ما هو النهر الصافى الخارج من عرش الله وشجرة الحياة (رؤ 22: 7)؟

كارت التعريف بالسؤال

البيانات التفاصيل
التصنيفات أسئلة وأجوبة, اللاهوت الأخروي - الإسخاطولوجي, الملكوت - السماء, عقيدة
آخر تحديث 11 أكتوبر 2021
تقييم السؤال من 5 بواسطة إدارة الكنوز القبطية

 من كتاب كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ7 – الأخرويات والحياة بعد الموت – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

ما هو النهر الصافى الخارج من عرش الله وشجرة الحياة (رؤ 22: 7)؟

يقول الرائى: "وأرانى نهراً صافياً من ماء حياة، لامعاً كبلّور، خارجاً من عرش الله والخروف. فى وسط سوقها (ساحتها) وعلى النهر من هنا ومن هناك شجرة حياة تصنع اثنتى عشرة ثمرة، وتعطى كل شهر ثمرها. وورق الشجرة لشفاء الأمم. ولا تكون لعنة فيما بعد" (رؤ 22: 1 - 3).

يقول العلامة ترتليان إنه لا يمكننا تفسير هذا النص تفسيراً حرفياً. ففى الحياة الأبدية لا توجد أنهار ولا ساحات ولا أشجار. وتظره رمزية هذه الأوصاف فى حديثه عن شجرة الحياة أنها قائمة وسط ساحة المدينة، وفى نفس الوقت هى بذاتها قائمة على شاطئ النهر من الجانبين. فكيف يكون هذا لو كان ذلك بتفسير حرفى؟

أولاً: نهر الحياة: يرى العلامة ترتليان أن النهر هو شخص السيد المسيح الذى يروى كل نفس. وهو بنفسه الحمل الذى فدانا. وهو أيضاً شجرة الحياة الذى يشبع أولاده. إنه كل شئ بالنسبة للمخلصين. ويرى القديس أمبروسيوس[205] أنه الروح القدس الذى لا يشرب منه إلاَ الذى يؤمن بالسيد المسيح، القائل: "إن عطش أحد فليقبل إلىّ ويشرب. من آمن بى كما قال الكتاب تجرى من بطنه أنهار ماء حى". قال هذا عن الروح الذى كان المؤمنون به مزمعين أن يقبلوه (يو 7: 37 - 39). هذا هو روح الآب والابن منبثق من الآب مستقر فى الابن، أرسله الابن من عند الآب ليبكتنا ويقدسنا ويقودنا حتى نبلغ العرس السماوى. هذا هو النهر الخالد الذى روى ويروى العروس.

وهو أيضاً يشير إلى فيض نعم الله المبهجة فى الأبديةن والتى هى فى حقيقتها ليست شيئاً خارجاً عنه بل يعطينا ذاته ننعم به ونبتهج. وكما يقول المرتل: "نهر سواقيه تُفرح مدينة الله مقدس مساكن العلى. الله فى وسطها فلن تتزعزع" (مز 46: 4 - 5).

يشير أيضاً إلى السلام الذى تنعم به أورشليم السماوية، إذ قيل: "هأنذا أدير عليها سلاماً كنهر... كإنسان تعزيه أمه هكذا أعزيكم أنا، وفى أورشليم تعزون، فترون وتفرح قلوبكم" (إش 66: 12 - 14).

ثانياً: شجرة الحياة. يرى طيخون الأفريقى أن شجرة الحياة تشير إلى الصليب المقدس الذى إليه امتدت أيدينا لتقتطف كل ثمر شهى. كثيرون مثل مار أفرآم السريانى[206] يلقبون الصليب بشجرة الحياة. فبالصليب أمات الرب الموت، وفتح لنا الفردوس، وأعطانا جسده ودمه المبذولين عنا، وجعلنا أبناء بركة ووارثين للحياة الأبدية. بالصليب يتمم الروح القدس الأسرار المقدسة على أيدى الكهنة فى الكنيسة، هذه الأسرار التى هى غذاء الكنيسة. والصليب كما نعلم امتد عمله ليقطف رجال العهد الجديد من كل يوم ثماراً. ونبقى فى الأبدية نتأمل جراحات الحمل القائم كأنه مذبوح فنجد فيها شبعاً. لهذا نجد الإثمار شهرى ومستمر، إثمار جديد بالنسبة لنا نأكل منه فنشبع وفى نفس الوقت يلتهب القلب شوقاً إليه، فنعود لنأكل منه لنجد فيه ثماراً جديدة بالنسبة لنا فنأكل ونشبع، ويصاحب الشبع زيادة فى الجوع إليه. وهكذا كما يقول ابن سيراخ إن من يأكل منه يعود إليه جائعاً، ومن يشرب منه يعود إليه ظمآناً (سى 24: 21).

بهذا نقف دوماً أمام الشجرة فى دهشة وعجب بلا ملل! أما إثمارها اثنتى عشرة، فذلك لأن رقم 12 يشير إلى أبناء الملكوت، وكأن الثمر مخصص لهم، كل ابن يجد فيه احتياجه وشبعه.

لقد أسهب الآباء الأولون مثل القديسين باسيليوس الكبير وأغسطينوس[207] والآب يوحنا الدمشقى فى حالة الازدهار التى تكون عليها الأبدية، وحالة الشبع التى يكون فيها الإنسان. وقد أدرك النبى ذلك فقال: "أنا أؤمن أنى أعاين خيرات الرب فى أرض الأحياء" (مز 27: 13).

ثالثاً: سعادة دائمة. "ولا تكون لعنة فيما بعد"... لقد تسلمنا خبرة مرة من أبينا آدم الذى تنعم بفردوس أرضى ولكن إلى حين، إذ خرج مطروداً يئن من ثقل اللعنة التى يحملها على كتفيه بعصيانه، أما فى الأبدية فلا يكون للخطية العصيان موضع، بل الكل يخدمون الله فى طاعة كاملة، إذ يقول: "وعرش الله والخروف يكون فيها، وعبيده يخدمونه" (رؤ 22: 3).

يخدمونه فى حب ويتوقون إلى رؤيته، ويفتخرون باسمهن إذ أنهم "سينظرون وجهه واسمه على جباهم" (رؤ 22: 4).

رابعاً: نور دائم. "ولا يكون ليل هناك، ولا يحتاجون إلى سراج أو نور شمس، لأن الرب الإله ينير عليهم، وهم سيملكون إلى الأبد" (رؤ 22: 5). ما أكثر العبادة التى جاء بها سفر الرؤيا المنير ليعلن لنا سرّ استضاءة أبناء الملكوت، ألا وهو وجود الله "شمس البر" حولهم وفوقهم ومحيطاص بهم.

لقد اختبر الآباء نور الله المشرق عليهم وهم بعد هنا فى الجسد الترابى[208]:

يقول الشيخ الروحانى: [مصباحاً واحداً أنظر، وبنوره أستضئ، والآن أنا فى ذهول؟ أبتهج روحياً، إذ فى داخلى ينبوع الحياة، ذاك الذى هو غاية العالم غير المحسوس! ٍ].

ويقول القديس أغسطينوس: [إلهى... أنت نورى، افتح عيناى فتعاينا بهاءك الإلهى، لأستطيع أن أسيرفى طريقى بغير تعثر فى فخاخ العدو! وما هو النور إلا أنت يا إلهى! أنت هو النور لأولاد النور! نهارك لا يعرف الغروب! نهارك يضئ لأولادك حتى لا يتعثروا! أما الذين هما خارجاً عنك، فيسلكون فى الظلام ويعيشون فيه! إذن، لنلتصق بك يا من أنت هو نور العالم! ما جاجتنا أن نجرب كل يوم الابتعاد عنك؟ 1 لأن كل من يبتعد عنك أيها النور الحقيقى يتوغل فى ظلام الخطية، وإذ تحيط به الظلمة لا يقدر أن يميز الفخاخ المنصوبة له على طول الطريق!].

أخيراً اختتم وصفه للمجد الأبدى بالقول: "ثم قال لى هذه الأقوال أمينة وصادقة، والرب إله الأنبياء القديسين أرسل ملاكه، ليُرى عبيده ما ينبغى أن يكون سريعاً. ها أنا آتى سريعاً. طوبى لمن يحفظ أقوال نبوة هذا الكتاب" (رؤ 22: 6 - 7). إنها أقوال صادقة يلزمنا ان نهتم بها، لأن مرسلها هو إله الأنبياء الذى سبق فأنبأنا بأمور كثيرة خاصة بخلاصنا وتحققت نبواتها، والآن ينبئنا بإرسال ملاكه ليُرى عبيده ما سيكون سريعاً.


[205] The Holy Spirit 21: 3.

[206] - ميامر الميلاد لمار أفرآم السريانى.

[207] - راجع فى ذلك "التأملات" للقديس أغسطينوس فصل 26.

[208] - راجع للمؤلف: الحب الإلهى... الله نور النفس ص 63 - 78.

لماذا نقرأ هذه النبوات والوقت لا يزال متسعاً وبعيداً؟

ما هى مقاييس مدينة الله أورشليم السماوية؟