الفصل الثانى تأملات فى حياة موسى النبى

الفصل الثانى تأملات فى حياة موسى النبى

1 - ما تتعلمه من التبن والطين:

ان الشر يحارب الأنسان لكى يمنعه من النظر إلى السماء ويجعله يتجه للأرض ويحب التراب.

أن كل ما يسبب اللذة الجسدية هو من الأرض. ولذلك يجب أن تنتبه إلى ما حدث فى عبودية بنى اسرائيل فى سفر الخروج وعن المهتمين ببطونهم وبشهوة الأكل ومحبة المال، لأن الأرتباط بهذه الأشياء هو ارتباط بالتراب، وأولئك الذين يسيرون خلف هذه المسرات الترابية ويتلذذون بها فهم يجعلون أنفسهم فارغة تماماً لأنهم كلما يمتلئون من هذه المسرات كلما يفرغون منها قبل اعادة ملئها. والذى يجرى وراء هذا العالم كلما امتلك شيئاً كلما أحس بأنه فقير ولا يملك أى شئ فيبدأ فى اشتهاء شئ آخر وهذا لن يتوقف ابداً حتى يرحل من هذا العالم المادى الزائل.

وفى قصة عبودية بنى أسرائيل نحن نرى أمر فرعون.

«لا تعودوا تعطون الشعب تبناً لصنع اللبن كأمس وأول من أمس ليذهبوا هم ويجمعوا بناً لأنفسهم» (خر 5: 7).

وجمع التبن مرتبط بالعبودية لأنهم يقولون فى سفر الخروج.

«التبن ليس يعطى لعبيدك واللبن يقولون لنا اصنعوه وهوذا عبيدك مضروبون وقد أخطأ شعبك» (خر 5: 16).

ولذلك قد فسر الرب يسوع المسيح ذلك حين قال.

«الذى رفشه فى يده وسينقى بيدره ويجمع قمحه إلى المخزن وأما التبن فيحرق بنار لا تطفأ» (مت 3: 12).

وأكمل التفسير بولس الرسول حين قال.

«أن كان أحد يبنى على هذا الأساس ذهباً فضة حجارة كريمة خشباً قشاً.... لأنه بنار يستعلن وستمتحن النار عمل كل واحد» (1كو 3: 12 - 12).

والمعنى أن حياة الأنسان فى عبوديته لأى من الملذات الجسدية على الأ رض تكون مثل القش والتبن اللذين ينتهيان بالنار ولا يصير لهما أى وجود.

3 - الخروج من مصر:

فى كل مرة يحاول الانسان أن يخرج من سيطرة فرعون مصر، ويصير مرعوباً من هجوم التجارب عند الحدود، فأن مرشديه يكشفون له طريق الخلاص غير المتوقع الذى يأتى من فوق. وحين يطاردنا العدو وجنوده فأن البحر سوف يجبر على فتح طريح لنا لنعبر فيه. والسحاب الذى قاد شعب بنى أسرائيل هو رمز للقادة والمرشدين الذين يتقدموننا، والمرشد والقائد هو الذى يقود البار إلى الخلاص، ويقود أولئك الذين يتبعونه ليعبروا. إنه يصنع لهم طريقاً ويجلب لهم فداء آمناً، ويغرق فى البحر العدو الذى يريد أن يستعبدهم. وإذا فحصت أيها القارئ فى هذا الرمز (رمز عبور بنى اسرائيل فى البحر) فأنك سوف تفهم سر الماء الذى نزلنا فيه مع العدو ولكننا نجونا نحن فقط، أما العدو فأنه نزل وغرق فى الماء. وكل أحد يعلم أن جيش المصريين يقف من أجل أرواح البشر التى كانت مستعبدة له. لقد غرقت الفرسان والمركبات وكل من كان يركبها وكل عساكر الجيش والذين يقذفون وكل باقى الحشد وما هذا الا شهوة الغضب ومحبة المال. والقذف الذى حدث من جيش المصريين هو لغة الشتائم حين ادركوهم وجروا وراءهم.

«فدخل بنو اسرائيل فى وسط البحر على اليابسة والماء سور لهم عن يمينهم وعن يسارهم. وتبعهم المصريون ودخلوا وراءهم. جميع خيل فرعون ومركباته وفرسانه إلى وسط البحر» (خر 14: 23 - 24).

وما تهديد المصريين لبنى اسرائيل بالسيف والرمح الا اشتداد الغضب فيهم. ولما أطلقوا العنان للمركبات والجياد أنما هى تجربة اللذة التى تحاربنا، وكانت هذه المركبات يركبها ثلاثة اشخاص وهذه ترمز إلى الحرب التى يثيرها العدو فى الانسان من ناحية جسده أو عقله أو روحه، وكل هذا قد غرق فى الماء بعد عبور بنى اسرائيل وبعد مطاردة المصريين الشريرة لهم. ولكن تحت قيادة الايمان والسحابة المضيئة أصبحت المياه مصدر حياة لهم وبسبب موت للذين كانوا يطاردونهم، ولم يؤذهم العدو ولم يقدر أن يفتك بهم حين ظهر لهم بل غرق وتبدد تماماً. لأنه لو أدراكهم العدو لظلوا فى العبودية حتى بعد نزولهم المياه. والآن نشرح الحوادث وما ترمز اليه كل منها.

المعنى هو أن كل الذين يعبرون فى سر المعمودية يجب أن يدفنوا فى هذه المياه كل الاعداء الأشرار الذين يصنعون معهم حرباً، وتلك هى الخطايا مثل محبة المال والشهوات الشريرة وروح الطمع والمجد الباطل والافتخار والغيظ والغضب واللعنة والغيرة والحسد ومحبة العالم، فهذا هو العدو الذى يحارب الروح. وقد كان الناموس يطلب من اليهود أن يأكلوا الفصح مع فطير غير مختمر. والخمير كان يرمز إلى الخطية لذلك كان يجب أن يأكلوا خبزاً غير مختلط بالخميرة العتيقة وهذا رمز إلى حياتنا الجديدة بعد المعمودية التى يجب أن لا تختلط بالخطايا. ويجب أن نبدأ فى المعمودية بداية جديدة تماماً وذلك بالتحول الحقيقى بأن تنقطع سلسلة الخطايا من حياتنا للأبد. ونحن هنا مطالبون بأن نغرق كل عدو إلى عمق البحر يأخذ مياه الخلاص ثم نخرج من الماء دون أن نسمح لأى شئ غريب أن يدخل فى حياتنا. وهكذا فإن رسالة الماء أن نفصل بين العدو والصديق عن طريق الموت والحياة، الصديق يجد حياة والعدو يغرق ويهلك.

ولكن كثيرين بعد أن ينالوا الميلاد والعماد المقدس يجهلون وصايا الأنجيل، ويخلطون الخمير العتيق الذى هو الخطية مع حياتهم الجديدة. وحتى بعد العبور فى الماء نجدهم يجّرون معهم العدو الذى يحيا معهم فى أعمالهم. وهكذا فإن الانسان الذى يأتى ليدخل المعمودية فهو يتخلص من عبودية الخطية التى كان يحيا فيها من قبل. لأن الخطية التى عاش فيها الانسان قبل العماد لا تمنعه من الدخول لسر العماد ولكن يجب بعد ذلك أن يتخلص تماماً من الطاغية الذى كان يستعبد الأنسان ويجلده بجلدات كثيرة وتلك الجلدات هى المسرات والشهوات. والطاغية هو محبة المال الذى لا يعطى اى راحة لعبيده ولا يبالى بمدى صعوبة العمل حتى يكمل الضحية أوامر سيده فى رغبة التملك وهكذا مع كل الشرور الأخرى والخطايا المتعددة فأنه يصير لنا أسياء كثيرون وطغاة متعددون. ولكن رغم كل هذا فأن من استعبد لهم يجب أن يعبر فى الماء بالعماد حتى يتلامس مع سر المعمودية الذى يعمل فى محو قوة العدو الطاغية الذى هو الشيطان.

3 - عبور البرية:

الذى قد عبر ورأى العدو يغرق – كما تأملنا سابقاً وما يرمز إليه من سر المعمودية – سوف يصيرمثل موسى النبى كحامل للفضيلة، وسوف يضع ثقته فى الله ويطيع موسى النبى كخادم له "فخاف الشعب الرب وأمنوا بالرب وبعبده موسى (65) ونحن نرى ذلك أن الذين أكملوا سر المعمودية قدموا أنفسهم لله وعاشوا فى طاعة وتسليم لخدام الله خلال سر الكهنوت المقدس كما يخبرنا الرسول بولس بذلك.

«اطيعوا مرشديكم واخضعوا لأنهم يسهرون لأجل نفوسكم» (عب 13: 17).

ان شعب بنى اسرائيل بعد أن عبروا البحر وساروا فى الطريق لمدة ثلاثة أيام، ثم اقاموا فى خيام وجدوا أولاً ماء لم يستطيعوا أن يشربوا منه لأنه كان مراً (خر 15: 23) ولكن الخشب الذى وضعه موسى فى الماء جعله ماء حلواً صالحاً للشرب ولرى العطش. والنصوص تتطابق مع أحداث حياتنا الواقعية وتفسير ذلك أن الانسان حين يكف عن المسرات والملذات التى كان يرمز لها بفرعون وجنوده وكان مستعبداً لها قبل أن ينال سر العماد، فأن حياة ذلك الانسان ستصير مرة فى البداية وسوف يتضايق لأنه قد انتزعت مسراته السابقة ولكن حين يلقى الخشب فى الماء فأنه فى الحال سوف تتحد روحه مع سر القيامة التى بدأت بخشبة الصليب، وعندئذ تصير حياة الفضيلة محببة للنفس ويصير فيها لذة أكثر من أى فترة أخرى. وعندئذ يطرد الانسان كل المسرات العالمية لأنه صار مملوء بالرجاء فى الأبدية والملكوت.

ثم بعد ذلك صارت لهم المسرة بعيون الماء وشجرات النخيل وشعروا براحة من التعب الذى كانوا يعانون منه (خر 15: 27) حيث كانت توجد أثنتا عشرة عين ماء تقدم لهم الماء النقى الصالح للشرب وسبعون نخلة كبيرة عالمية ترمز إلى السنين التى نجاهد فيها حتى نرفع إلى السماء. ونحن هنا نجد أسرار تفسير تلك الأمور فهذا هو سر الخشبة الذى جعل ماء الفضيلة تروى العطشان، تلك هى رسالة الأنجيل فالأثنتا عشرة عين ماء ترمز إلى التلاميذ الأثنى عشر الذين أختارهم الرب لهذا الغرض، وجعل الله كلمته تنتشر عن طريقهم مثل نبع الماء. والسبعون شجرة من النخيل هم بالطبع الرسل الذين اختارهم الرب بعد التلاميذ وأرسلهم إلى العالم اجمع (لو 10: 1).

4 - الخبز السماوى:

وتوجد حقيقة أخرى لا يجب أن نعبر أمامها، وهى أنه بعد عبور البحر، وبعد أن صارت المياه حلوة لأولئك الذين يتقدمون فى الفضيلة، بعد تلك الاقامة المؤقتة السعيدة بالقرب من ينابيع الماء وأشجار النخيل وبعد أن شربوا من الصخرة حدث عجز فى المؤن التى أخذوها معهم من أرض مصر (خر 6: 2 - 3) وحينما أصبح لا يوجد لديهم أى شئ باقياً من الطعام الغريب الذى احضروه من أرض مصر، عندئذ انزل الله اليهم طعاماً من السماء مختلفاً عن طعامهم وإن كان يبدو أنه يشبهه ولكنه كان يختلف عنه فى النوع. وكان هذا الطعام معدا لاشباع كل أحد على حده.

هناك درس يجب أن نتعلمه هنا وهو أنه يجب أن نتخلص أولاً من الشر الذى هو أكل المصريين لكى نعد أنفسنا لنكون اطهاراً لنأخذ الخبز النازل من السماء هذا الخبز باق من غير بذور أو أى عمل من أعمال التربة الأرضية فهو يأتى بلا زرع أو حصاد. وهذا الخبز يوجد على الأرض ولكنه نازل من السماء. وخلال هذا الرمز المعطى لنا فى هذه النصوص نستطيع أن ندرك الخبز الحقيقى. لأن الخبز النازل من السماء هو خبز روحى فكيف يصير الروحى غذاء جسدياً؟ إن جوهر هذا الخبز لم يأت من الحرث والزرع ومع هذا فإن الأرض تعطى من هذا الخبز السماوى الذى يأكل منه كل من هو جوعان.

هذه المعجزة تعلمنا سر التجسد الالهى من العذراء القديسة مريم التى ولدت المسيح الكلمة بدون زرع بشر. لأن هذا الخبز الذى لم يأت من الأرض هو المسيح كلمة الله الذى يعمل بدرجات مختلفة من الكمال فى أولئك الذين يقبلونه وهو طعام قوى حى لكل من يتناول منه. وهذا ما يعلمنا أياه بولس الرسول أن هذا الخبز هو مثل المائدة المعدة لكل أحد يتناول منها كل أحد حسب قدرته وإيمانه واستعداده يعمل فيه هذا الطعام.

« واحد يؤمن ان يأكل كل شئ واما الضعيف فيأكل بقولاً» (رو 14: 2).

ويقول أيضاً.

« وصرتم محتاجين إلى اللبن لا إلى طعام قوى لأن كل من يتناول اللبن هو عديم الخبرة فى كلام البر لأنه طفل، وأما الطعام القوى فللمبالغين الذين بسبب التمرن قد صارت لهم الحواس مدربة على التمييز بين الخيروالشر» (عب 5: 12 - 13).

5 - جبل سيناء:

أن قيادة موسى والسحابة بالنسبة للأرواح التى خضعت لهما ترمز إلى قيادة الذين يسيرون ويتقدمون فى الفضيلة وموسى هنا يمثل وصايا الناموس والسحابة تمثل السير فى الطريق الروحى، لأن الروح التى تطهرت بعبور البحر وتحررت من سلطان ذاتها، وحطمت جيش العدو وتذوقت مياه ماره التى هى الخلاص من لذات الشر كان هذا الخلاص مرا فى الأول وغير جيد فى المذاق ثم صار حلوا وعذباً لأولئك الذين قبلوا خشبة الصليب، ثم تلذذت هذه الروح بأشجار النخيل التى هى الانجيل وعيون الماء التى ملأتها بالماء الحى، وهذه هى الصخرة التى شربت منها وروتها، ثم أخذت الخبز السماوى فأخذت النصر الالهى.

وهنا تتأمل النفس فى الوجود الفائق، لأن الطريق الذى يقود إلى المعرفة هو الطهارة، وليس المقصود هو طهارة الجسد التى تكمل بطقس أغتسال أجسادنا أو ملابسنا التى تنظف بمجرد نزولها فى الماء، ولكن الطهارة تعنى أن الانسان حين يقترب من التأمل فى الحق يجب أن يطهر نفسه ويتخلى عن كل نجاسة فى جسده أو روحه حتى يصير طاهراً فى كليهما، ويكون السلوك الخارجى مطابقاً لحالة أرواحنا الداخلية. ويجب أن نسلك فى الطهارة من أجل الله لأنه ناظر وفاحص كل أعماقنا وذلك عن طريق الوصية الألهية وقبل الصعود إلى الجبل يجب أن نغسل ملابسنا والملابس هنا تشير إلى أعمال الفضيلة الخارجية، ولا يجب أن نترك أى بقعة فى ملابسنا وإلا صارت عقبة فى سبيل صعودنا إلى الله، والملابس هنا تشير إلى أعمالنا الخارجية فى الحياة. وحينما يتم هذا، وحين تطرد الحيوانات بعيداً عن الجبل على قدرة أمكانياتنا فإن الروح تبدأ فى الصعود إلى الحق الألهى لأن الوصية كانت ألا تقترب البهائم من الجبل (خر 19: 13)، وهذه علامة على أن التأمل فى الحق يتطلب البعد عن التفكير الجسدى الحسى، لأن السلوك مثل الحيوانات هو تسلط الحواس علينا بدون أى فهم أو تفكير. فإذا أردنا أن نتأمل فى الأمور الالهية التى كتب فيها بولس الرسول.

«ما لم تر عين ولم تسمع أذن ولم يخطر على بال أنسان ما أعده الله للذين يحبونه» (1كو 2: 9).

يجب أن نتحرر من الشهوات الحسية ومن سلطان الحواس ومن السلوك الحيوانى بأن نغسل فكرنا من كل شهوة جسدية. وكانت الوصية لموسى أن يترك كل أحد كل علاقاته الجسدية حتى مع زوجته (خر 19: 15) فالتجرد حتى من العلاقات الزوجية والعلاقات البشرية إنما يدفعنا للصعود إلى الجبل المقدس.

6 - الدخول فى السحابة المظلمة:

والأن ما هو تفسير دخول موسى فى الظلام ثم رؤية الله التى ننعم بها؟ لأن النص يقول.

«فصعد موسى إلى الجبل. فغطى السحاب الجبل» (خر 24: 15).

هنا يرى موسى من خلال الظلام ولا يوجد تعارض هنا بين هذا النص والنصوص الأخرى التى رأى فيها موسى الله فى النور. لأن النص الحالى يعلمنا أن المعرفة الروحية تشرق أولاً فى حياة الأنسان الذى يختبرنا. ولكن يحدث أن تبدأ مقاومة لهذا المعرفة الروحية، وهذه المقاومة تحسب كأنها ظلمة، وأن تبدد الظلمة معناه أن يشرق النور، ولكن كلما تنمو الروح وتسلك فى الكمال وتقترب من معرفة الحق كلما ترى الأشياء الالهية غير المرئية وعندئذ يسهل عليها أن تترك كل الأشياء السطحية سواء التى تدرك بالحواس أو التى يفكر فيها العقل. ويدخل الانسان إلى العمق بادراك الروح لما هو غير مرئى وغير مدرك وعندئذ يمكن للأنسان أن يرى الله.

7 - خيمة الأجتماع السمائية:

ثم نأتى الأن إلى خيمة الاجتماع غير المصنوعة بأيدى بشرية. والذى يتتبع موسى النبى الذى تقدم فى الحق ورفع عقله إلى فوق وانتقل من علو إلى علو فهو ترك أولاً سفح الجبل وانفصل عن كل أولئك الذين كانوا غير قادرين على الصعود، ثم إرتفع وصعد إلى أعلى وسمع صوت البوق (خر 19: 16 - 19) ثم دخل ليعاين الأسرار الخفية، رأى القدس غير المرئى هو معرفة الله، ولم يبق هناك ولكنه نزل لكى يصنع خيمة الاجتماع على مثال تلك التى رآها غير المصنوعة بأيدى بشرية. وهذا رمز إلى هدف الروح الحقيقى حينما ترتفع بهذا النوع من الصعود ويمكن تفسير البوق السمائى بالمرشد الذى يقودنا فى الحياة الروحية. ونستطيع أن ندرك تناسق هذا الكون الذى يشير إلى حكمة الله اتلى تتلألأ على العالم تعلن عظمة الله ومجده اللذين يسطعان على الأشياء المرئية، لهذا يقول المزمور.

«السموات تحدث بمجد الله» (مزمور 19: 1).

والبوق الذى له الصوت العالى يعلن الرسالة الروحية فى وضوح ويدق رنينه ليقود الآخرين فى الطريق الروحى. وحينما يسمع الانسان ذلك الصوت بعد أن يكون قد تنقى القلب يأتى إلى التأمل فى الكون الذى نستمد منه معرفتنا بالله كلى القدرة، وعن طريق هذا يقودنا الروح إلى الشركة مع الله. وهذا هو المقصود بكلمة غير المرئى وغير المدرك، أنه فى وسط الظلام رأى موسى خيمة الاجتماع غير المصنوعة بأيدى البشر حتى يصنع مثلها تماماً على الأرض.

فما هو إذن المعنى الروحى لخيمة الأجتماع التى رأها موسى النبى على الجبل كنموذج أصلى يصنع مثله تماماً، أن الله قال له أن يبنى هذا النموذج الذى أراه اياه. فنحن نرى خيمة الاجتماع أعمدة من الذهب قائمة على قواعد من الفضة ومزينة بزينة من الفضة، ثم اعمدة من الفضة على قواعد رئيسية من البرونز، وكلا الأعمدة مثبت على أساس من الخشب الذى لا يسوس، وكل المواد تلمع وتشرق على ما حولها وكان يوجد أيضاً تابوت العهد المصنوع من خشب السنط ومغطى بالذهب غير الفاسد. وكان يوجد أيضاً شمعدانات مثبت كل منها على قاعدة خاصة ومن أعلى يصير كل منها على قاعدة خاصة ومن أعلى يصير كل منها سبعة فروع تحمل سبع لمبات والشمعدان مصنوع كله من الذهب الخالص. وعلاوة على ذلك كان يوجد شكل طائر مصنوع ببراعة ومزين بألوان كثيرة تتموج فتعطى جمالاً عجيباً. وكانت خيمة الاجتماع هذه تنقسم إلى قسمين أحدهما مرئى ويمكن أن يدخله الخدام المعينون لذلك. أما الجزء الآخر فكان غير مصرح بدخوله ومتعذر بلوغه وكان يطلق على الجزء المفتوح القدس والجزء المخبأ عليه قدس الأقداس، وعلاوة على ذلك كانت توجد المغسلة النحاس وأيضاً الفناء الخارجى وكانت الخيمة من الخارج مصنوعة من جلود الحيوانات الميتة.

كيف نفهم الآن معانى كل هذه الأشياء؟ وما هى رموز كل منها؟ ولماذا صنعت الخيمة من هذه المواد التى رآها موسى النبى. وحتى نصل إلى المعنى الحقيقى لكل هذه الأشياء. يجب أن نترك التفسير لأولئك الذين لديهم القوة الروحية أن يصلوا إلى عمق الأشياء الالهية كما يقول بولس الرسول.

«فأعلنه الله لنا نحن بروحه. لأن الروح يفحص كل شئ حتى أعماق الله» (1كو 2: 10).

لأنه من منا يستطيع أن يتحدث كما يقول بولس الرسول.

«بالروح يتكلم بأسرار» (1كو 14: 2).

وما سوف أقوله فهو مجرد تأملات خاصة فى معنى تلك الأشياء الخفية، وسوف اترك هذا لحكم للقارئ أن يقبل أو يرفض ما أقدمه من تأملات حسب ما يراه صواباً.

ونحن نأخذ مفتاح التفسير من الرسول بولس الذى كشف عن السر جزئياً. لأن خيمة الاجتماع هى رمز للرب يسوع المسيح الذى يحوى فيه كل العالم. وهذا هو المسيح قوة الله وحكمته الذى ولد بدون زرع بشر وحل بيننا مثل خيمة الاجتماع التى لم توجد منذ لحظة بنائها بل كانت موجودة من قبل فى السماء، فهكذا السيد المسيح قبل أن يولد من العذراء القديسة مريم هو موجود قبل الدهور وسوف يبقى إلى الدهر. فهو موجود قبل كل الأزمنة، ولكنه من أجلنا قبل أن يولد من العذراء لكى يحل فى وسطنا، ونحن الذين فقدنا وجودنا بسبب سوء استعمالنا للحرية، فهو جاء وحل بيننا لكى يعيدنا إلى الوجود بعد أن بعدنا عن ذلك. أنه هو الله الأبن الوحيد الذى يحتوى فى نفسه الكون بأكمله أوجد خيمة تجسده فى وسطنا.

وفى شرحنا لمعانى خيمة الاجتماع لا نريد أن نقلل من عظمة الله. لأن جميع الأسماء التى نقولها لا تستحقه هو حتى لو كان معنى هذه الأسماء عظيماً ورائعاً، فإن أى كلمة نقولها لتعبر عن قوة الله تظل ناقصه وغير كاملة. وعلى سبيل المثال إذا قلنا عن المسيح له المجد أنه طبيب أو راعٍ أو بطل أو خبز الحياة أو الكرمة أو الطريق أو الباب أو القصر أو الماء أو الصخرة أو النبع، فكلها أسماء يمكن أن نطلقها عليه وكذلك ممكن أن نقول أن الخيمة ترمز إلى المسيح.

«فإنه فيه حيل كل ملء اللاهوت جسدياً» (كو 2: 9).

فالمسيح هو القوة، الذى فيه يحوى كل الخليقة ويسود على كل الأشياء. وهكذا نستطيع أن نفسر تفصيل خيمة الاجتماع بانطباع معين عن المسيح له المجد. فالحجاب السفلى لخيمة الاجتماع يرمز إلى جسد المسيح له المجد.

«فاذلنا أيها الاخوة ثقة بالدخول إلى الاقداس بدم يسوع. طريقاً كرسه لنا حديثه حياً بالحجاب أى جسده» (عب 10: 19 - 20).

وكان هذا الحجاب مصنوعاً من أربعة مواد فسرها بولس الرسول حين قال.

«فيه خلق الكل ما فى السموات وما على الأرض ما يرى وما لا يرى سواء كان عروشاً أم سيادات أم رياسات أم سلاطين» (كو 1: 16).

فالاعمدة الذهب المتلالئة بالفضة والأجراس والشاروبيم الذين يغطون التابوت بأجنحتهم وكل التفصيلات الأخرى الموجودة فى خيمة الاجتماع تشير إلى القوة العالية التى تعين المسكونة وفقاً لمشيئة الله. هذه هى المعونة الحقيقية التى تحدث عنها بولس الرسول.

«أليس جميعهم أرواحاً خادمه مرسلة للخدمة لأجل العتيدين أن يرثوا الخلاص» (عب 1: 14).

والاجراس التى تدق تشير إلى يقظة النفس لتنظر إلى ما هو فوق إلى الفضيلة ونحن بعد فى الجسد على الأرض.

والنص المقدس فى وصفه للشاروبيم الذى يظلل بأجنحته الأشياء المخبأة فى التابوت يشير إلى القوات التى تحيط الله فى الرؤيا التى رآها كل من أشعياء وحزقيال، ولا يجب أن نندهش لحقيقة تغطية التابوت بأجنحة الشاروبيم، لأننا نجد رمز هذه الأجنحة فى نبوة أشعياء النبى حيث نرى وجه الرب فقط هو المغطى وهو الذى يرمز له هنا بتابوت العهد.

«السيرافيم واقفون فوقه لكل واحد ستة أجنحة باثنين يغطى وجهه وباثنين يغطى رجليه وباثنين يطير» (أش 6: 2).

ثم بعد ذلك يتحدث النص عن الشمعدانات التى تبدأ من قاعدة واحدة ثم تنقسم إلى عدة فروع لكى توزع نورها الغزير فى كل الاتجاهات ونفهم معنى هذا فى توزيع الأشعة المضيئة الذى هو الروح القدس الذى يشرق على خيمة حياتنا وهذا هو ما رآه أشعياء النبى.

«السيد الرب جالساً على كرسى عالٍ واذياله تملأ الهيكل» (أش 6: 1).

.

أما الذبائح التى كانت تقدم فى خيمة الاجتماع فهى رمزاً لى ذبيحة الصليب التى تحدث ع نها بولس الرسول.

«متبررين مجاناً بنعمته بالفداء الذى بيسوع المسيح الذى قدمه الله كفارة بالايمان بدمه لاظهار بره من أجل الصفح عن الخطايا السالفة» (رو 3: 24 - 25).

.

وعن طريق مذبح البخور نستطيع أن نفهم العبادة الأبدية التى تقدمها القوات السمائية التى هى الملائكة والتى يرمز لها بالخدمة الدائمة فى خيمة الاجتماع، لأنه يقول.

«لكى تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن فى السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض» (فى 2: 10).

فهو يفيد بأن كل من فى السماء أيضاً يقدمون خدمة التسبيح للرب يسوع المسيح الذى هو بدء كل الأشياء وهذه هى الذبائح المقبولة من الله التى هى ثمرة شفاهنا كما يخبرنا الرسول بولس حين يقول.

«فلنقدم به فى كل حين لله ذبيحة التسبيح أى ثمر شفاه معترفة بأسمه» (عب 13: 15).

والتسبيح هنا عبر الصلوات المرفوعة.

وحين نرى فى خيمة الاجتماع جلود الحيوانات المذبوحة ذات اللون الأحمر وشعر معزى (خروج 25: 4 - 5) فهى تشير إلى ألام الرب يسوع المسيح التى غطته بالتمام واللون الأحمر يشير إلى دم المسيح والشعر يشير إلى الموت، لأن الشعر على الجسد يمنع الاحساس لذلك فهو رمز مناسب للموت.

8 - خيمة الأجتماع التى على الأرض:

إن موسى النبى صنع على الأرض صورة للخيمة التى رآها على الجبل. وكل شئ رآه موسى كأن له رمز وعمل فالأعمدة فى خيمة الأجتماع هم خدام الكنيسة.

«يعقوب وصفا ويوحنا المعتبرون أنهم أعمدة» (غل 2: 9).

وأعمدة الكنيسة ليسوا هم التلاميذ والرسل ويوحنا المعمدان الذى شهد للنور الحقيقى الذى للرب يسوع. بل هم كل الخدام الذين يخدمون فى الكنيسة وأخذوا على عاتقهم مسئولية الخدمه وأصبحوا نوراً بأعمالهم كما قال عنهم الرب يسوع المسيح.

«أنتم نور العالم» (مت 5: 14).

وبولس الرسول يأمر كل الخدام ويوصيهم أن يصيروا أعمدة حين يقول لهم.

«كونوا راسخين غير متزعزعين» (1كو 15: 58).

وقد وصف بولس الرسول كنيسة الله الحى أنها.

«عمود الحق وقاعدته» (1تيمو 3: 15).

فى هذه الخيمة نحن نرى الذبائح التى تشير إلى ذبائح المجد، ومذبح البخور الذى يرفع عليه الصلوات المستمرة الصباحية والمسائية ويفسر لنا داود النبى ذلك حين يعبر عن الصلوات المقبولة لدى الله بأنها ذبائح مسائية.

«لتستقم صلاتى كالبخور قدامك ليكن رفع يدى كذبيحة مسائية» (مز 141: 2).

وحينما نرى المغسلة نحن نرى أولئك الذين أغتسلوا من دنس خطاياهم فى سر المعمودية المقدس، حيث كان يوحنا المعمدان يغسل الشعب فى مياه الأردن بمعمودية التوبة، ثم جاء بطرس الرسول حيث قاد فى نفس الوقت ثلاث ألاف نفس معاً إلى ماء المعمودية (أع 2: 41) وكان فيلبس أيضاً يمارس سر المعمودية مع الخصى وزير كنداكة. كان كل هؤلاء عبارة عن قنوات للنعمة لأولئك الذين أشتركوا فى العطية الالهية التى هى سر المعمودية المقدس.

ثم يأتى الفناء المحيط بالخيمة وهو يشير الى الترابط والتناسق بين المؤمنين فى السلام والمحبة.

« وكان لجمهور الذين آمنوا قلب واحد ونفس واحدة» (أع 4: 32).

وفسرها داود النبى حين قال.

«الذى يجعل تخومك (حدودك) سلاماً» (مز 147: 14).

أما جلود الحيوانات المصبوغة باللون الأحمر وغطاء الشعر الموضوع للزينة فهما يرمزان إلى قمع الجسد وشهواته والسلوك فى حياة التقشف القاسية لأن هذا هى الثمار الحلوة لخيمة الاجتماع التى هى الكنيسة، لأن الجلد ليس فيه حياة فى ذاته ولكن تظهر عليه علامة الحياة بسبب الصبغة الحمراء التى يكتسبها، وهكذا فان النعمة التى تكسو الروح لا تعمل فى الانسان ما لم يمت عن الخطية واللون الأمر يرمز إلى المحبة الباذلة التى تجلت فى الصليب، أما الشعرالذى يكسو الجلد ويجعل الاحساس واللمس صعباً فهو يشير الى حياة النسك التى تبدد الشهوات.

وفى كل هذه التفاصيل الموجودة فى خيمة الاجتماع نحن نرى حياة البتولية التى تهزم شهوات الجسد لمن يحيون فيها.

أما قدس الاقداس الذى فى داخل الخيمة، والذى يحرم على الشعب أن يدخلوه فهو يكمل المعنى الروحى للنص، لأن الوصول الى الحق من الخليقة كلها هو الشئ المقدس الذى يرمز اليه بالمقدس. أما قدس الأقداس فهو يرمز إلى جوهر الله الذى يفوق ادراكنا فهو يرمز إلى جوهر الله الذى يفوق كل ادراك وهو الجزء المخفى فى خيمة الأجتماع، وعندئذ عدم الدخول يرمز إلى عدم البحث فى المعرفة التى تفوق إدراكنا وأن نكتفى أن نؤمن ما نطلبه هو موجود فعلاً حتى ولو كان غير مرئى من الكل ولكنه مخفى فى سر أعماق الروح.

9 - رمز الملابس الكهنوتيه:

أن عينى موسى النبى حين تطهرت وصعدت بالتأمل إلى فوق وارتفعت إلى فهم الحقيقة الروحية للأشياء العالية وفهم معنى الملابس الكهنوتيه التى هى القميص والمنطقة والجبة والرداء والصدرة والأوريم والتميم والعمامة وكان يوضع على الصدرة الأحجار الكريمة موضوعة فى أربع صفوف فى كل منها ثلاثة. منقوش على الأحجار اسماء اسباط اسرائيل الأثنى عشر. وكان يوجد بأذيال الجبة رمانات وجلاجل.

والآن نحن ننظر إلى معنى هذه الملابس التى ترمز إلى الحكم والقضاء والحق لأن النص المقدس لا يقصد الملابس فى ذاتها ولكن يقصد زينة الروح المشتملة على ممارسات الفضيلة المختلفة.

الجبة لونها أزرق وهذا اللون يرمز إلى السماء والهواء وهى تشير إلى أن الانسان الذى يريد أن يكرس نفسه لله يجب أن يقدم جسده.

«ذبيحة حية مقدسة مرضية عند الله عبادتكم العقلية» (رو 12: 1).

ويجب ألا يحيا حسب الجسد والحواس بل يجعل كل سلوك حياته خفيفة مثل نسيج العنكبوت عن طريق طهارة أعماله. وعندما يسلك الانسان فى الطهارة يستطيع أن يلبى دعوة الانطلاق حين يسمع البوق الأخير ولا يكون هناك أى ثقل أو عائق عقبة أن يحمل فى الهواء لكى يكون مع الربز هذا هو الأنسان الذى يتفق سلوكه مع قول المرنم.

«لأنى أنا غريب عندك. نزيل مثل جميع آبائى» (مز 39: 12).

أما لبس الجبة التى تستر الجسم من الرأس إلى القدم فهى تشير إلى كمال الفضيلة فى حياة الأنسان وخلوه من أى رزيلة. أما الأجراس الذهبية (الجلاجل الذهبية) فهى تشير إلى لمعان الأعمال الجيدة، لأن الفضيلة الكاملة تحتوى على شيئين أولهما الايمان فى الله وثانيهما ممارسة السلوك الجيد حسب الضمير النقى وهكذا يقول بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس.

« ولك إيمان وضمير صالح» (تيمو 1: 19).

فالايمان يجب أن يكون قوياً وواضحاً وسلوكنا يجب أن يكون مملوءاً بالثمر وحياتنا يجب أن تشبه ثمر الرمان لأنه مكسو بالخارج بقشرة جامدة مرة لا تؤكل ومن الداخل ثمرة حلوة لذيذة فى الأكل وشهية للنظر وهكذا فأن حياة ا لحكمة مرة وصعبة ولا تتلذذ بها الحواس ولكنها مملوءة أثماراً حين نتوقعها ونمارسها فى وقت الثمر وكما يقول الرسول بولس.

« ولكن كل تأديب فى الحاضر لا يرى أنه للفرح بل للحزن. وأما أخيراً فيعطى الذين يتدربون به ثمر بر للسلام» (عب 12: 11).

والرمانات المتدلية من الجبة تشير إلى الزينة الخارجية التى هى اكمال الوصايا وهكذا فأن بولس الرسول قد يشير ببشارة الانجيل مجاناً قائلاً "فى جوع وعطش وعرى" هذه هى الزينة الموضوعة على ملابس الكهنة التى تعطى جمالاً أكثر للجبة التى هى ممارسة الوصايا.

أما الرداء الذى كان يسمى الأفود وكان يصنع من ذهب واسمانجونى وارجوان وقرمز وكتان ابيض نقى وكان يشد بزنار من مواد الرداء وكان لهذا الرداء كتفان موصولان وكان الجزءان الأمامى والخلفى لهذا الرداء متصلين بواسطة أجزاء الاكتاف هذه وفى كل منها حجر جزع ثمين محاط بطوق من ذهب ومنقوش عليها اسماء اسباط اسرائيل الاثنى عشر (خر 39).

أن ألوان الرداء كانت تجعل الحجر الذى على كل كتف يتلألأ بجمال ملحوظ جداً. إن الجزء الأمامى لهذا الرداء يرمز إلى الانسان الداخلى المملوء بالفضائل المختلفة. أما اللون الأزرق المخلوط بالبنفسجى فهو يشير إلى الرهبة الملوكية الممتزجة بطهارة الحياة، أما اللون القرمزى الممزوج بالكتاب الأبيض فهو يرمز إلى الطهارة البيضاء التى فى حياتنا الممتزجة باللون الأحمر الذى هوإتضاع البذل أما الذهب الموجود فى وسط الألوان كلها فهو يرمز إلى الكنز المخفى المملوء بالحياة. أما أسماء الاسباط الأثنى عشر المحفورة على هذين الحجرين فهى تشير إلى المرشدين الذين سبقونا وهم مثل لحياتنا وسلوكنا.

وكانت الصدرة تثبت فى كتفى الرداء ومتصلة به عن طريق سلاسل ذهبية لا تنزع منه أبداً كانت عليها أحجار كريمة موضوعة فى أربع صفوف فى كل منها ثلاثة ومنقوش على الأحجار أسماء اسباط اسرائيل وكانت هذه الأحجار الكريمة مختلفة ولا يتشابه أى منها مع الآخر بل كل حجر له لمعان خاص به. أما الكتفان اللذان يصلان الرداء من الأمام والخلف منها يشيران إلى السلاح ذى الحدين الذى نستخدمه ضد عدونا لأنه كما قلنا أن الفضيلة تعمل فى اتجاهين مختلفين أولهما الإيمان وثانيهما السلوك وفقاً لضميرنا ونحن هنا ننمى أنفسنا فى كلا الاتجاهين ولا يمسنا العدو بتجاربه ونحن لابسين درع الايمان.

«فى كلام الحق فى قوة الله بسلاح البر لليمين واليسار» (2كو 6: 7).

لأن الكتف يشير إلى موضع القوة. أما الحجران الثمينان الموضوعان فى الرداء والمحفور عليهما اسماء اسباط اسرائيل الاثنى عشر واللذان كانا يربطان الاكتاف بالرداء فهما يرمزان إلى الحجاب الذى يحمى القلب من سهام العدو عندما يتحصن بفضائل الآباء. وكل حجر يتلألأ بلمعان خاص على الملابس يشير إلى الفضيلة بأنواعها المختلفة.

أما السلاسل الذهبية التى كانت مثبتة فى كتفى الرداء فهى تشير إلى أن حياة الكمال يجب أن تشمل الممارسة العملية لأن القلب هو مركز التأمل أما الكتفان اللذان هما اليدان فهما رمزان للسلوك والعمل.

أما التاج ا لذى كان يزين الرأس فهو يرمز إلى الأكليل المعد للذين عاشوا حياة الفضيلة والجهاد وهذا التاج كان مزيناً بحروف سرية منقوشة بالذهب المصفح تكون عبارة (قدس للرب).

ولم يكن الكاهن يلبس صندلاً لكى لا يكون هناك أى عائق فى خدمته أو حركته. والصندل يشير إلى العلاقة بالعالم الذى هو التراب.

10 - التقدم غير المحدود:

نحن هنا امام موسى. ذلك الرجل الذى استمتع بعدة رؤى فيها رأى الله بوضوح، ويصف ذلك كأنه امام الله وجهاً لوجه كما يتحدث الصديق مع صديقه، ولكنه تجاسر بعد ذلك وطلب أن يرى الله ويسأله أن يكشف له ذاته كما لو كان مرئياً، وقد أخبره الله.

«هوذا عندى مكان فتقف على الصخرة. ويكون متى أجتاز مجدى أنى أضعك فى نقرة من الصخرة. واسترك بيدى حتى اجتاز. ثم ارفع يدى فتنظر ورائى وأما وجهى فلا يرى» (خر 33: 21 - 33).

وتأكد موسى أن هذا الوعد بصوت الله شخصياً وليس ما سمعه كان خيالاً. ونحن لو فسرنا ذلك حرفياً لكان اكتشاف الأمر صعباً وسيكون التفسير متعارضاً مع طبيعة ا لله لأن الله ليس له أمام وخلف لأنها أبعاد محدودة مثل أى جسد، ولكن الله غير محدود ولذلك فليس له أى أبعاد، ولو نسبنا لله أى أبعاد فأننا سوف ننسب له الطبيعة الجسدية، وكل الطبيعة الجسدية هى مكونة والطبيعة المكونة توجد بأتحاد أجزائها المختلفة، والشئ المركب لا يمكن ان يكون غير فاسد وكل ما هو فاسد لا يمكن أن يكون أبدياً لأن الفساد هو انفصال الأجزاء من تكوينها.

ولذلك لا يمكن أن نأخذ كلمة خلف الله بالمعنى الحرفى، لأن الأمام والخلف كما قلنا هى أبعاد خاصة بالأجساد مثل العناصر كلها قابلة للفساد، واذا اكتفينا بالتفسير الحرفى فاننا سوف ننحرف فى نسبة الفساد لله وحاشا لأن الله غير جسدى وغير قابل للفساد.

ولذلك يجب أن نعرف ما يرمز اليه النص وهذه هى طريقتنا فى تفسير ذلك النص والنصوص الأخرى أيضاً وتفسير النص كما يلى:

أن كل الأجساد ثقيلة وتنجذب إلى أسفل وعندئذ تجد أمامها عقبة فى الأرتفاع والانتقال إلى فوق إلى السماء ولذلك يلزم اولاً الانفصال عن الأرض ثم ضرورة ان تأتى قوة من فوق لتجذب الانسان إلى اعلى السماء. وهذا ما عبر عنه بولس الرسول.

«أفعل شيئاً واحداً إذا أنسى ما هو وراء وامتد إلى ما هو قدام» (فى 3: 13).

وهذا هو ما يعلمنا اياه الرسول بولس أن الروح تستمر تحلق إلى فوق ولكن هناك حداً تقف عنده الروح ولا تستطيع أن تتخطاه حتى مع رغباتها فى ذلك وهذا هو ما حدث مع موسى النبى الذى استمر فى تسلق الجبل ولم يصنع لنفسه حدوداً فى صعوده ولكنه فقط وضع رجليه على ذلك السلم الذى يصل الأرض بالسماء واستمر فى الصعود.

« وإذا سلم منصوب على الأرض ورأسها يمس السماء وهوذا ملائكة الله صاعدة ونازلة عليها وهوذا الرب واقف عليها» (تك 28: 12 - 13).

هذا السلم الذى كشفه لنا يعقوب ابتدأ موسى فى الصعود عليه درجة تتلوها درجة واستمر فى الصعود إلى ا على لأنه اكتشف وجود درجات اخرى يمكن أن يصعد اليها بعد تلك التى وصل اليها.

إن موسى النبى رفض ان يحيا كأبن لابنه فرعون، ولما ذهب لينتقم لليهود لم يوفق فى ذلك فأنتقل ليحيا فى البرية بلا خلطة مع أى من البشر وأشتغل فى رعاية الغنم الاليفة ليجد لنفسه مرعى هناك. ورأى نور العليقة المشتعلة ولم يحترق حينما اقترب لينظر ذلك بعد أن خلع حذاءه. وقاد موسى أهله وعشيرته إلى الحرية وراى الاعداء يغرقون تحت موج البحر. وعاش على سفح الجبل فى السحاب، وروى عطشه من الماء اخلارج من الصخرة وحصد الخبز النازل من السماء، وحارب العدو حين رفع يديه إلى فوق وسمع صوت البوق ودخل فى الظلام ونفذت رؤيته ليعاين خيمة الأجتماع غير المصنوعة بيد بشرية، وتعلم أسرار الكهنوت وحطم الأوثان وتوسل إلى الله واخذ لوحى الشريعة بعد أن حطمهما بسبب خطية اليهود واشرق وجهه بالمجد وارتفع إلى أعلى، وظل يشتهى الصعود ويتوق إلى الملء الكامل وكأنه لم يحصل على شئ، وظل يتوسل إلى الله أن يعطيه أكثر فطلب من الله أن يكشف له ذاته بأى صورة أو طريقة وهنا طلب موسى الله ذاته.

ورغم أن موسى النبى قد اختبر الكثير وامتلأت نفسه بالخبرات الروحية العظيمة وكان يتقوى بالرجاء الفائق ليرتفع فوق الجمال الذى لمحه، الا انه كان يلتهب شوقاً ليرى ما هو مخبأ وهذه هى المحبة المتقدة للجمال الالهى التى تتسلق المرتفعات لتصل إلى الصورة الاصلية الذى هو الله وليس فقط خلال المرأه أو الأنعكاس.

ورغم أن طلب موسى قد رفض حين قال له الله.

«لا تقدر أن ترى وجهى لأن الانسان لا يرانى ويعيش» (خر 33: 20).

الا أن الله تحدث معه فى كلمات قليلة لكى يكمل له جزءاً فقط من رغبته. وهذا ليس معناه أن رؤية الله تسبب الموت لأنه كيف يصير وجه الحياة سبب موت لأولئك الذين يقتربون منه، ولكننا نقول أن الله هو مانح الحياة، وهذا يعنى أن الانسان الذى يظن أنه ممكن أن يدرك طبيعة الله أنه كاذب وقد انحرف من الوجود الحقيقى إلى الخيال، لأن مانح الحياة يفوق المعرفة وأن ما يحصل عليه عقلنا فى ذلك ليس هو الحياة ولذلك لم يستطع موسى النبى أن يرى الله فى جوهره وطبيعته والا كانت طبيعة الله محدودة، لأن كل شئ هو محدود بشئ آخر فالطيور محدودة بالهواء، والسمك محدود بالماء، وحدود السمك محدودة بسطح الماء المحيط به وهذا هو وعاؤه، وهكذا ايضاً الطيور بالهواء الذى هو وعاؤها أيضاً. وهكذا اذا خدعنا وقلنا ان الله محدود فيجب ان يكون محدوداً بشئ آخر والوعاء دائماً يكون أكبر من الشئ الموجود داخله. ولكن كل احد يتفق معنا ان الله هو الجمال والخير، وكل ما هو مختلف عن الجمال والخير سيكون غير جميل وغير صالح، واذا عرفنا ان الوعاء يجب أن يكون اكبر من الشئ الذى بداخله وهذا يقودنا إلى الانحراف بأن نقول ان الله محدود بالشر الذى بداخله وهذا يقودنا إلى الانحراف بأن نقول ان الله محدود بالشر وسينحرفون أيضاً بالقول ان الجمال سوف يتحول ويتغير. ولذلك علينا أن نتأكد بأن طبيعة الله غير محدودة.. وكلما هو غير محدود هو فوق ادراكنا المحدود. وكل رغبة فى الصعود نحو غير المحدود الذى هو الله لا يمكن أن تكمل بالتمام بل هو مجرد سعى فقط بأن نثبت عيوننا لرؤية السمائيات ونضع فى انفسنا الرغبة فى أن نرى ونرى المزيد. ولا يوجد أى حدود فى تقدمنا نحو الله، لانه اولاً لا يوجد أى حدود للجمال الالهى وثانياً لان زيادة رغبتنا لهذا الجمال لا يمكن أن تقف عند حدود رضا الحواس فقط.

11 - ما ترمز اليه الصخرة والنقرة:

ماهو المكان الذى يمكن أن نكون فيه مع الله؟ وما هو معنى الصخرة؟ وما هو معنى النقرة؟ وما هو معنى يد الرب التى تغطى النقرة؟ وما هو معنى مرور الله؟ وما هو معنى الخلف الذى وعد الله موسى بأن يراه حين طلب أن يرى وجهه؟ كل هذا الذى سطره سفر الخروج ص33: 21 - 23. وكل معنى هذه الأشياء يرمز إلى شئ عميق ومهم ويشير إلى غنى الله الذى يوهب للآنسان. لانه بعد كل هذه الرؤى التى منحت لموسى خادم الله أعطى له هذا الوعد العظيم الرائع. إن موسى النبى وصل إلى هذه القمة بعد صعوده درجات كثيرة ونحن نسترشد بما وصل اليه لنصل نحن أيضاً لأن.

«كل الأشياء تعمل معاً للخير للذين يحبون الله» (رو 8: 28).

أنظر إلى قول الله لموسى النبى.

« وقال الرب هوذا عندى مكان» (خر 33: 21).

وحينما يتحدث الله عن المكان لا يقصد قطعه من الأرض لها مساحة محدودة ولكن الله يقود القارئ إلى الحقيقة غير المحدودة بأى حدود وهذا هو معنى النص أى نتقدم بلا حدود وبلا قيود نحو البر حسب تزايد شوقنا نحو ذلك. هذا هو المكان الفسيح جداً الذى بلا نهاية لمن يسير فيه. ومن ناحية أخرى فإن هذا المسير ثابت لأنه فوق الصخرة.

«فتقف على الصخرة» (خر 33: 21).

وهنا نحن نجد أنفسنا أمام تناقض نريد أن نفسره وهو كيف يكون المسير والحركة شيئاً واحداً مع الثبات لأنه لا يمكن أن يكون الانسان واقفاً وجالساً فى آن واحد. ولكن المعنى هو أن الأنسان حين يتقدم أكثر فى طريق الكمال فإنه يصير كأنه ثابت لم يتحرك وكأنه لم يدرك أى شئ بعد نظراً لعدم محدودية الكمال ويستحيل على الإنسان أن يحلق فى أعلى الفضيلة إذا انزلق وسقط فى الخطية وعندئذ يظل يتخبط كما يقول الرسول بولس.

«كى لا نكون فيما بعد أطفالاً مضطربين ومحمولين بكل ريح تعليم بحيلة الناس بمكر إلى مكيدة الضلال» (مز 40: 2).

هؤلاء مثل البشر الذين يحاولون أن يتسلقوا الجبال الرملية فهم يفقدون كل قواهم لأن أرجلهم سوف تنزلق إلى قاع الرمل ويفقدون كل طاقتهم ولا يصنعون أى تقدم، ولكن هكذا يقول المزمور.

«اصعدنى من جب الهلاك من طين الحمأة وأقام على صخرة رجلى ثبت خطواتى» (1ف 4: 14).

وكأن الله قد انتشلنا من بالوعة الوحل التى هى الخطية إلى الصخرة. والصخرة هى المسيح الذى يرمز إلى الكمال. فالثبات فى البر الذى هو الله يجعل نفوسنا مثل الطير فى طيرانه نحو السماء يكمل بسرعة مسيرة نحو الهدف.

12 - تبعية الرب:

والآن بعد أن تقدمت النفس فى علاقتها مع الله وأصبحت فى حمايته وفقاً لوعده، فإن يد الرب تشير إلى القوة التى تفوق كل شئ لأن الرب يسوع المسيح هو القوة الذى خلق كل الأشياء، هو الهدف الذى يسعى اليه كل أحد وهو الطريق الذى به يصل من يسير وفقاً لكلمته. وهو الصخرة لأولئك الذين جاهدوا فى الصعود وهو القصر بالنسبة للذين حصلوا على الراحة. وهنا تسمع النفس دعوتها من الله وعندئذ تاخذ مكانها خلفه وهى تتبع الرب وفقاً للوصية الالهية التى فهمها داود النبى حين قال.

«السكن فى ستر العلى فى ظل القديس يبيت... بخوافيه يظللك وتحت أجنحته تحتمى» (مز 91: 1، 4).

فهذه تشير إلى الرب لأن الكتفين والاجنحة هما الخلف والمقصود هو أن نسير خلف الرب.

أما يعين الرب التى غطت الصخرة وغطت موسى فقد تحدث عنها داود النبى حيق قال.

«يمين الرب مرتفعة يمين الرب صانعة ببأس» (مز 118: 16).

وما حدث مع موسى النبى قد شرحه الرب لتلاميذه حين قال لهم.

«ان أراد أحد أن يأتى ورائى» (لو 9: 23).

فهو لم يقل أن أراد أحد أن يسير أمامى أو حين سئل عن كيفية الوصول إلى الملكوت قال.

«تعال واتبعنى» (لو 18: 22).

موسى النبى طلب أن يرى الله فأعطيت له هذه التعليمات لكى يراه، رؤية الله معناها تبعيته إلى حيث يقودنا هو حسبما يريد.

ومرور الله يشير إلى قيادته للنفوس التى تتبعه. لأن كل من لا يعرف الطريق لا يمكن أن يصل بسلام وبذلك يلزم الأمر إلى مرشد يقودنا فى الطريق، والمرشد لابد أن يسير أمامنا ونحن نتبعه ونسير خلفه، وما دمنا نسير خلفه ونرى ظهره لأننا سوف نصل، أما إذا راينا وجه المرشد فإن معنى هذا اننا نسير فى اتجاه مخالف لطريق المرشد، ولذلك يقول لأولئك الذين يتبعونه.

«لا يرى أحد وجهى ويعيش» (خر 33: 20).

فالمعنى هو لا تأتوا من أتجاه آخر وتكونوا فى مواجهة المرشد والا ستكونوا سائرين فى الاتجاه العكسى تماماً، ولأن الصلاح يجب أن يكون فى نفس إتجاه البر والفضيلة وليس فى عكس اتجاهما. أما الذى يأتى فى الأتجاه العكسى للخير فهو الشر لأن الشر هو دائماً السير فى الاتجاه العكسى فى الفضيلة، ولا يمكن أن تكون الفضيلة عكس البر والصلاح، ولذلك لم يرى موسى الله وجهاً لوجه ولكنه فقط راى خلفه والذى يرى وجهه – أى الذى يعيش حياة تخالف الفضيله – مواجهة لن يعيش كما يخبرنا. الوحى الألهى.

ولذلك كم هو مهم أن نتبع الرب، لأنه بعد الصعود إلى الجبل العالى ورؤية هذه المناظر الرائعة جداً كان موسى النبى قد اقترب من نهاية حياته على الأرض وحسب أهلاً أن يأخذ تلك النعمة بعد أن تعلم كيف يسير خلف الرب. وتبعية الرب هى عدم السير فى الخطية.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

›

الفصل الثالث تأملات فى سفر النشيد

‹

الفصل الأول تأملات عامة

المحتويات
المحتويات