القصص من 51-100

القصص من 51 - 100

51 - حياة الأب جوليان المقيم فى الدير المصرى

فى أنازربوس مطرانية سيليزيا سيكوندا [Anazarbos the metropolis of Cilicia Secunda] والتى تقع على بعد عشرين ميل من الدير المصرى أخبرنا الآباء هناك أنه منذ خمس سنوات تنيح أحد الرهبان الصالحين ويدعى الأب جوليان [Julian]، ونحن نشهد أنه قد أمضى حوالى سبعين عام فى كهف صغير وأنه لم يكن لديه أى أمتعة خاصة غير رداء مصنوع من الشعر وعباءة والكتاب المقدس وإناء خشبى، وكما قال الآباء أيضاً عن الأب جوليان أنه طيلة حياته لم يضئ أى مصباح ليحصل على إنارة بل كان يستمد إنارته طوال فترة الليل من ضوء القمر الآتى من السماء فكان بالنسبة لى كاف لقراءة أى مكتوب قد يأتى إليه.

52 - الأب إلياس المتوحد

قام أحد الرهبان بزيارة إلى الأب إلياس [Elias] المتوحد فى كهف الأب ساباس [Sabas] وقال له: يا ابانا إعطنى حكمة أستنير، فقال له الأب إلياس: فى الماضى كان آباؤنا يتحلوا بثلاث صفات هى: التقشف والتواضع والعفة أما رهبان هذه الأيام يتصفون بالجشع والشره والتهور، فإختار اى الطريقين تريد السير فيه.

53 - الأب سيرياكوس

أخبرنا الأب ستيفان تريكيناس [Stephan Trichinas] عن أب صالح يدعى سيرياكوس [Cyriacos] وكان يعيش فى دير الأب القديس ساباس، وفى أحد الأيام ذهب الأب سيرياكوس إلى مدينة كوتيلا [Coutila] وأقام هناك لفترة بجوار البحر الميت، ثم قرر العودة إلى قلايته فى الدير وأثناء عودته شعر بالتعب الشديد وذلك لشدة حرارة الشمس، فوقف فى الطريق ومد يده نحو السماء مصلياً لله قائلاً: أيها الرب الإله أنت تعلم جيداً أننى بالكاد أتحرك من شدة حرارة الجو والظمأ، وعلى الفور أتت سحابة ورافقته لمسافة حوالى عشرين ميل حتى دخل قلايته فى الدير.

وحكى لنا نفس الأب ستيفان عن نفس الأب سيرياكوس، أنه أتى بعض أقارب الأب سيرياكوس للدير لرؤيته وعندما دخلوا الدير قاموا بسؤال بعض الإخوة للإستفسار عن مكانه بالضبط، فأشار بعض الناس إلى مكانه بالضبط فى الدير، فإتجهوا إليه وقاموا بالقرع على الباب حتى يفتح، فعرف الأب من يكونوا وأخذ يصلى إلى الرب ألا يروه ثم ذهب وفتح الباب وخرج من قلايته ولكن أحد لم يراه وإنطلق نحو البرية ومكث هناك لفترة حتى إنصرف أقرباؤه.

54 - حياة الرهبان فى دير سكيتى

قابلنا الأب ثيؤدور [Theodore] بطريرك الإسكندرية فى ترينيوثيس [Terenuthis]، وقال لنا هذا الأب: يا أبنائى تماماً كما توقعت قد ضل الرهبان طريقهم صدقوا العجوز الذى يتحدث اليكم، فقد كان بين المقيمين فى هذا الدير الحب العظيم والتقشف والبصيرة، وقد رأيت الكثير من الرهبان الذين لم يذوقوا الطعام إن لم يحضره أحد إليهم، كان من بين هؤلاء رجل يدعى أمونيوس [Ammnios] كان يعيش بالقرب منى، وبمجرد أن علمت بطريقته فى الحياة إعتدت أن أذهب إليه كل سبت لأقدم له الطعام الذى يقبله فقط بسبب تدخلى، كان لا يهتم بالأوقات التى يأتى فيها الزائرون الذين يأتون إليه للصلاة كانت تلك هى حياة هؤلاء الآباء فكانوا بمجرد الإنتهاء من الصلاة، كانوا على الفور يعدون المائدة لتناول الطعام.

55 - الأب الذى تحدث إلى إبليس

أخبرنا الأب أرينيؤس [Arenaeus] أنه كان هناك راهب صالح يعيش فى دير سكيتى [Scete]، وفى المساء رأى هذا الراهب إبليس يقدم أدوات زراعة لأحد الإخوة، سأل الراهب الشيطان: ما هذه الأشياء؟

فرد الشيطان قائلاً: إنى أقدم هذه الأشياء لأشغل ذهن هؤلاء الرهبان فيكونون أقل مواظبة وحرصاً على تمجيد الرب.

وقال لنا الأب أرينيؤس أيضاً أنه عندما أتى البربر إلى سكيتى، تركت المكان وإتجهت إلى مدينة غزة حيث إخترت لنفسى قلايتى فى أحد الأديرة هناك وأعطانى رئيس الدير هناك كتاباً (عن حياة الرهبان فى مصر)، وفى نفس اليوم جلست حتى أقرأ، وبمجرد أن فتحت الكتاب وجدت جملة من أحد الإخوة موجهة إلى أحد الرهبان تقول: صلى لى يا أبى.

فقال له الراهب: عندما كنت معنا كنت دائماً أصلى لك، ولكنك الآن ذهبت إلى حيث موطنك لذا فلن أصلى لك بعد الآن.

عندما قرأت هذا قلت لنفسى: أيها الأب أرينيؤس التعس لقد هربت إلى موطنك، لذا لن يصلى لك أحد من الآباء بعد الآن، فقمت بإعادة الكتاب إلى رئيس الدير وتركت المكان وذهبت إلى الدير الذى أتيت منه، لذا يا أبنائى فأنا هنا الآن.

56 - التلميذ النجيب يوحنا

كانت هناك قرية بالقرب من مدينة فوينيشيا [Phoenicia] تدعى باراسيما [Parasema] حيث كان يعيش بها راهب عظيم وكان له أحد التلاميذ يدعى يوحنا [John] كان يتمتع بإحدى ثمار الروح القدس وهى الطاعة الشديدة، وفى أحد الأيام قام الأب الراهب بإرسال تلميذه هذا لتأدية أحد المهام له وأعطاه قطعة من الخبز معه ليعيش عليها حتى يعود، وذهب يوحنا وأتم ما طلبه منه الأب الراهب ثم عاد إليه ومعه قطعة الخبز ولم تمسسها يده، وعندما رآها الأب سأل يوحنا: يا بنى لماذا لم تأكل أى من الخبز الذى أرسلته معك؟ وبشئ من الخضوع قال يوحنا للأب: سامحنى يا أبى عندما باركتنى وصرفتنى إلى مهمتى لم تقل لى أننى سآكل هذا الخبر ولهذا فإننى لم آكلها، فإندهش الراهب من إمتناع يوحنا عن تناول قطعة الخبر وباركه.

بعد نياحة الراهب ظهرت رؤيا للأخ يوحنا (الذى كان صائماً لمدة أربعين يوماً) وقيل له: أينما تضع يدك سوف تشفى المرضى، وعندما أتى الصباح سمحت العناية الإلهية بمجئ رجل ومعه زوجته المصابة بداء السرطان فى أحد ثدييها توسل الرجل إلى الأخ يوحنا حتى يصلى ويشفى زوجته، فقال له الأخ: أنا إنسان خاطئ ولا أستحق القيام بهذا، فإستمر الزوج فى التوسل للأخ يوحنا ملحاً عليه حتى يشفق على زوجته المريضة.

حينئذ وضع الأخ يوحنا يده على مكان المرض وصلى، ثم رسم الصليب عليه فشفيت المرأة على الفور، ومنذ ذلك الحين وهذا الرجل الصالح يصنع الكثير من المعجزات بالروح القدس خلال فترة حياته وبعد نياحته فإن رفاته كان له نفس القوة على الشفاء.

57 - قصة نياحة الناسك سيمون والأب الناسك جوليان

كان أحد النساك ويدعى سيمون [Symon] يقيم فى مكان ما يقع على بعد أربعة أميال من إيجايون [Aegaion]، وفى أحد الأيام أصيب بصعق كهربائى وتوفى، وفى نفس الوقت طلب أحد النساك ويدعى جوليان (كان يقيم فى مكان ما عند خليج الإسكندرية) من أحد تلاميذه بأن يشعل البخور وكان هذا على غير العادة، فقال له تلميذه: أخبرنا يا أبانا لماذا؟ فقال لهم: لأن الأخ الناسك سيمون صعق بالكهرباء وصعدت روحه إلى السماء ولقد شاهدت روحه تصعد بفرح عظيم، وكان كل من الأب سيموت والأب جوليان يبعدان عن بعضهما البعض مسافة أربعين ميل.

58 - قصة أخرى للأب الناسك جوليان

أخبرنا الأب ستيفان أيضاً رواية أخرى عن الأب جوليان الناسك كان هناك أسد قد ظهر فجأة فى البلدة وأهلك الكثير من الناس سواء كان غريباً أو من أهل البلدة، وعلم الأب جوليان بهذا الأمر فقام بالنداء على تلميذه (كان يدعى بنكراتيوس Pancratios) وقال له: إذهب من هنا وعلى مسافة تبعد ميلين إثنين نحو الشمال ستجد أسداً كائناً فى عرينه فقل له: الأب جوليان البسيط يقول لك بإسم الرب يسوع المسيح إبن الإله الحى إبعد عن هذه البلدة، فإنطلق التلميذ ووجد الأسد فى عرينه فقام بإبلاغه رسالة الأب جوليان، وعلى الفور ودون تأخير رحل الأسد، وعلم الجميع بذلك ومجدوا الرب يسوع المسيح.

59 - الأب ثاليلايوس السيلزيانى

أخبرنا الأب بطرس كاهن نفس الدير بأن الأب ثاليلايوس [Thalilaios] عاش لمدة ستين عام راهباً ولم يتوقف عن البكاء على الإطلاق وكان دائماً ما يقول: لقد منحنا الله هذه الحياة للتوبة والتى نحن بالفعل بحاجة إليها لنفعل ذلك من أجله.

60 - الناسكة التى صنعت ممن أحبها راهباً

عندما كان فى الإسكندرية حكى لنا شخص كان يحب المسيح حباً شديداً الرواية التالية:

كانت هناك إمرأة ناسكة سلكت حياة التوحد والنسك فى بيتها وكانت تغذى روحها بالصوم والصلاة وصلوات العشية والقيام بأعمال خيرية فى شكل تبرعات، ولكن إبليس هذا الكائن الدؤوب فى حربه على الجنس البشرى لم يتساهل مع تلك العذراء التقية، فقد أعلن عليها الحرب وذلك بإشعال نيران الحب والشهوة الشيطانية فى قلب شاب، فكان هذا الشاب ينتظرها كل يوم خارج منزلها وكلما خرجت للصلاة كان يعوق سيرها ويفرض عليها إهتمامه كما يفعل المحبون، فسجن هذا الشاب هذه الراهبة بإهتمامه حتى عجزت على أن تطئ بقدميها خارج منزلها، وفى أحد الأيام أرادت تلك الناسكة أن تضع حداً لهذا الإهتمام، فقامت بإرسال خادمتها إلى هذا الشاب تحمل رسالته شفهية وهى: هل يمكن أن تأتى إلى منزل مخدومتى فهى تريد أت تراك.

هز هذا الخبر الشاب وسعد به كثيراً وإعتقد أنه أخيراً سيحقق رغبته فيها، وذهب إليها، وعندما دخل الشاب المنزل بينهما كانت الناسكة تنسج على النول، فقالت له: تفضل بالجلوس ثم جلست هى أيضاً، وبدأت فى الحديث قائلة له: والآن يا أخى لماذا تضطهدنى هكذا؟ لماذا لا تسمح لى حتى بمغادرة منزلى؟ فرد الشاب قائلاً: يا سيدتى إنى أشعر برغبة شديدة نحوك متى تقع عينىَّ عليك أشتعل ناراً من قمة رأسى حتى أخمص قدمى.

فقالت له هذه الناسكة: ما الذى يجذبك لى ويجعلك تحبنى كل هذا الحب، أجاب الشاب: عينيك وعندما سمعت الناسكة هذا القول وعلمت أن عنياها قد تسببت فى ضلال هذا الشاب، قامت بأخذ الإبرة وأقتلعتهما، ففزع الشاب وندم ندماً شديداً عندما رأى ما فعلته بعينيها بسببه، فإنطلق إلى دير سكيتى ليكرس حياته للرب وسلك حياة النسك والرهبنة.

61 - حياة الأب ليونتيوس السليزانى

أخبرنا بعض الآباء عن الأب ليونتيوس [Leontios] أنه أثناء تواجده فى دير القديسة العذراء مريم أم الإله، كان يخدم الرب يسوع بتفانى شديد إستمر هناك فيما يقرب من أربعين عام ولم يغادر الكنيسة قط، وكان دائم التفكير والتأمل فى كلمات الرب وكانت له خدمته الخاصة، كما أخبرونا عنه أيضاً أنه إذا رأى شخص فى عوز شديد كان يقدم له العطية، وإذا كان هذا الشخص كفيفاً كان يعطى له عطيته فى يده، ولكن إذا كان مبصراً فإنه كان يضع هذه النقود أو العطية بطريقة سواء كان عند قاعدة أحد الأعمدة أو على مقعد أو فى طريقه للكنيسة فيراها الفقير ويلتقطها.

وعندما سأله أحد الرهبان: لماذا تفعل ذلك؟ لماذا لم تضعها فى يده؟

أجاب الأب: إغفر لى يا أبى، ولكنى لست أنا من يعطى هذه العطية بل ربنا يسوع المسيح أو أمنا السيدة العذراء مريم من فعلوا ذلك له ولى.

62 - حياة الأب ستيفان كاهن دير إليوتس [Aeliotes]

يقول أحد الآباء: أن فى أحد الأيام كان الأب ستيفان [Stephan] جالساً فى قلايته وبدأ إبليس بتشويش ذهنه ببعض الأفكار قائلاً: إذهب إلى مكان آخر، إن هذا المكان لم يعد مناسب بالنسبة لكن فقال الأب ستيفان له: لن أقبل ما تقوله، أنا أعرف من تكون؟ فأنت لا تريد أن ترى أحد يخلص ولكن يسوع المسيح إبن الله الحى سوف يطيح بك.

63 - رواية ثانية عن الأب ستيفان كاهن دير إليوتس

أخبرونا أيضاً عن نفس الأب أنه فى أحد الأيام كان جالساً فى قلايته، وفى هذه المرة ظهر له الشيطان فى صورة مرئية وقال له: إذهب بعيداً أيها الراهب إن هذا المكان لم يعد مناسباً لك.

قال له الراهب: لكى أقتنع بأنك تريدنى أن أذهب بعيداً إجعل ما أجلس عليه يدور فى هذا المكان (كان الأب يجلس على مقعد مصنوع من أغصان الشجر) وعندما سمع الشيطان هذا على الفور لم يجعل المقعد فقط يدور بل جعل القلاية كلها تدور، وعندما أدرك الراهب مدى مهارة وحرفنة الشيطان، قال له: أنت بالفعل عنيف ومزعج، فقد زاد إصرارى على عدم ترك المكان والذهاب بعيداً، وأخذ يصلى حتى اختفى هذا الشيطان عدو الرب.

64 - رواية ثالثة عن الأب ستيفان كاهن دير إليوتس

ذهب ثلاثة من الرهبان لزيارة الأب ستيفان، فبينما كان الرهبان يتسائلون عن ما هى الأشياء التى تبنى روحياً بقى الأب صامتاً، فقال له الرهبان: أنت لم تجب على سؤالنا يا أبانا، فإنه من الضرورى أن تعطينا مشورتك التى جئنا من أجلها.

ثم بدأ الأب ستيفان بالرد وقال: سامحونى أننى لا أعرف الأمر الذى كنتم تتحدثون عنه إلى الآن، ولكن يمكننى أن أخبركم عن الشئ الذى حدث لى، فإننى لم أكن أرى شيئاً سوى فى النهار أو فى الليل غير يسوع المسيح إلهنا معلقاً على الصليب: إنصرف الجميع إلى حيث جاءوا يمجدون الرب.

65 - رواية أخيرة عن الأب ستيفان كاهن دير إليوتيس

أخبرنا الأب يوحنا والملقب بموليباس [Molybas] عن الأب ستيفان، بأنه عندما أصيب بمرض شديد نصحه الأطباء بتناول بعض اللحوم، وكان لهذا الراهب شقيق بالدم يعيش فى المدينة ولكنه كان شديد التقوى ويعيش حياته من أجل المسيح الإله الحى، وفى أحد الأيام بينما الأب ستيفان يتناول اللحم جاء شقيقه الذى يعيش فى العالم لزيارته، فأصيب بصدمة شديدة عندما رأى ما يحدث وغضب بشدة وقال فى نهاية الرحلة الطويلة من التقشف وضبط النفس، يتناول أخى الآن اللحوم وعلى الفور أغشى عليه، وفى غشيته رأى رجل يتحدث إليه ويقول: لماذا صدمت عندما رأيت شقيقك يأكل اللحم؟ فى الحقيقة ما كان يجب عليك ذلك، وإذا أردت أن أجعلك تشاهد المجد الذى حصل عليه أخيك (إلتفت خلفك وأنظر) إلتفت الشقيق خلفه ونظر كما قيل له فوجد الراهب ستيفان مصلوب تماماً مثل المسيح، فقال له شخص الرؤية: أنظر بنفسك لتعرف المجد الذى حصل عليه شقيقك، فمجد الرب ومدح كل من أحبوا المسيح حباً حقيقياً.

66 - حياة الأب ثيؤدوسيوس المتوحد

حكى لنا الأب أنطونى [Anthony] رئيس ومؤسس دير إليوتس [Aeliotes] عند الأب ثيؤدوسيوس [Theodoses] أنه قال: أنا قبل أن أسلك حياة التوحد ذهبت فى غشية فرأيت رجلاً فى منظر يشع منه النور كما لو كان الشمس، ثم أخذنى من يدى وقال لى: تعالى معى يجيب عليك أن تخوض الحرب، وقادنى إلى مسرح كبير يصعب وصفه بالكلمات حيث لا تظهر نهايات له، كان المسرح ملئ بالرجال المصطفين على الجانبين على أحد الجانبين كان هناك رجال فى زى أبيض بينما على الجانب الآخر المقابل له كان هناك آخرين بوجوده سوداء، وبينما يقودنى إلى الجزء الخلفى الرملى من المسرح إذ رأيت رجلاً أسود الوجه فى مكان أكثر إتساعاً والأعلى يقف فيه رئيسهم عالياً كما لو كان السحاب وكان يبدو قوى ولكنه قبيح الشكل، فقال لى الشاب الذى رأيته فى الرؤيا: إن حربك يجب أن تكون مع هذا، فإرتعش جسدى عندما نظرت إلى الرجل ثم توسلت إلى الشاب الذى أتى بى إلى هذا المكان قائلاً له: من يكون هذا المحارب الذى يمكن أن يتصدى لهذا الشخص؟ (ولا حتى كل الجنس البشرى مجتمعاً يمكنه مصارعة هذا الشخص)، ولكن هذا الشاب النبيل قال لى: خض تلك المعركة بثقة، وعندما تبدأ فى صراعك معه سأكون أن الحكم والذى سيقرر النتيجة وأمنحك إكليل النصرة، وبمجرد أن إتجهنا نحو الخلفية الرملية من المسرح وتشابكت أيدينا، أتى هذا الشاب النبيل على الفور يفصل هذا النزاع ويصنع قراره ويمنحنى تاج الإنتصار، أما فصيلة الجنود ذات الوجه الأسود إختفت هاربة وهى تئن من شدة الألم، أما الفصيلة الأخرى من الجنود ذات الرداء الأبيض صاحت معلنة تأييدها للحكم ولمنحه لى شرف النصر.

67 - رواية ثانية عن الأب ثيؤدوسيوس المتوحد

حكى لنا أحد تلاميذ الأب ثيؤدوسيوس المتوحد وهو الأب سرياكوس [Cyriacos] الآتى: قضى الأب ثيؤدوسيوس المتوحد حوالى خمسة وثلاثين سنة من عمره صائماً منعزلاً كان يقضى يومين دون طعام ويبقى صامتاً لا يتحدث لأحد على الإطلاق، وإذا أراد أن يقول شيئاً كان يستعمل لغة الإشارة وقد رأيت هذا الرجل الصالح شخصياً فى دير إليوتس ومكثت هناك مدة عشر سنوات.

68 - رواية أخرى عن الأب ثيؤدوسيوس المتوحد

عندما علم رئيس الدير الجديد دير القديسة العذراء مريم والدة الإله أن الأب ثيؤدوسيوس لا يمتلك جلباباً ليرتديه فى الشتاء قام بشراء رداء له، وفى إحدى الليالى جلس الأب ثيؤدوسيوس على المقعد حتى ينام (كان عادة ينام على المقعد) أتى بعض اللصوص وقاموا بتجريده من رداء الرهبان وهربوا به، وعندما حدث ذلك لم يذكر الأب أى شئ عن هذا الأمر ولم يشتكى لأحد.

69 - حياة الأب بلاديوس والناسك داود

قابلت أنا والمعلم المفكر سوفرنيوس (قبل سلوكه حياة الرهبان) الأب بلاديوس [Palladios] فى الإسكندرية، وكان هذا الرجل يتمتع بحب عظيم للمسيح وخدمة متفانية وكان له دير فى ليثازومينون [Lithazomenon]، وعندما ألححنا فى طلبنا لنستمع لكلمة منه تهذبنا وتعلمنا بدأ هذا الراهب فى الكلام وقال لنا: يا أبنائى الوقت المتبقى لنا قصير جداً دعونا نصارع قليلاً فى هذا العالم ونعمل بجد ربما نحصل على الفرح العظيم والسعادة الأبدية، أنظروا إلى شهدائنا أنظروا إلى القديسين أنظروا إلى النساك والمتقشفين أنظروا كم خدموا الرب بشجاعة، فنحن دائماً ما نتعجب من إحتمالهم للآلام، ولذا فإن ذكراهم محفوظة للأبد، فكل من يسمع عنهم يصاب بالدهشة الشديدة الأشخاص العظماء الذين تحملوا الشهادة المباركة كيف إقتلعوا أعنيهم؟ كيف قطعوا ارجل بعض منهم؟ وأخرون قطعوا أيديهم، بينما آخرون مزقوا أجسادهم، كيف أذلوهم بنيران الغضب؟ وآخرون عذبوهم بالحرق، كيف أغرقوهم فى الأنهار وآخرون فى البحار؟ كيف نهشتهم الحيوانات الآكلة للحوم مثل المجرمون وآخرين قدموهم طعام للطيور الكاسرة بعد تعذيبهم عذاباً شديداً.

بإختصار شديد إذا كان ممكناً ذكر كل أصناف العذاب الذى تعذبونه والذى أعد خصيصاً لهم، فإنه يمكن القول بأن عدونا إبليس قد إبتلى بشهادة هؤلاء ونسك أولئك، الذين أحبوا المسيح حباً عظيماً، والذى يمكن أن نراه فى مدى تحملهم للعذابات وكيف صارعوا وكافحوا من أجل المسيح، وأيضاً إنتصاراتهم على ضعفهم الجسدى، وذلك بتعزيز أرواحهم لقد نال هؤلاء ما تمنوه بأن وُضعوه فى مكانة أعلى من مكانتهم أثناء حياتهم على الأرض، هؤلاء قدموا برهاناً عملياً على صلابة إيمانهم بطريقتين:

أولاً:

قد تحملوا قليلاً ولكنهم حصلوا على الكثير فى الحياة الأبدية.

ثانياً:

بسعادة بالغة إستقبلوا الآلام الجسدية، والتى سببها لهم إبليس.

لذا فإنه إذا تحملنا الألم وأصرينا على طريقنا، فإنه بمعونة من الله سنكون أحباء حقيقيون له، وسيحارب الرب معنا فى معركتنا كتفاً بكتف ويرفع عنا آلامنا التى يجب أن نتألمها.

يا أولادى حيث أننا نعرف جيداً طبيعة تلك الأوقات وطبيعة الأعمال الشاقة المفروضة علينا، فدعونا نحاول مجاهدين من أجل إدراكنا ووعينا الذاتى والذى نكتسبه من حياة التوحد، وحتى وصلوا إلى هذه المرحلة يجب علينا أن نتوب بأمانة وصدق وأن نصبح بالفعل هياكل للرب.

أقول ثانية: دعونا نتذكر الرب الآن هنا ولا يجد مكان ليضع رأسه.

"فقال له يسوع: للثعالب أوجرة ولطيور السماء أوكار، وأما إبن الإنسان فليس له أين يسند رأسه؟" (متى 8: 20)،

وأيضاً حيث قال القديس بولس الرسول فى رسالته إلى أهل رومية.

"وليس ذلك فقط، بل نفتخر أيضاً فى الضيقات عالمين أن الضيق يُنشأ صبراً" (رو 5: 3)،

وأيضاً كما فى رسالة معلمنا يوحنا الأولى:

"لا تحبوا العالم ولا الأشياء التى فى العالم. إن أحب أحد العالم فليست فيه محبة الآب" (1يو 2: 15).

مرة ثانية قال هذا العجوز الصالح: يجب أن نراقب أفكارنا فهى الطريق إلى الخلاص، وفى أحد الأيام ذهبنا مرة ثانية للأب بيلاديوس بالسؤال التالى: إذا تفضلت يا أبانا نريد أن نعرف من أين أتيت وكيف دخلت حياة الرهبان هذه؟ وكان الأب من مدينة تسالونيكى، فقال لنا الآتى: فى موطنى عرفت ناسكاً من ميسوبوتيبا وكان إسمه داود كان يتمتع بتقوى شديدة روحية وعفة، قضى هذا الناسك عشرون عاماً من عمره محتجزاً فى مكان محدود، ففى تلك الفترة وبسبب تكرار هجمات البربر كان الجنود يقومون بالطواف حول سور المدينة فى المساء، وفى إحدى الليالى رأوا (أفراد الدورية عند سور المدينة القريب من مكان إحتجاز هذا الراهب) نيران تخرج من نوافذ قلايته، إعتقد الجنود أن البربر قد أحرقوا قلاية هذا الراهب، وفى الصباح دخلوا الجنود القلاية ليتبينوا الأمر، ولكنهم دهشوا عندما وجدوا الراهب لم يصب بأى أذى وأن قلايته لم تمسسها نار، وفى الليلة التالية شاهدوا نفس ما حدث فى الليلة السابقة تكرر هذا المشهد عدة مرات وأصبح الأمر معروفاً لدى كل المدينة وإنتشرت تلك القصة إلى سائر المدن المجاورة جاء الكثير من الناس يقضون الليل بأكمله عند سور المدينة حتى يروا تلك النار والتى إستمرت تظهر كل مساء حتى تنيح هذا الراهب، هذه الظاهرة لم تحدث مرة أو إثنتين بل حدثت عدة مرات، فقلت لنفسى: إذا كان الله يتمجد فى خدامه فى هذا العالم، فكم وكم يمجدهم أكثر وأكثر عندما يأتى فى مجيئه الثانى لهذا العالم ويشرق على وجوههم كالشمس؟ لذلك يا أبنائى سلكت حياة الرهبان.

70 - حياة الناسك الآتى من ميسوبواميا

أخبرنا أيضاً الأب بلانيوس أنه أتى بعد الأب داود راهب آخر من ميسوبواميا [Mesopoamia] وكان إسمه أولاس [Adolas] صنع لنفسه قلاية فى فجوة داخل شجرة فى مكان آخر بالمدينة، ثم صنع نافذة صغيرة له حتى يمكنه التحدث مع الشعب الذى يأتى لزيارته.

عندما أتى البربر إلى هذا المكان وملأوا المدينة بالقاذورات وأثناء مرورهم بالمكان لاحظ أحد البربر الراهب العجوز، فجذب سيفه ورفع يده ليقتل العجوز، ولكنه بقى هناك متجمداً فى تلك البقعة ويده مرفوعة فى الهواء، وعندما رأى باقى البربر ما حدث دهشوا بشدة وركعوا أمام الناسك العجوز متوسلين إليه بأن يعيد رفيقهم إلى ما كان عليه، فصلى الرجل وشفى البربرى وصرفهم جميعاً فى سلام.

71 - الحكمة الرائعة التى قالها القاتل الراهب

كما أخبرنا أيضاً الأب بلاديوس عن شئ حدث فى مدينة أرسين بطيبة [Arsine of the Thebaid]:

قبض على رجل بتهمة قتل وبعد ما تعرض للتعذيب الشديد حكم عليه بقطع رأسه، وأثناء نقله إلى المكان الذى إرتكب فيه جريمته (حوالى ستة أميال خارج المدينة) كان هناك راهب يتتبعه وكان واضحاً أنه يريد أن يراه وهو يُعدم، وبينما المحكوم عليه بالإعدام فى طريقه لتنفيذ الحكم رأى الراهب يتتبعه فقال له: خيراً يا أبانا ألم يكن لك قلاية لتمكث بها أو أى عمل آخر لتشغل به يديك؟ اجاب عليه الراهب: بالطبع لدى قلاية وأعمال لأشغل بها يدى، فقال له القاتل: حسناً لماذا لا تمكث فى قلايتك وتبكى على خطاياك؟

أجاب الراهب قائلاً: يا أخى، فأنا مهمل فى أمورى الروحية وهذا بالضبط سبب مجيئ هنا لأراك وأنت تموت ربما أتعظ من قتلك.

رد القاتل وقال له: إرجع أيها الأب إلى قلايتك وإبقى هناك وأشكر إلهك الذى فداك والذى تشبه بالإنسان ومات من أجلنا، لذا فلن يكون هناك موتاً ابدياً.

72 - رواية الأب بلاديوس عن التهمة التى ألصقت بشاب صالح

حكى لنا الأب بلاديوس عن رجل كان يعيش حياة العالم وقبض عليه بتهمة القتل، وعندما تعرض هذا الرجل العجوز للتعذيب على أيدى قاض الإسكندرية فى ذلك الوقت زعم أن هناك شخص آخر شريك له فى عملية القتل هذه وهو شاب يبلغ من العمر عشرون عاماً، فتعرض الإثنين للتعذيب الشديد، وكان الرجل العجوز القاتل يصرخ قائلاً: أنت كنت برفقتى وقت الجريمة، ولكن الشاب كان ينكر أى علاقة له بهذا الأمر أو حتى مجرد تواجده مع هذا الرجل القاتل العجوز، وبعد أن تعرض الإثنان للتعذيب الشديد حكم عليهما بالإعدام، وتم نقلهم خمسة أميال خارج المدينة حتى ينفذ الحكم عليهما كما هى العادة فى مثل هذه الجرائم وعلى بعد ميل من معبد كرونوس المهجور كان العامة والجنود يهتفون ويطلبون تعليق الشاب أولاً، قام الشاب بعمل يدل على الطاعة الشديدة أمام الجنود وقال: من أجل المسيح وإن تفضلتم علقونى تجاه الشرق ربما أستمر فى بحثى عن الحقيقة عندما أكون معلقاً بمفردى، فقالوا له الجنود: لماذا ذلك؟ أجاب الشاب قائلاً: فى الحقيقة يا سادة منذ سبعة شهور فقط أصبحت أنا مسيحى وإعتمدت بالروح القدس، وعندما سمع ذلك الجنود بكوا بشدة على هذا الشاب، ومن ناحية أخرى نادى الرجل العجوز بصوت مرتفع قائلاً: أما أنا فعلقونى تجاه معبد كرونوس، وعندما سمع الجنود هذا التجديف من الرجل العجوز تركوا الشاب البرئ وقاموا بشنق العجوز أولاً، وفى أثناء ذلك وصل إليهم رسول من قبل الوالى وقال للجنود: لا تقتلوا الشاب وقوموا بإعادته، ففرح جميع الجنود لهذا الأمر وقاموا بإعادة الشاب إلى مدينته، فأطلق الوالى سراحه فعادت للشاب حياته وبراءته بعد أن كان قد فقد الأمل فى ذلك، وأصبح هذا الشاب فيما بعد راهباً صالحاً، وقد كتبت تلك القصة لما يكون فيها من عظة وفائدة لنا وللكثيرين، لنعلم كيف أن الرب قادر على إنقاذ الصالحين من أى إفتراءات.

73 - حياة الجندى يوحنا

كما روى لنا أيضاً الأب بلاديوس أنه كان هناك جندى فى الإسكندرية يدعى يوحنا كانت له طريقته الخاصة فى الحياة وهى:

كان يقضى ساعات النهار من شروق الشمس حتى الساعة التاسعة فى دير على بعد خطوات من كنيسة القديس بطرس لا يرتدى شيئاً غير عباءة خشنة الملمس ورداء منسوجاً يبقى صامتاً لا يتفوه بكلمة لأى شخص، ويجلس داخل الكنيسة فى المكان الذى يصلون به بينما يعمل بعض الأعمال اليدوية وكل ما يتفوه به: طهرنى يا ربى من خطاياى ثم يردد كلمات المزامير:

"السهوات من يشعر بها؟ من الخطايا المستترة أبرئنى" (مز 19: 12)،

ويقول لن أتوقف عن الصلاة، وبعد أن يرتل تلك الآية يبقى صامتاً لمدة ساعة، ثم يكرر نفس الشئ لساعة أخرى أو أكثر، ويبقى هكذا لسبعة مراة طوال اليوم ولا يقول شئ غير ذلك، وفى الساعة التاسعة يخلع عنه هذا الرداء ويرتدى الزى العسكرى ويذهب لأداء واجبه مع وحدته.

قضيت مع هذا الرجل ثمانى سنوات فيها تعلمت وتهذبت من أخلاقه ومن صمته وطريقته فى الحياة.

74 - الكلمة الرائعة للأب بلاديوس عن المهرطقين

قال الأب بلاديوس مقولة كما لو كانت وصيته: صدقونى يا أبنائى المهرطقين والمنقسمون لم يفعلوا شيئاً بالكنيسة المقدسة غير أنهم جعلونا أكثر إلتصاقاً بالرب وتآخى مع بعضنا البعض.

75 - معجزة الرب مع زوجة وإبنة رجل تقى

فى أحد الأيام روى لنا الأب بلاديوس قصة عن أحد الأشخاص المحبين لشخص الرب يسوع المسيح والذى يتمتع بتقوى ورحمة عظيمتين ويحب خدمة وضيافة الرهبان كان متزوج من إمرأة لها إيمانها الشخصى وعلاقتها بالرب فكانت تصوم طوال اليوم كما كانت له إبنة تبلغ من العمر ستة سنوات، وفى أحد الأيام قرر هذا المسيحى التقى أن يذهب إلى القسطنطينية حيث أنه كان يعمل بالتجارة ترك زوجته وطفلته مع خادم فى المنزل وذهب فى طريقه للسفينة، وبينما هو يرحل قالت له زوجته: ممن ستطلب أن يرعانى؟

فقال لها الزوج: السيدة العذراء مريم والدة الإله.

وفى أحد الأيام بينما تلك المرأة منشغلة فى بعض الأعمال وإبنتها معها، بدأ الشيطان يوسوس بأفكاره النجسة داخل رأس هذا الخادم ويدفعه لقتل تلك المرأة وإبنتها وأن يستحوذ على كل ما يمتلكونه ويهرب.

ذهب الخادم إلى المطبخ وأحضر معه سكين وإتجه نحو. غرفة الطعام حيث كانت السيدة صاحبة المنزل وإبنتها موجودتان هناك، ولكن مجرد أن وصل هذا الخادم باب غرفة الطعام ضرب العمى عينى هذا الخادم فأصبح غير قادر على دخول الغرفة أو حتى الرجوع إلى المطبخ، وإستمر أكثر من ساعة يتأرجح فى الهواء يفعل كل ما فى وسعه ليدخل، وأخيراً بدأ ينادى على صاحبة المنزل ويقول: تعالى إلى هنا، فتعجبت السيدة من أن الخادم يقف على باب الحجرة ولا يدخل بل يريدها هى أن تأتى إليه فقالت له: ألا تأتى أنت!؟ كانت لا تدرى أن قد أصابه العمى بدأ الخادم فى التوسل إليها ويستحلفها أن تأتى، ولكنها أصرت ألا تفعل ما يطلبه منها، ثم قال الخادم: أرسلى لى إبنتك، ولكنها رفضت أيضاً أن تلبى أى من الطلبين، وقالت: إذا كنت تريد شيئاً أحضر أنت إلى هنا.

فى هذه اللحظة وعندما أدرك الخادم بأنه أصبح غير قادر على مساعدة نفسه، وجه السكين نحو صدره وقام بطعن نفسه طعنة قاتلة صرخت السيدة عندما رأت ما فعله الخادم بنفسه ونادت جيرانها، فأتوا على الفور وجاءت الشرطة وكان الخادم مازال على قدي الحياة، فقام بإخبارهم بكل شئ.

سمع الجميع القصة فمجدوا الرب الذى أظهر عجائبه وأنقذ السيدة والطفلة.

76 - أغرق مريم

روى لنا الأب بلاديوس بأنه سمع أن قبطان أحد السفن قال شئ من هذا القبيل: فى أحد الأيام عندما كنت أبحر ومعى بعض الركاب على ظهر السفينة رجالاً ونساءاً أتوا إلى هذا البحر العالى، وكانت هناك سفن أخرى بعضها متجه إلى الإسكندرية وبعضها إلى القسطنطينية وسفن أخرى تبغى أماكن أخرى هبت الرياح وعصفت ونحن فقط الذين لم نستطع التوجه إلى حيث نريد إستقرت السفينة مثبتة فى مكانها غير قادرة على التحرك، وإستمر هذا الوضع لمدة خمسة عشر يوماً ليس بها أى حراكن أصبنا جميعاً باليأس والإحباط ولا ندرى ما هو السبب وراء هذا، وحديث أننى كنت قائد السفينة والمسئول عن السفينة وعن كل من على ظهرها بدأت أصلى إلى الرب بشأن هذا الأمر، وفى أحد الأيام أتى لى صوتاً ليس له مصدر واضح يقول: أقذف بمريم خارج السفينة، ولكنى تأخرت فى الإستجابة لهذا الصوت محاولاً فهم ماذا يقصد؟ ومن هى مريم؟ أتى الصوت مرة ثانية يقول: أقذف مريم خارج السفينة حتى تسلم السفينة بمن فيها، ثم بدأت أنادى: يا مريم! دون أدنى فكرة عمن هى مريم؟ إلا أنها كانت راقدة فى غرفتها الصغيرة داخل السفينة ثم أجابت قائلة: لماذا تنادينى يا سيدى؟

فقلت لها: إذا تفضلت أن تأتى إلىَّ.

نهضت المرأة وعندما أتت إلىَّ تكلمت معها على إنفراد وقلت لها: أيتها الأخت مريم ترين بنفسك كم هى خطاياى كبيرة وسنهلك جميعاً بسببها، تنهدت المرأة وهى تئن بعمق وقالت: لا يا سيدى القائد أنا الخاطئة.

فقلت لها: ما هى الخطية التى إرتكبتها يا إمرأة؟

قالت: أعتقد أنه لا توجد خطية لم أفعلها وبسبب ذلك سيهلك الجميع.

بدأت المرأة فى قص حكايتها وقالت: فى الحقيقة أيها القائد أنا هى المرأة الشريرة التى كان لها زوج وطفلان هما أبناء لزوجى أحدهما فى التاسعة من عمره والآخر فى الخامسة من عمره، وعندما مات زوجى وتركنى أرملة كان هناك جندى يعيش بالقرب من منزلنا رغب فى الزواج منى، فأرسلت له بعض المعارف للحديث معه، فقال لهم أنه لا يريد الزواج من إمرأة لها طفلين من رجل آخر، وعندما علمت ذلك وأنه رفضنى بسبب هذين الطفلين يا إلهى ما أقبح ما فعلت: قمت بذبح الطفلين ثم ذهبت إلى هذا الجندى.

وقلت له: أنظر الآن ليس لدى أطفال.

عندما علم الجندى بما فعلت مع هذين الطفلين قال: يشهد الله الساكن فى السموات أننى لن أتزوجك، فخشيت أن يفضح أمرى وأفقد حياتى فهربت ثم قال القبطان: حتى بعدما سمعت تلك القصة من المرأة مازلت لا أريد أن ألقى بها من السفينة، وبدأت فى المراوغة وقلت لها: أنظرى سأركب الزورق المطاطى، فإذا تحركت السفينة يكون ما حدث للسفينة بسبب خطيتى أنا، فناديت على الزورق وأمرته أن يبحر، وعندما دخلت إلى الزورق لم يتحرك الزورق ولا حتى السفينة.

عدت إلى ظهر السفينة مرة أخرى وقلت للمرأة: إنزلى أنت إلى الزورق، ففعلت المرأة ما طلبته منها، وبمجرد أن وطأت المرأة بقدميها داخل الزورق دار الزورق حول نفسه خمس مرات ثم غرق وهبط إلى القاع، ثم أبحرت السفينة وأكملنا رحلتنا فى ثلاث أيام ونصف والتى كان مقدراً لها خمسة عشر يوماً.

77 - قصة العميان الثلاثة

ذهبت أنا والمعلم سوفرونيوس إلى منزل المفكر ستيفان [Stephan] للقيام ببعض الأعمال وكان ذلك فى منتصف اليوم، كان المفكر ستيفان يعيش عند كنيسة العذراء المقدسة مريم والدة الإله والذى بناها البابا المبارك إلجيوس بطريرك الإسكندرية (581 - 608م) والذى يعرف بدوروثيئا [Dorothea]، وعندما طرقنا باب هذا المفكر نظرت الخادمة من نافذة مرتفعة وقالت: إنه نائم الآن ولكن إنتظروا للحظة حتى يستيقظ، فقلت للمعلم سوفرونيوس: دعنا نذهب إلى تترابيلون [Tetrapylon] وننتظر هناك، كان المكان الذى يدعى تترابيلون عبارة عن مبنى مشيد عند آحد المرتفعات وله مكانته عند أفراد شعب الإسكندرية حيث كانوا يقولون أن الأسكندر هو الى أنشأ هذا المكان، وأنه أحضر رفات النبى أرميا من مصر وقام بدفنه هناك، وعندما أتينا إلى هذا المكان لم يكن أحد هناك غير ثلاثة عميان، وكان ذلك وقت الظهيرة، دخلنا المكان بهدوء وجلسنا دون أن يشعروا بنا، وكان معنا كتبنا لنقرأ فيها بدأ الثلاثة عميان يتحدثون مع بعضهم البعض، وسأل أحدهم آخر: أخبرنى ما الذى حدث بالفعل حتى فقدت بصرك؟

وكان هذا هو الرد: عندما كنت شاب كنت أعمل بحاراً وكنا نبحر من أفريقيا حتى البحر الأعظم، ثم أصبت بإلتهاب شديد فى عينىَّ ولم أستطيع أن أذهب لأى مكان للعلاج ثم ظهرت نقطة بيضاء على عينىَّ، وبعدها فقدت البصر نهائياً، ثم قام بسؤال الآخر: الآن أخبرنا كيف أصبحت أنت أعمى؟

فكان الرد: كنت أعمل نافخ زجاج، وبسبب هذه المهنة تأثرت عينىَّ بتعرضها المستمر للنار حتى أصبحت أعمى.

فقال الرجل لرفيقه: حسناً الآن سأخبركما أنا كيف أصبحت أعمى؟ عندما كنت شاب كنت أكره العمل بشدة لذا فقد أصبحت فى مشكلة وخاصة عندما لم يكن لدى أى شئ لآكله، فلجأت للسرقة.

وفى أحد الأيام وبعدما إنتهيت من كثير من الأعمال الشريرة، وقفت فى السوق أشاهد جنازة رجل غنى فى طريقه للدفن تتبعت الموكب لأعرف أين سيقومون بدفنه؟

دفن الرجل فى قبر خلف كنيسة القديس يوحنا ثم إنصرف الجميع، وعندما أدركت أن الجميع قد رحلوا، دخلت إلى المقبرة وقمت بتجريد الميت من ملابسه بالكامل عدا الكفن المغطى به، وبينما كنت فى طريقى للخروج من القبر وقد حملت معى غنيمة لا بأس بها، ولكن كعادة الشيطان، فقد قال لى: خذ الكفن أيضاً يبدو أنه ذو قيمة، فإلتفت خلفى ونزعت الكفن من فوق الميت وتركته عارياً، هنا نهض الميت ومد يده نحوى وبأظافره خدش وجهى وأقتلع عينىَّ تركت كل شئ خلفى بخوف شديد وخرجت من المقبرة وأنا أرتعد بشدة وأكاد أموت رعباً، وهكذا أصبحت أنا الآخر أعمى.

وبعدما إستمعت أنا والمفكر سوفرنيوس أشرنا لبعضنا بالإنصراف وتركنا العميان الثلاثة، ثم قال لى المفكر سوفرونيوس: أنت تعرف أيها الأب أننا الآن لسنا بحاجة لعمل أى شئ حتى آخر اليوم، لقد حصلنا على ما يكفينا من الفائدة وقد إستفدنا من تلك الخبرة الروحية التى إستمعنا إليها ويجب علينا الإنصراف لكتابتها، فحقيقة الأمر لا يوجد مهرب للشرير بعيداً عن الله، فقد إستمعنا لهذه القصة بأنفسنا ومن أصحاب القصة أنفسهم.

78 - معجزة الفتاة الميتة

عندما كنا فى زيارة للأب يوحنا رئيس دير جينتس [Gaints] فى ثيؤبوليس [Theoupolis] حكى لنا القصة التالية:

منذ زمن ليس بالبعيد أتى لى رجل وقال لى: من أجل المسيح أدخلنى عندك، فأنا أريد أن أتوب: وكان يقول ذلك وهو يبكى بشدة، فقد أدركت أنه ثمة شئ ما خطير يجعله مضطرب ومرتبك هكذا، فقلت له: أخبرنى لماذا كل تأنيب الضمير هذا؟

أجاب الشاب: يا أبانا أنا بكل تأكيد خاطئ فقلت له مرة ثانية: صدقنى يا بنى كما أن هناك خطايا عديدة وكثيرة هناك أيضاً العديد من وسائل العلاج، فإذا أردت أن تشفى أخبرنى الحقيقة، ما الذى فعلته بالضبط حتى يمكننى أن أساعدك وأن أصف لك ما هى الكفارة المناسبة؟ فلا يمكن أن تتبع علاج الزانى مع القاتل والمشعوذ، فالجشع له علاج والكذب والغضب والسرقة والزنا، كل منهم له علاجه المناسب، لذا من الأفضل سماع الخطايا كما يجب أن تعرف أنه كما أن هناك الكثير من العلاجات للأمراض الجسدية، فأنه أيضاً هناك العديد من العلاجات الروحية وهى أيضاً متاحة لدينا.

تنهد الشاب بعمق وإرتمى على صدرى وإنفجر فى البكاء والنحيب، فكان لديه الكثير من الأحزان ما يجعله يتلعثم فى كلامه، فقد كان غير قادر على التحرك ولا حتى الكلام بشكل واضح ومفهوم، ولم يقل أى شئ عن ظروفه.

قلت له: إستمع لى يا بنى تمالك نفسك وأخبرنى بما حدث وربنا يسوع المسيح قادر على مساعدتك بحبه الذى لا يوصف ورحمته التى تسع كل شئ، يسوع الذى تحمل كل شئ لأجل خلاصنا المسيح الذى عاشر العامة ولم ينتهر المرأة الزانية ولم يرفض السارق، وأخيراً قبل الموت على الصليب، وعندما تتوب إتجه إليه، وهو سوف يستقبلك بيديه بفرح عظيم كما هو مكتوب فى تيموثاوس الأولى:

"الذى يريد أن جميع الناس يخلصون، وإلى معرفة الحق يُقبِلون" (1تى 2: 4).

وعندها توقفت دموع هذا الشاب قليلاً ثم قال لى: يا أبانا كلى خطايا، فأنا لا أستحق لا السموات ولا الأرض، فمنذ يومين سمعت عن وفاة إحدى الفتيات وهى إبنة أحد أغنياء المدينة وأنه قد تم تكفينها ودفنها وهى ترتدى العديد من الملابس الفاخرة فى قبرها خارج المدينة عندئذ كنت مستعداً لممارسة عادتى فى نهب القبور، فذهبت إلى قبرها فى الليل وبدأت فى تجريدها من ملابسها تماماً حتى بدت كما كانت لحظة ولادتها، وما إن بدأت فى الرحيل وإذ بها تستيقظ من موتها أمامى وتمد يدها اليسرى وتمسك بيدى اليمنى وقالت لى: أيها الرجل هل من اللائق أن تجردنى تماماً هكذا لأبدو عارية؟ ألا تخاف الله؟ أليست لديك شفقة علىَّ فى موتى؟ ألا تحترم جسدى كإمرأة؟ كيف لك كمسيحى أن تدعنى أظهر عارية هكذا أمام المسيح، ألا يوجد أدنى إحترام لديك لكونى إمرأة؟ أليست إمرأة مثلى التى أنجبتك؟ أتريد أن تُفضح أمك كما فعلت بى؟ أيها الرجل الشرير اى نوع من الدفاع ستقوله بشأن جريمتك هذه عندما تأتى أمام عرش المسيح؟ ففى فترة حياتى لم يرى وجهى غريب، والآن بعد موتى ودفنى تجردنى من ملابسى وتنظر إلى جسدى العارى، فيا له من قلب يا لها من يد تمتد لتتناول جسد يسوع المسيح المقدس وتشرب دمه، وعندما سمعت ذلك إرتعدت بشدة من مجرد حتى التفكير، وبرعشة قلت لها: إسمحى لى بالإنصراف ولن أفعل هذا ثانية.

قالت لى: لقد جئت إلى هناك عندما أردت أنت هذا، ولكنك لن تخرج من هنا كما تريد أنت ذلك، فإن هذا القبر سيضمنا نحن الإثنين معاً، ولا تعتقد بأنك سوف تموت الآن، ولكن بعد أيام عديدة من التعذيب حتى تسلم روحك.

أخذت أتوسل إليها بالدموع بأن تسمح لى بالإنصراف وتعهدت بأننى لن أرتكب مثل هذا العلم مرة ثانية، وبعد توسلات كثيرة ودموع غزيرة قالت لى هذه الكلمات: إذا كنت ترغب فى الحياة وان تَسلم من الألم النفسى والجسدى المبرح إقطع على نفسك عهداً ليس فقط أنك ستكف عن أعمالك الكريهة الدنسة، بل أيضاً ستتوجه ودون أى تأخير إلى الدير لتسلك حياة الرهبان وأن ترفض العالم، وأن تخدم يسوع المسيح.

فتعهدت لها قائلاً: إنى لن أفعل كل ما قلته فقط بل أيضاً من هذا اليوم لن أدخل منزلى فضلاً عن توجهى مباشرة إلى الدير.

قالت لى الفتاة: قم بوضع ردائى علىَّ كما وجدتنى.

ثم قال الشاب ففعلت ما طلبته منى، ثم عادت ميتة كما كانت، أما أنا الخاطئ غير المستحق لأى رحمة قد خرجت من قبرها وأتيت إلى هنا.

عندما سمعت القصة كلها من هذا الشاب قمت بتهدئته وطمأنت قلبه بالحديث معه عن التوبة والعفة، وبعد فترة قمت بجز شعره وأعطيت له رداء الرهبان، وأدخلته كهف فى جبل بالمدينة، وشكر الشاب الرب كثيراً وهو الآن محارب قوى.

79 - معجزة عيون المياه

عندما ذهبنا إلى دير الأب ثيؤدوسيوس [Theodosios]، والذى يقع عند جبل يتوسط مدينة سيلوشيا [Seleucia] ومدينة روسوس [Rossos] فى سيلزيا [Cilicia] إصطحبنا بعض الآباء إلى مكان يبعد كثيراً عن الدير لنشاهد مكان عين للمياه مدهم بمياه وفيرة وعذبة والتى كانت عطية من الله لهم، وأخبرونا بأنه لم يكن حدثاً طبيعياً بل كان بتدخل من العناية الإلهية، وأن الأب ثيؤدوسيوس صام وصلى لفترات طويلة وإنهمرت الدموع من عينيه وركع أمام الرب كثيراً ليمنحنا تلك العطية كما أخبرونا أن آباءهم فى الماضى كانوا يأتون بالمياه من الوادى ولكن كما يقول المزمور:

"يعمل رضى خائفيه، ويسمع تضرعهم فيخلصهم" (مز 145: 19)،

فقد أعطانا الله هذه المياه المباركة بصلوات آباءنا القديسين، ومنذ عامين تقدم بعض الإخوة بطلب لرئيس الدير لحفر بئر للمياه بالدير تعجب رئيس الدير من الطلب ولكنه سمح بإنشائه نظراً لضعف وهزال صحة بعض الآباء وحتى يخفف من عناء الحصول على المياه، ولكن لم يستخدم الإخوة هذا البئر غير مرة واحدة، وسرعان ما جفت مياه العين الرائعة، وقالوا لنا سنخبركم بالحقيقة: فقد صمنا جميعاً وصلينا وبكينا أمام الرب وطلبنا شفاعة القديسين، ولم تأتى مياه قط من العين وظلت جافة طوال عام ويئسنا جميعاً قام الأب رئيس الدير بتحطيم هذا البئر فوجدنا المياه تعود مره ثانية للعين.

80 - معجزة أيقونة القديس ثيؤدوسيوس

أكمل نفس الآباء روايتهم عن الأب ثيؤدوسيوس [Theodosios] وأخبرونا أنه فى تلك الأيام كانت هناك إمرأة تحب المسيح وتعيش فى منطقة تدعى أباميا [Apamea] وقامت بحفر بئر وأنفقت الكثير من الأموال على هذا العمل حتى تحصل على بئر على عمق كبير، ولكنها بعد هذا المجهود الشاق والأموال الكثيرة لم تجد ماء فحزنت المرأة كثيراً، وفى أحد الأيام أتت لها رؤية رجل يقول لها: أحضرى أيقونة محفور عليها صورة الأب ثيؤدوسيوس من دير سكوبيلوس [Skopelos] وببركة تلك الأيقونة سيعطيك الله الماء الوفير، فقامت المرأة على الفور بإرسال رجلين، وأحضروا لها أيقونة القديس وأسقطوها فى البئر وعلى الفور تدفقت المياه وغمرت أعمدة البئر حتى وصلت إلى منتصفه، سحب الآباء أيقونة القديس من الماء لنشاهدها ثم أعطونا بعض الماء شربنا منه ومجدنا الرب يسوع المسيح.

81 - الأب يوحنا فى دير سكوبيلوس

رأينا فى نفس الدير رجل صالح يدعى يوحنا وقالوا عنه الآباء فى الدير: صدقونا ايها الإخوة المسيحيين أنه لا يوجد شخص يخشاه الشيطان مثل هذا الرجل، وعندما يأتى لهذا المكان تضطرب الشياطين كما أن الله منحه موهبة الشفاء.

82 - عن الأب يوحنا فى دير سكوبيلوس

حكى لنا أيضاً ع ن الأب يوحنا كان هناك سوق للمدينة يبعد حوالى عشرين ميل عن دير [لبتى أكرا Lepte Akra] وكان هناك رجل يمتلك سفينة حمولة 750 طن وعندما كان ينوى الإبحار كان يقضى أسبوعين ومعه مئات الرجال لهذه المهمة (حوالى ثلاثمائة رجل فى اليوم الواحد)، ولكنه لم يستطع تحريك السفينة لتبدأ رحلتها أو حتى تتحرك من مكانها، وكانت السفينة تحت سلطان بعض أتباع الشيطان غضب مالك السفينة جداً وعجز عن فعل أى شئ وبتدخل من العناية الإلهية مر الراهب يوحنا بالطريق، وعندما رآه صاحب السفينة وقد سمع عنه الكثير وعن نعمة المسيح التى يتمتع بها ذهب إليه وقال له: يا أبانا صلى من أجل سفينتى، فإنها بسبب أرواح شيطانية لا تتحرك من مكانها.

قال له الأب يوحنا: إذهب وأحضر لى بعض الطعام وسيساعدك الرب قال الراهب ذلك حتى يذهب صاحب السفينة إلى منزله، وإتجه الراهب نحو السفينة بمفرده وقام بأداء ثلاث ميطانيات أمام الرب ورسم بالصليب على السفينة بإسم الرب يسوع المسيح، ثم ذهب الراهب يوحنا إلى منزل صاحب السفينة وقال له: إذهب وأبحر وقد وثق الرجل فى كلام الراهب وإنطلق نحو سفينته ومعه القليل من الرجال وبمجرد أن أمسكوا بحبالها وإذ بالسفينة داخل البحر شكر الجميع الرب ومجدوا إسمه.

83 - حياة وموت أحد الرهبان

حكى لنا آباء نفس الدير الآتى: كان هناك راهب يعيش على قمم تلك الجبال كان عظيم وتقى فى عينى الرب، وقد عاش سنوات طويلة طعامه من النباتات الطبيعية الموجودة فى هذا المكان، ولكنه تنيح فى أحد الكهوف ولم نكن نعرف أين هو؟ فى بادئ الأمر إعتقدنا أنه رحل لمكان آخر فى البرية، وفى أحد الأيام ظهر هذا الراهب للأب الحالى الصالح الحبيب الأب جوليان وهو نائم وقال له إذهب ومعك بعض الرجال لتنقلونى من المكان الذى أرقد به الآن وهو جبل دير، ففعل الأب جوليان ما طلب منه وقام بأخذ بعض الإخوة وذهبوا أعلى الجبل الذى تحدث عنه الراهب المتنيح، فبحثنا عنه فى كل مكان ولساعات طويلة ولكننا لم نعثر على شئ، وبعد فترة دخل الأب والإخوة الكهف الذى كان يعيش فيه الراهب كان الكهف مغطى بالثلج ولم يجدوا شيئاً فقال الأب جوليان: هيا يا أبنائى دعونا نتجه أسفل الجبل، وبينما هم يهمون بالنزول والعودة إلى الدير وإذ بغزال يتجه نحوهم، ثم وقف لبرهة وبدأ يضرب الأرض بحوافره وعندما رأى الأب جوليان ذلك قال: صدقونى يا أبنائى هنا يرقد خادم الرب، وبدأنا الحفر فى نفس المكان حتى وجدنا رفات هذا الراهب مدفوناً ولم يمسسه شئ حملناه جميعاً وذهبنا للدير وقمنا بدفنه هناك.

84 - فساد القمح بالكامل فى الدير لعدم تقديم العشور

وأيضاً أخبرنا الآتى: إعتدنا تقديم عطية فى ليلة خميس العهد للفقراء والأيتام الذين الحى، فكانوا يحضرون إلى الدير ويستلم كل منهم قمح وخمسة وحدات من القربان المقدس وخمسة عملات صغيرة وإناء خمر ونصف إناء عسل منذ ثلاث سنوات ندرت الحبوب فى كل المنطقة حيث كان يباع كل مكيالين بقطعة ذهب واحدة، وعندما أتى هؤلاء الفقراء والأيتام ليأخذوا ما إعتادوا عليه ذهب بعض الإخوة لرئيس الدير وقالوا له: يا أبانا ألا يجب أن نحجز بعض الحبوب للعطية السنوية المعتادة حيث لا يوجد حبوب تكفى الإخوة فى الدير، ولا توجد حبوب فى المنطقة.

بدأ الأب يقول لهم: يا إبنائى ألا يجب أن نفعل الخير الذى كان يفعله الأب ثيؤدوسيوس إعلموا إنها وصيته وإذا لم نفعلها ونطيعه سينقلب الأمر علينا، فهو بنفسه يرعانا لكن الإخوة إستمروا فى جداله قائلين: لا نستطيع فعل هذه العادة الخيرية لأنه ليس لدينا ما نقدمه، فحزن الأب رئيس الدير من ضعف إيمان الإخوة، ثم قالك إذهبوا إفعلوا ما تريدون.

لم توزع العشور فى تلك السنة فى عشية خميس العهد، ولكن فى صباح يوم الجمعة العظيمة ذهب الراهب المسئول عن مخزن الحبوب وعند فتحه وجد كل الحبوب قد تلفت وإنتهى الأمر بإلقائها فى البحر.

عندما علم الأب رئيس الدير بما حدث قال لهم: من يطرح وصايا معلمنا سوف يعانى تبعات ذلك، وأنتم الآن تحصدون ثمار ما زرعتم ثمرة عدم خضوعكم كان علينا أن نحتجز خمسمائة مكيال فقط من الحبوب لننقذ الخمسة آلاف مكيال، وبذلك نكون قد عملنا بوصية القديس ثيؤدوسيوس بإخوتنا وأخواتنا من الفقراء، ولكن أنظروا الآن فقد ذهب خمسة آلاف مكيال هباء، ماذا جنينا إذن؟ لقد إرتكبنا خطيتين: الأولى عدم خضوعنا لوصية الأب ثيؤدوسيوس، والثانية عدم وضع ثقتنا فى الله بل وثقنا فى مخزن الحبوب أكثر، لذا أيها الإخوة دعونا نتعلم من هذه الخبرة يجب أن نعلم أن الرب يرى إحتياجات البشر وأن شفاعة الأب ثيؤدوسيوس تعتنى بنا.

85 - راهب آخر فى نفس الدير

حكى لنا الأب توماس [Thomas] فى دير إيجيون [Aegaion] الآتى: كنت فى طريقى من دير إيجيون بعد العيد وقد كان الشتاء قارص البرودة فإلتجأت إلى دير الأب ثيؤدوسيوس هرباً من البرد وأثناء وجودى فى هذا الدير حدث الآتى: كان هناك راهب يعيش على النباتات البرية فقط ويأتى فى يوم القداس ليتناول القربان المقدس، وفى أحد الأيام حدث شئ أغضبه، لذا فقد إستمر لمدة خمسة أسابيع لا يحضر كعادته ولا يظهر فى الدير على الإطلاق الأمر الذى أحزن الآباء فى الدير، وفى أحد الأيام المقدسة جاء هذا الراهب ليتناول، فقابله الآباء بإبتهاج وفرح وقاموا جميعاً بعمل ميطانية أمامه، ففعل مثل ما فعلوا وساد السلام بينهم ثم تناول جسد المسيح وشرب دمه ثم وضع نفسه فى منتصف الكنيسة ومات على الفور دون أن يمرض ولا لحظة! أدرك الآباء فى الدير أن هذا الناسك قد كان على علم أن موته وشيك ولذلك أتى إلى الدير حتى لا يحمل خصومة مع أى شخص لكى يذهب إلى الرب يسوع المسيح بدون غضب فى قلبه من أحد.

86 - البحث عن رفات الراهب يوحنا المتضع

ذهبنا إلى مكان يبعد ستة أميال عن روسوس [Rossos] كان هناك رجلان عجوزان يعيشان فى العالم قاما بإستضافتنا كضيوف للكنيسة ولكن فى منازلهم الخاصة كان هذا المكان بالقرب من أحد الجبال، فإصطحبنا إلى مقبرة حجرية كانت هناك وأخبرونا عنها الآتى: أيها المسيحيين الصالحين هناك راهب عظيم يرقد فى هذه المقبرة قمنا بسراليهما: كيف علمتما ذلك؟

فقالا الآتى: منذ سبعة سنوات وفى إحدى الليالى رأينا شعاع يشبه ألسنة النيران يظهر من قمة هذا الجبل! فى بادئ الأمر إعتقدنا أن هناك من أشعل النيران هناك لوجود حيوانات مفترسة فى هذا المكان، وإستمر الأمر هكذا لعدة أيام، وفى أحد الأيام ذهبنا إلى أعلى الجبل لنتبين الأمر، ولكننا لم نرى أى شئ او أى علامة على وجود ونيران أو شئ قد إحترق.

مرة ثانية فى الليلة التالية رأينا نفس الضوء، وإستمر هذا المشهد لمدة ثلاثة أشهر، وأخيراً قررنا أن نصعد أعلى الجبل فى الليل ومعنا بعض سكان المكان وهم مسلحون بالأسلحة النارية خوفاً من أن تكون هناك حيوانات مفترسة، وتسلقنا جميعاً الجبل فى إتجاه هذا الضوء، ومكثنا هناك الليل بأكمله حتى الفجر عندما بدأ نور الصباح فى الظهور وجدنا كهف صغير فى نفس المكان الذى كانت تظهر منه ألسنة النيران، ثم وجدنا هذا الراهب وهو ميت كان يلبس رداء من الشعر ملابس الكهنوت مصنوعة من الخيش ويحمل معه الإنجيل، ووجدنا بجواره قطعة ورق صغيرة مكتوب بها الآتى: أنا يوحنا غير المستحق تنيحت فى يوم الخامس عشر المذكور هنا، ثم قمنا بحسب التاريخ فعلمنا أنه قد تنيح منذ سبعة سنوات، وأنه كان يعلم اليوم بالتحديد الذى سيموت فيه، فحملنا رفاته وقمنا بدفنه داخل الكنيسة.

87 - حياة الأب توماس ومعجزة رفاته

علمنا من كاهن كنيسة ثيؤبوليس [Theoupolis] فى أنطاكية أنه كان هناك خادم لشعب الكنيسة فى حى يدعى أباميا [Apamea] وكان إسم الخادم توماس [Thomas] جاء إلى ثيؤبوليس ليلبى بعض إحتياجات الدير، ولكنه تنيح ودُفن فى كنيسة القديسة أوفومية، وحيث أنه كان من الغرباء قام كاهن هذا المكان بدفنه فى مقابر الغرباء، وفى اليوم التالى توفيت إمرأة ودفنت فوقه وكان ذلك فى حوالى الساعة الثانية، وفى حوالى الساعة التاسعة قذفت الأرض من باطنها تلك المرأة، وعندما شاهد أهل المكان هناك ذلك تعجبوا بشدة وقاموا بدفنها مرة أخرى فى نفس المكان، ولكنهم فى اليوم التالى وجدوا المرأة مازالت موضوعة على قمة القبر، فأخذوا المرأة وقاموا بدفنها فى مقبرة أخرى، وبعد أيام قليلة دفنت إمرأة أخرى فى نفس المقبرة أعلى الراهب ولم يعلموا أنه لن يسمح بذلك، وعندما قُذفت تلك المرأة أيضاً، أدركوا هؤلاء الناس أن هذا الراهب لن يسمح بأن تُدفن إمرأة فوقه.

ذهبت أهل الحى إلى البطريرك دونينوس (546 - 559م) وأخبروه بما حدث فطلب من أهل المكان أن يأتوا إلى مكان المقبرة وهم يحملون الشموع ويرنمون آيات من المزامير وقاموا بنقل رفات هذا الراهب الصالح إلى مقابر القديسين الشهداء وأنشأوا كنيسة صغيرة فوق قبره.

88 - البحث عن راهب قديس فوق الجبل

حكى لنا الآباء فى ثيؤبوليس [Theoupolis] الآتى:

فى أحد الأيام يا أبانا صعدت لأعلى جبل يدعى عمانون لسبب ما، وأثناء وجودى هناك وجدت كهفاً فدخلت الكهف فوجدت ناسكاً راكعاً على ركبتيه ويده مرفوعة للسماء وشعر رأسه منسدل على كتفيه حتى وصل إلى الأرض، فاعتقدت أنه حى، فقمت بعمل ميطانية أمامه وقلت له: صلى لى يا أبى، ولكنه لم يرد علىَّ نهضت ودونوت منه رغبة منى فى إحتضانه، ولكنى عندما لمسته وجدته ميتاً، فتركت الكهف وخرجت وبعد مسافة ليست بكبيرة رأيت كهفاً آخر دخلت الكهف فوجدت راهب آخر قال لى: مرحباً هل رأيت الراهب الذى فى الكهف الآخر؟

قلت له: نعم يا أبى.

قال لى: هل حصلت على ما تريد يا أخى؟

قلت: لا.

قال: بالطبع لا يا أخى فإن هذا الراهب الذى مات منذ خمسة عشر عاماً، والذى يبدو وكأنه مات منذ ساعة ثم صلى لى الراهب وذهبت فى طريقى ممجداً الرب يسوع المسيح.

89 - موت إثنين من الرهبان فوق الجبل

كان هناك راهبان يعيشان فى مكان بعد روسس فوق جبل يسمى بترجيون [Ptergion] الجناح الصغير بالقرب من نهر بيابى [Piapi] ودير الأب ثؤدوسيوس أحد الرهبان وهو راهب عجوز تنيح، فقام الآخر وهو أحد تلاميذه بالصلاة عليه ودفنه فوق الجبل، بعد بضعة أيام توجه الناسك الثانى أسفل الجبل نحو مكان يسكنه أهل العالم، مر برجل كان يعمل فى أرضه وقال له: إذا تفضلت أيها الأخ الصالح إحمل فأسك وجرافتك وتعالى معى.

ولم يتردد هذا الريفى فى طاعة هذا الراهب وإنطلقا على الفور نحو الجبل، وأشار الراهب إلى نفس المكان الذى دُفن فيه رفيقه الراهب الآخر وقال للرجل الريفى أحفر هنا، وكان الرجل يحفر بينما الراهب يصلى وعندما إنتهى من صلاته قام بإحتضان الرجل الريفى وقال له: صلى من أجلى يا أخى ثم نزل داخل المقبرة ورقد فيها أعلى رفيقه الناسك ثم أسلم روحه، حزن الرجل الريفى بشدة عليه وشكر الله وقرر الرجوع إلى أرضه، لم يقطع الرجل مسافة كبيرة أسفل الجبل وقال لنفسه: كان يجب علىَّ أن آخذ بركة من هذا الرجل القديس وعاد الفلاح مسرعاً ولكنه لم يجد قبر هذين القديسين.

90 - حياة الأب جرجس وتلميذه الراهب

أخبرنا بعض الآباء عن الأب جرجس (غريغورى) [Gregory] السائح الذى كان يسافر فى البرية عارياً وإستمر هكذا لمدة خمسة وثلاثون عاماً، وعندما كان عند الجبل حيث دير الأب ثيؤدوسيوس فى مدينة سكوبلس، مات رفيقه وتلميذه لكن هذا الراهب لم يكن لديه أدوات ليحفر بها قبراً لهذا الرفيق الأخ فنزل من الجبل وتوجه نحو البحر ووجد سفينة تبحر عند المرسى، فنادى الرجل على قائد السفينة والطاقم الذين معه ليأتوا أعلى الجبل ليساعدوه فى دفن رفيقه، فوافق الجميع طواعية وذهبوا أعلى الجبل ومعهم ما قد يحتاجونه من أدوات، وحفروا القبر وقاموا بدفن الراهب المتنيح، فلمست تقوى هذا الناسك ونعمته أحد البحارة (وإسمه ثاليليوس Thalilaios) حتى أنه طلب من العجوز الأب جرجس إن كان من الممكن البقاء معه، ولكن الأب جرجس قال له: قد يكون من الصعب عليك تحمل قسوة حياة الزهد، ولكن البحار الشاب أجابه بأنه متأكد من أنه يستطيع تحملها وبقى مع الأب العجوز لمدة عام كامل وكان يبذل الجهد الكبير لتحمل تلك الحياة، وفى نهاية العام أتى ثاليليوس إلى الأب جرجس وإنحنى أمامه وقال له: صلى لى يا أبى وأشكرك على صلواتك، فقد ساعدنى الرب على تحمل المعاناة، فلم أعد أشعر بعد بألم الحياة ولا قسوة المناخ اصبحت تزعجنى، لم تعد ترهقنى الحرارة ولا يرعشنى البرد فأنا أشعر بنعمة الرب وبركته.

بارك الأب العجوز الأخ ثاليليوس، وبقى معه لمدة عامين ونصف عام بعدها شعر هذا الرجل أن حياته قد أوشكت على الإنتهاء، فقال للعجوز ملتمساً: خذنى إلى أورشليم حتى يمكننى أن أمجد الصليب المقدس وقبر يسوع المسيح إلهنا، ففى هذه الأيام سياأخذنى المسيح لأبقى معه، لذا فقد أخذ العجوز الرجل وذهبا معاً إلى المدينة المقدسة، وصلى الإثنان ومجداً المكان ثم إتجها إلى نهر الأردن المقدس وتعمد الإثنان مر ثلاثة أيام وتنيح البحار ثاليليوس، فقام أب جرجس بدفنه، ولم يمر وقت طويل وتنيح العجوز أيضاً، فقام الآباء فى دير كوبراثا Copratha بدفنه فى كنيستهم.

91 - حياة الأخ جرجس وجسدا الراهب بطرس

أخبرنا أبانا الأب جرجس بطريرك ورئيس دير الأب القديس ثيؤدوسيوس الموجود بصحراء مدينة إلهنا يسوع المسيح وأخبرنا المفكر سوفرونيوس الآتى:

كان هناك أخ يدعى جرجس الكبادوكى إعتاد هذا الشخص القيام ببعض الأعمال اليدوية، وفى أحد الأيام أثناء قيام بعض الإخوة بخبز بعض الأرغفة كان الأخ جرجس يشعل الفرن ويجهزه للخبز، وعندما أشعل الفرن لم يجد الأداة المستخدمة (تدعى المطرحة) حتى تساعده فى حمل الأرغفة المخبوزة خارج الفرن (كان بعض الإخوة قد قاموا بإخفاءها لإختباره)، فدخل الأخ جرجس الفرن بنفسه وقام بتحريك الأرغفة بجلبابه، ثم خرج من الفرن دون أدنى إصابة، وعندما سمعت ذلك قمت بإثبات ذلك لباقى الإخوة بوضعه مرة ثانية فى نفس الإختبار.

أخبرنا نفس الأب عن نفس الأخ جرجس الآتى:

أنه فى أحد الأيام وأثناء خروجه ليرعى الخنازير فى مدينة فاسياليس [Phasaelis] إنقض إثنان من الأسود على أحد الخنازير، فحمل الأخ جرجس عصاة وقام بمطاردتهما حتى نهر الأردن المقدس.

ومرة أخرى قص لنا الأب جرجس الآتى:

أثناء تشيدننا لكنيسة القديس كريكوس [Kerykos] فى فاسياليس وإستعدادنا لوضع الأساس لها، ظهر لى فى نومى أحد الرهبان المعروف بنسكه الشديد، وكان يرتدى زياً من الخيش، وقال لى بصوت حنون دافئ: أخبرنى أيها الأب جرجس هل من العدل بالنسبة لك أنه بعد كل هذا التقشف وتحمل الآلام أن أبقى مدفوناً خارج الكنيسة التى تشيدها أنت الآن؟

أجبت بإحترام شديد: حقيقة من أنت يا سيدى؟ أجاب الرجل: أنا الراهب بطرس راهب نهر الأردن المقدس.

إستيقظت من نومى فى الفجر وقمت بتوسيع الرقعة التى ستقام عليها الكنيسة، وعندما قمت بالحفر بعد هذا التوسع وجدت رفات هذا الناسك راقد هناك، تماماً كما رأيته فى نومى، وعندما إنتهينا من بناء الكنيسة بنيت له قبراً عظيماً فى الجزء الأيمن من الكنيسة ونقلته فيه.

92 - حياة الأب سيسنيوس الذى رفض الأسقفية، وتلميذه

نفس الأب العظيم جرجس قام بإخبارنا الآتى: فى أحد الأيام قمت بزيارة إلى الأب سيسينيوس الناسك [Sisinios]، وهو الراهب الذى تخلى عن منصبه كأسقف من أجل التفرغ لحياته مع الرب يسوع وسلك حياة التوحد فى قرية تدى بثابارا [Bethabara] التقى تقع على بعد ستة أميال من نهر الأردن العظيم، وعندما ذهبت له وطرقت الباب لفترة طويلة، وأخيراً فتح لنا أحد تلاميذه وقال لنا: إن الأب يحتضر، وكان يصلى للرب ألا يفارق الحياة قبل أن يسمع بوجودك هنا فى هذه الأرض، وحيث أننى كنت فى القسطنطينية لأداء بعض المهام المتعلقة بالدير فى محكمة الإمبراطور الصالح تابروس صعد تلميذ هذا الراهب ليخبره بوصولى، وبعد فترة قصيرة هبط وقال لنا: أنا مستعد الآن فصعدنا لراهب وعند دخولنا وجدناه قد فارق الحياة! أدركت أن هذا الرجل الصالح قد تنيح وصعد لأبيه السماوى بمجرد سماعه بوصولى للمكان، وعندما دنوت منه وضممته إلى صدرى سمعته يحدثنى بصوت خافت ويقول: أهلاً بك يا أبانا ورقد ثانية، فأخبرت أهل بيته بوفاته وقاموا بدفنه، وأثناء حفرهم لقبره طلب تلميذه من حفار القبور قائلاً: إذا تفضلت أن تجعل هذه المقبرة أكثر إتساعاً حتى يمكننا الإقامة معاً، وفى أثناء حفرهم لهذه المقبرة سقط التلميذ على الأرض ميتاً، ودفن الإثنان معاً المعلم وتلميذه.

93 - حياة الأب جوليان أسقف بوسترا

قال الأب جرجس عن الأب جوليان [Julian] الذى أصبح أسقف بوسترا [Bostra] الآتى: بعدما رُسم الأب جوليان أسقفاً لمدينة بوسترا وترك خدمة الكهنوت بالكنيسة أراد بعض الأثرياء ممن لا يخشون الرب أن يتخلصوا منه، فقاموا بشراء رئيس خدمه بالمال وذلك لوضع السم فى مشروب ويقدمه له، ففعل الخادم ما طُلب منه وقدم الكأس المسموم للأب الصالح جوليان، ولكن بالروح القدس شعر الأب جوليان مؤامرة هؤلاء الأشرار وما يدبرونه له، لم يريد الأب جوليان أن يفضح أمرهم أمام الناس جميعاً، ولكنه خاطبهم بصوت حنون وقال لهم: لا تعتقدوا أنكم قادرون على التخلص من الأب جوليان البسيط بهذا السم سأتجرعه أمامكم جميعاً، وقام برسم علامة الصليب ثلاثة مرات على الكأس وهو يقول: سأشرب هذا الكأس بإسم الرب يسوع المسيح ثم تجرع هذا الأب الصالح الكأس أمامهم وبقى حياً دون أى أذى، وعندما رأى المتآمرون جميعاً ما حدث ركعوا على ركبهم أمام الأب جوليان معترفين وتائبين.

94 - حياة الأب باتريك فى دير سكوبلس

كان هناك رجل تقى يعيش فى دير الأب القديس ثيؤدوسيوس، ومن أصل أرمانى ومن مدينة سبسطية [Sebasteia]، وإسمه باتريك [Patrik]، طاعن فى السن يقال أن عمره يقارب المائة والثلاثين شديد الإتضاع وصامت طوال الوقت، وأخبرنا آباء هذا الدير أن هذا الرجل التقى كان فى أحد الأيام رئيساً لدير فى أبازان [Abazan]، ولكنه ترك هذا المنصب خوفاً من أن يدان أمام الرب وقال: إن المكان يحتاج إلى رعاة روحيين عظماء حتى يرعوا خراف روحيين، ولذلك فقد أتى إلى هنا ووضع نفسه تحت سلطان الطاعة إعتقاداً منه بأن ذلك قد يكون أكثر فائدة له.

95 - قصة أخرى عن الأب باتريك

روى الآباء رواية أخرى تخص الأب باتريك: كان هناك راهب عجوز من أصل عربى وكان يدعى جوليان [Julian]، وفى أحد الأيام إختلفت الأب جوليان مع الأب مكاريوس [Macarios] بطريرك أورشليم، فإمتنع عن التناول معه فى الكنيسة وذهب ليتحدث مع الأب سيمون الناسك [Symeon] عند جبل يسمى جبل العجائب والذى يقع على بعد تسعة أميال غرب أورشليم وقال له: إننى رجل أعمى ولا أستطيع الذهاب بمفردى لأى مكان ولا يوجد معى من يقودنى إلى حيث أريد بالإضافة إلى أذنى أرفض التناول مع الأب مكاريوس أخبرنى يا أبانا ماذا أفعل حيالة شخص زانى قد أقسم قسماً مقدساً معه؟

قال الأب سيموت للآب جوليان: لا تنسحب من الدير ولا تبعد عن الكنيسة المقدسة وبنعمة يسوع المسيح إبن الله الحى لن يكون هناك شرور فيها ولكن يجب عليك أن تعلم يا أخى إن كان الشخص الذى يصلى فى القداس فإن هناك رجل تقى إسمه باتريك هذا الرجل يقف خارج المذبح وفى أكثر الأماكن إنخفاضاً وقريب من الحائط الغربى من الكنيسة، فإن هذا الرجل يصلى صلاة القداس للجميع وفى القداس يتبارك جميع الحاضرين من أجل صلاته[27].

96 - الشقيقان اللذان تعاهدا ألا يفترقا أحياءاً أو أمواتاً

قال الأب يوحنا الناسك أو كما كان يسمى: يوحنا الأحمر Jihn the Rod أنه سمع من الأب ستيفان الموبيتى [Stephan th Moabite] أنه عندما كان فى كنيسة القديس ثيؤدوسيوس، كان هناك شقيقان تعهدا عهداً مقدساً ألا يفترقا سواء كانوا أحياءاً أو أمواتاً، وأثناء وجودهما فى الكنيسة كانا بمثابة مصدر ومرجع للعلم والتهذيب أحد الشقيقين وقع فريسة لشهوة الزنا حاربته تلك الشهوة بضراوة حتى إنهزم فى تلك الحرب هزيمة نكراء وإستسلم لشهوته، فقال لشقيقه: أطلقنى يا أخى، فأنا منساق نحو الزنا وأريد الرجوع لحياة العالم، فتوسل إليه أخاه قائلاً: يا أخى لا تفسد كل ما تحملته من نسك بفعلتك هذه، أجاب عليه قائلاً: سواء أتيت معى لأفعل ما أريده أو تركتنى أذهب بمفردى فإننى سأذهب.

لم يرغب الأخ فى ترك أخاه المهزوم، فتركا الإثنان الدير وذهبا إلى المدينة، ودخل الأخ المهزوم مكاناً لممارسة الخطية وترك أخيه بالخارج وكان شقيقه يوبخ نفسه ويضع التراب على رأسه من شدة الحزن والأسى على أخيه، وعند خروج الشقيق المهزوم من المكان وبعد أن فعل الخطية، قال له شقيقه: يا أخى ماذا ربحت من خطيتك؟ وماذا خسرت بها؟

أجاب المهزوم قائلاً: لا أستطيع الرجوع إلى حياة البرية مرة أخرى وسوف أبقى فى العالم، عمل الشقيق الصالح كل ما فى وسعه لإقناع أخيه بالرجوع إلى حياة البرية ولكنه فشل، وكانت النتيجة أن ترك الإثنان البرية وإستمرا معاً فى العالم، وعمل الشقيقان كعمال حتى يستطيعا أن يعولا أنفسهما فى ذلك الوقت كان الأب إبراهيم (الذى أنشأ دير الإبراهيميت فى القسطنطينية والذى كان بطريرك أفسس وكان يعرف بطيبته ولطفه الشديدين) وكان فى ذلك الوقت يبنى ديره الخاص والذى كان يعرف بإسم دير بيزنطين [Byzantines] غرب أورشليم وأتى إليه الشقيقان ليعملا فى بناء هذا الدير للحصول على أجر وكان الشقيق الذى وقع فريسة للزنا يأخذ كل أجره، وينطلق إلى المدينة كل أسبوع حيث يبدد ما كسبه فى ممارسة الخطية بينما الشقيق الآخر يؤدى عمله فى صمت عميق ولا يتحدث لأى شخص.

عندما لاحظ باقى العاملين هذا الشقيق الصامت وأنه أيضاً لا يأكل ولا يتحدث إلى أحد ولا يفعل شئ سوى التأمل ذهب باقى العمال وأخبروا الأب إبراهيم عنه، فقام الأب إبراهيم بإستداعاؤه إلى قلايته الخاصة ليتحدث إليه، وعندما أتى هذا الشقيق سأله البطريرك: من أين أتيت أنت وشقيقك وماذا تعملان؟ إعترف له الشقيق قائلاً: بسبب شقيقى حدث كل هذا ورجائى فى الرب بأن ينظر إلى ضعفى وينقذ أخى إستمع إليه الأب إبراهيم ثم قال له: منحك الله سلطان على روح أخيك أيضاً كما أن لك سلطان على نفسك، ثم صرفه وخرج الشقيق وترك قلاية الأب إبراهيم وعلم أن أخيه يناديه ويقول له: خذنى إلى البرية حتى يخلصنى الرب، وعلى الفور أخذه شقيقه إلى كهف قريب من نهر الأردن المقدس وأغلق عليهما الباب وبعد فترة قصيرة كان الشقيق الخاطئ قد صنع تقدماً عظيماً فى علاقته الروحية مع الله، ولم يمض وقت طويل حتى رحل إلى السموات، أما الشقيق الثانى حتى يفى بقسمه إستمر فى الكهف حتى مات هو أيضاً هناك.

97 - قصة للشقيق الحي

بينما كان الشقيق يقضى باقى حياته فى الكهف بجوار نهر الأردن المقدس بعد وفاة شقيقه جاء إليه رجل من دير كالامون وقال له: أخبرنى يا أخى ما هو الشئ الصالح الذى يجعلك تبقى صامتاً وناكراً لذاتك؟

أجاب الشقيق قائلاً: إذهب وعُد مرة ثانية بعد عشرة أيام وسوف أخبرك، فرحل الرجل العجوز ثم رجع مرة ثانية بعد عشرة أيام فوجد أن الشقيق قد فارق الحياة وبجواره جزء من فخار مكسور ومكتوب عليه: إغفر لى يا أبى ولكننى لن أدع ذهنى منشغل بأمور أرضية بينما أؤدى أمور روحية أخرى.

98 - الراهب أنطونى فى دير سكوبلس

أخبرنا بعض الآباء فى دير سكوبلس أنه منذ زمن كان هناك راهب يدعى أنطونى [Anthony] وفى أحد الأيام قرر الذهاب إلى مدينة تدعى كوتيلا[28] [Coutila] وأثناء سيره فى البرية قابله بعض السراسيين يمرون بهذا الطريق، وعندما رأوا الراهب العجوز تقدم إليه أحدهم وأشهر سيفه فى وجه الراهب بنية قتله، وعندما رأى الراهب هذا الرجل وهو يتجه نحوه نظر بعينه إلى السماء وقال: ايها الرب يسوع المسيح لتكن مشيئتك، فعلى الفور إنشقت الأرض وإبتلعت هذا السراسينى، وأنقذ الراهب ودخل إلى قلايته فى الدير يمجد الرب.

99 - حياة الراهب بطرس فى دير بونتس

إستمرت روايات هؤلاء الآباء عن القديسين وذكر الكاهن بطرس [Peter] والذى كان من بونتُس [Pontus] والذى يُنسب إليه أيضاً العديد من الأعمال الرائعة حيث كانت له قصة خاصة مع الأب ثيؤدورس أسقف روسس وقصها علنيا هذا الأسقف:

فى أحد الأيام قررنا أنا والراهب بطرس التوجه إلى نهر الأردن المقدس حيث يوجد الدير الذى أقيم فيه عند برجيا فقال له بطرس: إذا تفضلت يا أخى ثيؤدورس دعنا نقدم توبتنا فلا يأكل أى منا أى شئ حتى نصل إلى جبل سيناء، فأجبته فى الحقيقة يا أبى هذا يفوق قدرتى، ولكن الأب بطرس قام بتنفيذ ما قرره بمفرده ولم يأكل شيئاً حتى وصل إلى جبل سيناء، وعند الجبل قام بتناول جزء من القربان المقدس، ثم إمتنع عن الطعام منذ أن تركنا جبل سيناء حتى وصلنا إلى مدينة القدس مينا[29] فى الإسكندرية وهناك حضر القداس ثم تناول جسد المسيح ودمه، ومن الإسكندرية حتى وصل المدينة المقدسة لم يذق أى طعام، ثم قام بعمل القداس فى كنيسة القيامة وبعدها تناول بعض الطعام، ففى خلال تلك الرحلة الطويلة والشاقة لم يذق هذا الأب القديس الطعام إلا ثلاث مرات: الأولى عند جبل سيناء والثانية فى مدينة القديس مينا بالإسكندرية والثالثة فى المدينة المقدسة.

100 - حياة الراهب باردوس الرومانى

وذكر نفس آباء نفس الدير رواية أخرى تخص الأب باردوس أى بولس وكان قد أتى إلى الدير من روما وكان هذا الرجل فى شبابه يعمل بغالاً اى سائق بغل، وفى أحد الأيام خرج قاصداً الذهاب إلى أريحا ومعه بعض البغال وفى الطريق رأى طفل صغير فى كهف صغير، وأثار إبليس أحد البغال وبدون علم من الأب بولس سحق هذا البغل الطفل الصغير بقدميه حتى قتله إرتبك الرجل بشدة لما حدث، ففر هارباً إلى البرية وعندما وصل إلى مدينة أرونا وأصبح راهباً ولكن حزنه لقتل الطفل لم يتوقف وكان دائم القول: إننى قد تسببت فى قتل هذا الصغير فأنا قاتل وسوف أدان أمام الرب، وكان فى هذا المكان عرين لأسد وكان بولس يدخل هذا العرين كل يوم ويستفز الأسد حتى ينقض عليه ويفترسه ولكن الأسد لم يتأثر ولم يؤذى الرجل، وعندما أدرك بولس أنه لم ينجح مع الأسد قال لنفسه: سوف أرقد على الأرض فى طريق الأسد وعندما يذهب الأسد ليشرب من النهر سيفترسنى، رقد الأب بولس وبعد فترة خرج الأسد من عرينه ومع علمه بأن من على الأرض إنسان إلا أنه قفز من عليه كما لوكان حريصاً ألا يلمسه هنا على بولس الناسك أن الله قد غفر له خطيته فرجع إلى ديره، وسلك حياة كانت بمثابة المثال الذى يجب أن يحتذى به كل شخص يرغب فى التقوى والتهذيب وإستمر هكذا حتى رقد بسلام.


[27] - يريد الكاتب هنا أن يشير إلى أن رجل تقى واحد يمكن أن يملأ المكان بالنعمة.

[28] - تعنى "الصحراء المطلقة" وهى تقع فى تجاه البحر الميت فى منطقة قمران Qumran.

[29] - هى مدينة ومكان مقدس تقع تقريباً فى منتصف المسافة بين الإسكندرية ووداى النطرون عند صحراء ماريوت، وهو مكان له شعبيته حيث يزوره المسافرون اثناء سفرهم ليلاً وهم يركبون الحمير أو البغال وقادمون من الاسكندرية.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

القصص من 101-150

القصص من 1-50

المحتويات
المحتويات