الفصل الثالث تأملات فى سفر النشيد

الفصل الثالث تأملات فى سفر النشيد

1 - الزيجة الروحية:

فى الصور المرسومة بالألوان نجد أن كل من ينظر إليها يتأمل الشكل المرسوم فى تلك الصورة أكثر من التأمل فى الألوان التى استخدمت.

هكذا ايضاً فى الأنجيل الذى نحاول أن نفهم معانيه يجب أن ننظر إلى الرب يسوع المسيح الذى هو صورة الملك المرسومة فى الانجيل ويجب أن نتخطى الكلمات والاشكال لنصل إلى ذلك الهدف. فالألوان التى هى الأبيض والأصفر والاسود والاحمر والازرق هى كلمات لها مدلول خاصة مثل الفه والخمر والقبلة والمر وأجزاء الجسم كله والسرير والعروس والحب، كلها كلمات لها معانٍ معينة مثل الكمال والبركة والأتحاد مع الله والبعد عن كل الشرور والاقتراب من البر والجمال الحقيقى. وما سطره سليمان الحكيم فى سفر نشيد الانشاد يدل على أنه كان حكيماً جداً وفاق كل حدود الحكمة لأن الطبيعة البشرية مملوءة بالشهوات التى يجب أن لا ننظر اليها. وشهوات الجسد تثيرنا أما وصايا الانجيل فهى تطهرنا وتقودنا إلى الطهارة. والانجيل لا يطالبنا بما هو فوق طبيعتنا البشرية ولكنه يدعونا أن نضبط اعضاءنا الجسدية التى هى على الأرض حتى لا يتدنس فمنا بالكلمات الشريرة. والإنجيل يدعونا أن نهتم بأرواحنا حتى ننظر إلى معانى الكلمات بمدلول الطهارة ولو أن ظاهرها يفيد عكس ذلك وعندئذ نكتشف المعنى الروحى للكلمات وهناك نصيحة لمن يدرسون سفر نشيد الانشاد الا يأخذوا النصوص بمعناها الظاهرى الذى قد يثير فيهم الشهوة الجسدية ولا ينحرفون إلى أى معنى غير روحى بل الأفضل أن يستخدموا الكلمات الالهية لتبنى نفوسهم فى وصية الطهارة فى الحياة مع الله. والنص سوف يقودنا بعد ذلك إلى ما هو فقو مستوى الطبيعة البشرية المخلوقة من الجسد والدم، وسوف يرفعنا النص الالهى إلى تلك الحياة التى لنا رجاء فيها مع قيامة القديسين، إنها حياة الملائكة التى بلا أى شهوات جسدية لأن بعد القيامة العامة تتحد أجسادنا مع أرواحنا مرة أخرى ولكن فى عدم فساد أى لن تكون هناك أى شهوات جسدية تحارب الروح. وسوف نحيا فى سلام وفرح ولن يكون هناك حرب من الجسد ضد الروح ولن تكون للشهوات الجسدية أى كيان داخلى ليحارب ناموس الذهن ويهزم الروح ويأسرها إلى الخطية. وسوف تتطهر طبيعتنا من كل انحراف وسيكون فينا هدف واحد فقط للجسد والروح معاً وسوف يتلاشى كل تأثير شهوانى من طبيعتنا الجسدية وهذا ما يدعونا اليه سفر نشيد الأنشاد وهو أنه ونحن ما زلنا فى الجسد ولكن علينا أن ندير أفكارنا ونبتعد عن الأمور الجسدية ونهتم بالروح فقط.

ونحول حبنا إلى الرب يسوع المسيح الذى يفوق كل معرفة ويصير حباً روحياً نقياً مقدماً للرب يسوع المسيح الذى هو وحده أحلى وأشهى شئ، لأن كل من يذوقه يشتاق اليه أكثر. وهكذا كان حب موسى النبى وحب أشعياء، وحب يوحنا المعمدان أنه هو العريس.

« ومن له العروس فهو العريس واما صديق العريس الذى يقف ويسمعه فيفرح فرحاً من أجل صوت العريس» (يو 3: 29).

وهكذا حين سئل بطرس الرسول عما اذا كان يجب الرب أم لا؟

«أنت تعلم يا رب انى أحبك» (يو 21: 15).

وهكذا كان الحال أيضاً مع باقى الرسل. أما بولس الرسول فقد كان يضطهد المسيح أولاً ولكنه أحبه بعد ذلك ولو أنه لم يره وهو فى الجسد ولكنه كتب قائلاً.

«لقد خطبتكم لرجل واحد لأقدم عذراء عفيفة للمسيح» (2كو 11: 2).

2 - الحواس الروحية:

وهناك درس أخر نتعلمه من دراسة سفر نشيد الانشاد وهو اننا نملك نوعين من الحواس، الأولى جسدية والثانية روحية. وكما يقول لنا سفر الأمثال.

«حينئذ تفهم العدل والحق والاستقامة» (أم 2: 9).

وهناك علاقة بين الانفعالات والتحركات الروحية وبين الحواس الجسدية. ومثال ذلك فإن الخمر واللبن يمكن تذوقهما بالحواس الجسدية. عن طريق التلامس ولكن هناك تلامساً روحياً حين تكون لنا شركة مع الرب يسوع المسيح وهذه لا تتم بالحواس الجسدية.

« ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة» (1يو 1: 1).

وهناك ايضاً العمل الروحى للشم حينما تفوح الرائحة الالهية خلال استنشاق الروح وهذا هو ما يحويه النص الذى تشير اليه الصلاة الجديدة المدونة فى سفر النشيد.

«ليقبلنى بقبلات فمه لأن حبك أطيب من الخمر لرائحة ادهانك الطيبة اسمك دهن مهراق لذلك احبتك العذارى» (نش 1: 2 - 3).

وهنا نحن مدعوون أن نكشتف ذلك الذى يفوق كل الامكانيات المحدودة. وهنا نحن نتناول الغذاء الالهى الذى هو اللبن الذى نرضعه من الصدر الالهى فى تعاليم الانجيل المقدسن ثم يقودنا إلى الفرح الذى نستمده من الخمر الذى هو الحب للكاملين للدفء والقوة اللتين نأخذهما فى أسرار الكنيسة ولذلك فإن كل ما فى هذا العالم يعتبر كأنه نفاية اذا ما قورن بما نأخذه من الكلمة الالهية. لأن صدر الله مصدر الغذاء (الانجيل) أفضل من الخمر البشرى واستنشاق الرائحة الالهية أحى من كل العطور. ومعنى ذلك هو أننا بعد أن دهنا بالميرون المقدس أصبحت لنا القدرة أن نحيا فى فضيلة الحكمة وضبط النفس والثبات واليقظة والحب، واذا ما تمسكنا بهذه الفضائل فاننا سوف نسير فى طريق الرب وسوف تقودنا الصفات لهذه الفضائل أن نتمسك بالفضائل الأخرى أيضاً، وهذا كله لا يدانى بالفضيلة الكاملة التى تحدث عنها حبقوق النبى.

«جلاله غطى السموا والأرض» (حبقوق 3: 3).

لأن هذه هى الحكمة الأساسية أن تكون لنا شركة مع الله الذى هو البر الحقيقى والذى فيه السعادة الحقيقية لأن رائحة الدهن السماوى تمنحنا البهجة التى لا يعبر عنها بعكس روائح هذا العالم التى عرفناها من قبل.

3 - الراعى الصالح:

"أخبرنى أين ترعى".

أين ترعى القطيع أيها الراعى الصالح، يا من تحمل كل قطيعك على كتفيك؟ لأن الحمل الوحيد الذى تحمله على كتفيك والذى يشير إلى كل الجنس البشرى هو الذى يكشف لى مكان الراعى ويقودنى إلى مياه الراحة وإلى المراع الخضراء وينادينى باسمى والخراف كلها تسمع صوته وهو يعطيها حياة أبدية.

«أخبرنى يا من تحبه نفسى» (نش 1: 7).

« واعطاه اسماً فوق كل اسم» (فى 2: 9).

هو لا يعبر عنه ولا يمكن بلوغه أو أدراكه لكل الخليقة الناطقة، ولكن هذا الاسم هو تعبير عن البر الكامل واتجاهنا الروحى نحوه كيف لا أحبك يا من احببتنى مع كونى سوداء. يا من تبذل كل حياتك للقطيع الذى ترعاه لأنه لا يوجد حب أعظم من هذا أن تضع حياتك من أجل خلاصى. أخبرنى أين ترعى لعلى أجد الراعى الذى يخلصنى وأن يشبعنى من الخبز السمائى الذى يجب أن يأكله كل البشر اذا هم دخلوا إلى الحياة معه. وأعطنى أن اجرى اليك يا مصدر الارتواء لكى ارتوى من مياه الراحة التى يشرب منها العطشان فيرتوى، هذههى المياه التى نزلت من جنبك على الصليب حين ضربوك بالحربة.

«الماء الذى أعطيه يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية» (يو 4: 14).

ليتك تقودنى فى هذاالطريق لتجعلنى ارقد فى النهار وعندئذ.

«بسلامة أضطدع بل أيضاً أنام» (مز 4: 8).

فى النهار أرقد بلا ظل لأنه لا يوجد ظل فى منتصف النهار لأن الشمس تكون دائماً عمودية فوق رؤوسنا وعندئذ سيرقد كل أولئك الذين تطعمهم حينما تأخذ أولادك معك فى الفراش (120) ولن يكون أى أحد مستحقاً أن يستريح فى منتصف النهار الا اذا كان ابن النور وأبن النهار لأن الذى ترك ظلمة الليل والظلام الذى قبل الفجر – لأن هذه هى بداية نهاية الشر – فأنه سوف يرقد فى منتصف النهار بمعونة ابن الله.

هكذا تقول عروس النشيد.

«أين ترعى أين تربض عند الظهيرة» (نش 1: 7).

فكأنها تقول له أين ترقد، أين طريق الراة فى منتصف النهار لئلا أبعد عن هدايتك وارشادك ولئلا انحرف بجهل عن قطيعك واحيا بعيداً عنك هذا ما تقوله عروس النشيد فى اهتمام بالغ بالجمال الآلهى تى تحتفظ بمحبتك الآلهية الى الأبد. وهى مع ذلك تشعر أنها غير مستحقة لسماع صوت العريس لأن الله قد رفعها جداً ويريدها أن تتمتع بالفرح ويكون لها عندئذ شوق كبير اليه، لأن رغبتها اليه سوف تعطيها لذة وفرحاً.

4 - أعرف ذاتك:

ان الشئ الذى يمى أنفسنا هو معرفة ذواتنا وتجنب الخداع وعندئذ تعرف ذواتنا على حقيقتها كما لو كنا ننظر الى شئ آخر وهذا هو ما يحدث لأولئك الذين يفحصون ذواتهم. ولكن هناك بعضاً آخر يرون فى أنفسهم القوة والجمال والسمعة والسياسة والغنى الجسدى ويظنون أن هذه هى ذواتهم ولكن أولئك الذين يتغافلون عن النعمة التى فيهم ولا يحرسون أنفسهم بسبب انغماسهم فى أشياء أخرى فانهم يتركون أنفسهم بلا رعاية لأنه كيف يحرس الإنسان ما لا يعرفه؟ ان الحماية الآمنة جداً لكنوزنا هى أن نعرف ذواتنا. كل واحد يجب أن يعرف نفسه كما هو وان يفرز نفسه عن كل ما هو ليس فيه لئلا يحمى شيئاً آخر بدلاً من نفسه.

والآن من يهتم بأمور هذا العالم وكرامته الزائلة فهو لم يعرف بعد كيف يفرز نفسه عن ما هو ليس له. لأن كل ما يمكن أن يفنى ويزول هو ليس لنا!! لأنه كيف يمكن أن نتمسك بشئ زائل وعابر ولن يبقى؟ أما الأمور الدائمة فهى التى يجب أن نتمسك بها حين نتخلى عن الأمور الأرضية الزائلة. ولكن لا يمكن أن نتمسك بالأثنين لأنه أما ان نمسك الواد بالأثنين فاننا سوف نفقد كليهما. وهذا هو السبب فى نصيحة أصدقاء العريس.

«ان لم تعرفى أيتها الجميلة بين النساء فأخرجى على أثار الغنم وإرعى جداءك عند مساكن الرعاة» (نش 1: 8).

وإذا سألنا عن معنى هذا فهو ان الذى لم يعرف نفسه بعد فانه يبتعد عن القطيع ويكتشف أنه مع الجداء وعندئذ سيكون على شمال الراعى.

«لأن الراعى يضع الخراف على جانبه الأيمن» (مت 25: 33).

أما الجداء فانهم على الجانب الأيسر.

والآن نحن نتعلم من أصدقاء العريس وجوب دراسة الحقيقة والاقتراب منها بغير تردد أو تعثر. ولكن يجب أن نشرح ذلك بأكثر وضوح لأن كثيراً من البشر الصالحين لا يصلون الى الحقيقة ولكنهم يسيرون خلف طريق سار عليه من قبلهم أناس، فيسقطون بالتمام من الكم الصحيح على الحقيقة وتكون مقاييسهم على الخير والشر هى مقاييس غير صحيحه، وهم لا يدركون أن كل هذه الأمور الأرضية سوف تؤول الى الزوال بعد ذلك. وتمسكنا بالأمور الأرضية سيؤول بنا فى النهاية الى أن نصير مع الجداء وليس مع الخراف. والمعنى يصير واضحاً اذا ما فهمنا معنى أيات الانجيل واخترنا فقط السلوك الذى يؤول الى تقدم الروح، ويجب ألا نسير بغير عقل والا صرنا مثل الماشية التى تركت أثار القطيع وتاهت فى العالم. لأن الانسان الذى يسير مثل أهل العالم فانه لن يستطيع أن يميز بين الخير والشر فى أمور هذه الحياة وعندئذ سوف يسقط فى الخطية وفى يوم الدينونة يصير مع الجداء وليس مع الخراف.

وعندئذ نستطيع أن نفهم أولئك الأصدقاء الذين يقولون للروح.

«ها أنت جميلة» (نش 1: 15).

وهم يقولون لها أنت جميلة مع كونها سوداء وكأنهم يريدون أن يقولوا لها: أذا أردت أن تحتفظى بجمالك فلا تتركى الطريق الصحيح وتسيرى وراء الجسد وشهواته لئلا توجدى مع الجداء عن نهاية العالم. وطرق الأمان هو أن تحافظى على الأشياء الحسنة التى تتمتعين بها والتى ميزك الله بها عن سائر المخلوقات لأنه لم يصنع السماء على صورته ولا الشمس ولا القمر ولا جمال النجوم ولا أى شئ آخر فى الخليقة المنظورة ولكن أنت فقط أيها النفس خلقك الله على صورته وهى صورة الجمال الأبدى المملوء بالسعادة الدائمة لأنك على صورة النور الحقيقى.

واذا ما نظرت واتجهت الى الله فانك سوف تصيرين كما هو، سيرى خلفه وهو سوف يشرق عليك بنوره، ومجده سوف ينعكس على طهارتك ولن يفوق قدرك أى مخلوق آخر ولا السماء ولا الأرض ولا أى خليقة سوف تماثلك. ورغم عظمة الله الذى يمسك كل الأشياء فى كف يده كما يقول أشعياء النبى.

«من كال بكفه المياه وقاس السموات بالشبر وكال بالكيل تراب الأرض ووزن الجبال بالقبان والاكام بالميزان» (اش 40: 12).

ولكن رغم هذه العظمة فأنت أيتها النفس تستطيعين أن تقبليه وهو يسكن فيك ويقودك بالتمام كما قال الله.

«انى سأسكن فيهم وأسير بينهم وأكون لهم الهاً وهم يكونون لى شعباً» (2كو 6: 16).

فأذا أنت ادركت ذلك أيتها النفس فلن تستريح عيناك فى هذا العالم ولن تطلبى الا الله الخالق فقط ولن تنشغلى بأى ملخوقات أخرى تفنى وتزول وجاهدى أن تضبطى نفسك مثل الحصان الذى يجر المركبة والسائق يضبطه. وهكذا اذا ما أنت تعرفت على ذاتك فانك سوف تحتقرين كل العالم وسوف تضعين عينيك على هذا الهدف الروحى ولن تسيرى مثل بقية أهل العالم وسوف ترسين ذاتك ولن تسقطى فى الخطية ولن تصيرى مع الجداء فى يوم الدينونة بل مع الخراف، ولن تطردى من المكان الذى على اليمين، بل سوف تسمعين الصوت الحلو الذى يقول للمتواضعين والسالكين فى وصاياه.

«تعالوا يا مباركى أبى رثوا الملكوت المعد لكم منذ تأسيس العالم» ().

5 - رائحة الناردين:

«ما دام الملك فى مجلسة افاح ناردينى رائحته» (نش 1: 12).

توجد روائح كثيرة لكنها مختلفة فى العبير الذى تعطيه، ولكن حين نمزج بعضاً منها نأخذ الناردين وهذا النوع مأخوذ من الأزهار ذات الرائحة القوية وحين تمتزج بعضها مع بعض تعطى رائة عطرة يشمها العريس بحواسه الكاملة. ويكشف لنا النص المقدس أن العريس الذى هو الرب يسوع المسيح الذى يفوق بالطبيعة كل الخليقة المنظورة لأنه يتعذر ادراكه أو لمسه بالحواس، ولكنه حين يحضر فنحن نستنشق رائحته فى وسطنا وتصير هذه الرائحة فينا حين نمارس الفضائل الروية وحين نتبعه فى نقاوة لنصل إلى حالة عدم الفساد ونسلك فى البر لنصل إلى بره ونسلك فى الصلاح لنصل إلى صلاحه، وفى عدم التغيير لنصل إلى ثباته، وفى كل الفضائل التى نسلك فيها يمثل امامنا حضوره الذى هو الفضيلة ذاتها كما يقول حبقوق النبى.

«جلاله غطى السموات والأرض امتلأت من تسبيحه» (حب 3: 3).

وحينما تقول العروس للأصدقاء "افاح ناردينى رائحته".

فهذا هو الدرس الذى نتعلمه نحن وهو أن تجميع ثمار كل الفضائل وكل روائح الصفات الحلوة يجعل منها رائحة مثل الناردين التى هى ثمار كل أعمال الفضائل الحسنة، وتصير كل حياة الانسان كأنها رائحة طيبة من كل صفات الفضائل أعمال الفضائل ويصير الانسان كاملاً فى طريقه ولو أنه غير قادر أن يدرك قوة كلمة الله مثل الانسان الذى وإن كان غير قادر أن يحدث فى قرص الشمس ولكنه يستطيع أن يبصر شعاع الشمس آتياً عليه مثل من يبصر فى مرآة. لأن كل صفات الله الصالحة ترسل لنا شعاع البر والصلاح لتنير حياتنا أن كنا نسير فى الطهارة. وهذا الشعاع يجعل غير المنظور منظوراً، ويجعلنا نرى غير المدرك عن طريق صورة شعاع الشمس المنعكس فى المرآة التى فى نفوسنا، ومع شعاع الشمس تأتى ثمار الفضائل وعبير الروائح لأنه خلال الفضائل التى نسلك فيها نحن نستعد معرفة الله البار الذى تفوق معرفته كلاً منها وبنفس الطريقة نحن نصل إلى جمال الأصل عن طريق رؤية الصورة.

هكذا سلك بولس الرسول فى فضائل العريس وأخذ نموذجاً لحياته من الجمال الأبدى وأصبح له رائحة الناردين من مجموعة الفضائل التى يمارسها الذهن.

«محبة فرح سلام طول أناه لطف صلاح ايمان وداعة تعفف» (غل 5: 22 - 23).

ثم قال بعد ذلك أنه "رائحة المسيح الزكية (131) وهو بذلك يستنشق رائحة ذاك الذى لا يمكن ادراكه ويأخذ النعمة الفائقة ويقدم نفسه للآخرين كرائحة بخور ويصير رائحة حياة للبعض ورائحة موت لآخرين حسب سعى كل منهم للخلاص.

«لأننا رائحة المسيح الزكية لله فى الذين يخلصون وفى الذين يهلكون لهؤلاء رائحة موت لموت ولأولئك رائحة حياة لحياة» (2كو 2: 15 - 16).

وتفسير ذلك أن نفس رائحة العطر لها تأثير مختلف على الحمامة والخنفساء فاذا استنشقت الحمامة تصير قوية بينما تموت الخنفساء، هكذا البخور الألهى المقدس حينما يستنشقه بولس الرسول يصير كالحمامة هو وتيطس وسلوانس وتيموثاوس الذين يشتركون معه ويسلكون مثله فى رائحة العطر الزكية التى هى التقدم فى كل نوع من أنواع الفضائل. أما الآخرون مثل ديماس واسكندر وهرموجانس فانهم لا يأخذون هذا البخور الذى هو ضبط الجسد ويصيرون مثل الخنفساء ويهلكون بهذه الرائحة ولذلك يقول بولس الرسول أنه وسبب هلاك للبعض الآخر.

وهنا نحن ندرك وجود علاقة بين ناردين العروس وقصة الناردين الذى سكبته المرأة على الرب يسوع المسيح وفاحت رائحته فى كل المنزل حين سكبته على رأس الرب. (133) وهو رمز لموت الرب وتكفينه وشهد لها الرب حين قال أنها.

«جاءت لتكفينى» (مر 14: 8، مت 26: 12).

وإمتلاء المنزل من الرائحة الطيبة يشير إلى امتلاء العالم كله والمسكونة بأكملها بكرازة الانجيل.

«حيثما يكرز بهذا الانجيل فى كل العالم يخبر أيضاً بما فعلته هذه تذكار لها» (مت 26: 13).

وهكذا فى عروس النشيد فأن الناردين الذى يمنح للعروس يفوق من رائحة العريس الحاضر فى مجلسه.

«ما دام الملك فى مجلسه» (نش 1: 12).

مثل رائحة الطيب التى ملأت المنزل التى هى صفات المسيح الاصلحة ورائحة جسد المسيح الذى هو الكنيسة فى العالم كله والمسكونة بأكملها. وهكذا فإن كل فضيلة نأخذها من المسيح تفوح فينا رائحته الزكية.

6 - صرة المر:

"صرة المر حبيبى لى" [(127)].

أن النساء البطلات يهتممن بالزينة الخارجية لكى تجذبن الذين حولهن ويستعملن الروائح والعطور أيضاً ليجذبن أزواجهن نحوهن ويعطرون ملابسهن خفية لكى تعطى تلك الرائحة الجاذبية. ولكن على عكس ذلك تقول عروس النشيد انها تعطرت بالطيب لكى يكون لجسدها رائحة عطرة ولكن هذا عطراً عادياً لأن الرب نفسه هو الزيت الطيب فى داخل ضمائرنا ويملا قلوبنا ونحن نعلم أن القلب هو مركز الحياة ومصدرها مثل الصرة التى هى فى مركز الجسم.

والقلب هو المكان الذى يخبأ فيه الكنز لأنه من القلب يوزع الدم على الجسم كله خلال الشرايين وهكذا تصير كل أعضاء الجسم دافئة وحية من خلال القلب. والنفس تأخذ رائحة المسيح الذكية فى أقدس جزء فيها وهو القلب الذى يصير قارورة طيب يحمل رائحة البخور ويجعل كل تصرف كأنه جزء من الجسم يأخذ الحياة من القلب. وهكذا تغطى المحبة الالهية كل تصرف من تصرفات الانسان خلال الطاعة الكاملة لله.

«حبيبى لى» (نش 1: 13).

7 - تجسد الكلمة:

«صرة المر حبيبى لى... فى كروم عين جدى» (نش 1: 13 - 14).

أنها ليست عطية مباركة فحسب بل هى فاقت كل سعادة حين تكون النفس مثمرة بالفضائل وحين تكون رائحة المسيح فيها بكثرة فضائلها وأصبحت رائحتها زكية بسبب وجود رائحة فى قلبها وأصبحت تحمل كنوزاً فى داخلها. لأن النفس قد أثمرت وأصبحت تمثل عنقود العنب الذى سيتحول بعد ذلك إلى الخمر الذى يبهج القلب.

« وخمر تفرح قلب الانسان لالماع وجهه أكثر من الزيت وخبز يسند قلب الأنسان» (مز 104: 15).

وبعد أن تحملت النفس الآلام التى يرمز اليها هنا بالمر أصبحت تحيا فى الفرح والتعزية.

أن عنقود العنب يعطى المسرة حين يحمل الرائحة الطيبة التى للزهرة المثمرة وحين ينضج أيضاً ونأكله أو نحوله إلى خمر نسعد به فى الوليمة. وفى هذا النص تسأل عروس النشيد عن الثمر فى الكرم فتأتى اجابة العريس.

«أنا هو الكرمة الحقيقية» (يو 15: 1).

والآن حين ولد الرب يسوع المسيح وصار طفلاً من أجلنا وتقدم فى الحكمة والقامة والنعمة (141) والسيد المسيح ولد فى قلوب أولئك الذين قبلوه ولكنه موجود فيهم حسب قامة كل منهم، فهو فى البعض يصير طفلاً وفى الآخرين متقدماً وفى غيرهم ناضجاً وذلك وفقاً لمدى نضج عنقود العنب. فهو لا يظهر فى الكرمة بشكل واحد ثابتاً ولكنه يغير ظهوره وفقاً للوقت والزمن حسب مدى نضجه، لأن عنقود العنب يظهر أولاً برعماً ثم ينمو ويصير زهرة ثم ينمو وينضج إلى أن يمكن أخذه ليصير خمراً ونحن نشتم رائحة عنقود العنب وننتظر نضجه وهكذا فآنه يعطى أملاً فى صنع الخمر بعد أن ينمو لأن البراعم هى الأمل والرجاء.

أما مكان "عين جدى" فهو يشير إلى مكان الخصب حيث يصير الثمر ناضجاً وخصباً وثمرة حلوة، والذين يدرس الجغرافيا يعلم أن مكان "عين جدى" من أنسب الأماكن لزراعة الكروم حيث خصوبة التربة العميقة ووفرة الماء وهذا يرمز للأنسان الذى يلهج فى ناموس الرب نهاراً وليلاً[(142)] ويصير مثل شجرة مغروسة على مجارى المياه[(142)] وتعطى هذه الشجرة ثمرها فى أوانه[(143)] ولهذا فإن كرم العريس هو فى عين جدى حيث الخصوبة والماء والثمر الذى يرمز إلى وفرة التعاليم الالهية وثمرها فى القلوب.

أن زراعة الكروم هى مباركة فى ثمرها الذى يرمز إلى السيد المسيح لأنه هو الكرمة الحقيقية الحاملة عنقود الحياه لأن السيد المسيح حين سفك دمه على خشبة الصليب أعلن الخلاص لأولئك الذين يتناولون منه بفرح فيأخذون من النور غير الفاسد الذى لحياتهم.

8 - مراة النفس:

"ها أنت جميلة" [(144)].

الانسان دائماً يتصرف وفقاً لتأثره وانفعاله وذلك لأنه يتمتع بالارادة الحرة. مثلاً تحت تأثير شهوة الأنتقام يرتكب خطية الغضب وتحت تأثير الجسد يرتكب الزنا وهكذا أيضاً الانحرافات الأخرى فالانسان تحت تأثير الخوف والجبن أو أى شهوة أخرى يرتكب الخطايا التى تقوده اليها هذه الشهوات وعلى العكس من ذلك تماماً اذا دخلت فى الأنسان فضيلة ما مثل الثبات والتجلد والطهارة والسلام والوداعة والانسحاق والهدوء والمحبة وضبط النفس بالهدوء فهو عندئذ سوف يمارس السلوك الذى تفرضه هذه الفضائل.

والآن علينا أن نعرف أن الفضيلة والرذيلة متناقضتان ولا يمكن أن توجدا معاً فى وقت واحد فاذا رفض أحد ضبط النفس فأنه سوف يسقط بالتالى فى الشهوات الجسدية ومن يترك خطية النجاسة ويتوب عنها فأنه سيحيا بالتالى فى الطهارة وهكذا مع بقية الفضائل الأخرى فالانسان المتواضع قد ابتعد عن الكبرياء أما الانسان المغرور فهو الذى رفض التواضع. وبناء على ذلك لا داعى أن ندخل فى تفاصيل كل فضيلة أو رذيلة على حدة لأن هذا واضح بخصوص الأشياء المتناقضة إن غياب أحدهما يستلزم وجود الآخر. وبناء على ارادتنا الحرة نحن نسلك فيما نرغب فيه. وهكذا يقول الرب يسوع المسيح لأرواحنا.

«ها أنت جميلة» (نش 1: 15).

وهو الذى جعلنا هكذا، وكأن الله يقول للنفس: لقد اقتربت إلىّ حين رفضت الاقتراب من الخطية، وحينما تقترب النفس من الله ذى الجمال الرائع تصير جميلة أيضاً لأنها تصير مثل المرآه التى تعكس عليها جمال الله. وفى الواقع إن النفس البشرية تشبه المرآه التى تتغير وفقاً للانفعال والرغبة التى تمارسها حسب ارادتها الحرة، فإذا وضعنا ذهباً أمام المرآة فأنه سيظهر فيها شكل الذهب، هكذا أيضاً اذا وضعنا أمام المرآة شيئاً كريهاً مثل الدودة أو الضفدعة فأنه سوف ينعكس هذا الشئ الدنئ على المرآة. وهكذا فأن المرآة تعكس أى شئ يوضع أمامها. هكذا أيضاً مع الروح التى تطهرت بالكلمة وابتعدت عن كل خطية فأنها سوف تستقبل أشعة الشمس وستمتلئ بالنور وعندئذ سيقول لها المسيح لقد صرت جميلة لأنك اقتربت من نورى وباقترابك منى سوف تصيرين جميلة لأنه أصبح لك شركة مع الجمال الالهى.

9 - عيناك حمامتان:

حينما كانت العروس تمدح من أجل جمالها قال لها العريس.

«لقد شبهتك يا حبيبتى بفرس فى مركبات فرعون» (نش 1: 9).

وحينما كشف العريس جمالها قال أنها جميلة من أجل عينيها اللتين تشبهان الحمامة وتفسير ذلك أنه حين يتمتع أى أحد بنقاوة العين فأن من ينظر فيها سوف يرى ذته.

والذين لهم خبرة يقولون أن العين تعمل حين تستقبل صورة الناظر والأشكال وهكذا فأن جمال عينى العروس تمدح بسبب شكل الحمامة التى تظهر فى عينيها لأن نفوسنا تستقبل صورة ما تنظر اليه. فالانسان الذى لم يعد ينظر إلى الشهوات الجسدية سوف ينظر إلى فالانسان الذى لم يعد ينظر إلى الشهوات الجسدية سوف ينظر إلى حياة الروح خلال نقاوة القلب، وحينما تتنقى عينا الروح وتستقبل صورة الحمامة فأنها سوف تعكس صورة جمال العريس وهكذا فأن عينى العروس سوف تبصران جمال العريس حينما يكون لهما منظر الحمامة فى عينيها والحمامة هى الروح القدس لأنه.

«ليس أحد يقدر أن يقول يسوع رب إلا بالروح القدس» (1كو 12: 3).

ولذلك يقول لها الرب يسوع المسيح.

«ها أنت جميلة يا حبيبتى ها أنت جميلة عيناك حمامتان» (نش 1: 15).

أى أن النفس قد أبتعدت عن شهوات الجسد فامتلأت من الروح القدس فاستحقت أن تعكس جمال المسيح فيها وأصبحت جميلة وعيناها حمامتين.

وهكذا إذا ما نحن أدركنا أنه لا يوجد أى جمال سوى جمال المسيح فيجب أن نتخلى عن كل ما كنا نظن أنه جمال مثل الشهوة والقوة العالمية والشهوات الجسدية التى بلا جمال، لأن هذه الأشياء لا يمكن أن يكون لها جمال ما دامت هى زائلة وغير ثابتة، لأن الأشياء العالمية توجد فقط فى ذهن من يظن أنها موجودة أما الجمال الحقيقى فأنه يبقى إلى الأبد لا يتغير ولا يذبل بل يمتد إلى الأبدية لأن هذا هو الحب الأبدى أى الجمال الألهى.

10 - سوسنة الأودية:

"أنا نرجس شارون سوسنة الأودية" [(148)].

اذا ما تخطينا حدود المعرفة البشرية وحدود ما نعرفه بالحواس فاننا سوف ننمو إلى معرفة حياة السماء والروح. وهذا يحدث للأنسان إذا امتلأ بالأفكار الروحية. والكلمات والتعاليم الالهية تنمو. وتنقى واصبح مثل النور. فأنه سوف يدرك الحقول التى فيها طعام البشر بل أشياء روحية عالية. وعندئذ يصير الانسان مثل زهرة السوسن التى تنمو من الأرض إلى أعلى وهى تنمو باستقامة مثل العمود ثم تنبت الزهرة إلى فوق فى القمة إلى أعلى وعلى مسافة كبيرة من الأرض ولهذا فأن جمالها يبقى عالياً لا يلمس الأرض ولا يتلوث بالتراب. وهذا ما يمكن أن نطبقه على الروح التى تصل إلى ما ترغب فيه إذ تطلب من الرب يسوع المسيح أن يعطيها نعمة لتنمو وتنضح عن طريق الحكمة الالهية وتنتقل من وادى الوجود البشرى إلى جمال السوسن. وفى كلتا الحالتين سواء حصلت النفس على ما تريده أم لا فأن عينى العريس سوف تبصران العروس ليمنحها أن تصير مثل السوسن فى جماله ولا تؤذيها أشواك هذا العالم الزائل لأنه يقول عن جمال النفس أنها.

«كالسوسنة بين الشوك» (نش 2: 2).

وما الشوك الا الخطايا التى تدخل حياة الانسان فتلوثه. وتفقده جماله.

11 - ثمر التفاح:

«كالتفاح بين شجر الوعر كذلك حبيبى بين البنين» (نش 2: 3).

بعد أن أصبحت الروح مثل الزهرة ولم تؤذها أشواك التجارب وتحولت إلى سوسنة عندئذ نسيت شعبها وبيت أبيها وأمها واتجهت إلى أبيها الحقيقى ولذلك دعيت بأخت حين قال لها.

«يا أختى العروس» (نش 4: 9).

وهى قد جاءت إلى هذه العلاقة عن طريق روح التبنى (152) لأنها تجردت من العلاقات والقرابات الجسدية وارتفعت عن طريق عينى الحمامة التى هى روح النبوة وقالت "كالتفاح بين شجر الوعر كذلك حبيبى بين البنين".

ما هو تفسير تلك الرؤيا التى تبصرها الروح الآن. هنا شجر الوعر يشير إلى الحياة المادية التى يحياها الانسان وشجر الوعر يرمز إلى الشهوات التى هى الحيوانات المتوحشة التى تلجأ إلى شجر الوعر لتحتمى وتختبئ فى النهار لتظهر فى الليل فقط وحيث يشرق ضوء الشمس تختفى تلك الحيوانات ولا تظهر الا حين تغرب الشمس ويختفى النور وعندئذ تخرج الحيوانات من مغائرها حيث يقول المزمور.

«تجعل ظلمة فيصير ليل فيه يدب كل حيوان الوعر» (مز 104: 20).

ونحن نعرف أن الخنزير مثلاً لا يعيش الا وسط القاذورات ويلد ويتكاثر فيها وهذا يرمز إلى الشهوات الجسدية التى يسلك الانسان فيها فيفقد جماله. ووجود شجرة التفاح بين الوعر يشير إلى الرب يسوع الذى تجرب فى كل شئ مثلنا بلا خطية (154) ولكن لكون شجر التفاح يحمل ثمر مبهجاً للحواس فهناك فرق شاسع بين شجر التفاح وبين السوسنة والشوك. وجمال التفاح الذى هو رمز للرب يسوع المسيح يفوق جمال السوسنة التى هى رمز للنفس لأن جمال السوسن يكون للنظر والشم فقط أما ثمرة التفاح فهى مبهجة للحواس الثلاث للعيون بالنظر إلى جمالها وللشم برائحتها العطرة وبهجة للتذوق بأكلها.

وعندئذ تدرك العروس أن عريسها هو بهجتها وهو قوتها وجمالها وزينتها لأن منه تستمد الحياة.

«من يأكلنى يحيا بى» (يو 6: 57).

عندئذ تأخذ النفس تلك الرائحة الزكية التى لعريسها. وهو غير محتاج إلى صلاحنا ولكن النفس هى المحتاجة إلى بره وصلاحه.

12 - سر المعصرة:

ثم تقول عروس النشيد.

«ادخلنى إلى بيت الخمر وعلمه فوقى محبة. اسندونى بأقراص الزبيب. انعشونى بالتفاح فأنى مريضة حباً» (نش 2: 4 - 5).

لقد ازداد تعطش النفس إلى الله حتى أنها لم تعد ترضى بما أخذته من كأس الحب الالهى ولم ينطفئ ظمؤها حتى ولو شربت كل الكأس ولكنها تريد أن تدخل إلى مخزن الخمر وتريد أن تشرب وترتوى من كل الأوعية الكبيرة. أنها ترغب أن ترى عناقيد العنب وقد تم عصرها فى الأوعية، أنها تريد أن ترى العريس نفسه الذى هو الكرمة الحقيقية الذى صنع من العنب خمراً (ويتحول فى سر التناول إلى الدم الذكى) ويصير عندئذ غذاء للنفس. إن النفس تريد أن تعرف سر تحول ملابس العريس إلى حمراء حينما داس المعصرة كما يقول أشعياء النبى.

«ما بال لباسك محمر وثيابك كدائس المعصرة» (أش 63: 2).

وهذا هو تفسير رغبة النفس للدخول إلى المكان الذى يصنع فيه الخمر وتفسير ذلك هو دخولها فى الدرجات العليا حيث المحبة التى بذلت ذاتها على الصليب "لأن الله محبه" كما يخبرنا يوحنا الرسول بذلك (158) وحين دخلت النفس إلى سر الصليب ورأت العريس المذبوح على الصليب الذى يسكب دمه من أجل خلاصنا تقول.

«سقينا خمر الترنح» (مز 60: 3).

فكأن النفس حين دخلت إلى بيت الخمر مكان الصليب والدم (لأن الخمر يتحول إلى دم المسيح فى سر التناول) امتلأت بالمحبة نحو عريسها المسيح قالت.

«لأننى مريضة حباً» (نش 2: 4).

13 - وصية المحبة:

"وعلمه فوقى محبة".

إن تعاليم الأنجيل تنحصر فى ممارسة المحبة تجاه الله وتجاه بعضنا بعضاً. لأن كل شئ يسير فى الطريق السليم اذا ما تمت ممارسته وفقاً لوصية المحبة فإن قايين لم يحاسبه الله لأنه قدم قرباناً غير قربان أخيه [] (161) لأن لو لاحظ الأمر لقدم القربان المناسب ولكن الله حاسبه لانعدام المحبة نحو أخيه.

ولذلك يجب أن نلاحظ وصية المحبة التى يعلمنا الناموس اياها كيف نحب الله؟ وكيف نحب اقاربنا وزوجاتنا واعداءنا.

هذه هى الوصية العظمى التى هى المحبة التى تقودنا إلى الكمال ويجب ألا نتركها قط بل يجب أن نحب الله من كل قلوبنا ومن كل نفوسنا ومن كل فكرنا ومن كل قدراتنا وأن نحب اقاربنا مثل أنفسنا، واذا كنا انقياء فأننا سوف نحب زوجاتنا كما أحب المسيح أيضاً الكنيسة (162) وإذا كنا بشراً جسدانيين فاننا سوف نحبهن مثل أجسادنا (163) وهذه هى تعاليم بولس الرسول فى رسالة افسس. ويجب أيضاً أن نحب أعداءنا بأن لا نرد الشر بالشر ولكن نقابل العداوة بالمحبة. ولكننا نرى الكثيرين لا يسلكون بالمحبة الحقيقية لأنهم يحبون بكل قدرتهم المال والكرامة والشهوات الجسدية لدرجة أنهم لا يقدرون أن يكفوا عن ذلك، وأصبحت محبتهم لله أمراً ظاهرياً فقط ولا يوجد عندهم محبة للآخرين ولا للأعداء لأنهم يكرهونهم ولذلك هم يتألمون ويواجهون مصاعب كثيرة ولذلك تقول عروس النشيد.

«علمه فوقى محبة» (نش 2: 4).

ولذلك يجب أن نقدم لله واجبات المحبة المطلوبة منا وأن نسلك بمحبة مع كل الناس.

ولكن علينا أن نعرف بأن العريس هو الذى أحب العروس أولاً ثم تجاوبت هى مع محبته واتحدت به وثبتت فى نعمته وبالرعاية والاهتمام اقتربت النفس من الله لأن لها ميلاً دائماً ورغبة مستمرة للتقدم الدائم نحوه.

14 - المحبة الروحية:

كلنا مطالبون أن نسلك فى وصية بولس الرسول بأن.

«نخلع الانسان العتيق» (كو 3: 9).

مع كل أعماله وشهواته التى هى مثل الملابس البالية، وعن طريق طهارة الحياة التى نحياها نلبس الملابس البيضاء التى للرب والتى كشفت لنا على جبل التجلى. وكل الذين تغيروا إلى تلك الصورة الالهية التى بلا خطية صاروا عروساً للمسيح لانهم قد لبسوا الملابس البيضاء التى هى طهارة الفكر ونقاوته لأن البعض لا يرتدون الملابس البيضاء ولا يحيون فى نقاوة الضمير التى تليق بذلك العرس السمائى وعندئذ يكونون مشغولين بأفكارهم الخاصة ويحاولون أن يفسروا ما جاء بالعرس السمائى فى سفر نشيد الانشاد بالمستوى الجسدى المنحط الذى هو الشهوات الجسدية ويصيرون مملوئين، بالنجاسة فهذه كلها يجب أن نطردها عن جماعة الرب الذين يشتركون بفرح فى العرس السمائى حتى لا يكون نصيبنا هو البكاء وصرير الاسنان بدلاً من السعادة الروحية فى الزيجة الالهية. وهذا التوضيح يجب أن نفهمه قبل أن نشرح سفر نشيد الانشاد. لأننا فى هذا السفر نجد النفس للعرس السمائى مع الله الذى هو عريس الروح لأنه يريد أن.

«جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون» (1تيمو 2: 4).

فالانجيل يكشف لنا كمال ومجد طريق الخلاص الذى هو الحب. لأن البعض يخلصون بالخوف بأن يضعوا أمام نفوسهم العقاب الأبدى فى الجحيم فيهربون حينئذ من الخطية. وآخرون يعيشون فى الفضيلة بسبب المكافأة التى وعد بها الله للأبرار وهؤلاء يصلون إلى هدفهم خلال رجائهم فى الحصول على المكافأة وليس خلال الحب. ولكن الذى يسلك فى الروح ليصل إلى الكمال فأنه ينزع الخوف لأنه ناموس العبيد الذين لن يمكثوا مع رب البيت لعدم وجود الحب، وهم دائماً يخافون لئلا يطردهم سيدهم من البيت. والذين يعيشون مع الله للحصول مع المكافأة فانهم يحبون العطية أكثر من المعطى.

ولكن الذى يحب الله من كل قلبه ومن كل نفسه ومن كل قوته[(166)] فهم يحبون الله ويتعلقون به أكثر من كل المخلوقات، ويدركون أن الله هو مصدر كل البر والصلاح وهو خالق كل الموجودات وهو الذى يدعونا لكى نشترك معه وهو الذى يطلب منا أن ننال هذا الخلاص ما نحن أحببناه وانصتنا اليه.

15 - طلب الحب:

منذ أن بدأت العروس فى السير والتقدم وهى لا تكتفى بدرجة معينة بالكمال بل تسعى دائماً وتتقدم وهى تشبه أحياناً بالفرس الذى طرح فرعون فى البحر (167) وبأنواع السلاسل والزينة التى حول الرقبة (168) وهى قانعة بهذه الدرجات بل تصعد وتنمو دائماً حتى تصير مثل قارورة الطيب المملوءة بالرائحة الزكية حيث تأخذ من رائحة الرسالة الالهية ثم تأتى بعد ذلك إلى الثمر الذى وعناقيد العنب فى الكرمة الذى له الرائحة الزكية ثم تنمو بعد ذلك وتأخذ لقب الجميلة والمحبوبة والتى لها عينان جميلتان مثل الحمامة. ثم تتقدم أكثر فأكثر حتى تبصر جيداً وتدرك جمال الكلمة وكيف نزل كظل إلى السرير فى هذه الحياة فى شكل الطبيعة البشرية حيث أشار إلى التجسد.

«ها أنت جميل يا حبيبى وحلو وسريرنا أخضر» (نش 1: 16).

ثم تشتاق بعد ذلك للدخول فى الفضيلة فتقول.

«جوائز بيتنا أرز وروافدنا سرو» (نش 1: 17).

ومعناه أن هذا الخشب (السرو) المصنوع منه أثاث البيت يرمز إلى الثبات الدائم والنمو المتواصل فى الكمال لأن هذا الخشب لا يسوس ولا يعفن قط. ثم يشرح الوحى الالهى نمو النفس فى الفضيلة بمقارنتها بالسوسن بين الشوك.

«كالسوسنة بين الشوك كذلك حبيبتى بين البنات» (نش 2: 2).

وبعد ذلك تدرك العروس الفرق بين عريسها وبين الآخرين فنقول أنه.

«كالتفاح بين شجر الوعر (الغابة) كذلك حبيبى بين البنين» (نش 2: 3).

وتشعر النفس أن العريس هو مثل الربيع بين الفصول فتأتى إلى ظله.

«تحت ظله اشتهيت أن أجلس» (نش 2: 3).

والظل هنا هو الناموس والأنبياء ثم تدخل النفس إلى بيته.

«ادخلنى إلى بيت الخمر» (نش 2: 4).

وبيت الخمر هو بيت الحب (الكنيسة) حيث تزود العروس بالروائح وتتغذى بالتفاح (الأسرار) وعن طريق جروحات المحبة الغالية (الصليب) استقبلت سهمه الذى بيده اليمنى ثم صارت هى سهماً فى يده وقذف هو هذا السهم بيده اليمنى فأتت بالقرب من نفسه ورفعها بيده اليسرى ووجه رأسها إلى السماء حيث الهدف الأعلى لها.

وحين وصلت العروس إلى مراتب الكمال فأنها تشرح للنفوس الأخرى مدى محبتها للعريس الذى تشتاق اليه وهى تثير محبتهم أيضاً بنوع من القسم.

ولكن رغم ذلك فهى لا تكف عن السعى نحو الكمال لأنه لا يوجد حدود لهذا الكمال. وعندئذ يصير أقصى ما وصلت اليه عروس النشيد كأنه بداية لما هو مبسوط أمامها أن تشتاق اليه.

وكل هذا هو تصوير لدعوة العروس خلال سماع حواسها الروحية للتأمل فى الأسرار الروحية فتبدأ تنظر إلى من تحبه، وكأنه يظهر لها فى أشكال مختلفة. فهو هنا يشبه بالظبى ويغفر الأيائل (جمع ايل).

«ارجع وأشبه يا حبيبى الظبى أو غفر الأيائل على الجبال المشعبة» (نش 2: 17).

ولكن الرؤية لا تظل على نفس المكان لأنه يقف على الجبال ويقفز من مكان لآخر.

ثم تصل العروس ثانية إلى درجات أخرى من الكمال حينما تأتيها الدعوة ثانية أن تترك ظل الحائط وتأتى إلى النور وتسترجع على شقق الصخرة.

«فى محاجئ الصخر فى ستر المعاقل» (نش 2: 14).

ثم تنعم بوقت الربيع وتجمع الزهور وتسعد بمسرات الربيع وسط أشجار الطيور.

خلال كل هذا تحرز العروس كل كمال والآن هى تستعد أن تبصر وجه العريس بوضوح وصراحة وأن تنصت اليه مباشرة بدلاً من أن تسمعه خلال الآخرين. أى سعادة رائعة يمكن أن نتخيلها حين نرى الرب ويصير كل ما وصلت اليه كأنه بداية لرجائها فى الوصول إلى ما لم تصل اليه.

وهى الآن تسمع صوت الرب مباشرة حين يأمر الصيادين ويعطيهم ثقته بخصوص الكرمة الروحية التى هى النفس أن يمسكوا الثعالب الصغيرة المفسدة. وهذا هو اتحاد الاثنين معاً. الله جاء إلى النفس (بالتجسد) والنفس اتجهت لكى تتحد معه.

«حبيبى لى وأنا له الراعى بين السوسن» (نش 2: 16).

أنه حول طبيعتنا من عالم الظل إلى أقصى الحق وعندئذ تصعد الروح وترتقى وتتقدم من فضيلة لأخرى حتى تكمل كل رجائها فى الوصول إلى أعلى القامات. لأنه بالتأكيد لا شئ يفوق فرح الوجود مع المحبوب. وحين تصل النفس إلى هذه الدرجة فأن الروح تظل تبكى كما لو كانت لم تصل بعد إلى هدفها وكأنها لم تمتلك بعد ما كانت تشتاق اليه وتظل فى شغف وشوق وتعبر عن شوقها هذا بتلك الأيات.

«فى الليل على فراشى طلبت من تحبه نفسى طلبته فما وجدته» (نش 3: 1 - 2).

أنه لا يوجد أى حدود للوصول إلى عظمة الوجود الألهى ولا يوجد أى قياس بشرى للمعرفة أن يصير مبدأ لادراك هدفنا أو يعوقنا للتقدم الدائم نحو السماء، بل إن الروح التى تسير نحو الحق فى الطرق الألهية يتم قيادتنا إلى كل درجة من التقدم الروحى نحو الكمال حتى يصير الوصول إلى هذا الكمال ممكناً أن يصير كأنه بداية الشوق نحو الأشياء السمائية.

والآن يجب أن ندرك التعاليم المقدمة الينا ونضعها فى فكرنا وان نستعد للعرس الالهى بالكامل فى الأمور الالهية السمائية وأن نحول الفكر من المستوى الجسدى إلى المستوى الروحى. ومن خلال الرموز نستطيع أن نتعلم الكثير.

وهنا تفسير تلك الرموز: العروس ترمز إلى الروح والله هو العريس الذى تحبه الروح من كل قلبها ومن كل نفسها ومن كل قدرتها وعندئذ تصل النفس إلى أقصى أملها عندما تتحد فعلاً مع من تحبه.

« وجدت من تحبه نفسى فأمسكته ولم ارخه حتى ادخلته بيت أمى وحجرة من حبلت بى» (نش 3: 4).

وتتحدث النفس عن الشركة مع الله فى البر كأنه سرير.

«سريرنا أخضر» (نش 1: 16).

والليل يشير إلى التأمل فى غير المنظور مثل موسى النبى الذى دخل فى الظلام إلى حيث يوجد الله وكما يقول داود النبى.

«جعل الظلمة ستره حوله» (مز 18: 11).

ولذلك تقول عروس النشيد.

«فى الليل على فراشى طلبت من تحبه نفسى» (نش 3: 1).

وحين تصل النفس إلى هذه القامة فانها تشعر أيضاً أنها لم تصل إلى الكمال بعد وكأنها لم تبدأ بعد ولكن حين تدخل النفس إلى العرس الالهى فانها تستريح فى الشركة مع الله وكأنها تنام على سرير ولكنها فجأة تتقدم إلى العالم غير المنظور محاطة بالوجود الالهى غير المنظور، وتبحث عن ذلك الذى هو مخبأ فى السحاب المظلم غير المنظور، ثم تشعر النفس بالحب نحو ذلك الذى تشتاق اليه وإذ بالمحبوب نفسه يبقى فى أفكارنا وعندئذ تبصره النفس بالليل على الفراش وتتعلم من وجوده الأبدى أنه بلا بداية ولا نهاية أما جوهره وكيانه فهذا الذى لم تستطع النفس أن تدركه لذلك تقول.

«طلبته فما وجدته» (نش 3: 1).

لقد دعوته بأسمه ولكن لا يوجد أى أسم يستطيع أن يحتويه لان اسمه لا يحده أى معنى لأنه فوق كل الأسماء ولذلك تقول العروس طلبته فما وجدته لأنها تأكدت أنه لا نهاية لعظمة الله القدوس.

«عظيم هو الرب وحميد جداً وليس لعظمته استقصاء» (مز 145: 3).

ثم قامت الروح بعد ذلك وتقدمت إلى العالم الروحى الفائق الذى تدعوه العروس هنا (المدينة) حيث توجد الرياسات والقوات والعروش وكل أجناد الملائكة السمائيين وكل الجمع غير المحصى، ولها رجاء وأمل أن تجد ذاك الذى تحبه. وفى بحثها عنه فانها تجد كل جيش الملائكة.

« وجدنى الحرس الطائف فى المدينة» (نش 3: 3).

ولكنها لم تجد وسط هذه الأمور هدفها. وعندئذ تسأل النفس ذاتها هل من الممكن ادراك ذاك الذى أحبه؟ هل رأيتم الذى تحبه نفسى؟ ولكن كانت الاجابة الوحيدة هى الصمت وبصمتهم افادوها أن ما تبحث عنه هو فوق ادراكهم. وحينما ذهبت النفس بفكرها إلى المدينة السمائية ولم تدرك حبيبها حتى عن الأشياء الروحية غير المادية، وعندئذ نسيت كا أما أخذته وحصلت عليه من مثل لأنها أدركت أن ما تبحث عنه يفوق الادراك فى جوهره وأن كل ما يمكن أن تفهمه كأنه لا شئ ولذلك تقول.

«فما جاوتهم الا قليلاً» (نش 3: 4).

لقد تركت النفس كل المخلوقات المرئية وكل المخلوقات الروحانية أيضاً وعندئذ بالايمان فقط وجدت من تحبه وأدخلته إلى حجرتها وهذه الحجرة هى القلب الذى يدخل الله فيه وعندئذ ترجع النفس إلى حالتها الأولى التى كانت عليها منذ البدء وقامتها التى ولدت بها من الأم (فى ذلك الميلاد الثانى بالمعمودية).

16 - جروح المحبة:

تقول عروس النشيد "انى مريضة حباً" [(187)].

وهنا تشرح العروس السهام التى أصابت قلبها والتى تركت فيها آثار هذا الحب. لأننا نعلم من الأنجيل أن.

«الله محبة» (1يو 4: 4 - 8).

وأن الله ارسل أبنه الوحيد لآجل خلاصنا وقيل عنه.

« وجعل فمى كسيف حاد. وفى ظل يده خبأنى وجعلنى سهماً مبرياً فى كنانته أخفانى» (أش 49: 2).

والسهم هنا هو الايمان لأن الله قد أتحد مع الأنسان الذى يلتصق به وكما هو الحال فى أتحاد المسيح مع الآب (أنا والآب واحد) (190) وكذلك يتم اتحاد المسيح معنا.

«اليه نأتى وعنده نضع منزلاً» (يو 14: 23).

وحين أرتفعت الروح إلى أعلا فانها ترى فى نفسها السهم الحلو للمحبة الذى جرحت به وهى تبتهج بهذه الجروح وتقول لأننى مريضة حباً.. وفى الواقع هى جروح محببة والآم حلوة لها بها تسمو النفس فوق هذا العالم، لأنه بالقاء سهم المحبة يدخل العريس إلى داخل النفس وتتحول النفس إلى الفرح بدخول تلك المحبة اليها ونحن نعرف كيف يتم توجيه السهم وكيف تعمل كل يد. اليد اليسى تمسك القوس واليد اليمنى تشد الوتر للخلف وفى نفس الوقت يشد السهم إلى أقصى درجة للخلف وعندئذ يضرب السهم الممسوك باليد اليسرى. وفى النص السابق وفى اشعياءا النبى تصير النفس كالسهم فى يد الماسك بالقوس وهو يمسكها باليد اليمنى ومن ناحية وباليد اليسرى من الناحية الأخرى وهذا له معنى مجازى فى الآية.

«شماله تحت رأسى ويمينه تعانقنى» (نش 2: 6).

وتفسير هذه الآيه أنه باليد اليمنى يعطى العمر الطويل فى الأبدية وبيده اليسرى يمنحنا الغنى والمجد الأبدى. لذلك الذين يجرون وراء مجد العالم لا يمكنهم أن يتحدوا مع الله. وحينما تقول العروس شماله تحت رأسى فهى تشرح الطريق التى يصوب بها السهم للهدف، لأنه باليد اليمنى يشد النفس للخلف ثم يدفعها للسماء فتسرع إلى هناك ولكن دون أن تنفصل عن رامى السهم.

«فى كنانته أخفانى» (أش 49: 2).

فالنفس تحمل إلى هناك وتستريح فى يديه كما يخبرنا الأمثال.

«فى يمينها طول أيام وفى يسارها الغنى والمجد» (أم 3: 16).

17 - القسم المقدس:

«احلفكن يا بنات اورشليم بالظباء وبأيائل الحقول ألا تيقظن ولا تنبهن الحبيب حتى يشاء» (نش 2: 7).

القسم هو نوع من الوعد مضمون بالحق وله عملان أولاً هو ضمان وصول الحق إلى صاحبه وثانياً التزام على من وعد أنه قادر أن ينفذ وأنه لا يكذب وهذا هو القسم الذى أعطاه الله لداود.

«اقسم لداود بالحق» (مز 132: 11).

وقوة القسم هو ضمان الوعد واقترانه بالقسم.

وابراهيم حين اهتم بأن يزوج ابنه اسحاق من عشيرته أمر خادمه ألا يأخذ له زوجة من بنات كنعان لأنه لم يرد أن يلوث عشيرته المباركة بأن تمتزج بجنس أخر من العبيد وقد أخذ وعدا من عبده ألا يهمل هذا الأمر وأن ينفذ ما قاله بشأن زواج اسحق وهكذا صار عبد ابراهيم تحت هذا القسم ليأخذ زوجة مناسبة لأسحق.

وما حدث مع ابراهيم هو رمز للروح التى تتقدم بسرعة إلى العلاء وتسير فى طريق الكمال وتقود أرواحاً أخر فى تنفيذ الوصية وكأن هذا القسم هو لنا أن نتقدم فى طريق الفضيلة والاتحاد مع الله وحفظ الحب قوياً فى نفوسنا نحو الله لأنه هو الذى يريد أن جميع الناس يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون[(196)].

إن صوت الرب يأتى إلى العالم مثل البذور فى الحقول ولكن هيئة هذا العالم تزول ولن يبقى منها شئ لأن كل ما فيها باطل كما يقول الجامعة. أما الكلمة "إحلفكن يا بنات أورشليم بالظباء (جمع ظبى انثى الغزال) وأيائل الحقل" (جمع آيل الذى هو الغزال) اللتين تشير كلاهما إلى الحياة الملائكية من حيث التقدم والسير فى طريق الكمال.

والآن الوعد هو أنه بعد القيامة ستكون حياة البشر مثل الملائكة والذى وعدنا لا يمكن أن يخدعنا، لذلك ونحن فى هذا العالم يجب أن نفكر فى الحياة الأخرى ولا نعيش مثل أهل العالم.

« ولا تشاكوا هذا الدهر بل تغيروا عن شكلكم» (رو 12: 2).

وكأن العروس تناشد النفوس الأخرى ليعبروا بحياتهم من حقول هذا العالم إلى السير والانطلاق (مثل الظبى والآيل) فى الحياة الملائكية بالتمسك بالطهارة وضبط النفس. وبهذه الوسيلة يستيقظ الحب فينا ويتقوى ويشتد. ومعنى كلمة (حتى يشاء) أن مشيئة الله تكون نافذة فى الأرض كما هى فى السماء حينما نسلك نحن الحياة الملائكية التى بلا شهوة.

18 - ربيع الروح:

"لأن الشتاء قد مضى والمطر مر وزال" [(198)].

ما أجمل عمل الله فى الخليقة وفى الفصول ين يقول داود النبى.

«الصيف والشتاء أنت خلقتهما» (مز 74: 17).

والشتاء حين يعبر إنما يرمز إلى عبور الحزن والكآبة والظلمة وإنتهاء الأمطار، ولكن حين يأتى الربيع تمتلئ الحقول بالأزهار، والبذور تتفتح وتصبح على أهبة القطف حين يأتى وقت الأزهار لعلم اكاليل الزينة أو لصنع الروائح منها، لقد جاء وقت الفرح وصوت العصافير والطيور تشدو فى الأودية وصوت الحمام يهدر فى أذاننا. ويأتى أيضاً وقت الثمر حيث يثمر شجر التين وتمتلئ كرمة العنب بالأزهار التى تبتهج أنوفنا بعبيرها العطر وهذه هى صورة الربيع التى تبعد عنا كل صورة قاتمة وتبهجنا بكل ما هو مملوء بالمسرة. ولكن الفكر لا يجب أن يبقى عند حدود هذه الأشكال والصور بل يخترقها إلى الأسرار والكنوز التى وراء الكلمات. والمعنى أنه بسبب كثرة الأثم فى الأيام الأخيرة بردت محبة الكثيرين، وكثرت الأصنام التى يتعبد لها الأنسان وأبتدأ الأنسان فى الجمود الروحى والسلوك المادى نتيجة هذه الأصنام. أما الذين يتهجهون إلى الله فهم يأخذون فى أنفسهم الصورة الألهية والعكس أيضاً أن الذين يتجهون إلى الأوثان الباطلة فهم يصيرون مثل الحجر بدلاً من كونهم بشر ويصبحون جاهدين وغير قادرين على النمو ويصيرون فى برودة الأصنام.

ولكن حين تشرق شمس البر على هذه الطبيعة القاسية التى يرمز اليها بالشتاء فإن الربيع حالاً يأتى وريح الجنوب تبدد ذلك البرد وأشعة الشمس تعطى دفئاً لكل المكان، هكذا الأنسان البارد روحياً والذى أصبح مثل الحجر فأنه يتحول إلى الدفء ثانية عن طريق الروح القدس ويأخذ الحرارة من أشعة الكلمة ويصير مثل نبع الماء الذى ينبع إلى حياة أبدية كما يقول المزمور.

«المحول الصخرة إلى غدران مياه، الصوان إلى ينابيع مياه» (مز 114: 8).

ومثل قول المرنم أيضاً.

«يرسل كلمته فيذيبها يهب ريحه فتسيل المياه» (مز 147: 18).

لقد علم يوحنا المعمدان بهذا التعليم حين قال لليهود.

«أن الله قادر أن يقيم من هذه الحجارة أولاداً لابراهيم» (مت 3: 9).

وهذه هى رسالة الكنيسة حيث تستقبل الحق خلال نافذة الأنبياء وعمل الناموس. وفى الواقع كان فى العهد القديم يقف الناموس كحائط وسياج يختفى الحق خلفهما وكان يمنع ظل الخيرات ان تأتى الينا ولكن فى العهد الجديد بعد أن جاء الرب يسوع نقض هذا الحاجز وجاء نور الكلمة إلى جماعة المؤمنين خلال الكنيسة وأقبل الينا النور الحقيقى خلال التجسد الالهى وأضاء لكل المؤمنين داخل الكنيسة وهكذا عن طريق تجسد الكلمة قام الذين سقطوا وتبدد الشتاء وعبر حين جاء الرب يسوع المسيح متجسداً والآن قم واستيقظ أيها النائم من وحل الخطية. ويا من خدعتك الحية وسقطت على الأرض عن طريق العصيان وعدم الطاعة... قم الآن.

19 - قومى وتعالى:

"قومى يا حبيبى يا جميلتى وتعالى" [(203)].

لا يكفى أن تقوم النفس من الخطية بل يجب أن تتقدم أيضاص فى الصلاح وأن تكمل طريق الكمال. وهذا ما تعلمناه من معجزة شفاء المفلوج لأن الكلمة لم تكن أن يقوم من سرير المرض فقط بل وأن يمشى أيضاً (204) والمشى هنا معناه أن نتقدم وننمو فى الكمال. ولذلك يقول العريس للنفس قومى وتعالى. أى قوة موجودة فى تلك الوصية لأن صوت الرب هو صوت القوة.

«هوذا يعطى صوته صوت قوة» (مز 68: 33).

ويقول المزمور أيضاً.

«لأنه قال فكان هو أمر فصار» (مز 33: 9).

ولذلك فإن الرب يسوع المسيح يتحدث إلى العروس المتكئة ويقول لها قومى وتعالى، وللحال يتحول كلامه إلى فعل وعمل لأنه عندما تأخذ منه الأمر بالقيام فانها للحال تقوم وتقترب وتأتى إلى النور كما هو واضح من كلامه الذى يدعوها به "قومى يا حبيبتى يا جميلتى وتعالى" فلنلاحظ هنا ارتباط تلك الصفات بعضها ببعض. لأنه حين تسمع العروس الوصية وتتقوى بالكلمة ثم تقوم وتقترب وتصير جميلة لأنها كمرأة ينعكس عليها الجمال الأصلى الالهى ورغم انحدار الطبيعة البشرية وسقوطها على الأرض وأصبحت تشابه الحية فى شكلها الا أنها الآن قد قامت لتنظر إلى الصلاح وتعطى ظهرها للخطية وتنظر إلى البر الأصلى الذى هو الجمال الالهى الحقيقى واصبحت النفس مثل الحمامة لأن اتجاهها نحو النور جعلها تأخذ شكل النور وخلال هذا النور فانها تأخذ شكل الحمامة الحلو. والحمامة ترمز إلى حضور الروح القدس فى النفس.

20 - الشتاء الآن قد مضى:

لقد تحدث الكلمة إلى العروس ودعاها حبيبتى لأنها سارت قريبة اليه ودعاها حمامة لأنها صارت جميلة. والآن يستمر ويقول له اأن كآبة الشتاء لن تعد تتسلط على نفوسنا لأن البرد لا يمكن أن يستمر رغم أشعة شمس التوبة ولذلك يقول لها.

«إن الشتاء قد مضى والمطر مر وزال» (نش 2: 11).

إن الخطية لها أسماء كثيرة وفقاً لتأثيراتها المختلفة، أحياناً يعبر عنها بالشتاء وأحياناً أخرى بالمطر وكل اسم منها يحمل نوعاً معيناً من التجربة، ففى وقت الشتاء يختفى ويجف كل شئ محبب للنفس، كل أوراق الأشجار التى هى الغطاء الطبيعى لجمال الأشجار تسقط على الأرض، ويكف غناء العصافير وطائر العندليب يطير ويهرب بعيداً وتنام العصافير وتترك الحمامة عشها، وكل شئ بأختصار يأخذ شكل الموت القاسى، الأزهار تهلك والحشائش تموت والأغصان تعرف من الأوراق مثل العظام التى خلعت من أجسادها، والورود والأغصان الحلوة الجميلة أصبحت الآن فى صورة قبيحة.

وهناك تغيرات أخرى تحدث فى فصل الشتاء للبحار لأن البحر يثور ويرتفع ليغرق الهضاب والجبال وتفيض المياه فوق حدودها المألوفة وتهاجم الأرض وتلتهمها كأنها عدو وتتعاقب هجمات الأمواج على الأرض مرات كثيرة متعاقبة وكأنها هجوم مسلح بالأسلحة.

وعلينا أن نفكر فى المعنى المجازى للتغيير الذى يحدث للماء فى فصل الشتاء؟ وما هى الأشياء التى تهلك وتفنى فى فصل الشتاء؟ وما الذى يسقط من مزرعة الأشجار ويلقى على الأرض؟ وما هو معنى سكوت غناء الطيور؟ وما هو معنى قذف أمواج البحر هكذا؟ وما هو معنى الأمطار؟ وقطرات المطر وماذا تشير اليه؟ والمعنى هو أن الشتاء الذى يعبر يشير إلى الضعف البشرى الذى نسلك فيه بارادتنا الحرة.

ومعنى هذا أن الأنسان حين كان فى الفردوس كان يحيا فى سعادة وازدهار بقدر ما كان بحالة عدم الفساد. ولكن لما جاء الشتاء الذى يرمز إلى العصيان وعدم الطاعة تحركت واهتزت الأشجار وسقطت الأوراق على الأرض وتعرى الأنسان من حالة الخلود وعدم الفساد وحشائش الفضيلة قد جفت، ومحبة الله قد بردت بسبب الأستمرار فى الخطية وتملكت الشهوات فى الأنسان التى هى عواصف الهواء القوية التى بسببها تحطمت سفن كثيرة.

ولكن جاء الرب يسوع فأحضر الربيع فى نفوسنا وأمر الرياح أن تهدأ والأمواج أن تسكت اذ قال للبحر.

«ابكم وأسكت» (مر 4: 39).

واحضر كل شئ إلى الهدوء والسلام وبدأت طبيعتنا مرة أخرى تزدهر ويظهر جمالها مع الأزهار الخاصة بها. لأن الأزهار والورود يرمزان إلى الفضيلة التى بدأت ثمارها تنضج من جديد.

وهذا هو السبب الذى من أجله يقول النص أن "الشتاء قد مضى والمطر مر وزال والزهور ظهرت فى الأرض" ها هى الحقول قد أمتلأت بالأزهار وأصبحت الطهارة تشرق فى مثل السوسن المملوء بالعطر. أصبح ورد الأتضاع يملأ النفس. والنرجس ذو الرائحة العطرة التى تشير إلى رائحة المسيح قد غطى النفس.

لماذا لا تصنع أكليلاً من الزهور؟ أنه الآن وقت تجميع الزهور لنزين بها أنفسنا. ها وقد الحصاد قد حضر وهذا ما عرفناه من صوت اليمامة.

«صوت اليمامة سمع فى أرضنا» (نش 2: 12).

هذا هو صوت اليمامة الذى يصيح ويعلن قرب الربيع وهذا رمز إلى صوت يوحنا المعمدان الذى يصيح فى البرية[(210)] ويبشرنا باقتراب الربيع الذى هو الرب يسوع المسيح.

أما الأزهار التى تنتشر فى الربيع فهى تشير إلى الفضائل. إن الأزهار والورود التى تأتينا فى الربيع تشير إلى حياة الفضيلة التى يجب أن نسير فيها بعد ممارسة التوبة عن خطايانا حتى نطيع الرب يسوع المسيح حمل الله الذى يرفع خطايا العالم.

21 - من حمامة إلى حمامة:

أن بركة الرب ودوام أبديته تفوق كل فهم وتحتوى كل كمال ولا يمكن أن يحدها أى حدود. فهى بركة غير محدودة سواء كان ذلك هو أسم الله أو فهمه أو إدراكه أو أى صفة من صفات الله. ولكن كل كمال يحتويه الله هو أبدى وغير محدود وإذا كان الشر لا يوجد له مكان محدد خاص به فإن البر هو بلا حدود.

أما طبيعتنا نحن فهى متغيرة تميل أحياناً للخير وأحياناً أخرى للشر لأنه لدينا الحرية والقدرة أن نختار أى جانب منها ولذلك فإن وجود الشر فينا يمنع من وجود الخير. وكل عمل خير لأرواحنا يصير كلا شئ حين يحد بالشر الذى نصنعه. أما الطبيعة الألهية فهى بسيطة وطاهرة وفريدة فى نوعها وثابتة غير متغيرة ولها إتجاه واحد. وهى حصن قوى جداً للخير المطلق الذى بلا حدود لأنه لا يوجد أى حدود لكمال الطبيعة الالهية. وحينما تكون للأنسان شركة مع الله تسمو النفس لتتحد بهذا الكمال.

ونحن هنا نرى الكلمة (الرب يسوع المسيح) يقود العروس ويصعدها إلى حالتها الأولى قبل السقوط ويقودها إلى الكمال حين يرسل لها أولاً شعاع النور خلال نافذة الأنبياء والناموس والوصايا وعندئذ تبقى العروس بجوار النور وتصير جميلة وتتغير إلى صورة الحمامة وعندئذ تنمو فى شركتنا مع الجمال الألهى كما لو كانت لم تتذوقه من قبل. وبهذا تنمو النفس وتتقدم من مرحلة إلى مرحلة وكلما تتقدم فى النعمة تدرك أنها تحتاج أن تبدأ من جديد وكأنها لم تحصل على شئ.

ولهذا السبب فإن العريس يقول لها قومى وحينما تأتى يقول لها ثانية. والذى يتبع الرب لن يكف عن السعى وراءه ولذلك يجب أن نوقظ أنفسنا ولا نكف عن السعى نحو هدفنا. لأنه حين يقال دائماً قومى وتعالى فإنه يعطينا القوة أن نقوم ونتقدم.

ولهذا يجب أن نفهم كيف تستمر العروس فى جمالها، وهذا هو ما ينكرنا بقول بولس الرسول.

«نتغير إلى تلك الصورة بعينها من مجد إلى مجد» (2كو 3: 18).

وهذا معناه أن أقصى ما يمكن أن نصل اليه من مجد إلى مجد فى شركتنا مع الله يظل أقل مما نترجاه.

وهكذا فإن عروس النشيد هى مثل الحمامة بسبب كمالها ولكنها أمرت أن تصير مثل الحمامة مرة أخرى أى تتغير إلى ما هو أكثر كمالاً.

22 - محاجئ (شقق) الصخر:

(يا حمامتى من محاجئ الصخر فى ستر المعاقل) [(212)].

فى هذا النص تصعد النفس إلى درجات عليا من الكمال، يجب ألا نغفل عن الأشياء التى تجذبنا وتقود أشواقنا نحو الكمال. وكأن الله يقول للنفس تعالى بحريتك وبدون حزن أو ضغط ولكن تقوى بشوقك نحو البر وبرغبتك الخاصة وبدون أى ضغط آخر لأن السلوك فى الكمال يجب ألا يُجبر عليه أى أحد بل نسعى اليه بحريتنا بعيداً عن أى ضغط وهكذا سلك رجال الله القديسون فى الطريق الالهى.

وهكذا يجب على كل نفس أن تسعى نحو الكمال بالرغبة الدائمة للسعى نحو التقدم والصعود. وكلما تصنع تقدماً. فإنها ستأتى إلى الصخرة التى فى ستر المعاقل. ومعنى محاجئ الصخر هو عظة رسالة الانجيل. لأنه حينما نأتى إلى الأنجيل فاننا نأتى إلى الصخرة أما الناموس والوصايا فى العهد القديم فهى مثل الحائط الذى يجلب ظلاً والظل معناه الرمز للأشياء التى سوف تأتى ولكننا لن نبقى كثيراً فى ظل هذا الحائط ولذلك يجب أن نتحول من الحائط الذى هو المعاقل (العهد القديم) إلى الصخرة التى هى الأنجيل والصخرة ليست بعيدة عن المعاقل. لأن العهد القديم مخبأ فيه العهد الجديد وموجودة فيه الحكمة والرموز والمعنى الواحد مترابط فى كل منها لأن وصية لا تزن قريبة اليها جداً وصية لا تشته. ووصية لا تغضب والموجودة فى العهد الجديد موجودة فى وصية لا تقتل الموجودة فى العهد القديم. وهكذا فإن الصخرة (العهد الجديد) قريبة جداً من الحائط (أى العهد القديم).

فى كلا العهدين توجد ذبائح، دم فى العهد القديم فى ذبائح الحيوانات ودم الرب يسوع فى العهد الجديد، فصح الخروف فى العهد القديم وفصح آخر فى العهد الجديد ولكن الصخرة روحية أما الحائط فجسدى. الحصن يشير إلى الهيكل المصنوع من التراب بينما صخرة الأنجيل لا يوجد لها أى معنى جسدى. وفى العهد الجديد يتقدس بالنعمة والأسرار ويحفظ السبت ولكن بوسيلة روحية وليست مثل الوسيلة المادية فى العهد القديم فهو يقدس السبت فى العهد الجديد بمعنى الأمتناع عن الخطية وعدم الكف مطلقاً عن فعل الخير والفضيلة لأنه تعلم أن يصنع الخير فى السبت. وفى العهد الجديد تعلم الانسان أنه لن يتنجس من أكل بعض أنواع اطعمة لأنه قد تعلم من الأنجيل أنه لا شئ يدخل الفم ينجس الأنسان[] (213).

إن الأنجيل يرفض الوصايا الجسدية التى فى الناموس ويترجم الكلمات التى فيها إلى معان روحية عالية وفقاً لكلمات الرسول بولس.

«فأننا نعلم أن الناموس روحى» (رو 7: 14).

والذى يسمو فوق الناموس "ستر المعاقل يصل إلى الأنجيل محاجئ الصخرة" ولكن هناك ترابط بين العهدين القديم والجديد.

23 - الثعالب الصغيرة:

«خذوا لنا الثعالب الثعالب الصغار المفسدة الكروم» (نش 2: 15).

قبل أن يعلن العريس ذاته بصراحة ووضوح للنفس "العروس" يقول للصيادين أن يمسكوا الثعالب التى تفسد الكروم من النمو والنضج لأن الكروم سوف تزدهر إذا ما قتلنا ما يؤذيها ولذلك يقول.

«خذوا لنا الثعالب الثعالب الصغار المفسدة للكروم لأن كرومنا قد اقلعت» (نش 2: 15).

ماذا نصنع من الأفكار الشريرة المكتومة فى داخلنا؟ أن لله عملاً عظيماً فى هذا النص لأن المقصود هنا هو قلع الأشياء التى تؤذى البشر لأن الشيطان هو طاغية الشر ويزرع فينا اللسان الحاد مثل الموس الذى يقول عنه المزمور.

«ماذا يعطيك وماذا يريد لك لسان الغش. سهام جبار مسنونة مع جمر الرتم» (مز 120: 3).

يقول أيضاً المزمور عن الشيطان.

«يكمن فى المختفى كأسد فى عريسه. يكمن ليخطف المسكين. يخطف المسكين ويجذبه فى شبكته» (مز 10: 9).

هذه هى الحية التى ارتدت وانحرفت وسقطت التى لها الفم المفتوح المملوء سما، هذا هو الشيطان رئيس سلطان الظلمة الذى يتسلط على الموت وعلى الأشياء الأخرى التى يحذرنا منها الوحى الالهى. هذا هو الشيطان الذى أخذ الخروف المفقود وهو الذى قال أنه سيبسط عرشه مع السماء ويصيرمثل العلى.

« وانت قلت فى قلبك أصعد إلى السموات أرفع كرسى فوق كواكب الله وأجلس على جبل الأجتماع فى أقاصى الشمال» (أش 14: 13).

ويوجد أيضاً فى سفر أيوب أشياء مرعبة عن الشيطان (218).

وهكذا فإن الشيطان وجنوده هم الثعالب الصغار التى يطلب الله من الصيادين أن يطردوها والصيادون هم الملائكة الحصادون الذين يلازمون الرب حين تجسد على الأرض وملازمون ملك المجد ويعرفونه لأولئك الذين لا يعرفونه وحين تجاوب الملائكة عن السؤال من هو ملك المجد يقولون هو.

«الرب القدير الجبار الرب الجبار فى القتال» (مز 24: 8).

وهؤلاء الصيادون الذين سوف يصطادون الثعالب ممكن أيضاً أن يكونوا.

«أرواحاً خادمة مرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص» (عب 1: 14).

أو ربما يكونون هم الرسل القديسون الذين أرسلهم الرب يسوع المسيح لكى يفتكوا الحيوانات المتوحشة. كما قال الرب لبطرس وسأجعلك صياداً للناس (221) لأنهم لم يقدروا أن يصطادوا الناس ما لم ينتصروا على تلك الحيوانات المتوحشة التى هى الثعالب الصغيرة ويبعدوها عن الملجأ والحصن الذى هو قلب البشر التى تختبئ فيها، حتى يصنعوا من قلوب البشر مكاناً يسند فيه الله رأسه حين تبعد تلك الثعالب من وجودها فى قلوبهم.

وعلى أى الأحوال سواء كان الصيادون هم الملائكة أم هم الخدام الرسل فأنه قد أعطيت لهم قوة هائلة تفوق الوصف تمكنهم من أصطياد تلك الثعالب. وهو لم يقل لهم أصطادوا الخنزير الذى يهلك الكرم ولا الاسد الذى يزأر ولا الحوت ولا الثعابين البحرية ولكنه أهتم أكثر بالثعالب الصغيرة وهو قد أعطانا قوة من فوق لكى ننتصر عليها ونبعدها والكرم هو النفس البشرية وحين نبعد تلك الثعالب عندئذ تبدأ النفس فى الثمر وتنضج عناقيد العنب التى ترمز إلى ثمار الكمال. إن هذا الكرم الالهى الذى هو النفس يصير مثمراً كما قال داود المرنم.

«امرأتك (روحك) مثل الكرمة مثمرة فى جوانب بيتك» (مز 128: 3).

وعندئذ تصير النفس فى حماية الله فتكرس ذاتها للمسيح عريسها الذى حطم الحاجز الذى كان يفصل بينها وبينه. لأنه لم يعد يوجد أى فاصل للناموس يمنع الأتحاد مع المسيح الهنا الذى بالحق نحن نحبه.

24 - انسى ما هو وراء:

إن العناية الالهية قد قسمت الخليقة إلى نوعين: الأول هو الخليقة المادية وهى تلك التى تراها بالحواس والأخرى هى روحية غير مادية. الخليقة المادية ندركها بحواسنا المادية لأن كل شئ مادى تحده الكمية والنوعية. وفى أدراكنا لنوع الشئ وكميته يوجد دائماً حدود لأهميته وعظمته فى الشكل والمظهر. أما الخليقة الروحية غير المادية فهى بلا حدود وبلا نهاية وندركها بحواسنا الروحية وعلى رأسها يوجد الله الخالق الأبدى غير المتغير والذى هو فوق كل سمو وفوق كل كمال وفوق كل نقصان أو زيادة.

ثم تأتى بعد ذلك الخليقة الروحية التى تتغير للأفضل فى نموها نحو الكمال. وهى خليقة تنظر دائماً إلى هدفها وهو الله الذى وجدت من أجله وهى تنمو وتسمو بلا حدود ولا نهاية لهذا السعى نحو الكمال. وأى كمال تصل اليه لا تقف عنده. بل تسعى من جديد فى مرحله أخرى نحو الكمال كأنها سوف تبدأ سعيها من جديد. وهذه هى كلمات الرسول بولس التى تعبر عن ذلك.

« ولكنى أفعل شيئاً واحداً أذ أنا أنسى ما هو وراء وامتد إلى ما هو قدام» (فى 3: 13).

لأن فى كل قامة تصل اليها النفس وتسعد بها تنسى ما وصلت اليه وتسعى إلى ما هو أعظم منها فى البر والكمال. وفى تمتعنا ننسى كل ذرك للأمور الأرضية. وهذا هو ما نتعلمه من عروس النشيد التى تنمو فى شركتنا مع العريس باستمرار.

25 - عمود الدخان:

«من هذه الطالعة من البرية كأعمدة من دخان معطرة بالمر واللبان وبكل أذرة التاجر» (نش 3: 6).

من يستطيع أن يفهم الأفكار الهامة التى قالها النص فأنه سوف يتأكد من صدق التعاليم الألهية التى سيتم شرحها بعد ذلك. ونحن ننظر على المسرح أنه يوجد نفس الممثلين الذين يقومون بأدوار المؤامرة والمكيدة ولكن نفس الممثلين يغيرون ملابسهم وقناعهم ويظهرون بأدوار أخرى، لأن الممثل الذى ظهر مرة فى دور عبد فأنه يظهر فى المشهد الثانى فى دور جندى أو أمير ثم بعد ذلك يخلع ملابس الجندى ويلبس ملابس قائد أو ملك.

وهكذا بالنسبة لحياة الكمال فأولئك الذين يشتاقون إلى الأشياء العالية فانهم يتغيرون من مجد إلى مجد ولا يبقون فى حالة واحدة ولكن وفقاً لدرجات الكمال التى يدركوها فى كل درجة فان قامات كثيرة تظهر فى حياتهم والجديد يتبع القديم كلما ينمو فى النعمة وهذا هو سبب أندهاش أصدقاء العريس لما يرونه من جمال العروس فيمدحونها على هذا الجمال ثم يمدحونها على جمال آخر بالمقارنة مع الذهب والفضة ثم تصعد إلى فوق ويصير لها جمال آخر مثل جمال البستان وما به من أشجار وزهور.

وهنا تشبه النفس بعامود الدخان الذى يرتفع إلى فوق ثم يختفى ولكن كيف يوجد عامود الدخان هذا فى البرية وكيف ينمى ويروى؟ أن جذوره هى العطور ويروى بالبخور وكأن النفس قد تغيرت ونمت حين تأتى الكلمة "من هذه؟" وهذا التعجب سببه هو تقدم النفس فى الفضيلة وتغيرها العظيم إلى ما هو أفضل. وهذا هو صوت أولئك الذين يمتلئون عجباً وكأنهم يقولون هل من الممكن أن تخرج من البرية تلك التى رأيناها سوداء من قبل؟ كيف تركت الظلام؟ إن البرية هى المسئولية التى جعلتها تصعد إلى فوق وتتغير بنمو سريع مفاجئ إلى صورة الحب وهذا ليس صدفة بل تكتسب جمالها. وتكريسها ومثابرتها. وهكذا فإن داود النبى حينما عطش إلى الماء تحول عطش إلى الله حين صار جسده كأرض مقفرة.

«كما يشتاق الايل إلى جداول المياه هكذا تشتاق نفسى اليك يا الله» (مز 42: 1).

«يشتاق اليك جسدى فى أرض ناشفة ويابسة بلا ماء» (مز 63: 1).

هكذا فإن وجود العروس فى البرية هو رمز للتكريس والجهاد. ولقد عبروا عن جمال العروس باشكال مختلفة فهم يعبرون عن جمالها هذا بأعمدة الدخان وقبل ذلك قيل عنها أنها بستان وهذا كله يشير إلى الفضائل المتعددة التى احرزتها النفس.

ثم يقارن جمالها ليس بالبخور فقط بل باللبان المخلوط بالمر وكأن جمال العروس هو خليط ممتزج من هذه الروائح العطرة.

والمر يستخدم كحنوط لدفن الموتى واللبان يستخدم فى العبادة الألهية والمعنى هو أن الأنسان الذى يريد أن يكرس نفسه لله ليصير رائحة المسيح الذكية يجب أن يصير أولاً مثل المر أى يميت أعضاءه التى على الأرض بأن يموت مع ذلك الذى مات من أجله. وأن يأخذ ذلك المر الذى أستخدم كحنوط فى دفن الرب لكى يقمع أعضاءه الجسدية من إرتكاب الخطية. أما اللبان فهو الصلاه والعبادة. أما أذرة التاجر فهى الروائح المختلفة التى هى الفضائل المتعددة التى نمارسها فى هذه الحياة. إن أجسادنا حين نقدمها ذبائح وتتحول إلى رماد فى نار التضحية والبذل والجهاد فأنها سوف تعطينا تلك الروائح العطرة التى يشتمها كل أحد فيتعطر ويمتلئ بالروائح.

وبعد إمتلاء أصدقاء العريس بالتعجب من العروس فأنهم أعدوا لها غرفة العرس. أنهم حراس لبتولية العروس يكشفون لها جمال السرير الملكى لأنهم يريدون أن يشوقوها إلى الشركة الالهية فى العرس الذى يتمتع به كل من هو بلا دنس.

26 - حراسة القلب:

«هوذا تخت سليمان حوله ستون جبارا من جبابرة أسرائيل كلهم قابضون سيوفاً ومتعلمون الحرب. كل رجل سيفه على فخذه من هول الليل» (نش 3: 7 - 8).

ما هو تفسير الستين جندياً ممن لهم خبرة فى الحروب الذين يحيطون بسرير العرش الذى لسليمان الملك؟ وما هو تفسير السيوف المزينة الموضوعة فى احزمتهم من هول الليل؟

المعنى هو أن الجمال الالهى له جاذبية، وهو يختلف عن الجمال الجسدى، لأن الجمال الجسدى لذته للحواس فقط ولفترة ثم ينتهى ولا يكون له أى قوة لعقولنا، أما الجمال الالهى فهو دائم وثابت وقوى ويخيف الآخرين الذين لا يحبونه أما هو فى ذاته فهو غير مخيف، وعلى العكس نحن نرى الشهوات الجسدية التى تملأ اعضاء الجسد تسيطر بقدراتها على الفكر وهى تشبه اللص الذى يستمر فى سبى العقل وسرقته حتى يأخذ النفس أسيرة رغم ارادتها وهو عدو الله كما يقول الرسول بولس.

«اهتمام الجسد هو عداوة لله» (رو 8: 7).

وهذا يستوجب علينا أن ننمى محبة الله فى القلب حتى يمكن أن نطرد كل الرغبات الجسدية. ومحبة الله تأتى من خوف الله والخشوع والثبات فيه. اما المحبة الجسدية فهى تسيطر علينا من الأهمال والتراخى والأنغماس فى الشهوات، وحينما نفكر فى العقاب الالهى الأبدى المخيف فاننا نبعد عن الروح الملذات الجسدية وبالحق ما أجمل الطهارة التى هى زينة الروح التى تظهر فى الأنسان حين لا يتسخ بأى انحرافات جسدية.

من الضرورى ان نعرف أن سرير الملك محاط بالجنود الخبراء فى الحروب والسيوف على فخوذهم لكى يخيفوا الأفكار الشريرة ولكى يصوبوا أسهمهم للعدو فى الليل حين يحارب النفس.

إن هذه الاسلحة لأولئك الذين يحرسون بجوار السرير يبعدون كل الافكار الشريرة كما هو واضح من النص.

«كلهم قابضون سيوفاً ومتعلمون الحرب. كل واحد سيفه على فخده» (نش 3: 7 - 8).

واضح هنا أنهم يعرفون جيداً كيف يحاربون الجسد والمسرات العالمية لأنهم يضعون سيوفهم على فخذهم ومعروف ان السيف هو الكلمة (الرب يسوع) والذى قد حمل الكلمة على فخده فانه قد حمل السلاح المخيف، الذى هو عريس النفس الذى يرقد على السرير غير الفاسد وصار أحد شجعان بنى أسرائيل وأصبح مستحقاً أن يكون بين هؤلاء الستين جباراً. وهذا الرقم له معنى وسر خاص لأولئك الذين أخذوا نعمة الروح لكشف الأشياء المخيفة.

ونحن نعرف – عن طريق الوصية المقدسة التى أعطيت لموسى النبى – ما يجب أن نأكله من خروف الفصح.

« ويأكلون اللحم تلك الليلة مشوياً بالنار مع فطير على أعشاب مرة يأكلونه. لا تأكلوا منه نيئاً أو طبيخاً مطبوخاً بالماء بل مشوياً بالنار رأسه مع اكارعه وجوفه ولا تبقوا منه إلى الصباح والباقى منه إلى الصباح تحرقونه بالنار» (خر 12: 8 - 10).

والذى يريد أن يعرف جوهر الكلمة فأنه يجب أن يطلب ذلك من ذاك الذى يكشف أسراره لأولئك الذين يستحقون ذلك. ويجب ألا نترك الانجيل دون أن نتذوق ونختبر ما فيه ولا نهمل وصاياه لأنه يقول.

«فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حيوة أبدية وهى التى تشهد لى» (يو 5: 39).

ويجب أن نعرف هنا معنى رقم ستين، نحن نعرف أن موسى وضع اثنتى عشرة عصا وفقاً لعدد أسباط اسرائيل ولكن واحدة فقط هى التى ازهرت دون الباقين[(231)] وأما يشوع فأخذ اثنى عشر حجراً من الأردن وفقاً لعدد أسباط الأثنى عشر أيضاً ولم يلق أى من هذه الحجارة بل أخذها كلها بمساواة كاملة لتصير شاهدة للسر الذى حدث فى الأردن [(232)] (عبور نهر الأردن) وهذا يفيد أن البشر قد احرزوا تقدماً فى الكمال. وفى البدء كانت عصا واحدة فقط هى التى ازهرت والآخرون رفضوا لأنهم صاروا فى جفاف وعقم. ولكن مع مرور الوقت وتقدم الاسباط كلهم فى السلوك حسب الناموس الالهى ومع تنفيذ الختان الثانى الذى نفذه يشوع معهم حيث قطع السكين المسنون كل ما هو ليس طاهراً. والمعنى الرمزى لهذا أنهم تقدموا فى حياة الفضيلة وعندئذ أصبحوا نامين فى حياة الكمال ولذلك لم يرفضوا بل قبلوا كلهم.

وهنا نحن نجد أنفسنا أمام خمسة مقاتلين جبابرة يؤخذون من كل سبط من أسباط اسرائيل الاثنى عشر ليصير العدد ستين يحملون سيوفهم ويقفون بجوار السرير الملكى. ولكن لماذا أخذ خمسة فقط من كل سبط ليقوموا بهذه الحراسة؟ أولاً حتى يمثل الكل ولا يرفض أى سبط، أما الرقم خمسة فأنه يرمز إلى الحواس الخمسة، وكل واحد منهم يلوح بسيفه فيخيف العدو. السيف الذى يحارب عن العين يجعلنا ننظر فقط إلى الرب وإلى البر والصواب ولا ننظر أى نظرة شريرة إلى الأشياء الزائلة وسيف السمع يجعلنا ننصت إلى الأوامر الروحية ولا نفتح اذاننا وسيف السمع يجعلنا ننصت إلى الأوامر الروحية ولا نفتح أذاننا لأى مباحثات باطلة. وهكذا أيضاً حينما نحرس التذوق واللمس والشم بسيف ضبط النفس حيث نضع الجندى المناسب لحراسة كل حاسة حتى لا تسقط فى أفكار الظلمة الشريرة فى الليل. لأن الوقت الذى تهاجم فيه أرواحنا دائماً فى الليل والظلام. ولذلك يقول سفر نشيد الأنشاد.

«كل رجل سيفه على فخذه من هول الليل» (نش 3: 8).

وهكذا يقول داود النبى.

«تجعل ظلمة فيصير ليل فيه يدب كل حيوان الوعر. الأشبال تزمجر لتخطف» (مز 104: 20 - 21).

واسباط اسرائيل الاثنى عشر ترمز إلى كل الذين خلصوا.

«لأن ليس جميع الذين من أسرائيل هم اسرئيليون» (رو 9: 6).

ولذلك بنو اسرائيل فى العهد الجديد هم الذين يتبعون الرب يسوع المسيح وينظرون اليه ويصرفون النظر عن الشر، لأنه لا يستطيع أى أحد أن يخدم سيدين لأنه يجب ان يحب الواحد ويحتقر الآخر.

أما سرير الملك فهو يرمز إلى كل المختارين وأنقياء القلب هم الذين يعاينون الله وهم الذين يستحقون أن يطلق عليهم بنو أسرائيل وهذا هو معنى اسباط اسرائيل. وهكذا فأن عدد الستين يرمز إلى كل الحواس.

وكل أولئك الذين يسيرون فى حماية الله ويحيطون بالسرير الملكى هم اسرائيليون وبسبب تقدمهم فى الفضيلة اختارهم الله كلهم. وهناك حرب واحدة فقط وجيش واحد فقط أيضاً وهذا رمز إلى الكنيسة الواحدة والكل يسير فى وحدة كعروس واحدة لكى يتحد بجسد المسيح الذى هو الكنيسة تحت قيادة واحدة لعريس واحد هو الرب يسوع المسيح.

والسير يشير أيضاً إلى الراحة والسعادة لأولئك المختارين لأننا نعلم هذا من مثل صديق نصف الليل الذى قرع على باب صديقه فى نصف الليل ليقترض منه فقال له أن.

«البابا مغلق الآن وأولادى معى فى الفراش» (لو 11: 7).

فأولاده هم الذين ربحوا الحياة الأبدية بمعونة الله. وهنا نحن نتعلم أن الإنسان حين يضع السيف فى غمده على فخذه فهو يكرس نفسه لحياة الكمال حين يتخلص بالتمام من كل الشهوات ويرجع مثل الطفل بلا شهوة ولا خطية والمعنى هو التمتع بالحرية من الشهوات لأن الجبابرة قد رجعوا إلى نقاوتهم الأولى وكل من هو جبار ويرجع إلى حياة الطفولة وتطهر من الشهوات يستطيع أن ينظر إلى الله بقلب نقى كجبار يحرس السرير الملكى الذى هو القلب فى طهارة وحرية ويصير كطفل ينام على سرير الخلاص.

27 - تعالى من لبنان:

«هلمى معى من لبنان يا عروس معى من لبنان. انظرى من رأس امانة (أى بداية الايمان) من رأس شنير (اسم بلد) وحرمون (اسم بلد) من خدور (أى من مكان) الأسود من جبار النمور» (نش 4: 8).

أن النعم دائماً تأتى لأولئك العطاش اليها كما يقول الكتاب.

«أن عطش أحد فليقبل إلىَّ ويشرب» (يو 7: 37).

وهنا لا يوجد حدود لعطشنا ولا لسعينا نحوه لأنه أوجد فينا العطش لكى نشرب ولكى نتحرك نحوه بالوصية الدائمة الأبدية لأولئك الذين تذوقوه وأختبروه كما يقول المزمور.

«ذوقوا وانظروا ما أطيب الرب» (مز 34: 8).

وهذا التذوق هو نوع من الدعوة للتمتع به أكثر وأن من يسعى نحو الله فأنه سيحيا فى السعى المتواصل.

دعنا الآن نتحدث عن الدعوة التى بها يطلب الكلمة من العروس أن تقوم وتأتى لأنه يقول لها "قومى يا حبيبتى.. يا جميلتى.. وتعالى.. يا حمامتى فى محاجئ (شقوق) الصخر" فهذه الكلمات هى حث من الكلمة ليجذب الروح للصعود إلى الأشياء السمائية. وهو يعطى الروح الجميلة الفرصة أن تقوم لكى تتقابل معه قائلاً لها:

«كلك جميلة يا حبيبتى ليس فيك عيبة» (نش 4: 7).

لكى يحفظ الأنسان من السقوط فى الانتفاخ والغرور بسبب مدحه لها وبالتالى سوف يعاق عن الصعود إلى فوق فأنه يحاول أن يحث النفس مرة ثانية بكلمات التشجيع لتقوم لتصعد مرة ثانية قائلآ "هلمى معى من لبنان" وكأنه يريد أن يقول للنفس لقد فعلت حسناً حتى الآن فى تبعيتك لى وقد وصلت معى إلى جبل البخور (الصلاة) وقد دفنت ومت معى فى المعمودية ولكنك قمت ثانية وصعدت إلى الشركة مع الطبيعة الآلهية. لأن جبل لبنان يرمز إلى الشركة مع الطبيعة الآلهية لارتفاعه. والآن قومى من هنا وأصعدى إلى قمم أخرى ولذلك يقول للنفس هلمى معى من لبنان وهو يقول لها هلمى معى من لبنان يا عروس ولم يقل لها يا أختى لأنه لن يحيا معه كعروس الا الذى تحول من الموت إلى بخور لبنان. وكأنه يقول لها: مادمت قد وصلت إلى هذه الدرجة من العلو فلا تتوقفى عن الصعود رغم وصولك إلى هذه الدرجة. ولبنان هذه هى بداية الايمان حيث تشترك النفس مع الله بالقيامة لأنه يقول لها "قومى" لأن بداية النعم الإلهية هو الإيمان، وبالإيمان تقوم النفس وتأتى وتصل إلى الله ولكن لن تتوقف عن الصعود الأبدى باستمرار قيامتها معه.

ويكمل النصر.

« وانظرى من رأس أمانة (بداية الايمان) من رأس شنير وحرمون» (نش 4: 8).

وهنا يشير النص إلى الولادة الثانية من الروح بالمعمودية لأنهم يقولون بأن نهر الأردن (الذى اعتمد فيها المسيح) ينبع من مكان يوجد فوقه جبل ينقسم إلى هضبتين اسمهما شنير وحرمون والنهر الذى يأتى من هذه الينابيع يصير ماء نهر الأردن الذى هو بداية التحو الالهى فى سر العماد المقدس ولهذا تسمع العروس حبيبها يقول لها تعالى من لبنان معى من بداية الايمان من قمة هذه الجبال حيث تأخذين مياه المعمودية، تلك المياه التى تحمل أسرار النعمة.

28 - خدور الأسود:

إن الانسان خلقه الله على صورته ومثاله، لكن بسبب الحيوانات المتوحشة التى هى الغرائز الجسدية قد تحول الأنسان إلى خليقة غير عاقلة وصار مثل الاسد والنمر بسلوكه فى الطرق الشريرة لأن الذى يرقد فى عريسه ويسقط فى شباكه فأنه يصير مثله[(242)]. وهكذا كل من يتنجس بشرور هذا العالم فأنه يصير مثل النمر.

لقد كان الأنسان أولاً يعيش فى عبادة الأوثان ثم عاش فى الناموس وشكليات اليهودية ولكنه إنحرف فى كل الشرور والخطايا. وبعد ذلك عبر الأردن وجبل المريا ولبنان وصعد إلى العلو بالتجسد وصار يحيا مع الله فى السماء ولهذا السبب فإن الكلمة تعطى قوة لحضور العروس المفرح بأن يقدم ذكريات لبنان وبداية الايمان قبل سر الأردن الذى أردكناه ولذلك فأن النفس أصبحت تحيا فى سلام وبهجة بعد الحرب التى عبرتها إن الجسد يأخذ المسرة من بركة الصحة وليس من لذة الخطية وبركة الصحة هذه يتمتع بها الانسان ويشعر بقيمتها بعد أن يعبر فترات الألم والمرض. وهكذا فإن العريس يعطى الروح أن تصعد نحوه فى زيادة ونمو دائم ويمنحها أن ترى جماله الحقيقى. وهو حين يذكرها بالوحوش المرعبة أى بحالتها التى كانت عليها قبل أن تتحول. إنما يفعل ذلك لكى تستمتع العروس بحضوره المبهج حين تقارن نفسها بحالتها الأولى.

ويريد العريس أيضاً أن يمنح عروسه نعمة أخرى وهى نعمة التغير إلى الاحسن وليس إلى الأسوأ لأننا حين نتقدم فى الكمال فانما نصنع تغييراً بمعونة الله ثم ننهض ونقوم، ولهذا فإن الكلمة يصير مثل المعلم أو الحارس الذى يحمينا من كل تغير إلى الأسوأ حين يذكرنا بالوحوش التى هزمها هو ونحن نتقوى بثباتنا ورسوخنا فى الصلاح حين نتحول دائماً من الشر إلى الخير، ومن الأنحراف نحو الشر إلى التقدم نحو البر. وهكذا فإن العريس حين يدعو العروس من لبنان ويذكرها بخدور الأسود انما هو يذكرها بالحالة التى كانت تعيش عليها سابقاً وهو يذكرها أيضاً بجبال النمور حيث كانت تعيش مع الحيوانات المتوحشة فى الخطايا والشهوات.

29 - مراة الكنيسة:

الآن صوت الكلمة هو صوت القوة فى الخليقة، هو النور الذى يشرق على وصيته، وهو يأمر فإن السماء توجد وكل المخلوقات أيضاً توجد حين ينطق الله بالكلمة. والآن أيضاً حين ينطق الكلمة للعروس أن تأتى اليه فأنه فى الحال يعطى قوة للوصية وتنفذ ما يريده العريس فى الحال. وتتحول العروس إلى شئ سماوى وتتغير النفس من المجد الذى توجد عليه إلى المجد الأعلى وذلك حين تسلك فى الكمال. ولهذا فإن خورس الملائكة الذى يحيط بالعريس يعبرون عن اعجابهم بالعروس بكلمات المديح هذه.

«قد سبيت قلبى يا أختى العروس» (نش 4: 9).

لأن الكمال المنسوب للعريس والذى يشع منه على الملائكة وعلى النفوس التى تتبعه أيضاً يجعلها مثله فى طهارة وبلا شهوة جسدية وتصير النفس فى علاقة كأخت لهذه القوات السمائية الملائكية ولذلك يقولون لها قد سبيت قلبى يا أختى العروس لأنها أصبحت اختاً لهم بسبب كمالها واطلق عليها كلمة عروس بسبب شركتها مع العريس الكلمة أما معنى كلمة قد سبيت قلبى فهو أنك قد اعطيتنا حياة كما لو كانوا يريدون أن يقولوا لها أنك قد أعطيتنا قلباً فى داخلنا وهذاهو ما فسره الرسول بولس حين قال.

«لكى يعرف الآن عند الرؤساء والسلاطين فى السماويات بواسطة الكنيسة بحكمة الله المتنوعة حسب قصد الدهورالذى صنعه فى المسيح يسوع ربنا الذى به لنا جراءة وقدوم بأيمانه عن ثقة» (أف 3: 10 - 12).

وتفسير ذلك أن حكمة الله قد كشفت لنا أسرار القوات العلوية التى تعلن حكمة الله وعجائبه.

ولكن كيف تأتى الحياة بعد الموت؟ وكيف تتحول الخطية إلى بر والشتيمة والسب إلى مديح. والخوف إلى مجد والضعف إلى قوة؟ أن هذه القوات السمائية لها خبرة فقط بالحكمة الالهية التى تصنع المعجزات، والله الكلى القدرة يعمل خلال قواته ويأتى بالخليقة إلى الوجود حين يريد الله ذلك وهو خلق كل الأشياء حسناً لأنها أتت من مصدر واحد كله جمال وهو الله. ولكن حكمة الله المتنوعة هذه قد أعلنت الآن خلال الكنيسة. كيف صار الكلمة جسداً؟ كيف أتحد الموت بالحياة لأننا نحن شفينا بجراحاته والآم الصليب هزمت كل قوات العدو. الله غير المنظور فى الجسد حرر كل من سباهم الشيطان وأصبح الله نفسه هو المشترى وهو الثمن أيضاً. لأنه أسلم نفسه للموت من أجل فدائنا وهو لم ينفصل عن الياة وهو فى آلام الموت. هو جاء كعبد ولكنه لم يزل ملكاً.

كل هذا وغيره أيضاً هو عمل الحكمة الألهية المتنوعة والتى هى غامضة علينا. إن كل أصدقاء العريس يتعلمون خلال الكنيسة ويعطى لهم قلباً جديداً لكى يدركوا أسرار الحكمة الالهية الآخرى. وأيضاً إذا ما نحن رأينا جمال العريس مطبوعاً فى العروس ومدركاً فى الخليقة كلها فاننا نمتلئ تعبجاً لأن رغم أن.

«الله لم ينظره أحد قط» (1يو 4: 12).

كما يقول الرسول يوحنا أو كما يقول الرسول بولس الرسول.

« ولا يقدر (أحد) أن يراه» (1تيمو 6: 16).

ولكنه حين صنع الكنيسة التى فى جسده وبناها على الحب خلال نمو الأنسان جعلنا نتحد كلنا ونصير واحداً فى كمال واحد.

«إلى إنسان كامل إلى قياس قامة ملء المسيح» (أف 4: 13).

وإذا كانت الكنيسة هى جسد المسيح، فإن المسيح هو رأس هذا الجسد وأعطى الكنيسة طهارته حيث نرى فى الكنيسة نقاوة غير المنظور مثل انعكاس النور فى السماء وهكذا فإن أصدقاء العريس يرون شمس البر حين يبصرون وجه الكنيسة كما لو كانت مرآة نقية وعندئذ نستطيع أن ترى المسيح بانعكاس نوره على الكنيسة.

30 - احدى عينيك:

وهنا يقول أصدقاء العريس إلى العروس.

«قد سبيت قلبى يا أختى العروس. قد سبيت قلبى باحدى عينيك» (نش 4: 9).

وهذا معناه أنك قد أعطيتنا روحاً وعملاً بهما نستطيع أن نرى النور الذى فيك وهم اذ يكررون ذلك إنما هم يضيفون إلى تأكيدهم ثقة.

أما تفسير كلمة باحدى عينيك فهو أن الروح لها عملان فى النظر أولهما هو رؤية الحق حين نبتعد عن الأشياء الحسية والثانية هى حين ننحرف ونخضع لسلطان الحواس. والمعنى هو أن العين النقية للعروس هى مفتوحة فقط لرؤية البر والصلاح أما العمل الثانى فهو معطل تماماً. ولذلك يمدح الأصدقاء احدى عينيها وهى تلك التى تراه هو فقط ذاك الذى له طبيعة أبدية غير متغيرة هو الآب الحقيقى والأبن الوحيد والروح القدس. وهذا الثالوث هو واحد ولا يوجد أى انفصال بين الأقانيم الثلاثة رغم وجود عمل مختلف عن الآخر أقنوم ولكن هناك وحدة كاملة بينهم. ولكن يوجد بعض البشر لا يستطيعون الرؤية لأنهم يتصورون الانفصال بين الثالوث وهم لذلك لا يبصرون أى شئ. أما الذين يتطلعون إلى الله فأنهم يبتعدون عن رؤية الأشياء المادية عديمة الوجود.

ولكن الانسان الذى لديه الرؤية الحادة نحو الله فهو يصير مثل الأعمى بالنسبة للأشياء الأخرى المادية التى تجذب العين. وهذا هو السبب الذى من أجله تمدح العروس من الملائكة وهم أصدقاء العريس على أحدى عينيها فقط لانها اغمضت العين الأخرى عن رؤية الأمور الزائلة. أما الأنسان الذى لديه اعين كثيرة فهو أعمى بالنسبة للأمور الروحية لأنه يستعمل عيونه فى رؤية الأشياء الزائلة فقط. ولكن العين الحادة والنظر الطاهر هو لذلك الانسان الذى ينظر بأحدى عينيه فقط إلى الصلاح ولهذا فأن النص يبدو غامضاً.

«قد سبيت قلبى باحدى عينيك بقلادة (سلسلة) واحدة من عنقك» (نش 4: 9).

ومعنى الكلمة بعين واحدة أى بروح واحدة لأن الانسان الجسدى لا يتمتع بالوحدة فى الهدف لوجود شهوات متعددة تملك على روحه وتصيرمنهزمة من الشهوات المتعددة ويكون نصيبها عندئذ هو الحزن والملذات والغضب والخوف والوقاحة والجبن.

لذلك نحن نتعلم أن الانسان الذى يتطلع إلى العريس الكلمة تصير له روح واحدة فقط بسبب انتظام حياة الفضيلة. وهذا هو السبب الذى من أجله نفهم معنى كلمة "باحدى" أنه مطابق للكلمة بروح واحد ونظام واحد.

أما تفسير الأية "بقلادة واحدة من عنقك" فهو أن القلادة هى السلسلة التى عليها نيشان يعلق فى الرقبة. ومعنى ذلك هو أن عين العروس أصبحت تنظر إلى أمر واحد فقط وهو العريس الكلمة وصارت لها روح واحدة فقط لأنها غير منقسمة للشهوات المختلفة التى تحاول أن تستعبدها وأصبح شكل رقبتها كاملاً لأنها تحمل عليها نير تبعية المسيح الذى هو قلادة فى العنق الذى هوالنظر الدائم والهدف المستمر نحو البر فقط. وهذا هو مثار مدح أصدقاء العريس وتعجبهم من العين الواحدة والروح الواحدة وحمل نير المسيح والآن بعد أن عرفنا ان أصدقاء العريس هم الملائكة وهذا هو سبب مديحهم لها ثم جاء العريس وأكد أيضاً هذا المديح وشهد أيضاً لجمال العروس التى هى الكنيسة وهذا ما سوف نتحدث عنه فى التأمل التالى عن سر جمال الكنيسة التى هى عروس المسيح.

31 - الرائحة الطيبة:

«ما أحسن حبك يا أختى العروس. كم محبتك أطيب من خمر وكم رائحة ادهانك أطيب من كل الأطياب» (نش 4: 10).

يجب أن نفهم النص على أن الروائح الطيبة هى أنفاس الله فى الكتاب المقدس. نوح مثلاً حين قدم ذبيحة الله أشتمها كرائحة طيبة وكان هناك ذبائح كثيرة فى العهد القديم مثل ذبيحة المسرة وذبيحة الشكر وذبيحة الكفارة وذبيحة الخطية، فهذه هى الروائح المنصوص عليها فى الآية لأنه كانت هناك اجزاء من الذبيحة تقدم لله والبخور أيضاً وتقدمه الدقيق الملتوت بالزيت كلها كانت تقدم لله وكان يعبر عنها من خلال النار. وكل هذه الذبائح كانت تدخل فى عداد قائمة الروائح العطرة.

وحين نقرأ أن رائحة العريس هى أطيب من كل الروائح الأخرى فهذا هو الدرس الذى نتعلمه وهو سر الحق الذى كمل خلال الانجيل وهو قبول ذبائحنا كرائحة سرور الله. وأصبحت ذبيحة الصليب تفوق كل روائح ذبائح العهد القديم لأن الرموز والأشكال تعطى تلك الروائح، وإذا كانت هذه الذبائح تسر الله فى العهد القديم فأن ذلك كان للرمز الذى تشير اليه وهذا ما قاله داود النبى.

«هل أكل لحم الثيران أو أشرب دم التيوس» (مز 50: 13).

لقد كانت توجد ذبائح حيوانية متعددة ولكن هناك معنى روحى واحد هو ضرورة الموت عن الخطايا والشهوات. وأن الذبيحة لله هى الروح المنسحق لأن.

«القلب المنكسر والمنسحق يا لله لا تحتقره» (مز 51: 17).

لأن هذه هى ذبائحنا أن نقدم لله التهليل والمجد الذى يشتمه الله ولهذا قال بولس الرسول اننا رائحة المسيح الذكية (252) والروح القدس هو الذى يملأ حياتنا برائحة القداسة. والبخور هو الفضائل المختلفة التى يشتمها العريس كرائحة طيب أفضل من الأطياب الأخرى.

32 - الشهد:

«شفتاك يا عروس تقطران شهداً تحت لسانك عسل ولبن» (نش 4: 11).

هنا يتحدث العريس عن الغنى الروحى الذى للعروس لكثرة صلواتها وتكرسها. نحن نربط هذا النص بما يقوله سفر الآمثال أن نذهب للنحلة لكى نتعلم. أن النحلة لها عمل مهم جداً لأننا نأخذ منها العسل الذى هو طعام جيد يمنح الصحة، والغذاء الذى تنتجه النحلة يحبه كل أحد. والنحلة أيضاً معروفة بالحكمة ولذلك هى رمز للسلوك فى الكمال. ونحن نتعلم من النحلة التى تطير فى الحقول لتجمع الرحيق من الزهور أنه يجب أن نتعلم من كل أحد تعاليم الحكمة ولذلك يجب أن نمتلئ بالشهد فى أنفسنا، ونضع هذه الحلاوة فى قلوبنا مثل خلية النحل وأن نحتفظ دائماً فى ذكراتنا بالتعاليم الالهية المختلفة مثل خلايا الشمع التى يخبئ فيها النحل العسل حتى لا يهلك. وحتى نحصل على العسل الذى ينتجه النحل يجب أن نتحمل لدغات النحل وتفسير ذلك أننا يجب أن نعمل باجتهاد لاكتساب حياة الفضيلة وألا نعمل لحساب هذا العالم الزائل بل نعمل دائماً لحساب الحياة الأبدية وأن نقدم كل جهادنا لكى ننتج العسل الذى هو طعام الملوك والناس أيضاً.

ولهذا فإن العروس تجذب الأرواح الآخرى وتكون مصدر أعجاب الملائكة حين تمارس الحكمة. وهذه المناقشة عن الحكمة التى للنحل تقدم لنا مثلاً طيباً لقيمة البناء والفرح بالجهاد، لأن مواهب الله التى يوزعها على البشر دائماً تكون حسب جهادهم الجاد ولهذا فإن العروس مملوءه بالشهد فى قلبها الذى هو التعاليم الروحية المختلفة ونحن نأخذ قطرات الشهد هذه المتساقطة من العريس وهى ترمز إلى كلمة الله لأن كلمة الله هى كالعسل واللبن ولذلك يقول لها العريس.

«شفتاك يا عروس تقطران شهداً. تحت لسانك عسل ولبن» (نش 4: 11).

أن الكلمة لها عمق فى البالغين الكاملين وفى الأطفال القصر، حسب أمكانية كل أحد. فهى فى الكاملين تشبه العسل وفى القاصرين هى لبن وهذا ما يقوله بولس الرسول لنا كأطفال مولودين أن نشتهى اللبن العقلى. أما الكاملين فأنهم يأخذون التعاليم المملوءة بالحكمة والمختبئة فى الأسرار ولذلك لا يستطيع العالم أن يدركها. وهذا هو المزيج بين اللبن والعسل الذى هو تحت لسان العروس وهو رمز إلى الكنز المخفى من التعاليم. لأن الانسان الذى يعرف كيف يتكلم مع كل أحد ويضع الكلمات الالهية المناسبة تحت لسانه ويعطى كل أحد من الكلام ما هو مناسب حسب ما يحتاجه فى الوقت المناسب هو ذلك الانسان الذى تحت لسانه عسل ولبن.

33 - لباس الفضيلة:

بعد أن مدح العريس فم العروس ولسانها، هوذا الآن يمدحها قائلاً.

«رائحة ثيابك كرائحة لبنان» (نش 4: 11).

ولبنان دائماً ترمز إلى العلو والشركة مع الله والفكرة الرئيسية لهذا النص هى السعى نحو الكمال لأن هدف حياة الفضيلة هو أن نصير على صورة الله. ولذلك يسعى الانسان فى الفضيلة ويجاهد فيها ليصل إلى طهارة الروح ويتخلص من الشهوات لكى يصل إلى الحالة التى كان عليها قبل السقوط، ولذلك يرتقى الانسان ويصعد إلى جبل لبنان بسبب السعى نحو الكمال بالسلوك فى الفضيلة. ولكن حياة الفضيلة ليست واحدة بل لها أنواع وأشكال مختلفة مثل حرفة الخياطة التى تتصف بالمهارة فى التفصيل أو الغزل الذى هو تماسك الخيوط بالطول وبالعرض. وهكذا فإن أموراً كثيرة يجب أن نجاهد فيها لكى نكتسب الفضيلة حسب قول بولس الرسول.

«أما ثمر الروح فهو محبة فرح وسلام وطول أناه لطف صلاح أيمان وداعة تعفف» (غل 5: 22).

وهذه هى الفضائل التى يجب أن نتحلى بها ونلبسها حينما نخلع الملابس الأرضية الزائلة لنلبس تلك السمائية غير الفاسدة.

وهكذا فإن العريس يجد أن ملابس عروسه مقبولة حينما يقارن رائحة تلك الملابس برائحة اللبان.

«لأن فيها تجوز الشركة معه» (نش 4: 12).

وقبل ذلك قال عنها أن رائحة اطيابها تفوق كل طيب ولكنه هنا يخصص مديحه لها بسبب رائحة اللبان فقط ورائحة اللبان تشير دائماً إلى العبادة والتكريس لله واذا كانت النفس قد مدحت قبل ذلك بتفوقها فى الفضائل إذ قبل أن رائحة أطيابها تفوق كل الأطياب، فهى الآن تمدح وتتزكى حين تقارن بواحدة فقط وهى التكريس والشركة مع الله وهذا هو المعنى الروحى للنص، أن ثياب الفضيلة التى لك أيتها العروس تشبه الكمال الالهى وأصبحت تتمتعين بالطهارة والكمال بسبب رائحة ثيابك أذا ما قورنت بالبخور الذى هو مخصص لعبادة الله.

34 - "أختى العروس جنة مغلقة" [(257)]:

هنا يمدح العريس عروسه ويقول لها أختى.. ثم يقول لها أيضاً العروس. هى أخته لانها تصنع مشيئته.

«لأن من يصنع مشيئة الله هو أخى وأختى وأمى» (مر 3: 35).

وهى عروس الرب لأنها قريبة جداً اليه ومتحدة معه. وهى جنة مزدهرة لأنها تحمل فى داخلها كل أنواع الأشجار المثمرة الجميلة، حيث يوجد فيها التين الحلو والزيتون المثمر والنخيل العالى والكرمة المملوءة بالعناقيد ولا يوجد فيها أى أشواك أو أشجار غير مثمرة.

تلك الحديثة التى تحدث عنها اشعياء النبى فقال.

«عوضاً عن الشوك ينبت سرو وعوضاً عن القدريس يطلع أس (نبات عطرى له رائحة حلوة) ويكون للرب أسما علامة أبدية لا تنقطع» (أش 55: 13).

قال داود النبى عن تلك الحديقة.

«الصديق كالنخلة يزهو كالأرز فى لبنان ينمو. مغروسين فى بيت الرب فى ديار الهنا يزهرون» (مز 92: 12 - 13).

وقال أيضاً داود النبى.

«أما أنا فمثل زيتونة خضراء فى بيت الله» (مز 52: 8).

وقال أيضاً داود المرنم.

«أمراتك مثل كرمة مثمرة فى جوانب بيتك» (مز 128: 3).

وتحدث ميخا النبى عن جنة النفس أيضاً فقال.

«بل يجلسون كل واحد تحت كرمته وتحت تينته ولا يكون من يرعب لأن رب الجنود قد تكلم» (ميخا 4: 4).

وليس من الضرورى أن نشرح المعنى الرمزى لكل من هذه الأشجار ولكن واضحاً لكل أحد أن الثمر الحلو الذى لشجرة التين، فهى فى الأول تكون الثمرة مرة وعصيرها لاذع ولا يمكن أن نأكلها ولكنها بعد أن تنضج تصير ثمرة لذيذة ومبهجة لكل حواس الروح. ووفرة محصول الزيتون الذى نجنية من أشجار الزيتون يكون أولاً مر ولكن بعد أن يأخذ العناية الوافرة ويتحول إلى زيتون حقيقى ويؤخذ زيته للاضاءة وللدهن حتى يخفف الألم ويعطى الراحة ويستعمل فى سر الميرون. أما ثمار النخيل فهى عالية جداً وبعيدة عن الأرض ويصعب على اللصوص أن يسرقوه. ولنلاحظ أيضاً رائحة الكرم الجذابة ورائحة السرو وحلاوة التين.

ونستطيع أن نأخذ معنى رمزى من كل هذه الأشجار وهى أن تمتلئ النفس بثمار الفضائل المختلفة وتصير مثل الحديقة المثمرة. أما معنى أن الحديقة مغلقة فهو وجود سور يحيط بها من كل ناحية وذلك السور هو الوصايا الالهية حتى لا يستطيع أى لص أو حيوان أن يتسلل داخلها ويفسد أشجارها. وسياج النفس من كل جانب بالوصايا الالهية يجعلها حديقة قوية فى أسوارها، تلك النفس التى قال عنها العريس.

«أختى العروس جنة مغلقة» (فى بعض أجزاء من لبنان يزرع أشجار البخور وهذا هو الترادف فى المعنى).

ولذلك يقول المزمور.

«يا اله الجنود أرجعن اطلع من السماء وأنظر وتعهد هذه الكرمة والغرس الذى غرسته يمينك والابن الذى اخترته لنفسك» (مز 80: 14 - 15).

35 - العين المقفلة:

«أختى العروس.. عين مقفلة.. ينبوع مختوم» (نش 4: 12).

أن حديقة النفس تحتاج إلى ينبوع ماء حتى يزهر البستان حين يروى باستمرار من تلك المياه. ويشرح لنا سفر الأمثال ذلك بطريقة رمزية حين يقول.

«لا تفض ينابيعك إلى الخارج. سواقى مياه فى الشوارع. لتكن لك وحدك وليس لأجانب معك» (أم 5: 16 - 17).

هنا يحذرنا الوحى الالهى من أن يسلبنا أى أحد من مياه ذلك الينبوع والا يأخذ الغريب من ذلك الينبوع لأن كلمة مختوم تفيد أن ينبوع الماء تحت الحراسة، وهذا يرمز إلى عمل الروح الداخلى. لأن كل الافكار تنبع من الداخل دائماً ولكن حين ننجذب لتلك الأفكار ونخضع للأشياء التى تجذبنا وحينئذ نسقط. ولذلك نحن نتقدم دائماً نحو البر حين نرفض تلك الأفكار الشريرة.

فالانسان حين يتحول بفكره نحو الشر فهو يعطى نبع مائه للغرباء وعندئذ يزداد الشوك فى بستانه وتجف وتنشف النباتات المفيدة حين لا تروى نفوسنا من الأفكار الجيدة. والآن يجب أن نعلم أن الختم يحفظ صيانة ما نحميه لأن الختم يخيف اللصوص ويعيقهم عن أخذ أى شئ. ويصير نبع الماء بكراً لأنه لم ينتهك ويظل محفوظاً للرب وحده. ونحن هنا نرى قمة المدح والمجد المقدم للعروس لأن فكرها أصبح طاهراً لم يمسه العدو بعد لأنها تحتفظ بنقاوتها وكمالها. أنه ختم الطهارة الذى يحفظ النبع طاهراً للرب، ويحفظ نقاوة القلب حين لا يتلوث بالأفكار الشريرة.

ويمكن أن نعبرعن نفس الفكرة بطريقة أخرى. لأننا نعلم أنه يوجد أشياء طبيعية فينا ويوجد أشياء أخرى ليست من طبيعتنا ولكننا نكتسبها من الخارج. ولهذا يقول سفر الامثال أن لا نعطى ماء ينبوعنا إلى الغريب بل نستعمله لحديقتنا الخاصة حتى نروى غرس الله. وهذه النباتات هى رمز للفضائل لأنه إذا ما إنشغل فكرنا بتلك الفضائل فإن النفس لن تهتم الأشياء الخارجية سوف تسلك نحو الفضيلة والبر وعندئذ تختم ذاتها بخاتم الحق.

36 - فردوس للروح:

«اغراسك فردوس رمان مع أثمار نفيسة فاغية وناردين» (نش 4: 13).

والمعنى هو أن الكلمات الخارجية من النفس تشبه حديقة الرمان لأنه معروف أن شجر الرمان يعطى فوائد كثيرة منها الزهره التى لها رائحة طيبة، ومع شجر الرمان أيضاً يأتى.

«ناردين وكركم. قصب الذريرة وقرفة مع كل عود اللبان. مر وعود مع كل أنفس الأطياب» (نش 4: 14).

والمعنى أن النفس وفقاً لمعونة الله قد أكتسبت كل هذه الأشياء وهى تتقدم من قوة إلى قوة وبعد حصولها على تقدم كبير فى الكمال أصبحت كلمات فمها تشبه غروس أشجار الرمان. والكلمات التى تصدر من النفس تشبه رسالة الأيمان ومن يستقبلها تصير بالنسبة له مثل الفردوس. إن البستان المملوء بالاشجار يطلق عليه دائماً بالفردوس.

37 - شجر الرمان:

والآن نحن نريد أن نعرف نوع النباتات التى يزرعها الكلمة فى قلوب أولئك الذين يؤمنون به ويتبعونه وأول تلك النباتات هى شجرة الرمانا الذى يرمز إلى ما يصدر من فم العروس من كلام به نعمة.

أن شجر الرمان يجعل اللص بيأس من سرقته لأن الفروع تكون مملوءة بالأشواك وتكون الثمرة مغطاه ومحمية بقشرة تكون مرة لاذعة المذاق، ولكن حينما تنضج الثمرة فى الوقت المناسب وتنزع القشرة نجد الثمرة حلوة المذاق وجذابة للنظر وشهية للأكل ومفرحة للحلق وعصيرها له رائحة حلوة.

ونستطيع أن نأخذ درساً من هذا النص أن الكلمات التى تخرج من فم العروس تشبه حديقة أشجار الرمان لتلك النفوس التى تنصت للتعاليم التى تصدر منها. وفحوى هذه التعاليم هوعدم الانغماس فى الملذات العالمية ولكن نسلك فى قسوة الحياة وضبط النفس وهذا ما يرمز اليه الشوك المحيط بأغصان الرمان الذى يلسع أولئك الذين يقتربون منه لكى يسرقوه.

ولكن حين يأتى وقت الثمر فإن شجر الرمان يقدم لنا ثمراً نبتهج به ويكون له مذاق مختلف عن كل الفاكهة الأخرى ولكن نجد فيه الروائح المختلفة مثل الناردين والفاغية وتمتاز الفاغية بأنها دافئة وهو رمز إلى الطهارة والنقاوة والناردين له رائحة عطرة أيضاً.

ومن ثمار الرمان نحن نأخذ عطوراً مختلفة مثل الناردين والزعفران وهما رمز للطريق الوسط بين الحرارة والبرودة، فهو الاعتدال بين كل تطرف وهذا ما نتعلمه من الدرس التالى عن شرط الفضيلة.

38 - رمز الغفران:

أن الفضيلة هى الاعتدال بين شرين أحدهما هو انعدام الشئ والآخر هو الافراط الزائد فيه ولذلك فإن الثبات هو الاعتدال بين الجبن والتهور. والكرم هو الاعتدال بين البخل والاسراف فالجبن والبخل هما شرين لأها نقص الشئ الجيد منها، بينما التهور والاسراف هما شرين أيضاً لأنهما افراط فى هذين الشيئين.

والزعفران[(+)] وهو رمز للفضيلة التى هى الاعتدال بين نقيضين والبعد عن كل تطرف سواء بالنقص أو الزيادة والزعفران أيضاً يرمز إلى تعاليم الايمان وهو يتكون من ثلاثة أشياء، أولاً الزهرة التى تحتوى على ألوان متعددة مختفية تحتها وحينما ينضج النبات نجد ثلاثة زهرات مختلفة ولكن كلها لها رائحة عطرة وتستعمل أيضاً كدواء للشفاء. وكل واحدة من هذه الزهرات الثلاثة مختبأة تحت التويج والثلاثة لها حجم واحد ورائحة عطرة ولها شكل جميل وصفات نافعة وهؤلاء الثلاثة تظهر كأنها واحدة ولكن بالقرب منها تجد أيضاً أزهار أخرى لها لون أصفر ولكنها خالية من كل فائدة طبيه وهما رمز للذين ليس لهم خبرة ودراية ويخطئون ويأخذون الأزهار غير النافعة بدلاً من تلك النافعة الحقيقية، وهذا الشئ يحدث مع البشر الذين يخطئون فى الأيمان ويأخذون التعاليم الخاطئة بدلاً من التعاليم الحقيقية. ولذلك فإن من يسمع ذلك يجب أن يسعى نحو الكمال وأن يكون له شركة مع الله، لأنه لا يوجد أى كمال بعيداً عن الشركة مع الله.

39 - رمز القرفة:

قيل عن القرفة أنها تشمل ألوان مختلفة فى طبيعتها الأولى وإذا القى بعض منها فى وعاء ماء مغلى فإن الماء يصير فى الحال بارداً واذا ما القيناه فى حمام ماء دافئ فإن المياه تصير باردة جداً فهى تشير إلى تحول أى شئ إلى عكسه مثل تحول طبيعتنا الفاسدة إلى الشركة الالهية فى الله وقد اتسمت صفات القرفة أيضاً بصفات جيدة أخرى وكلها تشير إلى قوة إيماننا. وقيل عنها انها تشبه الانسان الكسلان النائم مع اليقظة والحديث الدقيق.

والقرفة مذكورة بين قائمة الاثمار التى للنفس ولكن لها عمل ورمز يختلف عن الثمار الأخرى حين نكون متقدين بالغضب فاننا بالعقل نهدئ تلك الشهوة، وهنا ترمز القرفة إلى ضبط النفس. والقرفة التى تنبع من الفم تشير إلى إطفاء الشهوة المشتعلة وغليان القلب فى الشر وعندئذ يتم تطهير النفس من كل الأفكار الشيطانية.

40 - بئر الماء الحى:

«أختى العروس.. ينبوع جنات بئر مياه حية وسيول من لبنان» (نش 4: 15).

يشير الماء الحى إلى الطبيعة الالهية. وهذاما قاله أرميا النبى.

«تركونى أنا ينبوع المياه الحى» (أر 2: 13).

ويقول أيضاً للمرأة السامرية.

«الماء الذى أعطيه يصير فيه ينبوع ماء ينبع إلى حياة أبدية» (يو 4: 15).

ثم يقول ثانية.

«من آمن بى كما قال الكتاب تجرى من بطنه أنهار ماء حى قال هذا عن الروح» (يو 7: 38 - 39).

وهنا يعلن للعروس أنها بئر مياه حية وقد يبدو أنه يوجد تناقض فى هذا النص، كيف تكون مياه البئر حية لأن البئر دائماً يحوى المياه الراكدة. ولكن كيف تكون المياه حية فى البئر؟

إن هذا البئر عميق ومتصل بالنهر الجارى. فالعروس هنا تتبع المسيح وتصير حياة العريس فيها كماء حى. لأن كلمة الله حية والعروس تستقبل هذه الكلمة فى داخلها. وهذه المياه تنبع من الله لأنه هو المصدر لأنه يقول.

«لم آت من نفسى بل ذاك أرسلنى» (يو 8: 42).

والعروس تصير مخزناً للماء الحى الذى يتدفق من لبنان ويصل اليها.

41 - طعام العريس:

«ليأت حبيبى إلى جنته ويأكل ثمرة النفيس» (نش 4: 16).

"قد دخلت جنتى يا أختى العروس" [(275)].

هنا صرخة من القلب، هنا سمو الروح الذى يفوق كل حدود العطاء. من الذى تدعوه العروس لكى ينعم بثمارها؟ لمن تستعد لعمل وليمة من مخازنها الخاصة؟ من الذى تدعوه للأحتفال بما اعدته؟ إنه.

«الذى هو قبل كل شئ وفيه يقوم الكل» (كو 1: 17).

هذا الذى يعطى الطعام فى حينه (277) الذى هو الخبز الذى نزل من السماء (278) ومن نبعه الخاص يسكب الحياة لكل الخليقة. إنه هو الذى اعدت له العروس مائدتها، والمائدة هى الفردوس المزروع بالأشجار الحية والأشجار والطعام الذى تقدمه له هو خلاص أنفسنا. كما يقول هو.

«طعامى أن أعمل مشيئة الذى أرسلنى» (حز 3: 17).

وإرادة الله واضحة أن الجميع يخلصون وإلى معرفة الحق يقبلون (280).

إن أمر خلاصنا هو الطعام المعد له، والثمر هو ارادتنا الحرة التى نقدمها لله وكأنها غرس مثمر يجنى. وهنا يجب أن ندرك أنه قبل ذلك قد تلذذت العروس بثمر التفاح حين قالت.

« وثمرته حلوة لحلقى» (نش 2: 3).

ثم بعد ذلك صارت العروس نفسها حلوة بعد أن أكلت من ثمرته وصارت هى نفسها ثمرة مقدمة لصاحب الجنة يتمتع بها.

ومعنى كلمة "ليأت حبيبى" لينزل حبيبى فهذا تفسير لما تقوله فى الصلاة الربانية ليتقدس اسمك ولتكن مشيئتك. وهذان الطلبان هما أساس الصلاة، ولذلك تقول العروس لينزل حبيبى بعد أن قدمت النفس له ثمرة سلوكها فى حياة الكمال. ومجيئه هو التجسد الالهى الذى هو اعلان الحب لأننا نحن لم نكن نقدر أن نصعد إلى الله القدوس.

ولذلك فإن الروح التى تنمو فى الشركة مع الله وتعتمد على معونته تطلب منه دائماً أن يأتى اليها ويتحد بها.

وأجابة هذه الطلبة نراها فى أشعياء النبى.

«حينئذ تدعو فيجيب الرب. تستغيث فيقول هانذا» (أش 58: 9).

وحين تصلى العروس فأنه يسمع توسلها ويحضر ويحل فى قلبها.

«تأوه الودعاء قد سمعت يا رب. تثبت قلوبهم تميل أذنك» (مز 10: 17).

وهكذا يأتى العريس إلى جنته حيث تهب ريح الجنوب (284). ويقطف الثمار النفيسة التى هى فضائل النفس. ثم يحتفل بها ويقول الآيات التاليه.

42 - السكر الروحى:

«قد دخلت جنتى يا أختى العروس. قطفت مرى مع طيبى. أكلت شهدى مع عسلى. شربت خمرى مع لبنى. كلوا أيها الاصحاب اشربوا واسكروا أيها الأحباء» (1كو 11: 29).

لا يوجد أى تعارض بين هذا النص كلوا واشربوا وبين وصية الرب بالصوم والزهد فى الطعام والشراب لأن الطعام والشراب هنا روحى وليس مادى، والسكر هنا روحى وليس بالخمر، والنشوة هنا هى نشوة الروح وليست نشوة السكر لأن المزمور يقول.

«يروون من دسم بيتك ومن نهر نعمتك تسقيهم» (مز 36: 8).

وهنا يتحدث داود النبى عن السكر الروحى بالجمال الالهى الذى يفوق كل تصور، حتى أنه قال أن كل من يحاول أن يصف هذا الجمال الالهى لن يقدر وسيصير كاذباً.

«أنا قلت فى حيرتى كل أنسان كاذب» (مز 116: 11).

وقد يتهمنا البعض بالخلل العقلى وهذا ما قاله بولس الرسول.

«إن صرنا مختلين فلله أو كنا عاقلين فلكم» (2كو 5: 13).

وقال هذه الكلمات لفستوس الوالى.

«لست أهذى أيها العزيز فستوس بل أنطق بكلمات الصدق والصحو» (اع 26: 25).

وقد اختبر بطرس الرسول أيضاً هذا السكر الروحى خلال الجوع والعطش لأنه قبل أن يأتى اليه الطعام كان جوعان [(290)] ولقد إختبر ذلك الأكل الروحى حين رأى الملاءة المدلاه من الأربعة أركان وبها أنواع متعدده من الطيور والدواب والزحافات وكل أنواع الحيوانات المختلفة وفقاً لكل العبادات المختلفة. ولقد أمر الله بطرس الرسول أن يذبح ويأكل من كل الأنواع. لأن كل الأنواع صارت صالحة للأكل وهذا معناه أن رسالة الخلاص حين تصل ألينا ونستقبلها بطهارة كأنها صوت الله فأننا نخلص لأن ما طهره الله لا ينجسه انسان[(291)]. وهذه الرسالة أعطيت ثلاثة مرات وهذا معناه أن الصوت الأول لله الذى يطهر والثانى لله الابن الذى يظهر والثالث هو صوت الروح القدس الذى يطهر كل نجس.

هذا هو السكر الروحى الذى أعده الله كمائدة لأصحابه. وخلال هذه المائدة الروحية التى ترمز للتناول تأتى النشوة الروحية. والله يحث أولئك القريبين اليه بممارسة حياة الفضيلة حين يقول لهم.

«كلوا أيها الأصحاب واشربوا واسكروا أيها الأحباء» (1كو 11: 29).

ولكن يجب أن نلاحظ أن الذى يأكل ويشرب بدون استحقاق يأخذ دينونة لنفسه (292).

وبالحق إن الرب دعاهم أخوته لأنهم يصنعون مشيئة، ولذلك هم مستحقون لذلك الطعام.

«لأن من يصنع مشيئة الله هو اخى وأختى وأمى» (نش 5: 2).

43 - النائمة المستيقظة:

"أنا نائمة وقلبى مستيقظ" [(294)].

دائماً ما يأتى النوم عقب السكر، أما هنا فإن الأكلين يأتون إلى الصحة الجيدة إذ يعطى لهم وقت لهضم ما أكلوه. ولكن العروس بعد الأكل غلبت من النوم، ولكن هو نوم غريب من نوعه لأنه يختلف عن النوم العادى الطبيعى، لأن النائم العادى يكون غير واع لأى شئ، والذى هو مستيقظ وواع لا ينام. لأن النوم واليقظة امران مختلفان بعضهما عن بعض، ولكن هنا نحن نجد اتحاداً لشيئين متناقضين على التمام، لأن العروس تقول.

«أنا نائمة وقلبى مستيقظ» (نش 5: 2).

ولكن أى معنى يمكن أن نتعلمه من هذه الكلمات.

فى النوم يتوقف عمل الحواس ولا يكون هناك أى انتباه جسدى فى النظر والسمع والشم والذوق واللمس ولا يمكن أن يوجد أى اهتمامات جسدية أثناء النوم حيث يهدأ الغضب ويستريح الانسان من الاجهاد ولا يمكن أن يكون هناك أى ارتكاب لأى خطية أثناء النوم ولذلك حين تقول العروس أنا نائمة أى أنها تقدمت أكثر من قبل لأنها صارت تحيا بدون أى اهتمام جسدى. لأنه كما قلنا أن النظر يتوقف اثناء النوم والمعنى هو أن النفس قد احتقرت الأشياء العالمية وكأنها قد امتلكت عينين مثل الأطفال فى نقاوتها. وأنا لا أقصد احتقار الأشياء المادية فقط مثل الذهب والفضة والجواهر التى تسبب شهوة العيون[(295)] لكن أيضاً نترك حتى الاهتمام بالظواهر الفلكية الأخرى مثل الكواكب ومدار الشمس وتغير وجه القمر، وأى شئ آخر يعطى بهجة للعيون، لأن لا شئ من هذه الأشياء سوف يبقى للأبد لأنها سوف تفنى وتتلاشى بعد مدة من الزمن. وحين نتأمل فى البر الحقيقى فاننا نحتقر هذه الأشياء، وهكذا فأن عينى الجسد تنام، وكل شئ تراه العين لا يعود يجذب الروح لأنها أصبحت تنظر فقط إلى الأشياء التى تفوق كل ما هو مرئى.

وهكذا أيضاً بالنسبة لحاسة السمع أصبحت فى حالة موت ولا تعمل لأن الروح أصبحت مستغرقة فى الأشياء التى لا يعبر عنها بالكلام. وأصبحت الروح تبتعد بالتمام عن الخضوع للحواس الحيوانية كما لو كانت هذه الحواس تمثل الرائحة العطنة الفاسدة. وهكذا بخصوص حاسة الشم التى تستمتع بالروائح والعطور وحاسة الذوق التى هى العبودية للبطن وأيضاً تتحرك الروح من الاستعباد لحاسة اللمس لأن حاسة اللمس جعلت فقط لأولئك الذين لا يبصرون.

وهكذا فإنه حين يتوقف عمل الحواس الجسدية أثناء النوم فإن القلب يصيرنقياً وعندئذ يستطيع أن يرتفع إلى السماء ولا ينشغل ولا يضطرب بالحواس والشهوات الجسدية.

إن الأنسان يتمتع بنوعين من الحواس أولهما روحى بدون شهوات والثانى جسدى ينبع من الشهوات والانسان بارادته الحرة يختار واحداً من الاثنين، واذا ما نحن خضعنا للحواس وانجذبنا للشهوات الجسدية فاننا سنقضى أبديتنا دون أن نذوق البهجة السمائية لأننا سوف نحرم حينئذ من الأشياء العلوية بسبب انغماسنا فى الأشياء السفلية. أما أولئك الذين يميلون بقلوبهم إلى الله ولا ينشغلون بأى شئ آخر فانهم سوف يحتقرون كل الملذات الأخرى التى تأتى اليهم عن طريق الحواس. وهنا تستمتع الروح بسر وجود الله فينا وحين نهيئ أنفسنا للنوم (الراحة) فإن كل الانفعالات تستعمل رؤية الله فى يقظة الهية بالحواس النقية الخالية من الاهتمام بالشهوات الجسدية.

44 - السهر الملائكى:

لقد أعطى الرب لتلاميذه عدة وصايا يصلون خلالها إلى التجرد من الأمور المادية التى هى مثل الطين حتى يعدهم للمسير والصعود. واحدى هذه الوصايا هى السهر والتغلب على النوم، ولذلك أوصاهم أن يكونوا دائماً يقظين فى الروح وأن يتركوا النعاس والكسل اللذين يخدعان الروح ويبددان الحق.

والنعاس والكسل يرمزان إلى الخيالات والانغماس الجسدى فى العالم، وأنا اعنى بالعالم الحياة العامة والمال والمظاهر الخادعة والمسرات الكاذبة ومحبة الشهوة والكرامة والملذات العالمية الخادعة الباطلة، لأن كل هذه الأشياء سوف تفنى وتزول مع الزمن وهى مجرد ظل فقط ولن تدوم كما نظن نحن، لأنها لن تبقى للأبد كما نفكر نحن، فهى سوف تمر وتعبر بعد ظهورها مباشرة فهى تشبه الموج الذى يرتفع فوق المياه ولكن فى لحظة سريعة يتلاشى بفعل الريح وينزل إلى لا شئ لذلك فإن عظمة المجد العالمى لن تبقى وتدوم وستصير مثل الأمواج التى تتلاشى وتصير كلا شئ بفعل العواصف والرياح وعندئذ يهدأ البحر ويصير ساكناً ولذلك يجب أن ألا ينشغل عقلنا بتلك الخديعات، ويجب أن نتخلى عن ذلك النعاس، وننزعه من عيوننا ومن ارواحنا لئلا ننجذب لهذه الخديعات وتنزلق من الأشياء الالهية الحقيقية. ولذلك يدعونا الرب أن نسهر قائلاً.

«لتكن أحقاؤكم ممنطقة وسرجكم موقدة... طوبى لأولئك العبيد الذين إذا جاء سيدهم يجدهم ساهرين» (لو 12: 35 و37).

لأن النور حين يسطع فى عيوننا فأنه يبدد النوم، والجسد يسهر حين نمنطق حقوينا ولا نغلب من النوم. وهذا الدرس واضح وهو أن الانسان الذى يمنطق نفسه بضبط النفس فأنه يحيا فى نور ونقاوة الضمير وسوف تشرق حياته بمصباح المحبة، لهذا فأنه تحت أشعة الحق سوف تستيقظ روحه ولا تنام أو تخدع أو ترتبك بتلك الأشياء العالمية الزائلة. واذا ما نحن اكملنا وصية السهر كما يوجهنا الرب يسوع المسيح عندئذ سوف نسلك فى الحياة الملائكية. لأن الوصية الالهية تشبهنا دائماً بالملائكة.

« وأنتم مثل أناس ينتظرون سيدهم متى يرجع من العرس حتى إذا جاء وقرع يفتحون له الوقت» (لو 12: 36).

أنهم الملائكة الذين استقبلوا الرب حين رجع من عرس الصليب وهم ظلوا ساهرين منتظرين أمام بوابات السماء. وحين قام العريس ورجع إلى عرش مجده الذى هو فوق كل الأمجاد استقبلته الملائكة عندئذ. ووفقاً للمزمور الذى يقول.

« وهى مثل العروس الخارج من حجلته» (مز 19: 5).

أى أن الرب يسوع المسيح قد خطبنا لنفسه عن طريق سر المعمودية المقدس. نحن العروس التى ارتكبت الزنا بسلوكنا خلف الأوثان كما عبر عن ذلك حزقيال النبى.

«لأنهما قد زنتا وفى ايديهما دم وزنتا بأصنامها» (حز 23: 37).

الا أن العريس يحول طبيعتنا الخاطئة ويمنحنا البتولية غير الفاسدة. والآن قد كمل طقس الزواج وتم زفاف الكنيسة للمسيح الكلمة كما يقول يوحنا الرسول.

«من له العروس فهو العريس» (يو 3: 9).

وقد دخلت الكنيسة فى سر الزفاف والعرس كان فوق الصليب والملائكة انتظروا رجوع ملكهم (صعود المسيح) وهو الآن يقود الكنيسة إلى تلك البركة التى تناسب مكانتها.

نحن أيضاً يجب أن نكون مثل الملائكة ونصير مثلهم بلا خطية ولا تجربة وهم ساهرون دائماً منتظرين جوع ملكهم. ونحن يجب أن نكون دائماً مستعدين لدعوته لنا للانطلاق من هذا العالم ونظل يقظين حتى يأتى المجئ الثانى، ويقول.

«طوبى لأولئك العبيد الذين إذا جاء سيدهم يجدهم ساهرين» (لو 12: 35 و37).

45 - الماء المتدفق:

إن الذين يتبعون الرب يسيرون فى طريق بلا حدود. ولكن كيف تعمل النعمة فى أولئك الذين يصعدون دائماً للدرجات العليا؟ من الكلمات التى أعطيت للعروس فإننا ندرك أنها وصلت إلى درجات عليا من العلو، ولكن بعد وصولها إلى ذلك الكمال ماذا ترجو تلك النفس أن تحصل؟

أنها تدرك أنها ما زالت بعد فى الداخل إذ يقول لها العريس.

«أفتحى لى» (نش 5: 2).

أى أنها لم تخرج بعد من الأبواب ولم تستمع بعد بتلك الرؤيا وجهاً لوجه وأنها ما زالت تتقدم فى كمالها فى البر خلال سماعها صوت العريس.

والدرس الذى نتعلمه هو التقدم الدائم للأشياء الروحية وفقاً لقول الرسول بولس.

«أن كان أحد يظن أنه يعرف شيئاً فأنه لم يعرف شيئاً بعد كما يجب أن يعرف» (1كو 8: 2).

لأن ما لم تفهمه الروح هو غير محدود بالمقارنة بما تكون قد فهمته وهذا هو السبب فى أن العريس رغم أنه كشف نفسه للعروس الا أنها لم تره مباشرة وهو ما زال يؤكد وجوده للعروس عن طريق صوته ولكنها لم تر شخصه بعد ولكى نوضح تلك الفكرة فاننى سوف اشرحها بالمقارنة، لأننا حين نرى النهر الذى.

«يخرج من عدم ليسقى الجنة ومن هناك ينقسم فيصير أربعة رؤوس» (تك 2: 10).

فاننا نقترب من النهر فنمتلئ عجباً لأن الماء لا نهاية له لأنه يتدفق وينسكب على كل الأرض ولا يمكن أن نرى كل الماء لأننا كيف نستطيع أن نرى ما هو فى عمق الأرض، وما يمكن أن نراه من الماء هو عبارة عن جزء صغير فقط من الكل لأن الماء لا يكف عن التدفق بلا حدود.

وهكذا أيضاً مع الانسان الذى يثبت نظره على جمال الله غير المحدود فإن كل ما نكتشفه يصير جديداً وغريباً إذا ما قورن بما فهمه العقل من قبل. وكما أن الله لا يكف عن الكشف عن نفسه فإن الانسان لا يكف أيضاً عن التعجب لما يرى ويدرك ولن يكف عن الجهاد ليرى أكثر لأن ما يتوقعه هو أعظم بكثير مما يكون قد سبقه ورآه. وهكذا فإن عروس النشيد فى حالة تعجب ودهش على ما رأته ولم تضع حداً أو نهاية لشوقها من أن ترى أكثر.

46 - ندى الليل:

«أفتحى لى يا أختى يا حبيبتى يا حمامتى يا كاملتى لأن رأسى امتلأ من الطل (الندى) وقصصى (شعر رأسى) من ندى الليل» (نش 5: 2).

لكى نفهم هذا النص علينا أن نرجع إلى حياة موسى النبى، لأن رؤية موسى لله قد بدأت بالنور (305) ثم تحدث الله معه بعد ذلك فى السحاب (305) ولكن حين تقدم موسى بعد ذلك فى حياة الكمال أى الله فى الظلام (306).

وما نتعمله هنا هو أن بداية معرفتنا لله هو تحولنا من الظلمة إلى النور ثم بعد ذلك نقترب إلى الأشياء المختفيةعنا حيث تسير الحواس من العالم المنظور إلى العالم غير المنظور وهذا الصعود إلى أعلى هوالسحاب الذى يظللنا وحين تتعود النفس النظر إلى الأشياء غير المنظورة فإنها سوف تصنع تقدماً وتصعد إلى أعلى وتترك كل الطبيعة البشرية خلفها وتدخل إلى أسرار المعرفة الالهية وتقطع من كل ناحية كل ظلمة وتترك خلفها كل ما يمكن أن تعرفه أو تدركه خلال الحواس وتتمسك فقط بغير المنظور وغير المدرك حيث يوجد الله (305) لأن موسى ذهب إلى السحاب المظلم حيث يوجد الله.

والآن نريد أن نربط النص الذى فى سفر النشيد بما هو خاص بموسى النبى. العروس سبق أن كانت سوداء[] (307) وحين كانت مظلمة بالتعاليم الغامضة ولكن أشرقت عليها الشمس وادفأت البذور ونما الزرع وزالت التجارب وانتصرت النفس بتلك القوة التى أخذتها ولكنها لم تستطع أن تمسك بالكرمة[] (308) لأنها لم تفهم ذاتها لذلك سارت خلف قطيع الماعز بدلاً من الخراف. ولكن حين أنفصلت عن الخطية وخلال القبلة الزوجية اقترب فمها من مصدر النور[] (309) وأصبحت جميلة ومتسمة بالحب والسعادة ومتوهجة بنور الحق وتطهرت من ظلام الجهل.

ثم شبهت بالحصان لسرعة تقدمها (310) وشبهت بالحمامة لذكاء عقلها. إنها مثل الفرس لأنها جرت وتركت كل ادراكات الحواس والعقل، وعلت وحلقت مثل الحمامة حتى جاءت لكى تستريح تحت ظل شجرة التفاح (311) وأصبح يظللها شجر التفاح بدلاً من السحاب. ثم تأتى إلى ظلام الليل (312) حيث يقترب اليها عريسها ولكن دون أن يكشف لها ذاته. ولكن كيف يستطيع غير المنظور أن يكشف ذاته فى الظلام؟ ذلك لأنه سوف يعطى العروس حواساً روحية من عنده بينما هو يخلصها من سلطان الحواس ولكنه يظل مختفياً عنها. ولكن ما هو اختبار تلك النفس فى الليل؟ إن العريس الكلمة بلمس الباب (313) وعن طريق الباب هنا نستطيع أن نفهم بحث الانسان عن الأمور الروحية المختلفة وخلال معرفته بشوقنا عما نسأله فأنه يدخل الينا. لأن الحق يقف خارج باب أنفسنا لأننا ما زلنا نعرف بعض المعرفة كما يقول بولس الرسول.

«الآن بعض المعرفة لكن حينئذ سأعرف كما عرفت» (1كو 13: 12).

ثم يقرع العريس على الباب بسر ورمز ويقول "أفتحى" وعن طريق رسالته التى بحثنا فيها فأنه يقترح علينا كيف تفتح الباب، أنه يعطينا مفاتيح محددة هى الكلمات الجميلة التى فى هذا النص والتى بها نستطيع أن نفتح القفل.

والمفاتيح التى بها تستطيع أن تفتح الأسرار هى تلك الكلمات، اختى حبيبتى. كاملتى. واذا فتحت الأبواب التى فى أنفسنا عندئذ سوف يدخل الينا ملك المجد (315) وكأن العريس يقول لها يجب أن تصيرى أختى بأن تكملى مشيئتى فى نفسك وفقاً لنص الانجيل المقدس فإن.

«من يصنع مشيئة أبى الذى فى السموات هو أخى وأختى» (مت 12: 50).

ثم يجب أن تقترب النفس من الحق وتحبه ولا شئ يفصلنا عنه حتى تصير حبيبته. ثم يجب أن تسلك فى الكمال وتصير مثل الحمامة فى الطهارة والبراءة ولا تسقط فى أى نجاسة.

وإذا أخذت الروح هذه المفاتيح وصارت أختاً وعروساً وحبيبة وحمامة وكاملة فإن المكافأة فى استقبال العريس ودخوله إلى بيتها هو الندى الذى فوق رأسه وقطرات الندى التى فوق شعره. وهنا الندى رمز للشفاء أما قطرات الندى الساقطة من شعر رأسه فهى ترمز إلى البركات التى تأتى الينا من خلال القديسين، لأن قصص الشعر تشير إلى الأنبياء والرسل والانجيليين لأن كل هؤلاء أصبحوا مثل الأنهار فهم يجلبون لنا المياه من الكنوز المخفية خلال التعاليم العميقة وتصير هذه التعاليم كأنها مجرد نقطة من الندى إذا ما قورنت بالحق كله. بولس الرسول كان مجرد نهر وهو صعد إلى الفردوس إلى السماء الثالثة إلى تلك الأسرار التى لا ينطق بها ولكن كل ما أستطاع بولس الرسول أن ينطق به ببراعته وبلاغته هو مجرد نقطة من الندى وكأنه لم ينطق بأى شئ إذا ما قورن بالحق الذى هو المسيح الكلمة ولذلك يقول "الآن اعرف بعض المعرفة إن كان أحد يظن أنه يعرف شيئاً فأنه لم يعرف شيئاً بعد كما يجب أن يعرف (317) والآن إذا كان مجرد الندى والقطرات التى تتساقط من شعره اشبه بالانهار والبحار والفيضانات اذا ما قورنت بقدراتنا فكم وكم يكون تفكيرنا فى نبع الماء نفسه لأنه يقول.

«إن عطش أحد فليقبل إلى ويشرب» (يو 7: 37).

وكل الذين ينصتون يجب أن يتعجبوا بالمقارنة بين قطرات الندى التى تصنع أنهار وما يمكن أن يصنعه ذلك النهر الكبير الذى بلا حدود الذى هو المسيح.

47 - ثياب الجسد:

"قد خلعت ثوبى فكيف البسه" [(319)].

بعد أن سمعت العروس عريسها يقول لها يا أختى يا حمامتى يا جميلتى ويا كاملتى وعندئذ صارت العروس الواحدة الكاملة ولذلك أتى الحق ودخل فيها ولذلك سلكت حسب الوصية ونزعت ثوبها الجلدى الذى كانت قد لبسته بعد أرتكاب الخطية حيث.

«صنع الرب الأله لآدم وامرأته أقمصه من جلد والبسهما» (تك 3: 21).

ثم غلست العروس رجليها من التراب الذى التصق بها من جراء وجودها فى الأرض بعد طردها من الفردوس كما قيل لها.

«لأنك تراب وإلى تراب تعود» (تك 3: 19).

وفى هذا الطريق فإن العروس تفتح لعريسها لكى تزيل الحاجز الذى كان فوق قلبها الذى هو الجسد. وحينما نتحدث عن الجسد هنا فاننا نقصد الانسان العتيق الذى يدعونا بولس الرسول أن نخلعه ونتخلى عنه.

«إذ خلعتم الأنسان العتيق مع أعماله» (كو 3: 9).

وهذا معناه أن العروس قد غسلت ما علق فى أرجلها من التراب فى نهر العريس الكلمة. وعندئذ بعد خلع الانسان العتيق ونزع الحاجز الذى فوق القلب فانها تفتح الباب للمسيح الكلمة، وحين يدخل تخلع العروس ثوبها الذى هو الانسان العتيق وتلبس الجديد فى القداسة والبر كما يقول الرسول بولس.

«أن تخلعوا من جهة التصرف السابق الانسان العتيق الفاسد بحسب شهوات الغرور وتتجددوا بروح ذهنكم وتلبسوا الانسان الجديد المخلوق بحسب الله فى البر وقداسة الحق» (أف 4: 22 - 24).

وهذا الثوب الجديد الذى نلبسه هو المسيح يسوع ربنا.

والآن تخبرنا العروس أنها لن تلبس ثانية الملابس التى خلعتها من قبل وهى الآن قانعة بثوب واحد فقط كما قال المسيح له المجد للرسل أن لا يكون للواحد ثوبين[] (324) والمعنى هو أن الثوب الروحى الذى نرتديه بعد الولادة الثانية فى المعمودية يجب أن نكتفى به فقط ولا نلبس فوقه ثوب الخطية لأننا لا نحتمل أن نلبس ثوبين فوق بعض أحدهما ثوب الروح الذى هو النور والثانى الظلمة الذى هو الخطية.

والانجيل لا يمنعنا فقط أن نمتلك ثوبين بل أيضاً يحذرنا أن نضع رقعة جديدة فوق الثوب القديم (325) وهذا معناه أن نمنع زيادة الشر الذى فينا لأن الرقعة لا تقدر أن تبقى وتثبت لأن الثوب القديم سوف يتمزق وعندئذ يصير حالة أردأ ويصعب اصلاحه حينئذ ولذلك يقول لنا الرب يسوع المسيح.

«ليس أحد يخيط رقعة من قطعة جديدة على ثوب عتيق وإلا فالملء الجديد يأخذ من العتيق فيصير الخق اردأ» (مر 2: 21).

وهذا معناه أن نوقف زيادة الشر الذى فينا ولذلك تقول العروس لقد خلعت ثوبى فكيف البسه. لأن الانسان الذى يرى نفسه يلبس الثوب الالهى المنير الذى هو الطهارة والنقاوة مثل الثوب الذى ظهر به الرب على جبل التجلى فأنه لن يسمح لنفسه قط أن يرتدى أى ثوب آخر ممزق وعتيق مثل ثوب الزانى والسكير.

48 - الاقدام النظيفة:

"قد غسلت رجلى فكيف أوسخهما" [(327)].

إن موسى النبى خلع نعل رجليه من جلد الحيوان الميت قبل أن يمشى على الأرض المقدسة المنيرة (328) ولم يلبس ذلك الحذاء مرة ثانية بعد أن سار على الأرض المقدسة، حين أوصاه الله أن يصنع ملابس الكهنة وفقاً لما رآه على الجبل، كانت تلك الملابس مصنوعة من الذهب والارجوان والكتان الأبيض ومن ألوان أخرى مثل الازرق والقرمز، ومن اندماج هذه الالوان كان يشع النور ويشرق ولكننا نلاحظ أنه لم يصمم أى شئ يلبس فى القدم. وكان الطقس أن رجلى الكاهن تكونان عاريتين تماماً أثناء الخدمة وكأن الكاهن يقف على أرض مقدسة ولذلك لم يصرح له أن يلبس فى قدميه أى جلد حيوانى. ولذلك قال السيد المسيح لتلاميذه أن لا يستعملوا الأحذية (329) (فى الخدمة) وقال لهم إلى طريق أمم لا تمضوا أى سيروا فى طريق القداسة فقط وطريق القداسة الذى يجب أن يسير فيه التلاميذ معروف لأن السيد المسيح قد قال لهم.

«أنا هو الطريق» (يو 14: 6).

وهذا معناه اننا لن نستطيع أن نسير فى طريق الرب ما لم نخلع الانسان العتيق.

هذا هو الطريق الذى تسير فيه العروس. والسيد المسيح قد غسل أقدام من يسير فى الطريق ونشفها بالمنشفة التى كان يأتزر به وهى ترمز إلى قدرة التطهير من الخطية.

«ليس الرب القدرة ائتزر بها» (مز 93: 1).

والعروس الآن تسير فى الطريق الالهى وتسلك بحذر ولا تنحرف يميناً أو يساراً لأنه لا تريد أن توسخ قدميها بالوحل لئلا تنحرف على أى ناحية من نواحى الطريق. لأن العروس قد خلعت حذاءها حين نالت المعمودية. لأن الشخص الذى يعتمد يجب أن يحل حذاءه ويخلعه ولذلك شهد يوحنا المعمدان عن يسوع المسيح أنه لم يوجد فيه أى خطية قط حين قال أنه لا يقدر أن يحل حذاءه لأنه كيف يقدر يوحنا أن يفك حذاء الحمل الذى بلا عيب.

على أى الأحوال فإن العروس قد غسلت قدميها بعد أن أزاحت كل الأتربة الأرضية من قدميها ثم حفظت رجليها نظيفتين بعد ذلك من الانحراف على جانبى الطريق. مثل داود حين وضع أقدامه على الصخرة بعد أن غسلها من الوحل وقال.

«اصعدنى من جب الهلاك من طين الحمأة وأقام على صخرة رجلى» (مز 40: 2).

والآن نحن نعرف أن المسيح له المجد هو الصخرة وهو النور والحق وعدم الفساد والبر وهو أيضاً الطريق المعد. والذى يسير فى هذا الطريق ولا ينحرف يميناً أو يساراً هو الذى يحفظ قدميه من التطلخ بمسرات وملذات العالم.

هذه هى الوسائل التى بها تفتح العروس الباب للمسيح الكلمة حين تعلن توبتها وأنها لن تتسخ ثانية بذلك الوحل الذى طرحته جانباً حين اتسخت به خلال رحلتها فى هذا العالم. ووعدها له بأنها لن ترتكب أى نجاسة. وهذا هو بداية تقديس الروح. والرب يسوع المسيح هو الذى يقدسنا.

49 - المر الذى يرمز للتوبة:

«قمت لافتح لحبيبى ويداى تقطران مراً وأصابعى مر قاطر على مقبض القفل» (نش 5: 5).

..

بعد أن خطب المسيح الكلمة أرواحنا لنفسه بأن قدسها ونقلها إلى حالة عدم الفساد أصبح من المستحيل أن يدخل المسيح الينا الا إذا روضنا أجسادنا وحطمنا سلطان الجسد علينا وعندئذ نستطيع أن نفتح الباب للكلمة فيدخل الينا ولذلك تقول العروس "قمت لافتح لحبيبى" وهذا ما فعلته ويداها تقطران مراً وأصابعها عليها أيضاً من ذلك المر وهذا معناه أنه دفنت بالمعمودية ثم قامت ثانية لأن القيامة لا قيمة لها إن لم يسبقها الموت الارادى والدليل على ان الموت كان ارادياً هو وجود قطرات المر على يديها. وأصابعها مملوءة بتلك الأطياب المر الذى فى يديها لم يأت اليها من أى مصدر خارجى لأن المر الذى فى اليد يشير إلى العمل الارادى للانسان وهذا يشير إلى ضبط الانسان لارادته والأصابع تشير إلى كل أنواع العمل والنشاط للفضيلة.

والمعنى الكامل للنص هو أن العروس تقول. أنا أخذت قوة القيامة بعد موت أعضائى الجسدية التى على الأرض. وقمع جسدى قد مارسته بارادتى، والمر لم يضعه لى أى أحد آخر ولكنى وضعته بارادتى والاصابع تشير إلى السلوك فى الفضائل المختلفة. وإمتلاء كل الأصابع بالمر يشير إلى ممارسة الفضيلة والتغلب على كل الشهوات لأن كثيرين قد تغلبوا على شهوات الجسد بينما انهزموا لشهوات أخرى مثل الكبرياء ومحبة القنية والغضب وشهوة ما للغير ومحبة المديح ومحبة العالم فاذا وجدت أى من هذه الشهوات فى الانسان فإن أصابعه لن تمتلئ بالمر لأن قمع الجسد لم يشمل كل حياة الانسان بعد. ولكن اذا امتلأت كل اصابعنا بالمر فأننا نستطيع أن نقوم ونفتح للعريس وهذا ما قاله بولس الرسول.

«الذى تزرعه لا يحيا أن لم يمت» (اكو 15: 36).

وهو يشير بذلك إلى عمل الكنيسة فى الأنسان أنه يجب ان يذوق الموت أولاً (خلال أسرار الكنيسة) قبل أن تكون له حياة مع المسيح.

إن طبيعتنا مكونة من عنصرين أولهما روحى مضئ خفيف والثانى مظلم كثيف نارى. وكل جزء له انفعالاته الخاصة التى تختلف عن الأخرى وحركة العنصر الروحى الفعلى الخفيف تكون دائماً لأعلى بينما حركة الجزء المادى الثقيل تكون دائماً لأسفل ولا يمكن لاى حركة أن تكمل وتقوى ما لم تقل وتضعف حركة الجزء الآخر. وبين هاتين الحركتين تقف امكانياتنا فى ضبط النفس. والأرادة الحرة هى التى تجعل العنصر الضعيف قوياً أو العنصر القوى ضعيفاً. وبارادتنا أيضاً نستطيع أن نجعل أحد العنصرين ينتصر على الأخر أو العكس وهكذا فاننا نرى الرب يسوع المسيح فى الانجيل يمدح الوكيل الأمين على يقظته وايمانه لأنه بارادته الحرة استعد لمجئ سيده فكان نصيبه هو الطوبى والفرح والدخول للعرس أما ذلك العبد الشرير الذى اهتم فقط بضرب العبيد رفقائه وبالأكل والشرب فأن نصيبه هو البكاء وصرير الاسنان (335) والفضيلة دائماً تقف لتمنع إزدهار الرذيلة لذلك يجب أن نماس قول داود النبى.

«باكراً ابيد جميع اشرار الأرض لأقطع من مدينة الرب كل فاعلى الاثم» (مز 101: 8).

والمدينة هى النفس والمعنى هو ان نطرد من نفوسنا كل الافكار الشريرة وعندئذ تحيا فينا الميول الطيبة وبولس الرسول أيضاً كان يحمل فى الجسد اماتة الرب يسوع وكان يتقوى فى الضعف وكان غنياً فى فقره ويحيا حين يموت ويقوى حين يضعف (337) ولكن نعود إلى موضوعنا الرئيسى هو أن الروح سوف تحيا خلال موتها وإذا لم تمت فهى سوف تبقى منفصله عن الحياه لأنه بالموت تدون الموت وتحيا وهذا هو معنى النص أنها قامت لتفتح ويداها واصابعها مملوءتان بالمر. لأن المر يرمز إلى الموت ولكن ما هو معنى أن الموت يقيمنا من الموت وتفسير ذلك ما خلقه الله فى سفر التكوين كان حسناً (338) وبين هذه المخلوقات كان الانسان أكثر جمالاً من كل المخلوقات قيل عنه أنه كان حسناً جداً. وكان الأنسان متسلطاً على كل الخليقة ولم يكن للموت مكان فى الانسان لأنه كان يتمتع بالخلود والأبدية (صورة الله) وكان جميلاً حقاً ومشرقاً بنور الحياة. وعاش الانسان فى فردوس الله متمتعاً بالأشجار الوفيرة. وكانت وصية الله هى قانون الحياة وإذا نفذها آدم فهو لن يموت. وكان فى وسط الفردوس شجرة الحياة وكانت ثمارها حياة لمن يأكلها. وكانت توجد شجرة أخرى هى شجرة الموت أو شجرة معرفة الخير والشر وكانت ثمارها تحمل الخير والشر والحلو والردئ وكان من المستحيل أن تكون الشجتان فى الوسط، ولما كانت شجرة الحياة هى التى فى الوسط فيلزم ألا تكون الشجرة الأخرى فى الوسط أيضاً لأنه لا يوجد سوى مركز واحد فى الدائرة الواحدة. ولكن إذا أخذنا دائرة أخرى بعيدة عن الدائرة الأولى ومختلفة عنها فأننا نستطيع أن نجد مركزاً أخراً. نقول هذا لأنه قيل أن كلا الشجرتين كانتا فى الوسط (339) وكان كل منها له حدود مختلفة عن الآخرى، فى أحدهما قوة الحياة وفى الثانية ثمار الموت التى قال عنها بولس الرسول.

«أجرة الخطية هى موت» (رو 6: 23).

ولكن يجب أن نعلم أن فى وسط أشجار الفردوس كانت توجد شجرة الحياة أى أن هذه الشجرة هى مركز حياة الأشجار الأخرى التى كانت فى الجنة أما الموت فلم يزرع قط وليس له مكان مخصص ولكن هو يوجد فقط فى حالة عدم وجود حياة فى أحد الأماكن.

ومعنى هذا أن الحياة كانت فى وسط الأشجار التى أوجدها الله والموت وجد حيث توقفت الحياة وشجرة الموت كان ثمارها خليطاً بين المضادات لأنها تحمل الخير والشر لأن الشيطان بمكر وخديعة يوهمنا أن بعض الشرور هى خير وهذه هى اللذة التى تسبق أى شئ. وكل خطية لها علاقة باللذة دائماً مثل خطية الزنا او الغضب. وهذا هو الحكم الخاطئ للذين يتركون الخير من أجل اللذة ثم يكتشفون بعد ذلك أن الشر هو مرارة كما قال سفر الأمثال.

«لأن شفتى المرأة الأجنبية تقطران عسلاً وحنكها انعم من الزيت لكن عاقبتها مرة كالافسنتين حادة كسيف ذى حدين» (أم 5: 3 - 4).

وحين أكل الانسان من شجرة الموت الخادعة هذه انفصل عن كل الأشياء الجيدة وعن طريق عصيانه امتلأ من كل ثمار الخطية التى هى الفساد ونزل إلى مستوى الحيوانات غير الناطقة واختلط الموت مع طبيعته ونزل الفساد إلى كل ذريته وعندئذ سقط من الحياة وحرم منها لأنه انحرف عن الله، ولا يمكن للأنسان أن يعيش فى وسط تلك الحياتين، لأنه إما أن يحب الواحدة ويحتقر الاخرى أو العكس. وحين يموت الانسان عن تلك الحياه الجسدية المائته فأنه سوف يرجع إلى الحياة الأبدية وهذا معناه أننا لن ندخل إلى حياة الطوبى والسعادة الأبدية ما لم نمت عن الخطية. ولذلك فأن الوحى الالهى يقول بأن كلا الشجرتين كانتا فى الوسط، لأن احداهما هى الموجودة بالحق أما الثانية فهى توجد فقط حين نحرم من الأولى ونفتقدها. لأن دائرة الموت والحياة تأتى من الأشتاك أو الحرمان من الموت أو فى الحياة، لأن الذى يموت عن البر فأنه يحيا للخطية، والذى يموت عن الخطية فأنه يحيا للفضيلة والبر. وبالحق فأن العروس ملأت يديها من المر وهى قامت من موتها عن الخطية لتفتح الباب للعريس الكلمة، والكلمة الذى فتحت له واستقبلت هو الحياة.

فالروح التى تنظر نحو الله قد أرتفعت وصعدت فى ذلك الطريق ولكنها تحس أنها لم تأخذ شيئاً كما يقول الرسلو بولس لأن أمامها الكثير لكى تعرف[(342)] وهى لم تحسب نفسها أنها قد أدركت شيئاً ولكنها تظل تواظب الصعود ناسية الأشياء التى أخذتها من قبل[(343)].

50 - أبواب الروح:

"فتحت لحبيبى" [(344)].

نحن هنا نتعلم من عروس النشيد أن الطريق الوحيد لكى ندرك تلك القوة التى تفوق كل فهم هو أن لا نكف عن التفكير والتأمل فى شخص الله ولكن علينا أن نتحرك باستمرار للأمام ولا نقف عن الحق الذى ادركناه.

عروس النشيد بالمر تشير إلى الموت عن الخطية فى كل أعمال الحياة الحاضرة، وتعلن إرادتها الحرة فى الفضيلة بحقيقة المر الذى يقطر من أصابعها تلقائياً. ولكن حين قامت لتفتح ولمست مقبض القفل فهى أعلنت أن أعمالها الحسنة جعلتها تقترب من الكمال وهو الوصول إلى الباب الضيق. وهذا المفتاح يشير إلى ذاك الذى أعطاه الرب يسوع المسيح لبطرس وجماعة التلاميذ ويشير إلى فتح باب الملكوت بيديها، وهى تعلن أعماله الحسنة عن طريق مفتاح الايمان هذا ولذلك فأن الأمر يحتاج إلى كل من الايمان والأعمال ولكن حين أرادت عروس النشيد أن تصنع مثل موسى وأن ترى وجه الملك ويصير العريس لها مرئياً عندئذ.

«تحول وعبر» (نش 5: 6).

ولم تعد تستطيع أن تدركه ولذلك قالت أن حبيبى تحول وعبر وهذا التحول والعبور ليس لكى تقيم العروس عنده ولكن لرجوع النفس اليه ولذلك تقول.

«نفسى خرجت عندما ادبر» (نش 5: 6).

ما هو هذا الخروج وهذا الرحيل أذن؟ عندما تخرج الروح لكى تتبع ربها فأنه يحفظها كما يقول المزمور.

«الرب يحفظ خروجك ودخولك» (مز 121: 8).

ومعنى هذا أن تبعيه الرب هو خروج من تبعية هذا العالم والخروج من هذا العالم هو دخول إلى العالم الآخر. هذا الخروج الذى تتمتع به النفس وفقاً لقول الرب.

«أنا هو الباب إن دخل بى أحد فيخلص ويدخل ويخرج» (يو 10: 9).

والنفس لا تكف عن الخروج والدخول، وستكون راحتها الوحيدة هو فى استمرار الدخول بتقدمها أكثر من قبل وخروجها من الحالة التى كانت عليها إلى حالة أكثر مجداً وتقدماً. وبهذه الطريقة رأى موسى وجه الرب لأنه سار وتقدم من الحالة التى كانت عليها إلى حالة جديدة أقوى فى تبعية الرب.

وكل من يتقدم فى الصعود مثل موسى النبى وينسى ما يكون قد ادركه من قبل فأنه لن يكف عن النمو فى الكمال. وهذا ما حدث مع موسى النبى حين حسب عار المسيح غنى أفضل من خزائن مصر وادرك أن الله أعظم بكثير من فرعون وكل مملكته. وفضل موسى أن يذل مع شعب الله من أن يكون له تمتع وقتى بالخطية وعاش موسى النبى فى الصحراب بعيداً عن الشر وعندئذ رأى النور حين أبصر العليقة المشتعلة بالنار ثم خلع من رجليه الحذاء الجلدى وحطم حية المصريين بعصاته. وقاد الشعب من سيطرة فرعون، وقاد الشعب فى خروجهم من أرض مصر بمعونة السحاب وعامود النور، وضرب البحر فشقه وغلب الطاغية وحول المياه من المرارة إلى الحلاوة وجعل الصخرة تخرج ماء، وأكل من طعام الملائكة وسمع صوت الأبواق وصعد على الجبل المشتعل ووصل القمة ودخل فى السحاب ودخل أيضاً فى الظلام ووجد الله وأخذ لوحى العهد وصار فى تقوى جعلت وجهه يلمع كالشمس، كيف يستطيع أى أحد أن يسرد ذلك النمو فى تلك الدرجات المختلفة التى جعلته يتمتع باعلانات الهية متعددة. كان موسى النبى عظيماً فى الفضيلة والنعمة وتقدم كثيراً فى الالهيات ولكن رغم هذا فقد كانت له رغبة وشوق أكثر فتوسل أن يرى الله وجهاً لوجه، واخبرنا الانجيل أنه كان يتكلم مع الله وجهاً لوجه مثل صديق مع صديقه، وتمتع بتلك الأحاديث الشيقة. ولكنه طلب أن يرى الله فوعده الله بذلك.

«فقال الرب لموسى هذا الأمر أيضاً الذى تكلمت عنه افعله، لأنك وجدت نعمة فى عينىّ وعرفتك باسمك» (خر 33: 17).

عندئذ جعله الله يقف على الصخرة ثم وضعه الله فى نقرة من الصخرة وستره بيديه حتى اجتاز ثم رفع الله يديه فنظر وراء الله أما وجهه فلم يبصره (349).

وقد عرفنا من قبل أن محبة الله والتبعية الدائمة له هى التى تجعلنا نراه. ورؤية الله هى التقدم غير المحدود فى تبعيته والسير المباشر خلفه. وهكذا أيضاً فى هذا النص حيث قامت عروس النشيد من الموت هى مملوءة بالمر ووضعت يديها على مقبض القفل واشتهت أن يدخل حبيبها اليها، ولكنه عبر فخرجت ولم تبق على حالتها ولكن اشتهت أن تلمس الكلمة الذى يقودها دائماً إلى الأمام.

51 - النقاوة الدائمة:

« وجدنى الحرس الطائف فى المدينة. ضربونى جرحونى. حفظة الأسود رفعوا ازارى (البرقع) عنى» (نش 5: 7).

ربما يظن البعض أن هذه الكلمات لها معنى الألم، ولكن حين نفهم الكلمات بدقة فاننا سوف ندرك أنها كلمات خارجة من مصدر الفرح والمجد، حيث يشير النص السابق أن العروس خلعت ملابسها.

«قد خلعت ثوبى فكيف البسه» (نش 5: 3).

وهنا تكميل النص حيث تقول العروس نزعوا ازارى والمقصود هو البرقع الذى يغطى الرأس والوجه وهذاما كانت رفقه تلبسه واخبرنا به الانجيل لأنه إذا كانت العروس قد خلعت ملابسها فكيف تقول الآن أنها تلبس البرقع الذى أخذه منها الحراس. من هنا نحن نفهم أن العروس قد صنعت تقدماً كبيراً إلى الدرجات العليا فى الكمال أكثر مما صنعت من قبل. لأنه بعد خلع الملابس العتيقة أصبحت أكثر نقاوة مما كانت من قبل ولكنها اكتشفت أن هناك طهارة أخرى يجب أن تحصل عليها وهذا ما قالته بأنه ما زال هناك شئ على رأسها يجب أن تخلعه. وهكذا أيضاً فى صعودنا نحو الله فإن كل قامة روحية نصل اليها يكشف لنا شيئاً ثميناً يجب أن نتنقى أكثر ونترك أشياء أخرى من حياتنا حتى نصل إلى تلك النقاوة الجديدة، وهذا هو الحارس الذى يحرس المدينة، والمدينة هى النفس، والذين يحرسون المدينة هى الذين ازاحوا عنها البرقع بضربها وجرحها. ويجب أن نعلم أن نزع هذا البرقع هو نوع من النعمة، لأن العين يجب أن تكون حرة من كل عائق لكى تستطيع أن تبصر جمال الحبيب لأن بولس الرسول يفسر ذلك فإن نزع هذا البرقع هو عمل الروح.

«عندما يرجع إلى الرب يرفع البرقع. وأما الرب فهو الروح وحيث روح الرب هناك حرية» (2كو 3: 16، 17).

وعلينا أن نفهم بالمنطق أنه أذا كانت التنقية بر وخير فلابد أن يكون الضرب والجرح اللذان بهما يكمل هذا النزع أن يكون خيراً أيضاً. وهنا نتعلم حكمة الالم الذى يسمح به الرب مثل موت أبن أرملة نايين ومثل تأديب الأب لابنه.

«لا تمنع التأديب عن الولد لأنك أن ضربته بعصا لا يموت تضربه أنت بعصا فتنقذ نفسه من الهاوية» (ام 23: 13 - 14).

هنا نفهم بأن الضرب بالعصا ينقذ من الموت ويقول أيضاً سفر التثنية عن تأديب الله لأولاده.

«انظروا الآن أنا أنا هو وليس اله معى. أنا أميت وأحيى سحقت وانى أشفى» (تث 32: 39).

وداود النبى يقول بأن هذه العصا هى مصدر تعزية ولا تؤذى حين قال.

«عصاك وعكازك هما يعزياننى» (مز 23: 4).

ولذلك فإن فائدة الله معدة لمن نال التأديب بالعصا وبركات أخرى مثل الدهن للرأس والكأس الذى يروى ومراحم الله التى تتبعه والسكنى فى بيت الرب للأبد. تلك هى البركات التى يحصل عليها من ينال التأديب كما تعلمنا من المزمور. فإن من الضرب والألم تأتى النعمة الغزيرة. لذلك فإن الضرب هنا شئ مبارك ونحن هنا نلاحظ أن عروس النشيد حين سمعت صوت العريس خرجت ولم تقدر أن تمسكه ولكنه لم يتركها ويتخلى عنها نهائياً لأنها قالت أنها خرجت عندما أدبر، فالنفس خرجت من المكان الذى كانت توجد فيه وعندئذ وجدها الحراس. لقد كان يمكن أن تتضايق لو كان الذى وجدها هم جماعة اللصوص ليلقوها فى الجحيم لأن.

«السارق لا يأتى الا ليسرق ويذبح ويهلك» (يو 10: 10).

ولكن لأن الذى وجدها هم الحراس لذلك فهى وجدت نعمة كبيرة وبركة لأن الذى يجده الحراس لا يمكن أن يسرقه اللصوص. ومن هم الحراس الا الرعاه الذين يحرسون الرعية. أن الله يحفظنا خلال رعاته.

«الرب يحفظك من كل شئ يحفظ نفسك. الرب يحفظ خروجك ودخولك من الآن وإلى الدهر» (مز 121: 7 - 8).

انه قيل عن الله الذى يحرس المدينة "إن لم يحرس الرب المدينة فباطلاً يسهر الحراس" وهكذا فإن الحراس الذين يحرسون المدينة هم الأرواح المرسلة للخدمة من أجل أولئك العتيدين أن يرثوا الخلاص (358).

والحراس الذين وجدوا الروح الضائعة فرحوا به مثل فرح الملائكة والسماء بذلك الخاطئ الذى تاب كما يخبرنا الرب (359) وهكذا أيضاً فى مثل الدرهم المفقود الذى وجدته المرأة بمعونة المصباح الذى اوقدته ففرح كل الجيران والأصدقاء. وهكذا أيضاً داود النبى حين اختاره الله للخدمة.

« وجدت داود عبدى. بدهن قدسى مسحته. الذى تثبت يدى معه. أيضاً ذراعى تشدده. لا يرغمه عدو وابن الاثم لا يذلله. واسحق اعداءه أمام وجهه واضرب مبغضيه» (مز 89: 20 - 23).

أنه شئ حلو أن تعثر الملائكة على الذين يجولون حول المدينة.

«ملاك الرب حال حول خائفيه وينجيهم» (مز 34: 7).

وحينما تقول عروس النشيد بأن الحراس ضربونى فأنها تريد أن تقول بأنها تقدمت نحو السماء وحين تقول جرحونى فأنها تشير إلى تأديب الله الذى أخذته. وتلك العصا الالهيه ليست للضرب السطحى فقط الذى بلا آثار ولكن هى عصا للجروح أى تترك أثار للتأديب وثمار التأديب فى النفس هى أولاً التعزية ثم بعد ذلك تأتى ثمار النعمة وخاصة ضبط النفس حتى تسلك النفس فى حياة الكمال وكان بولس الرسول يقول.

«أنى حامل فى جسدى سمات (علامات الألم) الرب يسوع» (غل 6: 17).

وكان يحمل شهادة بضعفه لكى تحل عليه قوة المسيح (363) لذلك فإن معنى الجروح التى بها قد رفع البرقع هو النعمة التى تأتى الينا عقب التأديب والألم حيث لا يصير جمال الروح مخبأ تحت ذلك البرقع ولا تكون النعمة مخفية تحت غطاء الظلام.

ونلخص الأن الافكار الرئيسية. أن الروح التى تنظر دائماً إلى الله ويكون لها رغبة نحو جماله الأبدى هى دائماً تشتاق لله ولا تكف عند ذلك الحد الذى أحرزته من قبل، وهى تتقدم وتترك ما وصلت إليه لتدخل إلى العمق الداخلى، وفى كل نقطة تصل اليها تعتبرها لا شئ بجوار ما تسعى نحو الوصول اليه لأن كل نعمة جديدة تحرزها تعد أكثر جمالاً من تلك التى تمتعت بها من قبل. ولهذا يقول بولس الرسول.

«أموت كل يوم» (1كو 15: 31).

لأن كل شركة ودخول مع الله فى العمق هو موت وترك للأِشياء الماضية ونسيان لما يكون قد أحرزه من نعمة من قبل وهكذا فإن عروس النشيد التى تجرى دائماً خلف عريسها فإنها لن تكف عن السعى نحو الكمال أنها تمتلك فردوساً من الرمان (ثمار كبيرة) تخرج من فمها. وأعدت طعاماً لرب البشرية كلها واسعدته بثمارها. وقد روت بستانها وصارت هى بئر للماء الحى وصارت طاهرة ومشرقة بشهادة كلمة الله، ولكنها تقدمت أكثر من ذلك وادركت شيئاً عجيباً جداً وهو الندى الموجود على رأس عريسها وقطرات الندى التى تتساقط من شعر رأسه. ثم غسلت قدميها وخلعت ملابسها ويداها مملوءتان من المر ووضعت يدها على مقبض القفل لتفتح الباب وتنظر إلى ذلك الذى هو فوق كل ادراك وطلبت ذاك الذى لا يمكن أن تمسكه ثم وجدها الحراس وأحست بضربات العصا وأصبحت تشبه الصخرة التى قال عنها داود النبى.

«ضرب الصخرة فجرت المياه وفاضت الأودية» (مز 78: 20).

نرى الآن كيف أدركت العروس ذلك التقدم؟ إنها صارت مثل الصخرة التى ضربها موسى. ولما ضربت صارت مثل الصخرة تفجرت منها مياه للعطاش وأصبحت نبع ماء. والآن قد نزع منها الحراس البرقع وأصبح جمال خشوعها مكشوفاً ومعلناً وهذا هو المعنى الذى يمكن أن تستنبطه من النص وقد يستخلص أى أحد وجود علاقة بين هذا النص وبين الرؤيا التى رآها أشعياء النبى فهو يقول أنه رأى شخصاً يجلس على العرش، أما شكله وملامحه فلم يقدر أن يراها. لأنه لو كان قادراً على رؤيتها لأخبرنا بها مثل بقية الأشياء التى اخبرنا بها، لأنه راى الاجنحة وحركة الملائكة ولكنه قال أنه سمع صوتاً فقط وارتفعت عتبة الأبواب عند سماع تسابيح السيرافيم وامتلأ البيت من الدخان ولمس أحد السيرافيم فمه بالجمر المشتعل وعندئذ تطهرت شفتاه لاستقبال الكلمة [(366)].

وهنا نحن نرى تشابه بين عروس النشيد التى ضربت وجرحت من الحراس ونزعوا عنها برقعها وبين رؤية اشعياء ولكن بدلاً من البرقع الذى رفع نرى الأعتاب رفعت وعندئذ استطاع أن يرى الأسرار بوضوح وبغير غموض. وعوضاً عن الحواس نرى اشعياء يقول السيرافيم وعوضاً عن العصا نرى الفحم المتقد وعوضاً عن الضرب نجد اللسع هنا والهدف واحد بني عروس النشيد وبين اشعياء النبى وهو التطهير والنقاوة كما أن أشعياء النبى لم يؤذه ذلك لافحم المشتعل بل فرح لأنه أخذ هذه الكرامة والمجد هكذا فإن عروس النشيد لم تقدم أى شكوى عن أى ألم من الجروح ولكنها فرحت بالمجد الذى أخذته خلال تلك الحرية الجديدة حين نزع عنها برقعها.

ولكن هناك تفسيراً آخر لهذا النص يمكن أن نصل إليه وهو يوافق ذلك التفسير الذى فهمناه من قبل وهو أن الروح خرجت خارجاً عند سماع صوت كلمة حبيبها لتبحث عنه ولكنها لم تجده "طلبته فما وجدته" وصارت تناديه ولكنها لم تصل اليه فاخبرها الحراس بأنها تحب من هو لا يمكن أتحواذه أو ادراكه بالحواس الجسدية وبهذا هى ضربت وجرحت لأنها تضايقت لأنها لم تحصل على من ترغب فيه. وعندئذ ادركت عروس النشيد أن شوقها اليه لا يمكن أن يكمل أو يشبع ولكن برقع الحزن قد ازيل عندما علمت أن كمال أشباع رغبتها يكمن فى السير الدائم نحو من تطلبه وعدم التوقف فى صعودها وأن تحقيق شوقها هو فى تزايد رغبتها للنمو والصعود.

وهكذا فإن برقع اليأس قد ازيل وتأكدت العروس أنها سوف تكتشف دائماً غير المدرك وسوف تستمتع بجماله خلال الأبدية وخلال حديثها مع بنات أورشلين أن يخبرن حبيبها بأنها تطلبه وتحبه لأنها جرحت بسهام الحب فى قلبها عند ايمانها به وتبعيتها له وأصبحت تحمل الحب القاتل حين جرحت بسهام الحب. والله هو الحب.

52 - جسد المسيح:

المسيح هو الخالق الأبدى الموجود قبل كل الدهور، الذى لا يمكن أن يدركه العقل، ولكن لما ظهر فى الجسد أمكن للبشر أن يروه ويعرفوه وهذا هو سر الخلاص الذى لأجله ظهر الله فى الجسد وهو صورة الله ولكنه عاش فى وسطنا مثل العبد وجمعنا ووحدنا مع شخصه بعد أن ولد من العذراء بدون زرع بشر، وقدسنا بقداسته هو عن طريق الاتحاد به والاشتراك فى أسراره خلال الكنيسة التى هى جسده. وكل الأعضاء فى الكنيسة تنمو فى شخصه مثل الأغصان فى الكرمة خلال الايمان به وكما يقول بولس الرسول اننا جميعاً أعضاء كثيرة ولكن الجسد هو واحد (367) والأعضاء كلها ليست من نوع واحد ولكن تتعاون كلها معاً، فالعين لا تحتقر اليد والرأس لا تزدرى بالرجل ولكن الجسد كله فى توافق كامل ويشكل القوة المختلفة ولا تتعارض الأعضاء مع بعضها. ولذلك يقول بولس الرسول "وهو أعطى البعض أن يكونوا رسلاً والبعض انبياء والبعض مبشرين والبعض رعاه ومعلمين لأجل تكميل القديسين لعمل الخدمات لبنيان جسد المسيح" (والهدف كله).

«إلى أن ننتهى جميعنا إلى وحدانية الايمان ومعرفة أبن الله. إلى إنسان كامل. إلى قياس قامة ملء المسيح» (أف 4: 11 - 13).

ثم يقول أيضاً.

«الذى منه كل الجسد مركباً معاً ومقترناً بمؤازرة كل مفصل حسب عمل على قياس كل جزء يحصل نمو الجسد لبنيانه فى المحبة» (اف 4: 16).

وهكذا فإن الذى يثبت فى الكنيسة وينمو فى الايمان والاتحاد مع المسيح فإنه يشبه تلك العروس التى خلعت ذلك البرقع عن عينيها، وعندئذ أبصرت بوضوح جمال عريسها الذى يفوق كل وصف. لذلك فقد جرحت بسهام المحبة التى جعلتها تمتلئ شوقاً نحو حبيبها ولا يمكن أن نخجل من هذا الحب أمام أى أحد خصوصاً إذا كان سهم الحب يأتينا من الله وليس من الجسد.

ولذلك فإن العروس تمجد تلك الجروح من أجل شوقها الروحى الذى فى عمق قلبها وهى توضح ذلك حين تقول لبنات أورشليم.

«إنى مريضة (مجروحة) حباً» (نش 5: 8).

53 - الخليقة الجديدة:

إن تأسيس الكنيسة هو إعادة خلقه العالم مرة ثانية، لأن اشعياء النبى يقول.

«هانذا خالق سموات جديدة وأرضاً جديدة فلا تذكر الأولى ولا تخطر على بال» (اش 65: 17).

ويقول بولس الرسول أيضاً عن الأرض.

«لأن أرضاً قد شربت المطر الآتى عليها مراراً كثيرة وانتجت عشباً صالحاً للذين فلحت من أجلهم تنال بركة من الله» (عب 6: 7).

ومعنى ذلك أن الانسان خلق مرة ثانية بالميلاد الثانى الذى من فوق (المعمودية) وبذلك عاد إلى صورة الله الأولى التى خلق عليها وأخذ من نور المسيح.

«أنتم نور العالم» (مت 5: 14).

وأضاء للآخرين.

«لكى تكونوا بلا لوم وبسطاء أولاد الله بلا عيب فى وسط جيل معوج وملتو تضيئون بينهم كأنوار فى العالم» (فى 2: 15).

ويوجد أيضاً نجوم كثيرة تسطع فى السماء، ولا عجب إذا علمنا أن الله يحصيها ويعرفها بأسمائها لأنه هو خالقها لذلك يقول لأولاده المؤمنين أن اسماءهم مكتوبة فى سفر الحياة، وهذا ليس الشئ الوحيد الفائق فى الخليقة الجديدة، لأنه كما خلق الله أنواعاً كثيرة من النجوم فهناك أيضاً عدة شموس (جمع شمس) تشرق للعالم بشعاع اعمالها الحسنة وهذا ما يقوله الرب.

«فليضئ نوركم هكذا قدام الناس لكى يروا أعمالكم الحسنة ويمجدوا آباكم الذى فى السموات» (مت 5: 16).

ويقول أيضاً.

«حينئذ يضئ الأبرار كالشمس فى ملكوت ابيهم» (مت 13: 43).

إذا تطلع أحد إلى الكون المنظور فإنه يدرك الحكمة الالهية التى تدير الخليقة كلها، وتستطيع أن تنتقل من الجمال المنظور إلى الجمال غير المنظور الذى هو مصدر كل حكمة وسر وجود كل المخلوقات وأيضاً من ينظر إلى الخليقة الجديدة التى تنعكس على الكنيسة فإنه يستطيع أن يرى ذاك الذى هو الكل فى الكل خلال هذه الأشياء المفهومة الواضحة يقودنا الايمان إلى الصعود والنمو الروحى إلى حيث نشتاق.

أما بنات أورشليم اللاتى يطلبن من الروح التى تقوم وتصعد نحو الكمال أن تكشف لهن حبيبها وترسم لهن صورة لحبها وفقاً لسر الخلاص الذى نالته. وهى تكشف لهن كيف أن الكنيسة كلها هى جسد المسيح الذى تحبه وفى وصفها لجمال العريس فإنها تقدم وصفاً محدداً لكل عضو من أعضائه ولكن باتحاد كل الأعضاء يكمل جمال كل الجسد.

54 - رمز العينين القريبتين:

«عيناه كالحمام على مجارى المياه. مغسولتان باللبن. جالستان فى وقبيهما» (نش 5: 12 ( + ) وقبيهما أى تجويفى العينين وهما الشباكان جا 12: 3).

إن ادراك معنى هذا النص يفوق كل ادراك وسنحاول أن نقدم تفسيراً له. وكما يقول بولس الرسول.

«لا تقدر العين أن تقول لليد لا حاجة لى اليك» (1كو 12: 21).

ومعنى هذا أن اعضاء المسيح التى هى الكنيسة يجب أن تتعاون معاً فى ممارسة كل القدرات والمواهب، وأن الايمان يجب أن يقترن بالأعمال والتأمل فى الالهيات لا يكمل الروح بل يجب أن يقترن ذلك بالأعمال الصالحة. والاعمال الصالحة التى يرمز اليها باليد لا تكفى لخلاصنا بدون الايمان الذى يرمز له هنا بالعين. والمعنى هو وجوب التعاون بين اليد والعين (الأعمال والايمان).

ونحن هنا نعرف ما ترمز اليه العينان وفى كل مكان آخر سوف نفهم ما ترمز اليه اليدان.

إن الوظيفة الأساسية للعين هى أن ترى ولذلك وضعت فوق كل الأعضاء الأخرى وأعطى لها الثقة أن تقود كل الجسد. وهناك اسماء كثيرة فى الانجيل لأولئك الذين يقودوننا فى طريق الحق مثل المشرفين والمراقبين والرواة.

«يا ابن آدم قد جعلتك رقيباً لبيت اسرائيل فاسمع الكلمة من فمى وانذرهم من قلبى» (حز 3: 17).

وحين تصف عروس النشيد عريسها وتقول "عيناك مثل الحمام" فهو اعلان عن طهارته ونقاوته وعدم تلوث وفساد الجسد لأن الحمامة ترمز دائماً إلى الحياة فى الروح، ولهذا رأى يوحنا الروح القدس يستقر على السيد المسيح له المجد. وهكذا فإن كل من أقامه الله لخدمة الكنيسة يشبه الحمامة يجب أن يغسل نفسه من أثار الخطية إذا كان يريد أن يخدم بطهارة. وهو يخبرنا هنا بأنه لا يوجد نوع واحد فقط من الماء لغسل العينين ولكن أنواعاً كثيرة لذلك، وكما يوجد ينابيع كثيرة من المياه يوجد أيضاً أنواع كثيرة من الفضائل بها تصير العين أكثر طهارة، واحدى هذه الفضائل هى فضيلة ضبط النفس والأخرى هى الاتضاع والشجاعة والسلوك فى الحق والبر والاشمئزاز وكراهية الخطية ولكن هذه المياه كلها تنبع من مصدر واحد وتمد كل الينابيع تحت الأرض بمصدر واحد وهذا المصدر هو الذى يطهر العين من كل آثار الخطايا والشهوات.

ومعنى أن العين قد اغتسلت فى اللبن أنه لم يعد لها أى شبه أو نظير لأن كل السوائل الأخرى تشبه المرآة ممكن أن تعكس صورة أى شئ ينظر إليه ولكن هذا لا يمكن أن يحدث قط مع اللبن، وهذا هو أعلى مدح يمكن أن يمنح لأعين الكنيسة التى لا تنجذب قط للأشياء الخادعة الغير موجودة والتى هى باطلة وزائلة ولكنها تحدث فقط فى الأشياء الحقيقية الموجودة ولا تسقط فى الرؤى الخادعة وخيالات العالم الباطلة. ولهذا فإن طهارة الأعين للروح الكاملة هى التى أغتسلت فى اللبن فصارت آمنة.

أما تكملة النص فهو يتحدث عن الأعين الجالسة فى المجارى الغزيرة للمياه (وفبيهما) أننا يجب أن نجلس أسفل لنخضع للتعاليم الالهية لنتعلم كيف نحرز ذلك الجمال بالجلوس الدائم بجوار المياه الغزيرة أما أولئك الذين تركوا أنهار النعمة فقد قال عنهم الانجيل.

«تركونى أنا ينبوع المياه الحية لينقروا لأنفسهم أباراً أباراً مشققة لا تضبط ماء» (ار 2: 13).

وهكذا نحن نعلم كيف تصير العين جميلة وبارعة ولائقة للرأس حين يصير الانسان مثل الحمامة لا يعرف الشر ولا الخديعة ويصير مثل اللبن فى طهارته ولا يضلل بالأشياء الزائلة، ولكن بالجلوس الدائم على مجارى المياه.

«فينبتون بين العشب مثل الصفصاف على مجارى المياه» (اش 44: 4).

وعندئذ سوف تعطى النفس ثمراً فى الوقت المعين وسيظل الغصن أخض والأوراق جميلة ولكن كثيرين يتركون لعيونهم أهمال المياه ويتكاسلون فى دراسة كلمة الانجيل التى هى كلمة الله ويحفرون لأنفسهم آباراً أخرى مثل حب الملكية ويصيرون فريسة للغرور والخداع وعندئذ يصيرون غير قادرين أن يحتفظوا بتلك المياه الأبدية التى جاهدوا من أجلها من قبل، لأن القوة والمجد والعظمة تهرب ممنهم حين يتركون الينبوع الحى ويصيرون تحت الخداع ويتبدد كل عملهم وجهادهم.

ولذلك فإن العريس الكلمة يطلب من النظار والمراقبين (الخدام) أن يقيموا حصناً مثل الحاجب الذى فوق العين ويمارسوا فضيلة ضبط النفس فى هذه الحياه عن طريق الجفن حتى لا يصيبهم شعاع الاعتزاز بالذات فيحرمهم من رؤية الحق.

55 - سر الليل:

"شفتاه سوسن تقطران مراً مانعاً" [(382)].

توجد هنا مقارنة بين شيئين مختلفين. أحدهما هو السوسن الذى هو رمز للطهارة وصدق التعاليم وهذا يشير إلى الحق الذى يشرق مثل البرق اللامع والشئ الآخر هو المر الذى يرمز إلى ضبط الجسد وقمعه. وفى الواقع إن كلمة الله الموحى بها هى كلمة المر دائماً لأنها تقودنا إلى الموت عن العالم والجسد وتقودنا إلى الحياة الأبدية وهذه العين الطاهرة الجميلة.

«خداه كخميلة الطيب» (مز 10: 17).

(أحمر مثل كأس الخمر) فالسوسن هو شفتاه اللتان تخرج منهما التعاليم الالهية المزودة بالبهاء والاشراق بهذه الطريقة فإن الكلمة الالهية تقود إلى حياة التقوى والفضيلة لأنهما حين تقطران بالمر الذى يملأ عقولهم فانهم سوف يزدرون بالتمام المادة وكل الأشياء التى يشتهيها الناس فى هذا العالم وتصير بالنسبة لهم ميتة وبلا أى شهوة.

وهذا هو المر يقطر من فم بولس الرسول والذى يملأه بضبط النفس والذى ملأ آذان العذراء تكلا تلميذته فكرست حياتها بالتمام للمسيح.

إن قطرات المر أصبحت ثمينة جداً للروح وتضمنت موت الانسان الخارجى حين ينطفئ كل الأفكار الجسدية والشهوات الزائلة حين تقبل النفس تعاليم الخلاص فإن الحواس والشهوات الجسدية تموت ويجب أن يوجد المسيح الكلمة فقط لأن بولس الرسول يقول أنه من أجل المسيح يموت عن العالم ويموت العالم عنه أيضاً، وأيضاً بطرس الرسول حين أعطى التعاليم الالهية التى مثل السوسن المضئ فى بيت كرنليوس امتلأ كل السامعين من المر، وبعد أن سمعوا تلك التعاليم قاموا حالاً ودفنوا أنفسهم مع المسيح فى المعمودية وأصبحوا أمواتاً بالنسبة لهذا العالم.

وتوجد أيضاً أمثلة بلا حصر من حياة القديسين التى أصبحت فماً عاماً للكنيسة يصب للسامعين المر الذى يقتل كل الشهوات، ويشرق مثل السوسن الذى هو الكلمة، وعندئذ أصبحوا ابطالاً فى الايمان فى وقت الاضطهاد وباعترافاتهم الالهية امتلأوا بالمر فى تجاربهم ومحبتهم من أجل أعلان إيمانهم.

والتفسير الآن هو كيف صارت الكنيسة مثل السوسن وكيف تقطر منها المر الذى يملأ النفوس التى تقبل المسيح الكلمة فيموتون عن شهوات العالم.

56 - السامرى الصالح:

«هذا حبيبى وهذا خليلى يا بنات أورشليم» (نش 5: 16).

إن عروس النشيد حاولت بوضوح أن تضع أمام أعين الخادمات الآخريات كل العلاقات حتى يستطعن أن يعرفن ذاك الذى رأته هى، وفى حديثها لهن تشير اليه وتقول هذا هو حبيبى الذى جاء الينا من اليهودية ليصير أخاً وجاراً للذى وقع بين اللصوص. وهذا الذى شفى جروحه بالزيت وسقاه خمراً وضمد جروحه واركبه دابته الخاصة وذهب به ليستريح فى فندق واعطاه دينارين لكى يمكث هناك ووعده فى طريق عودته أنه سوف يدفع له أى شئ يكلفه فوق ذلك.

إن معنى كل هذه التفاصيل واضح. لقد أراد الناموسى أن يختبر الرب وبكبريائه يريد أن يقول أنه يعرف أكثر من الآخرين. وفى مناقضته أراد أن يجب الرب فسأله من هو قريبى (384) عندئذ أجاب الرب بتلك القصة ليعلن عمل الخلاص المقدس لنا. حدثه عن انسان نزل من اروشليم إلى أريحا (المسيح الذى نزل من السماء وتجسد) وهاجمه اللصوص وعروه من ملابسه وجرحوه. هذا هو المسيح الذى قبل الموت من أجل البشر بينما ظلت روحه لم تمت ثم جاء كاهن ولارى ولم يساعده أى منهما ولم يبصرا حتى جراحاته لأنه لا يمكن أن.

«دم ثيران وتيوس ورماد عجلة مرشوش على المنجسين يقدس إلى طهارة الجسد» (عب 9: 13).

إلى أن جاء ذاك الذى ليس من طبيعتنا البشرية وهو بكر الخليقة الذى فيه يشترك كل أحد من اليهود والسامريين واليونانيين وكل أنواع البشر فأخذ نصيباً فيه. وعن طريق جسده (يرمز إليه هنا بالدابة) نقله إلى مكان آخر (ابعد عن الانسان المصيبة) وشفى جراحاته اجلسه على دابته وأوجد له الفندق الذى هو المحبة الالهية والرعاية حيث يجد كل التعابى وثقيلى الأحمال راحتهم "(386) والذين يثبتون فى تلك المحبة يجدون المسيح الذى يسكن فيهم.

«يثبت فى وأنا فيه» (يو 6: 56).

وعندئذ يدخل المسيح فى داخل الانسان رغم أنه لا يحتويه أى أناء. وحين دفع الدرهمين اللذين هما رمز إلى محبة الله من كل القلب ومحبة القريب من كل نفس، ولكن ليس كل الذين يسمعون الناموس هم ابرار أمام الله بل الذين يفعلون الناموس هم الذين يتبررون (388) ونحن لا يجب أن نكتفى بالانفاق فى حدود الدرهمين فقط لوصية محبة الله ومحبة القريب، ولكن يجب أن تكون أعمالنا الحسنة مطابقة لكل الوصايا، ولذلك قال الرب لحارس الفندق أنه سوف يكافئه على ما يكون قد أنفقه من أجل شفاء ذلك المجروح.

وعندئذ أصبح قريباً ذلك الانسان الذى خلال الحب صار أخاً لنا إن الذى قام من اليهودية هو ذلك الذى تعلن العروس الطاهرة عنه لبنات اورشليم وتقول لهن هذا هو حبيبى وهذا هو صديقى يا بنات أورشليم.

وعن طريق هذه الصفات التى اعلنتها لهن فاننا بقيادة الروح القدس سوف نجده ونقبله من أجل خلاص نفوسنا.

57 - حبيبى لى:

"أنا لحبيبى وحبيبى لى" [(389)].

هذا هو نهاية الكمال وحدوده. بهذه الكلمات نحن نتعلم أن الروح الطاهرة يجب ألا تتعلق بأى شئ سوى الله فقط، ويجب ألا تنظر إلى أى شئ غيره ويجب أن تتطهر من كل فكر أو شهوة جسدية حتى تتحول إلى الروحانيه وعندئذ تصير فى شكل مشرق ومنير ومطابق للصورة الأصلية الجميلة فإذا نظر الانسان إلى صورة أى شئ فإنه سوف يجد أنه مطابقة للأصل تماماً وهكذا فإن العروس حين تقول أنا لحبيبى وحبيبى لى فهى تعلن أنها قد أخذت المسيح نموذجاً ومثالاً لها وأنها أخذت الجمال والحب من الأصل. انها أصبحت تشبه المرأة التى تعكس صورة أى وجه يقف أمامها فهى تعكس الصورة النقية لذلك الجمال الكامل حين تكون قد أعدت نفسها بالتمام ونزعت منها كل تعلق جسدى حينئذ يمكن أن تقول الروح أنها صارت بارادتها الحرة مرأة تعكس كل جمال حبيبها حينما وقفت أمامه.

بولس الرسول أعلن هذا حين قال.

«لى الحياة هى المسيح» (فى 1: 21).

أى أنه يحيا لله لأنه مات عن العالم وعن الشهوات الجسدية والملذات والغضب والسخط والكبرياء والتعالى والحسد والحقد وحب المال وأى تطرف أو انحراف للنفس، لأنه يملك المسيح فقط وقد خلع الكل ما عدا المسيح ولذلك يقول لى الحياة هى المسيح كما تقول العروس أنا لحبيبى وحبيبى لى. هذه هى القداسة الحقيقية فى السلوك بطهارة وعدم فساد فى النور والحق وعندئذ تسي النفس فى نور القديسين وهذا هو معنى السوسن أى السلوك فى الجمال المشرق. وهذا هو معنى الآية.

«الراعى بين السوسن» (نش 6: 3).

انه يقود القطيع الى حقول السوسن، وهذا هو نور الرب الذى يشرق علينا.

«لتكن نعمة الرب الهنا علينا» (مز 90: 17).

ونحن دائماً نتأثر بما نأكله مثل الاناء المصنوع من الزجاج الشفاف فان أى شئ يوضع فيه سيكون مكشوفاً ومرئياً، وحين نأخذ السوسن المشرق فى أرواحنا فاننا سوف نضئ لأن السوسن سوف يشرق فينا من الداخل.

ولكى نجعل المعنى واضحاً فإن الروح تطعم من الفضائل والنص يتحدث عن السوسن كأنه الفضائل ومن يمتلئ منها فإنه يجعل نفسه مشرقاً وتنعكس على سلوكه وحياته كل الفضائل ولذلك علينا أن نتحلى بالسوسن الذى هو ضبط النفس والسلوك فى البر والثبات واليقظة وكما اخبرنا بولس الرسول.

«أخيراً أيها الإخوة كل ما هو حق كل ما هو جليل كل ما هو عادل كل ما هو طاهر كل ما هو مسر كل ما صيته حسن إن كانت فضيلة وإن كان مدح ففى هذه افتكروا» (فى 4: 8).

كل هذا يقودنا إلى طهارة النفس وزينة الروح وهكذا فإن العروس تقدم نفسها لحبيبها وتأخذ منه جماله الخالص فتطبع بصورته.

والآن بالرجوع إلى النعم والمواهب التى أخذتها الروح من الله فانها سوف تمجد من الله الذى يكرم الذين يكرمونه[(394)]. وسوف تسمع النص التالى يتبع ذلك.

58 - جناحى الحمامة:

عن سفر النشيد نحن نرى تشبيه العريس الكلمة بالحمامة.

«عيناه كالحمام» (نش 5: 12).

وفى أماكن أخرى تشبه العروس أيضاً بالحمامة.

« واحدة هى حمامتى» (نش 6: 9).

وتفسير ذلك أن الانجيل فى أماكن كثيرة يتحدث عن أجنحة الله حين يقول المزمور.

«بظل جناحيك استرنى» (مز 17: 8).

وموسى النبى يقول فى سفر التثنية.

«كما يحرك النسر عشه وعلى فراخه يرف ويبسط جناحيه» (تث 32: 11).

ونقارن ذلك بما قاله الرب لاورشليم.

«كم مرة أردت أن اجمع أولادك كما تجمع الدجاجة فراخها تحت جناحيها» (مت 23: 37).

وكثير من آيات الانجيل تتحدث عن جناحى الله. ولما كان الأنسان خلق على صورة الله ومثاله فلابد أن يكون للأنسان أصلاً جناحان حتى يكون له ما للأصل. والجناحان لهما معنى مجازى. لأن معنى الجناحين بالنسبة لله هو القوة والسعادة وعدم الفساد. وكل هذا منح للإنسان بسبب شبهه لله ولكن إنحراف الأنسان نحو الخطية هو الذى افقده هذه الأجنحة وجعله خارجاً عن حماية جناحى الله وعندئذ.

«ظهرت نعمة الله المخلصة لجميع الناس معلمة أيانا أن ننكر الفجور والشهوات العالمية ونعيش بالتعقل والبر والتقوى فى العالم الحاضر» (تيطس 2: 11 - 12).

وعندما تأخذ العروس هذه النعمة مرة ثانية فإن الله يشفق عليها ويعطى لها الجناحين مرة أخرى حسب سخائه فى العطاء. وهذا هو معنى المزمور.

«عيناك تنظران المستقيمات جربت قلبى تعهدته ليلاً محصتنى لا تجد فى ذموماً» (مز 17: 2 - 3).

وكأن الله يقول لنا أن عينيك لم تعد ترى ما هو خلاف البر والاستقامة لأن من ينظر إلى البر فانه لن ينظر إلى الشر والعكس أيضاً من يبصر الشر فإنه لن يبصر الروح وحين تنظر عيوننا إلى الله فإنها ستتحول عن النظر إلى ما هو خلافه ولن ترى غير البر والقداسة وعندئذ تسترجع النفس نعمة رجوع الجناحين اليها ثانية ويصير للحمامة جناحان ويكون لها القوة لكى تطير لتستريح وتجد راحة. وهذه الراحة هى التى تحدث عنها الله بعد إنتهائه من كل الخليقة. تلك هى الأبدية التى سنحيا فيها.

59 - واحدة هى حمامتى:

« واحدة هى حمامتى كاملتى. الوحيدة لأمها هى عقيلة (ابنة) والدتها هى» (نش 6: 9).

يتضح معنى هذه الآية من كلمات الرب يسوع المسيح فى الانجيل حين بارك تلاميذه القديسين وأعطاهم قوة وفى صلاته للآب منحهم الوحدة التى قمة كل بركة.

«ليكون الجميع واحداً» (يو 17: 21).

تلك هى وحدانية البر والسلام التى تحدث عنها بولس الرسول.

«مجتهدين تحفظوا وحدانية الروح برباط السلام» (أف 4: 3).

فإنه خلال الأتحاد مع الروح القدس يجعل المؤمنين جسداً واحداً له هدف واحد هو الرب يسوع.

«ليكونوا واحدا كما أننا نحن واحد» (يو 17: 22).

"وأعطيتهم المجد الذى أعطيتنى"... وقد أعطى لتلاميذه هذا المجد حين قال لهم.

«أقبلوا الروح القدس» (يو 20: 22).

وهذا المجد كان للمسيح ويمتلكه قبل كون العالم، والآن قد تمجدت الطبيعة البشرية بالروح القدس.

وهذا الاشتراك فى المجد بالروح القدس قد أعطى لكل الذين يتمجدون به منذ تأسيس الكنيسة عن طريق التلاميذ ولهذا يقول الرب يسوع المسيح.

« وأنا قد أعطيتهم المجد الذى أعطيتنى ليكونوا واحداً كما أننا نحن واحد. أنا فيهم وأنت فىّ ليكونوا مكملين إلى واحد» (يو 17: 22).

والذى ينمو من الطفولة الروحية إلى النضج الكامل ومن العبودية إلى البنوة قد أخذ روح التجدد والطهارة وعندئذ يقول العريس لهذه النفس.

« واحدة هى حمامتى كاملتى. الوحيدة لأمها» (نش 6: 9).

وبالتأكيد نحن نعرف من هى أم تلك الحمامة لأننا نعرف أصل الشجرة من ثمارها، فإذا رأينا انساناً فإننا نعرف أنه مولود من انسان. وإذا رأينا تلك الأم فأننا سنعرف من هى أبنتها الحمامة التى نتحدث عنها لأننا نرى طبيعة الآباء فى ابنائهم. ونسل الروح هو روح. وإذا كان النسل حمامة فلابد ان تكون الام هى الحمامة التى نزلت من السماء واستقرت فى الأردن كما شهد يوحنا المعمدان بذلك. هذه هى الحمامة التى مدحتها بنات اورشليم.

«رأتها البنات فطوبتها، الملكات والسرارى فمدحتها» (نش 6: 9).

كل البشر يحبون أن يمدحوا ويمجدوا، لهذا فإن البنات طوبن الحمامة، وكلهن اشتقن أن يصيروا مثلها ومدحهن لها هو شوق أن يصيروا مثلها فيصير الكل واحداً.

لأن الكل سوف يأتى إلى تلك النهاية حين يصير الله الكل فى الكل وسوف يتم تحطيم الشر نهائياً ويصير الكل متحدين متوافقين فى شركتهم مع الله.


[(127)]

[(142)] مز 1: 2 - 3.

[(142)] مز 1: 2 - 3.

[(143)] مز 1: 3.

[(144)] نش 1: 15.

[(148)] نش 2: 1.

[] تك 4: 5.

[(166)] تث 6: 5.

[(187)] نش 2: 5.

[(196)] 1تيمو 2: 4.

[(198)] نش 2: 11.

[(203)] نش 2: 13.

[(210)] مت 3: 3.

[(212)] نش 2: 14.

[] مت 15: 17.

[(231)] عدد 17: 2.

[(232)] يش 4: 9.

[(242)] مز 10: 9.

[(257)] فى بعض أجزاء من لبنان يزرع أشجار البخور وهذا هو الترادف فى المعنى.

[(+)] الزعفران هو الكركم المنصوص عليه فى نش 4: 14.

[(275)] نش 5: 1.

[(290)] اع 10: 10.

[(291)] اع 10: 15.

[(294)] نش 5: 2.

[(295)] 1يو 2: 16.

[] نش 1: 5.

[] نش 1: 6.

[] نش 1: 2.

[(319)] نش 5: 3.

[] مت 10: 10 – لو 9: 3 – مر 6: 9.

[(327)] نش 5: 3.

[(342)]

[(343)] فى 3: 13.

[(344)] نش 5: 6.

[(366)] أش 6: 1 - 7.

[(382)] نش 5: 13.

[(389)] نش 6: 3.

[(394)] 1صم 2: 30.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

‹

الفصل الثانى تأملات فى حياة موسى النبى

المحتويات
المحتويات