القصص من 1-50

مقدمة

أثناء خدمتى فى كندا، كنت قد زرت ديراً للراهبات الأرثوذكس الروس يتمتع هذا الدير بالروحانية العالية جداً، ويقيم به خمس راهبات فقط يعيشن حياة الفقر الاختيارى والزهد والنسك الذى قرأنا عنهم فى الكتب، وما كنا نظن أننا سوف نراه يوماً وسط المدنية والإباحية والبهرجية الزائدة فى الغرب، ولكن تباركنا فى هذه الزيارة، وتباركنا أيضاً من تدبير هؤلاء الراهبات، أثناء تفقدى لما فى المكتبة من كتب وجدت هذا الكتاب الذى يحمل إسم The Spiritual Meadow، ومعناه المراعى الروحية، وهو من تأليف الراهب والرحالة جون موسكوس وهو من الكنيسة السريانية وقد إعتاد الترحال بين الأديرة لإكتشاف القديسين الذين يحيون حياة القداسة لكى يحتذى بهم ويحيا حياتهم، وهو يتحدث عن سير بعض من القديسين الأوائل الذين لم يتحدث عنهم كتاب بستان الرهبان، ولا كتاب التاريخ اللوزياكى ولا كتاب يوحنا كاسيان، ولذلك قررت ترجمته وتقديمه لهذا الجيل الذى يحتاج إلى القدوة وإلى بعض من سير الكاملين لكى نسلك حذوهم ونسير مثلهم ونتمثل بهم عملاً بالوصية التى تقول: "أنظروا إلى نهاية سيرتهم فتمثلوا بإيمانهم".

(عب 13: 7).

ولا شك أننا نسعى بمعونة الرب ونعمته التى تشملنا فى الأسرار أن يكون لنا نصيب مع القديسين فى الملكوت، ودائماً نحن نسعى ونجاهد ونعبد ونقدم حياتنا فى تكريس متواصل، وندرب أنفسنا على التوبة المستمرة لكى يكون لنا ميراث القديسين، والكتاب الذى بين يديك أيها القارئ العزيز هو مجموعة من القصص التى تتحدث عن حياة بعض القديسين الذين لم يكتب عنه التاريخ شيئاً، وربما نقول أنها أمور تفوق الإدراك والوصف والخيال وربما نقول أنها فوق الإمكانيات البشرية، ولكننا نقف أمام غنى النعمة التى عملت فى هؤلاء القديسين، وجهاد الحب الذى قدموه ذبيحة حية مرضية مقبولة عند الله.

نطلب ان ترافق نعمة الرب كل نسخة من هذا الكتاب لكى تكون سبب سيرتهم ونحذوحذوهم، ونخطو خطواتهم ببركة صلوات العذراء القديسة مريم أم القديسين، وصلوات هؤلاء القديسين الذى حولهم هذا الكتاب، وصلوات قداسة وغبطة البابا شنوده الثالث باعث النهضة معلم المسكونة لهذا الجيل.

القمص إشعياء ميخائيل بباوى.

1 / 11 / 2003م.

21بابة 1719 التذكار الشهرى للعذراء القديسة مريم.

تعريف بالكاتب

راهب سلك حياة الرهبنة يدعى جون موسكوس دخل دير قريب من بيت لحم ثم انتقل إلى مكان نائى فى صحراء الأرضدن يسعى وراء القداسة، وباحثاً عن آباء الصحراء القديسين إعتقاداً منه بأن هناك جيل من القديسين سرعان ما إنقرض بسبب تهاون وإهمال الجيل الجديد من الرهبان والنساك.

ذهب جون موسكوس ورفيقه المفكر سوفرونيوس [Sophronios] إلى مصر، وبعد جولات عديدة فى مجتمعات مصر إتجها إلى جبل سيناء وهناك مكثا عشر سنوات، ثم عاد جون إلى فلسطين، ولكن الحروب الأهلية وغارات (الفرس) على المكان جعلته يعاون الترحال مرة ثانية، ولكن هذه المرة إتجه إلى سواحل فيونشيا [Phoenicia] وسوريا وبحار أنطاكية [Antioch] ثم الإسكندرية، وأخيراً روما حيث وضع اللمسات الأخيرة لكتابة المراعى الروحية وتنيح فى سنة 619 ميلادياً، ويعتبر هذا الكتاب الثانى الأكثر ثراءاً كتاب تاريخ الرهبان فى فلسطين للكاتب سيريل سيثوبوليس [Cyril Scythopolis] والذى يتحدث عن تاريخ الأديرة فى صحراء الأردن.

كتابنا هذا عبارة عن مجموعة من القصص النادرة قام بجمعها الراهب جون موسكوس فى نهاية القرن السادس الميلادى، وهى حصيلة ترحاله وسفره بين مجامع الأديرة فى مصر وسوريا وفلسطين وأسيا الصغرى جمع هذه القصص ودونها فى كتاب باللغة اليونانية، وأطلق عليه إسم المراعى الروحية أو "The spiritual Meadow".

يقول الكاتب:

إنى أرى أن فصل الربيع يقدم لن الوديان الخصبة والحدائق ا لغنية بالمناظر والمشاهد وكل ما هو مبهج ومتميز، فهى تمد المشاهد بنخبة متنوعة من الأزهار قادرة على أن تأسره بسحرها، فهى تبهج عيونه بألوانها وتزكى أنفه بعطرها، فإذا نر هذا المسحور إلى إحدى جوانب هذه الحدائق فإنه يرى الورود وقد إحمرت وجنتيها خجلاً من النظر إليها، بينما تجذبه زهور السوسن متعالية ومهيمنة على المكان محاولة جذبه بعيداً عن تلك الورود، بينما يلتفت هذا الأسير المسحور إلى الجانب الآخر من المكان ليرى أزهار النفسج متألقة بألوانها وأشكالها كما لو كانت الإمبراطورية الأرجوانية التى تحكم المكان.

يمكن أن أقول بإختصار شديد أن هذا العدد غير المحدود والمتنوع من الأزهار يقدم كل ما يطيب لعيوننا وأنوفينا فى كل جانب من هذه الوديان والحدائق، فإن تناول هذا الكتاب كما فعل إبنى المبارك والمخلص سفرونيوس سيجعلك تكتشف فضائل وخصال القديسين الذين إختلفوا وميزوا أنفسهم عن غيرهم فى زمننا هذا هؤلاء القديسين كما يقول المزمور:

"فيكون كشجرة مغروسة عند مجارى المياه" (مز 1: 3)،

فهم بنعمة المسيح محبوبون لدى الرب بالرغم من تنوع مصدر جمال تلك النعم.

لقد قطفت عدد من أزهار تلك النعم، من بين كل ما سبق ذكره قطفت أجمل وأزكى الزهور لأصنع منها تاجاً، وهو ما أقدمه لك أنت الآن أيها الإبن المبارك والمخلص والذى آمل بأنه من خلالك أستطيع أن أقدمه للعالم أجمع.

لقد إخترت إسم هذا الكتاب المراعى الروحية لما يتضمنه من بهجة وعطر ونعمة لكل من يطلع عليه، ومن أجل الا تكون تلك الحياة المفعمة بالنعم الروحية والقداسة والتقوى مجرد دراسة دينية ولا تكون تأملية على مستويات روحية عُليا كما هو الآن، بل يجب أن تتضمن وصف مكتوب عن حياة أولئك القديسين، لذا فقد حاولت جاهداً أن أكمل عملى فى هذا الكتاب لأخبرك به أيها الإبن المحبوب، كما قمت بوضع تلك القصص الغنية والدقيقة معاً لتكون هذه المجموعة نبع للنعمة والبركة، ثم قمت بإصطفاء أفضل الأعمال وأكثرها حكمة لتشكل فى نهاية الأمر مجموعة من الأعمال الروحية والمثمرة لهؤلاء الآباء القديسين.

والآن سوف أخبرك بتلك الأعمال.......

القصص من 1 - 50

1 - قصة الراهب القديس يوحنا وكهف سبساب

كان هناك دير يدعى دير الأنبا أوستورجيوس[1] [Abba Eustorgios]، وأراد البطريرك أن يعهد بمسئوليات رئاسة هذا الدير لأحد الرهبان، فقام بإختيار راهب عجوز ليتولى مسئولية الدير ولكن هذا الرجل رفض قائلاً: إنى أفضل أن أذهب وأصلى على جبل سيناء للصلاة، ولكن هذا العجوز لم يقتنع أخيراً منحه البطريرك أجازة للصلاة على جبل سيناء عاهداً إليه قبول هذا المنصب عند العودة، فقام الراهب العجوز بتحية البطريرك وأعد نفسه للرحيل لجبل سيناء آخذاً معه أحد تلاميذه المقربين متجهاً إلى جبل سيناء عابراً نهر الأردن، ولم يكد يقطع الإثنان ميلاً واحداً حتى مرض العجوز وبدأ يرتجف من شدة الحمى، وعندما عجز العجوز عن مواصلة السير إذ بهما يجدا كهفاً صغيراً قريباً منهما، فإتجها الإثنان إليه ليستريحا (الراهب العجوز وتلميذه).

مكث الراهب العجوز بالكهف ثلاثة أيام يعانى الحمى الشديدة حتى كان بالكاد يتحرك، وبينما هو نائم إذ بشخص يظهر له قائلاً: أخبرنى أيها العجوز إلى أين تريد الذهاب؟ فأجابه العجوز المريض جبل سيناء، فرد عليه شخص تلك الرؤيا قائلاً: أرجوك إنى أتوسل إليك ألا تذهب هناك، ولم يكشف هذا الشخص نفسه للعجوز ثم إختفى، وهنا إشتدت الحمى على الراهب العجوز وفى اليوم التالى أتى له نفس الشخص وقال له: لم إصرارك على هذه المعاناة أيها العجوز الصالح؟ إستمع إلىَّ ولا تذهب هناك، فسأله العجوز: من أنت؟ فرد عليه هذا الشخص مجيباً: أنا يوحنا المعمدان، لذا فإننى أطلب منك ألا تذهب هناك، فإن سيليزيان [Cilician] فى جبل سيناء، وكثيراً ما أتى إلىَّ يسوع المسيح وزارنى فى هذا الكهف، فأقطع على نفسك عهداً بالبقاء هنا وسوف أرد عليك صحتك فقبلا العجوز ذلك بفرح شديد وأعطى له عهداً مقدساً بالبقاء هنا فى الكهف وعلى الفور إسترد العجوز صحته وتعافى، ومنذ ذلك الحين تحول الكهف إلى كنيسة يتجمع فيها الإخوة فى المسيح وسمى المكان سبساس[2] [Spsas] يحده من الشمال وادى كوراث [Wadi Chorath] حيث أرسل إليه إيليا فى فترة الجفاف التى تعرضت إليها الأردن.

2 - قصة الراهب العجوز الذى كان يطعم الأسود فى كهفه

فى نفس الكهف الذى يدعى سبساس كان هناك عجوز آخر فضل حياة البتولية على الحياة التقليدية وكان له من النعم والبركات الكثيرة حتى أنه كان يرحب بالأسود التى كانت تدخل عليه الكهف ويحتضنها ويقوم بإطعامها كم كان هذا الرجل ممتلئاً بالنعمة والبركة.

3 - قصة الأب كونون قس شعب البنثوكلا

فى دير القديس الأب ساباس[3] [Sabas]، قابلنا الأب أثناسيوس [Athanasios] فأخبرنا هذا الراهب العجوز بالآتى:

عندما كنت من بين شعب دير بنثوكلا[4] [Penthoucla] كان هناك قس مسئول عن المعمودية كان من أهل سيليزيان [Cilician] وإسمه كونون [Conon] وقد عين ليكون مسئول عن معمودية شعب الكنيسة وذلك نظراً لكبر سنه، كان هذا القس العجوز يدشن بالزيت ويعمد، ولكن كان هذا العجوز يتعرض لحرج شديد كلما أتت إليه إمرأة لتتعمد، لذا فقد قرر هذا العجوز الإنسحاب من الكنيسة، وبينما كانت فكرة الإنسحاب تراوده، إذ بالقديس يوحنا المعمدان يظهر أمامه قائلاً له: فيما بعد أنا وخادم الكهنوت سوف نجعل الأمر أكثر سهولة.

مرت الأيام وأتت فتاة فريسية شديدة الجمال لتتعمد غير أن الراهب لم يستطع أن يمسحها بالزيت المقدس، مكثت الفتاة لمدة يومين من أجل المعمودية ولم تتم معموديتها، حتى سمع الأنبا بطرس[5] بالأمر وغضب بشدة من هذا العجوز حتى أنه فكر فى تعيين شماسة إمرأة لتتولى معمودية الفتيات والنساء ولكنه لم يفعل لتعارض ذلك مع تقاليد الكنيسة.

أما الراهب كونون فأخذ عباءته المصنوعة من جلد الماعز وإرتداها وقال: لن أمكث فى هذا المكان أكثر من ذلك، وإنطلق الراهب وبينما هو متجهاً إلى الجانب الآخر من الدير وإذ بالقديس يوحنا المعمدان يظهر له مرة ثانية ويكلمه بصوت هادئ حنون: إرجع إلى ديرك أيها الراهب وسوف أخفف من صراعك، فرد الأب الراهب بغضب شديد قائلاً: صدقنى لن أعود فدائماً ما تعطى لى وعوداً ولا شئ يحدث، فقام القديس يوحنا المعمدان بإجلاس الراهب على الأرض وقام بنزع ملابسه ولثلاث مرات قام برشمه بالصليب فى منطقة الحقوين، وقال: صدقنى أيها الأب كونون كنت اريدك أن تخوض هذا الصراع وتنتصر لتكافأ عليه ولكن طالما أنت لا تريد، فلن يوجد أى صراع بعد اليوم ولكنك قد حرمت نفسك من إكليل الجهاد، وعاد الأب الراهب كونون إلى الدير وبدأ يعمد شعب الكنيسة وفى اليوم التالى أتت الفتاة الفريسية وقام الأب بدهنها بالزيت دون أن يدرك أو يلاحظ ما إذا كانت رجل أم إمرأة، وإستمر الأب كونون لعشرين عام بعد مقابلته للقديس يوحنا المعمدان يعمد شعب الكنيسة ويدهنهم بالزيت المقدس دون أن يشعر بأى صراعات جسدية أو يشعر بأنوثة أى إمراة يعمدها حتى تنيح بسلام، بعدها رسمت الكنيسة تقليداً بأن يتم عماد البنات البالغات والسيدات بإرتداء تونية وأن يتم مسحهم بالميرون المقدس فى الأماكن الظاهرة فقط، ويحل الروح القدس عن طريق وضع اليد والنفخ من أحد الأساقفة أو الكهنة.

4 - رؤية الأب ليونتيوس

أخبرنا الأب ليونتيوس [Leontios] وهو من شعب كنيسة الأب القديس ثيؤدوسيوس[6] [Theodosios]: أنه عندما أنشئ دير جديد بعيد عن نيو لافرا[7] [New Lavra] رحلت لأقيم فى الدير القديم وفى أحد أيام الآحاد ذهبت إلى الكنيسة لأستعد للقداس وعندما دخلت وجدت ملاكاً يقف فى الجانب الأيمن من المذبح وعندما تناولت جسد المسيح ودمه ودخلت قلايتى سمعت صوتاً قائلاً: منذ هذه اللحظة قد تقدس هذا المذبح وقد أمرنى يسوع المسيح بأن أبقى فيه.

5 - قصة الأنبا بوليكرونيوس مع ثلاث رهبان

حكى لنا الأنبا بوليكرونيوس [Polychronios] عن أحد الرهبان بأنه كان غير مبال ببناء نفسه روحياً ولا يعير أى إهتمام لإلتزاماته نحو الكنيسة فى أيام الآحاد، مر بعض الوقت وإذا بنفس الشخص الذى كان بالماضى القريب مهملاً لحياته الروحية قد أصبح مكرساً تماماً للرب وللكنيسة ويتفانى فى الخدمة ويجتهد من أجل نموه الروحى مما دفع الأنبا بوليكرونيوس أن يقول له: يا أخى أنت الآن تفعل الصواب بعنايتك للنواحى الروحية لنفسك، رد عليه هذا الشخص قائلاً: يا أبانا لقد إقترب وقت إنتقالى للسماء، وما إن مضى ثلاث أيام إلا وتنيح هذا الشخص، وحكى لنا نفس الأب كاهن دير نيولافرا أنه أثناء تواجده فى دير عند أبراج بابل[8] تنيح أحد الإخوة فأتى إليه أحد الخدم قائلاً: إذا تفضلت يا أبانا ساعدنى لنقل حاجيات هذا الراهب لنضعها فى مخزن الدير، وعندما بدأوا فى نقل هذه الأشياء وإذا بهذا الخادم يبكى فقلت له: إحضر إلى هنا أيها الأب وأخبرنى لماذا تبكى؟ رد عليه الراهب قائلاً: اليوم نحن ننقل أمتعة أحد الرهبان الخاصة ونضعها فى المخزن وبعد يومين سيقوم آخرون بنفس الفعل مع أشيائى أنا، وبالفعل مر يومان وتنيح هذا الراهب القديس.

6 - قصة أخرى للأب بوليكرونيوس

أخبرنا الأب بوليكرونيوس أنه سمع من الأنبا قسطنطين [Constantine] وهو رئيس دير العذراء مريم[9] والدة الإله فى نيولافرا أن أحد الرهبان توفى بأحد المستشفيات التى تقع فى أريحا، فذهب الأب قسطنطين إلى المستشفى لإستلام جسد الراهب ودفنه فى مكان بالدير قريب من أبراج بابل، ومن اللحظة الأولى لتركه للمستشفى وأثناء إنتقالهم للدير لدفن هذا الراهب القديس كان هناك نجم ساطع يرافقهم ولم يكف عن توهجه حتى رقد هذا القديس فى القبر.

7 - قصة ووفاة القديس العجوز المرشح لأحد الأديرة

كان هناك راهب صالح يعيش فى ديرنيولافرا عند أبراج بابل وعندما تنيح رئيس هذا الدير أجمع الآباء ورهبان هذا الدير على أن هذا الراهب العجوز هو الأفضل ليتولى رئاسة الدير لقامته الروحية العالية والنعمة التى يتمتع بها، ولكن الراهب العجوز رفض قائلاً: أيها الآباء الصالحون إسمحوا لى فقط أن أصلى وأبكى قدام الرب ليغفر لى خطاياى فأنى لست بالشخص المناسب لأتولى مسئولية هذه الأمور الروحية، فهذه المسئولية تحتاج إلى آباء آخرين مثل الذين كانوا يرافقون القديس الأنبا أنطونيوس العظيم، ولكن الآباء فى الدير والرهبان لم يقتنعوا برفضه لهذه المكانة الروحية فكانوا يأتون إليه كل يوم طالبين منه أن يقبل تلك المسئولية الروحية ولكنه لم يقبل، ولكن تحت إصرارهم الشديد على ذلك ورغبتهم فى إقناعه، قال لهم هذا الراهب القديس: إسمحوا لى بأن أصلى للرب لهذا الأمر ثلاث أيام لأعرف مشيئته وخطته لى وكان ذلك يوم الجمعة، وفى يوم الأحد تنيح هذا القديس العجوز.

8 - الأب ميروجينيس المصاب بداء الإستسقاء

فى نفس ديرونيولافرا بأبراج بابل كان هناك رجل صالح إسمه الأب ميروجينيس [Myrogenes] كان مصاباً بداء الإستسقاء {أى داء الإنتفاخ} كان قاسياً جداً فى معاملة نفسه وكلما أتى إليه الآباء والرهبان ليتولوا رعايته صحياً كان يقول لهم: أيها الآباء فقط صلوا من أجل ألا أصاب بهذا الداء داخلياً، فأنا أصلى للرب لعلى أحتمل هذا المرض لفترة طويلة، وعندما سمع الأنبا أوتيكيوس [Eutychios] بطريرك أورشليم بهذا الأمر أمر بإرسال كل ما قد يحتاجه الأب ميروجينيس ولكنه لم يستلم أى رد على ما أرسله إلا (صلى من أجلى يا أبانا حتى لا أعانى داخلياً).

9 - عطية رائعة من عجوز قديس

فى نفس الدير الذى يدعى نيولافرا فى بابل كان هناك رجل عجوز يؤدب نفسه بأن يعيش أقصى درجات الفقر ومع ذلك فإن تلك الحياة القاسية كانت عطية عظيمة للآخرين، ففى أحد الأيام أتى إلى هذا العجوز أحد المحتاجين يطلب عطية ولم يكن لدى العجوز شئ يقدمه غير كسرة خبز، فأحضرها العجوز وقدمها لهذا المحتاج، فرد عليه هذا الشخص قائلاً: أنا أريد ملابس وكان العجوز يريد أن يُلبى إحتياجات هذا المحتاج، فأخذ هذا الشخص وأدخله إلى المكان الذى يعيش فيه داخل قلايته الصغيرة، فتعجب هذا الشخص إذ لم يكن هناك أى شئ على الإطلاق غير أن هذا العجوز ظل واقفاً تأثر هذا الشخص من النعمة التى على وجه العجوز فقام وأفرغ محتويات الكيس الذى كان يمسك به فى وسط القلاية وقال: خذ هذا أيها العجوز الصالح سأذهب وأبحث عما أحتاجه فى مكان آخر.

10 - القديس برنابا الناسك

كان هناك أحد الرهبان يدعى برناباس [Barnabas] يعيش فى قلاية داخل أحد كهوف نهر الأردن المقدس وفى أحد الأيام ذهب هذا الراهب إلى النهر ليشرب، وفى الطريق انغرس شئ حاد فى قدميه واستقر بداخلها فترك الراهب هذا الشئ ولم يسمح لطبيب بفحص قدمه وعلاجه، وإستمر الأمر هكذا حتى إلتهبت قدمه وتعفن الجرح بشدة مما دفعه لأن يسأل الآخرين العون وزاد الألم وتفاقم الجرح، وكلما أتى أحد ليساعده كان يقول له كلما زاد الألم الخارجى زاد الثراء الروحى الداخلى.

ترك القديس برنابا الكهف وتوجه إلى أبراج بابل ومكث هناك لفترة، وترك راهب آخر المكان وتوجه إلى تلك الأبراج المقدسة وبمجرد دخوله المكان إذ به يرى ملاك الرب واقفاً عند المذبح الذى صنعه القديس برناباس، فسأل الناسك الملاك: ماذا تفعل هنا؟، أجابه ملاك الرب: أنا ملاك الرب، فمنذ الآن تقدس هذا المكان وزاد بركة وقد عهد الرب لى أن أحميه.

11 - حياة الأب هجيودولوس

يقول الأب بطرس [Peter] كاهن دير القديس الأب ساباس [Sabas] أنه عندما كان رئيساً للدير تنيح أحد الإخوة الرهبان، ولم يكن يعلم الأب هجيودولوس [Hagiodoulos] رئيس دير جيراسيموس[10] [Gerasimos]، قام قائد المرتلين بالدير بالقرع على الأخشاب[11] (كإشارة) ليتجمع الآباء والرهبان حتى يصلوا على المنتقل ويرسلونه إلى قبره وعندما حضر العجوز القديس إليه وجد جسد الراهب موضوعاً على الأرض فى منتصف الكنيسة، حزن القديس هجيودولوس لرحيل هذا الراهب دون أن يودعه، فتوجه إليه وقال للجسد وهو ممدد على الأرض: انهض من نعشك وودعنا فقام الراهب الميت من نعشه وألقى التحية على القديس العجوز فقال له القديس: الآن إذهب وإسترح حتى تقابل إبن الله يسوع المسيح عند مجيئه الثانى، ويقال أيضاً أن نفس هذا العجوز القديس إتجه ذات يوم إلى نهر الأردن المقدس وكان يفكر ويتأمل بشأن الإثنى عشر حجراً الذى امر بهم الرب النبى يشوع بجمعها حسب عدد أسباط بنى إسرائيل وأن تستقر تلك الأحجار فى مياه نهر الأردن تذكاراً لبنى إسرائيل، وبينما يتأمل هذا القديس هذه الأشياء وإذ بنهر الأردن ينشق وتظهر أمام عينيه الإثنى عشر حجراً، فسجد القديس هجيودولوس بإتضاع أمام الرب ورجع إلى فلايته ممجداً إسم الرب.

12 - حكمة الأب أوليمبيوس

ذهب أحد الإخوة إلى الأب أوليمبيوس [Olympios]، كاهن دير لافرا التابع للأب جيراسيموس سائلاً عن حكمة ينتفع بها فقال له الأب أوليمبيوس: لا تعاشر المهرطقين وراقب قولك وإضبط لسانك وصن نفسك فى أى مكان تذهب إليه وقل دائماً لنفسك أنا غريب[12] عن هذا العالم.

13 - حياة الأب مرقس الناسك

كان الأب مرقس [Mark] الذى كان يعيش فى دير بنثوكلا كان يحيا حياة التقشف فى صيامه خلال أيام الأسبوع وإستمر فى حياة التقشف هذه لمدة تسعة وستين عاماً مما دفع بعض الناس إلى أنهم يشعرون بعلو قامته الروحية وكان يجاهد ليلاً ونهاراً عاملاً بوصايا السيد المسيح فكان يعطى الفقير ويرفض أن يأخذ من أى إنسان أى شئ، وعندما سمع عنه بعض أولاد المسيح وأتوا إليه ليقدموا له العطايا رفض ذلك قائلاً: أنا لا أقبل العطايا فعمل يدى يكفينى ويكفى من يزورنى بنعمة المسيح.

14 - حرب الشهوة هاجمت راهباً فأصيب بالجذام

فى مناسبة أخرى قص علينا الأب بوليكرونيوس القصة التالية:

كان من شعب بنثوكلا راهب معروف بتقشفه الشديد وإهتمامه بحياته الروحية ومع ذلك فهو كان دائم الجهاد ضد الحروب الجسدية {الجنسية} إلا أنه فشل فى إحدى معاركه مع هذه الحروب، فترك الدير وإنطلق إلى مدينة أريحا ليشبع رغبته الجنسية، وبمجرد دخوله أحد أوكارا لزنى ضرب الجذام جسده كله، وعلى الفور عاد مسرعاً إلى الدير وسجد للرب شاكراً قائلاً: مجداً للرب أصبتنى بمرض شديد فى الجسد لكى تخلص روحى مجداً لك.

15 - الاعمال الرائعة للأب كونون

كان الأب كونون [Conon] رئيس دير بنثوكلا قابل فى يوم من الأيام بعض اليهود بينما كان فى طريقه إلى أحد الأماكن المقدسة فى بيتز[13] [Bites] كان هؤلاء اليهود يدبرون لقتله، فإتجهوا نحوه وقد جذب كل منهم سيفه ليقتل الأب كونون وما أن رفعوا أياديهم فى الهواء حتى تجمدت ولم يستطيعوا تحريكها، فنظر الأب القديس إليهم وصلى من أجلهم فعادت أياديهم إلى طبيعتها فرجع هؤلاء الأشخاص إلى حيث أتوا يمجدون الرب ويعظمونه.

16 - قصة الأب نيكولاس وأصدقائه

كان هناك راهب عجوز يعيش فى دير الأب بطرس[14] [Peter] فى دير بقرب نهر الأردن المقدس وكان يدعى نيكولاس [Nicolas].

أخبرنا هذا العجوز أنه عندما كان يعيش فى مكان يدعى راثيو[15] وكان معه إثنين آخرين من الرهبان، ذهبوا جميعاً فى رحلة طويلة عبر الصحراء من خليج السويس إلى ما بعد نهر النيل للقيام ببعض الأعمال اليدوية وأثناء سيرهم فى الصحراء ضلوا جميعاً الطريق فوجدوا أنفسهم يهيمون فى الصحراء طولاً وعرضاً ولا يعرفون أين وجهتهم فبدأوا يلهثون من شدة العطش والحر حتى أنهم فقدوا القدرة على الحركة ولو خطوة واحدة للأمام، وكانت هناك شجرة نحيلة الأغصان بالقرب منهم فذهبوا إليها وإرتموا جميعاً أسفلها، ولم يكن لهذه الشجرة أى ظل ليحميهم جميعاً من الشمس الحارقة وتوقع الجميع إنهم سيلقون حتفهم عطشاً فى هذا المكان، قم قال العجوز: بينما كنت راقداً تحت تلك الشجرة النحيلة وإذ بمنظر أثار بهجتى حيث رأيت بركة تفيض بالمياه وبعض الأشخاص يقفون على حافة هذه البركة يقومون بسحب هذه المياه إلى داخل أحد القوارب الخشبية، بدأت فى النداء عليهم: إذا تفضلت يا أخى أعطنا بعض الماء فإننا نلهث عطشاً، ولكنه رفض أن يمنحنى بعض الماء، ولكن الشخص الآخر قال له: أعطه بعض الماء ليشرب، فأجابه: لا لن أعطه شئ، فالمكان ليس ببعيد ومن السهل أن يذهب ويشرب بنفسه فهو لا يعتنى بنفسه فكيف لى أن أعتنى أنا به، فرد عليه رفيقه: نعم هذا صحيح ولكن من كرم الضيافة الإهتمام بالغرباء ثم أتوا إلىَّ وأعطونى أنا ورفاقى الماء الذى نحتاجه، فشربنا وإتجهنا فى طريقنا وإستمر سيرنا فى الصحراء ثلاثة أيام دون ماء للشرب حتى وصلنا المدينة.

17 - قصة الراهب العظيم

حكى لنا نفس القديس نيكولاس عن راهب آخر كان رجلاً طاعناً فى السن حيث مكث فى قلايته داخل الكهف قرابة خمسين عام دون أن يشرب أى خمر وكان يأكل فقط خبزاً مصنوعاً من النخالة وكان يتناول جسد المسيح ثلاث مرات أسبوعياً.

18 - قصة الأب الذى كان يحتضن الأسود الصغيرة

أخبرنا الأب بوليكرونيوس [Polychronius] عن راهب عجوز آخر كان يعيش فى كهف بدير الأب بطرس وكان دائم الذهاب والجلوس على ضفاف نهر الأردن المقدس وذات يوم وجد هذا الراهب عرين للأسود وبه شبيلين فى داخل الكهف الذى يعيش فيه وأراد الراهب أن يصنع بهما عظة لباقى الرهبان فقام بوضعهم فى عباءته وضمهم إلى صدره وإتجاه إلى الكنيسة وهناك قال: إذا حفظت وصايا الرب يسوع المسيح، فإن هذه الحيوانات تخشى الإنسان ولكن بسبب خطايا هذا الإنسان أصبحنا نحن العبيد ونخشى تلك الحيوانات إستمع إليه الرهبان الذين كانوا بالكنيسة ولتعاليمه الرائعة ودخل كل منهم إلى قلايته متعزياً بتلك الدروس الروحية المفيدة.

19 - يحكى الأب اليشع عن نفسه

أخبرنا الأب اليشع [Ilijah] والذى كان يعيش على أكل العشب[16]، بأنه كان يعيش داخل كهف على مقربة من نهر الأردن، وفى أحد الأيام لم يذهب الأب إيليا إلى صلاة القداس مع الأب مكاريوس [Macarios] أسقف أورشليم[17]، وكان هذا اليوم شديد الحرارة والشمس فى ذروتها جاء شخص يطرق الكهف فخرج إليه الأب اليشع وإذ بإمرأة تقف أمامه فسألها: ماذا تفعلين هنا؟، فأجابته بالكلمات الآتية: أيها الأب لقد سلكت نفس طريقك فى الحياة وأنا الآن أعيش داخل كهف يبعد عن قلايتك التى أنت تعيش فيها، وأشارت المرأة إلى المكان الذى تعيش فيه فى إتجاه الجنوب ثم قالت: يجب علىَّ أن أسافر وأعبر تلك البرية ولكن حرارة الجو المرتفعة تعيقنى عن السير فأنا شديدة الظمأ، فإذا تفضلت يا أبى أن تعطينى بعض الماء.

أخذ الأب إناءه المملوء بالماء وأعطاه إلى المرأة وأرسلها إلى حيث جاءت، وعندما رحلت تلك المرأة بدأ الشيطان دوره فى محاربة بنى البشر فأخذ يحارب هذا الراهب ويضع أفكاره الشريرة الغنية بالشهوة والنجاسة فى رأس هذا الراهب ونجح الشيطان فى تملك الرجل، فلم يستطع الراهب تحمل لهيب رغبته وشهوته فقام وجمع أشياؤه وترك الكهف فى هذا اليوم الملتهب من حرارة الشمس منطلقاً وراء هذه المرأة، ويقول الراهب: كان يمتلكنى شئ واحد وهو أن أجدها وأشبع غريزتى وشهوتى، وعندما إقتربت من مكان تلك المرأة وصلت حرارة رغبتى إلى ذروتها وشعرت بالشهوة أكثر وأكثر، ولكننى رأيت الأرض تنشق أمام عينىَّ وإذ بجثة متعفنة تعفناً شديداً قد إنفجرت وملأت المكان كانت رائحة المكان كريهة للدرجة التى يعجز فيه اللسان عن وصفها، وظهر لى رجلاً وقوراً ذو هيبة وأشار إلى تلك الجثة وقال لى: أنظر هذه هى المرأة وها أنت الرجل إذهب وإفعل ما تريده وأشبع رغبتك، لكن فى المقابل فلتعرف كم من الأعمال الجيدة سوف تدمرها بفعلك هذا، فقط أنظر إلى نوع الخطية التى أعددت نفسك لها والتى ستحرمك من ملكوت السموات يا للنفس الإنسانية الحقيرة هل تريد أن تخسر كل ما ربحته من أجل ساعة من المتعة؟

ولكننى لم أستطع الصمود أمام تلك الرائحة العفنة فسقطت على الأرض، فساعدنى هذا الملاك على النهوض وأنهى ذلك الصراع، وعدت إلى قلايتى شاكراً الرب يسوع المسيح لرعايته لى.

20 - قصة معجزة الرب مع جندي

أخبرنى أحد الآباء أن أحد قادة الجيش أخبره بتلك القصة: كنا نحارب مع شعب موريتانيا فى بعض الأقاليم الأفريقية وجاء البربر وأجهزوا علينا وهزمونا هزيمة نكراء وتعقبونا وذبحوا الكثير منا، وقبضوا علىَّ أحد هؤلاء البربر ووجه سهمه إلىَّ ليقتلنى، وعندما رأيت ذلك بدأت أنادى الرب: أيها الرب الذى ظهرت لعبدتك ثكلاً[18] [Thecle] وأنقذتها من الأيدى الظالمة أخرجنى سالماً يا إلهى من هذه المحنة وأنقذنى من هذا الموت المرير وسوف أعيش لك ما حييت فى صحراءك المقفرة وإلتفت الجندى إلى الخلف فلم يرى هذا البربرى، فإتجه إلى دير كوبراثا[19] [Kopratha] وعاش بنعمة المسيح فى هذا الكهف ثلاثون عاماً.

21 - قصة مقتل الناسك وقاتله

أخبرنا الأب جيرونتيوس [Gerontios] رئيس دير القديس أوثيميوس[20] [Euthymios] أنه كان هناك ثلاث من الرهبان يعيشون على العشب فى مكان قريب منه وراء البحر الأحمر ناحية مدينة بسيمون [Besimon]، وبينما يسير الأب جيرونتيوس [Gerontios] مع بعض الإخوة فى إتجاه الشاطئ وعلى جانب الجبل رأى أحد هؤلاء الرهبان يسير نحو الشاطئ فى منطقة منخفضة وقابل بعض السراسيين [Saracens] وكانوا يمرون بتلك البقعة وبمجرد أن تخطوا هذا الراهب إلتفت أحدهم مفاجئاً الراهب وقام بقتله، فقال: كنا نراقب هذا المشهد المريح من مكان مرتفع على الجبل، وبينما نحن فى حزن شديد ونتأسف لهذا الفعل وإذ بطائر يأتى مسرعاً أعلى هذا القاتل السراسينى ويقبض عليه بقدميه ويحمله فى الهواء ثم يتركه يسقط على الأرض ليتحول جسمه إلى جيفة.

22 - راهب آخر يدعى كونون

كان من شعب القديس البطريرك ثيؤدوسيوس [Theodosios] رجل صالح يدعى كونون [Conon] من أصل سيليزيانى [Cilicia] إستطاع هذا الرجل أن يعيش خمسة وثلاثون عاماً من حياته يقتسم كسرة الخبز ويشرب الماء ويعمل دون توقف ولا يغادر الكنيسة أبداً.

23 - القديس الراهب ثيؤدولوس

كان فى نفس الدير راهب آخر كان فى الماضى يعمل ضابطاً بالجيش ويدعى ثيؤدولوس [Theodoulos] قضى حياته يصوم كل يوم ولا يرتدى شيئاً فى قدميه ولا ينام مضطجعاً.

24 - راهب بدير شوزيبا

كان هناك راهب عجوز يعيش فى قلاية بدير شوزيبا [Choziba]، يحكى باقى الرهبان فى نفس الدير عن هذا العجوز بأنه عندما كان فى قريته كان معتاد عمل شئ بعينه، وهو إذا رأى أحد الفلاحين فى قريته فقير جداً لدرجة أنه لا يستطيع زراعة أرضه فإنه دون أن يخبر هذا الفلاح يأتى فى المساء ومعه ثوره ليحرث الأرض والحبوب ليبذرها فى أرض هذا الفقير، وعند عودته إلى البرية وعندما يدخل قلايته فى الدير كان شديد الحرص على مشاعر كل جيرانه دون تفرقة فى المعاملة، وعندما كان يسافر من نهر الأردن المقدس إلى أورشليم وإذا رأى أحد المسافرين معه قد غلبه التعب كان يرفع من عليه أمتعته ويحملها هو طوال الطريق حتى جبل الزيتون المقدس وكان يفعل نفس الشئ عند العودة إذا ما رأى آخرين، كان يحمل أمتعتهم ايضاً حتى يصلوا إلى أقرب مكان من مدينة أريحا، كثيراً ما كنا نرى هذا العجوز يتصبب عرقاً وفى أوقات أخرى كان يحمل الصغار على كتفيه أثناء سيره وأوقات أخرى أيضاً كان يقوم بتصليح أحذية من يسافر معه رجالاً ونساءاً، كان يسقى من معه من ماؤه ويطعمهم من خبزه وإذا رأى أحداً ماراً به عارياً كان يخلع جلبابه الذى يرتديه ويعطيه إياه، كان يعمل طوال اليوم دون أن يكل أو يمل، وإذا رأى جسد ميت ملقى فى الطريق كان يدعو للصلاة من أجله ويدفنه.

25 - صلاة القداس فى دير شوزيبا

حكى الأب غريغوريوس [Gregory] العضو السابق فى الحرس الإمبراطورى أنه كان هناك أحد الرهبان فى دير شوزيبا يحفظ كلمات صلاة القداس عن ظهر قلب، وفى أحد الأيام أرسل الراهب ليحضر القربان المقدس وعند عودته للدير قام بترديد الصلوات التى تُذكر فى القداس فقام الشمامسة بوضع القربان على المذبح وكان الكاهن فى هذا اليوم هو الأب يوحنا من أهل شوزيبا وعندما قام بتقديم القربان لم يلحظ حلول الروح القدس على القربان كما هو معتاد، فقلق الأب من عدم حلول الروح القدس على القربان وإعتقد أن ما حدث بسبب خطاياه الخاصة لم يحل الروح القدس فإنسحب من القداس سراً، وإنطرح على وجهه باكياً على خطاياه، فظهر للأب ملاك الرب قائلاً: قد تقدس القربان وأصبح بلا عيب بصلاة هذا الراهب الذى أتى به إلى هنا.

منذ ذلك الوقت وضع الأب تحريماً وهو: من الآن فصاعداً محرماً أن يحفظ أحد كلمات القداس ما لم يكن كاهناً ولا يرتل كلمات القداس فى أى مكان إلا فى المذبح.

26 - لا تعاشر المهرطقين

كان هناك راهب صالح محبوب لدى الرب فى دير كالامون [Calamon] عند نهر الأردن المقدس، ويدعى سيرياكوس [Cyriacos]، فى أحد الأيام أتى إليه رجل غريب من مدينة دارا[21] [Dara] يسمى ثيؤفينيس [Theophanes] ليأخذ مشورة منه فيما يتعلق ببعض الأفكار الشيطانية التى تراوده، فبدأ الراهب بتشجيع ومساندة هذا الرجل وذلك الحديث عن التحكم فى الغرائز الجسدية وكيفية الوصول إلى أعلى درجات النقاء والطهارة وقد إستفاد هذا الرجل كثيراً من حديث الراهب الصالح، ولكن هذا الرجل أخبر الراهب بالآتى: يا أبانا فى وطنى كنت أنتمى إلى جماعة نسطوريوس (Nestorios) [22] والذى يعنى اننى لا أستطيع البقاء عنا وحتى لو أردت أنا ذلك عندما سمع الراهب الصالح هذا الحديث إنتابه قلقاً شديداً على هذا الرجل وأخذ يتوسل إليه ويحثه بشدة على الإبتعاد عن هؤلاء المهرطقين وأن ينتهج تعاليم الكنائس الأرثوذكسية الجامعة وقال له: لا يوجد هناك خلاص إن لم تتبين وتؤمن أن القديسة مريم العذراء هى فى الحقيقة ام الرب يسوع.

فأخبر الرجل الراهب: لكن يا أبانا بالفعل كل الطوائف تقول ذلك كما تقول أنت (إذا لم تنضم إلى طائفتنا فإنك لن تخلص) يا أبانا أنا رجل بسيط وبالفعل لا أعرف ماذا أفعل؟ صلى للرب يا أبانا أن يرشدنى ويوجهنى للإيمان الصحيح، شعر الراهب بسعادة أن يلبى طلب هذا الرجل البسيط فقال له: إبقى هنا فى قلايتى وضع ثقتك فى الرب وفى صلاحه وسوف يكشف لك الحقيقة ترك الراهب الرجل فى القلاية وذهب نحو البحر الميت ليصلى له، وفى حوالى الساعة التاسعة من صباح اليوم التالى ظهر للرجل وهو فى القلاية رجل فى مظهر مهيب ووقف أمام الرجل البسيط وقال له: تعالى معى لترى الحقيقة بنفسك، وأخذه ووضعه فى مكان مظلم كريه حيث يوجد لهيب نار مشتعل وأظهر له نسطوريوس وثيؤدور وغيرهم من طوائف المهرطقين، وقال له: إن هذه النار أعدت لكل من جدف وأساء إلى السيدة العذراء والدة الرب يسوع وكل من إتبع تعاليم هؤلاء المهرطقين إذا وجدت أنت أن هذا المكان هو طريقك إذن أبقى على تعاليمك التى أنت عليها الآن وإذا لم ترد أن تختبر آلام هذا التأديب، فلتبدأ فى إتباع تعاليم الكنيسة الجامعة والتى يمكنك أن تتعلمها من الراهب الذى يعيش فى هذا المكان، لذا فإنى أقول لك: إذا تحلى أى إنسان بكل الفضائل والأخلاقيات دون أن يمجد الرب يسوع فإن مكانه فى هذه النار فى هذه اللحظة عاد هذا الرجل البسيط إلى وعيه وعندما عاد الراهب قام الرجل بإخباره بما حدث تماماً كما رأى ثم ذهب وإنضم إلى تعاليم الكنيسة الأرثوذكسية الرسولية وقضى الرجل سنوات طويلة فى دير كالامون فى صحبة الراهب الصالح حتى رقد بسلام.

27 - حياة كاهن مدينة مارداردوس

على بعد عشرة أميال من إلجيون [Alegion] فى سيلزيا [Cilicia] كانت هناك مدينة تدعى مارداردوس [Mardardos] وكان بها كنيسة القديس يوحنا المعمدان فى هذا المكان كان هناك راهب كاهناً رجلاً تقياً يتمتع بنعم الرب يسوع المسيح، ولكن فى أحد الأيام قرر أهل هذه المدينة أن يتقدموا بشكوى إلى الأسقف إلجيون يشتكون فهيا هذا الكاهن وقالوا فى شكواهم (إن هذا الكاهن مرفوض علينا، كلما أتى يوم الأحد فإنه يبدأ القداس الساعة التاسعة ولا يتبع ترتيب القداس) إستمع الأسقف إلى الشكوى وقام بالتحدث إلى الكاهن بشكل خاص وقال له: أيها الأب الصالح لماذا تفعل هذا؟ ألا تعرف ترتيبات كنيستنا المقدسة؟

أجابه الكاهن قائلاً: أخبرك الحقيقة يا سيدنا العظيم بالضبط كما قلت وكل ما قلته صحيح، ولكننى لا أعرف ما أفعل ففى صلاة العشية هذا اليوم المقدس، فإنى ابقى بجوار الهيكل حتى أرى ضيف الروح القدس يأتى ولا أبدأ الطقوس الروحية إلا بعد حلول الروح القدس على المكان تعجب الأسقف من كلام الكاهن القديس ومن النعمة التى يتمتع بها، فذهب وأخبر الشعب بما سمعه من الكاهن وصرفهم بسلام، فإنطلقوا جميعاً فى طريقهم وهم يمجدون الرب ثم أرسل الأب جوليان [Julian] إلى هذا الكاهن القديس تحياته وبعض من الملابس ومعها ثلاثة آنية بها فحم، فتسلم الكاهن التحية ولكن أعاد الملابس وقد صب عليها بعض الماء ومعها الفحم المشتعل وأرسلها لمسافة عشرين ميل.

28 - الاعمال الرائعة للأب جوليان الناسك

الأب سيريل [Cyril] وهو من تلاميذ الأب جوليان الناسك المذكور أعلاه حكى لنا القصة التالية:

سمعت أنا وأبى وإخوتى عن الأب جوليان وقد جئنا إليه من قريتنا، فقد كنت مريضاً مرضاً مزمناً ولا يوجد طبيب يستطيع علاجى منه، ولكن بمجرد وصولى إلى الأب جوليان شفيت بصلاته، لذا فإننا نحن الثلاثة قررنا البقاء معه ورفضنا العالم بكل ما فيه، فعهد الأب جوليان إلى أبى مسئولية مخزن الحبوب، وفى أحد الأيام ذهب أبى إلى الأب جوليان وقال له: يا أبانا لم يعد لدينا حبوب، فأجابه القديس جوليان قائلاً: إذهب وأجمع ما يمكنك جمعه وقم بطحنه والله سوف يعتنى بنا غداً.

إنزعج أبى من قول الأب جوليان حيث انه لم يعد هناك شئ بمخزن الحبوب على الإطلاق، فذهب أبى كونون إلى قلايته وعندما إشتد الإحتياج للحبوب أشار الأب جوليان بأنه سيأتى إلى أبى فى قلايته وبمجرد دخول الأب جوليان قال لكونون: أيها الأخ إذهب وقم بإعداد شيئاً لباقى الأخوة، فقام كونون بغضب شديد وإتجه نحو المخزن كان ينوى أن يأتى ببعض من تراب الأرض ليؤكد عدم وجود أى حبوب بالمخزن، ففتح كونون قفل الباب وأراد أن يدخل ولكنه لم يستطيع حيث كان المخزن مملوءاً تماماً بالحبوب، رأى كونون ذلك فركع خجلاً أمام الأب جوليان ممجداً الرب.

29 - معجزة أكثر القرابين قداسة

على بعد عشرين ميل من مدينة إلجيون فى سيليزيا كان هناك إثنان من الرهبان يبعد كل منهما ستة أميال عن الآخر أحدهما كان يتبع تعاليم وطقوس الكنيسة الأرثوذكسية الرسولية أما الآخر كان قد ضى فترة طويلة من حياته يتبنى أفكار طائفة سيفيران [Severan] أحد الطوائف المهرطقة وكان يعيش بالقرب من منطقة تدعى كاسيودورا [Cassiodora].

إختلف الراهب المهرطق مع الراهب المستقيم فى عدة نقاط أخذ المهرطق يدبر الخطط والمكائد للنيل من الراهب القديس، فقال ينشر عدة أفكار تؤكد أنه الأفضل، فأوحى الروح القدس للراهب المستقيم بأن يبدى رغبته بأن يرسل له الراهب المهرطق جزء من القربان المقدس لديه سعد الراهب المهرطق كثيراً بطلب هذا الراهب المستقيم إعتقاداً منه بأنه قد أهدى أحد الضالين إلى طريق الحق، وقام بإرسال القربان على الفور ودون أى تأخير، أخذ الراهب القديس هذا القربان (سر القداسة بالنسبة لطائفة سيفيران) ووضعها فى إناء به ماء مغلى وإذا بالقربان قد تحلل بفعل الغليان، ثم قام بأخذ القربان المقدس من الكنيسة المستقيمة وقام بوضعه فى نفس الإناء وإذ بالإناء قد برد وفقد درجة حرارته وبقى القربان سليماً وطافياً، ولا يزال القربان حتى الآن فى الإناء وقد قام الراهب القديس بعرضه علينا عندما قمنا بزيارته.

30 - معجزة سر من الأسرار المقدسة

يوجد فى سوق المدينة بقبرض والذى يدعى سوق تاديا [Tadia] دير يقع بالقرب من مكان يدعى فيلوكسينوس [Philoxenos]، وعندما وصلنا إلى هناك ودخلنا الدير وجدنا راهب يدعى أيسيدور [Isidore] من بلدة ميليتين [Melitene] لاحظنا أن هذا الراهب دائم البكاء والرثاء حاول الجميع أن يتحدثوا معه محاولين إقناعه بأن يكف قليلاً عن هذه الحالة، ولكنه لم يقتنع وأخبر الجميع: أننى أكثر البشر خطية منذ خلق أدم حتى الآن فقلنا له: يا أبانا الحقيقة لا يوجد أحد بغير خطية غير يسوع المسيح إلهنا.

قال الراهب الباكى: صدقونى يا إخوتى لم أرى خطيئة بين البشر أكثر مما فعلت أنا سواء علمت بها من قراءتى أو سمعت بها من أحد، فإذا كنتم تعتقدون أننى أظلم نفسى فإسمعوا خطيتى، أو لا ثم صلوا من أجلى أينما ذهبتم فى هذا العالم، ثم بدأ فى سرد حكايته مع تلك الخطية {كانت لى زوجة وكنا نحن الإثنان نتبع تعاليم سيفيران وفى أحد الأيام رجعت إلى منزلى فلم أجد زوجتى ولكننى سمعت أنها ذهبت إلى بيت أحد الجيران للتناول من جسد المسيح، فكان هذا الجار ممن يتناول السر المقدس فى الكنيسة الأرثوذكسية، فهرعت إلى منزل الجار لأمنع زوجتى، وعندما دخلت المنزل وجدت زوجتى قامت فعلاً بتناول جسد المسيح ودمه، فقمت بجذبها بشدة من عنقها وأجبرتها على إلقاء جسد المسيح من فمها وقمت بأخذه وقذفه هنا وهناك حتى سقط على أرض موحلة، فرأى الجميع أن شعاع من النور قد هبط من السماء وأخذ قطعة القربان المقدس من على الأرض ثم إختفى، مر يومان ثم رأيت رجل ذو وجه أسود يأتى إلىَّ وهو يرتدى ملابس رثة وقال لى: نحن الإثنان متشابهان وملعونان بنفس اللعنة، فقلت له: من أنت؟ فأجابنى هذا الشخص ذو الوجه الأسود وقال: أنا من يخالف الخالق فى كل شئ، ربنا يسوع المسيح حتى فى أوقات رأفته، لذلك كان هذا الراهب دائم البكاء! كيف لى الآن أن أكف عن البكاء؟

31 - مريم بائعة الهوى

رحل ثلاثة رهبان من مدينة إليجون إلى مدينة طرسوس [Tarsos] فى سيليزيا [Cilicia] وبتدبير من العناية الإلهية إتجه هؤلاء الرهبان نحو خان صغير رغبة منهم فى الحصول على قسط من الراحة من عناء السفر وشدة حرارة الجو، وهناك رأوا ثلاثة من الرجال فى ريعان شبابهم وبصحبتهم إمرأة من بائعات الهوى سيتجهون بها إلى إليجون، فجلس الثلاثة رهبان متفرقين ومتوخين الحذر الشديد، وقام أحدهم بإلتقاط الكتاب المقدس من حقيبة سفره وقام بقراءة أحد أسفاره بصوت مرتفع، فنظرت المرأة إلى هذا الراهب ثم أتت إليه تاركة الرجال الذين معها، وجلست أمام الراهب فإنتهرها الراهب قائلاً لها: يبدو أنك فى غاية البذاءة ألا تخجلين من حضورك وجلوسك أمامنا؟ ردت عليه الزانية مجيبة: يا أبى أرجو ألا تعاملنى بهذا الإزدراء فحتى لو كنت أحمل كل الخطايا، فإله هذا الكون يسوع المسيح لم ينتهر الزانية التى أتت إليه، فأجابها الراهب: لكنها لم تبقى على حالها كزانية ردت المرأة: إنى أتمنى أن لا يسمح لى إبن الله الحى بالزنا بعد الآن وتركت المرأة الرجال وإتجهت مع الرهبان الثلاثة حيث قاموا بوضعها فى أحد الأديرة الخاصة بالنساء ويسمى دير نيكيبا بالقرب من إليجون، وقد رأيتها وهى إمرأة عجوز تتمتع بخبرة روحية عالية وقد إستمعت إلى قصتها منها شخصياً، وكان إسمها مريم.

32 - توبة الممثل ورفيقتيه

كان هناك ممثل يعيش فى مدينة طرسوس [Tarsos] بالقرب من سليزيا [Cilicia] إسمه بابيلاس [Pabylas] وكان له إمرأتان فى رفقته: إسم الأولى كوميتا [Cometa]، والثانية نيكوسا [Nicosa]، وكانت حياة الممثل يقودها إبليس فكان يفعل كل ما هو مناف للأخلاق، وفى أحد الأيام قادته العناية الإلهية إلى أحد الكنائس حيث كانت تلقى كلمات الكتاب المقدس وعند دخوله الكنيسة كانت إحدى الآيات تقول:

"توبوا لأنه قد إقترب ملكوت السموات" (مت 3: 2)،

فلمست هذه الكلمات إلى الإمرأتين اللتين برفقته وقال لهما: أنتما تعلمان جيداً الحياة التعسة التى نحياها معاً، وأيضاً لا تريدان أن أفضل واحدة منكما على الأخرى، الآن يمكنكما أن تمتلكا كل ما لدى وتتقاسماه سوياً من الآن فصاعداً سأهجر هذا العالم بأسره وأصبح رابهاً، فردت عليه الإمرأتين قائلتين: كما لو كانت صوتاً واحداً وببكاء شديد لقد شاطرناك حياة الخطيئة والزنا وأسأنا إلى أجسادنا والآن تقرر أن تتجه إلى الرب وتتضرع إليه ولا تريدنا أن نبقى معك حقاً لا تستطيع، فإسمح لنا أن نكون شركائك فى الصلاح أيضاً، وعلى الفور إتجه بابيلاس هذا الممثل إلى أحد الأديرة فى المدينة، ثم قامت الإمرأتان ببيع كل ممتلكاتهما وأعطوا ثمنها إلى الفقراء وإتجهتا إلى أحد الأديرة وسلكتا معاً حياة الرهبنة، وأعدت الإمرأتان قلايتين لهما ومكثتا بهما.

لمست هذه القصة روحى كثيراً وإستفدت من تلك التجربة الروحية الهائلة، فقد أصبح الرجل شخصاً تقياً متضعاً متسامحاً لأقصى الدرجات ولا يكن لأحد أى إساءة، وأنا أكتب هذا لكى يستفيد الجميع من هذه التجربة.

33 - حياة القديس الأسقف ثيؤدوتوس

أخبرنا أحد الآباء أنه كان هناك بطريرك لأورشليم إسمه ثيؤدوتوس [Theodotos] كان يعرف بتواضعه وتقواه، وكان فى أيام الأعياد يقوم بدعوة جميع الكهنة لتناول العشاء معه، ولكن فى أحد الأعياد قام أحد الكهنة برفض دعوته للعشاء معه، ووتها لم يبدى البطريرك أى تعليق على هذا الأمر وفى مناسبة أخرى قام بزيارته شخصياً لدعوته حتى يشاركه مائدته، وفى قصة أخرى للأسقف ثيؤدوتوس تخبرنا عن مدى تواضعه ووداعته أنه كان فى سفر مع بعض الكهنة وفى الطريق إنحنى الأب القديس تجاه أحد الكهنة الذى كان يقود حافلة السفر وقال للكاهن: دعنا نتحمل عناء السفر بتبادل الأدوار فى قيادة الحافلة، فرد عليه الكاهن قائلاً: هذا قد يخزى البطريرك إذا دخلت أنا فى الحافلة وإعتلى البطريرك ظهر الخيل، فطمأنه الأب بأنه لا يوجد شئ من هذا القبيل وأقنع الكاهن بأن يتبادلوا العمل حتى يتقاسموا عناء السفر ولن يكون هناك أى خزى من هذا العمل.

34 - حياة القديس الأسقف ألكسندر بطريرك إنطاكية

كان للأب ثيؤبوليس [Theoupolis] بطريرك آخر كان يعرف بأنه حنون ورحيم ويدعى ألكسندر [Alexander]، وفى أحد الأيام قام أحد العاملين معه بسرقة بعض الذهب منه وفر هارباً خائفاً إلى طيبة فى مصر عثر عليه بعض البربر الذين كانوا يعيشون فى طيبة بمصر وهى قبائل تعرف بتعطشها للدماء فقبضوا عليه ونقلوه إلى مكان بعيد نائى من أرضهم وعندما علم الأب القديس ألكسندر بهذا الأمر قام بإرسال فدية لهم حتى يخلص هذا الشخص من أسرهم وكانت الفدية تقدر بخمس وثمانون قطعة ذهبية، وعندما عاد هذا الأسير إلى بلدته إستقبله هذا الأسقف بحب ولطف شديدين حتى قال أحد سكان المدينة: لا يوجد ربح أو مكسب أكثر من أن نسئ إلى الأب ألكسندر، وفى مناسبة أخرى قام أحد الشمامسة بسب القديس ألكسندر علناً أمام جميع الكهنة، فأتى إليه الأب ألكسندر وإنحنى أمامه قائلاً: إغفر لى يا أخى.

35 - حياة القديس الأسقف الياس بطريرك أورشليم وفلافيان بطريرك إنطاكية

يقول الأب بوليكرونيوس [Polychronios] عن الأب إلياس [Elias] بطريرك أورشليم بأنه عندما كان راهباً لم يشرب الخمر أبداً وعندما أصبح بطريرك لم تتغير حياته فكان ينتهج نفس أسلوب حياته عندما كان راهباً، وقالوا أيضاً عن الأب إلياس والأب فلافيان [Flavian] أن الإمبراطور أنسطاسيوس [Anastasios] قام بنفيهما وذلك لأمر يتعلق بالمجمع الكنسى للآباء الكهنة فى خلقيدونية [Chalcedon]، وعندما توفى الإمبراطور أخبر كلا من الأب إلياس والأب فلافيان الآخر بموت الإمبراطور وقالا فى نفس يوم وفاته: دعنا نذهب حتى نتحاسب معه، ولم يمض سوى يومان حتى تنيح الإثنان.

36 - حياة القديس الأسقف وإفرايم بطريرط إنطاكية كيف حول المهرطق إلى مؤمن

أخبرنا أحد الآباء عن الآب إفرايم [Ephraim] بطريرك إنطاكية المبارك (527 - 545م) بأنه كان يتمتع بقدر كبير من التقوى والحماس الدينى وإتباع الإيمان الصحيح، وفى أحد الأيام أخبر بأنه هناك أحد الرهبان فى أحد الأماكن المجاورة لهيرابوليس [Hierapolis] وينتهج تعاليم السفيريين المهرطقين وقد قطعته الكنيسة، فذهب الأب إفرايم للراهب بنيه الحديث معه، وبمجرد وصول الأب إلى مكان هذا الراهب بدأ فى حثه بشدة على ان يلجأ لمدينة إنطاكية ويرجع لتعاليم الكنيسة الرسولية الجامعة، ولكن كان رد الراهب المهرطق: لا يوجد اى مبرر يجعلنى أنضم إلى تعاليم المجمع الكنسى، فقال الأب إفرايم: حسناً ماذا يمكننى عمله لأجعلك تصدق أنه بنعمة ربنا يسوع المسيح تخلصت كنيستنا من أى تعاليم خارجية؟ رد الراهب قائلاً: إجعلنا نشعل ناراً أيها البطريرك وإجعلنى أنا وأنت ندخلها، فإذا خرج أحدنا دون أى أذى يكون هو صاحب الإيمان الصحيح ويجب على الآخر أن يتبعه، كان هذا الراهب يقول ذلك ليثير الرعب فى قلب البطريرك ولكن القديس إفرايم قال له: يا بنى يجب عليك طاعتى ولا تسألنى أى شئ، وحيث أنك سألتنى فعل شئ يفوق صحتى الهزيلة، فأنا سوف أضع ثقتى فى إبن الله الحى، وذلك من أجل خلاصك أنا سأفعل ما إقترحته علىَّ.

ثم طلب الأب الصالح إفرايم ممن حوله الآتى: باركوا الرب وأحضروا بعض الخشب هنا، وعندما أتوا بالخشب أوقد الأب إفرايم الخشب امام الجميع، وقال للرابه: تعالى هنا وسوف نسير نحن الإثنان فى قلب النيران لإجتياز إختبارك، فتعجب الراهب من قوة إيمان هذا البطريرك ولكنه لم يذهب إليه ثم قال البطريرك للناس: ألم يكن هذا هو إقتراحك بأن نفعل سوياً هذا، فكيف تقترح هذا منذ برهة ولا تريد القيام به.

بدأ البطريرك فى خلع وشاحه الذى كان يرتديه والمطرز بالصلبان وإقترب من النيران المشتعلة وصلى إلى الرب بالكلمات الآتية: ربنا يسوع المسيح والذى من أجلنا أتى إلينا وتجسد فى صورة إبن الإنسان وأتيت من الأم القديسة العذراء إلى الأبد مريم إظهر لنا الحقيقة.

وعندما إنتهت صلاة هذا الأب القديس قام بإلقاء وشاحه فى النيران وإستمرت مشتعلة لمدة ثلاث ساعات، وعندما إحترق الخشب بالكامل قام الأب إفرايم بإستعادة وشاحه، كان الوشاح لا يزال قطعة واحدة دون تلف ودون أن تظهر به أية علامة تفيد أن النار قد لمسته.

رفض الراهب بعد هذه المعجزة كل تعاليم الهرطقة وبدأ فى قبول تعاليم الكنيسة الجامعة ودخل الكنيسة وتناول جسد المسيح ودمه المقدسين من يد الأب الصالح إفرايم ومجد الرب يسوع.

37 - حياة القديس الأسقف الذى ترك الإيبارشية ليعمل فاعل فى الأراضى المقدسة

أخبرنا احد الآباء عن أحد الأساقفة الذى ترك إيبارشيته وذهب إلى ثيؤبوليس [Theopolis] ليعمل هناك كعامل، كان فى ذلك الوقت.

الكونت إفرايم [Count Ephraim]

والذى كان يُعرف بعطفه ورحمته ورقة مشاعره وكان يحكم الشرق، لذا فإنه كان شديد الإهتمام بإعادة بناء كل المزارات والمبانى العامة (كانت المدينة قد تعرضت لزلزال قوى أصابها بالدمار) رأى إفرايم فى منامه هذا العامل وهو راقد على الأرض وعمود من النار مقام فوقه ويصل إلى السماء ظهرت هذه الرؤية للكونت إفرايم ليست مرة واحدة بل عدة مرات، فإندهش إفرايم لهذه الرؤية والتى تدل على ان هذا العالم البسيط شخص له هيبته وسطوته الحقيقية، فسأل نفسه ما عساه أن يكون؟ إذ لم تكن لديه أية فكرة عن هذا العامل البسيط والذى هو نفسه أسقفن فكيف له أن يعرف أن هذا العامل ذو الملابس الرثة والشعر غير المشذب هو أسقف، فهو يبدو كشخص قد داهمه الفقر وأثقال الحياة والإحتياجات المتزايدة، وفى أحد الأيام أرسل الكونت إفرايم إلى هذا الأسقف العامل ليعرف من يكون؟ وعندما حضر تحدث معه على إنفراد وبدأ بسؤاله: من أين أتى؟ وما إسمه؟ كان الأسقف يجيب فى بعض الأحيان: إننى أحد فقراء هذه االمدينة، ولإحتياجى الشديد إلى العون فإننى أعمل كفاعل والله يساعدنى فى عملى هذا جعل الله إفرايم يجيب ويقول: صدقنى لن أجعلك تذهب دون ان تخبرنى الحقيقة كاملة، وحيث أن الأسقف لم يستطع أن يخفى نفسه أكثر من ذلك فقد قال للكونت إفرايم: إقطع على نفسك عهداً بأنك لن تخبر أى شخص عما سأخبرك به طالما أنا ما زلت على قيد الحياة، وأنا سأخبرك بكل شئ عنى، ولكننى لن أخبرك عن إسمى أو عن المدينة التى أتيت منها.

تعهد الرجل الصالح إفرايم قائلا: لن أخبر أى شخص عما سوف تخبرنى به طالما أبقاك الله فى هذه الحياة، فرد عليه الآخر قائلا: أننى أسقف وبتوجيه من الرب تركت الإيبارشية وأتيت إلى هذا المكان ولأنه مجهول تماماً بالنسبة لى، ولكننى عانيت الكثير من المرض والأعمال الشاقة، وكل ما أريده هو رزق يومى يجب أن تعرف أنه على الإنسان ان يزيد من عمله بمزيد من العطايا لأنه فى هذه الأيام سيرفعك الله على عرش كنسته وتكون مستحق أن ترعى شعب الله ربنا يسوع المسيح إلهنا الحقيقى الذى إشترى شعبه بدمه،.

فإنى أقول لك: عليك بالجهاد من أجل أن تعطى الآخرين وأن تؤمن الإيمان الحقيقى، وبذلك تكون مبارك لدى الرب، وخلال أيام قليلة كما توقع الأسقف القديس وعندما إستمع إفرايم المبارك إلى الأسقف مجد الرب قائلاً: يا إلهى يخد مونك وأنت وحدك تعرفهم.

38 - موت الأمبراطور أنا ستاسيوس

أخبرنا أحد أحباء المسيح أن الإمبراطور أناستاسيوس [Anastasios] قام بطرد الأب إفيميوس [Euphemios] والأب ميسيدونيوس [Mecedonios] بطاركة القسطنطينية وقام بنفيهم معاً فى منفى أوثايتا [Euthaita] فى مدينة بونتس [Pontus] وذلك بسبب أمور تتعلق بالمجمع الكنسى للآباء الخلقيدونيون [Chalcedon]، وفى منامه رأى هذا الإمبراطور القاسى رجل فى مظهر مهيب يرتدى لباس أبيض ويقف أمامه ويحمل كتاباً كان الإمبراطور يقرأه، ثم قام بطى خمس صفحات ثم بدأ فى قراءة إسم هذا الإمبراطور وقال له: أنظر نظراً لغلاظة قلبك فإننى سوف أحدذف أربعة عشر سنة يقول اصحاب هذه القصة: أنه محا هم بأحد اصابعه لم يمض غيريومان وإذ بإنفجار شديد فى المدينة وبرق ورعد فى السماء، وأسلم الإمبراطور روحه وهو فى حالة من الرعب والخوف الشديدين، كان ذلك جزءاً عمله وذلك لإحتقاره لكنيسة إلهنا يسوع المسيح ونفيه لرعاة شعب هذه الكنيسة المقدسة.

39 - الراهب الذى ساعدته فتاة ريفية كان قد حورب بالزنا معها فى الإبتعاد عن الخطية

عندما كنت مقيماً فى إنطاكية العظيمة سمعت من أحد كهنة الكنيسة أن البطريرك أناستاسيوس [Anastasios] أخبره شيئاً كالآتى:

كان هناك راهب فى دير الأب سافيريان [Saverian] وأرسل ليخدم فى مكان يدعى إليوثيروبوليس [Eleutheroupolis] وأقام فى منزل أحد الفلاحين المعروفين بحبهم للمسيح، وكان لهذا الفلاح إبنة (لا تزال طفلة وكانت والدتها متوفية)، فأقام هذا الراهب عدة ايام فى منزل هذا الفلاح وبدأ إبليس (المخلوق المُصر على إسقاط البشر) بإقحامه بأفكار إبليسية تتعلق بهذه الفتاة، فكان الراهب يسعى دائماً لإيجاد الفرصة المناسبة للوصول إليها، وكان إبليس وهو المدبر لهذا التفكير النجس هو من دبر الفرصة المناسبة لذلك، فذهب والد الفتاة فى عمل خارج المدينة حيث إنتقل إلى مدينة عسقلان، ولمعرفة هذا الأخ الراهب أنه ليس فى المنزل سوى الفتاة وهو، فإتجه إليها وبدأ فى إظهار نواياه السيئة لها، وعندما أدركت الفتاة إلى أى مدى هذا الراهب مشتعل رغبة فيها، فقالت له الفتاة: لا تكن مثاراً هكذا وتتصرف بخساسة نحوى، فإن والدى لن يأتى اليوم ولا حتى غداً، ولكن أولاً إستمع لما يجب علىَّ أن أخبرك به، يعلم الرب تماماً إننى سوف أفعل أى شئ تطلبه منى، ثم بدأت تتحدث معه بشكل من المنطلق وقالت له: أنت يا أخى كم من الزمن أمضيته.

فى هذا الدير؟ رد الراهب قائلاً: سبعة عشر عاماً، فقالت له: هل سبق لك اى علاقة مع إمرأة من قبل؟ رد الراهب: لا لم يكن لى، فقالت له الفتاة: إذن هل تريد أن تفسد كل حياتك الخاصة مع الله نظير ساعة من المتعة؟ أخبرنى كم عدد المرات التى إنهمرت فيها باكياً لعل الرب يسوع المسيح يقبل نفسك بلا خطية؟ وأنت الآن ترغب فى تبديد كل هذا العمل من أجل متعة لحظية، وإذا إستطعت فى تحقيق ما ترجوه ووقعت فى خطية الزنا معى، فهل ستتعهد بمسئوليتى وتساعدنى بعد ذلك؟ إعترف الأخ بأنه لن يفعل، فأجابت الفتاة العذراء وقالت له: حقيقة هذا ليس كذب، فإذا جلبت لى العار الآن فإنك سوف تكون المسئول عن الكثير من الشرور، سألها الراهب: كيف ذلك؟ أجابت الفتاة: العذراء وقالت: أولاً ستفسد روحك ومن ناحية أخرى ستكون مسئولاً عن روحى أنا أيضاً وحتى تكون على دراية بكل الأمور، فإنى أتعهد أمام إلهنا يسوع المسيح أنك إذا جلبت علىَّ العار سوف أقتل نفسى وستكون أنت مسئولاً عن جريمة قتل بالإضافة إلى جريمتك كزانى وسوف تحاكم كقاتل، إضافة إلى المزيد من الشرور التى ستتسبب فيها للدير الذى كنت تعيش فيه يا أخى لديك الكثير لكى تصلى له من أجلى، فعاد هذا الراهب إلى صوابه وغادر المزرعة وذهب إلى الدير الذى كان يعيش فيها وإنطرح أمام رئيس هذا الدير معترفاً وصلى وقرر ألا يترك قلايته مرة ثانية وأن يقضى باقى حياته داخل الدير، وعاش هذا الراهب ثلاثة أشهر فقط ثم تنيح بسلام.

40 - حياة الأب كوزمس المخصي

نقلت هذه القصة عن الأب باسيل [Basil] الكاهن فى دير بيزانطيس[23] [Byzantines]، يقول عندما كنت مع الأب غريغوريوس [Gregory] بطريرك ثيؤبوليس[24] [Theoupolis] جاء الأب كوزمس [Cosmos] المخصى من أورشليم إلى دير فرعون وكان هذا الرجل نعم الراهب قلبه مُفعم بالإيمان إيمانه مستقيم وواسع المعرفة بالكتاب المقدس، ولكنه توفى بعد أيام من وصوله إلى الدير، ورغبة منا بأن نُكرم ذكراه أمر البطريرك بأن يُدفن فى نفس المقبرة التى دُفن بها الأسقف، وبعد يومين أتيت لأقبل قبر هذا الراهب، كان هناك رجل مصاب بشلل يرقد على قمة هذا القبر يطلب صدقة ممن يترددون على الكنيسة، وعندما رآنى هذا الرجل الفقير أصلى لهذا الراهب القديس وقمت بعمل ثلاثة ميطانيات أمام قبره قال لى هذا الفقير: أيها الأب هل تعلم أن الرجل الذى دُفن فى هذا المكان منذ ثلاثة أيام بالفعل رجل صالح؟

أجبت هذا الفقير قائلاً: وكيف علمت ذلك؟ اخبرنى الرجل الفقير قائلاً: لقد كنت مشلولاً لمدة عشرين عام وقد إستخدم الله هذا الرجل الصالح ليشفينى، وكلما أصابنى بعض القلق كان يأتى إلىَّ ويُعزينى، ولكننى سأخبرك شيئاً غريباً عن هذا القديس الراهب، فمنذ دفنه هنا فى هذا المكان وأنا أسمعه كل ليلة يقول للأسقف: لا تلمسنى إبقى بعيد عنى لا تقترب منى، فأنت احد هؤلاء المهرطقين وأعداد الكنيسة الحقيقية الكنيسة الأرثوذكسية المقدسة، وحيث ان هذا الرجل الصالح قد شفانى من الشلل فقد ذهبت إلى البطريرك وتوسلت له مراراً وتكراراً بأن ينقل جسد هذا الراهب لمكان آخر يدفن فيه ولكن البطريرك قال له: صدقنى يا بنى إن الأب كوزمس لن يصاب بأى أذى من المهرطقين، فكل ما يحدث فبسبب إيمان هذا الرجل الراهب وإشتعال قلبه بحب المسيح، ولقد عرفنا هذا الرجل حقاً بعد رحيله، أما بالنسبة للأسقف فلم نعد نتمسك بتعاليمه ولم نعد نعتبره واحداً ممن يتبعون الإيمان الصحيح.

يحكى نفس الأب باسيل عن الأب كوزمس يقول:

قمت بزيارة الأب كوزمس وكان يقيم فى دير فرعون حيث قال لى: راودنى بعض الشك فى بعض أعداد الكتاب المقدس، والتى كان الرب يسوع المسيح ويقول فيها لتلاميذه:

"ومن ليس له فليبع ثوبه ويشتر سيفاً، فقالوا يا رب هوذا هنا سيفان، فقال لهم يكفى" (لو 22: 36، 38)،

وعندما أرهقت من التفكير فى المعنى وراء هذه الآية، قررت الخروج من قلايتى وقطعت طريقاً طويلاً تحت لهيب الشمس متجهاً إلى دير بيرجيا [Pyrgia] حيث يمكث هناك الأب ثيؤفيلوس [Theophilos]، وبينما كنت أسير فى الصحراء وبالقرب من الدير وإذ بتنين كبير يهبط من فوق الجبل متجهاً إلى دير كالامون [Calamon]، كان هذا التنين ضخماً للغاية حتى أنه كان يصنع فجوات فى الأرض أثناء حركته، وفجأة وجدت نفسى أمر من خلال تلك الفجوات دون أى أذى، وعندها عرفت ان الشيطان كان يحاول أن يضللنى عن مقصدى، ولكن بالصلوات التى عمت المكان إستطاع هذا الرجل الصالح بلوغ مقصده، وعندما وصل الراهب إلى الأب ثيؤفيلوس وقرأ عليه الجزء الذى يؤرقه من الكتاب المقدس، وأخبره الأب ثيؤفيلوس بتفسير كلمة السيفان بمعنى الإيجابى والمتأمل، فإذا تمتع المؤمن بهاتين الفضيلتين الإيجابية والتأمل يكون قد سعى نحو الكمال.

فقد قمت بزيارة الأب كوزمس فى دير فرعون ومكثت معه طيلة عشر سنوات كان طوال هذه الفترة يتحدث عن خلاص الروح، وكلما أتى ذكر القديس أثناسيوس [Athanasios] بطريرك الإسكندرية فى حديثنا كان يقول: الأب كوزمس عندما يأتى إلى ذهنك ذكر الأب أثناسيوس العظيم ولم يتوفر لديك ورق لتكتب عنه فلتكتب على ملابسك كم كان هذا الأب ممتلئ بنعمة المسيح التى تمتعنا بها معه كآباء ومعلمين، كما ذكر أيضاً أحد الأمور التى كانت تحدث للأب أثناسيوس فقال: كان فى عشية اليوم المقدس يبقى هذا الأب القديس واقفاً يرنم ويقرأ الكتاب من الغروب حتى شروق الشمس سواء كان فى قلايته أو فى الكنيسة ولا يجلس على الإطلاق، وبعد شروق الشمس وعندما تبدأ طقوس القداس كان يسمح لنفسه بالجلوس لقراءة الكتاب حتى وقت التناول.

41 - حياة الأب بولس

ايضاً فى نفس هذا الدير المقدس يوجد به راهب يدعى الأب بولس، وكان من مدينة أنازاربوس[25] [Anazarbos]، هذا القديس العظيم كان يتمتع بفضيلتين عظيمتين وهما التواضع وإنكار الذات الشديدين، وكان مكرساً تماماً للرب، كانت دموعه تنهمر كل يوم لا أعتقد أننى قد قابلت شخصاً مثله طوال حياتى سلك هذا الراهب الناسك حياة الزهد لخمسين عام وكان يقتات من بركة بسيطة يقدمها له الدير حيث أنه كان لا يقبل أى شئ إضافى غير الطعام الذى يتسلمه.

42 - حياة الأب أوكزانون

وفى نفس هذ الدير أيضاً رأينا الأب أوكزانون [Auxanon] فى القلاية الخاصة به، كان رجلاً عطوفاً عفيفاً ويعيش فقراً مدقعاً فكان يعامل نفسه بقسوة شديدة وخلال زيارتنا والتى إستمرت أربعة ايام لم يتناول هذا الراهب غير كسرة صغيرة من الخبز، والتى تعادل تقريباً الكسرة التى نقدمها فى القداس، وفى أحيان أخرى كانت هذه الكسرة تكفيه طوال الأسبوع، وإستمر هكذا طول ايام حياته.

فى أحد الأيام شعر هذا الأب القديس بآلام شديدة فى معدته فحمله بعض الإخوة ليتلقى العلاج فى مستشفى لعلاج العجزة تابعة للبطريركية فى المدينة المقدسة أورشليمن وفى أحد الأيام حضرنا لزيارته، وعرفنا أن الأب كونون [Conon] رئيس دير القديس الأب ساباس كان قد ارسل له سلة بها بعض المؤمن من الكنيسة وستة عملات ذهبية مع رسالة مضمونها: سامحنى يا أبانا فقد منعنى المرض من المجئ إليك للإطمئنان عليك بنفسى، فقبل الأب أو كزانون المؤن وأرسل العملات الذهبية مرة أخرى للأب كونون مع رسالة مضمونها: إذا أبقانى الله على قيد الحياة، فإن لدىَّ عشر قطع ذهبية أخرى، فإذا كنت أنا بحاجة إلى المال فسأطلب منك إرسال العشرة قطع الأخرى ولكن يجب أن تعلم أنه بعد يومين من الآن سوف أرحل عن هذا العالم، وحدث ما قاله الأب وتنيح وحملناه إلى دير فرعون لندفنه هناك.

كان هذا الرجل القديس هو واحد ممن تتلمذوا على أيدى الآباء القديسين الأب أوستيكيوس [Eustochios] والأب غريغوريوس [Gregory] ولكنه تركهما الإثنين وأكمل بنيته الروحية فى البرية، كما كان هذا الرجل من مكان يدعى أنكيراً [Ancyra] فى غلاطية.

43 - موت بطريرك تسالونيكى الرهيب

كان فى تسالونيكى بطريرك يدعى ثاليلايوس [Thalilaios] كان هذا الرجل غليظ القلب لا يخشى الله ولا العقاب الذى ينتظره، وكان يسحق بقدميه التعسة كل التعاليم المسيحية، ويستهين بالكرامة الكهنوتية تحول إلى ذئب شره بدلاً من كونه راعى غنم، ورفض تأليه الثالوث القدوس وأصبحت عبادته بدلاً من أيها الرب إغفر لى إتجه لعبادة الأصنام.

أدى هذا كله إلى رفضه تماماً وبإجماع عام من قِبَل كل رؤساء الكنائس فى ذلك الوقت، وبعد مرور بعض الوقت أراد هذا الكاهن المنغمس فى الظلم أن يستأنفس حياته الكهنوتية وقد إستعمل الرشوة لتحقيق ذلك، وكان كما قال أكثر البشر حكمة سليمان الحكيم:

"فإن الذهب أهلك كثيرين وأزاغ قلوب الملوك" (سيراخ 8: 3)

فإنه قد تم إستدعائه وأمر بالرجوع إلى إيبارشيته التى كانت تقع فى القسطنطينية حيث كان يعيش كل الحكام هؤلاء الذين قال عنهم إشعياء:

"الذين يبررون الشرير من أجل الرشوة وأما حق الصديقين فينزعونه منهم" (أش 5: 23)،

ولكن الله لم يهمل كنيسته فقد حول الرب يسوع المسيح الحكم الظالم الذى صدر من اجل صالح هذا الأسقف وكان بمثابة خرق للقوانين الرسولية بأنه فى أحد الأيام إرتدى هذا الرجل أزهى ملابسه وكان على موعد لمقابلة هؤلاء الحكام ليعيد عزته الكهنوتية بفضل قرارهم، وعند مغادرته لمنزله شعر بالألم فى أمعاؤه فإتجه إلى دورة المياه، كان هناك بعض الأفراد فى إنتظاره بالخارج إستمر إنتظارهم لمدة ساعتين ولكنه لم يخرج شعر بعضهم بالقلق فقرروا دخول دورة المياه ليتبينوا الأمر، وعند دخولهم وجدوا رأس هذا الرجل مدفونة فى مصرف دورة المياه وقدميه معلقة فى الهواء، وقد حصل هذا الرجل على العقاب المناسب والمنصف له ليموت موتاً أبدياً مثلما حدث مع آريوس عدو المسيح الذى دنس مقدساً الرب، فإن ماحدث مع أريوس [Arius] عندما إرتفعت آماله وأراد أن يستعيد وجوده فى الكنيسة بتعاون بعض القضاة فى المحكمة قام ملاك الرب ببعثرة امعاؤه فى مصرف دورة المياه [Thalilaios]، فعندما أراد أن يستمر فى شروره التى سبق وأن فعلها بالتواطؤ مع بعض رجال السلطة فى ذلك الحين قام ملاك الرب الذى كان يرعى كنيسة تسالونيكى بالإتحاد مع الشهيد ديمترى وفى نفس المكان الذى كان ثاليلايوس يقابل فيه إبليس النجس ليدبر معه الخطط لإفساد الكنيسة المقدسة حيث كانت نهايته فى نفس المكان وقد سمر جسده ورفع فى الهواء وأخذ يسير فى الطريق المعاكس لطريق التقوى حاملاً علامة تشير إلى العقاب الذى ينتظره، وكما ذكر:

"مخيف هو الوقوع فى يد الله الحى" (عب 10: 31).

44 - صلاة أحد الرهبان من أجل أحد الإخوة المتنيحين

عندما جئنا إلى أنطينو[26] كان هناك راهب عجوز يتمتع بسمعة طيبة بين الأديرة، وكان يعيش بعيداً عن المدينة ومكث فى قلايته بالدير طيلة سبعين سنة كما كان لهذا الراهب الصالح عشرة تلاميذ ولكن أحد هؤلاء التلاميذ كان شديد الإهمال لحياته الروحية، وكثيراً ما حثه الراهب العجوز على الإعتناء بحياته الروحية متوسلاً وقائلاً: يا أخى إعتنى بروحك فإن الموت ينتظرك وطريق العقاب أمامك، ولكنه كان لا يعير اى إهتمام لكلام الراهب العجوز ويرفض كلامه، وبعد فترة مات هذا الأخ فحزن الراهب العجوز حزناً شديداً عليه عالماً أنه قد ترك العالم حزيناً مفتقراً إلى الإيمان والتكريس لله فسجد العجوز لله وصلى لأجل هذا الأخ المتوفى قائلاً: أيها الرب يسوع المسيح إلهنا الحقيقى إكشف لى عن مكان روح هذا الإنسان الآن، وراح العجوز فى سُبات فرأى نهراً من النار مزدحم بالكثير من الناس وفى المنتصف تماماً وجد هذا الشخص والنيران تصل حتى عنقه، فقال له الراهب العجوز: يا بنى ألم يكن هذا جزاء عدم طاعتك وقيامك بما طلبته منك فكان يجب عليك الإهتمام بأمورك الروحية، فأجاب الراهب الشاب: أشكر الرب بصلواتك أنقذت رأسى، لكن أرجوك يا أبى لا تفتر عن النصح والإرشاد لكل أولادك لئلا يصيبهم ما أصابنى ويلقوا نفس مصيرى.

45 - تكريم الناسك لأيقونة السيدة العذراء

أخبرنا أحد الرهبان عن الأب ثيؤدور الأليوت [Theodre the Aeliote] أنه قد قص له أنه كان هناك ناسك يعيش فى دير على جبل الزيتون، وكان محارباً قوياً وعنيفاً ضد حرب الشهوات الجسدية التى كان يشنها عليه الشيطان، وفى أحد الأيام وبينما كان إبليس يحاربه بشده توقف الناسك محبطاً وقال له: كم من الوقت وأنت لا تدعنى أذهب؟ كف عن هذا فلقد أصابتنا الشيخوخة نحن الإثنين معاً، فظهر له الشيطان مرئياً وقال له: إقسم لى بأنك لن تكشف لأى شخص ما سوف أخبرك به، فوعده الناسك قائلاً: أعدك بإسم الإله الساكن فى السموات بأننى لن أخبر أى شخص عما ستقوله، فقال له إبليس: كف عن تكريمك وتمجيدك لهذه الأيقونة وأنا سأوقف الحرب عنك، وقد كانت الأيقونة للسيدة العذراء مريم وهى تحمل الرب يسوع المسيح، فقال له الناسك: دعنى أذهب وسأفكر فى الأمر، وفى اليوم التالى أرسل هذا الناسك طالباً الأب ثيؤدور والذى كان يرأس دير فرعون، وعندما أتى إليه الأب ثيؤدور أخبره الناسك بكل شئ، فقال له الأب ثيؤدور: حقيقة، لقد أوقعك إبليس فى شَرك ولكن لقد فعلت الصواب بالإفصاح عما حدث، وسوف يكون من الأفضل لك أن لا تترك بيتاً واحداً يمارس فيه الفسق فى المدينة وذلك حتى لا تنقص وتقلل من تمجيدك للرب وتكريمك للسيدة العذراء، وعزاه الأب ثيؤدور بكلامه وسر قلبه كثيراً ثم تركه وعاد إلى حيث أتى، ثم ظهر الشيطان مرة ثانية للناسك وقال له غاضباً: ماذا فعلت أيها العجوز الشرير؟ ألم تعدنى بأنك لن تخبر أحداً؟ لماذا إذن كشفت كل شئ للرجل الذى أتاك؟ يجب أن أخبرك أيها العجوز الشرير بأنك يوم الحساب ستعاقب كحانث للعهد، فأجابه الناسك قائلاً: أعلم أننى قطعت على نفسى عهداً وحنثته، ولكن الوفاء بالعهد يكون مع الرب وليس مع الشيطان، فأنت من بدأ الشر فى العالم وأول من حنث العهد وأنت من سيواجه تبعات أفعاله السيئة حيث لا يوجد مفر.

46 - الرؤية العظيمة التى رأها الأب سيرياكوس

فى أحد الأيام قمنا بزيارة إلى الأب سيرياكوس [Cyriacos] فى الدير كلامون [Calamon] عند نهر الأردن المقدس وأخبرنا القصة التالية:

فى ذات ليلة بينما كنت نائمن وإذا بإمرأة تقف أمامى خارج القلاية فى منظر مهيب له جلاله وكانت ترتدى زياً أورجوانياً، ثم رأيت رجلاً عظيم المظهر تظهر عليه مظاهر الهيبة والنبل، بدا لى أن تلك المرأة هى السيدة العذراء والدة الإله وأن الرجل الذى معها هو القديس العظيم يوحنا المعمدان، فهرعت خارج القلاية راجياً منها الدخول والصلاة داخل قلايتى، لكنها لم توافق على طلبى لججت فى طلبى وتوسلت إليها مسترجعاً آية من المزامير.

"لا يرجعن المنسحق خازياً. الفقير والبائس ليسبحا إسمك" (مز 74: 21).

وكثير من هذه الآيات، فعندما أدركت السيدة العذراء أننى صادق فى إلحاحى أجابتنى بهدوء شديد قائلة: كيف تطلب منى أن أدخل إلى قلايتك بينما هناك عدو بداخلها، وبعد قولها هذا إنصرفت وعندما إستيقظت أصابنى القلق الشديد وبدأت فى التساؤل ربما أكون قد أسأت إليها فى أفكارى، لا يوجد أحد معى فى هذه القلاية ثم بدأت أفحص نفسى لفترة طويلة لعلى أعرف الشئ الذى أزعجها والذى أكون قد إرتكبته ضدها كاد إحساسى بالندم يقتلنى حتى أخذت لفافة من الورق وبدأن أقرأ لعلى أجد ما يخفف من إحساسى هذا، كنت قد أحضرت هذا المكتوب من كاهن كنيسة أورشليم الأب هيسيكيوس [Hesychios]، وعندما فتحته وجدت جزئين مكتوبين من قبل مجموعة المهرطقين النسطوريين فى آخر الكتاب، وعلى الفور أدركت الشئ الذى أحزن السيدة العذراء والدة الإله والذى قالت عليه أنه عدوها، فأخذت الكتاب وإتجهت به إلى من أعطاه لى وقلت له: خذ هذا الكتاب فلم يأتى لى بأى منفعة بل أتى علىَّ باللعنة، وعندما سألنى كيف أتى عليك باللعنى أخبرته بما حدث، وعندما سمع ما حدث لى على الفور إنتزع الجزء المكتوب من قبل هؤلاء المهرطقين ومزقه وألقى به فى النار وقالك إن عدو السيدة العذراء والدة الإله لا يجب أن يبقى فى أى من قلاياتنا.

47 - معجزة السيدة العذراء مع الممثل الذى يجدف عليها

فى مدينة هليوبوليس [Helioplis] فى فوينشيا [Phoenicia] اللبنانية كان هناك ممثل يدعى جاياناس [Gaianas] إعتاد أن يجدف على إسم السيدة العذراء والدة الإله وذلك أثناء عمله كممثل على المسرح، فظهرت له السيدة العذراء فى أحد الأيام وقالت له: ما الشر الذى فعلته بك حتى تسبنى أمام الكثير من الناس وتجدف علىَّ؟ فنهض الرجل من مكانه مندهشاً ولكنه لم يصلح م نطرقته فى التمثيل على المسرح وإستمر فى التجديف على إسم السيدة العذراء أكثر مما سبق، فظهرت له السيدة العذراء ثلاث مرات وأخذت فى توجيه اللوم والعتاب له وتحذره، ولكنه بقى على طريقته فلم يصلح منها أو يقلل من حدة أسلوبه، فظهرت له السيدة العذراء مرة أخرى ولكنه كان نائماً فى منتصف اليوم ولكنها لم تنطق بشئ على الإطلاق كل ما فعلته أنها مزقت يديه وقدميه بأصابعها، وعندما إستيقظ الرجل وجد يديه وقدميه وقد أصيبا بمرض شديد ورقد الرجل كما لو كان جزع شجرة ملقى. هنا فقط إعترف هذا الرجل التعس لكل شخص بأنه قد تلقى جزاء عمله بسبب سبه للسيدة العذراء مريم وقد أصبح عبرة لكل شخص قال هذا من أجل حبه لكل من يتبعه من الناس.

48 - معجزة أخرى للسيدة العذراء مع إحدى المهرطقات

أخبرنا الأب أناستاسيوس [Anastasios] كاهن وآمين خزانة كنيسة قيامة يسوع المسيح إلهنا أن زوجة جيرمانوس أحد الأشراف الرومانيين جاءت ذات يوم للصلاة بمفردها عند قبر مانح الحياة الرب يسوع المسيح الإله الحقيقى، وعندما إتجهت هذه المرأة نحو المكان المقدس قابلتها السيدة العذراء وهى بصحبة نساء أخريات فى صورة مرئية وقالت لها: أنت لست منا ولا يجب عليك الحضور إلى هنا فأنت غريبة عنا كانت فى الحقيقة أن هذه المرأة تتبع تعاليم أحد الطوائف المهرطقة، فتوسلت المرأة بشدة للسيدة العذراء حتى تسمح لها بالدخول ولكنها أجابت عليها قائلة: صدقينى يا إمرأة لن تدخلى حتى تكونى فى شركة معنا، فأدركت المرأة ان هذا بسبب إتباعها للتعاليم المهرطقة لذا فهى غير مسموح لها بالدخول ولا حتى الإنضمام للكنيسة الأرثوذكسية الجماعة.

أرسلت المرأة طالبة أحد القساوسة وعندما وصل ومعه جسد المسيح ودمه، قامت بتناول جسد ودم المسيح مخلصنا الصالح، والآن أصبحت بالفعل مستحقة بأن تصلى بدون أى موانع عند القبر المقدس للرب يسوع المسيح.

49 - الدوق الفلسطينى الذى يتبرأ من طائفته المهرطقة بسبب رؤيا

أخبرنا الكاهن أناستاسيوس أيضاً أنه عندما أصبح حاكم الجيش فى فلسطين أول ما فعله أنه جاء ليصلى فى كنيسة قيامة الرب يسوع المسيح، وبينما كان يدنو منها وإذ بكبش كبير يتجه إليه بنية أن يضربه بقرونه، فخاف الرجل خوفاً عظيماً فرجع إلى الخلف نحو حراس الكنيسة والجنود الواقفون هناك، فقالوا له: ما الأمر يا صاحب السمو؟ لماذا لم تدخل إلى الكنيسة؟ فقال لهم الحاكم: لماذا أحضرتم هذا الكبش إلى هذا المكان؟

بهت الحرس مما يقوله الرجل ولم يتمكنوا من التفكير والرد عليه، وكان زملائهم داخل المكان المقدس لم يروا شيئاً، فبدأوا فى الإلحاح عليه بالدخول مؤكدين أنه لا يوجد أى كبش هناك حاول الحاكم مرة ثانية الدخول ولكنه رأى نفس الكبش مرة أخرى يمنعه من الدخول تكرر هذا المشهد عدة مرات، أو على الأقل بالنسبة لعين الحاكم، أما الأشخاص الذين كانوا برفقته فلم يروا شيئاً، فقال له حارس الصليب الموجود هناك: صدقنى يا صاحب ا لسمو يوجد شئ فى روحك هو الذى يمنعك من دخول قبر مانح الحياة ربنا يسوع المسيح والصلاة بداخله قد يكون من الأفضل لك أن تذهب وتعترف أمام الرب، فإن الرب له ترتيبه الخاص مع شعبه وقد كان رحيماً معك بان أظهر لك تلك الرؤيا: إنفجر الحاكم فى البكاء وقال: أنا مسئول عن الكثير من الخطايا أمام الرب، وإنحنى برأسه نحو الأرض وظل يبكى فى مكانه لفترة طويلة وهو يصلى ويعترف للرب، ثم نهض الرجل بعد ذلك متجهاً إلى قبر ربنا يسوع المسيح ولكن نفس الكبش منعه مرة ثانية من الدخول فقال له: حارس الصليب الواقف فى المكان: لا تزال هناك بعض الموانع، فرد الحاكم قائلاً: لعل السبب الذى يمنعنى من الدخول هو أننى أتناول فى القداس طبقاً لتعاليم سيفيرونيوس وليست طبقاً لتعاليم الكنيسة الجامعة المقدسة.

توسل الحاكم لحارس الصليب أن يحضر له جسد ودم المسيح ليتناول سراً من أسرار الكنيسة الأرثوذكسية وتناول الحاكم ودخل ليتعبد ويصلى عند قبر ربنا يسوع المسيح ولم يعد يرى تلك الرؤيا المرعبة مرة ثانية.

50 - رؤية الأب الناسك جرجس وقوله

فى مدينة سيثبوليس [Scythopolis]، المدينة الثانية فى فلسطين، وهناك قابلت الأب أناستاسيوس [Anastasios]، والذى أخبرنا عن الأب الناسك جورج [George] الآتى:

إستيقظت فى إحدى الليالى لأقرع على الخشب كإشارة لبداية القداس حيث كنت أعمل ككبير المرتلين فى الكنيسة، وأثناء قيامى بذلك سمعت صوت رجل عجوز يبكى بشدة إتجهت نحو الصوت فوجدت الأب جورج، فسألته عن سبب بكاءه قائلاً: يا أبى ماذا بك وما الذى يجعلك تبكى بهذه الصورة؟ لم ينطق هذا الأب بكلمة واحدة، فسألته مرة ثانية: أخبرنى عن سبب حزنك؟ تنهد الرجل بعمق وقال لى: كيف لا أبكى، وأنا أرى أن الرب غير راض عنى؟ أنا أرى نفسى واقفاً أمام شخص سيكوندا [عرش عالى ويقف من حوله الألوف من البشر يتوسلوا إليه ويلحون عليه بشأن أمر ما ولكنه لم يقتنع، ثم رأيت إمرأة فى زيها الأرجوانى أتت إليه وإنحنت أمامه قائلة: أرجوك من أجل خاطرى إستجب لهذا الطلب، ولكنه لم يهتز لطلبها لذا فإنى أبكى وأرثى لحالنا، فأنا أخشى مما سيحدث لنا].

قال الأب جورج هذا الكلام عند بداية أول شعاع ضوء صباح يوم الخميس، وفى يوم الجمعة ضرب زلزال عنيف مدن ساحل فيونيشيا [Phoenician]، وأخبرنا أيضاً الأب أناستاسيوس عن نفس الناسك جورج وقال:

بعد هذه الحادثة بفترة من الزمن وبينما يقف الناسك جورج فى نافذته داخل قلايته قال لى: فلنشعر بالأسف يا أخى، ألا يوبخنا ضميرنا على خطايانا ونعيش هكذا حياة من الغفلة والإهمال، فأنا أخشى ان نكون على أبواب الهلاك الأبدى، فإن غضب الله سوف يعم علينا، وفى اليوم التالى لهذا الحوار ظهرت نيران فى السماء.


[1] - أنشأه أوستورجيوس فى منصف القرن الخامس فيما قبل عام 466 بالقرب من أورشليم، وإنه غير معروف المكان بالضبط ولكنه من الواضح أنه كان عند جبل صهيون.

[2] - أنشئ هذا الدير عندما كان إيليا بطريرك أورشليم فى الفترة من (494 – 516).

[3] - أنظر: أهم الأديرة فى فلسطين ويقع عند وادى سدرون وأنشئ عام 478 على يد القديس سابس وأكثر ما يميزه أنه كان يضم أكثر من 150 ناسك، ويبدو أنه لم يكن بينهم حياة إجتماعية بل كانوا منفصلين عن بعضهم البعض وكل منهم له حياته المستقلة، ولكن بالنسبة لبعض الجهات فإن الآباء الرهبان يتجمعون فى صلاة نهاية الآسبوع، وهذا ما يتم الآن فيما يعرف بمارى ساباس.

[4] - دير صغير إكتسب شهرته بأنه كان مخصصاً للمعمودية.

[5] - البطريرك بطرس، بطريرك القدس (524 - 555).

[6] - أنشأه الأب ثيودوسيوس بعد عام 478 وكان يحمل إسمه، ويقع بين بيت لحم وسباس عند قمة جبل لافت للنظر ويعرف الآن بدير دوسى، كان يضم حوالى أربعمائة راهب وكانوا يعرفون بحسن الضيافة ومساعدة المحتاجين (يبدو أنه كان الدير الذى يعيش فيه جون موسكوس).

[7] - أنشأه الأب رومانيوس ولكنه تحطم فى عام 484م، وأعاد بناؤه ستون راهب أتوا من سباس سنة 508م.

[8] - هذا أنشئ على يد أحد الرهبان ويدعى يعقوب من دير القديس سباس فى بداية القرن السادس – غرب الأردن ولا يبعد كثيراً عن مدينة أريحا – ويبدوا أنه كان يتكون من عدة أبراج، ربما للدفاع عن الدير فى حالة أى هجوم.

[9] - أنشئ هذا الدير فى عهد جوستنيان الأكبر (527 – 565م) وإكتسب إسمه من قربه لكنيسة العذراء مريم وكان أحياناً يطلق عليه الدير الجديد للعذراء مريم، وإنتهى من بناؤه وبدأ فى التكريس فى عام 543م.

[10] - ولد هذا القديس فى ليشيا ثم إنتقل إلى أورشليم 451م وأقام فى الصحراء بالقرب من البحر الميت، ثم أنشأ هذا الدير الذى يحمل إسمه وكان يتكون من سبعون قلاية، ولكن فى القرن الثانى عشر هدم هذا الدير وإنتقل من فيه إلى دير كالامون عند وادى الأردن.

[11] - كانت وسيلة للتجمع للصلاة، وبالرغم من إنتشار الأجراء فى الكثير من الكنائس فى تلك الفترة فى الغرب إلا أنه كانت تستخدم علي نطاق ضيق.

[12] - أنظر: (عب 13: 14) و (1بط 1: 1، 2: 11).

[13] - هذا المكان غير محدد موقعه بالضبط وربما يكون قد هدم أو دمر.

[14] - أنشأ فى القرن الخامس الميلادى.

[15] - مكان على خليج السويس ويسمى الآن طور، ولا يبعد كثيراً عن سيناء.

[16] - ليس لهؤلاء النساك منزل ولا يأكلون خبزاً أو لحوماً ولا يشربون خمراً، كانوا يقضون يومهم على قمة الجبال يصلون ويرنمون وعند وقت الطعام يهيمون فى الصحراء ويقطعون بعض العشب ويأكلونه.

[17] - كان بطريرك أورشليم في أعوام 552، 563، 575م.

[18] - هى إحدى تلميذات القديس بولس وقد إستشهدت فى ليوشيا فى سوريا فى القرن الأول الميلادى، وقد نسب لها العديد من المعجزات.

[19] - دير فى الأردن وغير معروف مكانه بالضبط.

[20] - أنشئ هذا الدير فى القرن الخامس الميلادى وإستمر حتى القرن الثانى عشر، ثم تحطم ولكن آثاره مازالت موجودة فى خان العمار بين أورشليم والبحر الميت.

[21] - هذه المدينة فى ميسوبوتميا وكما توجد مدينة تحمل نفس الإسم على ساحل بونتس، لذا هناك مدينتان بنفس الإسم فى اليونان والأخرى فى فيونشيا.

[22] - طائفة خارجة من الكنيسة وتؤمن إن المسيح شخصين أحدهما إنسان والآخر إله ويرفضون الإيمان بأن القديسة مريم هى والدة الإله.

[23] - يوجد هذا الدير فى أورشليم عند جبال الزيتون وأنشئ فى بدايات القرن السادس.

[24] - تشير هذه المدينة فى أغلب الأحيان إلى أورشليم.

[25] - هى مدينة نيفارزا (Nevarza) الآن فى سليشيا.

[26] - Antinoopolis وهى مدينة أنشئت فى عهد الإمبراطور هادريان وذلك لتصبح علامة واضحة للنيل هو المكان الذى توفى فيه حبيبه أنطونيو فى عام 130 بعد الميلاد.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

القصص من 51-100

المحتويات
المحتويات