4- ماذا قَدَّم داود النبى عن فاعلية الدموع المقبولة لدى الله؟

كارت التعريف بالسؤال

البيانات التفاصيل
التصنيفات أسئلة وأجوبة, الحياة الروحية المسيحية - اللاهوت الروحي, الفضائل الروحية, حياة التوبة والإستعداد
آخر تحديث 13 يناير 2022
تقييم السؤال من 5 بواسطة إدارة الكنوز القبطية

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ4 – العبادة المسيحية أنطلاقة نحو السماء – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

4 - ماذا قَدَّم داود النبى عن فاعلية الدموع المقبولة لدى الله؟

كشفت حياة داود النبى والملك ومزاميره (وأيضاً مزامير المرتلين الأخرين) عن تقدير الله واهتمامه بدموع مؤمنيه، وكيف يُحَوِّل أحزان الباكين إلى أفراح، وكيف تمتد فاعلية الدموع المصحوبة بالحب والتواضع والصلاة فى حياة أجيال مُقبِلة فى المستقبل.

أولاً: لقد أدرك داود أن الله يحفظ دموع أولاده كما فى زقٍ ثمين. كأن الدموع المقدسة الصادقة تسجل اسم المؤمن فى سفر الحياة الأبدية. قيل إنه كانت هناك عادة قديمة أن يضع الإنسان زقاً أو وعاءً تحت عينيه، يجمع فيه دموعه فى أوقات الحزن والضيق، ويقوم بختمها، وحفظها فى بيته. وعند موته تدفن معه هذه الأوعية بكونها تحتوى أقدس ممتلكاته. كانت هذه الأوعية من زجاج رقيق، مختلفة الأحجام من 3 إلى 6 بوصات فى الطول.

عندما كان داود يقول: "خطيتى أمامى فى كل حين" (مز 51: 3) ربما كان يضع أوعية دموعه أمام ذهنه، هذه التى تحتوى على دموع توبته التى كان يعَّوم بها سريره كل ليلة[373]. إذ يقول "تعبت فى تنهدي أعوم فى كل ليلة سريرى بدموعى أذوب فراشي" (مز 6: 6). كما يقول: "تيهاني راقبت اجعل أنت دموعى فى زقك، أما هى فى سفرك؟!" (مز56: 8).

أدرك داود أنه بينما يراقب الأشرار خطوات الصديق للتخطيط لأذيته، إذا بالله يراقب الصديق وهو فى هروبه، ليجمع دموعه كرصيد مجدٍ يُعد له. يهتم الأشرار بالبار للخلاص منه، ويهتم الله به لخلاصه. "أليس هو ينظر طرقي، ويحصي جميع خطواتى: (أي 31: 4)." وأما أنتم فحتى شعور رؤوسكم جميعاً محصاه "(مت 10: 30). ويسجل الله متاعب مؤمنيه ودموعهم فى كتابه، كأحداث تشغل قلبه، تعلن دموعهم عن إخلاصهم وحبهم، فيعتز بها ويكافئهم عليها. إنه يحفظ دموعهم كما فى زقٍ. لقد تشبَّه الرسول بولس بسيده فكتب لتلميذه المحبوب لديه جداً:" مشتاقاً أن اراك، ذاكراً دموعك لكى أمتلئ فرحاً "(2تى 1: 4).

ثانياً: إن كان داود الملك والنبى التقي يشعر بحاجته للتوبة بدموع، يليق أن ندرك أن الكل محتاجون إلى دموع التوبة. عُرِف داود منذ صباه أنه الشخص النقى القلب، إذ قال الرب وجدتُ داود بن يسى رجلاً حسب قلبى الذى سيصنع كل مشيئتى (أع 13: 22)، تحدث الكتاب المقدس بكل وضوح عن سقطاته، حتى نتعلَّم أننا مادمنا فى هذا الجسد لا نأتمنه مهما كان ماضينا نقياً، ومهما بلغ عمرنا، ومهما كان مركزنا الكنسي أو الاجتماعى. لم يسقط داود فى شبابه فى خطية الزنا، وللأسف سقط وهو بالغ السن ومتزوج وكان ملكاً. يقول القدّيس أغسطينوس: [أطفئ لهيب الخطيئة بدموعك، وابْكِ أمام الرب! اِبكِ مطمئناً أمام الله الذى صنعك، والذى لا يحتقر ما صنعته يداه.].

ثالثاً: داود رجل التسبيح الذى كان يفتتح يومه بالتسبيح بالمزامير حتى وهو هارب من وجه شاول الملك، ولا ينام بالليل ما لم يُسَبِّح أيضاً. فلا يظن إنسان مهما كانت صلواته وتسابيحه وخدمته أنه معصوم من الخطأ.

رابعاً: لم يخجل داود الملك من وضع مزامير كثيرة عن التوبة، كما يعلن أنه وهو ملك يُعَوِّم كل ليلة سريره بدموعه. يرى البعض أنه بدموعه الغزيرة أشار إلى فاعلية المعمودية، إذ كان يُعَوِّم كل ليلة سريره بدموعه. يقول القديس غريغوريوس النزينزى: [توجد معمودية (خامسة) وهى عاملة بالأكثر، معمودية الدموع حيث كان داود يُعَوِّم كل ليلة سريره، ويغسل فراشه بدموعه[374].].

خامساً: أن حياة الدموع ليست خاصة بالرهبان والنُساك وحدهم مثل القديس أرسانيوس مُعَلِّم أولاد الملوك، وإنما يليق بكل مؤمنٍ أن يطلبها. ليقل الكل: "أعطنى ياربّ ينابيع دموع كثيرة كما أعطيت المرأة الخاطئة" (طلبة نصف الليل الخدمة الثانية).

سادساً: ما دفعه على الدموع شعوره أنه غريب على الأرض. إذ يصرخ، قائلاً: "استمع صلاتى يارب، واصغ إلى صراخى. لا تسكت عن دموعى، لأنى أنا غريب عندك، نزيل مثل جميع آبائى" (مز 39: 12). وكما يقول القديس أغسطينوس: [حَرِّرنى من خطاياى قبل أن أرحل حتى لا أذهب بآثامى. إنه يشير إلى مجال البركة، إلى المدينة السعيدة، إلى البيت السعيد، حيث القديسون شركاء الحياة الأبدية، شركاء الحق الذى لا يتغيَّر.] يختتم المرتل المزمور (39) بتوسل إلى الله كى يستجيب صلاته، مُقَدِّماً هذا التوسل مشفوعاً بدموعه التى لا تجف، وباعترافه بتغرَّبه واشتياقه إلى اجتياز العالم كأرض غربة مُتمتِّعاً بغفران خطاياه. "استمع صلاتى وتضرعى، وانصت إلى دموعى ولا تسكت عنى" (مز 39: 12). بدأ الصلاة، وإذ اشتدَّت الضيقة امتلأ قلبه تنهُّدات فصرخات، وأخيراً صارت دموعه تتحدث بلغة يعجز اللسان أن ينطق بها. يُعَلِّق القديس يوحنا الذهبى الفم، قائلاً: [كان القديسون غرباء ونزلاء فى هذا العالم... عاش إبراهيم فى كل أموره ينتمى للمدينة الباقية. لقد أظهر كرماً ومحبة أخوية ورحمة وطول أناة، وزهداً فى الثروة وفى المجد الزمنى وفى كل شيء.] [لنكن غرباء كى لا يخجل الله من أن يُدعَى إلهنا، لأنه من الخزى لإلهنا أن يُدعَى إله الأشرار! إنه يخجل من الأشرار، ويتمجَّد إذا ما دُعِي إله الأبرار والرحماء والنامين فى الفضيلة[375].].

سابعاً: دموعه المقدسة تزداد بلا توقُفٍ. لأنها تُعَبِّر عن شوقه لله المتزايد بلا توقُفٍ، إذ يقول: "لأن دموعى صارت لى خبزاً النهار والليل، إذ قيل لى كل يوم: أين هو إلهك؟" (مز 42: 3).

يرى القديس أغسطينوس [لم يقل المرتل "لأن دموعى صارت لى شراباً" بل "خبزاً"، لأن الظمآن إن أكل خبزاً يزداد ظمأ... فدموع الاشتياق نحو اللقاء مع الله لا تروينا بل تلهب بالأكثر عطشنا إليه. كما يقول: [لم تكن دموعى مرارة لى بل "خبزى". هذه الدموع عينها كانت حلوة بالنسبة لى، وذلك لعطشى إلى الينبوع. وبقدر عجزى عن الشرب منه، فى لهفة جعلت دموعى طعاماً].

دموعه لم تجف نهاراً ولا ليلاً، إذ لا تستطيع الانشغالات اليومية مهما كانت أهميتها أن تشغله عن طلب إلهه بدموعه، ولا راحة الليل تهدئ من هذا الحنين. إنه لا يخجل من أن يبكى بدموع فى النهار علانيةً، مُعلِناً ارتباطه بإلهه كما يرتبط الرضيع بأمه، ولا يقدر على الاستغناء عنها، كما يلذ له أن يبكى فى الليل خفيةً ليُعلِن أعماق محبته لله. يشير النهار أيضاً لحالة الفرج أو الفرح، والليل إلى حالة الضيق والألم؛ وكأن المرتل يُعلِن أن دموعه لا تجف وسط أفراحه أو أحزانه، إذ تحت كل الظروف ليس ما يشغله إلا حنينه نحو الله!

فى كبرياء وتشامخ وبسخرية يقول له الأعداء: أين هو إلهك؟ حسبوا طول أناة الله ضعفاً! أرادوا أن يُحَطِّموا رجاءه فى الله، كأنه قد تركه، ولم يدركوا إنه سيد التاريخ وضابطه، إنه يتمهَّل ويطيل الأناة منتظراً توبتهم ورجوعهم، أو ينتظر حتى يمتلئ كأس شرّهم.


[373] Boyld's Bible Handbook, p. 239.

[374] Oration, 39.

[375] In Hebr. 4: 24; 7: 24.

5- ماذا يعنى المرتل بقوله: "قد أطعمتهم خبز الدموع وسقيتهم الدموع بالكيل" (مز 5:80)؟

3- ما هى غاية البكاء والدموع عند أناس الله الباكين؟