سلسلة إكثوس – ج048 – دفاع عن قانون ايمان مجمع نيقية – مقدمة – بقلم اثناسيوس الرسولي – القمص أثناسيوس فهمي جورج

الرئيسية » كتب » قسم التاريخ » تاريخ المسيحية » تاريخ الكنيسة الجامعة قبل الإنشقاق » عصر المجامع المسكونية » مجمع نيقية » سلسلة إكثوس – ج048 – دفاع عن قانون ايمان مجمع نيقية – مقدمة – بقلم اثناسيوس الرسولي – القمص أثناسيوس فهمي جورج

تحميل الكتاب

إنتبه: إضغط على زرار التحميل وانتظر ثوان ليبدأ التحميل.
الملفات الكبيرة تحتاج وقت طويل للتحميل.
رابط التحميلحجم الملف
أضغط للتحميل المباشر إضغط هنا لتحميل الكتاب
62MB

تحميل الكتاب

إنتبه: إضغط على زرار التحميل وانتظر ثوان ليبدأ التحميل.
الملفات الكبيرة تحتاج وقت طويل للتحميل.
رابط التحميلحجم الملف
أضغط للتحميل المباشر إضغط هنا لتحميل الكتاب62MB

سلسلة إكثوس – ج048 – دفاع عن قانون ايمان مجمع نيقية – بقلم اثناسيوس الرسولي – القمص أثناسيوس فهمي جورج

مقدِمة

إنَّ الكنيسة المسيحية كنيسة مجمعية منذ نشأتها ، من حيث أنَّ الروح القدس حل على التلاميذ وهم في هيئة كنيسة ( أع 1 ) ، وعندما تأسَّست الكنيسة القبطية بكرازِة مارِمرقُس الرَّسول بطريرك الأسكندرية الأوَّل ، صارت تحتفِظ بشهادِة الرُّسُل وتعليمهم مُمَّثلاً في تعليم كاروزها الذي أسَّسها ، وأصبحت مُؤتمنة ومسئولة عن حِفْظ هذه الشِهادة التي للآباء الرَّسُل جميعاً لِذا حملت كنيسة الله في الأسكندرية المُناداة بالتعليم الرَّسولي وحافظت عليهِ مُعاشاً على مر تاريخها الطويل .

وهكذا انعقدت المجامِع في كنيسة الأسكندرية منذ القرون الأولى على نفس نمط كنيسة أورشليم . لأجل هذا انشغل آباء كنيسة الأسكندرية كباقي الآباء بالدِفاع عن لاهوت السيِّد المسيح وتدبيره الخلاصي ” الخلاص الذي فتَّش وبحث عنهُ أنبياءُ “ ( 1بط 1 : 10 ) هذا الخلاص كان ومازال هو موضوع كرازة الكنيسة على فم أبائِها ومُعلِّميها ، إذ ليس هناك أمر آخر انشغلوا به سوى توصيل كلِمة الله الحامِلة لبُشرى هذا الخلاص ، وكلّ عقائِد المسيحية تدور حول هذا الخلاص الثمين . وعقيدة لاهوت المسيح ليست مُجرَّد عقيدة أساسية ، بل بغير لاهوت المسيح ما كان يُمكن أن يكون الخلاص الإلهي للإنسان . هكذا برهن آباء الكنيسة على لاهوت المسيح .

ولأنَّ الكنيسة القبطية كنيسة تقليدية Traditional وكنيسة مُحافظة Conservative تحفظ الإيمان الرَّسولي المُسلَّم لنا من القديسين ( يه 3 ) ولا تنقِل التُّخم القديم الذي وضعهُ آباؤُنا ( أم 22 : 28 ) ، لِذا من التقاليد الأساسية فيها أقوال الآباء القديسين وقوانين المجامِع المُقدسة المُعتمدة التي كانت شاهِداً جماعياً على سِرْ الإيمان المسيحي الأوَّل في مواجهة البِدَع والهرطقات .

ومن بين هذه المجامِع المسكونية مجمع نيقية المسكوني ، فهو أوَّل المجامِع المسكونية التي تعترِف بها كنيستنا القبطية الأرثوذُكسية ، وقد انعقد سنة 325م وحضره 318 أسقفاً من سائِر أنحاء العالم ، ووضع قانون الإيمان حتّى قوله :” نعم نُؤمِنْ بالروح القدس “ . وتعترِف جميع كنائِس العالم من أرثوذُكس وكاثوليك وبروتُستانت بِمُقررات هذا المجمع ويُتلى قانون الإيمان في كلّ كنيسة .

أمَّا المجمعان الآخران اللذان تعتمدهُما الكنيسة فهما : مجمع القُسطنطينية عام 381م ( حضره 150 أسقفاً ) الذي وضع بقية قانون الإيمان حتّى قوله ” وننتظِر قيامة الأموات وحياة الدَّهر الآتي آمين “ ؛ ومجمع أفسُس عام 431م ( حضره 200 أسقف ) الذي وضع مُقدمة قانون الإيمان ” نُعظِّمِك يا أُم النور الحقيقي “ .

وكان السبب الرئيسي لدعوة جميع أساقفة العالم للاجتماع معاً في نيقية هو إقرار مبادِئ الإيمان المسيحي ووضعها في فصول قانون ثابِت مُحدَّد يكون دِستوراً للمؤمنين على مدى الدُّهور ، ولِدحض البِدعة الآريوسية التي ابتدعها آريوس الهرطوقي الذي أنكر أُلوهيِة السيِّد المسيح وعدم مُساواته للآب في الجوهر .

لِذا دعى الإمبراطور قُسطنطين الكبير أساقفة المسكونة لعقد مجمع في نيقية بسبب بِدعة آريوس التي كانت قد أزعجت الكنيسة وعكَّرت صفو سلامها في أيام أربعة باباوات مُتتابعين من بطاركة الأسكندرية وهم البابا بطرُس خاتِم الشُّهداء ( 17 ) والبابا أرشيلاوس ( 18 ) والبابا ألكسندروس ( 19 ) والبابا أثناسيوس ( 20 ) .

هذا وقد قام البابا بطرُس خاتِم الشُّهداء بحرم آريوس وبِدعته وقطعه من شَرِكَة الكنيسة وأعلن لِتلميذيه أرشيلاوس وألكسندروس اللذينِ خلفاه في الباباوية سبب تجريده لآريوس قائِلاً : ” لستُ أنا الذي حرمته بل السيِّد المسيح لأني في هذه الليلة بعد أن أكملت صلواتي ونِمت رأيت شاباً قد دخل عليَّ ووجهه مُضِئ كالشمس وعليه ثوب مُتشِح به إلى رِجليه وهو مشقوق وقد أمسك بيده القِطعة المُمزقة ، فصرخت وقُلت : يا سيِّدي مَنْ الذي شق ثوبك ؟ فأجابني : آريوس هو الذي مزَّق ثوبي فلا تقبله . واليوم يأتيك قوم طالبين منك إرجاعه فلا تطِعهم وأوصي أرشيلاوس وألكسندروس بأن يمنعاه من شَرِكتهُما “ .

ويقول يوسابيوس القيصري أبو التاريخ الكنسي أنَّ الدعوة لعقد مجمع نيقية قد جاءت من الإمبراطور قُسطنطين نفسه ، لكي يضع آباء الكنيسة دِستوراً لإيمان الكنيسة الجامِعة ، وبهذا صدر الأمر الإمبراطوري الذي يقضي بعقد أوَّل مجمع مسكوني في مدينة نيقية .

وقد اختار الإمبراطور مدينة نيقية لِتكون مقراً للجميع لكونِها ميناء يسهُل الوصول إليه ، ولِقُربها أيضاً من عاصمة الإمبراطورية الشرقية ” نيقوميديا “ في آسيا الصُغرى . هذا وقد لبَّى الدعوة 318 أسقفاً من الشرق والغرب .

وقيلَ أنه بعد أن قُيِّدت أسماؤهم كانوا كلّما أحصوا عددهم يجدون أنهم 319 ، فكفُّوا عن العد وفي مخافة أحسُّوا أنَّ السيِّد المسيح حاضِر معهم مِمّا أفرح قُلوبهم وطمأنهم على سلامة كنيسة المسيح التي اقتناها بدمه الكريم .

وكان من أشهر أساقفة المجمع : مكاريوس أسقف أورشليم الذي اشتهر بما أجرى الله على يديه من عجائِب ، وأسطاسيوس أسقف أنطاكية الذي أقام الميِّت حياً ، وهيباثيوس أسقف غنغرة الذي نال إكليل الشِهادة بعد انتهاء المجمع ، أمَّا البابا ألكسندروس السكندري فكان من أبرز الذين جاءوا معه القديس بفنوتي أسقف طِيبة الذي احتُسِب ضِمن المُعترفين ، وبوتامون أسقف هيراقليا الذي استُشهِد فيما بعد على يد الآريوسيين . إلاَّ أنَّ أبرزهم جميعاً كان أثناسيوس شماس البابا ألكسندروس الذي كان له الدور الأكبر في دحض بِدعة آريوس .

كما حضر أيضاً آريوس مُصطحِباً معه فلاسِفة آريوسيين ، وأعطاه المجمع هو وأتباعه فرصة التعبير عن مُعتقداتِهِمْ ، ويقول المُؤرِخ روفينوس أنَّ الأساقِفة كانوا يجتمِعون يومياً ويتداولون بكلّ صبر وإسهاب ، حتّى أنهم نادوا آريوس مِراراً وطالبوه بتوضيح مُعتقِده بكلّ صراحة ، كما أنهم استمعوا لأتباعه والمُقتنعين برأيه والذين كان أشَّرهم يوسابيوس النيقوميدي الذي حاول أن يُخفي نفسه مُتظاهِراً بالموافقة على اعتقاد الأساقفة المُستقيمي الرأي .

ومنذ أن افتتح المجمع جَلَسَاته يوم 20 مايو سنة 325م بحضور الإمبراطور قُسطنطين الكبير ، استمرت المُداولات المُستفيضة في جلسات كثيرة ثبت فيها لآباء المجمع مدى انحراف المُبتدعين وتحايُلهُم على الألفاظ ، فقرروا حرمهم ووضع دِستور للإيمان يتضمن العقائِد الأساسية للمسيحية وكلّ ما يختص بالاعتقاد في ألوهية الرب يسوع .

وكانت اللغة اليونانية هي لُغة التفاهُم في المجمع ، وحرص الآباء المُجتمِعون في نيقية على أن تكون تعبيراتِهِمْ بواسطتها واضحة لا تحتمِل التأويل ، خاصَّة وأنَّ هذه اللُغة تتميَّز بكثرِة الألفاظ المُتشابهة مع تبايُن المعنى . وقد حاول آريوس بالفِعْل أن يستغِل هذا التشابُه اللفظي مُستعمِلاً كلِمة ” هوميؤسيوس “ في التعبير عن طبيعة المسيح أنه من جوهر مُشابِه لجوهر الآب ، فتصدَّى له أثناسيوس الذي اكتشف        خُبثه ، وأصر على استخدام لفظِة ” هوموؤسيوس “ التي تعني أنَّ المسيح هو من نفس جوهر الآب .

وليس الاختلاف بين الكلِمتين إلاَّ في حرف واحِد وهو زيادِة حرف اليوتا في الكلِمة الأولى ( واحِد أو مُساوي ομοουσιου ومُشابِه ομοιουσιου ) ولكن مضمونها يحمِل إنكاراً للاهوت المسيح ونقضاً لعقيدة الثَّالوث من أساسها ! وهكذا استبان ضلال آريوس وخِداعه ! وبالرغم من أنَّ هذه الكلِمة ” هوموؤسيوس “ غير وارِدة في الكِتاب المُقدس بنصها ، إلاَّ أنها وارِدة بمفهومها مِئات المرَّات ” أنا والآب واحِد “ ( يو 10 : 30 ) ، ” أنا في الآب والآب فيَّ “ ( يو 14 : 10 ) ، ” مَنْ رأني فقد رأى الآب “ ( يو 14 : 9 ) . وقد اضطر الآباء إلى استخدامها لتوضيح العِلاقة الجوهرية بين الآب والابن ولإزالِة كلّ غموض من الأذهان .

وانتدب المجمع لوضع هذا الدستور الإيماني ثلاثة من الأعضاء : البابا ألكسندروس وشماسه أثناسيوس ، وليونتيوس أسقف قيصرية الكبَّادوك . فوضعوا قانون الإيمان الذي تعتبِره جميع كنائِس العالم دِستوراً لإيمانها .

وكان أثناسيوس من أكثر الذين واجهوا آريوس وكشفوا خِداعه في قوله ” مُشابهة “ الابن للآب بدلاً من ” مُساواته في الجوهر للآب “ ، ولذلك تمسَّك مع بقية آباء المجمع بتعبير ” مُساوِ للآب في الجوهر “ ، ليس لِمُجرَّد التمسُّك الحرفي بعقائِد إيماننا ، ولكن لِخطورِة ما يترتب على أي من التعبيرين من نتائِج حاسِمة فيما يتعلَّق بخلاصنا ، إذ أنَّ الذي مات عنَّا على الصليب لو كان ” مُشابِهاً “ فقط للآب ، لكان مُجرَّد مخلوق ولِمَا أمكنه أن يُخلِّص البشرية كلّها مُحقِقاً لها الشَرِكَة في الطبيعة الإلهية .

هذا وقد ذُيِّل هذا الدستور الإيماني بالحرم الآتي نصه : ” إنَّ جميع الذين يقولون عن الابن أنه جاء عليه حين من الدهر لم يكُن موجوداً ، أو أنه لم يكُن له أثر في الوجود قبل أن يُولد ، أو أنه وُلِد من العدم أو أنه من غير جوهر الآب ، أو أنه مخلوق ومُعرَّض للتحوُّل والتبدُّل ، فالكنيسة الجامِعة الرَّسولية المُقدسة تُعلِن وقوعهم تحت طائِلة الحرم “ .

وبذلك اعتبرت الكنيسة أنَّ مجمع نيقية هو الثَّاني والمُساوي لِمجمع أورشليم ( أع 15 ) وقد سمَّاه القديس أثناسيوس الرَّسولي ” وثيقة حقيقية وشهادة للنُّصرة فوق كلّ هرطقة “ ، كما سمَّاه القديس إيسيذروس المصري : ” المجمع النيقاوي هو تعبير عن إلهام الله في الكنيسة “ .

فكما أنَّ الكنيسة القبطية سبَّاقة ورائِدة دائِماً ، هكذا كان ذلك كذلك في قيادة جلسات مجمع نيقية عندما أملت نص أوَّل قانون للإيمان على كلّ كنائِس الدنيا ، لِتشهد بما تسلّمته حسب وصية الله على لِسان أثناسيوس الرَّسولي الذي كان أعظم المُرافقين للأساقفة ” بحسب تعبير إغريغوريوس النزينزي “ .

فبالروح اللاهوتية الواعية رافق أثناسيوس مُعلِّمه البابا ألكسندروس مبحِراً إلى نيقية للدِفاع ضد آريوس على يقين الإيمان بالفادي الذي أحبَّه ، وكان وقتئذٍ في التَّاسِعة والعشرين من عُمره ، آخِذاً على عاتِقه حِفْظ وديعة الإيمان كغاية حياته مُؤسِساً الاعتراف الذي رُسِمْ في نيقية داحِضاً ما استحدثه آريوس وأتباعه ، مُعلِّماً الشعب أن لا يلتفِت إلى الأرواح المُضِلَّة .

لم يكُنْ القديس أثناسيوس مُجرَّد بطل لِمجمع نيقية بل صار الدِفاع عن الإيمان ضد الآريوسية قصة حياته كلّها ، يهيب بالجميع في كلّ مكان من الذين وضع تحت أيديهم الاعتراف الذي تحدَّد بِواسطة آباء نيقية لكي يدافعوا عنه بأعظم غِيرة وثِقة في الرب ، فصار أثناسيوس هو المركز الذي كانت تدور حوله الكنيسة واللاهوت في العصر النيقاوي ولهذا لُقِب بالكبير ، ودُعِيَ فيما بعد ” أبو الأُرثوذُكسية “ ، حتّى أنَّ اصطلاح نيقية واسم أثناسيوس أصبحا في التاريخ قيمتين مُتعادِلتين .

وعندما أتت سنة 330 صار أثناسيوس الشخصية الذائِعة الصيت في الكنيسة بعد أن شارك البابا ألكسندروس وحثُّه قبل انعقاد مجمع نيقية على عدم قبول عودة آريوس ثم دافع عن عقيدة وحدِة الجوهر ودحض الآريوسية على مدى نصف قرن لهذا دُعِيَ قِيثارة رسولية ومنبر أعظم وحجر الزاوية في كنيسة الله ، وذاع عنه القول : ” إذا قابلت جُملة لأثناسيوس ولم يكُنْ لديك ورقة فاكتُبها حالاً على ثوبك “ كصورة تُوضِح مدى التهافُت على سماع أقواله وتعليمه وكصخرة لم تقوَ عليها أبواب الجحيم .

فلولا القديس أثناسيوس لصار العالم كلّه آريوسياً ، إذ يلزم أن نعرِف أنَّ قبله لم يكُنْ التعليم الأُرثوذُكسي كقانون مُتكامِل معروفاً ، فنحن نعلم أنَّ البابا ألكسندروس تنيَّح بعد خمسة شهور فقط من خِتام جلسات مجمع نيقية حيث استمر بالفِعْل الجِهاد الطويل الممزوج بالألم والعذاب والنفي والتشنيع الذي تحمَّله أثناسيوس في سبيل الشِهادة للإيمان الحق .

إنني أحسب نفسي فرِحاً لِنوال بركِة اسم القديس أثناسيوس الرَّسولي ، لِذا أُقدِّم ضِمن سلسلة آباء الكنيسة ” أخثوس ІΧΘΥΣ “ نص كِتابه ” الدِفاع عن مجمع نيقية “ . تلكَ الرِسالة الجزيلة الأهمية باعتبارها الأثر الوحيد المُتبقي من أيام مجمع نيقية والذي يحمِل لنا صورة لِمَا جرى داخِل المجمع من شاهِد عيان ، كما وتحتوي الرِسالة على اقتباسات لاهوتية ذات أهمية تاريخية من آباء الأسكندرية السابقين لأثناسيوس مثل البابا ديونيسيوس الكبير …..

وسنجد في هذه الدِراسة غيرِة البابا أثناسيوس النَّارِية وشَغَفُه بالكِتاب المُقدس وتوقيره المُطلق لِسُلطانه ، وكيف أنه كاتِب مُتعلِّم من ملكوت السموات يربُط بين العقيدة والتقوى ويستشِف الجانِب الروحي من كلّ عقيدة حتّى أنه ربط قضية الأوموؤسيوس ربطاً وثيقاً بالعِبادة والتوبة والوقار .

لقد صار أثناسيوس مِعيار الأُرثوذُكسية الحي ، وظلَّت شخصيته حتّى بعد موته ، وهو بالحق لم يمُت ، بحسب مدلول اسمه الخالِد وأعمال سيرته وستبقى شخصيته الروحية الدِفاعية تستقطِب قُلوب الكثيرين من الشرق والغرب على مدى الأجيال ، حتّى اعتُبِر شِعاراً حياً لإيمان كنيسة المسيح الواحدة وصارت الأُرثوذُكسية الجامِعة مُتجسِدة في شخصه .

فطوبى له لأنَّ كلّ مَنْ مدحه امتدح الفضيلة وطوبى له لأنه استُؤمِنْ على الرِئاسة العُليا للكنيسة بل للعالم كلّه ، وطوبى له لأنه السيف الذي قطع جذور الشر الهرطوقية وقاد الكنيسة إلى ميناء الخلاص .

إنَّ الكلام عن أثناسيوس لهو عمل أكبر مِمّا تحتمِله هذه الصفحات إذ أنه تاريخ كنسي أكثر منه مديح وتطويب ، لكننا نُقدِّم كِتابه ” الدِفاع عن مجمع نيقية “ لِيكون لنا زاداً لاهوتياً على طريق الخدمة المُقدسة .

نُقدِّمه بِمُناسبة رفع جسده الطاهر وإيداع رُفاته بالكاتدرائية المرقُسية بالقاهرة ، وبِمُناسبة أوَّل رِسامة بطريرك لإريتريا منذ قِيام البابا أثناسيوس الرَّسولي بِرِسامِة أنبا سلامة بطريركاً وتأسيس كنيسة رسمية في هذه الدِيار المُباركة . تلك الأعمال الجليلة التي صنعتها يدي البابا شنوده الثَّالِث خليفة البابا أثناسيوس .

تلك الأعمال التي أعادت مجد كنيسة الأسكندرية في كونِها أُم كنائِس العالم فيكون أسقفها أسقف كنائِس العالم ولِيكون رأس كنيسة الأسكندرية هو رأس العالم : البابا شنوده الثَّالِث أثناسيوس هذا الجيل .

إنني أُهدي هذا العمل إلى روح البابا أثناسيوس الرَّسولي المُتهلِلة في السماء ونُهديه إلى أبينا البابا شنوده الثَّالِث خليفته ، طالِباً بركتهُما وصلواتِهِما مع طلبي للحِلْ والبركة من أفواه الآباء ألـ 318 المُجتمعين في نيقية .

ذاكِراً محبة وتشجيع أبينا الحَبْر الجليل الأنبا أنطوني أسقفنا المحبوب ، وكذا خدمة وتعب الخادِم الأمين شريف جيِّد الذي قام بأعمال الترجمة وكلّ مَنْ شارك في صدور هذا العمل من أبناء كنيسة السيِّدة العذراء والشهيدة دِميانة بِدِبلِنْ بأيرلندا .

وللثَّالوث القدوس المجد والكرامة إلى الأبد آمين

تمهيد

لابد أنَّ هذه الرِسالة قد كُتِبَتْ في الفترة ما بين عودِة القديس أثناسيوس عام 346م وهروبه عام 356م ، إذ كان أكاكيوس بالفِعْل أسقفاً لِقيصرية ( 339م ) ، وكذلك لا يُذكر يوسابيوس أسقف نيقوميدية هنا كأنه لا يزال على قيد الحياة ( توفَّى عام 324م ) ، بالإضافة إلى ذلك فإنَّ لُغة الرِسالة تُشير إلى فترة السَّلام الفِعْلي في الكنيسة لكن مع توقُّع تِكرار أحداث عام 339م ، وقد حدث هذا بالفِعْل عام 356م ، وبالتالي ينبغي أن نعتبِر أنَّ هذا البحث قد كُتِبْ أثناء حُكْم قُنسطانطيوس Constantius ما بين عام 351 ونهاية عام 355م .

وقد كتب القديس أثناسيوس الرسولي هذه الرِسالة استجابة لصديق له كان يتجادل مع الآريوسيين فواجهوه باعتراضهم على استخدام مُصطلحات لم ترِد في الكِتاب المُقدس في قانون إيمان نيقية ، ومن ثمَّ طلب هذا الصديق من القديس أثناسيوس بعض الوصف لأعمال المجمع .

ويبدأ أثناسيوس إجابته بِوصف مُراوغة الآريوسيين وتناقُضهم وسلوكهم في المجمع ، وكيف أنهم في نِهايِة الأمر قبلوا المُصطلحات التي يعترِضون عليها الآن ووافقوا عليها ( 1 – 5 ) .

ثم يبدأ في بحث ومُناقشة معنى البنوية الإلهية ( 6 – 14 ) وكيف أنَّ معناها الحقيقي يتضِح من خلال ألقاب الابن الأخرى ( 15 – 17 ) .

أمَّا فيما يخُص المُصطلحات غير الكِتابية المُستخدمة في قانون الإيمان النيقاوي ، فيُوضِح القديس أثناسيوس كيف أنَّ مُراوغة الآريوسيين هي التي اضطرت المجمع إلى استخدام هذه المُصطلحات

( 18 – 20 ) وكيف أنَّ هذه المُصطلحات والتعبيرات لا تُقدِّم أي معنى غريب عن الكِتاب المُقدس أو ليس موجودة فيه ( 21 – 24 ) ، بل ولقد كانت هذه المُصطلحات مُستخدمة بالفِعْل في الكنيسة حتّى قبل مجمع نيقية ، كما يتضِح من الاستشهادات التي يسرِدها حامي الإيمان من كِتابات ثيؤغنسطُس وديونيسيوس السكندري وسميُّه الروماني وأوريجانوس ( 25 – 27 ) .

وأخيراً ( 28 – 32 ) يُناقِش تعبير ” غير مُبتدِئ αγενητοσ “ الذي استخدِمه الآريوسيون وبخاصَّة أستريوس Asterius في الحديث عن الله الآب في مُقابِل الخليقة ، مُعتبرين أنَّ الابن يُفهم في هذا الإطار أنه مخلوق .

وأخيراً يُلحِق القديس أثناسيوس ، إثباتاً لِمَا ذكره بالفِعْل في الفصل الثَّالِث ، رِسالة يوسابيوس إلى شعب قيصرية والتي تتضمن قانون إيمان مجمع نيقية ، ولكنها لم تُترجم هنا .

وترجع أهمية هذه الرِسالة إلى أسباب ثلاثة :

1)  بسبب روايتها لِمَا جرى في مجمع نيقية ، وهي بذلك إحدى المصادِر الأولية القليلة لِمعرفتنا بِما حدث هناك .

2) بسبب استشهادها بِكُتَّاب أوَّلين مثل ثيؤغنسطُس وأوريجانوس وخاصَّة ديونيسيوس السكندري وديونيسيوس الروماني .

3) تعبير ” غير مُبتدِئ αγενητοσ “ يتطلّب الاهتمام والبحث ، ومن الصعب أن نُقدِّم ترجمة قوية لِكامِل معناه بالعربية أو الإنجليزية الإصطلاحية ، فمعنى هذه الكلِمة الدقيق والأقرب للمعنى اليوناني هو ” هو ذاكَ الذي لا ( أو لم ) يبدأ “ ” ذاكَ الذي ليس نتيجة لأيَّة عملية “ .



فهرس الكتاب


لقراءة الكتاب أونلاين إضغط على إسم الفصل لتذهب لصفحة القراءة

سلسلة إكثوس - ج048 - دفاع عن قانون ايمان مجمع نيقية - بقلم اثناسيوس الرسولي - القمص أثناسيوس فهمي جورج

رواد مدارس أحد الإسكندرية - وثيقة تاريخية - القمص أثناسيوس فهمي جورج

رواد مدارس أحد الإسكندرية - وثيقة تاريخية - القمص أثناسيوس فهمي جورج

سلسلة إكثوس
سلسلة إكثوس