أولاً: الحواس المدربة.

تقديم

الحواس الروحية.

إن الحواس هى أبواب الفكر، وإذا ما نحن قدسنا الحواب فإننا نصل إلى نقاوة القلب وعندئذ نستحق معاينة الله فى داخلنا حسب تطويب الرب.

"طوبى للأنقياء القلب. لأنهم يعاينون الله" (مت5: 8).

ويستحيل أن نعاين الرب ونذوق حلاوته دون أن يكون لنا العقل الطاهر الذى هو الطريق القلب النقى.

والحواس الخمسة التى للأنسان هى: النظر، والسمع. واللسان، والشم، واللمس، وهى أدوات فى يد الله حين يستخدمها لمجده، وقد تكون أيضاً أدوات فى يد الشيطان ليستخدمها لأفساد هيكل الله وتدنيس المذبح الألهى فى الأنسان ولذلك يقول الرسول بولس.

"فأطلب اليكم أيها الأخوة برأفة الله أن تقدموا أجسادكم ذبيحة حية مقدسة مرضية عند الله عبادتكم العقلية" (رو12: 1).

ويستحيل أن نصل إلى تلك الذبيحة المقدسة دون أن نقدس الحواس خلال عمل النعمة ومعونة الروح القدس.

ونحن دائماً نجاهد فى الطريق الروحى وفى تقديم التوبة عما أسقطنا وسقطت به الحواس. ولكن بدون عمل النعمة يستحيل أن تتحول الحواس الجسدانية إلى حواس روحانية.

وهذا التقديس للحواس هو من عمل الصليب وقوة دم المسيح، وهذا ما سطره الوحى الألهى فى رسالة غلاطية: -.

"الذى بذل نفسه لأجل خطايانا لينقذنا من العالم الحاضر الشرير" (غل1: 4).

"مع المسيح صلبت فأحيا لا أنا بل المسيح يحيا فىّ.. الذى أحبنى وأسلم نفسه لأجلى" (غل2: 20).

"ولكن الذين هم للمسيح قد صلبوا الجسد مع الأهواء والشهوات" (غل5: 24).

"وأما من جهتى فحاشا لى أن أفتخر إلا بصليب ربنا يسوع المسيح الذى به قد صلب العالم لى وأنا للعالم" (غل6: 14).

وهكذا فإن الشركة مع الصليب هى النعمة التى نقدس بها الحواس حتى تتحول من حواس جسدية إلى حواس روحانية تعمل لحساب المسيح.

ونتحدث معك أيه القارئ العزيز فى هذه النبذة عن: -.

أولاً: الحواس المدربة.

ثانياً: إماتة الحواس.

ثالثاً: الحواس الروحية المقدسة.

ثم نطوف معك أيها القارئ بين دفتى الكتاب المقدس لنأخذ معاً القوة الروحية التى تحول حواسنا وتقدسها لحساب المسيح. وفى النهاية نركز على صلوات الأجبية التى تتحدث عن الحواس وتقديسها.

أولاً: الحواس المدربة.

"وأما الطعام القوى فللبالغين الذى بسبب التمرن قد صارت لهم الحواس مُدربة على التمييز بين الخير والشر" (عب5: 14).

هنا يتحدث الرسول بولس أولاً عن البلوغ والنضج الروحى اللذين يصل اليهما الأنسان خلال الطعام القوى. ومن علامات النضج الروحى أن يدرب الأنسان حواسه على التمييز بين الخير والشر، فيفعل البر ويحبه ويبتعد عن الشر وينبذه:

1 - الطعام القوى:

وهنا يميز الرسول بولس بين اللبن وبين الطعام القوى (اللحم) فيقول.

"لأن كل من يتناول اللبن هو عديم الخبرة فى كلام البر لأنه طفل، وأما الطعام القوى فللبالغين..." (عب5: 13 - 14).

ونحن لا نستطيع أن نقول أن اللبن هو الأنجيل، بينما الطعام القوى هو التناول من جسد الرب ودمه. لأن الرسول بولس يفرق بين من هو عديم الخبرة ومن تدرب على التمييز بين الخير والشر. ولذلك كان اللبن يشير إلى الطفولة الروحية، بينما الطعام القوى يشير إلى النضج والبلوغ الروحى. وهذا ما أكده الرسول بولس حين قال.

"لما كنت طفلاً كطفل كنت أتكلم وكطفل كنت أفطن وكطفل كنت أفتكر، ولكن لما صرت رجلاً أبطلت ما للطفل" (1كو13: 11).

إن الفرق بين الطفل والرجل ليس هو عامل الزمن. لأن كثيرين رجال حسب الزمن بينما هم أطفال فى القامة الروحية. وآخرين صغار فى السن بينما هم ناضجون وبالغون روحياً. ولذلك يقول الرسول بولس "ايها الأخوة لا تكونوا أولاداً فى إذهانكم بل كونوا أولاداً فى الشر. وأما فى الآذهان فكونوا كاملين" (1كو14: 20). وكذلك "أسهروا. إثبتوا فى الأيمان. كونوا رجالاً. تقووا" (1كو16: 13).

إن الخبرة الروحية تصل للأنسان عن طريقين: أولهما التعلم من الأخطاء التى يسقط فيها الأنسان (نظرية التعلم من الخطأ والصواب). والثانية من الأرشاد الألهى عن طريق النعمة خلال الصلاة والأنجيل وعن طريق الآباء والمرشدين الروحيين.

والأنسان الناضج روحياً هو ذلك الأنسان الذى يمتلك فى حياته خبره روحية ينفذها فى سلوكه. أما الطفل فهو عديم الخبرة وكل ما يملكه هو مجموعة معلومات يحفظها فى عقله!!

هنا نضع مبدأ روحياً هاماً فى حياتنا وهو النمو الروحى مع النمو الزمنى. ولذلك يقول الرسول بطرس "ولكن أنموا فى النعمة وفى معرفة ربنا ومخلصنا يسوع المسيح" (2بط3: 18).

2 - التمرن والتمييزن:

إن الأنسان فى نضجة ونموه إنما يكون له هذه الصفة. انه مميز، أى يميز بين ما هو نافع وما هو ضار. وهكذا فإن الأنسان يميز فى أكله بين ما يضر وما ينفع. أما التمرن فقد قال عنه الرسول بولس.

"وروض نفسك للتقوى" (1تى4: 7).

إن الترويض للتقوى هو نوع من التمرين والمواظبة الروحية. مثل التمرينات الرياضية التى يواظب عليها الأنسان. إن التمرن والتمييز هما عملان دائمان يشترك فيهما العقل حتى يقود الحواس نحو الأبتعاد عن كل ما هو ضار. والتمرين على ممارسة التقوى والممارسات الروحية. وهنا يكون للعقل دور فى قيادة الحواس. ولذلك يقول الرسول بولس عن صفات ذلك الأنسان الناضج الذى تدرب على التمرن والتمييز بين الخير والشر خلال عمل الحواس "أن يكون الأشياخ (الناضجين والمتقدمين روحياً) صاحين ذوى وقار متعقلين أصحاب" (تى2: 2). وهكذا فإن الأنسان الناضج البالغ روحياً يجب أن يكون.

"محباً للخير متعقلاً باراً ورعاً ضابطاً لنفسه" (تى1: 8)

.

إن العقل يضبط الحواس ويقودها. ومن هنا يبدأ التمرن والتمييز بين ما هو صالح وما هو ضار!!

3 - الخير والشر:

إن الأنسان الروحى حسب ما وصفه داود النبى فى المزمور 34 قائلاً "من هو الأنسان القوى الذى يهوى الحياة ويحب كثرة الأيام ليرى خيراً. صن لسانك عن الشر وشفتيك عن التكلم بالغش. حد عن الشر وأصنع الخير. أطلب السلامة وأسع وراءها" (مز34: 12 - 13).

وهنا يقدم لنا الرسول بطرس إختبار السعى الأيجابى نحو الرب لطريق مضمون للنمو وترك كل ما هو شر "فأطرحوا كل خبث وكل مكر والرياء والحسد وكل مذمة. وكأطفال مولودين الآن أشتهوا اللبن العقلى العديم الغش لكى تنموا به. إن كنتم قد ذقتم أن الرب صالح" (1بط2: 1 - 3). ولذلك يقول الرسول بطرس "أنتم الذين بقوة الله محروسون بإيمان لخلاص مستعد أن يعلن فى الزمان الأخير" (1بط1: 5).

إن الخير والشر موجودان حولنا وحسب ميل العقل تميل الحواس. إن كان العقل يميل نحو الله، فإنه سوف يقود الحواس ويضبطها لتبعد عن الشر والباطل والزائل، لتميز وتذوق حلاوة الرب وقدرته على جذب النفس بعقلها وحواسها نحو حلاوة الرب. وحين تذوق النفس وتتدرب على ترك الشر وإختيار الخير فتصرخ قائلة.

"ما أجوده وما أجمله" (زك9: 17).

ولكن لأن الجسد يحارب ويقاوم الروح ويحاول الشيطان خلال الحواس أن يظلم العقل ويدنس الجسد، ولذلك فإن كثيرين ينطبق عليهم قول الرسول بولس.

"الذين إذهم فقدوا الحسّ أسلموا نفوسهم للدعارة ليعملوا كل نجاسة فى الطمع" (أف4: 19).

وهذا جعل الرسول بولس يصرخ لله قائلاً "فإنى أعلم أنه ليس ساكن فىّ أى فى جسدى شئ صالح. لأن الأرادة حاضرة عندى وأما أن أفعل الحسنى فلست أجد. لأنى لست أفعل الصالح الذى أريده بل الشر الذى لست أريده فإياه أفعل. فإن كنت ما لست أريده إياه أفعل فلست بعد أفعله أنا بل الخطية الساكنة فىّ" (رو7: 18 - 20).

ولكن هنا يقودنا الروح القدس لكى نسير فى طريق إماتة حواس الجسد.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

ثانياً: إماتة حواس الجسد:

المحتويات
المحتويات