مصباح منير – الأنبا بيشوي مطران دمياط و البراري – الفصل الثاني

هذا الفصل هو جزء من كتاب: مصباح منير ( الأنبا بيشوي مطران دمياط) – بقلم الأنبا هدرا أسقف أسوان. إضغط هنا للذهاب لصفحة تحميل الكتاب.

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”مصباح منير – الأنبا بيشوي مطران دمياط و البراري” field=name]

شاباً متغرباً بمدينة الأسكندرية

“من المهم أن يجد الشاب الجو الكنسى الذى به يحافظ على روحياته وينميها فليس المطلوب فقط أن يدخل الشاب ويصلى القداس فى الكنيسة ويخرج، بل المطلوب أن يشعر بجو روحى يشده للحياة مع ربنا”

نيافة الأنبا بيشوى

وقال أيضاً :

“أريد ألا يندفع الشباب فى تكوين فكرهم الخاص، فأعظم شاب فى نظرى، من يقدر أن يعيش الحاضر بخلفية الماضى من ناحية التراث والعقيدة والفكر والروحانية”

فى كلية الهندسة جامعة الأسكندرية :

كأن الله القدوس أرسله إلى هناك ليعدّه إعداداً روحياً لخدمة أعظم!

فالتحق الشاب مكرم بكلية الهندسة.. وكان ذلك أشبه بشئ وراثى فى العائلة، إذ كان خمسة من أعمامه رجالاً مهندسين عظام وأساتذة بالجامعة..وتخصص فى قسم القوى الميكانيكية..

وكان نابغاً فى دراسته، ومتفوقاً على أقرانه، فتخرّج فى سنة 1963، وكان عمره فى ذلك الوقت أقل من 21 سنة، وقد حصل فى كل مراحل الدراسة على درجة الإمتياز، فكان تقديره النهائى درجة الإمتياز مما أهله لأن يعيَّن معيداً بالكلية.

وأهم ما نلقى عليه الضوء فى فترة شبابه المتغرِّب بالأسكندرية كونه نموذجاً يحتذى به فى الأخلاق -بالنسبة للشباب- وفى التدين، وفى العلم. وكان يقضى معظم أوقاته فى الدرس والتعليم والعبادة، وكانت معاملته لطلبته معاملة الصديق المحب الذى يرتبط بهم إرتباطاً روحياً بجانب الرباط العلمى، فكان يبدأ شرحه بحكمة روحية يكتبها على السبورة.

وكانت شقته أشبه بكنيسة تُقدّس فيها خدمات روحية ومادية وعلمية لكل قاصد له، وكان يشجع الشباب على العبادة، ويقوم بشرح دروس الجامعة مجاناً لهم.. وكان نصيراً للفقراء الذين يقصدونه.

شاباً نموذجياً متديناً :

ظل مواظباً طيلة دراسته الجامعية على المواظبة والحضور بكنيسة مار جرجس باسبورتنج حتى سنة 1962… وكان منشغلاً بحق بخلاص نفسه…

وقد إتخذ أبونا المبارك المتنيح القمص بيشوى كامل أب إعتراف له أولاً لفترة من الزمن.. ولكن نظراً لإنشغال أبونا بيشوى الكثير، والضغوط الشديدة عليه، إتخذ أبونا تادرس يعقوب أب إعتراف له، وظل متتلمذاً له فترة طويلة من الزمن.

يعمل فى خدمة مدارس الأحد :

دعاه الله للخدمة، فنراه بعد تخرجه من كلية الهندسة بإمتياز، عمل معيداً بالكلية… غير أن تطلعاته لم تكن نحو المجد العالمى والمراكز المرموقة، بل للعيشة الروحية المقدسة لخدمة الرب، لذلك  إلتحق أولاً بخدمة مدارس الأحد فى عزبة دنّه بحى باكوس بالأسكندرية منذ سنة 1963، وقام بخدمة الشباب بعد ذلك بكنيسة مار جرجس بباكوس.

وتوالت عليه الخدمات الروحية متتابعة، نظراً لحياته الروحية القوية، ومثاله الروحى الحىّ للشباب، فألحقت به أيضاً خدمة الشباب بكنيسة مار جرجس باسبوتنج، ثم أيضاً أسرة إعداد الخدام هناك.

ولم يكتف بذلك، بل شغلاً لكل الوقت كان يخدم بكنيسة مار جرجس بالمكس.

ثم طُلب إليه أن يحاضر فى بعض مؤتمرات الخدام، وكان أيضاً يُركن إليه خدمة الوعظ أحياناً فى القداسات. وأخيراً كان يُدعى للنهضات الروحية فى بعض البلاد مثل المحلة الكبرى وكفر  الزيات… وفى دمياط أيضاً.

الخادم الروحى محب الخلوات :

ولم ينسى الشاب مكرم نفسه فى زحمة الخدمة، كما فى عمله العالمى بل كان حريصاً على الإمتلاء بالروح، ناظراً إلى خلاص نفسه أولاً، ولذا كان يكثر من الخلوات الروحية، ويحب أماكن الخلوة، ويقضى فيها كثيراً من الأوقات، وكان يحلو له الإختلاء بكنيسة مار جرجس بالمكس التى كانت أشبه بالأديرة، إذ كانت بمكان منعزل بغرب الأسكندرية.

وكان يصلى فيها قداسات أيام الجمع… كما كان يواظب على قداسات الأحد بكنيسة مار جرجس باسبورتنج.

الشاب الذى تأثر بالقدوة الروحية :

كان قداسة الأب القمص بيشوى كامل يحب قداسة البابا شنودة الثالث، إذ كان قد تأثر بقدوته أثناء فترة الأربعين التى قضاها بعد سيامته بدير السريان، وكان يقضى أوقات كثيرة فى جلسات روحية مع القمص أنطونيوس السريانى (قداسة البابا قبل رسامته بطريركاً).

وأراد أبونا بيشوى كامل أن ينقل هذه القدوة لأولاده الروحيين، فاستغل فترة حضور نيافة الأنبا شنودة (أسقف التعليم آنذاك) لإلقاء محاضرات بمؤتمر الخدام الذى أقيم بكنيسة السيدة العذراء بسموحة سنة 1962م، وقال لأولاده الشباب: [سترون عينة من خدام القرن الرابع الميلادى الذى يحمل روح الآباء الأوائل].

لحظة تأثره بالأنبا شنودة :

وكانت هذه الدعوة بالنسبة للمهندس مكرم دعوة خصوصية فتحت أمامه آفاقاً أخرى للحياة الروحية ونترك المجال لنيافة الأنبا بيشوى لينقل بدقة ما حدث.

قال : ذهبت لحضور القداس الإلهى الذى يصليه نيافة الأنبا شنودة بالإشتراك مع القمص مينا إسكندر وكانت أول مرة أرى فيها نيافة الأنبا شنودة، ربما قرأت عنه سابقاً فى مجلة مدارس الأحد، كما قرأت بعض مقالاته…

وحينما إبتدأ الأنبا شنودة فى قراءة السنكسار وكان اليوم الرابع والعشرين من برمهات، الذى يتكلم عن سيرة القديس مكاريوس التاسع والخمسون من باباوات الأسكندرية.

وأثناء القراءة بكى الأنبا شنودة وسلّم الكتاب للقمص مينا إسكندر ليكمل القراءة…

حيث يقول السنكسار: أنه لما زار البابا مكاريوس دير القديس مكاريوس حسب عادة سلفائه، مر ببلدته لإفتقاد والدته، وعندما دخل إليها لم تلتفت إليه، بل ظلت تشتغل بمغزلها ذارفة الدموع، ولما إقترب إليها البابا تشاغلت عنه، فظنها غير عارفة به…

فقال لها: ماذا يبكيك أيتها الوالدة؟ ألا تعلمين أنى أنا إبنك مكاريوس، الذى رقى إلى درجة سامية، ونال سلطة رفيعة وأمسى سيداً لأمة كبيرة!

فأجابته: إنى لا أجهلك، وعارفة بما صرت إليه، ولكننى كنت أود يا إبنى أن يؤتى بك إلىّ محمولاً على نعش، خيراً من أن أراك بطريركاً!!

ألا تعلم أنك قبلاً كنت مطالب بنفسك وحدك والآن صرت مطالباً بأنفس رعيتك!

فأيقن أنك أمسيت فى خطر، وهيهات أن تنجو منه. لأن من عادة الغطرسة والمجد الباطل، أن يصير للمرء برقعاً يحجب عن عينيه ضياء الشمس الحقيقية! فمن أين لك يا ولدى تقدر أن تكون بصيراً، وقد غطى مجد الرئاسة بصيرتك! فها أنذا قد أنذرتك بما أنت فيه من خطر فكن حذراً لذاتك، وإذكر والدتك التى تعبت لأجلك وربتك.

ويكمل نيافة الأنبا بيشوى كلامه قائلاً: فتأثرت جداً بالأنبا شنودة خصوصاً أثناء القداس الإلهى، الذى كان يصليه بروحانية عجيبة، ورأيت فيه صورة الراهب الحقيقى، وأحببت فيه مشاعره الرقيقة وإحساسه الروحى المرهف.