الفصل الأول تأملات عامة

تقديم

1 - لمحة عن حياة القديس اغريغوريوس اسقف نيصص

ولد القديس اغريغوريوس حوالى عام 330م من أبوين مسيحيين تقيين فى مدينة قيصرية الكبادوك. وكان القديس أحد اخوته العشرة ومن بين هذه العائلة ثلاثة أساقفة خداماً فى الكنيسة وهم القديس باسيليوس الكبير والقديس اغريغوريوس وبطرس بالاضافة إلى أختهم الكبرى وهى القديسة ماكرينه التى كانت بمثابة مرشدة روحية لهم لما كانت تتمتع به من مواهب عقلية ومحبة ونسك استطاعت بها أن تؤثر فى حياة أخوتها وقد صارت فيما بعد رئيسة لاحد الأديرة.

ولقد درس اغريغوريوس الأدب والبلاغة ولم يكن يميل قط إلى دراسة الدين والعقيدة ولكن عماده وتحوله ورسامته قارئاً فى الكنيسة يرجع إلى حلم كان قد رآه بعد أن طلبت منه أمه أن يشترك فى الاحتفال الذى أقامته العائلة بمناسبة ذكرى الشهداء الأربعين فى سبسطية – والتى كانت أمهم قد بنت كنيسة صغيرة فوق رفاتهم – ولكنه لم يرد أن يحضر ثم حضر على مضض وقد نام أثناء الاحتفال الذى أستغرق طول الليل فرأى بستاناً جميلاً ولما أراد أن يدخل فيه منعه الأربعون شهيداً عن الدخول وضربوه بالعصى، وحينما إستيقظ ندم كثيراً من سلوكه الذى أبعده عن الشهداء القديسين وطلب بركتهم وشفاعتهم وابتدأ الدخول فى المسيحية منذ ذلك الحين. الا أنه كان مشغولاً بتدريس البلاغة والأدب. مما جعل صديقه القديس اغريغوريوس النازيانزى يوبخه على ذلك الطموح ويطلب منه النزول الى الحياة المتواضعة. ولقد تأثر من ذلك كثيراً وترك الوظائف العالمية وتبع طريق أخيه القديس باسيليوس واخته القديسة ماكرينه. الا أنه كان قد تزوج وقت أن كان يدرس البلاغة. ثم قام برحلة إلى فلسطين ومصر لزيارة الأباء الرهبان والنساك والمتوحدين وعاش فترة من الزمن سنة 358م فى جبل اناسيس Annesis فى منطقة بونتيوس والتصق هناك بالقديس اغريغوريوس النازيانزى وصارا صديقين ولقد حاول القديس باسيليوس أن يجعله يستقر ويبقى فى منطقة أناسيس ولكنه لم ينجح فى ذلك[] ( + ) وقد تأثر فى هذه الفترة بكتابات أوريجانوس.

وفى عام 370م رسم القديس باسيليوس الكبير على مدينة قيصرية الكبادوك Caesarea in cappadocia ولكن لما كان الأمبراطور فالينس فى ذلك الوقت قد ابتدأ يشن حملة الاضطهاد على أولئك الذين يثبتون ايمان مجمع نيقية وأراد القديس باسيليوس الكبيرة أن يجعل حوله أساقفة من الذين يتبعون الايمان الصحيح فرسم فى عام 372م القديس اغريغوريوس النازيانزى أسقفاً على مدينة زاسيما وأقام أخاه اغريغوريوس على مدينة نيصص Nyssa وكانت زوجته ما زالت معه حيث كانت التقاليد تسمح بذلك فى ذلك الحين. ولكن حدثت مشاكل كثيره فى نيصص مما لم يستطع بسببها أن يكون عوناً للقديس باسيليوس.

وفى عام 374م حدثت أحداث مؤلمة افقدت السلام فى ابروشيته وهى أن الأمبراطور فالينس أراد أن يتخلص من الاساقفة الذين يتبعون ايمان مجمع نيقية واتهم القديس اغريغوريوس أسقف نيصص أنه يبدد أموال الكنيسة كما إتهمه أيضاً بأن رسامته أسقفاً كانت باطلة وتم نفيه لمدة اربع سنوات ولكن خلال فترة نفيه قبل افكار القديس باسيليوس عن النسك وبدأ فى مساعدة باسيليوس الكبير فى تأسيس الرهبنه فى كبادوكية وهنا بدأ أول اعماله وهى The Treatise on Virginity رساله عن البتولية. وهى أحسن ما كتبه القديس اغريغوريوس وربما يسأل البعض كيف يكتب أنسان متزوج عن البتولية؟ ولكن الحقيقة أنه أحس أن هناك شيئاً يسمو على الزواج وهو البتولية فكتب عنها وعن بركتها التى لا يقدر المتزوج أن يصل اليها.

وفى نهاية عام 377م عاد إلى مقر كرسيه بعد موافقة الامبراطور جراتيان Gratian واستقبل بحفاوة شديدة من رعيته ووقفت الجماهير لكى تحييه تحت وابل من الامطار المتساقطة بغزارة فتشجع جداً وسط خورس الترانيم وزينت الكنيسة بالمشاعل والأنوار لاستقباله.

ولكن حدث ما غير حياة القديس اغريغوريوس وهو انتقال اخيه القديس باسيليوس الكبيرة فى يناير 379م مما كان له أثر شديد عليه فأخذ على عاتقه أن يكمل رسالة القديس باسيليوس فى نشاطه ولاهوتياته وتنظيم الرهبنة التى كان يقودها.

ولم يلتزم أن يقوم باعمال القديس باسيليوس فقط بل كان يقودها إلى الكمال، لأن القديس باسيليوس كان رجل عمل ونظام وكان يلمس المشاكل ويحلها دون أن يدخل فى أعماقها.

وفى خريف عام 379م اشترك فى مجمع انطاكية حيث تم إدانة ميلاتيوس Melatius وفى رجوعه من انطاكية وقف فى اناسيس وكان حاضراً وفاة أخته ماكرينه Macrina ولما رجع الى نيصص وجد أن ابروشيته قد أحتلها الهراطقة اتباع اوناميوس Eunomianis الذين حضروا فى غلاطية Galatia وفى الأحد الأول من شهر يناير 380م كانت عظته عن هذه الكارثة ثم دعى إلى ايبورا Ibora وهى ليست بعيده عن أناسيس لمناسبة اختيار اسقف جديد لها.

وفى عيد القيامة فى عام 380م رجع إلى نيصص وأعطى ثلاث عظات عن الصعود Ascension وحول الروح القدس Pentecost وفى ذلك الوقت كتب رساله إلى أخيه بطرس الذى كان اسقفاً على مدينة سبسطه Sebaste وكانت هذه المدينة من قبل مركزاً لهرطقة أوستاسيوس Eustathius الذى كان اسقفاً عليها قبل بطرس. وقال القديس اغريغوريوس فى هذه الرسالة انه قد انتهى من الكتاب الأول فى الرد على اوناميوس Eunomius وفى عام 381م كان القديس اغريغوريوس قد وصل إلى أوج عظمته حيث حضر مجمع القسطنطينية الذى دعا اليه فى ذلك الوقت الامبراطور ثيؤدوسيوس. وفى هذا المجمع كان له دور كبير فى الدفاع عن الايمان الصحيح الذى كان يؤمن به حسب ايمان مجمع نيقية ويعتبر القديس اغريغوريوس من قادة مجمع القسطنطينية وقد القى كلمات فى المجمع موجودة ضمن عظة بعنوان On his ordination ومنذ ذلك الوقت صار القديس اغريغوريوس من القادة فى الكنيسة الشرقية وفى هذا المجمع اعطيت له مسئولية رعاية البلاد الاتية Helladius , Otreius , Jurisdiction مع الكبادوكية Cap - padocia وبنطس Pontus وأرسل أيضاً إلى العربية حيث كان أثنان من الاساقفة يتشاجران على كرسى البصرة وكان الهراطقة قد وصلوا إلى ذروتهم هناك ولما عاد من العربيه زار أورشليم والأماكن المقدسة وقد شاهد شروراً كثيرة ترتكب أثناء زيارة الحجاج لهذه الاماكن مما اضطره إلى كتابة خطاب شديد اللهجة بهذا الخصوص وهناك أتهم بهرطقة ابوليناريوس Apollinarianism ويوجد خطاب دافع فيه عن التهمة. وفى نهاية عام 381م رجع إلى نيصص وفى الشتاء التالى كتب ضد هراطقة ابوليناريوس Treatise Against Apolinaris وأخر ضد Against Eunomius وقد تعلم أن يكون واضحاً جداً فى الرد على هذه الهرطقات خصوصاً ما يخص لاهوت السيد المسيح.

وأصبح الامبراطور ثيؤدوسيوس Theodosius يدعو لعقد مجمع فى القسطنطينية كل عام وفى المجمع الذى عقد عام 383م تحدث القديس اغريغوريوس فى عظته عن لاهوت الابن ولاهوت الروح القدس.

The Divinity of the son and the Holy Spirit.

وفى 16 يناير 383م رزق الامبراطور ثيؤدوسيوس بابن سماه اركاديوس وكان يدعى اوغسطس وأصبح حكام العالم هم جراتيان Gratian وفالينتيتيان الثانى Valentinian II فى الشرق وثيؤدوسيوس واركاديوس فى الغرب وكان للقديس اغريغوريوس خلال هذه الفتره مكانة كبيرة فى الامبراطورية وأختير عام 385م ليقول كلمة الرثاء فى وفاة الامبراطورة فاسيلا Flacilla وأبنتها بولكاريا Pulcheria.

ثو واجه القديس اغريغوريوس المحن الكثيرة وخصوصاً من المطران هيلاديوس Helladius مما جعله يعزف عن العمل اللاهوتى ويدخل إلى عمل الروح الداخلى والشركة الداخلية مع الله إلى أن أنتقل حوالى 395م لقد كان للقديس اغريغوريوس أسقف نيصص مكانة كبيرة بين آباء الكنيسة حتى لقبه مجمع نيقية الثانى "أب الآباء ونجم نيصص" وكتب عنه صديقه القديس اغريغوريوس النازيانزى أنه "عمود الكنيسة بأكملها" ولقبه القديس مكسيموس المعترف بأنه "معلم المسكونة".

وهو يحسب ضم اباء الكبادوك الذين ظهروا فى نهاية القرن الرابع ويرجع اليه السبب فى الدفاع عن ايمان مجمع نيقية ودحض هرطقة ابوليناريوس.

ولقد امتاز القديس اغريغوريوس بمواهب عقلية وكتابات انتشرت فى انحاء المسكونة كلها. وعن طريقه تحول كثير من الفلاسفة الى الايمان ولقد حارب هرطقات كثيرة وفندها بكتاباته.

2 - كتابات القديس اغريغوريوس اسقف نيصص:

لقد ترك لنا القديس اغريغوريوس كتابات عديدة بعضها عبارة عن تفاسير والبعض الاخر شروح لاهوتية عن العقيدة الأرثوذكسية ومن بينها رد على كثير من الهرطقات التى ظهرت فى ذلك الحين. وهناك كتابات روحية أخرى كتبها فى الفترة الأخيرة من حياته.

ومن أهم كتاباته: -.

1 - عظات على الصلاة الربانية Homilies on the Lord's Praycr.

2 - التطويبات On the Beatitudcs.

3 - تفسير المزامير On the titles of the Psalms.

4 - صعود الروح إلى الله The assent of the Christians Soul to God.

حيث تحدث فى هذه الكتابات عن درجات ثلاثة أولها هى التحرر من الشهوات والثانية هى المعرفة الباطنية (الداخلية) حيث فيها يعبر الانسان من العالم المنظور إلى غير المنظور والثالثة هى التاؤريا أو التأمل وتحدث فيها على عدم قدرة الانسان على رؤية جوهر الله لان هذا امر غير محدود ولكن هى محاولة فقط لوصول النفس إلى أقصى ما تترجاه وستظل دائماً فى حالة تعطش نحو الله.

5 - كتابات بخصوص الخليقة وأخرى بخصوص خلقة الانسان.

Exe - getical eorks on creation on the Making of Man.

6 - كتابات ضد هرطقة أوناميوس Eunomius وفى دحض لتلك الهرطقة التى تنادى بعدم المساواة بين الآب والأبن.

7 - له أيضاً ردود على ابوليناريوس Apollinarius حيث تحدث عن عقيدة اتحاد الطبيعتين فى المسيح.

8 - له أيضاً كتابات عنوانها التعاليم الدينية.

On Religious Instruction.

9 - له أيضاً رسائل كثيرة يشرح فيها الثالوث المقدس The Trinity ويشرح فيها اننا نعبد اله واحد وليس ثلاثة آلهة Tritreistic.

10 - كتابات عن الروح القدس يرد فيها على هرطقة مقدونيوس.

Macedonius.

11 - رسالتان تلاهما فى مجمع القسطنطينية الذى عقد فى 383م عن لاهوت الابن ولاهوت الروح القدس.

On the Deity of the Son and The Holy Spirit.

12 - له رسالة رثاء لانتقال القديس باسيليوس الكبير ورسالة تمجيد أخرى للأربعين شهيداً بمدينة سبسطية.

13 - كتب أيضاً حياة القديسة ماكرينة أخته.

The life of St. Macrina.

14 - حوار موضوعه الروح والقيامة.

Dialogue on the Soul and Resurrection.

15 - رسالة رثاء عام 385م بمناسبة انتقال الامبراطورة فلاسيلا Flacilla وابنتها بولكاريا Pulcharia.

16 - رسالة إلى الأسقف لوتيوس Letiouc أسقف مدينة ميلتان Meliten فى كبادوكية وهذه الرسالة تعتبر وثيقة هامة جداً لأنها تعطى معلومات عن النظام المتبع فى أسيا الصغرى Asia Minor الذى كان للقديس اغريغوريوس دور كبير فى تنظيمه.

17 - رد على الفلاسفة الموجودين فى القسطنطينية بخصوص اعتراضاتهم على التجسد The treatise, against Preumatomachi.

18 - وفى عام 386م كتب للقديس ثاوفيلس بطريرك الاسكندرية رسالة يشرح له فيها ايمانه بلاهوت المسيح حيث كان قد وشى به البعض بغير هذا.

ولما بدأ القديس اغريغوريوس يدخل فى المحن والتجارب وخاصة مع المطران هيلاديوس Helladius بدأ يتجه نحو ترك العبء الادارى والمناقشات اللاهوتية والرد على الهرطقات واتجه بالتمام نحو حياة النسك والبناء الداخلى للنفس والعمل الروحى. وهذا يتضح مما كتبه فى الفترة الأخيرة من حياته: -.

1 - تفسير سفر نشيد الانشاد.

Commentary on the Canticle of Canticles.

وقد كتب القديس اغريغوريوس هذا التفسير حوالى سنة 389م للشماسة أولمباس Olympias وهى الشماسة التى كتب لها القديس يوحنا فم الذهب غالبية خطاباته أثناء النفى. وكان القديس اغريغوريوس قد التقى بها فى القسطنطينية.

2 - حياة موسى النبى The life of Moses.

3 - البتولية The Treatise on virginity.

4 - هدف النسك المسيحى.

A Treatise on The goal of Christian asceticsm.

5 - كتب أيضاً التعاليم الكاملة للقديس باسيليوس الكبير.

بالحق أن كتابات القديس أغريغوريوس ملهمة بالروح القدس.

3 - كتاب "من مجد إلى مجد": []

أصدره معهد فلاديمير عام 1977 وهو عبارة عن مختارات من كتابات القديس اغريغوريوس بعضها من حياة موسى النبى وبعضها الآخر من تفسير سفر نشيد الانشاد ولكن هذه المختارات تدور حول موضوع التقدم الروحى غير المحدود والنمو فى الشركة مع الله بلا نهاية. بالحق أن هو عربون الحياة الابدية حيث نتذوق الشركة مع الله هنا والنمو فيها حتى نخلع الجسد ونحيا بالتمام معه ونكتشف ما لم نكتشفه بعد. أنه نمو غير محدود وكلما نلمس ونرى ونعرف شيئاً نكتشف أن هناك الكثير الذى ينقصنا ونحتاج إلى نمو روحى لنصل إليه والذى يسلك فى هذا الشوق الدائم يستحيل عليه أن يسقط فى الكبرياء بل سيكون كل جهاده نحو نقاوة القلب حتى يرى الله. وكلما يرى النور يتطهر اكثر ويجاهد اكثر ويشتاق اكثر ليرى ما يرغب فيه وسيكتشف ان ما أخذه لا يتعدى أن يكون نقطه فى محيط.

فلنصل إلى الله ان يبارك هذه الكلمات الموجودة فى هذا الكتاب ويجعل لنا نصيباً وشركه مع ميراث القديسين ونطلب من الله أن يعطى نعمة ومعونة من أجل نقل تراث القديسين الذى لم يترجم بعد.

بصلوات العذراء القديسة مريم ورئيس الملائكة الجليل ميخائيل والقديس العظيم الانبا أنطونيوس وصلوات القديس اغريغوريوس الذى جاهد من أجل الايمان وكرس حياته للشركة مع الله. وبصلوات البابا شنودة الثالث. نرجو ان يبارك الرب فى هذا العمل الروحى حتى تصل كنوز ابائنا واجدادنا إلى أيدينا حتى يكون لنا شركة مع القديسين.

5 يونيو 1982.

عيد حلول الروح القدس.

المعرب.

القمص اشعياء ميخائيل بباوى.

الفصل الأول تأملات عامة

1 - معنى الكمال:

أن اشتياقك ان اكتب لك يا صديقى العزيز عن حياة الكمال هو أمر صعب علىّ وليس على ّ بل على الذين يمارسون حياة الفضيلة أيضاً ويتفوقون فيها. وأن هدفك واضح وهو أن تجد فى حديثى ما تبحث عنه لتحصل على النعمة من خلال هذه الكلمات وتمارس ذلك فى حياتك. وأنا لا أريد أن أنقل لك الانطباع الذى فى المزمور الذى يقول أنهم.

«خافوا خوفاً لأن الله فى الجيل البار» (مزمور 14: 5).

وأنا سوف أحاول أن اشرح بكل وضوح ما اعنيه. وأن الكمال فى الامور الحسية دائماً يكون واضحاً ومحدوداً مثل النمو قد يكون ممتداً وقد يكون متوقفاً، وان قياس أى كمية يفترض المحدودية لها، فاذا اخذنا مثلاً الرقم عشرة فأنه لابد أن يكون له بداية وله نهاية. أما بخصوص الفضيلة فاننا نعلم من الرسل القديسين أن الكمال لا حدود له. وهكذا يقول بولس الرسول.

«أيها الاخوة أنا لست أحسب نفسى أنى قد أدركت ولكنى أفعل شيئاً واحداً إذ أنا أنسى ما هو وراء وامتد إلى ما هو قدام» (فى 3: 13).

فالرسول بولس يكف عن الاشياء غير النافعة ويمتد إلى ما هو قدام فى الفضيلة، لان الفضيلة غير محدودة وهى مؤكدة بما هو عكسها، فأن الحياة مؤكدة بالموت، والنور مؤكد بالظلمة. ولذلك فإن كل شئ مقدس يتوقف حيث يبدأ عكسه فى الوجود. فإن الحياة تنتهى بالموت، والفضيلة تتوقف حيث تبدأ الخطية. ولذلك قلت لك أن تعريف الكمال أمر صعب. لذلك نحن نرى أن كل ما هو محدود لا يعتبر فضيلة. لذلك أنا أقول أن كل الذين يسيرون فى طريق الفضيلة يستحيل عليهم أن يصلوا الى الكمال لأنه لا حدود للكمال. ولكن الكمال هو الله القدوس البار فقط لان الطبيعة الالهية تستبعد أى شئ عكس ذلك. والذى يسعى فى حياة الفضيلة تكون له شركة مع الله لان الله هو مصدر الفضيلة. والفضائل غير محدودة ولذلك يكون من المستحيل أن نصل إلى الكمال لأن الكمال غير محدود لانه صفة من صفات الله غير المحدودة.

والفضيلة تتوقف وتصير محدودة إذا بدأنا فى ممارسة الخطية. ولذلك نحن مطالبون بتنفيذ الوصية.

«فكونوا أنتم كاملين كما أن أباكم الذى فى السموات هو كامل» (مت 5: 48).

ولذلك ربما لا نقدر أن نصل إلى قمة الكمال لأن الكمال هو الله ولكن نجاهد حسب امكانياتنا حتى لا نسقط من الكمال ونسعى أيضاً لكى نقترب من الكمال ونحصل على ما يمكن الحصول عليه. وهذا هو ما يمكن أن نعبر عنه بالكمال البشرى وهو النمو المتواصل فى الفضيلة.

2 - التقدم الروحى:

كمال الحياة المسيحية هو تقديس عقوانا وأرواحنا وأجسادنا لتتقدس كل أعمال حياتنا عن طريق اسم الرب يسوع المسيح. حتى نكون يقظين دائماً لكى لا نفعل الشر. وهذا ما يعلنه لنا بولس الرسول.

« ولتحفظ روحكم ونفسكم وجسدكم كاملة بلا لوم» (14).

أننا يجب أن نعلم أن الله وحده هو الكامل أما الطبيعة البشرية فهى متغيرة ومتقلبة. ولكن كيف نضع الثبات فى طبيعتنا المتغيرة حتى نثبت فى البر دائماً؟ إن الاجابة على ذلك أنه لا يوجد أكليل بدون جهاد قانونى، ولا يكون الجهاد قانونياً الا إذا كان هناك عدو نحارب ضده. فان لم يوجد عدو فلن يكون هناك جهاد. ولن يكون هناك نصرة ما لم يكن هناك حرب، وسوف ننتصر إذا هزمنا عدونا وسيطرنا عليه ولم ننهزم منه. ولسوف تكون هناك صعوبة فى التقدم فى الفضيلة إذا سيطرت علينا ولو شهوة واحدة شريرة. وفى الواقع ان السلوك فى الفضيلة وفقاً لطبيعتنا المتقلبة هو امكانية التقدم فى البر. وإمكانية النمو هذه هى التى تشكل الروح حتى تتجه أكثر فأكثر نحو الله. ولن تكون هناك صعوبة اذا كان تغييرنا للأحسن، وما دمنا نحن قابلين للتغير فالأفضل أن نتغير لما هو أفضل.

«من مجد إلى مجد» (2كو 3: 18).

وهذا يجعلنا نتقدم دائماً نحو الكمال بالنمو اليومى، معد عدم الاكتفاء بحدود معينة نحو الكمال يعنى عدم التوقف نحو ما هو أفضل وعدم وضع أى حدود نقف عندها فى نمونا.

3 - الشوق والرغبة الالهية:

الانسان الذى بدأ يسير فى طريق الله تنعكس الحياة الالهية فى طبيعته البشرية. وحينما يتفرس فى جمال المخلوقات فهو يسمو إلى التلاميس مع الله الخالق.

«لأن أموره غير المنظورة ترى منذ خلق العالم مدركة بالمصنوعات» (رو 1: 20).

ولكن الانسان حينما يحرم من الحكمة فإنه يتعلق فقط بما هو وقتى، ولكننا نتعلم من سفر الجامعة أنه.

«باطل الاباطيل الكل باطل» (جامعة 1: 2).

ولذلك فإن الذى لا يرى غير المنظورات الحسية فقط فهو لا يرى شيئاً، ولكن الذى يدرك علة وجود الأشياء المخلوقة، ويفهم حقيقة الوجود الدائم الذى هو الله ويتمتع يمعرفته ويسلك فى الفضيلة فهذا هو الذى يملك الملكية الحقيقية.

وهذا ما يقوله سفر الجامعة.

«ما الفائدة للأنسان من كل تعبه الذى يتعبه تحت الشمس» (جامعة 1: 3).

فالمقصود بالتعب هنا هو العمل لحساب الجسد وهذا لا يقودنا للسلوك فى الفضيلة. وهذا ما يقوله الأنجيل ما هو الانسان؟ وما هى هذه الحياة؟ وماذا تستفيد الروح حين يعيش الانسان لحساب الأمور الزائلة؟ وكم من الناس يجاهدون للسير فى الفضيلة؟ إن الشمس تدور دورتها كاملة ولكنها تعطى أحياناً ضوءاً وأحياناً أخرى تعطى ظلاماً. فهى تشرق على الأرض فتعطى ضوءاً، ثم تغرب عنا فتعطى ظلاماً. ولكن الأرض باقية كما هى ثابتة لا تتغير. وكل المخلوقات أيضاً محدودة فالبحر هو وعاء للماء الذى يملأه من كل جانب والماء يتدفق فيه ولكنه لا يكبر بل يظل على ما هو عليه ما دام وصول الماء اليه دائماً وهذا ما يخبرنا به سفر الجامعة.

«كل الانهار تجرى إلى البحر والبحر ليس بملآن، إلى المكان الذى جرت منه الانهار إلى هناك تذهب راجعة» (جامعة 1: 7).

وهذا يعلمنا أن كل الاشياء التى يتمسك بها الانسان هى غير دائمة. فاذا كان عمل الشمس عظيماً والنور والظلام عملين رائعين والأرض ثابتة غير متغيرة والأنهار بلا حدود تعمل فى البحر، فإذا كان هذا حال الطبيعة العامة فما هو حال الانسان الذى يعبر هذا العالم. وهل نجد أى غرابة أن جيلاً يمضى وجيلاً يجئ، وهذه هى دورة الطبيعة التى لا تنتهى، وأن كل جيل يتبع الجيل الذى سبقه، والجيل الجديد سوف يحل محله الجيل الذى سوف يأتى.

وهذه هى الرسالة التى تأخذها الكنيسة وتعلمها أن الأنسان غريب على الأرض وما يراه فى الشمس والبحر يطابق ما فى نفسه وما فى طبيعته. وفى الشمس نحن نرى رمزاً للشروق والغروب فالكل له طريق واحد فى رحلته هذا العالم، بالميلاد نحن نشرق، ثم نعود ثانية إلى المكان الذى خلقنا من أجله، وحينما تغرب حياتنا من الأرض فاننا نقترب من النور الحقيقى. وان كل ما هو من الأرض لابد أن يتحلل إلى عناصره، وهذا ما يخبرنا به سفر الجامعة.

«الشمس تشرق والشمس تغرب وتسرع إلى موضعها حيث تشرق. الريح تذهب إلى الجنوب وتدور إلى الشمال تذهب دائرة دور أنا وإلى مدارتها ترجع الريح» (جامعة 1: 5 - 6).

وهكذا بشروق الشمس أولاً فى شمال الأرض ثم تتحرك نحو الجنوب ثم تختفى بعد ذلك لتدور فى الأتجاه العكسى إلى أن تأتى مرة ثانية إلى الناحية الشمالية من الأرض وهكذا نتحدرك بهذه الكيفية. وهكذا الروح أيضاً بعد أن تترك هذا العالم تحيا فى النور الأبدى هناك والذى يفهم هذا فانه سوف ينتفع كثيراً فى حياته.

4 - الاشتياق للسماء:

نحن نؤمن أن البر الحقيقى أمر يفوق كل معرفتنا المحدودة. وكل أفكارنا البشرية وكل ما فينا من خير ولأن طبيعتنا الأرضية زائلة لذلك يجب أن تكون لنا شركة مع البر الذى هو الصورة الحقيقية الاصلية التى خلقنا نحن على مثالها. فالانسان يمتلك فى داخله هذه المواهب التى هى الأبدية والسعادة والحرية والارادة الحرة ورؤية البر بعقل غير مظلم ونقى من كل شهوة وهذه هى صورة الانسان التى عاش عليها حين كان فى الفردوس ويتمتع بالخيرات الموجودة هناك وكان ثمار الأشجار التى يأكل منها هى الحياة والمعرفة والحب.

إذا ما عرفنا هذه النعم التى كنا نمتلكها كيف لا ننوح على تعاستنا الحاضرة اذا ما قارناها بسعادتنا السابقة.

ان الانسان الذى خلق على صورة السماء قد سقط بالخطية إلى الأرض والذى خلق ليسود أصبح عبداً والذى خلق على غير فساد قد حطمه الموت والذى عاش فى نور الفردوس طرد إلى المكان الذى فيه الشقاء والبكاء، والذى كان بلا ألم تحول إلى حياة الوجع والموت، والذى كان فى حرية وضبط للنفس أصبح عبداً لأشياء كثيرة لا يمكن أن يتخلص منها، لأن كل شهوة تتسلط علينا نصير نحن عبيداً لها مثل الطاغية المستبد الذى أصبح يسيطر على أرواحنا ويخرب نفوسنا ويستخدم أفكارنا للتمتع بالملذات وهذه هى الشهوات التى صرنا عبيداً لها: الغضب، والخوف، والجبن، والكبرياء، ولذات الجسد، الغيظ وكل شهوة خاطئة تدخل إلى نفوسنا، فهذا هو عمل السادة الطغاة الذين يحاولون أن يستعبدوا نفوسنا ويسجنوها ويجعلوها تحت قيادتهم وأمرهم اننا سوف نذرف دموعنا كثيراً إذا أحسسنا بضرورة الخلاص من هذه الشهوات ليرد الينا فرحنا الأول حين نتحرر من هذه الشهوات. وحينما طرب الرب الحزانى لأنهم يتعزون فاننا نتعلم من ذلك أن الروح يجب أن نثبت فى البر الحقيقى ولا تنغمس فى خداع هذه الحياة الحاضرة. لأن انعكاس الانسان فى هذه الشهوات يسبب له الحزن ولأن هذه الشهوات حيوانية ونحن حين ننغمس فيه فاننا ننزل إلى مستوى الحيوانات وحتى هذه الحيوانات فان حياتها كلها فى اللذة والشهوة فقط ولا تعرف غير ذلك قط، فنحن نرى الحصان الذى يقفز ويثب، والثور الذى يثير التراب، والخنزير الذى يثور، والكلاب التى تلعب، والبقر الذى يمرح، وهكذا فان الأنسان الذى لا يعى المواهب السمائية التى منحت له تصير كل حياته فى دائرة المسرات الأرضية فقط.

5 - نقاوة القلب:

ان طبيعة جوهر الله يفوق كل معرفة بشرية، ولا يمكن الاقتراب من تلك الطبيعة الألهية أو ادراكها بتفكيرنا الخاص، وأن العقل البشرى لم يستطع أن يدرك ما هو فوق مستوى الأدراك، لذلك قال الرسول بولس.

«ما أبعد احكامه عن الفحص» (رو 11: 33).

وهكذا يعلمنا انه يصعب على امكانياتنا البشرية أن تدرك جوهر الله، بل وحتى الذين سبقونا لم يتوصلوا إلى معرفة ما هو فوق حدود المعرفة. ولذلك فان الله الذى يفوق فى جوهره كل طبيعة مدركة هو غير مرئى وغير مدرك، ولكن من الممكن رؤيته وادركه بوسيلة أخرى، ونحن نستطيع أن نتوصل إلى معرفته، بوسائل كثيرة نستطيع أن نراه.

«كلها بحكمة صنعت» (مز 104: 24).

ولذلك يمكننا أن نستنتج الحكمة التى نراها فى المخلوقات، كما هو الحال حين نرى الفنون البشرية فاننا نستطيع أن نتصور الفنان الذى صنع هذا الفن والذى هو موجود قبل الفن الذى صنعه لأنه وضع فنه فى عمله. ولكن ما نراه ليس جوهر الفنان بل براعة الفن التى وضعها فى فنه. وهكذا حينما ندرك نظام الخليقة فاننا لا ندرك جوهر الخالق بل حكمته التى صنعت كل الاشياء، فنحن حين نتأمل نظام الحياة البشرية وكيف خلق الله الانسان وكيف اعطاه الارادة الحره فأننا نتأمل فى طرق الله، وهذا هو صلاح الله وليس جوهره، وهذا هو مجال معرفتنا. نحن نتكلم عن معرفة الله بهذه الطريقة ونرتفع إلى مستوى وجود الله معنا، لأن التفكير فى القوة والطهارة والثبات والحرية والحب، كل هذا يطبع فى عقلنا صورة التفكير فى الله عن طريق الأرتقاء من المخلوقات إلى الخالق ولذلك فأن الله لم يخدعنا حين وعد انقياء القلب أنهم سوف يعاينون الله وأيضاً لم يخدعنا بولس الرسول حين قال.

«الذى لم يره احد من الناس لم يقدر أن يراه» (1تيمو 6: 16).

ولا يوجد أى تعارض بين النصين لان طبيعة الله غير المرئيه صارت مرئية فى خليقته، وصرنا نستطيع أن نراه حين نتأمل فى المخلوقات التى خلقها هو ومعنى التطويب.

«طوبى للأنقياء القلب لانهم يعاينون الله» (مت 5: 8).

ليس اننا نرى طبيعة الله فى المخلوقات بل نرى حكمة هذا الكون التى تقودنا إلى الحكمة الفائقة والقوة الألهية التى تظهر فى تناسق المخلوقات. وهذا التطويب يعطى تعزية لأولئك الذين يجاهدون من أجل نقاوة القلب حتى يعاينون الله. وهناك أمثلة فى طبيعتنا البشرية مثل الصحة، فلا يكفى أن نتحدث عن أسباب الصحة بل يجب أن نتمتع بها فاذا كان انسان يتحدث عن الصحة ولكنه يتناول أشياء ضارة ومؤذية ويشرب مشروبات غير صحية فماذا ينفعه الحديث عن الصحة اذا كان هومصاباً بأمراض كثيرة؟ وهكذا يب أن نفهم التطويب، لأن الله لم يطوب الذى يعرف شيئاً عن الله بل الذى يمتلك الله فى قلبه "طوبى لانقياء القلب لأنهم يعاينون الله" ومعنى هذا أن من يطهر قلبه فإن الكلمه تصير أكثر وضوحاً له ويتم فيه قول الرب.

«ملكوت الله داخلكم» (لو 17: 21).

فاذا طهر أحد قلبه من كل غضب وانفعال سوف يرى صورة الله الجميلة. ويكون مثله مثل الفنان الذى يطبع على الشمع صورة الميدالية التى يريد أن يصنعها. هكذا فإن الله وضع فى داخلنا القدرة على معرفته لأنه حين خلقنا وضع فينا هذا الكمال لكى يكون دائماً فى طبيعتنا السلوك والسعى نحو هذا الكمال المطبوع فى داخلنا. ولكن الشر الذى ملأ هذه المخلوقات الالهية جعل صورة هذا الكمال تتلوث. وتشوهت صورة الله بالشر الذى ملأ البشر، ولذلك يجب أن نغسل أنفسنا بحياة الفضيلة ونمحو الشر الذى لصق بقلوبنا، وعندئذ يشرق فينا الجمال الآلهى.

ومثلما يحدث أيضاً للحديد حين يصدأ فإنه يتحول لونه فجأة إلى اللون الأسود، ولكن حين ينزع عنه الصدأ بدلكه بحجر الشحن فأنه يلمع ويتلألأ ويعكس اشعة الشمس، هكذا يحدث مع الأنسان الداخلى فاننا حين نزيل الصدأ الذى هو القذارة التى تجمعت بسبب الشر والفساد عن القلب فإنه يتنقى ويرجع إلى حالة النقاوة الأولى. ولذلك فإن الأنسان الذى خلق على صورة الله الصالح هو صالح أيضاً، واذا نظر الأنسان إلى ذاته فإنه سوف يرى صورته الأولى فى الطهارة والنقاوة اللتين هما صورة الله نفسه مثل الذين يرون الشمس فى مرآه، فأنهم لا يتطلعون إلى السماء مباشرة ولكنهم يرون الشمس منعكسه فى المرآه. وهكذا قيل لنا بأن الله معنا. ولأننا غير أقوياء بالدرجة التى نستطيع بها أن نرى النور ذاته، الأ أننا اذا رجعنا إلى أنفسنا وعدنا إلى الصورة التى خلقنا عليها منذ البداية فإننا سنصير صورة الله الذى هو النقاوة عينها والقداسة وانعدام الشر بالتمام، وأذا ما نحن أمتلكنا هذه الصفات كلها فان الله بالتأكيد سوف يكون معنا حين لا يتلوث فكرنا بأى شر ونتحرر من كل الشهوات ونتنقى من كل نجاسة، وعندئذ نطوب لأن عيوننا ستصير طاهرة ونستطيع أن نبصر الأشياء غير المرئية التى لا يقدر أن يراها غير الأطهار. وحينما تزول غمامة الظلمه من العين سوف نرى بوضوح تلك الرؤية المباركة بالفكر الطاهر والقلب النقى. ولكن ما هى تلك الترؤيا. أنها الطهارة والقداسة والبساطة والنور الذى يضئ علينا وينعكس فينا من الله. وبهذا نستطيع أن نرى الله.

6 - التأمل:

ولكى نوضح النقطة السابقة، دعنا نتخيل الترعة التى تصل من نبع الماء ثم تنقسم بعد ذلك إلى قنوات مختلفة. ولذلك فإن هذه الترعة تصير ضعيفة جداً ولا تصلح لرى الأرض لأن مياهها سوف تتوزع فى القنوات المختلفة الأتجاهات، وتصير كل قناة صغيرة وهزيلة ولا تندفع المياه فى أى منها بقوة، ولكن إذا أستطعنا أن نجمع كل المياه المبعثرة فى القنوات المتعددة إلى قناة واحدة فاننا سوف نحصل على كمية من المياه تصلح لاحتياجات الحياة المختلفة. وهكذا الحال مع العقل البشرى أذا تشتت فى اتجاهات مختلفة من الملذات الجسدية فلن تكون لديه أى قدرة للتقدم نحو الله الحقيقى. ولكن الأن نحن نجمع العقل من كل ناحية ليبدأ فى التفكير فى الكمال الطبيعى بدون أن يتبعثر أو يضيع وعندئذ لن يجد العقل أى عقبة أن يرتفع إلى السماء ليصل إلى التأمل فى المعنى الحقيقى للحياة.

ومن الممكن أن تندفع المياه فى الأنابيب إلى أعلى خلاف الاتجاه الطبيعى لها الذى يكون إلى أسفل، وهذا يحدث لأنه لا يوجد أى إتجاه أخر تتدفق فيه، فهكذا الحال مع عقل الانسان إذا سدت جميع منافذه بأن تخلص من كل محبة عالمية فانه سوف يتجه إلى محبة السماويات، لأنه يستحيل على طبيعتنا البشرية أن تتوقف عن التحرك لأنها خلقت وفيها القدرة على التغيير وعندما نمنعها من التعلق بالأشياء الزائلة ونحفظها من الشهوات المختلفة فانها سوف تتحرك بالضرورة نحو الطريق الصحيح للحق.

وهذا شائع جداً حيث نرى المسافرين لكى لا يفقدوا الطريق الصحيح يجب أن يتجنبوا كل الطرق الأخرى الخاطئة التى حذروا منها. فهكذا العقل ايضاً حين يبدأ فى الحذر من الطرق الخاطئة الشريرة فانه للحال سوف يقترب من الحق وهذا هو بالحقيقة ما تعلمناه من الأنجيل ألا ننشغل بالاشياء العالمية وأهم هذه الاشياء هى الشهوات الجسدية التى هى اصل كل الشهوات الزائلة الاخرى.

7 - الجمال الحقيقى:

كيف يستطيع أى احد أن يعبر عن الخسارة الكبرى فى حالة فقدان الأحساس بالوجود الحقيقى لله؟ وكيف تكون القوة غير العادية للروح حين يكون الانسان له شركة مع الله؟ وكيف يستطيع أى أحد أن يعبر عن غير المدرك الذى يفوق كل تعبير وكل تصور عقلى. إن الأنسان حين يطهر قلبه فانه ينظر جمال الرب الحقيقى ويحتقر كل جمال بشرى آخر، وعلى العكس إذا كان الانسان منغمس فى الشهوات الجسدية فانه يصير هناك حاجز أمام عينيه من رؤية أى شئ.

وهكذا أيضاً مع شروق الشمس، فاذا لم ير الانسان شروق الشمس فلا فائدة من الحديث معه عن شروق الشمس لأنه لا يستطيع أن يرى الشمس من خلال سماعه فقط الحديث عن الشمس، فهذا هو الحال مع نور الروح الحقيقى لأن الأنسان يحتاج إلى عينين لكى ينظر بهما الجمال. والروح هى التى ترى تلك النعم الألهية، والعقل يتذوق فى الخفاء تلك النشوة الروحية التى لا يعبر عنها. ولكن الأنسان الذى لم يرى ذلك لا يستطيع أن يدرك الخسارة التى يفقدها حينما يجد بالتمام البر الحقيقى. لأنه لا توجد أى كلمات أو الفاظ فى العالم المنظور لنعبر بها عن الجمال الحقيقى، ولا يوجد فى عالم الحس ما يشرح ذلك بالمقارنة. فمن ذا الذى يستطيع أن يقارن الشمس بشرارة صغيرة، وبين الحبر الممتد إلى ما لانهاية ونقطة الماء الصغيرة لا يوجد أى مقارنة، فالنقطة الصغيرة من الماء أو الشرارة البسيطة من النار تمثل العلاقة بين الجمال الحقيقى لله وبين جمال الأشياء التى يتعلق بها الأنسان.

وحينما يعانى الأنسان من خسارة البر فكيف نستطيع أن نعبر له عن تلك الخسارة. إن داود النبى يرتفع بالروح وينظر إلى الله غير المحدود وإلى جماله الذى لا يعبر عنه وينظر على قدر ما يستطيع أن يرى كإنسان. ويترك غطاء الجسد ويتأمل فى ذلك العالم الروحى غير الجسدى ويشتاق أن يقول شيئاً يناسب تلك الرؤية ولكنه لا يستطيع أن يقول سوى أن.

«كل إنسان كاذب» (مز 116: 11).

وهذا يعنى أن كل إنسان يحاول أن يصف ذلك النورالفائق هو غير صادق وهذا ليس بسبب بعده عن الحق ولكن بسبب عجزه عن الشرح. ولكننا نرى أن حياتنا الأرضية تظهر فيها البهرجة الزائلة وتستغرق حواسنا فى الأعجاب بالجمال الزائل وتتعلق بالأشياء الزائلة. ولكن الجمال الحقيقى لله هو بلا مقارنة لأننا لن نجد الكلمات ولا الأسلوب لوصف غير المنظور. لأن ذلك الجمال الحقيقى بعيد عن أى شكل أو صورة ولا يمكن أدراكه بالحواس الجسدية.

ولكن يجب ألا نيأس فى أن نحرز ما نرغب فيه رغم أنه يفوق كل أدراك ولكن يجب أن نفهم اننا لن نستطيع أن ندرك الله عن طريق إدراك الحواس. ولكن يجب أن تقودنا اليد الالهية إلى غير المرئى وهذا ما سوف نشرحه فيما يلى:

8 - النعمة الروحية:

أن الذين يدركون الصورة غير الواقعية للحقيقة إنما يدركون مجرد الصورة السطحية فقط، فان هؤلاء الناس إنما يتعلقون بالشخص أو الشئ المادى الذى يرونه فقط ويكتفون بمجرد تلك الرؤية الخارجية فقط ولا يتعدون ببصيرتهم إلى ما وراء تلك الرؤية المادية.

أما الأنسان المدرب على النعمة فأنه لا يتوقف عند الظواهر الخارجية فقط لأنه يعلم أن مالا يراه هو موجود فعلاً، لأنه توجد أشياء موجودة رغم أننا لا نراها. وهو يتغلغل إلى طبيعة الروح ويستنتج عمل المخلوقات وتناسقها ووحدتها والعلاقات المتبادلة بين كل الخليقة.

وهكذا فى دراسة الجمال فان الرجل الحكيم حين يرى شيئاً جميلاً خارجياً فإنه يرسم معالم ذلك الجمال فى عقله وتنجذب حواسه اليه ولكنه لا يتأمل فى أى عمق لهذا الجمال. ولكن يوجد أنسان أخر قد طهر عينا عقله. ولم يتعلق بأى شئ مادى يراه، ولكنه يفكر فى أصل هذا الجمال المادى، ويتأمل فيما يراه كخطوة نحو رؤية الجمال الروحى ويفكر فى الله الذى هو سبب جمال تلك الأشياء المرئية.

وأن غاليبة البشر يجدون هذا الأمر صعباً وهو التأمل فى الجمال ذاته منفصلاً عن الأشياء. واذا أردنا أن نعرف السبب الرئيسى لخطأ البشر فهو عدم القدرة على التدريب على الفصل بين الصلاح الحقيقى والكاذب وهذا هو السبب الذى من أجله يفشل البشر فى الحصول على الصلاح الحقيقى، لأن البعض يسقطون فى المحبة الجسدية والبعض يتركون العنان لشهواتهم تجرى خلف الأشياء المادية الزائلة، والبعض ينحصرون فى الجمال الظاهرى فقط للمجد والقوة، والبعض يفنون حياتهم فى العلم والفنون، والغالبية مستعبدون وتخلصوا من شهواتهم المنغمسين فيها بحواسهم وطلبوا الجمال الحقيقى الذى ليس له شبه ولا شكل فانهم سوف لا يخطئون فى اختيارهم لما هو صالح وسوف لا يسلكون بعيداً عن الحق ولن يخدعوا فى التفكير فى ملذات العالم وسيعتبرونها اشياء زائلة سوف يحتقرونها. وهذا هو طريق اكتشاف الصلاح وهو ترك الأشياء المؤقتة الزائلة حتى نحتفظ بطاقتنا للحب الحقيقى لله.

والآن أنا لا أعنى أن نحتفظ بقدراتنا مغلقة وبدون استعمال ونشاط بل الأفضل أن تتطهر من أى انجذاب لتلك الأشياء الأرضية وأن ننجذب للأشياء التى فوق الحواس، وعندئذ لن نكف عن الاعجاب بجمال السماء ونورها وكل جمال الهى يجذبنا ويشجعنا إلى كل الأمجاد السمائية.

«السموات تحدث بمجد الله والفلك يخبر بعمل يديه» (مز 19: 1).

وهكذا يجب أن تترك النفس كل شهواتها للتأمل فى السماء والنجوم حتى نستطيع أن ندرك عظمة ما فوق النجوم. ولكن كيف يمكن لنا أن نصل إلى هذا ونحن ما زلنا نشتهى الأشياء الأرضية. وكيف يمكن أن نطير إلى السماء بدون الأجنحة الالهية خصوصاً إذا كنا نسلك فى طريق تعظم المعيشة. فى الواقع لا يوجد أحد لديه ما يؤهله أن يصعد بفكره نحو السماء الا إذا اخذ معونة الروح القدس الذى يرمز له بالحمامة كما قال داود النبى.

«فقلت ليت لى جناحاً كالحمامة فاطير واستريح» (مز 55: 6).

لأن الحمامة بسهولة تطير الى أعلى وتهرب من كل رائحة العفونة والفساد. هكذا الانسان حينما يتجنب كل شهوات الجسد فانه سوف يرتفع فوق أجنحة الحمامة "ومعونة الروح القدس" ويسلك فى جهاد ضد هذا العالم، وسوف يكتشف انه لا يوجد شئ يستحق أن يهتم به ويتعلق به، وسيصير جميلاً لأنه سيقترب من الجمال الحقيقى الذى هو الله ويصير مضيئاً مثل النور لأنه صارت له شركة مع النور الحقيقى.

ونحن كثيراً ما نرى نوراً يأتى من النجوم ويطلق عليه البعض الشهب، ولكن العلماء يقولون ذلك ليس الا مجرد هواء فى سماء الكواكب تحت ضغط الرياح، ويعللون حدوث هذه الشهب فى السماء حينما يمسك الهواء ببعض هذه النيران، وكما ان الهواء المحيط بالأرض يندفع بقوة الى أعلى بقوة الريح ويتحول إلى نور فى قبة السماء، هكذا أيضاً العقل البشرى حيما يترك العالم الزائل بقوة الروح يصير نقياً ومضيئاً وله شركة مع الحق والطهارة، وعندئذ تشرق روح الانسان بتلك النقاوة وتمتلى من أشعة النور وتصير فى نفسها نوراً وفقاً لوعد الله.

«عندئذ يضئ الأبرار كالشمس» (مت 13: 43).

ويجب أن نلاحظ نفس الشئ هنا فى الأرض فى ظاهرة الماء أو المرآة أو أى شئ ناعم ينعكس النور على سطحه فانه يعكس أشعة الشمس. ولكن أذا اتسخت هذه المرآة وأمتلأت من الأتربة فانها لا تقدر أن تعكس النور أو أشعة الشمس. هكذا نحن نصير مضيئين اذا ما ارتفعنا فوق الأشياء الأرضية المظلمة واقتربنا من النور الحقيقى الذى هو المسيح. وإذا اقترب منا النور الحقيقى فان الظلام يتبدد حالاً ويتحول إلى نور. لأن النور سيضئ لنا عندما لا تفسد الخطيئة طبيعتنا وتفقد جمال النور الذى فينا. هذه الأمثلة السابقة تعلمنا كيف نتقدم بحذر وأنه لا توجد أى طريقة أخرى للأتحاد مع الله الا عن طريق النقاوة وعدم الفساد، لأن الروح هى على صورة الله ولن تقدر أن تصل اليه الا اذا تطهرت وصارت مثل المرآه وعندئذ تستطيع أن تعكس صورة جماله بالمشاركة وانعكاس الصلاح الأصلى عليها.

وعلى ذلك فإن الانسان الذى يستطيع أن يحتقر كل الملذات البشرية وأن لا يتعلق بالأشخاص أو الأشياء، بالأعمال أو الفنون، ولا بأى شئ آخر عن طريق الحواس ولو كان هذا الشئ صواباً لأنه يجب على الانسان أن يترك كل شئ ولا يطلب الا الله لأن جمال الله يفوق كل شئ، وهو الجمال الدائم إلى الأبد ولا يتغير من لحظة إلى أخرى وهو فوق كل تغيير أو تعديل أو اضافة أو أزدياد.

ومع ذلك فان الانسان الذى قد تطهر من كل اشكال الخطية فانه سوف يصير قادراً على رؤية الجمال الحقيقى الذى هو الله مصدر كل جمال وصلاح. والعين التى تطهرت تقدر أن ترى الظواهر السمائية البعيدة جداً عن الأرض، وهكذا فان الروح الطاهرة ستأخذ قوة رؤية ذلك النور ومن خلال عدم الفساد الذى فيها تصير قادرة أن ترى الله الذى هو أصل كل شئ ولا يدانيه أى جمال أو صلاح أو نقاوة.

ذلك النور ومن خلال عدم الفساد الذى فيه تصير قادرة أن ترى الله الذى هو أصل كل شئ ولا يدانيه أى جمال أو صلاح أو نقاوة.

ولكن ربما يعرف كل أحد هذا ولكنه يسأل كيف يمكن أن يصل إلى هذا الهدف وبأى طريقة يصل وبأى سلوك يمكن أن يدرك ذلك الهدف.

أن الانجيل مملوء بمثل هذه التعليمات. وكثير من القديسين اضاءت حياتهم وصاروا كمصابيح تضيئ للسالكين فى طريق الله. ولذلك فإن أى أنسان يستطيع أن يجمع من العهدين القديم والجديد الوصايا التى يقدمها لنا الوحى الالهى للوصول إلى الهدف المنشود. وهناك مادة خصبة فى الناموس والأنبياء وكتابات الرسل وفى الفصل التالى سوف أقدم ما أكتشفته فى دراستى فى حكمة الوحى.

9 - الرجوع إلى صورة الله:

حينما خلق الله الانسان على صورته غير الفاسدة ومنحه نعمة التفكير والعقل.

«فخلق الله الانسان على صورته. على صورة الله خلقه» (تك 1: 27).

وكان الانسان أولاً لا يوجد فيه أى انحراف نحو الشهوة والفساد لأن صورة الله كانت مطابقة للأصل الذى خلقت عليه. ولكن عناصر الشهوة نتجت بعد ذلك، وكان الانسان يمتلك حرية الأختيار ولم يكن مستعبداً لأى شئ خارجى، ولكن الأنسان خدع بعد ذلك وقادته حرية ارادته إلى كارثة الاشتراك فى الفساد لان الانسان سمح لنفسه ان يدخل فيه الشر. لأن الشر غير موجود فى الله فهو غير موجود أيضاً فى صورة الله الذى هو الانسان. والله لم يخلق الفساد قط ولكن الانسان نفسه هو الذى اوجد الشر والفساد. ومثال ذلك أن كل من له عينان يستطيع أن يتمتع بنور الشمس ويستطيع أيضاً ببساطة أن يغلق عينيه فيحرم من التمتع بنور الشمس، وعندئ يستطيع أن يقول أم الشمس غابت أو تحولت إلى ظلمة ولكن الانسان نفسه قد وضع عائقاً بينه وبين الشمس بغلق عينيه. ولذلك عندما نغلق العينين فلا يكون لدينا القدرة على النظر وتكون أيضاً إرادتنا هى التى أظهرت الظلام ومنعتنا من الرؤية.

وهناك مثل آخر حينما يبنى الانسان منزلاً ولا يجعل فيه أى نافذة لدخول النور، فانه سوف يحيا فى المنزل فى ظلام شديد وسيحرم من النور بارادته. وهكذا فان الانسان الأول حينما وجد فى الأرض هو الذى أوجد كل الشر بارادته وكان عنده القدرة أن يختار كل الحسن والأفضل وذلك من الطبيعة المحيطة به ولكنه بارادته اختار الشر المخالف للطبيعة، وخالف الفضيلة بارادته المنفردة فذاق عندئذ تجربة الشر، والشر غير موجود فى الطبيعة وهو منفصل عن الارادة الحره، فالشر ليس جوهرياً فى طبيعة الانسان لان كلما خلقه الله هو حسن ولم يخلق الله أى شئ فاسد ولكن كما عرفنا بأن الانسان هو الذى أوجد الشر فى حياته وذلك الشر هو سبب شقائه. ولما دخل الشر إلى جنس البشرية تحولت الصورة الأصلية إلى طياشة وظلمة وتلوث بالخطية وعندئذ لم تعد تحمل جمال صورة الله التى خلقت عليها بالطبيعة وتحولت إلى صورة الشر القبيحة. وهكذا فإن الانسان الذى كان عظيماً.

« وحسناً جداً» (تك 1: 31).

كما دعاه الكتاب المقدس فقد قيمته التى كان يتمتع بها وانزلق إلى الوحل وتلطخ وجهه حتى أن اقاربه لم يعودوا يستطيعون أن يتعرفوا عليه وهكذا سقط الانسان فى وحل الخطية وفقد صورته التى على مثال الله الابدى ولبس صورة التراب الفاسد. ولكن من الممكن أن يرجع الأنسان إلى صورته الأولى حينما يغتسل فى المعمودية وعندئذ تمحى الصورة الترابية ويشرق الجمال الروحى مرة ثانية.

ولأن محو كل ما هو غريب عن طبيعتنا هو الرجوع إلى أصلنا إلى تلك الصورة الأولى التى خلقنا عليها. وعندئذ تكمل صورة الله فينا. وهذا الاثم بقدراتنا الذاتية ولا بأى قدرة بشرية ولكن هى هبة من الله يمنحنا اياها أن يرجع تلك الصورة الألهية إلى طبيعتنا البشرية وعندئذ نرجع إلى حالتنا الأولى التى خلقنا عليها ولكن علينا أن ننقى أنفسنا بارادتنا من نجاسة الخطية وعندئذ تسمح لجمال الروح المختفى أن يشرق فينا هذا الدرس نتعلمه من كلمات الرب يسوع المسيح حين قال بأن.

«ملكوت الله داخلكم» (لو 17: 21).

وانا أظن أن هذا النص يشير إلى نعمة الله غير المنفصلة عن طبيعتنا، وأن هذه النعمة ليست بعيدة عن أولئك الذين أختاروا أن يبحثوا عنها لانها فى داخلهم خصوصاً إذا احتقروا.

«هموم الحياة وغناها ولذاتها» (لو 8: 14).

وإذا كان يجب أن نثبت هذه التعاليم بطريقة أخرى فهى موجودة فى مثل البحث عن الدرهم المفقود الذى قاله ربنا يسوع المسيح (لو 15: 8 - 9) فان كل الفضائل الاخرى تشبه بالدراهم التى لم تفقد ولم تلتفت اليها المرأة. لكنه بحثت عن الدرهم الذى ينقصها فقط حتى مع وجود الباقى. ولكن يجب أولاً أن تضئ شمعة وهذا يشير إلى العقل الذى يبحث عن الشئ المفقود. وهذه المرأة تبحث عن الدرهم المفقود فى منزلها الذى هو داخل أنفسنا. والدرهم المفقود هنا هو صورة الله التى فينا التى فقدناها بسبب الخطية ولكنها ومازالت مختبئة فينا ولكن يجب أولاً أن نزيل التراب ونزيحه عنا والتراب هنا يرمز إلى دنس الجسد، ولذلك حينما نكنس ونمسح المكان من الأتربة ونعلن عن غيرتنا الروحية ونظهر إرادتنا وعندئذ سوف نفرح بالعثور على هذا الدرهم المفقود وسوف ندعو جيراننا ليفرحوا معنا، وأن جيران النفس هى قدرات الانسان، لاننا حينما نكشف صورة الله فينا وتشرق ثانية كما كانت مطبوعة على الدرهم منذ وقت حديث فى اليد حيث ختم الله قلب كل أحد بالصورة الألهية، وعندئذ تتحد كل قدرات النفس بهذا الفحر الالهى ويعود للنفس جمالها الذى لا يوصف لانها تقول.

«أفرحن معى لأنى وجدت الدرهم الذى اضعته» (لو 15: 9).

وعندئذ سوف تفرح النفس بالتمام لانها ستنظر الجمال والبر الذى فقدته وستعمل من أجل مجد الله ولن تصير مرة ثانية أداة للشر فهذا هو الدرس الذى نتعلمه من مثل الدرهم المفقود وهو أن نعود إلى الصورة الاصلية لله والتى هى مختبئة تحت ثقل الجسد، وعندئذ نعود إلى حالتنا الأولى. ولكن ما هى تلك الحالة الأولى، كان آدم عرياناً وكان يبصر وجه الله بدون خجل وكانت كل مسرته فى الله فقط. وقد خلق الله له معيناً وأعطاها له حتى لا يكون وحيداً، ولم يعرفها حتى طرد كلاهما من الجنة (تك 3: 24) وعندئذ حكم عليها بأنها تلد بالوجع من أجل الخطية التى خدعت بها وصنعتها. وهذا هو السبب الذى من أجله طردنا من الفردوس مع أبائنا الأوائل. ولكن الان نحن مدعوون للعودة إلى حالتنا الأولى من السعادة بنفس الطريقة. ولكن ما هى الوسيلة للرجوع إلى تلك الحالة؟ إن خداع الحية هو الذى قاد للذة، واللذة قادت للسقوط، وعندئذ نتج الخوف بسبب اللذة والشهوة وفقد آدم وامرأته الشجاعة فى الوقوف أمام الله الخالق وخبأ الاثنان نفسيها خلف ظلال أوراق الشجر، ثم غطيا نفسيهما بجلد الحيوانات، ثم طردا إلى حيث المرض والألم وعندئذ عاش ابوانا فى ملذات الجسد وتزوج الأبناء. وإذا أردنا أن نقول مع بولس الرسول.

«لى الحياة هى المسيح والموت هو ربح» (فى 1: 21).

فيجب علينا أن نبدأ من المرحلة الأخيرة التى وصلنا اليها، مثل الذين انفصلوا عن أحبائهم وذويهم إذا أرادوا أن يرجعوا اليهم فعليهم أن يرجعوا من المكان الذى وصلوا اليه أخيراً. والآن ملذات الجسد هى المرحلة الأخيرة التى وصل اليها آدم وحواء بعد طردهما من جنة عدن، وعندئذ يعلمنا الانجيل أن أول كل شئ هو أن نترك شهوات الجسد وذلك حتى يمكننا أن نصير مع المسيح. والمرحلة هى أن نكف عن العالم الفانى. وعندئذ يجب أن نخلع غطاء الجسد الذى هو الملابس الجلدية (تك 3: 21) التى ترمز إلى كل تدبير للجسد وأن نترك كل الأعمال المملوءة بالخزى. ثم بعد ذلك يجب ألا نحيا تحت ظل شجرة التين التى فى هذا العالم المضطرب. بل يجب أن نخلع الغطاء الذى هو الأوراق المؤقتة ثم نأتى بعد ذلك لنمثل فى حضرة الله. ويجب أن نقاوم كل خداع يأتى الينا من النظر أو التذوق ولا نتبع الحية بل نضخع فقط لوصايا الله التى تأمرنا بأن نتلامس مع كل ما هو صالح فقط وأن نرفض بالتمام تذوق أى شر. لأن هذه هى خطوات السقوط فى الخطية وهى رغبة معرفة الشر، لأن الانسان أولاً كان يعرف الخير فقط، أما شجر معرفة الخير والشر التى أمر الله آدم ألا يأكل منها فهى ترمز إلى عدم معرفة الشر قط والاكتفاء بمعرفة الخير فقط. وعندئذ لما كان أبوانا ممنوعين عن معرفة الشر بالأضافة إلى معرفة الخير لذلك كانت الوصية أن يبعدا نفسيهما عن شجرة معرفة الخير والشر (تك 2: 17)، لأنهما كانا يتمتعان بالخير فى نقاوته دون أن يعرفا الشر قط، وهذا معناه هو معرفة الله فقط والتمتع بالخير دون امتزاجه بالشر الذى كان منفصلين عنه تماماً. واذا أراد أحد أن يفسر ذلك فالوسيلة هى أن يبتعد عن سلطان العالم وأن يرجع ثانية إلى الفردوس حيث رأى بولس الرسول تلك الأسرار غير المرئية التى أعطيت للانسان.

10 - ضرورة الايمان وسموه:

لقد ابتعد أبناء هذا الجيل جداً عن إيمان ابيهم ابراهيم، ولكن حينما تشرح سر التاريخ الذى سطره سفر التكوين عن حياة أبينا ابراهيم وحينما نقارن ذلك بما قاله لنا بولس الرسول.

«بالايمان ابراهيم لما دعى اطاع أن يخرج إلى المكان الذى كان عتيداً أن يأخذه ميراثاً فخرج وهو لا يعلم إلى أين يأتى. بالايمان تغرب فى أرض الموعد كأنها غريبة ساكناً فى خيام مع أسحق ويعقوب الوارثين معه لهذا الموعد عينه. لأنه كان ينتظر المدينة التىلها الأساسات التى صانعها الله» (عب 11: 8 - 10).

فنحن هنا نستطيع أن ننتقل من المعنى الحرفى إلى المعنى المجازى، لأن ابراهيم بعد سماع الوصية الألهية ذهب من أرضه وعشيرته، لكن كانت الهجرة بالنسبة له كنبى هدفها هو طلب معرفة الله. ولم تكن الهجرة جسدية ولكنها روحية لمعرفة الأشياء التى تكتشفها الروح، فكانت الهجرة بالنسبة لابراهيم هى خروج من الذات ومن العالم الزائل والأفكار الأرضية ثم رفع إبراهيم عقله على امكانه فوق الحدود العامة للطبيعة البشرية وتخلى عن تعلقات الحواس، وأصبح عقله نقياً لادراك ما هو غير مرئى، ولم يعد السمع أو النظر يسبب خطأ الفكر. وهكذا يقول الرسول بولس.

«لأننا بالايمان نسلك لا بالعيان» (2كو 5: 7).

لأن ابراهيم أبا الأباء ارتفع فوق المعرفة وفاق حدود الكمال البشرى وجاهد وعرف الله حسب امكانياته وهكذا دعى الله مصدر الخليقة كلها اله ابراهيم لأن البشر عرفوا الله عن طريق ابراهيم. وهكذا يقول الانجيل.

«بالايمان ابراهيم لما دعى اطاع أن يخرج إلى المكان الذى كان عتيداً أن يأخذه ميراثاً فخرج وهو لا يعلم إلى أين يأتى» (عب 11: 8).

ولم يعرف ابراهيم أولاً اسم الذى دعاه وهو لم يخزِ أو يضطرب بسبب جهله هذا وقد توقف عن المعرفة الأرضية ولا تعلق فكره بأى شئ على الأرض فابراهيم تفوق فى الفهم والحكمة عن كل أهل جيله وفلسفة الكلدانيين المعروفة وقتئذ وانه فاق كل ما يمكن ادراكه بالحواس وكل جمال جسدى آخر ولذلك أبصر الجمال الالهى الأصلى وأبصر كل ما يمكن أن ينسب إلى الله من صفات مثل البر والقدرة على عمل أى شئ فى الوجود الذاتى والحب. لقد فهم ابراهيم كل هذا حينما تقدم فى الفكر وأخذ كل هذا كمئونة فى رحلته إلى السماء وهو تقوى بالايمان وطبع كل هذا فى قلبه وارتفع فوق مستوى رؤية الأشياء المادية.

إن ابراهيم فاق بزيادة كل ما يمكن أن يصل اليه البشر من البر وتنقى من كل شئ يعوق الايمن ووضع أمامه معرفة الله وارضاءه والتحرر من كل خطأ، وأدرك أن الايمان يفوق المعرفة والرمز. ولكن بعد هذه النشوة الروحية التى وصل اليها من هذه الرؤية العالية رجع إلى الطبيعة الضعيفة وأعترف أنه مجرد.

«تراب ورماد» (تك 18: 27).

والتراب والرماد رمزان للموت وعدم الثمر. وهذا هو الايمان الذى يجب أن نتبعه لأننا تعلمنا من حياة ابراهيم أن الذين يتقدمون فى الطريق الروحى لا توجد أية وسيلة يقتربون بها إلى الله سوى الايمان، وعن طريق الايمان فقط تستطيع الروح أن تتحد مع الله غير المدرك وهذا ما قاله بولس الرسول عن ابراهيم أنه.

«آمن بالله فحسب له براً» (رو 4: 3).

وأن ما كتبه بولس الرسول ليس من أجل إبراهيم بل من أجلنا لتعليمنا انه بواسطة الايمان وليس المعرفة يتبرر البشر أمام الله لأن المعرفة لها قيمة بالنسبة لصاحبها فقط ولكن هذا ليس بالنسبة للايمان المسيحى الذى هو.

«الثقة بما يرجى والايقان بأمور لا ترى» (عب 11: 1).

فهنا الايقان هو بأمور غير معروفة، لأننا دائماً لا نرجو الأشياء التى نملكها أو نعرفها.

«لأن ما ينظره أحد كيف يرجوه» (رو 8: 24).

فالايمان هنا يكمل كل ما نقص من معرفتنا، ويمنحنا كل ما هو غير مرئى هكذا يقول الرسول بولس.

«بالايمان تشدد كأنه يرى من لا يُرى» (عب 11: 27).

ولكن الانسان الذى يظن أنه يمكن أن يدرك الله عن طريق المعرفة هو إنسان غبى لانه كيف يستطيع الأنسان أن يقارن نفسه بالله أو يدركه بعقله.

«لأنه من فى السماء يعادل الرب. من يشبه الرب بين أبناء الله. اله مهوب جداً فى مؤامرة القديسين ومخوف عند جميع الذين حوله» (مز 89: 6 - 7).

وهذا معناه أن الأمكانيات تستطيع أن تقود إلى معرفة الله.

وهكذا يقول مشورة الجامعة.

«لا تستعجل فمك ولا يسرع قلبك إلى نطق الكلام قدام الله. لأن الله فى السموات وأنت على الأرض» (جا 2: 9).

وهو يشير بذلك إلى المسافة التى تبعد بين السماء والأرض، وهذا يشير إلى مدى بعد الطبيعة الألهية عن أفكار البشر رغم الألفة المتبادلة بين الله والأنسان. وكما تبعد نجوم السماء عن أصابع البشر، فإن الطبيعة الألهية تبعد وتفوق عن أفكار البشر اضعاف اضعاف هذا.

11 - أعماق المعرفة:

«لكى تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن فى السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض» (فى 2: 10).

وأن هذا النص يقودنا إلى حكمة معرفة الأمور الروحية لأنه يكشف لنا تناسق الكون وترابطه، وأن هذا الكون غير منفصل عن الله الذى أوجده والوجود هو الصلاح الألهى. وإذا أردنا أن نسمى ذلك الصوت الالهى الذى عبر عنه الرسول بولس فقال أنه.

«اعطاه اسماً فوق كل أسم» (فى 2: 9).

انه الاسم الوحيد الذى يمكن أن نطلقه على تلك القوة الفائقة الوصف هو الصلاح. هذا هو الصلاح فوق كل صلاح، وهذه هى القوة الى أوجدت كل الأشياء من العدم. وخارجاً عن هذه القوة لا يوجد أى شئ.

والآن علينا أن نعرف أن الحب هو انعدام الشر الذى هو الله الكلى الصلاح، أما الشر فهو شئ خارج عن الطبيعة الالهية، والشر ليس له وجود بل هو انعدام الخير، ولذلك يمكننا أن نطلق على الشر عدم وجوج الخير، والشر هو عكس الخير كما أن عدم الوجود هو عكس الوجود. ونحن سقطنا من الخير بارادتنا الحرة، مثل أولئك المحرومون من النور ويحيون فى الظلام فنحن لا نقول أنهم يرون الظلام بل نقول أنهم لا يرون أى شئ. هكذا طبيعة الشر الذى هو عدم وجود الخير أى سقوط من فعل الخير، وهكذا يبقى الشر كلما بقينا نحن بعيداً عن الخير. نحن نستطيع بحرية ارادتنا أن نرتبط بالوجود الحقيقى الذى هو الخير – إلى الأبد ولا يكون لنا أى ارتباط قط بالشر، لأن الشر فى ذاته جزءاً من ارادتنا الحرة لأننا حينما نرتبط مع الله الذى هو الوجود الحقيقى فأننا نقيم شركة مع الله الكائن الذى كان والكائن إلى الأبد وهذا هو معنى القول.

«للمعانقة وقت وللأنفصال عن المعانقة وقت» (جامعة 3: 5).

أنه يجب أن ننفصل عن كل ما هو شر ونرتبط بكل ما هو خير كما يقول داود النبى.

«أما أنا فالاقتراب إلى الله حسن لى. جعلت السيد الرب ملجأى» (مز 73: 28).

والنصوص التالية تقدم لنا تعزية نافعة لنفس الفكرة وعلى سبيل المثال هذا النص "أغتسلوا تنقوا اعزلوا شر افعالكم من أمام عينى كفوا عن فعل الشر" () وهذه هى وصية بولس الرسول بخصوص الذى ارتكب الزنا مع زوجة ابيه "أن يسلم مثل هذا للشيطان لهلاك الجسد لكى تخلص الروح" () فالحكم هنا هو قطع ذلك الشخص عن جسد الكنيسة لئلا تفسد صلاة كل الكنيسة ثم يحاول الرسول بولس أن يرجع ذلك الأنسان بالتوبة بعد أن إنفصل عن الكنيسة لئلا يبتلع من الحزن المفرط. ولذلك فإن الرسول بولس يعرف كيف يبعد أى نجاسة عن الكنيسة فى الوقت المناسب ثم فى الوقت الآخر يرجع ذلك الانسان عن طريق التوبة إلى الكنيسة حينما يتطهر من كل نجاسة. وكثيراً من هذه الأمور يجب أن نلاحظها خلال يومنا فهناك أشياء يجب أن نبتعد عنها وأشياء أخرى أن نرتبط بها، نحن نبتعد عن أولئك الذين يحيون فى الهرطقة ونرتبط بالمحبة بأولئك الذين يحيون فى النقاوة لكى يكون ثوب الكنيسة مقدساً حين لا يكون لنا أى شركة مع الهراطقة. والكلما الالهية لها هدف فى السلوك العملى النافع حين نبتعد عن كل ارتباط بالشر ثم نلتصق بتلك الأشياء المقدسة التى نرغب فيها.

والآن دعنا نفكر فيما قال الجامعة "للسكوت وقت وللتكلم وقت" ([44]) فما هو ذلك الوقت الذى يجب أن نصمت فيه وذلك الوقت الذى يجب أن نتكلم فيه. ان بولس الرسول يفسر ذلك حين يأمرنا بالصمت عن الكلام الشرير "لا تخرج كلمة رديئة من أفواهكم" ([45]) ثم يفسر لنا كيف نتكلم حين يكمل نفس الأية ويقول "بل كل ما كان صالحاً للبنيان حسب الحاجة كى يعطى نعمة للسامعين" ([46]) ويقول أيضاً بخصوص الصمت "لتصمت نساؤكم فى الكنائس" ([47]) واذا اردن أن يتعلمن "فليسألن رجالهن فى البيت" ([48]) ثم يتحدث بولس الرسول أيضاً عن الصمت عن الشر فيقول "لا تكذبوا بعضكم على بعض" ([49]) ثم يتحدث عن وقت الكلام فيقول "وتكلموا بالصدق كل واحد مع قريبه" ([50]).

وهناك نصوص أخرى من العهد القديم تتحدث عن الصمت وعن الكلام فيقول المزمور "قلت أتحفظ لسبيلى من الخطأ بلسانى أحفظ لفمى كمامة فيما الشرير مقابلى. صمت صمتاً" ([51]) فالذى لا يقابل الشر. بالشر هو الإنسان الأخرس الذى لا ينطق بالشر. أما الكلام الذى ينطق به فهو كلام المجد والتسبيح "لسانى قلم كاتب. أنت أبرع جمالاً من بنى البشر انسكبت النعمة على شفتيك لذلك باركك الله إلى الأبد" ([52]) وهذه هى الكلمات النافعة "اميلوا آذانكم إلى كلام فمى افتح بمثل فمى اذيع الغاز منذ القدم" ([53]) وهكذا توجد أمثلة لا حصر لها من الكتاب المقدس تفيد عن الصمت عن الشر والكلام بالخير.

وهناك معنى أخر للصمت غير الصمت عن الشر وهو أنه أحياناً كثيرة يكون الكلام البشرى عاجزاً عن وصف الأمور الألهية لأن الله الذى يسمو فوق الكون يسمو أيضاً فوق الكلام. والذى يحاول أني صف الله غير المحدود فى كلمات بشرية فكأنه يحاول أن يساوى بين الله وبين الكلام الذى يقوله عنه لأن الله يفوق كل معرفة وكل كلام. وأن الخليقة لا يمكن أن تنظر إلا إلى ما يماثل طبيعتها فقط، فالنار لا يمكن أن توجد فى الماء ولا الماء فى النار، والأرض لا تبقى فى الماء ولا الماء فى الأرض. ولا الهواء فى الأرض ولا الأرض فى الهواء. لأن كل مادة تبقى فى حدودها الطبيعية وتوجد فقط فى حدود عملها، وإذا تحركت فوق حدودها الطبيعية فإنها لن توجد. هكذا الحال أيضاً مع مقدرة حواسنا. كل حاسة تبقى فى حدودها التى رسمت لها ولا يمكن أن تتخطى حاسة عملها إلى عمل آخر، فالعين لا يمكن أن تقوم بعمل الأذن، والسمع لا يقوم بعمل التذوق، واللمس لا يمكن أن يتحدث، واللسان لا يقوم بعمل الرؤية أو السمع، وهكذا كل حاسة محدودة بعمل لا يمكن أن تتخطاه إلى غيره، ولا يمكن منطقياً أن تتعدى أى خليقة حدودها ولا يمكن أن ترى ما هو فوق حدودها. وحتى فى التأمل فى الوجود حين تحاول أن تدفع ذاتها إلى ما هو فوق حيز وجودها ولكنها لا يمكن أن تكمل ذلك لأن الصلاح الكامل هو فوق كل الخليقة وفوق كل ادراك والعقل يكون دائماً الصلاح الكامل هو فوق كل الخليقة وفوق كل ادراك والعقل يكون دائماً محدوداً ومحصوراً. ولكن كيف يمكن للعقل أن يتخطى ابعاد هذا الفضاء ويدرك الطبيعة التى لها ابعاد. وهكذا يتعب العقل من التفكير فى الأشياء التى لم يكتشفها بعد إلى أن يفكر فى الأبدية وسر الوجود الذى هو فوق كل وجود وفوق كل الحدود المادية وفوق كل الأشياء التى نعرفها. وحينما نريد أن نعرف سبب وجود الأشياء المخلوقة فهذا هو وقت الصمت. والأفضل أن نمجد ذلك الذى له القوة التى لا توصف فى داخل نفوسنا. وتحدث رجال الله ليس عن طبيعة الله ولكن عن أعماله قائلين "من يتكلم بجبروت الرب. من يخبر بكل تسابيحه" ([54]) "وأحدث بجميع عجائبك" ([55]) "دور إلى دور يسبح أعمالك وبجبروتك يخبرون" ([56]) فهذا هو ما تحدث عنه القديسون هو أعمال الله وعجائبه ومجده الذى لا نهاية له أما حين يقتربون إلى ذلك الذى يفوق كل معرفة فالافضل هو الصمت وعدم الكلام لأن جوهر الله هو بلا حدود ولا يمكن ان نقترب منه ولكن فقط يحاول القديسون أن يمجدوا عظمة مجده وحتى فى هذا أيضاً هم يعجزون عن ذلك ولا تستطيع عقولهم أن تدرك أقصى حدود اعجابهم لأنه لا توجد نهاية لعظمة مجد قداسته فالحديث عن الله حين يكون عن جوهر الله يكون وقت الصمت ولكن حين يكون الحديث عن أعماله ومعرفة ما يمكن أن نصل اليه فهذا وقت الكلام عن القدرة الألهية بالحديث عن أعمال الله. وتفسير افعاله وفى هذا الحديث يجب ألا نتعدى حدودنا الطبيعية بل يجب أن نكون قانعين بمعرفة ذواتنا. لأن أن لم تصل الخليقة إلى معرفة ذاتها فهى لن تعرف جوهر الروح أو طبيعة الجسد. وسبب الوجود وكيف تم خلق هذه الأشياء من لا شئ ثم تتحول إلى لا شئ وكيف يسير الكون بتناسق شديد وبلا أى تعارض.

فهكذا اذا لم تعرف المخلوقات ذواتها فكيف تستطيع أن تعرف ما هو فوق حدودها؟ وهنا وقت الصمت فالصمت افضل جداً. ولكن هناك وقت للكلام عن الأشياء التى يمكن أن تجعل نفوسنا تتقدم فى الفضيلة.

12 - النمو الدائم الأبدى:

بولس الرسول العظيم أخبر أهل كورنثوس عن الرؤيا العجيبة التى تمتع بها حين أختطف إلى الفردوس وهو لم يكن يعلم ما إذا كان فى الجسد أم خارج الجسد ولكنه قال "ليس أنى قد نلت أو صرت كاملاً ولكنى أسعى لعلى ادرك الذى لأجله أدركنى أيضاص المسيح يسوع... إذ أنا أنسى ما هو وراء وأمتد إلى ما هو قدام" ([57]) وهكذا نضمن أيضاً رؤية السماء الثالثة التى لم يراها غير بولس الرسول فقط لأن كل ما قاله موسى النبى عن نشأة الكون كأنه لا شئ بجوار تلك الرؤيا. بل وحتى بولس الرسول لم يكتف بما رآه بل لم يكف عن الاشتياق إلى الأمور السمائية ولم يتوقف فى شوقه عند حد معين. وهذا يعلمنا أنه حتى مع وجود شركة لنا مع الطبيعة الالهية فان النعم التى نحصل عليها عند كل مرحلة تعتبر عظيم، ولكن ما لم نبصره وما لم نعرفه يصير غير محدود وأبدى هذا هو ما يحدث مع القديسين الذين لهم شركة مع الله فأنهم يستحقون دائماً بالاشتراك فى تلك النعم خلال الأبدية الدائمة.

إن أنقياء القلب هم الذين يعاينون الله وفقاً لكلمة الله الحقيقية ([58]) وفقاً لامكانيات الشخص فأنه يأخذ بقدر ما يستوعب عقله ولكن يبقى الله وغير مدرك وفوق كل حدود فهمنا لأن المزمور يقول "عظيم هو الرب وحميد جداً وليس لعظمته استقصاء" ([59]) وكلما نتأمل فى الله يبقى أبدى كما هو وفوق ادراك. ولقد أستمتع داود النبى فى قلبه بهذا المجد العالى حين تقدم من قوة إلى قوة وعندئذ صرخ إلى الله قائلاً "أما أنت يا رب فمتعال إلى الأبد" ([60]).

ومعنى هذا أن الانسان خلال الأبدية سوف يجرى نحو الله ويتقدم نحو العظمة كلما يصعد إلى فوق وكلما ينمو فى النعمة. ولكن يظل الله عالياً جداً لا نهاية للوصول إلى كل شئ عنده لأنه يظل عالياً على الذين يصعدون نحوه.

وهذا ما يريده الرسول بولس أن يوصله الينا وهو أن طبيعة الله لا يمكن أن ندرك أقصى مداها حين يقول "ما لم تر عين" () لأن العين لا تستطيع أن ترى كل شئ عن الله بل ترى أقصى ما تراه فقط. ولذلك يقول أيضاً.

« ولم تسمع أذن» ().

لأن حتى انقياء القلب فأنهم يتمتعون برؤية الله لأقصى امكانياتهم البشرية المحدودة ولأقصى ما تستوعبه قلوبهم.

أن النعمة الجديدة التى لم نحصل عليها بعد هى أعظم بكثير من تلك التى حصلنا عليها، لأن هدفنا الأبدى الذى هو الله غير المحدود ولا نهاية للكمال أو البر الذى يمكن أن نصل اليه ولهذا فإن النفس كلما تصل إلى قامة معينة نكتشف أنها مجرد بداية لاكتشاف أمور الهية جديدة ولهذا فإن النفس لا تتوقف عن الصعود والتحرك من بداية إلى بداية جديدة وأن بداية النعم العظيمة ليس نهاية لأن اشتياق أولئك الذين يصعدون لا يتوقف عند حدود ما ادركوه وعندئذ تسير الروح فى طريقها إلى أعلى إلى فوق إلى السماء بلا توقف وبلا حدود.


[] رغم أنه كان متزوجاً ولكن كان يسمح فى ذلك الوقت بأن يحيا المتزوجون حياة النسك ويتركوا زوجاتهم بعد أخذ موافقتهن ورضائهن.

[] (1) تم تعريبه وصدر وجارى إعادة طبعه لنفاذه.(2) تم تعريب ثلاث مقالات عن النسك المسيحى وصدرت تحت عنوان الكمال المسيحى – من هو المسيحى – السلوك المسيحى.

[44] (42) جا 3: 7.

[45] 43) أف 4: 29.

[46] 44) أف 4: 29.

[47] (45) 1كو 14: 34.

[48] 46) 1كو 14: 35.

[49] 47) كو 3: 9.

[50] (48) اف 4: 25.

[51] (49) مز 39: 1 - 2.

[52] (50) مز 45: 1 - 2.

[53] 51) مز 78: 1 - 2.

[54] 52) مز 106: 2.

[55] (53) مز 9: 1.

[56] 54) مز 145: 4.

[57] 55) فى 3: 12 - 13.

[58] 56) مت 5: 8.

[59] 57) مز 145: 3.

[60] 58) مز 92: 8.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

›

الفصل الثانى تأملات فى حياة موسى النبى

المحتويات
المحتويات