تأملات فى مزمور اعترف لك يا رب – مزامير – الأنبا بيشوي مطران دمياط و البراري

الرئيسية » كتب » الكتاب المقدس » دراسات في العهد القديم » تأملات فى مزمور اعترف لك يا رب – مزامير – الأنبا بيشوي مطران دمياط و البراري

اعترف لك يا رب - مزامير - الجزء الأول - الأنبا بيشوي.jpg

آخر تحديث: 20 نوفمبر 2018

البياناتالتفاصيل
إسم الكاتب
منصب/عمل الكتاب
تقييم الكتاب
Arabic
- مشروع الكنوز القبطية

تحميل الكتاب

إنتبه: إضغط على زرار التحميل وانتظر ثوان ليبدأ التحميل. الملفات الكبيرة تحتاج وقت طويل للتحميل
رابط التحميلحجم الملفمرات التحميل
1MB[download_count]

مقدمة

هذا المزمور كتبه داود النبى.. ومزامير داود لها مذاقتها الخاصة كما أن لها خبرات خاصة مع الله. لها لذتها وحلاوتها ونغمتها؛ وكأن فى ثنايا المزمور تدخل قيثارة داود لتعزف نغماته بوضوح بين السطور والكلمات..

داود النبى يشكر الله بكل مشاعره وحواسه، شكراً لا يشوبه تذمر.. “أعترف لك يا رب من كل قلبى” أعترف أنك قد أجزلت الإحسان والتعطف والرحمة، أشكرك على هذا العطف والإحسان، أشكرك يا رب من كل قلبى .. ربما يشكر الإنسان؛ لكن شكره أحياناً يكون مشوباً بالتذمر، أو التردد، أو بعدم الرضا والتطلع إلى ما هو أفضل مما أخذه. لكن كلما شكر الإنسان من كل قلبه؛ هذا الشكر يتقبلَّه الله كذبيحة شكر مقبولة، رائحة رضا وسرور.

واستجابة الله للصلاة هى علامة لحضوره الإلهى؛ فليتنا نختبر هذا الاختبار الروحى فى حياتنا.. عندما نشعر أننا نكلّم الله وهو يسمع ويستجيب.. لأن مَن يحيا مع الله ولم يختبر هذا بعد، فإنه لم يذق حلاوة العشرة مع الله إلى الآن. هذه هى أفراح الروح الحقيقية.. أن يشعر الإنسان عندما يتكلم مع الله أنه يسمع له، وكأنه يُسكِت أصوات الملايين من الملائكة التى تُسبّحه لكى يسمع له هو، أو كأن الله يتفرغ لكى يسمعه!

فليعطنا الرب أن نتذوق حلاوة المزامير وأن نصلى بها بروح العبادة والتأمل.

24سبتمبر 2006م                  مطران دمياط وكفر الشيخ والبرارى

14 توت 1723ش                   ورئيس دير الشهيدة العفيفة دميانة

أعترف لك يا رب من كل قلبى

بمعنى أشكرك؛ ففى ترجمات أخرى مثل الطبعة البيروتية يقول “أحمدك من كل قلبى”. مثلما يقول فى المزمور (117: 1) “اعترفوا للرب فإنه صالح وأن إلى الأبد رحمته”، وتُترجم أيضاً “اشكروا الرب فإنه صالح وأن إلى الأبد رحمته”. فعبارة “اعترفوا للرب” تعنى أن نعترف له بأفضاله وإحساناته، وهذا يعنى أن نشكره.

من كل قلبى

فكلمة أشكرك يا رب لا تحتاج إلى تفسير، إنما يجب أن نقف عند تلك العبارة: “من كل قلبى” أى أن كل حواسى تشكرك يا رب، كل مشـاعرى، كل أفكـارى، كل عـواطفى.. ليس فى قلبى أى نـوع من التذمر أو الإحساس بعدم الرضا أو الانشغال بمحبة العالم عن شكر الله.

يمكن أن يشكر الإنسان على شئ ولا يشكر على آخر .. ولكننا نصلى فى صلاة الشكر ونقول: “نشكرك على كل حال”، وكما يقول الكتاب “تحب الرب إلهك من كل قلبك.. ” (تث6: 5)، أيضاً الشكر المقبول أمام الله هو الشكر الذى من الأعماق، الذى يصدر من أعماق القلب، ومن كل القلب.. وفى هذا المزمور، على أى شئ يشكر المرتل؟

لأنك استمعت كل كلمات فمى الاستجابة علامة الحضور الإلهى

أتصور هنا داود وكأنه يرقص أمام تابوت العهد، يتغنى ويترنم حيث إن استماع الله لصلواتنا هو علامة حضور إلهى حقيقى، ها هو يرقص طرباً وفرحاً قائلاً أشكرك يا رب من كل قلبى لأنك استمعت كل كلمات فمى.

كثيراً ما يقول المرتل فى مزامير أخرى “يا الله إلهى”، وكأنه يقول لله: فى كلمة إلهى هذه أشعر أنك إلهى أنا، نعم أنت إله الكون، نعم أنت تسمع تسابيح الملائكة وأصوات القديسين، لكن رغم هذا كله فأنت هو إلهى الخاص؛ الذى أعبده من كل قلبى؛ والذى تغمرنى إحساناته يوماً فيوماً..

احذر من أن تحيا مع الله بإحساس أنه الإله المختص بالكون كله فقط، فتتعامل معه كمدير أو رئيس وليس كأبٍ؛ لك معه علاقة بنوة خاصة، تستطيع أن تدخل إلى أحضانه وتشعر بفيض حنانه وأبوته.

دعوته فاستجابنى

الجميل فى هذا المزمور أنك قبل أن تصلى تقول له أشكرك لأنك سمعت صوتى.. لعل هذا يذكّرنا بيونان النبى عندما صلى للرب الإله فى جوف الحوت شعر أن الله قد استجاب لصلاته قبل أن يرى فقال فى صلاته “دعوت من ضيقى الرب فاستجابنى، صرخت من جوف الهاوية فسمعت صوتى” (يون2: 2).. أنت يا يونان مازلت فى بطن الحوت، كيف استجاب لك ؟! هذه خبرة روحية داخلية، بالإيمان، قد اختبرها يونان فى علاقته مع الله.

“لأنك استمعت كل كلمات فمى” يمكنك وأنت داخل الكنيسة تصلى قبل أن يعطيك الرب ما تطلبه؛ تقول له: أشكرك من كل قلبى لأنك استمعت كل كلمات فمى..كيف سمعك؟!

أنا أؤمن أن الله قد سمع صلاتى واستجاب، وأقول مع يونان النبى “دعوت من ضيقى الرب فاستجابنى، صرخت من جوف الهاوية فسمعت صوتى.. ثم أصعدت من الوهدة حياتى أيها الرب إلهى” (يون2: 2، 6) .. كيف أصعدك وأنت لا تزال فى جوف الحوت، فى عمق البحر؟!. يقول أيضاً: “حين أعيت فىَّ نفسى ذكرتُ الرب فجاءت إليك صلاتى إلى هيكل قدسك.. أما أنا فبصوت الحمد أذبح لك وأوفى بما نذرته. للرب الخلاص” (يون2: 7، 9).. أنا سوف أقدم ذبائح فى الهيكل وأوفى نذورى، وقد جاءت صلاتى إلى هيكل قدسك فى أورشليم..كل هذا وهو مازال فى بطن الحوت!!

أكثر مما نطلب أو نفتكر

أنت فى بداية المزمور تقول أشكرك يا رب من كل قلبى، وقبل أن يسمع منك أى كلمة تقول: لأنك استمعت كل كلمات فمى .. أنا يا رب أعرف أن الحساب مدفوع مقدماً، لأنك قادر أن توفى كل شئ، وأن تعطى أكثر مما نطلب أو نفتكر .. الله يعطينا أكثر مما نتصور.

عندما خلق الله آدم ووضعه فى الفردوس، لم يكن آدم قد طلب من الله أن يخلقه، ولكن الله فى خيريته وصلاحه أعطى للبشرية نعمة الوجود؛ مثلما نصلى فى القداس الغريغورى ونقول للرب {من أجل تعطفاتك الجزيلة كوَّنتنى إذ لم أكن}.. ودون أن يطلب آدم، غرس له الرب الإله فردوساً ووضعه فيه. ودون أن يطلب خلق له حواء معيناً نظيره.. وعندما سقط وأخطأ، دبّر الله له الخلاص وأعطاه الوعد بأن نسل المرأة يسحق رأس الحية وكان هذا وعداً بالخلاص عن طريق المرأة لكى لا يسخط آدم عليها ويرفضها من حياته.. وإذ وجد آدم نفسه عرياناً ملتمساً ورق التين غطاءً له هو وحواء، صنع الرب لهما أقمصة من جلد وألبسهما.. ولا يسع الوقت إن عدّدنا أعمال الله مع هذا الإنسان الذى خلقه.

وفى ملء الزمان جاء الله بنفسه لكى يصنع فداءً وخلاصاً من أجل الإنسان.. حتى أن الإنسان نفسه لم يقدر أن يدرك أو يصدق كيف يمكن أن تصل محبة الله إلى هذا المستوى. فيقول إشعياء النبى “من صدَّق خبرنا ولمن استعلنت ذراع الرب” (إش53: 1).. أى من يصدق أن محبة الله تصل إلى هذا الحد “إذ كان قد أحب خاصته الذين فى العالم أحبَّهم إلى المنتهى” (يو13: 1)..

وبالإضافة إلى كل هذا فقد أعد لنا ملكوتاً أيضاً دون أن نطلب. فربما أقصى ما كنا نستطيع أن نطلبه هو أن يخلصنا من الجحيم ومن الشيطان ومن الهلاك.. أما هو فيقول “تعالوا يا مباركى أبى رثوا الملكوت المُعَدَّ لكم منذ تأسيس العالم” (مت25: 34) قبل أن أخلق العالم قد أعددت لكم الملكوت.. فالله أعد للإنسان ليس فقط قبل أن يطلب إنما قبل أن يُخلَق، وقبل أن يسقط.. وها لدينا مثال عندما تعد الأم لطفلها كل ما يحتاج إليه وهو لا يزال فى بطنها فى فترة الحْمل، كم تكون عناية الله الذى أعد لنا الملكوت منذ أو قبل تأسيس العالم (انظر أيضاً أف1: 4).. الله يستجيب لنا قبل أن نطلب، وينتظر منا أن نطلب لكى يعطينا أكثر مما نطلب أو نفتكر..

أمام الملائكة أرتل لك شركة مع الملائكة

قد كان يكفى أن يقول أنا أرتل لك. لكن، لماذا أمام الملائكة؟..  الملائكة دائماً  تسبّح وترتّل للرب، أما البشر فصامتون.. فعندما يقول له أنا أمام الملائكة أرتل لك كما يقول معلمنا بولس الرسول “لأننا صرنا منظراً للعالم للملائكة والناس” (1كو4: 9)، لكى يزداد الشكر لمجد الله كما يقول “كما اختارنا فيه قبل تأسيس العالم لنكون قديسين وبلا لوم قدامه فى المحبة.. لمدح مجد نعمته التى أنعم بها علينا فى المحبوب” (أف1: 4، 6).. فكلّما عملنا عملاً حسناً أمام الملائكة يزيد مجد الله، وتفرح الملائكة وتتهلل محدّثة بهذا العمل وممجّدة لله.. كما يقول الكتاب “هكذا أقول لكم يكون فرح قدام ملائكة الله بخاطىء واحد يتوب” (لو15: 10)، تفرح الملائكة بخلاص الله للبشر وثمرته الحلوة، وتمجّد محبته الغافرة التى تقدر أن تحوّل الخطاة (إذا تابوا) إلى قدّيسين.

“أمام الملائكة أرتل لك” أى؛ أنا يا رب سوف أفرّح قلبك، حتى لا يكون البشر متخذين موقفاً سلبياً بينما الملائكة ترتل وتسبح.. سوف أرتل لك أمام الملائكة، فتتعجب الملائكة وتفرح هى أيضاً ونُسَر جميعاً ويزداد الشكر لمجد الله.. هذا معنى قول بولس الرسول “لمدح مجد نعمته التى أنعم بها علينا فى المحبوب.. ليجمع كل شئ فى المسيح ما فى السموات وما على الأرض فى ذاك الذى فيه أيضاً نلنا نصيباً معينين سابقاً” (أف1: 6، 10، 11).. يجمع الملائكة والبشر.

لذلك تعلّمنا الكنيسة وتؤمن يقيناً أن فى كل مرة نصلى قداساً أو عشية تحضر الملائكة الصلوات معنا.. وبالأولى كثيراً جداً أثناء حضور السيد المسيح على المذبح ليس فقط الملائكة والقديسون، إنما ملائكة الحضرة الإلهية؛ الشاروبيم والسارافيم من الملائكة المحيطة بعرش الله نفسه.. مادامت الذبيحة الإلهية حاضرة لابد أن ملائكة العرش الإلهى تكون حاضرة، لذلك يصرخ الشماس ويقول: {أيها الإكليروس وكل الشعب بطلبة وشكر بهدوء وسكوت ارفعوا أعينكم إلى ناحية المشرق لتنظروا المذبح وجسد ودم عمانوئيل إلهنا موضوعين عليه. والملائكة ورؤساء الملائكة قيام. السارافيم ذوو الستة أجنحة والشاروبيم الممتلئون أعيناً يسترون وجوههم..}..

ويصلى الأب الكاهن فى القداس ويقول: {أنت هو القيام حولك الشاروبيم والسارافيم، وستة أجنحة للواحد وستة أجنحة للآخر.. يرسلون تسبحة الغلبة والخلاص الذى لنا بصوتٍ ممتلئ مجداً، يسبحون وينشدون ويصرخون..”.. هؤلاء يصرخون واحد قبالة الآخر، فيما يترنمون؟!

يتغنون ويترنمون لله.. وعلى أى شئ يترنمون؟ يقولون له “مستحق أنت.. لأنك ذُبحت واشتريتنا لله بدمك من كل قبيلة ولسان وشعب وأمة” (رؤ5: 9)، لأنك صنعت الفداء والخلاص العظيم.. أنا أيضاً يا رب سوف أفرِّح قلبك وقلب الملائكة، بل قلب السماء كلها عندما آتى فى حضور الملائكة وأسجد وأرتّل لك أمام هيكلك المقدس؛ كعيِّنة ممن تمتعوا بهذا الفداء العظيم.

الإنسان الذى يحب الصلاة يصير صديقاً للملائكة، والذى يحب التسبيح تأتى الملائكة وتشترك معه فى التسبيح.. إن كانوا هم يرسلون تسبحة الغلبة والخلاص الذى لنا بصوتٍ لا يسكت، فكم يكون حين نرسل نحن تسبحة، فينجذبون إلينا “ليجمع كل شئ فى المسيح ما فى السموات وما على الأرض فى ذاك. الذى فيه أيضاً نلنا نصيباً معيَّنين سابقاً حسب قصد الذى يعمل كل شئ حسب رأى مشيئته” (أف1: 10، 11).. ولماذا كل هذا؟!.. “لنكون لمدح مجده نحن الذين قد سبق رجاؤنا فى المسيح” (أف1: 12).

أنت جزء من خطة الله العامة للخلاص

شعور الإنسان باحتياجه إلى التوبة فى حياته هذا مطلوب، وإلى نهاية حياته يشعر أنه محتاج أن يمارس التوبة فى حياته مع الله، وأن بأعماله الحالية ليس له خلاص بل يحتاج إلى مزيد من التوبة ويحتاج إلى مراحم الله. لكن هل يشعر أيضاً من الناحية الأخرى أنه عندما يصلى ويرتل ويسبح مع الملائكة يصير عضواً وجزءًا لا يتجزأ من مملكة الله؟ وأنه يزيد المدح لله بسبب شركته مع الملائكة فى حياة التسبيح؟.. ليتنا نشتاق ونتوق دائماً -ولو بقدرٍ محدودٍ- أن نشعر هذا الشعور أثناء زيارات النعمة.. ليس هذا افتخارًا من الإنسان بنفسه، كلا.. إنما أن يشعر أنه يفرّح قلب الله ويفرّح الملائكة، وهذا لا يأتى إلا من خلال شركة روحية وعبادة حارة وقلبٍ نقى.

وأسجد قدام هيكلك المقدس أنتم هيكل الله

نحن نعرف أن الكنيسة هى بيت الملائكة، كما نصلى، فى الألحان الكنسية، فى أرباع الناقوس ونقول: {السلام للكنيسة بيت الملائكة}.. فعندما نأتى لنسجد قدام الهيكل المقدّس تكون الملائكة موجودة وتملأ المكان خاصةً أثناء حضور الذبيحة الإلهية فى القداس.. لكن قال السيد المسيح أيضاً: “الله روح؛ والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغى أن يسجدوا” (يو4: 24)، وقال بولس الرسول “أما تعلمون أنكم هيكل الله وروح الله يسكن فيكم” (1كو3: 16).. فنحن بطاعتنا لله الساكن فينا، وبطاعتنا للسيد المسيح نقدّم السجود.. لكن؛

ما معنى السجود ؟

السجود يعنى الخضوع.. وما معنى الخضوع؟! أى تسليم الإرادة لله. فعندما تُسلّم إرادتك لقيادة الروح القدس، فإن هذا نوعٌ من السجود فى هيكل الرب “هيكل الله مقدس الذى أنتم هو” (1كو3: 17).. فشعورك بحضور الله داخلك باستمرار، ومشاعر الخشوع والورع والعبادة الحارة القلبية المستمرة، أو الصلاة الدائمة التى نمارسها فى داخل القلب هى أيضاً سجود فى هيكل الله المقدس الذى هو أيضاً جماعة القديسين الممتلئين بالروح..

عندما تقول: “أمام الملائكة أرتل لك” فهذا هو الشعور بحضور الملائكة معك.. نسمع عن قديسين كانوا يرتلون وهم سائرون فى الطريق، فكانت الملائكة تقترب إليهم؛ لكى يشتركوا معهم فى الترتيل.. وفى قصص الآباء القديسين نقرأ عن درجة أعلى من هذه؛ أن أحد الآباء السواح كان يرتل فى طريقه، فجاءت الملائكة لتشترك معه، فلم يلتفت إليهم حتى لا ينشغل بهم عن تسبيحه وعبادته لله!! (السوّاح هم رهبان قديسون عاشوا فى البرية بعيداً عن الناس).

وأعترف لاسمك على رحمتك وحقك

وقد ذكرنا سابقاً أن كلمة “أعترف” تعنى “أشكر”. “أعترف لاسمك” أى “أشكر اسمك”…لكن على ماذا أشكر يا رب؟

أشكر اسمك على رحمتك وحقك؛ أشكرك على رحمتك التى تعاملنى بها بالرغم من ضعفاتى وخطاياى، وأشكرك على حقك الذى يشملنى وينجينى..

وما هو الحق؟ الحق هو العدل كما يقول المرتل “العدل والحق قاعدة كرسيه” (مز97: 2)، “هو الصخر الكامل صنيعه، إن جميع سبله عدل. إله أمانة لا جور فيه. صديق وعادل هو” (تث32: 4)، الله صفاته لا تتجزأ، لا تتعارض الرحمة مع الحق بل يقول المزمور “الرحمة والحق تلاقيا..

(مز84: 10) .. الله رحيم فى عدله، وعادل فى رحمته، فنحن نشكره على رحمته وعدله فى آنٍ واحد.

عدله يحميك

ربما يخاف أحد من عدل الله، إنما حقيقةً إن عدل الله أحياناً كثيرة هو الذى ينجّينا وينقذنا.. فعندما تحاربنا الشياطين وتضطهدنا، لا يسكت الله عن خلاصنا لأنه عادل فلا يترك مضطهدينا، فلأنه عادل يأتى ويصنع خلاصاً عظيماً، وإلاّ كانت حياتنا كلها قد فنيت من اضطهاد الشياطين لنا.. هو يأتى ليخلصنا من حروبهم حيث يعرف أننا ترابٌ نحن؛ ضعفاء مساكين، ومحتاجين إلى معونته.

عجيب أن يخاف الإنسان من عدل الله، بينما هذا العدل هو الذى يحميه! عدل الله هو الذى يجعله لا ينسى أى عمل خير قد عمله الإنسان، كما يقول الرسول “لأن الله ليس بظالم حتى ينسى عملكم وتعب المحبة التى أظهرتموها نحو اسمه إذ قد خدمتم القديسين وتخدمونهم” (عب6: 10) .. لذلك يقول المصلى أشكرك يا رب لأنك عادل حيث ترى كيف أعمل كل ما أستطيع من أجل محبتى لك، وأنت لا تنسى.. بل يقول المزمور عن هذا أيضاً “يذكر جميع ذبائحك، ويستسمن محرقاتك” (مز19: 3)، هذا يعطينى اطمئناناً أن الله لا يمكن أن يتخلى عنى سواء فى وقت ضعف أو وقت ضيق ..

عندما يقول المرتل: “أعترف لاسمك على رحمتك وحقك” يقصد؛ لست أشكرك على رحمتك فقط، إنما على رحمتك وعدلك كليهما معاً، فصفات الله لا تتجزأ. نحن نميّز صفات الله؛ فنقول الله رحيم، محب، عادل، بسيط، طويل الأناة، أزلى.. صفات كثيرة ننسبها إليه، لكن فيما نقول كل هذه الصفات ينبغى أن لا نُجزِّئها أو نفصلها عن الصفات الأخرى؛ إذ أن هذه الصفات هى كمالات الله تتكامل مع بعضها البعض. فعندما يقول الرحمة والحق يقولها ليظهر أن رحمة الله لا تتعارض مع عدله؛ رحمته عادلة وعدله رحيم.

لأنك قد عظمت اسمك القدُّوس على الكل اسم الخلاص

أنا يا رب أشكر اسمك.. وما هو اسمك هذا؟.. داود النبى هنا ينطق بالروح وكأنه يقول “اسمه يسوع لأنه يُخلِّص شعبه من خطاياهم” (مت1: 21). كلمة يسوع [وهى “يهوشوع”] تتكون من مقطعين: “ياه” أى “يهوه”، و “سوع” (شوع) أى “مخلّص”؛ فكلمة “يسوع” تعنى “يهوه المخلص أو الله المخلص أو الله خلّص”، فعندما قال الملاك ليوسف: “اسمه يسوع لأنه يخلص شعبه من خطاياهم” (مت1: 21).. وكأنه يفسّر له معنى اسم يسوع. وهذا ما تغنى به إشعياء النبى فقال “هوذا الله خلاصى فأطمئن ولا أرتعب لأن ياه يهوه قوتى وترنيمتى وقد صار لى خلاصاً” (إش12: 2)، هذا يعنى أن يهوه نفسه قد صار خلاصاً، وبذلك ماذا يكون اسمه؟.. مخلّص.. اسمه أيضاً يهوه وهذا الاسم الذى أعلن الله به نفسه لموسى النبى فى القديم.

“لأنك قد عظّمت اسمك القدُّوس على الكل” ترتعب الشياطين من هذا الاسم القدُّوس، بينما يفرح الأبرار ويبتهجون ويتهللون أمامك بالسرور، فاسمك عظيم فوق الكل؛ يرتعب منه الأشرار ويبتهج به الصديقون. ولهذا قال معلمنا بطرس الرسول لليهود عن اسم يسوع المسيح الناصرى “لأن ليس اسم آخر تحت السماء قد أُعطىَ بين الناس به ينبغى أن نَخلُص” (أع4: 12)

اليوم الذى أدعوك فيه أجبنى بسرعة

فى أول المزمور كان يتكلم عن الاستجابة التى آمن بها المصلّى “أشكرك لأنك استمعت كل كلمات فمى” ثم يعود ليقول له “اليوم الذى أدعوك فيه أجبنى بسرعة”، أو فى يوم دعوتك أجبنى.. بمعنى أنه يطلب الاستجابة لصلواته بعد أن أعلن إيمانه بهذه الاستجابة. ولكن الإيمان لا يمنع الطلب لأن السيد المسيح قال: “اسألوا تعطوا، اطلبوا تجدوا، اقرعوا يُفتح لكم” (مت7: 7). الإيمان لا يعنى أن نتوقف عن الكفاح، أو أن نتوقف عن الطلب، أو أن نتوقف عن الجهاد.. نحن نؤمن ونعمل بقوة هذا الإيمان.. نحن نؤمن ونطلب معونة الله فى جهادنا.. نحن نؤمن ولكننا نفهم أن “الإيمان بدون أعمال ميت” (يع2: 20).

تُكثر التطلُّع على نفسى بقوة

وهنا نسأل .. لماذا نحن نصلى؟.. نصلى لكى يعطينا الرب قوة. عندما تكون فى ضيقة، بدلاً من أن تطلب من الله أن يرفع الضيقة عنك، الأفضل أن تطلب منه أن يعطيك بركة هذه الضيقة وهذه التجربة بحضوره معك وتطلّعه على حالك..

فكما قال قداسة البابا شنودة الثالث، أطال الرب حياة قداسته؛ {الضيقة تكون ضيقة عندما يضيق قلبنا عن الإتساع لها، فإن اتسع قلبك لقبولها لن تظل ضيقة بعد}.. عليك إذن أن تأخذ بركة الضيقة. كما قال القديس الأنبا بولا: {الذى يهرب من الضيقة يهرب من الله}. وحينما قال الرب فى المزمور “ادعنى فى يوم الضيق أنقذك فتمجدنى” (مز50: 15) ليس معنى أنقذك هو أن أرفع أسباب الضيق..كلا؛ إنما أنقذك أى أعطيك القوة على احتمال الضيق لكى تأخذ بركته، وهنا تختبر شركة الآلام مع المسيح، وتلتقى مع الله فى وسط الضيقات. فالضيقة هى فرصة للالتقاء مع الله.

ولكن من الجانب الآخر يقول الرسول: “الله أمين الذى لا يدعكم تجربون فوق ما تستطيعون، بل سيجعل مع التجربة أيضاً المنفذ لتستطيعوا أن تحتملوا” (1كو10: 13). فالإنسان المؤمن ترافقه العناية الإلهية وتمنحه الاحتمال.. ولكنها تتدخل فى الوقت المناسب، لكى لا تكون التجربة فوق احتماله.

“اليوم الذى أدعوك فيه أجبنى بسرعة. تُكثر التطلع على نفسى بقوة” سرعة الاستجابة الإلهية أمر حقيقى، ولكن الإنسان عليه أن يدرك ذلك ويقول “اللهم التفت إلى معونتى. يا رب أسرع وأعنى” (مز69: 1). الاستجابة تأتى بسرعة ولكن الإنسان هو الذى لا يدرك ذلك أو لا يطلب ذلك.

فى يوم دعوتك أجبتنى كثيراً، شجعتنى بقوة فى نفسى.. أنت يا رب فى حضورك الإلهى، والتطلع على نفسى بحضورك شخصياً فى حياتى يمنحنى قوة عظيمة.. أنت تنظر إلىَّ وتتطلّع من سمائك فيشرق نور وجهك فى حياتى لتبعث فىَّ قوة وشدة، فلا يصير بعد ضيقٌ.

فليعترف لك يا رب كل ملوك الأرض

لأنهم سمعوا سائر كلمات فمك أى ليشكرك كل ملـوك الأرض .. وهنا انتـقل المرتل ليخرج من دائرة الكلام عن نفسه ليتكلم عن ملوك الأرض.. داود النبى كان ملكاً، فمن هم أولئك الملوك الذين يتكلم عنهم؟!

يقول فى مزمورٍ آخر “أما الملك فيفرح بالله” (مز62: 11)، فكل إنسان يجلس الله على عرش قلبه هو ملك. ويقول الحكيم “مالك روحه خير ممن يأخذ مدينة” (أم16: 32)…لذلك عندما يقول “أما الملك فيفرح بالله” يقصد الإنسان الذى يملك على حواسه وعلى أهوائه، كما قال بولس الرسول “أقمع جسدى وأستعبده حتى بعد ما كرزت للآخرين لا أصير أنا نفسى مرفوضاً” (1كو9: 27)..

هنا يقول المصلى لله: يا رب كل الناس، كل الأبرار الذين يسلكون ضابطين حواسهم؛ هؤلاء يشكرونك إذ سمعوا كلمات فمك، وأبصروا أعمالك العظيمة “يرى ذلك الودعاء فيفرحون” (مز69: 32) أو “يرى ذلك المستقيمون فيفرحون” (مز107: 42). فمن كان قلبه مستقيماً أمام الله؛ إذا سمع كلام الله يشكره ويقول ما أحلى كلامك أيها الرب الإله؛ وإذا رأى أعمال الله يشكره على عظيم إحساناته..

وليسبّحوا فى طرق الرب لأن مجد الرب عظيم

الإنسان الذى يسير فى طريق الرب يشعر بمجد الله، ومن يسير فى طريق العالم وفى طريق الشيطان ليس لكرامة الله قيمة فى عينيه. كما قال الرب فى القديم “حتى متى يهيننى هذا الشعب؟” (عد14: 11).. أما الذين يسبحون ويرنّمون فى طرق الرب هؤلاء يعرفون أن مجد الرب عظيم.

عندما تدخل الكنيسة فى وسط جماعة الأبرار الذين يصلّون، يتخشع قلبك وتشعر بحضور إلهى، كما تشعر أن مجد الرب عظيم.. هنا ينتقل المرتل من العبادة الشخصية إلى العبادة الجماعية؛ فبعدما قال أشكرك من كل قلبى، يعود ليقول يحمدك يا رب كل ملوك الأرض.. فعندما أدخل وسط جماعة أبرار وقديسين يصلون فى الكنيسة أشعر أنى فى وسط ملوك (بالمعنى الرمزى) “جعلنا ملوكاً وكهنة لله أبيه..” (رؤ1: 6)، وأشعر أن مجد الرب يملأ المكان.

لأن الرب عالٍ ويعاين المتواضعات والكائنات يعرفها من بُعد

وهذا يعنى أن الله يرى كل شئ من بعيد أى من السماء.. فى الطبعة البيروتية يقول “الرب عـالٍ  ويـرى المتواضع أما المتكبر فيعرفه من بعيد”.. فى المعنى الأول “لأن الرب عالٍ ويعاين المتواضعات، والكائنات يعرفها من بعد” أى أن رغم أن الله عالٍ جداً لكنه يعاين المتواضعين، فالله يرى جميع الكائنات. وفى الترجمة البيروتية “الرب عالٍ ويرى المتواضع أما المتكبر يعرفه من بعيد” أى أن الله يعطى شركة مقدسة للمتواضعين أما المتكبرين فيرى أعمالهم لكن ليس لهم شركة معه؛ يراهم من بعيد فقط، الرب عالٍ يسكن فى المقادس العلوية لكنه مع المتواضع يبيت، يسكن فى القلب المتضع “لأن الذبيحة لله روح منسحق” (مز50: 17).. ونصلى فى القداس الإلهى ونقول: {الساكن فى الأعالى والناظر إلى المتواضعات الذى خلق السماء والأرض والبحر وكل ما فيها}.

إن سلكت فى وسط الشدة تحيينى

أى إن سـلكت فى وسط الضيق تحيينى، كما ذكرنا سـابقاً أن المرتل لا يطلب أن يخرج من الضيقة إنما أن يعطيه الرب قوة وحياة فى داخل الضيقة.

على رجز الأعداء مددت يدك وخلصتنى يمينك، الرب يكافئ عنى الرجز هو العنف أو الغضب .. وهنا يقول المرتل على غضب أعدائك مددت يدك وخلّصتنى يمينك.. عندما يسير الإنسان فى طريق حياته مع الله تثور عليه الشياطين، وتقوم ضده وتحاربه بقوة، لذلك يقول يا رب أنا وسط غضب الأعداء هؤلاء أشعر أن يمينك تمتد لكى تخلصنى من مخالبهم.. إننا عندما نصلى بالمزامير تثور الشياطين وتشن علينا التجارب والضيقات، ولكن المزمور يطمئننا، فيصير ذلك المزمور الذى يهيجهم هو نفسه اطمئناناً عندما نتذكر فيه أن الله يمد يده، ويمد يمينه ويحامى عنا ضد هؤلاء الشياطين، وتكون الغلبة فى النهاية للرب ولجنوده ولقديسيه. الرب يكافىء عنى “أو يحامى عنى”. لذلك قال قداسة البابا: {احفظوا المزامير، تحفظكم المزامير}.

يا رب رحمتك دائمة إلى الأبد أعمال يديك يا رب لا تتركها. هلليلويا

أو عن أعمال يديك لا تتخلَ.. ليس من المعقول أن يخلق الله خليقته، ثم يتركها.. فلماذا خلقها بعد؟! هل يمكن لإنسان أن ينشئ مصنعاً ولا يديره أو يستخدمه؟ وهل يمكن لإنسان أن ينجب أولادًا ويلقيهم على الطريق؟

الله بعدما أنهى عمل الخلق فى ستة أيام استراح من عمله الذى عمله خالقاً. ولكن كما يقول قداسة البابا {إن الله قد انتهى من عمله كخالق، وبدأ عمله كحافظ للعالم ومعتنى به}.. لا تظنوا أن الله يكف عن العمل، فهو الذى قال “أبى يعمل حتى الآن وأنا أعمل” (يو5: 17).. فقد انتهى عمل الله كخالق وبدأ عمله كراعٍ معتنٍ بالعالم لأنه هو “حامل كل الأشياء بكلمة قدرته” (عب1: 3) هو الحافظ لهذا الوجود.. إن لم يوجد هذا الحفظ فى العالم ما استطاع أن يدوم لحظة واحدة.

لا تنسى كل حسناته

الله فى البدء عمل عملاً جبارًا فى إعداد الخليقة فى الستة أحقاب الأولى، وكل حقبة استغرقت الملايين من السنين إلى أن خلق الله الإنسان. لكن بعد ما انتهى من جميع أعماله بدأ يعتنى بالعالم، ونقول عنه أنه المدبر ضابط الكل صانع الخيرات.. لذلك عندما سقط الإنسان، لم يتركه الله ولكنه تنازل من أجل خلاصنا.. وكان الله فى عمله كمخلص أوضح حُباً من عمله كخالق.

حينما أعطى الله للإنسان طبيعة جديدة مقدسة فإنه عمل عملاً أعظم مما صنعه حينما “كانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة.. وقال الله ليكن نور فكان نور. ورأى الله النور أنه حسن” (تك1: 2-4). إنّ عمل الله فى إعادة خلق الإنسان من جديد كان أروع بكثير، لهذا حينما يرف الروح القدس على مياه المعمودية يقول الله أيضاً ليكن نور فيشرق نور من ظلمة فى قلوبنا وحياتنا.

“يا رب رحمتك دائمة إلى الأبد، أعمال يديك يا رب لا تتركها”، “أنت أنت وسِنوكَ لن تفنى” (عب1: 12)، “ليس عنده تغيير ولا ظل دوران” (يع1: 17) لأن عدم أمانتنا لا يبطل أمانة الله، يبقى الله الكامل فى صنيعه لا جور فيه ولا ظلم، لا يهدأ أبداً عن خلاصنا، فهو يشتاق إلى خلاص أنفسنا أكثر مما نشتاق نحن، يعتنى بنا أكثر مما نعتنى نحن بأنفسنا، ولهذا نتذكر إحساناته دائماً ونقول مع المرتل “باركى يا نفسى الرب ولا تنسى كل حسناته.. الذى يفدى من الحفرة حياتك الذى يكللك بالرحمة والرأفة. الذى يشبع بالخير عمرك” (مز103: 2-5).

يجب أن يحيا الإنسان مع الله وهو يشعر أن عناية إلهية تلاحقه وتحيط به، وإن تركه الله لحروب الشياطين لسحقوه وأفنوه سريعاً، لكن الرب يحارب عنا. لذلك نتضرع دائماً للرب الخالق أن لا يتركنا وأن يحفظنا. ونذكّره بأننا عمل يديه ونقول: “أعمال يديك يا رب لا تتركها” هلليلويا (هللوا ليهوه).

Broken Links Report - Arabic
مثال: رابط التحميل لا يعمل
Sending