً شديداً، وعادت لرشدها وكادت تميت نفسها ندماً، فقالت لجيرانها: من أجل محبة الرب أشفقوا على حالى وأطلبوا من البابا أن يُعمدنى لأكون مسيحية، ولكن الجميع من حولها ضحكوا مما تقوله وقالوا: كما لو كان البابا سيقبل هذه العاهرة فحزنت الفتاة وهبطت عزيمتها وبينما هى فى هذه الحالة ظهر لها ملاك الرب ووقف بجوارها فى شكل رجل ففرحت به.
وقال لها: ما الأمر؟
فأجابته: أرغب فى أن أكون مسيحية ولا أجد من يقف بجانبى.
قال لها الملاك: أتريدين حقاً هذا؟
قالت: أريد أن أتعزى أرجوك.
قال لها: تعزى فسوف أحضر بعض الأشخاص ليأخذوك إلى الكنيسة، فأتى بإثنين من الملائكة وحملوها جميعاً وذهبوا بها للكنيسة، وبعدها تحولوا إلى أشخاص من صفوة المجتمع، وقاموا بإستدعاء كاهن الكنيسة والمسئول عن المعمودية.
فسألهم الكاهن: هل أنتم شهودها أيها السادة؟
فأجابوا: نعم، ففعل الكاهن ما طُلب منه وقام بتعميد الفتاة بإسم الآب والروح القدس وألبسوها ملابس المعمودية، وعادت إلى منزلها وهى ترتدى ملابس بيضاء اللون (تونية) وبمجرد وصولها إختفى هؤلاء الأشخاص وعندما رأوها جيرانها فى ملابسها البيضاء قاموا بسؤالها: هل تعمدتى؟ فقالت لهم: نعم جاء بعض الأشخاص وحملونى إلى الكنيسة وطلبوا من الكاهن هناك أن يقوم بتعميدى.
فسألها جيرانها عن هؤلاء الأشخاص ولكن الفتاة لم تجب على سؤالهم.
ذهب هؤلاء الجيران إلى البابا وأخبروه بما حدث، فإستدعى البابا الكهنة المسئولين عن المعمودية وقال لهم: هل عمدتم هذه السيدة؟
فإعترفوا الكهنة بأنهم عمدوها وأضافوا بأن شهودها هم: وذكروا أسماء الأشخاص المرموقين الذين حضروا معموديتها، فأرسل البابا فى طلب هؤلاء الأشخاص المرموقين والذين ذُكرت أسمائهم ليتأكد ما إذا كانوا بالفعل شهودها أم لا، لكنهم أجابوا: أننا لا ندرك ماذ حدث ولا نعرف أى شخص آخر قد فعل هذا؟ فبدأ البابا يستشعر بأن يد الرب قد تدخلت بشكل أو بآخر.
فإستدعى الفتاة نفسها وقال لها: أخبرينى يا إبنتى ما هو الخير الذى فعلتيه فى حياتك؟ فقالت الفتاة: إننى عاهرة وفقيرة ايضاً فما الخير الذى يمكننى صنعه؟
سألها البابا: ألا تتذكرى شئ طيب ولو واحد قمتى بعمله طيلة حياتك؟
قالت الفتاة: لا فيما عدا أننى رأيت شخص كان مُثقل بالديون ويطارده الدائنون فأعطيته كل أملاكى حتى أحرره من ديونه.
قالت الفتاة هذه العبارة ورقدت فى سلام فى أحضان القديسين وقد تحررت من خطاياها التى صنعتها بإرادتها وبغير إرادة.
بعدها شكر البابا الرب ومجده وقال:
"بار أنت يا رب وأحكامك مستقيمة" (مز 119: 137).
205 - جواب الراهب لأحد الإخوة الذى يعانى من الإحباط واليأس
جاء أحد الإخوة يسأل أحد الرهبان الصالحين: ماذا أفعل يا أبى فالشكوك تحاربنى وهى دائماً تتعبنى لقد أصبحت راهباً بالباطل ولن تخلص روحك فأجابه الراهب الصالح: حتى إذا لم ندخل أرض الميعاد، فأفضل لنا أن تتساقط عظامنا فى البرية خيراً من الرجوع لمصر.
206 - الموعظة لأحد الرهبان القديسين بشأن آية نرددها فى صلواتنا
قال لنا أحد القديسين: نحن نقول فى صلواتنا لا تدخلنا فى تجربة، فهذا ليس معناه ألا يختبرنا الرب ويجربنا فهذا غير ممكن ولكننا نصلى من أجل التغلب على هذه التجربة والإنتصار فيها وهو الأمر الذى يُفرح قلب الرب وهذا الإنتصار هو تدخلنا فى تجربة، فالقديسين الشهداء قد جربهم الرب بالعذابات والألم ولكنهم تغلبوا على هذا الألم لذلك فهم لم يدخلوا التجربة مثلهم مثل الشخص الذى يحارب فى التجربة ولكن عندما يفترسه هذا الوحش يكون قد دخل فى تجربة لذلك فإننا نرى التجارب ملازمة لكل هوى وعاطفة شرطاً ألا يتغلب علينا هذا الهوى أو هذه العاطفة.
207 - الأسقف الذى إنتصر على أسقف آخر كان يختلف معه بالتواضع
قال لنا أحد الآباء أنه كان هناك إثنان من الأساقفة متجاورين فى السكن ولكنهما كانا على خلاف مع بعضهما البعض أحدهما وهو أسقف ثرى والآخر بسيط، فأراد الثرى أن يضايق الأسقف الآخر.
وصل إلى سمع الأسقف البسيط ذلك وما سيصنعه الأسقف الثرى حتى يؤذيه، فقال الأسقف البسيط للكهنة ممن حوله: سوف ننتصر بنعمة المسيح.
فقال له الكهنة: يا سيدنا من الذى يستطيع أن ينتصر على هذا الثرى؟
فقال لهم ثانية: إنتظروا وسترون.
تحيّن الأسقف البسيط الوقت المناسب وعندما كان الأسقف الثرى يحتفل بعيد إستشهاد بعض القديسين جمع الأسقف البسيط الكهنة وقال لهم: إبتعونى وسوف ننتصر وأخذ الكهنة يتحدثون فيما بينهم ويقولون: ما الذى يمكنه عمله؟
أتى الأسقف البسيط إلى الآخر الثرى وتقدم نحوه وركع الأسقف الزائر ومعه جميع الكهنة أمام الآخر وقال: إغفر لنا يا سيدى نحن خدامك المتواضعون، فكان ما فعله هذا الأسقف بمثابة كسر لكبرياء الأسقف الثرى، فغيّر الرب قلبه وعندئذ ركع هو الآخر أمام الأسقف البسيط وقال له: با أنت سيدى وأبى، ومنذ ذلك الحين ويربط الإثنان رباط من المحبة قوى جداً.
فقال الأسقف البسيط للكهنة: ألم أخبركم بأننا سننتصر بنعمة المسيح؟ فإذا إنتاب أحدكم أى مشاعر مريضة فليفعل كما فعلت وسينتصر.
قال الراهب الذى حكى القصة بأن الأسقف البسيط كان أكثر مجداً من الإمبراطور نفسه، فالإمبراطور يمجده الناس فى حضوره أما الأسقف البسيط فتمجده الناس وتباركه فى حضوره وغيابه.
208 - قصة الراهب المملوء نعمة وما فعله مع أحد اللصوص
قال لنا أحد رؤساء الأديرة الآتى: كان هناك راهب صالح يعيش فى الدير وكان رائع فى كل أموره الروحية كما كان يقيم بالقرب منه أحد الإخوة، وفى أحد الأيام خرج الراهب تاركاً قلايته فأتى هذا الأخر وسرق كتب هذا الراهب وادواته وآنيته وعندما أتى الراهب وجد كل أشياءه قد سُرقت فذهب هذا الرجل الصالح ليُخبر هذا الأخ بما حدث له فوجد كل حاجياته وأشياءه موضوعة أمامه فى مكان ظاهر وواضح، فلم يُريد الراهب أن يسبب حرجاً وعاراً لهذا الأخ أو حتى يشعره بشئ من الإدانة لذلك تظاهر بأنه يشعر بآلام فى معدته وإنصرف مانحاً له بعض الوقت حتى يخفى ما سرقه رجع بعد ذلك الراهب إلى هذا الأخر وبدأ يحدثه فى أمور أخرى ولم يتهمه بسرقة أى شئ.
مرت عدة أيام ووجدت أشياء الراهب وقبض على هذا السارق وقذف به فى السجن، لم يعلم الراهب بما حدث ولكن عندما وصل إلى سمع الراهب ما حدث لهذا الأخ فإندهش ولم يعرف لماذا هو بالسجن؟
يقول رئيس الدير: أتى هذا الراهب إلىَّ كالمعتاد، وقال لى: إذا تفضلت يا أبى أعطينى بعض البيض وبعض الأرغفة من الخبز، فقلت له: يبدو أن لديك اليوم ضيوف فأجاب الراهب قائلاً: نعم ولكنه فى حقيقة الأمر كان هذا الراهب سيأخذ هذا المؤن للأخ السجين، وذهب بهذه الأشياء للسجن وعندا رآه الأخ السجين سقط عند قدميه باكياً وهو يقول: بسببك أنت يا أبى زُج بى فى السجن، فأنا من سرق منك أشياءك وأدواتك لكن إنتظر يا أبى فكتبك توجد فى هذا المكان وأدواتك فى ذاك المكان.
لكن الراهب قال له: تأكد يا بنى أن هذا ليس سبب تواجدى هنا ولا حتى لدى أدنى فكرة أنه بسببى أنا وُجدت أنت هنا لكن بمجرد سماعى أنك هنا حزنت وجئت لأعزيك وأشدد من أزرك حتى أنظر معى بعض البيض وخبز أبيض، وسأفعل أى شئ لأساعدك على الخروج من هنا.
ذهب الراهب الصالح وطلب تدخل بعض الشخصيات البارزة فى المدينة ممن كانوا يكنون له معزة خاصة وإحترام لما يتمتع به من خلق كريم وبالفعل تم إطلاق سراخ هذا الأخ.
209 - قصة الأخوان اللذان يتمتعان بثمرة طول الأناة فى التعامل مع اللصوص
أخبرنا أحد الآباء الآتى: قام بزيارتنا أحد الرهبان الصالحين وبينما كنا نقرأ أقوال الآباء القديسين والمدونة بكتابة يسمى الفردوس (Paradise)، كان هذا الراهب مغرم بقراءة أقوال الآباء القديسين والتبحر فى معانى كلماتهم وكان كمن يستنشق عطرهم وسيرتهم ويتغذى من ثمار روحهم وأثناء قراءتنا أتى ذكر أحد الآباء والذى أتى إليه بعض اللصوص وقالوا له: نحن هنا لنأخذ كل شئ فى هذه القلاية فأجاب عليهم الأب القديس وقال: خذوا ما تريدونه يا أبنائى فإستولى اللصوص على كل شئ بالقلاية وإنصرفوا، ولكن كانت هناك حقيبة لم يلحظوها، تقول القصة أن هذا القديس أخذ هذه الحقيبة وإنطلق خلف اللصوص منادياً: يا أبنائى خذوا هذه فقد أغفلتوا هذه الحقيبة فوقف اللصوص مندهشين من وداعة وطول أناة هذا الرجل فقاموا برد كا ما أخذوه منه وأعلنوا توبتهم جميعاً وهم يقولون لبعضهم البعض: بالحقيقة إن هذا الرجل هو رجل الله، وعندما إنتهينا من قراءة هذه القصة فقال لى هذا الراهب الصالح: أتعرف يا أبى أن هذا القول كان له تأثير عظيم على روحى.
قلت له: إلى أى مدى يا أبى؟
لقد قرأت هذه القصة عندما كنت عند إقليم نهر الأردن فإمتلأت بالتقدير والإعجاب لهذا الأب القديس فقلت: أيها الرب الإله الصالح إجعلنى أحذو حذو هذا الأب القديس وإجعلنى مستحق أن أعيش مثل هذه الحياة، فإمتلأ قلبى شوقاً لهذه الحياة، ولم يمر إلا يومين وطرق بابى بعض اللصوص، وبينما يطرقون الباب كنت على علم أنهم لصوص فقلت فى نفسى: اشكرك يا رب فقد أتت الفرصة لتظهر ثمار روحك فىّ فذهبت وفتحت الباب ورحبت بهم بفرح وقلت لهم: لا تقلقوا فإعلموا أمام الرب أننى لا أخفى شيئاً قط.
فسألونى: هل معك ذهب؟
قلت: نعم معى ثلاث قطع ذهبية فذهبت وفتحت الصندوق أمامهم فأخذوا الذهب وإنصرفوا فى سلام، ولكننى سألته بإبتسامة: هل رجعوا إليك مرة ثانية كما حدث فى قصة القديس؟ لكنه رد قائلاً ودون تردد: لا قدر الله لا لم يرجعوا ولا أريدهم أن يرجعوا.
210 - لماذا توجد معجزات وأعاجيب يصنعها الرب فى كنيسته المقدسة؟
تحدث احد الآباء عن الأعاجيب الإلهية والتى يصنعها الرب فى الكنيسة حتى الآن وذلك بسبب المهرطقين الملحدين والذين يزدادوا كل يوم فمعظم هذه الأعاجيب بسبب طائفة ساويروس أسيفالوس المهرطقة (Severus Acephalos) وباقى الطوائف المفسدة والمنبثقة عنهم، فأعاجيب الرب هذه تحدث لتؤكد ضعف أواحهم، فكلما إستمروا على مواقفهم كلما حدثت المعجزات والأعاجيب كل يوم فى الكنيسة الجامعة، وهو ما يحدث الآن وأمام هؤلاء المهرطقين يستخدم الرب الآباء القديسين والشهداء العظماء فى معجزاته.
211 - معجزة جرن المعمودية فى مدينة سويانا
فى قرية سورودا [Sorouda] على مقربة من مدينة سيونا [Coenana] كان هناك جرن يفيض ماء فى عيد الغطاس حيث يملأ نفسه تماماً ويستغرق ثلاث ساعات حتى يُنهى مهمته وبعد المعمودية يبدأ فى تفريغ نفسه ثانية وتستغرق هذه العملية ثلاث ساعات أخرى.
212 - معجزة أخرى للمعمودية فى قرية سيدرباط
فى قرية سيدرباط [Cedrebat] على مقربة من ميدنة أوينواندا [Oenoanda] كان يوجد جرن يتكون من قطعة وحيدة من الحجر حيث كان عند كل عيد فصح يملأ نفسه بنفسه ويحتفظ بالمياه حتى عيد الخمسين وفجأة بعد عيد الخمسين يختفى الماء.
هاتان الأعجوبتان تقعان عند ضاحية مدينة ليشيا [Lycia] فمن لا يمكنه تصديق هذا فلا مشقة ولا تعب من القيام برحلة لهذه الضاحية ليتأكد بنفسه من هذه الأعجوبة.
213 - بعض النصائح حول ألا تكون قاسى القلب أو أن تبقى على هذه القسوة
فى أحد الأيام وعندما كنت فى المدينة المقدسة جاءنى رجل يحب المسيح حباً لا يضاهيه حب قال: يوجد خلاف قد شب بينى وبين أخى، وأخى يرفض مصالحتى وطلب منى أن أذهب لأخيه واتحدث معه لأعرف الأمر.
تقبلت هذه المهمة بفرح وناديت على الأخ وتحدثت عن بعض الأشياء والمور التى تنشئ نوع من الحب والسلام وكان يبدو أنه قد فهم قصى وربما يتوافق معى فى وجهة النظر ولكن أخيراً قال: لا يمكننى التصالح مع أخى فقد أقسمت بالصليب ألا أفعل ذلك، فقلت له مبتسماً: إن قسمك كما لو كان (يا يسوع أقسم بالصليب المقدس ألا أحفظ وصاياك بل سأفعل مشيئة عدوك إبليس، فالأمر ليس فقط أن نقوم بأعمال حسنة بل أيضاً أن نبذل الجهد حتى لا نسمح لجرح أرواحنا بالكراهية.
عندما أوحى الروح القدس لباسيل [Pasil] وقال: لو كان هيرودس [Herod] قد تاب ولم يحفظ إيمانه لما إرتكب هذا العمل الشائن وقطع رأس يوحنا المعمدان المبشر بالمسيح، وأخيراً لقد وضعت أمامك رأى القديس باسيليوس والمأخوذ من الكتاب المقدس وهو عندما أراد المسيح أن يغسل قدم القديس بطرس الرسول بالرغم من أن الرسول بطرس رفض فى بادئ المر ولكنه بعد ذلك غيرمن رأيه يقول الحاضرين هذه المحادثة أن هذا الأخر عندما إستمع لهذا الكلام ذهب وتصالح مع أخيه.
214 - أفضل النصائح من راهب وهى ألا يقترب الراهب من أى إمرأة
يقول أحد الرهبان: يا أطفالى يأتى الملح من المياه ويختفى ويعود إليه ثانية يذوب ويختفى، وهكذا الراهب قد أتى من المرأة ولكنه إذا رجع إليها فإنه كأنه لم يكن ويموت.
215 - الأب سيرجيوس قد غاب من المزارع بطول أناته
أخبرنا الأب سيرجيوس [Sergios] رئيس دير الأب قسطنطين [Constantine] الآتى: عندما كنا فى سفر مع أحد الآباء القديسين ضللنا طريقنا ودون قصد أو حتى دون أن نعرف أين نذهب وجدنا أنفسنا وسط حقول مزروعة وقد دهشت أقدامنا بعض النباتات الصغيرة لاحظ المزارع الذى يعمل هناك ذلك فغضبت وقام بتوبيخنا ببعض العبارات مثل: هل أنتم رهبان؟ أتخافون الرب؟ لو كان بداخلكم شئ من مخافة الرب لما فعلتم ذلك، وعلى الفور قال لنا الأب القديس: من أجل محبة المسيح ألا تجيبوا بشئ فبدأ هو بمخاطبة هذا المزارع وقال له: لقد أحسنت القول يا بنى لو كنا نخاف الرب لما قمنا بذلك إستأنف المزارع توبيخه بغضب وتعسف، فقال له ثانية الأب: أنت تقول الحقيقى يا بنى، فإذا كنا رهباناً بحق لما فعلنا ذلك، ولكن انا أستستمحك ومن أجل المسيح إغفر لنا فنحن خطاة بعدها وقف المزارع مندهشاً مما يسمعه ثم أتى إلى الأب القديس وإرتمى عند قدميه وهو يقول: لقد أخطأت إغفر لى، ومن أجل محبة المسيح خذنى معك.
يقول الأب المبارك سيرجيوس: فى الحقيقة قد تعبنا هذا الرجل وعندما وصلنا إلى الدير رُسم راهباً.
216 - الأخ الذى تصالح مع شماساً كان يسئ معاملته
قال لنا أحد الرهبان شيئاَ من هذا: عندما كنت أقيم فى دير الأب جيراسيموس [Gerasimos] كان هناك شخصاً قريباً جداً لقلبى كثيراً ما كنا نجلس سوياً ونتحدث عن الأمور الروحية، وأنا أتذكر الآن قول بلأب بيمن [Poimen]: على كل شخص أن يحاسب نفسه على كل شئ، فقال لى: يا أبى لقد إختبرت هذه الأقوال فى شدتها وفى قوتها، وفى يوم ما كنت على علاقة حميمة مع أحد الشمامسة فى هذا الدير ولكن السبب ما أتى لسمعه بعض الأشياء التى تخصنى فحزن وبدأ فى إساءة معاملتى، وعندما رأيت هذه الإساءة سعيت لمعرفة أسباب هذه الإساءة، ولكن هذا الشماس قال لى: لقد فعلت هذا وذاك ولأننى لا أعرف ما هذه الأشياء التى يتحدث عنها؟ أخذت أؤكد له وأقول: أننى لا أعرف هذه الأشياء لكنه قال: سامحنى ولكننى غير مقتنع بما تقوله.
رجعت إلى قلايتى وبدأت أبحث فى داخلى عن هذا الشئ الذى فعلته فلم أجد شيئاً، وحيث أنه كان يحمل القربان المقدس ويوزعه فقد أكدت له بمهابة هذا القربان أننى لا أعرف شيئاً عن هذه الأشياء التى أحزنته ولكنه مازال لا يصدقنى، ومن هنا بدأت أفكر فى كلمات الآباء القديسين: على كل شخص أن يُحاسب نفسه على كل شئ، فقد وضعت ثقتى فى هؤلاء الآباء وبدأت فى تغيير طريقتى فى التفكير قليلاً حيث قلت لنفسى: هذا الشماس الطيب يحبنى ويثق فىّ وقد دفعه حبه لى وثقته فىّ بأن يجعل منى حارساً على نفسى ويجب أن أتأكد من أننى لم أفعل مثل هذه الخطايا فى المستقبل ولكن يا لها من نفس تعسة، فبينما أقول لن أفعل هذه الخطايا مستقبلاً إلا أن هناك الألوف من الخطايا قد صنعتها ونسيتها؟ أين الأمور التى صنعتها بالأمس أو منذ يومين؟ هل تستطيع أن تتذكرها؟ فهذا غير ممكن فالأمور الماضية لن يكون من السهل تذكرها كما تتذكر ما هو حالى وبذلك فهى تنسى تماماً، لذلك فقد أعددت نفسى وفكرى بتقبل إمكانية وقوعى فى خطية ما ولكننى نستيتها كما نسيت الكثير منها، ومن هنا شعرت بفضل الرب علىّ وفضل هذا الشماس لأنه من خلاله جعلنى الرب أن أكون مستحقاً أن أدرك خطيتى وأتوب عنها، وعندما وضعت هذه الأفكار بداخلى وفى قلبى نهضت وتوجهت لهذا الشماس لأقدم له العذر وأشكره على مساعدته لى على إدراك خطيتى، وبالفعل توجهت لهذا الشماس وطرقت على الباب وعندما فتح لى إرتمى عند قدمىَّ وهو يقول: إغفر لى لقد خدعنى إبليس ببعض الأفكار التى تسئ إليك ولكن الرب أخبرنى أنك منها براء، فقد قال ذلك ورفض أن يسمح لى أن أؤكد له إننى لن أفعل ما يسئ له حيث لا حاجة لذلك.
لقد تعلمت كثيراً من هذه الخبرة الروحية مع الرب وكلمات القديسين، فمجدت الآب والإبن والروح القدس له القوة والمجد إلى الأبد آمين.
ملحق ببعض القصص كتبها ثيؤدور نيسان [Theodore Nissan] وإيبيديو ميونى [Epidio Mioni].
217 - نيسان[49] BHG 1442b49
عند بدايات حكم الإمبراطور تيبيريوس [Tiberius] القيصر القديس جئنا فى ذلك الوقت لجزيرة فى أقصى غرب طيبة [Thebaid] فى أعماق البرية، وإنتشرت شائعات بأنه قد تم نفى نسطوريوس [Nestorios] إلى الأقاليم الشرقية لتجديفه وسبه للعذراء مريم الوالدة الحقيقية للإله كما قد جدف على كلمة الله وأنه قد تجسد دون خطية وولدته العذراء مريم وله الطبيعة الإنسانية منفصلة عن الطبيعة اللاهوتية، فقد أرسل الإمبراطور أمراً بإستدعاء للأشخاص الذين يتبعون اللاهوتية، فقد أرسل الإمبراطور أمراً بإستدعاء للأشخاص الذين يتبعون هذا المهرطق ويشاركونه المعتقد فى المساء وقبل ان يتجه نسطوريوس للنوم دخل المرحاض وأثناء وجوده فيه كان يصيح بصوت دوى حتى وصل ذلك لسمع الواقفين خارج الباب وهو يقول: سأريكم أن مريم قد أنجبت إنساناً وليس إلهاً، وبمجرد أن سمعوا ذلك إنسحبوا جميعاً وذهب كلا منهم إلى بيته، ولكن بالنسبة لهذا المهرطق وبينما كلمات التجديف تخرج من فمه وإذا بملاك الرب المنتقم يأتى على الفور ويضربه ضربة تقتله وهو فى مكانه حتى إنفجرت أحشاؤه خارج جسد جزاء تجديفه وأقواله الشريرة، وفى الصباح أتى رسولا الإمبراطور على عجلة وهو يقول هناك موعد نهائى لهذه المهمة ولا يمكننى الإنتظار، ونظراً لأن نسطوريوس لم يطلب أحداً وطبقاً لتعليماته لهم فكانوا الجميع بالخارج فى إنتظاره، ولكن بالنسبة لجنود الإمبراطور فإضطروا للدخول بالقوة، وإتجهوا لحجرة نومه إعتقاداً منهم أنه نائم وقرعوا على الباب ولكن لم يرد عليه أحداً وحيث أن باب الحجرة كان موصداً من الداخل مما إضطرهم لكسره حتى يتمكنوا من الدخول ولكنهم لم يجدوا أحد هناك، فتوجهوا للمرحاض فوجدوه جالساً مكانه وهو ميت، وعند سؤال خدمة ما إذا كان هناك توعك فى صحته أدى به لذلك لكن خدامه أجابوا قائلين: فى المساء طلب منا الإنصراف وهو فرح وسعيد ثم أوصد الأبواب كما وجدتموها وذهب للمرحاض وجلس هناك، وعندما كنا جميعاً على وشك الإنصراف سمعناه يقول: لأريكم جميعاً أن العذراء قد أنجبت إنساناً وليس إلهاً، وبعدها كل من سمع هذا الهراء أدركوا أنه إختار لنفسه موت مرير كما قال النبى أرميا:
"لذلك هكذا قال الرب عن يهوياقيم بن يوشيا ملك يهوذا. لا يندبونه قائلين آه يا أخى آه يا أخت. لا يندبونه قائلين آه يا سيد أو آه يا جلاله. يُدفن دفن حمار مسحوباً ومطروحاً بعيداً عن أبواب أورشليم" (أر 22: 18 - 19)
وكانت هذه نهاية هذا المهرطق نسطوريوس العاق وذهب إلى أبواب الظلمة الأبدية وإذ باللعنة تأتى عليه جزاء عمله وتجديفه.
218 - نيسان[(2)]BHG 1442C
عندما إتبع أحد الرهبان طريق التوحد والرهبنة قام بتوزيع كل ما يملكه ولكنه إحتفظ بقطعة أرض فى مكان فريد فى موقعه كما كان هناك رجل علمانى فى مركز مرموق لطالما طالب بإمتلاك هذه الأرض فكان يعرض على الراهب إما أن يبيعها له أو يستبدلها بقطعة أرض أخرى، ولكن كلا العرضين لم يلقيا قبول لدى الراهب.
عندما أصبح هذا الرجل العلمانى حاكم للإقليم وضع الراهب تحت ضغوط وتهديدات حتى يتخلى هذا الراهب عن أرضه كما قام الماضية التى تخص الراهب لمكان آخر شعر الراهب بأنه عاجز عن صد محاولات هذا الحاكم وأخيراً قرر التوجه لأحد الرهبان النساك المقيمين فى المكان والمعروف بفضائله وقداسته، فكان الراهب يعتاد زيارة هذا الراهب الناسك وكان يتعزى به ويباركه ثم يعود إلى قلايته مرة ثانية، ولكن أمام تصميم الحاكم وإصراره على إمتلاك الأرض ذهب هذا الراهب إلى الراهب الناسك وقال له: من أجل المسيح ساعدنى وأكتب له أو إرسل له رسول، وأخذ الراهب يلح فى طلبه وعندما إنزعج الراهب الناسك من إلحاح الراهب كتب خطاب للحكام يقول فيه: هذا الراهب قد كتب ذلك ليتنازل عن أملاكه حتى لا يُظلم بسببها، وبعدما كتب الراهب الناسك هذا الخطاب أخذه الراهب وإنطلق للحاكم وهو لا يعلم مضمون هذا الخطاب فذهب الراهب وسلم الخطاب للحاكم والذى إستقبله إستقبال النبلاء وقام بفتح الخطاب وقرأه.
ثم سأل الراهب: أتعلم ما المكتوب هنا؟
فأجاب الراهب: هذا من أجل أن تكف عن إنتهاك أرضى.
فتعجب الحاكم من النعمة التى تملأ الراهب الناسك وبعدها إبتعد عن أرض هذا الراهب.
دعونا نتأمل هذا المثال لنرى صلاح الرب وطبيعة نعمه، فهذا الناسك كتب رسالة لا تتضمن تهديد أو وعيد أو غطرسة بل على العكس رسالته قد خلقت نوع من الشفقة على صاحب الطلب.
نيسان (3) Nau 342b[1]
قام بعض المفكرين بزيارة راهب وبعدما صلى لهم الراهب وصمت لبرهة وهو يجدل بعض الحبال ولم يعيرهم أى إهتمام، فإلتمسوا التحدث معه قائلين: قل لنا شيئاً يا أبى، ولكنه بقى على صمته وسلامه، فقالوا: هذا هو سبب مجيئنا إلى هنا لكى نسمع منك ما يفيد أرواحنا.
قال الراهب: لقد تكبدتوا الأموال لتتعلموا كيف أن تتكلموا أما أنا فقد تركت العالم لأبقى صامتاً.
إمتلأ الحاضرون دهشة مما يسمعوه وذهبوا وهم يمجدون الرب.
219 - نيسان (4) BHG 1440 r
أخبرنا أحد الآباء أنه فى مدينة تسالونيكى [Thessalonica] كان يوجد دير للعذراى تعرضت إحداهن لأعمال الشيطان فكان يدفعها لتترك الدير وقد حدث بالفعل دبر لها المكائد حتى تركت الدير وإنغمست فى الخطية، فكان يهزأ بها إبليس ويضحك ساخراً مما وصلت إليه إستمرت تلك المرأة فى الخطية لفترة قصيرة ولكنها سرعان ما عانت من تأنيب الضمير وتدخل الرب الصالح فى حياتها مرة ثانية حتى أتت لتعلن توبتها وتدخل الدير مرة ثانية، وهى فى طريقها للدير وعند مدخله سقطت هذه المرأة ميتة، وإكتشف أحد الأسقفة المباركين موتها، وقد رأى ملائكة الرب قادمون ليتسلموا روحها وكأن ذلك فى وجود بعض الشياطين، وقد شهد الأسقف القديس حوار دار بين كل من الملائكة والشياطين.
تقول الملائكة: لقد أتت للتوبة، ولكن الشياطين يقولون: لكنها خدمتنا لفترة طويلة وإستمر هذا الخلاف والجدل لفترة من الوقت بعدها قال الشياطين معوقى الصلاح: لكنها لم تقترب من دخول الدير كيف لكم أن تقولوا أنها تابت عن خطيتها؟
ولكن كان رد الملائكة على هذه النقطة: حيث أن الرب قد رأى إتجاه قلب الفتاة فقد قبل توبتها كما أنها كانت عاشقة للتوبة وقد جاءت بفضل هذا الهدف والذى وضعته هذه المرأة أمام عينيها وهو رب هذه الحياة وسيد كل شئ، بهذه الكلمات وضعت الملائكة العار على الشياطين فإنسحبوا منهزمين، وقد أخبر هذا الأسقف القديس بعض الناس عن تلك القصة والتى إنتقلت منهم إلينا ثم قمنا نحن بإخبار غيرنا بها مثلكم أنتم.
أيها الإخوة من هذا الحوار بين الملائكة والعدو علينا أن نتعلم كيف نصون أنفسنا م نأى أفكار نجسة؟ بل وعلينا أن نحارب ونقاوم هذه الأفكار ولا نستسلم لها وخاصة فيما يتعلق بإغواء الخروج من الدير والحياة خارجة خشية أن نقع بجهالة فى براثن العدو.
220 - نيسان (5) BHG 1440q
قال أحد الآباء: عندما كنت بمدينة الإسكندرية ذهبت لأزور مزارات الشهداء لأصلى هناك فرأيت أرملة محبة للمسيح تلبس ملابس الحداد وبعض الأولاد والبنات الذين تخدمهم، ورأيتها تتحدث لأحد الشهداء عند المزار بإحتداء وهى تقبض بيدها على اعمدة المزار الحديدية وتقول: أيها السيد لقد هجرنى أيها العالم بى وبحالى أيها المعلم يا محب الإنسانية كانت هذه المرأة تصلى وهى تصرخ وتبكى بكاءاً حاراً، وعندما إنتهيت من صلاتى بدأت أنتبه لها وقد إهتز قلبى وكل مشاعرى من بكاءها وصراخها، فإفترضت أنها قد تكون تحت ضغط أو إضطهاد من أحد الأشخاص ولأنها وحيدة وأرملة، وحيث أننى كنت قريب لأحد المسئولين بالمدينة إنتظرت حتى إنتهت من صلاتها وقمت بالنداء إقتربت منى قلت لها ما أفترضه بشأن حزنها الشديد ولكن المرأة إنفجرت ثانية فى البكاء وقالت: آه يا أبى أنت لا تعرف ما هى مصيبتى؟ فقد هجرنى الرب ولم يعد يفتقدنى، واليوم وقد مر ثلاث سنوات ولم أمرض قط ولا أحد من أبنائى ولا أى خادم ولا أى شخص فى منزلى، فأنا أشعر أن الرب قد أدار وجهه بعيداً عنى فلابد أننى خاطئة، ولهذا فإننى أبكى هذا البكاء لعل الرب يفتقدنى رفقة بحالى وهذا سيكون قريباً جداً، فتعجبت من سمو روح المرأة فصليت من أجلها وعزيتها وذهبت فى طريقى أمجد الرب.
221 - نيسان (6) BHG 1440s
قال أحد محبى المسيح: عندما قمنا بزيارة دير أحد الرهبان القديسين فى طيبة [Thebaid] وعندما وصلنا عند الدير وإذ بمجموعة من الكلاب الضخمة والذين يستخدمونهم رعاة الغنم ويقفون أعلى سور الدير إنتابنى الرعب وأردت أن أقفز من على ظهر الخيل وأسير على الأقدام ولكن الذين كانوا معى ممن لديهم خبرة مسبقة مع نباح الكلاب قالوا لى: لا تترك حصانك أيها السيد، فهؤلاء الكلاب يحفظون أمر الأب الراهب ولن ينزلون أسفل السور وعند دخولنا الدير صلى لنا الآباء هناك، وأحضرونا عند عين ماء بينما ترنم الترانيم هناك وكان الجمل الذى يحضر الماء واقفاً ساكناً مكانه لا يتحرك، وعندما قمنا بسؤالهم لماذا يبدوا هذا الجيل ساكناً ولا يتحرك هنا أو هناك؟ أجابوا الحاضرين: أن أبانا قد أمره بألا يتحرك فى وقت الترنيم وبعد سماع القرع على الأخشاب (هى العلامة المستخدمة فى الكنائس فى ذلك الوقت ليجتمعوا للصلاة) وحتى إنصرف جميع المصلين والمرنمين لأنه ذات يوم كانت ترنم الترانيم، ولم يستطع حارس العين أن يسمع قرع الأخشاب بسبب صوت الماكينة المستخدمة لسحب المياه ولم يذهب للكنيسة، فأتى الأب الكاهن لحارس العين وقال له: لماذا لم تأتى للكنيسة حيث الوقت المخصص للكنيسة؟ فقال حارس العين: إغفر لى يا أبى فضوضاء الماكينة قد منعنى من سماع إشارة بدأ الصلاة بالكنيسة.
إلتفت الأب للجمل الذى يقوم بسحب المياه وقال له: فليباركك الرب عند سماع قرع أخشاب الكنيسة لا تتحرك حتى ينصرف الجمع، فحفظ الجمل الوصية وحتى عندما يأتى جمل آخر أو حتى حيوان آخر للمكان ويربط فى ماكينة سحب الماء يحفظ نفس الوصية سمعنا هذا وإنصرفنا نمجد الرب.
222 - نيسان (7) BHG 1448i / 1440kt
كان فى طيبة رجل إسمه [Paul] إعتاد زيارة كنيسة الرب الجامعة المقدسة فى الليل وفى النهار، وعندما رأى ذلك بعض الأشخاص المجتهدين والذين كانوا يرافقونه قالوا للأب بولس: ليس لديك أبوين ولا لديك رغبة فى الزواج لما لا تسلك حسب طقوس الرهبنة؟ فقال لهم الرجل: خير قول ما قولتموه فرحل الرجل من المكان ومكث بمفرده داخل قلاية وأمضى وقته فى الحياة التقشفية والعمل الشاق، ولكن هذا الراهب البسيط كان يتسم بشئ من السذاجة، وعندما رأى إبليس أى نوع من البشر هذا الراهب أراد أن يستغل هذه السذاجة لصالح أعماله الشريرة، فتخفى فى شكل ملاك قادم ليتنبأ له بشئ ليخدعه ويضل طريقه، وعندما علم الشيطان أنه قد تمكن من هذا الراهب البسيط قال له: يسوع المسيح فرح بك وبطريقتك فى الحياة وسوف يأتى إليك غداً ليمنحك عطية، وعندما يأتى ستخرج من قلايتك وصلى له وعندئذ ستأخذ عطيتك، وفى اليوم التالى وعندما خرج الراهب من قلايته رأى درجات فوق درجات من الملائكة وعجلة من النار وفى وسط هذه النار شخصاً يمثل شخص المسيح، وعندما خفض الراهب رأسه أمام هذا الشخص ليصلى له وإذ بصفعة قوية تضرب وجهه حتى تقذف به فى الجهة الأخرى من المكان حتى لا يصلى، وعندما سقط الراهب على الأرض أخذ يصلى وبعدها هذا الجمع المبهر والمزخرف بعجلة النار قد إختفى هنا أدرك الرجل أن هذه مكيدة من إبليس لم يترك الرجل مكانه وأخذ يذرف الدمع ليومين ليلاً ونهاراً وهو يقول للرب: واأسفاه كم أخطأت لقد أخطأت إلى الرب قد حطمت كل حياتى مع الرب ترى ماذا أفعل؟
كان فى ذلك الوقت يوجد أحد النساك ذات صيت طيب كما سمع الراهب عنه الكثير كان هذا الناسك يعيش وحيداً فى أحد الحقول فى طيبة العليا لبعض الوقت، فقرر الراهب الذهاب إليه وأن يحكى له كل ما حدث، وعندما ذهب الراهب إلى مكان هذا الناسك أحنى رأسه فى إذلال نحو الأرض خجلاً ثم سقط أمامه وهو يقول: لقد أخطأت إغفر لى وصلى من أجلى، فصرخ الناسك فى وجهه وهو يقول: لا تأتى إلى هنا، فأنت محل سخرية الشياطين لا تقترب أخذ الناسك يوبخ الراهب ويعنفه بعبارات مماثلة وإستمر الراهب ممداً على الأرض أمامه وهو منهمر فى البكاء اخيراً أشفق الناسك على هذا الراهب كما تأسف لما حدث له، فأراد الناسك أن يسدى له النصح فقال: يا بنى إذا أردت إكتساب مهارة ما أو صنعة ما أو أى أمور أخرى فلا تتوقع أنه بذهابك لأحد الحرفيين ستجعله يقدم لك سر صنعته دون عناء منك عليك يا بنى أن تذهب وتقيم فى قلايتك الخاصة ودون حتى أن تُعرف أحداً ما أنت بصدد القيام به، ويجب أن تعلم أنه إذا لم يكن الله قد ساعدك بالفعل بروحه القدوس أمام (المركبة النارية) لكنت قد دُمرت تماماً وفقدت عقلك وصرت هائم بين المدن كمن بداخله أرواحاً نجسة، فلهذه الأشياء جميعاً عليك أن تشكر ربك الذى أعادك لهذا الدير، فأخذ هذا الرجل القديس الراهب لأحد الأديرة فى مدينة طيبة وسلمه للكاهن وقال له: أعهد إليه أعمال الطهى لسبع سنوات حتى يمكنه تنفيذ وصايا الرب يسوع المسيح وأيضاً خدمة باقى الإخوة، وبعدها قال للراهب بولس بعد سبع سنوات سآتى إليك مرة ثانية وأتحدث معك، وعندما أتم بولس السبع سنوات جاء إليه الراهب الناسك مرة ثانية وقال له بولس: أعطنى قلاية خارج الدير، وحيث لا يوجد فى مدينة طيبة الكثير من القلايات فقد كان هناك عدد محدود منها يعيش بداخلهم بعض الرهبان النساك، فمن كان منهم قد كبر سناً وهو فى حياة التقشف وأيضاً لكبر سنه فكان يعيش فى القلاية خمسة أيام فقط ويدخل الدير ويعيش يومى السبت والأحد مع باقى الإخوة، فقال الراهب الناسك لبولس ثانية: إذهب وإقض سبع سنوات أخرى فى قلاية أحد الرهبان النساك وسأعود إليك مرة ثانية، فعل بولس ما أوصى به الراهب الناسك القديس وبالفعل أتى إليه الراهب الناسك بعد سبع سنوات أخرى، فقال له بولس: ما الذى توصى به الآن؟
فقال له الراهب الناسك: أنت لم تعد بحاجة إلىَّ، فقد سكن الروح القدس داخلك وسيكون هو مرشدك ومعينك ويعلمك كل الأشياء.
كان قول هذا الناسك شرف وفخر للراهب بولس فذهب بعده لدير سكيتى [Scete] فقابله أفراد الدير وطلبوا منه بإلحاح البقاء معهم وأخذوه ليقيم معهم، وقد تعزى بولس كثيراً بالإقامة مع هؤلاء الإخوة ولكنه بعد فترة تركهم وذهب نحو البرية، فقمت أنا وثلاث آخرين (من بينهم أبى وهو رجل مسن) قمنا جميعاً بزيارته، وكانت حياته بالفعل حياة تقشف فلم يكن لديه لا خبز ولا ماء ولا أى شئ قد يحتاجه الجسد، فكان لا يتذوق شيئاً طوال خمسة أيام بالأسبوع رغم أنه كان ضخم الجثة، وأخبرنا أنه لم يحضر ماء قط فى قلايته لكن كلما أتى أحد لزيارته وكانت حرارة الجو فى ذروتها ويشعرون بالعطش فكان يقف ويصلى، فتمطر المياه وتتدفق فى نفس الموضع الذى يصلى فيه فيشرب الناس ويطفئون ظمأهم ويمجدون إلههم.
223 - نيسان (8) BHG 1322n
أخبرنا الراهب الناسك الكاهن باسيلى [Basil] الذى أصبح فيما بعد راهباً فى دير نيو لافرا [New Lavra] أخبرنا أنه سمع بعض من محبى السيد المسيح وهم يسردون إحدى عجائب الرب وهى:
كان يوجد فى أرض فلسطين قرية معروفة وكان سكانها من المسيحيين واليهود كانت تشمل الكثير من العائلات العريقة والذين تسلموا عاداتهم وتقاليدهم من آباءهم وأجدادهم السابقين وفى كل يوم وفى الصباح الباكر يجمعون المواشى والحيوانات ويقوم كل عائل أسرة بإرسال إبنه أو خادمه مع ما لديه من حيوانات ليرعى، وكان الشباب من هذه العائلات يأخذون تلك الحيوانات ومع ما يكفيهم من مؤن وينطلقوا بهم، فكان الجميع يبقى فى الحقول والمراعى حتى المساء أى بعد غروب الشمس وبعدها يعود كل منهم إلى منزله ومعه مواشيه.
قصة مشابهة لقصة تم ذكرها من قبل: فى أحد الأيام وعندما إنطلق الجميع ليرعى كما إعتدنا، وفى وقت الغداء تجمع الرعاة ليتناولوا الأطفال طعامهم، فقال الأطفال المسيحيين لبعضهم البعض: هيا نقوم بالتناول كما يفعل الكهنة فى الكنيسة، وقاموا بإختيار أحدهم ليلعب دور الأسقف كما عينوا آخر ليكون كاهناً وثالث ليكون شماساً والباقى مساعدين للشمامسة وإختاروا بعض منهم ليكونوا قارئين للكتاب المقدس (إبصالتس) ووضعوا قطعة كبيرة من الصخور الملساء لتكون بمثابة المذبح وأحضروا طعامهم ليكون هو الذبيحة، وفى ذلك الوقت كان برفقتهم غلام وهو إبن لكبير الحاخامات اليهود، فأخذ هذا الغلام يطلب بإلحاح أن يشاركهم اللعب وهو يقول: إسمحوا لى أن ألعب معكم فيمكننى التناول كما تفعلون، ولكن جميع الأطفال رفضوا وقالوا له: لا يمكنك اللعب معنا فأنت يهودى، فقال لهم: فيمكننى أنا أيضاً أن أكون مسيحياً فأجابوا الأطفال عليه: إذا أصبحت مسيحياً سنقبلك معنا.
وافق الغلام على أن يكون مسيحياً فقام الأسقف الطفل بتعميده بعدما أحضروا إليه بعض الماء للمعمودية، وقام الجميع بأداء كل ما يتم فى الكنيسة خلال القداس وقاموا بوضع الخبز وصلوا وعند إتمام القداس وعند قول: قدوس أتت نار من السماء وإلتهمت كل شئ موضوع على المذبح فإرتعدوا الأطفال وسقطوا جميعاً على الأرض كالأموات.
أتى المساء رجعت جميع الحيوانات والمواضى كل إلى صاحبه أما الأطفال فلم يعود أى منهم لمنزله وإستمروا هكذا، وفى الصباح الباكر من اليوم التالى ذهب كل أهالى الحى ليبحثوا عن الأطفال فوجدهم ملقين على الأرض كالأموات، فحمل كل شخص طفله ورجعوا لمنازلهم ولكن الأطفال لم يستردوا وعيهم إلا بعد ثلاثة أيام، وبدأ الآباء فى سؤال الأبناء عما حدث لهم فإعترف الأطفال بما فعلوه بالضبط.
أما بالنسبة للولد اليهودى فقد أرسل أحد الأشخاص خبز التقدمة لأبيه الحاخام ودعا إبنه ليتناول معه ولكن الإبن رفض أن يأكله وهو يقول: لقد أصبحت مسيحى ولن آكل من هذا أبداً جن جنون الحاخام مما يسمعه من إبنه وقرر أن يُذيق إبنه مرارة الموت ولكن الرب وهو الرقيب على ما يحدث يقول.
"فاحص الكلى والقلوب الله البار" (مز 7: 9)
فقد علم الرب بما يدور فى قلب هذا الرجل القاسى من أفكار شريرة، فأراد الحاخام أن يستغل شكوى قاضى المكان والذى يسمونه الأهالى الأمير ضد حارس أحد الحمامات العامة والذى طالما إستاء منه الناس وإشتكى منه قاضى المكان فيتهمونه بالإستخفاف بالأوامر والتعليمات وعدم حفاظه على درجة حرارة مياه الحمام حيث أن الأمير قد قال له فى أحد المرات: منذ متى وأنت تخدعنا هكذا؟ ففى كل مرة أتى إلى هنا أجد المياه باردة، فإنى أقسم بالله العظيم إذا لم تتبع التعليمات وإذا وجدت المياه باردة سآمر بقطع رأسك، فتعهد هذا الحارس بتنفيذ أوامر الأمير خشية قتله وكان هذا الحاخام فى ذلك الوقت على علم تام بما يحدث، وادرك أنه يجب عليه أن يستغل هذه الفرصة الشيطانية، فأرسل فى طلب حارس ذلك الحمام (كان هذا الحارس مدين للحاخام بعشر قطع ذهبية) وقال له الحاخام: أنت مدين لى بعشر قطع ذهبية، فأجابه: نعم، فقال له الحاخام: إذاً أديت المهمة التى سأعهدها لك لأعفيك من هذا الدين بإذن كتابى.
فقال الحارس: سأفعل ما تطلبه منى مهما كان الأمر حتى تعفينى ثقل هذا الدين وتحررنى منه.
قال الحاخام الكاذب: عرفت أنك تسلمت أمراً من الأمير بأن تشعل موقد الحمام، فأنا أريدك أن تخبرنى متى ستشعل موقد الحمام وأنت على وشك غلقه، فإننى لدى طفل قد أثار غضبى لذا فالشخص الذى سأرسله لك ليسأل: هل أعددت الحمام؟ أقبض عليه وأقذف به فى الموقد، فأنا أريد أن أغير من أفكار إبنى الشريرة.
سمع الحارس هذا الكلام ووافق على فعل أى شئ على أمل أن يتخلص من ديونه، وذهب الحارس لمكان عمله وخوفاً من غضب الأمير وتهديداته قام بإشعال نار الموقد حتى اصبح أكثر حرارة مما سبق وعندما شعر بأنه الوقت المناسب لغلق الموقد فأرسل رسالة للحاخام والذى على الفور أرسل إبنه ليسأل: هل أعددت الحمام؟ فقال الحارس: نعم يا سيدى أكثر مما ينبغى، وإذا لم تصدق أنظر بسرعة، وقبض على الطفل وقذف به فى الموقد وأغلق عليه الباب ورحل.
أتى الأمير للحمام فوجد المياه باردة أكثر من الأيام السابقة، فنادى على الحارس وقال له: ألم أخبرك بأن تشعل الموقد فى هذا المكان جيداً؟ لماذا لم تطيع الأوامر؟ بل أن الحمام أكثر برودة مما سبق؟
أقسم الحارس: لقد ضاعفت مقدار الحطب ثلاث مرات أكثر من المعتاد حتى لا أحزنك ولكن لا أعرف كيف تسير الأمور هكذا؟ فإن لم تصدق شهادتى هذه إئت بنفسك لترى الموقد وسوف تعرف كمية الحطب التى وضعتها داخل الموقد، فذهب الأمير معه ليتأكد من هذا القسم وهو يشتعل غضباً، وعندما أزال الحارس غطاء الموقد وجد الطفل جالس هناك لم يصبه أى أذى كما لو كان يستمتع بالإقامة فى هذا المكان، فسأل الأمير الحارس: كيف لهذا الطفل أن يأتى ويدخل هذا المكان؟ كيف تبرر وجود هذا الطفل هنا؟
قام الحارس بسرد كل القصة للقاضى وقال ربما أن الطفل قد قذف به ظلماً فى هذا الموقد لذلك قد خمدت النيران، ولكن هذا القاضى خلص فى نهاية الأمر إلى أن كل ما يقوله هذا الحارس لا يمت للحقيقة بصلة وقال له: إئت ببعض الخشب وأشعل الموقد تماماً فى حضورى، وفى أثناء تحضير الموقد بوضع المزيد من الأخشاب والفحم وإشعاله سأل الأمير الغلام لماذا قذف بك داخل الموقد؟ ولكن عندما علم من الطفل أنه قد أصبح مسيحياً ولم يرغب فى تناول الطعام اليهودى غضب الأمير مما يسمعه من الطفل وأخذ يصب اللعنات على المسيحية، وحمل الطفل وقذف به داخل الموقد وهو يقول: لقد سلمت فى المرة الأولى بالسحر والشعوذة ولكنك هذه المرة لن تفلت من يدى ولكن كما يقول داود النبى فى المزمور:
"الرب قريب لكل الذين يدعونه. الذين يدعونه بالحق" (مز 145: 18)
ووضع الطفل داخل لهيب الموقد كما حدث من قبل ولكن الطفل بقى آمن ولم يصب بأى أذى بل وعلى العكس أصبح الحمام أكثر برودة مما سبق كما لو كان بقى أسبوعاً كاملاً دون إشتعال النيران بداخله، فذُهل الأمير عند فتح الموقد ورؤية الطفل يجلس مستريحاً بداخله ولا يوجد ثمة رائحة لأى حريق داخل الموقد، فإرتبك الجميع من غرابة تلك الأعجوبة، فإنطلق الأمير راكضاً لينقل ما حدث لشخص آخر يطلق عليه المستشار وعند سماعه لما حدث أتى على الفور للقرية وأمر بأن يشعل الموقد ويلقى بالولد داخله أمام عينيه وقام بوضع ختم على الأبواب كما وضع عدد من الحراس وبعدها دخل الحمام وفتح فوهة الموقد ووجد الطفل جالس بالداخل فى حالة جيدة والمكان إزداد برودة كما إنه لم يلحظ أى رائحة للحريق بعدها اخذ الطفل وسأله: إبن من يكون؟ وعندما علم أنه إبن حاخام كاذب ومنافق كما علم ما حدث للطفل عندما كان يلعب مع الأطفال فى المراعى، وأن كل ما حدث سببه هو إلتزام الطفل بكونه مسيحى ولم يسمح لنفسه بأن يلوث نفسه بأكل طعاماً ملوثاً من والديه ومن أجل هذا عاقبه والده هذا العقاب المميت إستمع المستشار إلى كل هذه التفاصيل وقد علم أيضاً أنه قذف به ثلاث مرات داخل هذا الموقد فلم يؤذى بل كان بالنسبة للولد كبابل مدينة الترف فى العصور الماضية بعد سماع كل هذا أتى المستشار بوالد الطفل وقال له: ما عذرك حياة عملك القبيح والشرير والذى قمت به؟
هل كنت تعتقد أنه يمكنك الإختفاء بعيداً عن أعين الله والناس معاً؟
ولكن الله عالم بالأعمال الشريرة والمقاصد السيئة لذا فهو لم يتمم ما فعلت بل وعلى العكس بل أدان روحك المتوحشة لو كنت نجحت بقساوة قلبك أن تفعل ذلك مع فلذة كبدك وأذقته الموت المرير لكنت رأيت بشاعة ما قمت به، وأردت إستخداماً لنكون أدوات تنفيذ جريمتك إذن فستذوق الموت نتيجة فعلتك هذه فقد فعلت شئ يفوق ما يفعله الشيطان.
أرسل المستشار فى طلب أن يعدم هذا الحاخام خارج القرية وفى مكان مقفر ليكون طعام للحيوانات المفترسة.
كما أيضاً قام بإستدعاء الأطفال الذين كانوا يلعبون مع هذا الطفل اليهودى الأصل وعلم منهم بالضبط ما حدث وبعدها وضعهم جميعاً فى أحد الأديرة عاهداً لكل منهم ليكون بالفعل الدور الذى سبق وأداه فى اللعبة، فمن كان يلعب دور الأسقف أصبح أسقف ومن كان يلعب دور الكاهن أصبح كاهن وبالمثل مع الشمامسة ومساعديهم والإبصالتس كما أمر بتقديم مساعدة ودعم لكل منهم حسب المرتبة التى عليها، فالرب خالق الأشياء جميعاً قد أراد بالسماح بمثل هذه التجربة أن تحدث لتدعيم المسيحيين ومؤازرتهم وتخبر جميع الشعوب الذين يعادوننا ويختلقون الكراهية والتى مصدرها إبليس والذى بث كراهية لإلهنا يسوع المسيح والذى نؤمن به إيماناً حقيقياًن وبذلك تتحقق نبوءة الرب لمن قد يحتاج ليفهم ويدرك.
"أنا قد أتيت بإسم أبى ولستم تقبلوننى. إن أتى آخر بإسم نفسه فذلك تقبلونه" (يو 5: 43)
وكذلك ".
فقلت لكم إنكم تموتون فى خطاياكم. لأنكم إن لم تؤمنوا إنى أنا هو تموتون فى خطاياكم "(يو 8: 24).
224 - نيسان (9) BHG 1450ze
كان بعض الإخوة والشمامسة فى طريقهم لحضور القداس والتناول فى أحد الأديرة فقام كل واحد منهم بإرتداء بدرشيله ولكن أحد الشمامسة لم يجد ما يخصه وبعد بحث طويل قرروا أن يخبروا الكاهن المسئول عن المكان والذى قال لهم: إبحثوا ثانية وبعد المزيد من البحث وعجزهم فى التوصل لمكانه ولغرابة الموضوع قال الأب: يبدو أننا نعيش مع لصوص ويشهد الإله الحى بأنه لن يذهب للتناول ولن يسمح لأحد بالتناول أو حتى بالطعام ما لم يجدوا هذا السارق وذهب الأب الكاهن مع الشمامسة للبحث عن هذا البدرشيل داخل قلايات الإخوة وكان فى ذلك الوقت الإخوة جميعاً موجودين فى الكنيسة، وكان سارق هذا البدرشيل جار لأحد الإخوة ذوى السمعة الطيبة وتقى فى روحه فقال السارق لهذا الرجل: إنى فى مأزق! كم من العذاب سأذوقه!
قال الراهب التقى: لماذا؟
قال السارق: أنا من سرق البدرشيل وهو فى قلايتى داخل جرة نبيذ لأحضر نبيذ من غزة.
قال الراهب التقى: لا تقلق نفسك يا أخى إذهب واحضر هذه الجرة لقلايتى، فذهب السارق وأحضر إناء النبيذ لقلاية الراهب التقى وعندما أتى الكاهن ومعه الشمامسة لقلاية الراهب التقى، فوضع أحد الشمامسة يده داخل الجرة ثم أخرجها وهو يمسك بالبدرشيل المسروق، فصرخ الشماس وهو يقول: لقد تحول الرجل التقى نقى القلب إلى سارق، فذهبوا جميعاً للكنيسة حيث يجلس هذا الراهب وقبضوا عليه وأوسعوه ضرباً ثم سحبوه وطردوه خارج الدير، فأخذ يتوسل إليهم ويقول: إسمحوا لى بالتوبة ولن أفعل ذلك ثانية، ولكنهم قالوا له وهم يقذفوه خارج الدير: لا يمكن أن يكون بيننا لص، فذهب الجميع ليحضروا القداس، وعندما أتى الكاهن ليسحب الستر فلم يتحرك تعجب الجميع وحزنوا لإنه لا يوجد عائق يمنع الستر من الحركة وعندها تنبه الأب إلى السبب وقال لنفسه: ربما يكون السبب هذا الراهب الذى طردناه للتو فيجب علىَّ الذهاب وإحضاره إلى هنا لنعرف السبب، وبالفعل عندما اتى هذا الراهب قاموا بسحب الستر فسُحب بسهولة ويسر، فأدرك أنه قد فدى جار له، ويمكن القول هنا أنه يجب بلوغ هذه القامة الروحية حتى لو كنا بالفعل لا نتكلم بالسوء على الغير أو ندينهم، وذلك حتى لا نبعد بعيداً عن الفرح الذى ينتظر القديسين.
225 - نيسان (10) BHG 1442cb
قابلت أب كاهن غريب كان من بين الآباء حيث قال لنا حكاية رمزية أو مثل على النحو التالى: قام بعض الأشخاص من بلدتى بحفر حفرة ليوقعوا بالأسود ولكن ما حدث أن وقعت فى هذه الحفرة أنثى ثعلب وكان من الصعب على هذه الثعلبة أن تخرج من هذا الفخ المنصوب ثم أتى من نصب هذا الفخ ليلقى نظرة على الفريسة، فقررت الثعلبة بأن تخدع هذا السيد وأن تتظاهر بأنها ميتة، فنزل السيد إلى الحفرة التى صنعها وأمسك بذيل الثعلبة وألقاها بعيداً، فإنطلقت الثعلبة هاربة.
مرت عدة أيام رأت الثعلبة أن ثعلبة أخرى قد وقعت فى نفس الفخ وتحاول الخروج فكانت تتحرك يميناً ويساراً وإلى أعلى ولكنها تفشل فى كل محاولة، فأتت إليها الثعلبة الأولى وقالت لها: لقد فعلت نفس ما فعلته من جهد ومشقة لأخرج من هذا الفخ، ولكن لولا أننى أمت نفسى لما إستطعت الخروج من هنا لذا أيها الإخوة علينا أن نمت أنفسنا حتى نخرج من فخ العالم.
226 - نيسان (12) BHG 1450p
يوجد أربعة طرق مختلفة للخدمة الإجتماعية بسوريا العظيمة، وكان يوجد رجل تقى من محبى المسيح هو المسئول عن تلك الخدمات كما كانت طريقته فى تقديم العطايا ومساعدة المحتاجين هو تقديم الشئ الذى يحتاجه الفرد بالفعل، وكان يقوم بشراء الأشياء التى قد يحتاجها الفقراء، ومن بين هذه الأمور كانت لديه عادة وهى أن يرتدى عدداً من الملابس الكتانية المصرية الصنع ليعطيها لمن فى حاجة إليهم محتذباً بشخص المسيح وإعلانه "كنت عرياناً فكسوتمونى. مريضاً فزرتمونى. محبوساً فأتيتم إلىّ" (مت 25: 36) فأتى أحد المحتاجين إليه وهو يوزع هذه الملابس وأخذ واحدة منهم وكرر هذا الشخص هذا الأمر مرتين وثلاثة، وعلم محب المسيح هذا وخادمه أن ذلك الرجل قد أتى ثلاث مرات وأخذ ثلاث ملابس فقرر أن يتحدث معه، وفى المرة الرابعة وبينما خادم المسيح يوزع العطايا أتى هذا الرجل فإنفرد به الخادم وقال له: أنظر لقد أخذت عطيتك ثلاث مرات وفى المرة الرابعة لم تسمع شئ منى ولكن لن تأتى ثانية فيما بعد فهناك الكثير من الفقراء مثلك ويحتاجون لهذه العطايا فإنسحب هذا الرجل الفقير فى خجل وهو يشعر بالعار، وفى الليلة التالية رأى خادم الرب نفسه يقف فى مكان من أقدس الأماكن ويدعى شيروبيم (Cherubim) ويوجد فى هذا المكان المقدس صورة أيقونة رائعة الجمال تحمل صورة المخلص يسوع المسيح، وأثناء تواجده فى هذا المكان وبينما هو فى حالة من التأمل وإذ بالمسيح قادم إليه من قلب هذه الأيقونة وهو يوبخه ويلومه على فعلته مع الرجل الفقير فصمت المسيح وأزاح عنه ملابس الكهنوت وأراه كم من الملابس التى يرتديها وقال: أنظر واحد.. إثنين.. ثلاث وأربعة ألا تشعر بالخجل، فعندما تقدم هذه الأشياء للفقراء تكون أعطيتنى أنا، فنظر الخادم لنفسه وسقط عند قدمى يسوع وهو يقول: سيدى إغفر لى غلاظة قلبى، فقد أقمت حساباتى تبعاً لحسابات البشر.
بعدما إستيقظ الخادم من نومه فشكر إلهه الذى أظهر له هذه الرؤية ومنذ تلك الرؤية وهو يعطى كل من يطلب كل شئ يطلبه ببساطة وفرح، وقد مجد الجميع الرب عند سماعهم بتلك الرؤية.
227 - نيسان (13) BHG 1450u
أخبرنا الأب القديس ثيؤدور [Theodore of Adana] أنه عندما كان يعيش فى مكان يقرب المدينة المقدسة أتى إليه شخص من إحدى أقاليم آسيا ودخل دير بنثوكلا [Penthoucla] بالقرب من نهر الأردن ويرغب فى رفض العالم وسلك طريق الرهبنة، فقبله رئيس الدير وبعد فترة من التدريب على تقاليد الدير المقدسة قام هذا الشخص بإعطاء الأب كل ما يملكه من ذهب وهو يقول: حيث أننى قد تدربت على قواعد هذا المكان وبسماح من الرب أطلب منك أن تقص شعرى وتمنحنى الملابس المقدسة للرهبنة حتى يمكننى البقاء هنا معك وأرجو منك أن تقبل هذه المساهمة كان رئيس الدير رجل تقى يتمتع بنعمة الرب فلم يسرع بإستلام الذهب من الشاب بل قال له: يا بنى نحن فى هذه اللحظة لسنا بحاجة لهذا الذهب، فنحن كما تعرف لا ننفق الكثير على أنفسنا ولا على متعتنا الشخصية، وكما يحدث فنحن ندبر أمورنا بأقل التكاليف إضافة إلى حياتنا فى البرية، ولكن عليك أن تحفظ وصايا المسيح، فإذهب وأعط هذه النقود للفقراء إخوتك فى المسيح تماشياً مع الوصايا الحقيقية وسوف تجد كنزك فى السماء.
"لا تكنزوا لكم كنوزاً على الأرض حيث يفسد السوس والصدأ وحيث ينقب السارقون ويسرقون، بل إكنزوا لكم كنوزاً فى السماء حيث لا يفسد سوس ولا صدأ وحيث لا ينقب سارقون ولا يسرقون" (مت 6: 19 - 20)
ولكن الشاب أصر وألح عليه وهو يقول: يا أبى لقد رفضت العالم وسوف أمنح هذا الذهب للمكان الذى رفضت العالم فيه، فقال الأب: يا بنى سآخذهم وسوف أهبهم للفقراء فنحن قد تعلمنا أن الراهب لا يكنز لنفسه كنوزاً على الأرض، ولكن هذا الشاب إستمر فى إلحاحه وهو يقول: خذهم يا أبى، وإستخدمهم كما يحلو لك سواء كان ذلك من أجل رفع الفقر عن بعض الفقراء أو لأى أغراض أخرى.
وعندما عجز الأب على تغيير رأى هذا الشاب الراهب قَبِل الذهب وبعد فترة وجيزة قص شعره ورسم راهباً وتعلم قواعد الرهبنة.
تدخلت عناية الرب ولم تسمح للأب بإنفاق الأموال لكنه إنتر ليرى مدى تقدم هذا الراهب ولم يكن أحد يعلم على الإطلاق أن هذا الكاهن يحتفظ بالذهب ولم ينفقه فى بادئ الأمر وفى ذروة الحماس كان الشاب يفى بكل ما يُطلب منه ويراعى القواعد والتقاليد كما يؤدى كل المهام والواجبات التى تعهد إليه بحيوية ودون تردد وبعد مرور بعض من الوقت بدأ الشاب فى التراجع فقد نصب العدو له فخاً فلم يعد يظهر نفس الحماس وأخذ يهمس لنفسه ويتمتم ويقول: لقد أعطيت الكثير من الذهب لهذا الدير، فأنا لا آكل حتى الخبز والذى هو بالمجان هنا وسمع ذلك بعض الإخوة وتأذت مشاعرهم كثيراً وبخاصة الفقراء منهم عندما علم رئيس الدير بهذا الأمر إستدعى هذا الراهب وقال له: ألم تفرض علىَّ هذه الأموال وطلبت منى بإلحاح أن آخذهم؟ ألم تعطينى هذه الأموال لأوزعها على الفقراء؟ أو ربما هناك شئ من سوء الفهم قد وقع بيننا لذلك فأنت متذمر ويؤذى مشاعر الإخوة؟ فلا تسمح بذلك يا أخى لأنه مكتوب "من أعثر أحد الصغار المؤمنين بى فخير له لو طوق عنقه بحجر رحى وطرح فى البحر" (مر 9: 42).
قال الأب هذا للراهب مع التذكير والتحذير له، ولكن الراهب لم يكف عن إجترار هذه الكلمات والأفكار التى زرعها إبليس بداخله، وعندما شعر الأب بأن هذا الشاب لن يحيد عن الطريق الذى يسير فيه.
قال له فى أحد الأيام: تعالى يا أخى هيا نذهب إلى نهر الأردن، فذهب رئيس الدير ومعه الراهب وكانا يسيران على ضفاف النهر وبدأ فى التحدث مع الشاب بخصوص هذا الذهب ثم أحضره له وهو مختوماً كما أعطاه الشاب لرئيس الدير، فقال الأب للراهب: أترى هذا؟
قال الراهب: نعم يا سيدى والخاتم عليها إنها هى يا أبى.
فقال الأب للشاب: خذ الذهب يا بنى، فإذا أردت أن تعطيهم للفقراء كما أوصيتك فأفعل ذلك، وإذا أردت الإحتفاظ به فإحتفظ بها وستدان عليها، فأنا لن أخرق قواعد الدير ولن أؤذى باقى الإخوة أو أغضب الرب من أجل قطع من الذهب، فقد أقبلت إلينا لتخدم كما يفعل باقى الإخوة وكما فعلت عندما كنت فى مثل عمرك ولازلت أفعل حتى يومنا هذا أعمل ما قد يفوق قدرتى.
سمع الشاب هذا الكلام، فإرتمى عند قدمى الأب وهو يقول: إغفر لى يا أبى، لقد أحضرت هذا الذهب لأقدمه للرب فلن أقبله ثانية.
لكن الأب قال له: يا بنى الرب ليس بحاجة لذهبك فكل شئ خلقه ملكه هو فقط يريد الخلاص خلاص الروح، كما أنه غير مسموح لى بأن أحتفظ بهذا الذهب مرة ثانية صمت الراهب لبرهة ثم قال للأب: لن أنهض من تحت قدميك ما لم تعطينى كلمة بأنك لن تغضب منى ولن تجبرنى على أخذ هذا الذهب، فشعر الأب بإصرار هذا الراهب على طلبه فقاله له: إنهض يا بنى وصدقنى فأنا لن أفرض عليك هذا الذهب كما لن أحتفظ به ثانية، فنهض الراهب من على الأرض، فأراد الأب حل هذه العقدة فقال للراهب: هذه هى القطع الذهبية يا بنى فقال الراهب: لقد وعدتنى يا أبى أنك لن تقل لى شيئاً عنهم... إبتسم الأب وقال: لا يا بنى لن أتحدث بشأنهم، وقام بإلقاء هذه القطع الذهبية واحدة تلو الأخرى فى النهر أمام عينى الراهب وقال له: لقد تعلمنا من شخص المسيح أن إمتلاك مثل هذه الأشياء أمراً باطلاً تعالى معى للدير وإعمل بجد مع باقى الإخوة ولا تخجل من أى عمل يعهد إليك، ويجب أن تضع فى حسبانك أن ذلك العمل وهذه الخدمة من أجل المسيح.
"لأن إبن الإنسان لم يأتى ليُخدم بل ليخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين" (مر 10: 45)
أدرك الراهب نوايا الأب الطيبة كما نال أعظم شرف وهو مخافة الرب كما تعلم أروع الخصال مثل التواضع والطاعة لكل شخص وبعدها أصبح بنعمة المسيح وكما هو مكتوب فى أعمال الرسل إناء مختار.
"فقال له الرب قم إذهب لأن هذا لى إناء مختار ليحمل إسمى أمام أمم وملوك وبنى إسرائيل" (أع 9: 15).
228 - ميونى (1)
قال أحد الآباء الآتى: كان هناك دير بالقرب من مدينة نيسبيس [Nisbis] كان رئيس الدير هذا رجلاً رائعاً كما كان كل أفراد الدير يعملون فى بذر الحبوب وجنى الشعير والذى كان يكفيهم ويكفى الأديرة الأخرى المجاورة لهم، وفى ذلك الوقت أتى أحد المسئولون فى مهمة دبلوماسية من فارس [Persia] وقابل الراهب المسئول عن الدير وتهذب بتعاليمه ثم منح الدير ثلاثون قطعة من الذهب إبتهج الإخوة فى الدير بهذه العطية، ولكنهم لم يعبروا إهتمام لمن ستكون هذه العطية بدأوا فى زراعة الشعير كما إعتادوا ولكن فى العام الأول لم تطرح الأرض شيئاً، فإنتظروا للعام الثانى فلم تطرح العام الثانى ولا الثالث، فذهب هؤلاء الإخوة للأب المسئول عن الدير وقالوا له: ماذا نفعل الأن؟ فقد بارت الأرض ولم تعد تطرح أى شعير كما كانت من قبل، فقال الراهب العظيم: خذوا الثلاثين قطعة ذهبية فهى سبب عدم طرح الأرض لأى ثمار، إذهبوا وقوموا ببيع هذا الذهب وأعطوه للفقراء (مت 13: 44، مت 19: 21، مر 10: 21، وغيرهم) فعل الإخوة ما طلب منهم الكاهن وبعدها فاض المحصول الأرض حتى زاد عما سبق، فمجدوا الرب جميعاً.
229 - ميونى (2) BHG 1322b
حكى لنا أحد الآباء عن رجل محب للمسيح إسمه مارتيروس [Martyrios] وكان هذا الذى حكى لنا تلك القصة كاهن ناسك عظيم مملوء نعمة: ذهبنا لزيارة المُعلم مارتيروس وعندما طرقنا بابه ودخلنا إليه ورحبت بنا زوجة العظيم عندما علمت من نحن وذهبت للكرمة لتستدعى زوجها جاء الزوج وعانقنا ورحب بنا ترحيباً عظيماً وقام بغسل أرجلنا ثم صعد بنا للحجرة العلوية وأعد مائدة الطعام، فكان الرجل مملوء بحب المسيح وعندما إنتهينا من الطعام أتت الزوجة بإبنها ووضعته بالقرب من باب الحجرة العلوية حيث نجلس للحصول على قس من الراحة، ولكن الطفل لم يحصل على بركة ما بل تأثر بكيد العدو إبليس فسقط الطفل من أمام باب الحجرة العلوية على الأرض ومات على الفور، فقد كان والده ينحنى نحو باب الحجرة ليقدم لنا الأشياء التى تأتى بها زوجته، فنظر الوالد إلى أسفل فوجد إبنه بلا حراك، لكنه لم يحزن ولا حتى زوجتهن فطلب من زوجته أن تأتى وعندما رأت الطفل ميتاً أخذته ووضعته فى سريره، فتناول والد الطفل الطعام معنا وشرب معنا وهو مبتسم وعندما إنتهينا ورغبنا فى الإنصراف، وعدتنا هذه الأسرة وصلى أن يحمينا الرب أثناء السفر، وعندما صلينا معاً صلاة شكر طلب الوالدين من الكاهن أن يذهب ويصلى للطفل حيث أن رائحة جسده بدأت تفوح فى المنزل، فذهب الكاهن ورشم الصليب على الطفل وإنطلقنا جميعاً.
مرة عدة أيام ورجعنا لزيارة نفس الأسرة فوجدنا الوالدين مغمورين بالفرح العظيم ونظرنا للأم فوجدناها تحمل الطفل فمجدنا الرب جميعاً الذى وهب الطفل الحياة مرة ثانية وحمل الوالد إبنه وقال: لقد فارق هذا الطفل الحياة ولكن بصلواتكم أعاده لنا الرب وروى علينا القصة بالكامل بكل تفاصيلها فذهبنا نحمل الطفل وشكرنا الزوج والزوجة، وقد قيل عن هذا الطفل عندما أصبح رجلاً أنه كان رجل الله.
230 - ميونى (3) BHG 1443z
قال أحد الآباء أنه قد رأى شيئاً غريباً أثناء تواجده بالقسطنطينية [Constantipole] أنه كان هناك رجلاً تقياً يحب المسيح إسمه كريستوفر [Christopher] وكان يخدم فى القصر المعروف بإسم نظام الحماة [Regiment of the Protectors] فكان كريستوفر يؤدى واجبه النظامى طوال النهار ولا يذوق الطعام قط حتى غروب الشمس وفى المساء يتخذ أحد الأركان ليتناول بعض الخبز الجاف وبعض الخضروات المسلوقة والقليل من الماء ليشربه، فقد كان سعيداً وراضياً بحياته هذه، وكان يرفض أن يذوق أنواع الطعام الشهية ذات النكهة الذكية، وبالنسبة لملابسه فقد كان يرتدى رداء من الشعر من الداخل ولكن من الخارج فكان يرتدى زياً فاخراً لكى يخفى ذلك عن الناس، وعند الإنتهاء من عمله وبعد أن ينصرف مرؤوسيه يذهب لأحد من الذين يعملون فى صياغة الفضة حيث كان من أحد أقاربه ويطلب منه إعداد ثلاث أكياس الأول يملأه بالجنيهات الذهبية والثانى بقطع فئة نصف الجنيه والثالث بقطع فئة ثلث جنيه ذهبية ويذهب بمفرده إلى الأورقة والسجون ويبقى الليل بأكمله يعطى من يسأله، وفى إحدى الليالى وهو منخرط فى عمله الليلى بتوزيع العطايا مر على إحدى القلايات فدخل واخرج بعض أموال وطلب بإلحاح من الراهب الذى بالقلاية أن ينهض ويقبل هذه العطية ولكنه لم يرد عليه، فرفع كريستوفر صوته لعله يسمعه ولكن لم يكن هناك أى جواب، فقام بلمسه فعرف أنه ميت، فذهب كريستوفر إلى أحد المحال القريبة وطلب من البائع أن يعطيه شعلة وإناء كبير به ماء حتى يغسل الراهب المتنيح، وأعطى هذا البائع ثلث جنيه ذهبية، وذهب كريستوفر إلى بائع الأكفان ليحصل على ما قد يحتاجه ليكفن هذا الراهب ثم قام بدفع قيمة هذا الكفن، وبالمثل حصل على حذاء للقدم وشموع وملابس الدفن كما كان التقليد فى هذا الوقت وأضاء كريستوفر الشموع ووضع قطعة من الذهب على صدره، ثم قال للراهب الميت: قم وأعطى لى تحية من أجل محبة المسيح، فقام الرجل المكفن وعانق كريستوفر ثم رقد ثانية، وعندما رأى صاحب المحال هذا أخذ يرتعش وكان أن يموت رعباً ثم هرب بعيداً، وبعدها أذاع هذا الرجل تلك القصة المعجزية فى كل أنحاء المدينة.
231 - ميونى (4) BHG 1448z
كما توجد رواية أخرى تتعلق بكريستوفر يقال: عندما خرج كريستوفر فى أح الأيام للصلاة فى أديرة الصلاة وإتجه إلى بوابة شوك القصر [Chalke gate] حيث كان بالداخل مكان مقدس للغاية يسمى فليترو المخلص [Phletro of the Saviour] ذى بوابات برونزيه، فدخل كريستوفر ليصلى ففتحت البوابات من تلقاء نفسها، فصلى وخرج كما لو كان طيفاً، ولكن عندما إستيقظ الموجودون المكان ووجدوا الأبواب مفتوحة تعجبوا ولكنهم خشوا فقد أى من المقدسات كما شعروا أنهم كحراس فى خطر فقد راقبوا المكان بجد ويقظة ليكشفوا الأمر، فوجدوا أن التفسير الوحيد لما حدث هو ذلك الشخص السابق ذكره (كريستوفر) فذهب هؤلاء الحراب للبطريرك وأخبروه بما حدث، وفى حالة من الإندهاش لم يستطع البابا تصديق ما يقال إلا عندما ذهب فى سرية وأخذ يراقب الرواق بنفسه، وقد رأى بعينيه كريستوفر يدخل كالطيف، وهنا إقتنع البابا ومجد الرب، ولم يدع أحد لا يؤمن بتلك المعجزة والتى قد تفوق العقل والمنطق، وهنا نتذكر داود النبى والذى قال:
"يعمل رضى خائفيه ويسمع تضرعهم فيخلصهم" (مز 144: 19).
232 - ميونى (5) BHG 1442m
قال لنا شخص ما يحب المسيح حباً جماً أنه فى أحد الأيام أتت إمرأة إلى أحد كنائس القسطنطينية وكانت تصلى بصوت دوى حيث تنهمر الدموع من عينيها وتقول: أيها الرب لقد آذيتنى وإستمرت فى قولها هذا لعدة مرات، وفى أحد المرات تصادف تواجد شخصية عامة رجل ذو نفوذ بالكنيسة وكان يصلى هناك فى نفس الوقت وفى نفس المكان، فملأه الفضول وأراد أن يعرف لماذا تصلى هذه المرأة هكذا؟ وعندما توقفت عن بكاءها أتى إليها هذا الرجل وقال لها: أستحلفك بمحبة المسيح أن تخبرينى لماذا تقولين هذه الأشياء عندما تصلى؟ ورجائى فى الرب فإذا قلت لى ما هو الأمر؟ وسأحاول مساعدتك بكل ما أملك من قوة ونفوذ، وكان الرجل يعتقد أن هذه المرأة فى حاجة شديدة وفقر مدقع أو تحت ظلم أو قمع ما، وعندما شعرت المرأة أن كلامه هذا ينطوى على الجدية، فتحدثت معه منفردة وقالت: يا سيدى أنا إمرأة وكنت متزوجة ولكن زوجى توفى منذ فترة وتركنى أرملة، وأنا الآن أرى أن جسدى يهاجمنى ويدفعنى للزنا من أحد الرجال، وهذا سبب مناداتى للرب حتى يخمد هذه الرغبة ويطفأها، فأنا لا أريد أن أختبر الزواج من زوج ثان، قالت المرأة هذا الكلام لهذا الرجل وإنصرفت إلى منزلها، تعجب الرجل مما يسمعه ولكنه أراد أن يعرف المزيد فأرسل أخد خدامه ليتتبع هذه المرأة ليعرف أين تسكن؟ وبالفعل تتبعها الخادم وعرف بيتها ووضع علامة عليه حتى يسترشد بها، وبعد فترة أرسل هذا السيد الخادم ليعرف أخبارها، ولكن الخادم وجدها وهى تعانى المرض الشديد والحمى وترقد فى سريرها تئن، فرجع الخادم وأخبر السيد بما يحدث وعندما علم السيد تعجب من عفة هذه المرأة ومجد الرب.
233 - ميونى (6) BHG 1442mb
كان هناك ناسك عظيم نرى ثمار الروح القدس فى خصاله كان يتضرع للرب قائلاً: أيها الرب أريد أن أعرف ما هى أحكامك؟ وداوم على الصلاة هكذا ومارس التقشف بأقصى درجاته متضرعاً لله ليجيب على تساؤلاته، لكن الرب أفهمه أن هذه الأمور ليست ممكنة للإنسان ولكن الراهب الناسك لم يتوقف عن إلحاحه ولجاجته بالمزيد من الصلاة والتقشف فى الحياة، فأراد الرب أن يختبر هذا الناسك الصالح فسمح بفكرة ما أن تأتى لذهنه وهى زيارة راهب ناسك آخر يبعد عدة أميال عنه، فإرتدى هذا الناسك ردائه وإستعد للرحيل وحينئذ أرسل الرب ملاكاً فى زى راهب والذى قابل هذا الناسك فى أثناء رحلته وقال له: ايها الأب الصالح إلى أين ستذهب؟
فأجاب الراهب الناسك قائلاً: لزيارة الراهب الناسك وأشار لمكان الراهب الناسك، فقال له الملاك المتنكر: وأنا ذاهب أيضاً لهذا ا لراهب الناسك لأراه دعنا نسافر سوياً، وفى أول أيام سفرهم مراً على أحد الأشخاص من محبى المسيح، فأحسن إستقبالهم كضيوف لديه وقدم لهما الطعام فى صحن من الفضة، وعند إنتهائهم من تناول الطعام أخفى الملاك هذا الصحن فإنزعج الراهب الناسك مما فعله ولكنهما أكملا سوياً الرحلة، وفى اليوم التالى تقابلا مع رجل آخر يحب المسيح ورهبانه، فقام هو الآخر بإستقبالهم فى منزله كضيوف كما قام بغسل أرجلهم وعانقهم، وفى اليوم التالى أحضر هذا الرجل إليهم إبنه الوحيد ليأخذ بركتهما، ولكن الملاك قبض على عنقه فخنقه جن جنون الراهب مما يفعله هذا الراهب ولكن لم يتلفظ بكلمة واحدة، وأتى اليوم الثالث من الرحلة وهما فى طريقيهما للراهب الناسك وقد قطعا مسافة طويلة دون أن يقابلا أحداً ولا أحد يعرض إستضافتهما، ولكنهما أخيراً وجد مسكن فى قلب الصحراء جلسا تحت ظل سوره وأخذا فى تناول بعض الخبز الجاف الذى أحضره الراهب معه، وأثناء تناولهم هذا الطعام رأى الملاك أن هذا السور على وشك الإنهيار، فقفز الملاك حتى لا ينهار عليه السور، وبدأ فى تجميع الأحجار ليعيد بناءه، ولكن الراهب كان قد فاض به الضيق فصرخ فى وجهه وقال: هل أنت شيطان؟ أخبرنى من أنت؟ فالأشياء التى تفعلها ليست من طبيعة الإنسان أن يقوم بها، فقال الملاك: ماذا فعلت؟
قال الراهب الناسك: أمس عندما إستضافنا أحباء المسيح، فأنت لم تخفى الصحن الفضى للأول فقط بل أيضاً خنقت إبن الثانى، وحتى هنا لا يوجد مكان للراحة ومع ذلك تبذل الجهد الجهيد كما لو كنت عامل هنا، فقال له الملاك: أنصت إلىّ الرجل الأول الذى إستضافنا نحن الإثنين كان يحب المسيح وقد جمع كل ممتلكاته بطريقة لا تغضب الرب ولكن هذا الصحن الفضى قد ورثه من رجل غير عادل، فأخفيت هذا الصحن حتى لا يفسد عمل هذا الرجل الصالح فى مقابل ذلك، والآن فقد أصبح تاريخه مع الرب نقى أما بالنسبة للرجل الآخر والذى إستضافنا نحن الإثنين فقد كان رجلاً رائعاً وكان لديه طفل حى ولكنه كان سيصبح أداة يستخدمها الشيطان حين يكبر وقد يفسد عمل والده، فخنقته حتى أضمن الخلاص للأب وأيضاً ليكون تاريخه مع الرب طاهر ونظيف، فقال الراهب للملاك: وماذا عن عملك هنا؟
أجاب الملاك وقال: مالك هذا المكان بمثابة البلاء أو الوباء الذى متى يتفشى يؤذى الكثير من الناس، فهو مدفون تحت هذا السور حتى لا يحدث ذلك، فعندما بنى الجد الأكبر لصاحب هذا المكان المنزل وضع الكثير من الأموال بين الحجارة التى إستخدمها فى البناء، فأنت رأيتنى أرمم هذه البناية حتى لاأسمح لهذه الأموال بأن تؤذى العديد من الناس وبذلك منعت هذا الوباء من الإنتشار، والآن أذهب لقلايتك وكما يقول الروح القدس:
"عدلك مثل جبال الله وأحكامك لجة عظيمة" (مز 36: 6).
وإذ بالملاك يقول هذا القول للراهب ويختفى على الفور، فرجع الراهب الناسك لرشده وذهب إلى قلايته يمجد الرب يسوع المسيح.
234 - ميونى (7) BHG 1442f
عندما نختار بإرادة تامة أن نهجر وصايا الله نتحول إلى الخطية، فخير ما يحدث لنا هو أن نرى هذه الخطايا أمام أعيننا ونرى كم أصبحنا عبيد ورعايا لإبليس، فقد أصبحنا غرباء فى الأماكن المقدسة كعقاب عادل من قبل الرب للخطاة، وعندما سقطت أورشليم وكل المدن المحيطة بها فى يد الفرس فى الخامس من مايو سنة 614م حدث شئ مهم يجب أن يدون كتابة ما حدث فى مدينة أورشليم، ولقد سمعنا بهذا الحديث ليس فقط من شخص واحد بل من العديد من الأشخاص، فعزمنا على أن ندونه لنتهذب به ولنحذو حذو هؤلاء الذين عشقوا البتولية والطهارة.
عندما حاصر العدو المدينة وقام بذبح الألوف بل عشرات الألوف من الشعب وإنتهى الأمر بدخول كنيسة قيامة السيد المسيح إلهنا والأماكن المقدسة الأخرى، وكانت هذه الأماكن هى الملاذ الوحيد للعديد من الناس وخصوصاً المذبح المقدس لكنيسة القيامة، ولكن عندما إقتحم الفرس المكان ووجدوا هؤلاء قاموا بذبحهم جميعاً دون رحمة أو شفقة ولكنهم إستثنوا كل من كان حسن الطلعة من الأطفال من الأطفال والعذارى، وبعد إنتهاء المذبحة وشعور الجنود بالإنتصار والحرية بدأوا فى إحتساء الخمر إحتفالاً بالنصر كما كانوا يخططون لإرتكاب الخطية مع الأسرى من العذراى، ودفعهن للهلاك فكانت هناك إحدى خراف المسيح وهى عذراء شديدة الإرتباط بشخص المسيح، فكانت تنظر إلى خدام الرب وهم يتلقون العذاب ويتألمون كما تألم داود وقال:
"رأيت الغادرين ومقت لأنهم لم يحفظوا كلمتك" (مز 119: 158)
فقررت أن تترك نفسها تذبل جوعاً، فبقيت لمدة خمسة عشر يوماً لم تذق الطعام قط أو حتى الشراب، فقد كانت لديها من الإرادة القوية ما يكفيها للقيام بذلك، أهلكت ما بقى لها من قوة فى البكاء الذى لا ينقطع والنحيب، فكانت تلك العذراء أكثر العذارى جمالاً، ولذلك فقد إختارها من قام بأسر العذارى لتكون له وقام بممارسة كل أنواع الضغوط عليها لتفعل كما فعلت غيرها من العذارى، ولكنها كانت تمقت مجرد الإشارة إلى هذا الهلاك الروحى، فهو حقيقى بالفعل ما قاله الرب:
"لأن كثيرين يدعون وقليلين ينتخبون" (مت 22: 14)،
وعلى الرغم من أن جميعهن عذارى إلا أنهن لسن جميعهن من بقين على العهد مع الرب، وحيث أنهن كن يتناولن طعامهن وشرابهن وقتما يردن ويساندون موقفهن وما وصلن إليه، فقد سعين لإقناعها لتفعل ما فعلن من قبل ولكنها كانت تعلن إصرارها على موقفها بالبكار والأنين، ولكن عندما علم بذلك الشخص الذى يريدها جن جنونه ولكنه صبر عليها وكان الذى يشفع لها هو جمالها الأخاذ، وفى إحدى الليالى ذهب هذا الشخص وتناول الخمر مع بعض الفارسيين وبعض العذارى (غير المستحقات لهذا الإسم) فدفعه الشيطان إلى جب شهوانى تجاه تلك الفتاة، فطلب منها أن تأتى وتجلس للعشاء معه، ولكنها رفضت بشدة فأمر الرجل خدامه بأن يأتوا بها عنوة، فأتت الفتاة وبالرغم من تواجدها بجواره على مائدة الطعام إلا أنها رفضت تناول أى شئ، وأسرف الرجل فى شرب الخمر حتى إشتعلت رغبته فيها، فترك الرجل جميع الموجودين وطلب منها أن تصاحبه لفراشه ولكنها رفضت فبدأ فى التعامل معها بشكل يتسم بالقسوة والإهانة ولكنها رفضت رفضاً قاطعاً عندئذ قرر الرجل أن يأخذها معه فى ساعة متأخرة من الليل لأحد الأبراج وأوقفها هناك أعلى قمة البرج، وسألها ما إذا كانت ستوافقه على رغبته أو لا؟ فرفضت العذراء هذا الطلب بإزدراء شديد وبغض حتى لصوت الرجل، وهنا تحول هذا الرجل إلى وحش قاسى، فسحب سيفه وبدأ فى تعذيبها بعنف يعجز الإنسان عن وصفه وهو يحثها على فعل الخطية معه، ولكن هذه العذراء القديسة بقيت تقية ومخلصة لعهدها مع الرب، وبعدما طعنها هذا الرجل العديد من الطعنات وكان يسألها نفس السؤال ويتلقى نفس الإجابة وهى تنزف من جميع أجزاء جسمها، فأمر الرجل خدامه بقذفها من أعلى البرج، فإن ما حدث فى هذه الساعة هو أنها حاربت بإستبسال حتى أسلمت الروح وصعدت روحها الطاهرة إلى السماء لتنال إكليل المجد من الرب يسوع المسيح.
235 - ميونى (8)
كان هناك رجل وإمرأة من العالم لديها إبنة بداخلها روح شريرة وكانت هذه الفتاة تعانى كثيراً من هذا الروح فذهب والديها هنا وهناك وزارا العديد من الأديرة ومختلف الرهبان والنساك ولكن الإبنة لم تشفى، وأخيراً نصحهم أحد الرهبان وقال لهما: إذا أردتما ان تشفى إبنتكما فإذهبا إلى البرية، فهناك الكثير من القديسين وصدقونى إذا صلى هؤلاء القديسين للفتاة ستشفى على الفور إستمع الرجل وزوجته لكلام الراهب وإنطلقا نحو البرية يبحثا عمن يشفى إبنتهما، وهما فى الطريق رأوا رجلاً شاباً يأتى من ناحية الصحراء، فرح الجميع وقالوا: أنظروا فقد أرسل الرب أحدهم لنا فلن نضطر للذهاب إلى البرية، وعندما إقترب الرجل منهم إرتمى الوالدين ومعهما الطفلة تحت قدمى هذا الرجل وهم يتوسلون إليه بقولهم: هذه الطفلة الصغيرة قد أذيت بروح شريرة، فمن أجل محبة المسيح صلى منأجلها، فقال الرجل: يا سادة أنا لست من هؤلاء القديسين الذين تبحثون عنهم أنا إنسان خاطئ، فإزداد الوالدين فى إلحاحهم وتوسلاتها إليه قائلين: من أجل المسيح لا تتحدث هكذا، وأظهر القليل من الشفقة على هذه الطفلة وصلى لها، وكان هؤلاء الناس يعتقدون أن كلام هذا الرجل نابع من تواضعه لذلك كلما زادوا من توسلهم إليه وزاد الرجل من إصراره على أنه ليس ذلك القديس الذى يبحثون عنه، ولكنه أمام ضغطهم ولجاجتهم رق قلبه، وأخرج كتاب من أسفل إبطه وقال وهو يؤكد: لقد سرقت هذا وأتيت إلى هنا وعندما قال هذه الكلمات خرج الشيطان هارباً من عدم قدرته على تحمل توبة هذا الرجل، كما زاد إيمان الوالدين بقداسة هذا الراهب وشفاعته.
236 - ميونى (9)
قال الأب إرينيؤس [Irenaeus] للإخوة فى الدير: هيا بنا نحارب بكد وجد وطول أناة فنحن جنود ملك السموات كما أن هناك جنود لملوك الأرض: هم يرتدون خوذة على رؤوسهم، ونحن لدينا الإكليل، هم يضعون على صدورهم دروع من المعدن، ونحن نضع أسهم روحية مصقولة بالإيمان، هم لديهم أسهمهم، ونحن لدينا صليبنا، هم يحتمون بالدروع الواقية، ونحن عزاؤنا الرجاء فى الرب، هم يضعون التروس لصد العدو، ونحن لدينا الرب لصد الشرور عنا، هم تراق دمائهم هباء فى الحرب، ونحن ننال شرف الشهادة فى تراجعهم فى المعركة الكثير لا يصلى على الإطلاق وإن صلوا فصلواتهم متقطعة بل ما هى إلا أفكار تدور فى رؤوسهم لهم صلواتهم لكن يصلون بشفاههم فقط ولكن قلوبهم متجهة للعالم.
أما نحن ففى ويلاتنا نصلى بكل كياننا ولا نرنم بشفاهنا بل بقلوبنا نصوب أعين قلوبنا نحو الرب نتكلم معه بأرواحنا لذلك هيا بنا أيها الآباء نتمثل بجنود الملوك الأرضيين ولكن بطريقتنا نحارب بحماس وإستبسال بل هيا نتمثل بالثلاثة فتية (دا 13) ونطفأ لهيب العواطف بطهارتنا هيا نخمد نيران الإغراءات بالصلوات هيا نجلب العار واللعنات على الشيطان هيا نقدم أجسادنا ذبيحة حية للرب هيا نقدم للرب عقول وضمائر خالصة، كالذبيحة الخالصة.
237 - ميونى (10)
سأل أحد الإخوة أحد الرهبان وقال: ما هو العمل الروحى الذى يجب علىّ عمله إذا رأيت شخص ما يخطئ هل أبغضه؟ أو إذا سمعت أن هناك شخص ما لا يهتم بالرب أو بالروحانيات هل أدينه وأفقد روحى؟
أجاب الراهب قائلاً: عندما تسمع ذلك إبعد نفسك على الفور من هذه الأفكار بل وإبدأ فى تذكر يوم الدينونة وأنظر بقلبك وذهنك إلى كرسى الرب القاضى العادل أنهار النيران، وهؤلاء الناس الذين أدينوا أمام محكمة الرب تذكر المياه الحارقة التى تصب على الخطاة، وأعمال السيوف فى الرقاب العذاب الذى لا نهاية له، والليلة المظلمة الظلام الخانق، والسهام المصوبة والقيود التى لا تنكسر وصرير الأسنان والعويل والنحيب الذى لا ينتهى فكر فى هذه الأمور وفى الدينونة التى لا مفر منها، فالقاضى لا يهتم بالذين يوجهون التهم أو الشهود أو الحجج أو الشهادات لكن يهتم فقط بالذى تم بالفعل، فيجب أن نضعه صوب أعيننا وأعين كل من يقع فى الخطية، فالكل سواسيه أمامه من قام بعمل شئ سيحاسب عليه فلا توجد أفضلية لا لأب ولا أم ولا إبنة ولا إبن ولا قريب ولا جار ولا صديق ولا معارف ولا ذوى الجاه ولا لأصحاب السلطة، فكل هذه الأمور لا تؤخذ فى الحسبان، ومن سيدان سيدفع ثمن أفعاله فلا يمكن لأحد أن يدين عملاً فعلاً آخر، بل عليه فقط أن ينظر لأعماله هو، إعلم ذلك يا بنى فلا تدين أحداً ولا تنزعج إذا توقفت عن التفكير فى الآخر.
238 - ميونى (11) BHG 2102d
أخبرنا الأب بطرس [Peter] أحد تلاميذ الأب أشعياء [Isaiah] الآتى: عندما كنت فى دير الأب مكاريوس ومعى الأب أشعياء أتى إلينا بعض الناس من مكان يبعد عن الإسكندرية حوالى ثمانية عشر ميلاً، وكانت بصحبتهم عذراء طاهرة ولكن كان هناك روح نجس يسكن بداخلها، فتوسلوا هؤلاء الناس للأب حتى يشفى هذه العذراء، وعندما نظر الراهب إليها وهى تتألم بشدة قام برشم الصليب على جميع أجزاء جسدها، وبدأ فى توبيخ هذا الشيطان الذى بها ولكن الشيطان أجابه قائلاً: لا يمكننى الخروج منها فقد دخلتها عنوة وضد إرادتى فزميلك وصديقك دانيال هو الذى تشفع بالرب وأرسلنى إلى جسد هذه الفتاة.
فقال الراهب: ما هى الأشياء التى تجعلها تقوم بها؟
قال الشيطان: لقد أصبحت أداة أستخدمها، وقد علمتها أن تذهب إلى الحمامات العامة وأن تتزين دون خجل أو حياء لكل رجل تقع عيناها عليه وتجمل من نفسها حتى إستطعت بها أن أسقط الكثير من الفتيان بالنظر إليها ويقعوا فى شباكها، وكنت أدفعهم بقوة لممارسة الخطية معها ولم يتم ذلك بعد موافقتهم على قبول أفكارى الدنسة، وكنت أصور لهم هذه الأفكار كل مساء وأضعها أمام أعينهم حتى يتم السقوط فى خطية الزنا بالكمال، وفى ذلك الوقت هناك رجل وقور طاعن فى السن رآها وهى تغتسل فى أحد الحمامات العامة وعند رجوعها لمنزلها صلى دانيال للرب حتى تخلص روحها وترجع لصوابها وأيضاً من أجل الراهبات الأخريان اللاتى يعشن حياة التقوى وحتى لا يتأثرون بها لذلك فقد سكنت بداخلها، فعندما سمع الراهب ذلك قال: من يُسلم حياته للرب فهو يخلص، فأرسلهم للأب دانيال حتى يصلى لها.
239 - ميونى (12) BHG 1076k
كان فى القسطنطينية رجلاً يهودياً يعمل فى حرفة نفخ الزجاج كان لديه زوجة وإبن صغير، فأرسل إبنه للمدرسة ليتعلم كتابة الخطابات كانت هذه المدرسة بالقرب من أحد الكنائس وهى كنيسة القديسة صوفيا [Saint Sophia] كان هناك احتفال كبير كما كانت الموائد مليئة بالطعام، فارسل أحد مسئولى الكنيسة إلى المدارس المجاورة ليحضر التلاميذ ليتناولوا من القربان المقدس والإشتراك فى هذه الإحتفالية العظيمة، فهذهب الأطفال المسيحيين للكنيسة فتبعهم الطفل اليهودى وتناولوا جميعاً من القربان المقدس وقام المسئولون فى المدرسة بصرف التلاميذ، وكان فى ذلك الوقت الأب اليهودى قد ترك عمله وذهب للبيت، وعندما تأخر الولد عن الحضور سأل الأب زوجته عن إبنهما، فأدركت الأم أنه بالفعل تأخر فبدأت تسأل الجيران حتى وصل الطفل فسألته والدته: لماذا تأخرت يا بنى؟
قال الولد: ذهبت للكنيسة العظيمة وأكلت وشربت هناك من القربان المقدس، فجن جنون الأب عند سماعه ذلك، ولكنه إلتزم الصمت حتى فرغ من تناوله للطعام، وبعدها أخذ الطفل وذهب به لمحله وبدأ يسأل ماذا فعلت بالضبط؟ فقال له إبنه: لقد تناولت القربان المقدس هناك فقبض الأب على إبنه بغضب وقذف به داخل الموقد الذى يستخدمه فى حرفته وأغلق بابه، وبعدها ترك المحال وإنصرف رجع الزوج للمنزل فلاحظت الزوجة بعض الغيوم وحيث أن الوقت كان ظهيرة، فوضع الرب فى قلب الأم بعض القلق على إبنها وشعرت أن هذا الزوج الغاضب قد فعل شيئاً ما بالولد، فأسرعت الأم للمحال وكسرت بابه ثم سمعت صوت إبنها داخل الموقد ففتحت باب الموقد وأخرجت إبنها وعانقته وقالت له: من الذى وضعك هنا؟ قال الطفل: أبى.
فقالت الأم: لكن كيف لم تحترق بداخل هذا الموقد يا بنى؟
فقال الطفل: أتت إلىَّ العذراء العظيمة بردائها القرمزى وأعطتنى ماء وقالت فى لا تخف.
شوش هذا الأمر ذهن المرأة، فحملت طفلها وتوجهت نحو بطريرك الكنيسة العظيم ميناس [Menas]، وقالت له ما حدث بالفعل لإبنها، وسألته هل يمكن لها ولإبنها أن يصبحا مسيحيين؟ إندهش البابا مما يسمعه وأخذ المرأة وطفلها للإمبراطور القديس جوستنيان [Justinian] الذى يحب الرب حباً عظيماً، والذى قام بأمر الرجل اليهودى بالإبتعاد عنهما، وحثه على المسيحية ولكن بسبب رفضه وتعنته أمر الإمبراطور بوضعه فى الموقد وقال له: كما فعلت مع إبنك سيحدث لك.
ودخلت الأم الدير وأصبحت راهبة عظيمة وأصبح الطفل شماس فى الكنيسة، ومجد الجميع الرب يسوع المسيح الذى يفتقد الجنس البشرى ويصنع العجائب لخلاصهم.
له المجد من الآن وإلى الأبد وفى كل الأزمان... أمين
[39] - يلاحظ فى تلك القصة لم يذكر أسماء المفكرين ويفترض أن أسماءهم كانا (جون وسوفوريوس).
[40] - وهى منطقة تقع فى مكان أكثر إنخفاضاً من نهر الأردن وكان من يعيش بها يدعى سوبيتس (معلومة غير مؤكدة)، كما كان هناك ثلاث أديرة.
[41] - أنشئ هذا الدير عام 425م على جبل في صحراء جدة، وكان على قمة نفس الجبل كان هناك دير يدعى كاستيلم Castellium وكان النساك يعيشون داخل كهوف.
[42] - وحدة قياس المسافات ولكنها غير معروفة بالضبط تعادل كم متر أو كم بوصة.
[43] - هى الخالصة الآن وتوجد عند صحراء بيرشيبا، كان هناك دير وكما أيضاً كان هناك أسقف.
[44] - بنى هذا الدير فى عامى 492 - 493م على أنقاض سجن هيروديان فى هيركنيا.
[45] - يمكن أن يدعى أيضاً سباس وقد أشير له من قبل فى 1، 2.
[46] - دير القديس شاريتون أو سوكا [Chariton or Souka] والذى بناه فى منتصف القرن الرابع.
[47] - السلطة المدنية أو Civil authority وهى نوع من السلطة اللاتينية.
[48] - حكاية الأب أنستاسيوس Anastasios فى دير جبل سيناء العظيم.
[49] - Bibiotheca Hagiographica Graeca.
[1] Histoire des solitaires.
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.