هذا الفصل هو جزء من كتاب: كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ5 – المؤمن والطغمات السماوية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى .
جدول المحتويات
- 1. خلقة العالم الروحي – كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ5 – المؤمن والطغمات السماوية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى
- 2. صُحبتنا مع الطغمات السمائية – كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ5 – المؤمن والطغمات السماوية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى
- 3. نظام الطغمات السمائية – كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ5 – المؤمن والطغمات السماوية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى
- 4. ليس للشيطان سلطان علينا؟ – كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ5 – المؤمن والطغمات السماوية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى
3. نظام الطغمات السمائية
1 - هل توجد سمات مشتركة بين الطغمات السمائية؟
توجد سمات عامة مشتركة بين الطغمات السمائية مع انسجام كامل معاً، حتى يمكن إن جاز لنا أن ندعو الكل خورُس السمائيين. هذا الخورُس العام المتناغم يضم على الأقل تسع طغمات، لكل طغمة اسم خاص بها، ولها ما يشترك فيه أعضاء الطغمة من سمات خاصة بالطغمة. وكل طغمةٍ أو كل خورُس يتَّسِم بوحدة متميزة في سمات خاصة بكل الأعضاء، وإن كان لكل عضوٍ أيضاً له ما يُمَيِّزه عن بقية أعضاء نفس الخورُس.
يقول القديس أنبا أنطونيوس الكبير: [أُعطيت لهم أسماء مختلفة حسب نوع كل واحدٍ منهم. فالبعض ملائكة ورؤساء ملائكة، والبعض كراسي وربوبيات ورئاسات وسلاطين وشاروبيم (كروبيم). أعطيت هذه الأسماء لهم حين حفظوا مشيئة خالقهم. ومن الجهة الأخرى فإن شرّ الآخرين جعل من الضروري تسميتهم بأسماء: إبليس وشياطين بسبب حالتهم الشريرة، والبعض منهم دُعوا أرواح شريرة وأرواح نجسة، والبعض أرواح مُضِلَّة، والبعض دُعوا بلقب رؤساء هذا العالم، وتوجد أنواع أخرى كثيرة.].
2 - هل يمكننا التمييز بين الطغمات السماوية؟
في التعرُّف على التسع طغمات السماوية يوجد سمات مشتركة تجعلنا نعجز عن تصوُّر التمييز بينها، خاصة وإن كل الطغمات روحية ليس لها جسد مادي مثلنا، وتفوق فكرنا، والكل يتمتَّع بالحضرة الإلهية، وإشراق النور الإلهي عليها. والكل يشترك فى خورُس سماوي يُسَبِّح الله ويُمَجِّده بطريقة رائعة!
3 - ماذا قَدَّم لنا كتاب الرُتب (الهيراركي) السماوية Celestial Hierarchies؟
أبرز هذا الكتاب الذي لديونيسيوس الأريوباغي أن الله إله نظام وليس إله تشويش (1كو 14: 33)، لهذا حتماً للسماء وللسمائيين طقس خاص ونظام دقيق. وواضح أن لهم اجتماعات ربما دورية كما يظهر من (أي 1: 6؛ 2: 1). اجتمعوا أثناء الخلقة في دهشة يُمَجِّدون الخالق ويُسَبِّحونه (أي 38: 7). وقد تحدَّث المرتل عن اجتماعاتهم (مز 89: 5، 6). تظهر دقة النظام في المعركة بين رئيس الملائكة ميخائيل ومعه ملائكته ضد إبليس وملائكته (رؤ 12: 7 - 9).
إلى يومنا هذا يتبع بعض الدارسين ما ورد في هذا الكتاب عن رتب الملائكة وطغماتهم، خاصة وأن بعض الليتورجيات التي يحفظها لنا التقليد اتبعت ما ورد في ديونسيوس.
أشار الكتاب إلى تسع طغمات، لكل طغمة اسم يدل على دورها ووظيفتها. كما أشارت نصوص الليتورجيات إلى هذه التسع طغمات. فى الفصل الثالث من كتب الرتب السمائية المنسوب لديونيسيوس الأربوباغي[34] يذكر الكاتب أن نظام الرتب السمائية هو نظام مُقَدَّس فيه تنعم الكائنات السمائية بإشراقات إلهية حسب استحقاقها، فتصير مُتشبهة بالله. ينعكس عليها الجمال الإلهي، فيهبها صلاحاً واتحاداً وانسجاماً بكل كمالٍ.
جاء في الفصل السادس أن الخالق الإلهي وحده يعرف تماماً عدد الكائنات السمائية الفائقة وطبيعتهم وأنظمتهم. وما كان يمكننا أن نعرف شيئاً عنهم لو لم يُعَلِّمنا الله ذلك خلال خدامه السمائيين الذين يعرفون طبيعتهم. لهذا يليق بنا ألا نتحدَّث عنهم حسب تخيلاتنا، بل بما أُعلِن لنا حسب قدرتنا على الإدراك خلال الرؤى الملائكية التي نظرها اللاهوتيون المكرمون.
يقول الكاتب أيضاً أن جميع الطغمات السمائية يمكن دعوتها "ملائكة". فقد خلق الله هؤلاء الكائنات السماوية خلال صلاحه الإلهي، وتحمل كلمة "ملائكة" معنى مرسلين، لأن جميع الطغمات كائنات تسمو عن المخلوقات الأرضية العاقلة وغير العاقلة.
[هكذا يشترك هؤلاء أولاً بكل وسيلة مختلفة في (النور) الإلهي، ويعلنون بطرقٍ كثيرة عن الأسرار الإلهية. لهذا فهم فوق كل شيءٍ مستحقون لاسم "ملائكة"، إذ يتقبَّلون النور الإلهي وينقلونه إلينا بإعلانات تفوق إدراكنا... قبل أيام الناموس كما بعده قاد الملائكة آباؤنا المشهورين رجال الله، إما بإعلانها لهم عما يجب أن يفعلوه، أو بقيادتهم من الحياة الخاطئة والشريرة إلى طريق الحق المستقيم، أو بإعلانها لهم عن الشريعة الإلهية. يستخدمون طريقة المفسرين، فيوضحون لهم النظم السمائية، أو يقدمون لهم رؤى سرية عن أسرار العالم الفائق، أو يقدمون لهم نبوات إلهية معينة[35].].
يرى واضع الكتاب أن الرتب الملائكية تُقسم إلى ثلاث رتب، كل رتبة تضم ثلاث طغمات.
الرتبة الأولى (فصل 7): أكثر التصاقاً بالله، وفوق كل الرتب الأخرى. تضم ثلاث طغمات وهم: السيرافيم المملوئين أعيُناً، وذوي أجنحة كثيرة، والشاروبيم (الكروبيم) Cherubim، والكراسي (العروش) Thrones.
الرتبة الثانية (فصل 8): وهي تضم ثلاث طغمات وهم: الأرباب virtues (Lordships) والقوات Powers والسلاطين (Authorities) Dominions.
الرتبة الثالثة (فصل 9): تضم ثلاث طغمات وهم: الرئاسات Principalities، ورؤساء الملائكة Archangels والملائكة Angels.
يرى ابن العبري[36] أن هذه الثلاث مجموعات أشبه بكنائس سمائية:
الكنيسة الأولى تضم السيرافيم والكروبيم والكراسي، يمثلون معاً العرش الإلهي. فيظهر في حزقيال أن السيرافيم هم مركبة الله، وجاء في المزامير: "يا جالساً على الكروبيم أشرق" (مز 80: 1). "الرب قد ملك، ترتعد الشعوب وهو جالس على الكروبيم، تتزلزل الأرض" (مز 99: 1).
الكنيسة الثانية تضم السيادات والقوات والسلاطين.
الكنيسة الثالثة تضم الرئاسات ورؤساء الملائكة والملائكة.
فى العهد القديم كان رئيس الكهنة يحمل 12 حجراً كريماً على كتفيه، تسع حجارة تُمَثِّل الطغمات الملائكية. الصف الأول: عقيق أحمر يرمز للسيرافيم الناريين، وياقوت أصفر يُمَثِّل الكروبيم أصحاب المعرفة، والزمرد يُمَثِّل الكراسي (خر 28: 17). الصف الثاني: بهرمان وياقوت أزرق وعقيق أبيض (خر 28: 18). الصف الثالث: عين الهروشيم وجمشت (خر 28: 19).
أما الصف الرابع فهو يُمَثِّل كنيسة بني البشر المنضمة إلى الكنائس السمائية، وتضم زبرجداً وجزعاً ويشباً، إشارة إلى درجات الكهنوت الثلاث: رؤساء الكهنة والكهنة والشمامسة.
جاء في القداس الاغريغوري: [أنت الذي يسبحه الملائكة، ويسجد لك رؤساء الملائكة، أنت الذي يباركك الرؤساء، ويصرخ لك الأرباب،.
أنت الذي ينطق السلاطين بمجدك، أنت الذي يرسل لك الكراسي الكرامة،.
ألوف ألوف وقوف قدامك، وربوات ربوات يقدمون لك الخدمة،.
أنت هو القيام حولك الشاروبيم والسيرافيم، ستة أجنحة للواحد، وستة أجنحة للآخر، فبجناحين يغطون وجوههم، وباثنين يغطون أرجلهم ويطيرون باثنين[37]، ويصرخون واحد قبالة واحدٍ منهم.].
وجاء في القداس الكيرلسي (المرقسي): [أنت الذي يقوم أمامك المخلوقان الحيان الكريمان جداً، ذا الستة أجنحة، الكثيرا العيون، السيرافيم والشاروبيم.].
وجاء في الثلاثة تقديسات في خولاجى الأسقف سرابيون: [أنت هو الذي يقف حولك، ألوف ألوف وربوات ربوات الملائكة ورؤساء الملائكة، والعروش والسلاطين والرئاسات والقوات. السيرافان الرهيبان ذا الستة أجنحة...].
كما أن القديس إيرينيؤس يرى أنه يوجد سبع طغمات ملائكية[38].
4 - ماذا قيل عن الرتبة الأولى التي تضم السيرافيم والكروبيم والكراسي؟
الرتبة الأولى أكثر التصاقاً بالله، وفوق كل الرتب الأخرى. تضم الثلاث طغمات وهم: السيرافيم المملوئين أعيناً، وذوي أجنحة كثيرة والشاروبيم (الكروبيم) والكراسي (العروش). وهم متساوون في الرتبة، كاملون أكثر من غيرهم في تشبههم بالله، ومتحدون مباشرة بالنور الأول للاهوت.
5 - ماذا قيل عن السيرافيم[39]؟
كلمة سيرافيم هي صيغة الجمع لكلمة "سروف"، ومعناها الناريون الملتهبون، وهم يسطعون بالنور الإلهي المُشرِق عليهم. إن كانت طغمة السيرافيم تُعتبر أعلى طغمة بين كل السمائيين، فهي دائمة التسبيح، تمجده، لأنه القدوس الكلي القداسة والكمال والرحمة والعدل والجمال والحكمة. كأن هذه الطغمة تدعو كل الخليقة أن تقترب إلى القدوس على الدوام خلال حياة القداسة والتسبيح بفرحٍ (إش 6: 3).
هنا ندرك دور الألحان في الكنيسة ليس التنافس على حفظ الألحان، بل الاقتداء بالسيرافيم والجهاد على الالتصاق بالقدوس والشركة معه، لنحمل برّ المسيح فينا مع الشكر والفرح، بعمل الله فينا وفى كل الخليقة.
إن كان أحد السيرافيم أخذ من على المذبح السماوي جمرة بملقطٍ (إش 6: 6)، ومسَّ بها شفتي إشعياء، فتطهر النبي وتأهَّل للشهادة للربّ، فإن هذه القطعة من الجمر الناري، تشير إلى جسد الربّ الذي نتناوله، فيلتهب إنساننا الداخلي بنار الحب الإلهي. نصير على مثال الملائكة، خدام الله الناريين، الملتهبين بالحب لله ولخلاص البشرية. هؤلاء الناريون بالحب المقدس يشتاقون أن نستنير بالقدوس، فيلتهب قلبنا بالنار المقدسة التي تُحَطِّم كل ظلال الظلمة التي فينا، وتهبنا استنارة ومعرفة الأسرار الإلهية والحكمة التي من فوق، والثبات الدائم، بل والنمو المستمر في تشبُّهنا بالله[40].
تمتع إشعياء النبي برؤيا السيرافيم (إش 6: 1) في سنة وفاة عزيا الملك الذي ملك على يهوذا وهو ابن 16 سنة لمدة 52 عاماً وعمل المستقيم في عيني الرب، وقد نجح في كل أعماله. لكن إذ ارتفع اسمه جداً سقط في الكبرياء، وأراد أن يوقد للرب على مذبح البخور، فضُرِب بالبرص وهو في الهيكل، وطرده الكهنة، وأصيب بالبرص إلى يوم وفاته، معزولاً في بيتٍ بعيدٍ عن القصر (2 أي 26: 16).
اغتم إشعياء جداً لسقوط عزيا الملك في أيامه الأخيرة. تطلع النبي إلى الشعب ليراه مُنطرِحاً كغنمٍ بلا راعٍ، إذ صار نجساً لا يمارس عمله الملكي (2 أي 26: 18 - 22). أدرك إشعياء أن الشعب في حاجة إلى رعاية سماوية، لأن ذراع البشر يعجز عن إشباع احتياجات الشعب، وكما يقول المرتل: "لا تتكلوا على الرؤساء ولا على بنى البشر الذين ليس عندهم خلاص، تخرج روحهم فيعودون إلى ترابهم" (مز 146: 3 - 4). وسط هذه المرارة أعلن الرب هذه الرؤيا لإشعياء من أجل تعزيته. تحقَّقت الرؤيا في الهيكل غالباً في وقت انفرد فيه النبي للعبادة الخاصة، إذ كان يصرخ إلى الله ليستلم رعاية شعبه. ظهر له السيد جالساً على كرسي عالٍ ومرتفعٍ ليؤكد له أنه هو الراعي السماوي، أفكاره تعلو عن أفكار البشر، وطرقه عن طرقهم. يجلس في الأعالي لكي يحمل كنيسته معه تشاركه أمجاده العلوية. رأى أذياله تملأ الهيكل (إش 6: 1)، إذ هو حال في كنيسته ينتظر كل نفسٍ تُقبل إليه لتتمتع بالاتحاد معه. لقد رأى السيد المسيح في مجده (يو 12: 41) يملأ السماء والأرض بلاهوته ورعايته. كما رأى السيرافيم يسبحونه.
يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [يصيح السيرافيم قائلين: قدوس قدوس قدوس رب الصباؤوت... إن القوات العلوية يأخذ منها الرعب كل مأخذٍ بغير انقطاعٍ، فهي تدير وجهها وتبسط أجنحتها كحائطٍ، يحميها من الإشعاع غير المحتمل الصادر من قبل الله، ومع ذلك فما تراه إنما هو صورة مصغرة للحقيقة... بينما لا يقوى السيرافيم حتى على مشاهدة الله الذي لا يتجلَّى لهم إلاَّ كتنازلٍ منه حسب ضعفهم، نرى أناساً تجاسروا متصورين في عقلهم إدراك طبيعة الله عينها التي يعجز السيرافيم عن إدراكها. إنهم يزعمون أنهم قادرون على التطلُّع إليها بوضوح وبغير حدود! ارتعدي أيتها السماوات واندهشي أيتها الأرض[41].] ويقول: [حقاً إن الله حتى بالنسبة لهذه الطغمات غير مُدرَك، ولا يُمكن الدنو منه. لهذا فهو يتنازل ليظهر بالطريقة التي وردت في الرؤيا. الله الذي لا يحده مكان ولا يجلس على عرش... من قبيل محبته لنا يظهر جالساً على عرش وتحيط به القوات السمائية[42].] وأيضاً: [(رؤى الأنبياء) إعلانات، كلها أمثلة عن تنازله، وليست رؤى لجوهره بالكشف عنه. لأنهم لو نظروا جوهره ذاته لما رأوه تحت أشكال مختلفة، إذ هو بسيط، بغير شكل ولا أعضاء ولا أساليب مُحَدَّدة، طبيعته لا تجلس ولا تقف ولا تمشي[43].].
ما يُعَزّي الخادم هو أن يرى الخدمة الملائكية، فيتحقَّق أن متاعب الكنيسة وضعفاتها تنتهي يوماً ما لتشترك مع السمائيين في التسبيح أبدياً. الكنيسة هنا كأيقونة السماء، تتمتَّع بعربون الخدمة السمائية. ففي احدى العظات القبطية تُعَرَّف الكنيسة أنها: [موضع تعزية، هي اجتماع الملائكة وموضع الشاروبيم والسيرافيم[44].] قيل إن القديس باخوميوس كان يرى الكنيسة مملوءة بالملائكة.
السيرافيم هم خدام العرش الإلهي، يحملون الرب بفرحٍ وتهليلٍ، يسبحونه بلا انقطاعٍ. وكأن عمل كل خادمٍ أو نبيٍ فى الكنيسة هو جذب كل نفسٍ إلى الرب كعرشٍ له يسكنه، ويقيم ملكوته داخله، فيصير أشبه بالسروف النارى السماوى. لكل سروف ستة أجنحة، باثنين يُغَطِّى وجهه علامة اتسامه بالمخافة الإلهية، لا يقدر أن يدرك كل البهاء الإلهي. وباثنين يُغَطِّى رجليه علامة الحياء، إن صح هذا التعبير. وباثنين يطير مُحَلِّقاً فى السماويات. هكذا يليق بنا أن نتشبَّه بالسروف، ننعم بالمخافة الإلهية فى احتشامٍ مع نموٍ دائمٍ وارتفاعٍ مستمرٍ نحو السماويات.
بينما يحمل الكروبيم العرش الإلهى، إذ بالسيرافيم يرفرفون حول العرش، يصرخون واحد قبالة الآخر يعلنون أن الله قدوس قدوس قدوس وأن مجده ملء كل الأرض (إش 6: 3).
يرى البعض أن السيرافيم يقومون بعمل كهنوتى ليتورجى، حيث لا ينقطعون عن تقديم التسبيح بالثلاثة تقديسات. يعلنون قداسة الله لكي يفكر الإنسان فى جديةٍ نحو تقديسه حتى يقدر أن يقترب من القدوس. يلزم المؤمن أن يقتدى بإشعياء النبى، فيتقبل جمرة النار التى يقدمها السروف بملقطٍ من على مذبح الرب ويلمس بها شفتيه ليطهره من خطاياه (إش 6: 6، 7).
6 - ماذا قيل عن الكروبيم؟
كلمة "كروبيم" هى صيغة الجمع لكلمة "كروب". ذُكِر اسم "كروب" فى الكتاب المقدس قبل أية إشارة إلى الطغمات السماوية، إذ أقامه الرب حارساً على الجنة حتى لا يعبر آدم وحواء إلى شجرة الحياة بعد سقوطهما فى الخطية (تك 3: 24).
أبرز الكتاب المقدس مواقف الكروبيم والسيرافيم كيف تمسّ حياة المؤمنين، وعلاقتهم بالله والسماء. فى العهد القديم لم يُذكَر عن الكروبيم أنهم قاموا بإرساليه للبشر، ولا بخدمة لهم، لكنهم يشفعون فيهم. انهم قريبون من الله، متميزون بمعرفة الله ومداومة تسبيحه بلا فتور ولا انقطاع. فقد ورد ذكر الكروبيم فى الكتاب المقدس 72 مرة، أما السيرافيم، فذُكِروا فى رؤية إشعياء النبى الأصحاح السادس، وكيف ألهبت هذه الرؤيا قلبه للانطلاق إلى خدمة ملكوت الله، وملأت نفسه بالرجاء فى عمل الله لا البشر. فالكروبيم أغنياء فى "المعرفة" يفيضون بالحكمة. يُصورون حاملين للعرش الإلهى كمركبات الله.
تبع القديس إكليمنضس السكندرى فيلون اليهودى، قائلاً إن كلمة "كروب" تعنى "معرفة"، وكأنه من خلال المعرفة الروحية الصادقة تصير حياتنا مَركبة تحمل الله، فنتمتع برؤيته.
رأى القديس جيروم فى الكروب رمزاً لمخزن المعرفة التى تعمل فى طبيعتنا، لترفعها وتنطلق بها بين القوات السماوية. تعمل فى طبيعتنا خلال أربعة جوانب، إذ تصير صاحبة سلطان على الشهوات كأنها أسد، وتحلق فى الأمور العلوية كأنها نسر، وتعمل مجاهدة كأنها ثور، وتسلك بتعقُّل كإنسانٍ حكيمٍ فى الرب. هذه المعرفة ننعم بها خلال الحياة الإنجيلية خلال الأناجيل الأربعة، إذ يقول القديس جيروم: [متى ومرقس ولوقا ويوحنا هم فريق الرب الرباعى، الكروبيم الحقيقيون أو مخزن المعرفة؛ فإن جسدهم مملوء عيوناً ومتلألئ كالبرق...، أقدامهم مستقيمة ومرتفعة (حز 1: 7)، ظهرهم مجنح، مستعدون للطيران فى كل الاتجاهات (حز 1: 9)، كل واحدٍ منهم يمسك بالآخر ويتحركون حسب نسمات الروح القدس (حز 1: 20) [45].].
7 - ماذا يقول القديس مار يعقوب السروجى عن الكروبيم كمركبة الله؟
[كُتِب فى النبوة أنه ركب على الكروبيم وطار... الكروبيم مرتبطون بالله، إن تركهم يسقطون ويتخبطون. هو المُمسِك بهم، ولهذا يطيرون بسرعة. قوته العظيمة حاملة للكروبيم الحاملين له! هو حامل العالم كله، فمن يحمله؟! الخليقة مُعَلَّقة برمزه الخفي وهو يديرها. أية مركبة تقدر أن تكفيه ليتحرك بها؟ هو فوق الأعالى وتحت الأعماق ومحتضن الكل. لا تكفي هذه المركبة لقوته العظيمة بكل الجوانب، فهو المُمسِك الخليقة كى لا تسقط.].
كما يقول: [لا يحمله الكروبيم ولا المركبة، إنما لأجل التدبير ربطها من أجل الأسرار المرتبطة بها. أفرز لها مكاناً ليكون محل إقامته فى بلده، لتقدم إليه الصفوف العلوية مدائحها... صنع له مثل محفة، لكي يظهر فيها، ويكون هناك تجمع ويتمتَّع الكل برؤياه.
وضع علامة له فى مكانٍ واحدٍ للسمائيين، وقاموا قدامه كما لو كان موجوداً هناك بأكمله.
تزاحمت الجموع عند باب الملك العظيم. يخدمه ربوات ربوات حسب أشكالهم، ويرسلون إليه أصوات المجد كما لمكانه! يخرج المجد والبهاء المخوف من المركبة ليجمع السمائيين للمجد العظيم.
ليقفوا صفوفاً صفوفاً يخدمونه. ويتفرَّس كل جنودهم نحو موضع واحدٍ. ويستريح نظر بنى النور على المركبة، ولا يميلون هنا وهناك لرؤية المجد!
يفرح الكروبيم كمن هم حاملون له، ويقدس السيرافيم وهم يتفرسون فى بلدة القدوس.
ويُسَرّ بصفوف السمائيين كمن هم فى باب بيت المملكة. ويهتف الجميع لأنهم تأهَّلوا لنظر مكانه العالى... ببهاء نوره يتمتعون جميعهم ببركاته. بكل حياتهم تحمده القوات ورؤساء القوات، لأنهم تأهَّلوا أن ينظروه فى بلدته العالية.
توقف طلبهم ولم يفقدوا بحثهم عن الأقطار العلوية لبلد ذاك الخفي غير المحدود. جميعهم يتطلعون نحو ذاك المكان المُستعار، الذي اختاره واستراح فيه، ويصرخون ممجدين كرامته.
تعترف صفوف السمائيين حيث اصطفّوا عند المركبة. ويباركه الكروبيم، إذ يرتبطون به ويحملونه. وتمجده الجموع، إذ اجتمعوا لتمجيده... انتفع هؤلاء من ارتباط المركبة، أما هو فليس بمحتاجٍ إلى المركبة.].
8 - لماذا أقام الله كاروباً لحراسة طريق الفردوس؟
ارتبط الكروب بخلاصنا ارتباطاً وثيقاً، ظهر فى أول أسفار الكتاب المقدس ممسكاً سيفاً ملتهباً ناراً يحرس طريق الفردوس حتى لا يدخل الإنسان المتمرد على الله إلى شجرة الحياة (تك 3: 24). إذ لا تقدر طبيعة الإنسان الساقطة أن تقترب من سرّ الحياة. لم يحمل الكاروب كراهية للإنسان إذ ظهر فى آخر أسفار الكتاب المقدس مع الأربعة وعشرين قسيساً السمائيين يشتركون معاً فى تسبحة الحمل التى هى تسبحة خلاصنا (رؤ 5: 9). إذ طُرِد الإنسان من الفردوس، أقام الله كروباً للحراسة حتى جاء الجالس على الكروبيم نفسه إلى عالمنا يحملنا فى جنبه المطعون ليدخل بنا إلى فردوسه السماوى، فتتهلل كل طغمة الكروبيم مع بقية الطغمات السماوية لانضمام الإنسان إلى خورُس السمائيين.
إقامة حراسة مُشدَّدة على جنة عدن يقوم بها واحد من أعلى الرتب السماوية، تحثّ على إدراك خطورة التمرُّد على الله، وأن المصالحة بين الله والإنسان المُتمرِّد تحتاج إلى تدخُّل إلهى.
هنا أقتبس ما تصوَّره القديس مار يعقوب السروجى عندما انطلق ديماس اللص إلى الفردوس، والحوار الذي دار بين الكروب حارس الفردوس واللص اليمين.
[إذ كان (اللص) يقتحم أساس اللهيب العظيم، التقى به الكروب، وقام يسأله متعجباً.
قل لى يا رجل: من أنت؟ ومن أين أنت؟ وكيف أتيت فى طريق اللهيب المخيف؟
وكيف حملتك الرياح لتسير على أكتافها؟ ألم تحرق أمواج النار ضعفك؟
كيف عبّرتَ الهوة العظيمة المملوءة ناراً؟ كيف عبَرتَ بين أمواج اللهيب ولم تحترق؟
أيها الهباء المنثور، من ساعدك لتركض على العواصف، ولم تتبدد بعنفها؟
كيف وطأ أخمص اللحم اللهيبَ، ولم يذب بغليان حرارته؟
يا حبة التراب، كيف عبرت فى بحر النار، ووقع طينك بين الأمواج، ولم يتفتت؟
هل أنت آدم المجبول بيدَيّ اللاهوت؟ أم شيث (تك 4: 26) البهى المحاط بأسرار الوحيد؟...
إظهرْ لى يا ابن التراب من أنت، لأن جسارتك عبرت بحر اللهيب.
صرخ اللص: يا ابن اللهيب لا تغضب، سأقول لك من أنا، ومن أرسلنى.
أنا لص، كنتُ أسلك فى الرذائل، وكنت أغتسل بدم الناس فى الطرقات.
خطفتُ الكنوز من التجار واقتنيتها، وجعلت الرؤساء محتاجين (بسرقة) كنوزهم.
قتلتُ قتلاً، وسبَحت فى دم البشر، وعذبتُ الشيوخ، ولم أحزن على الشباب.
أغلقت الطرقات على المارين والمسافرين، وظل التجار فى منازلهم (محرومين) من الأرباح.
سلبت ثروات اناسٍ بلا عددٍ، وفى البرية سبَحت فى الشرور كما لو فى المياه.
سمع (الكروب) النارى الجدال العجيب فتحيَّر، ودعا جموع الناريين المخيفة وهو يرتعب.
قال المستيقظ (الكروب) والقوات متعجبة: أيها الرجل الدنس، ماذا تعمل فى الموضع الطاهر؟
أيها الملطخ بالدم، بأى طريق تم مجيئك، ولم تجرفك أمواج النار وأنت تعبر؟
يا سالب الكنوز، إن موضع شعبنا لا يُسلَب، يا قتّاَل الناس لا توجد إمكانية ليموت المستيقظون (السمائيون).
يا مستغل الأحرار، لا تقدر أن تتنهب المستيقظين! عد واذهب إلى موضعك، لئلا تحترق بأجنحتهم!
يا باقة الأعشاب، كيف تسبح فى بحر النار؟ يا جثة الدم، ماذا تعمل بين الناريين؟
أساس عدن (الفردوس) هو لهيب لا يُنقَب، والمزلاج عظيم، وقد ختمه الملك ولا يُفتَح.
هوذا المفتاح فى الملكوت، من يخرجه؟ والسور نارى، ولا تقدر أن تقتحم الأساس.
رمح النار يلتهب ويخيف، فلو تجاسرت أيها العشب الضعيف ستضمحل به.
أيها الترابى، لقد استهنتَ باللهيب، ولم تجرفك أنهار النار المخيفة.
ذكر اللص لابن اللهيب: أيها الروحى اسمع لأقول لك الحقيقة: كنتُ لصاً، واصطادتنى المراحم من الرذائل، فسبحت واغتسلت من الشرور التى كنت ملطخاً بها.
كنت أقترف الإثم فى الطرقات طيلة النهار، واصطادتنى المراحم لأتوب وقت المساء.
دعتنى أعمالى الشريرة لأموت على قمة الخشبة (الصليب)، وبالتوبة جذبتنى المراحم لأرث الحياة (لو 23: 42).
اعطانى الملك ربُّك الحياة، لأننى اعترفت باسمه، وفتح أمامى باب النور، لأدخل إلى عدن.
أيها الروحى، يلزمك أن تفرح بالضال الذي عاد، فإن ربَّك يفرح به...
جميع المستيقظين (السمائيين) يفرحون بخاطئ واحد يتوب، ويبتهج به بنو اليمين ليرث معهم (لو 15: 7). وأنت، هل تحزن؟ ولماذا؟ لأننى أتيت بينما ابن الملك وقواته يفرحون بعودتى؟ [46].].
9 - لماذا وُضِع كاروبان من الذهب على تابوت العهد؟
يظهر كاروبان من الذهب على تابوت العهد فى خيمة الاجتماع وفى الهيكل (خر 25: 17 - 22). ويُسَمَّى تابوت العهد كرسي الرحمة، حيث كان يُمَثِّل عرش الله المملوء حنواً نحو أولاده. وفوقه الكروبان، واحد من كل طرف باسطان أجنحتهما إلى فوق، ووجهاهما كل واحدٍ نحو الآخر. وعلى كل من الجانبين حلقتان ذهبيتان لكى يدخل فى كل حلقتين عصا من خشب السنط المغشاه بالذهب، تُستخدَم لحمل التابوت. وكل المنوط بحراسته وحمله بنو قهات (عد 3: 29 - 31).
يشير الكروبان إلى المجد الإلهى علامة الحضرة الإلهية، وكان الله يتحدث مع موسى من خلالهما. وجود كروبين فوق تابوت العهد، يشير إلى أن الله الساكن وسط شعبه يتحدث معهم ويتعامل معهم خلال الرحمة والحب. أيضاً وجود اثنين يشير إلى دور السمائيين من نحونا: الصلاة لأجلنا والعمل كخدام للعتيدين أن يرثوا الخلاص (عب 1: 14).
الكروبان هما علامة انفتاحنا على الخليقة السماوية وشركتنا مع السيرافيم والكروبيم فى تسابيحهم وليتورجياتهم. قال الرب لموسى النبى: "وأنا أجتمع بك هناك وأتكلم معك، من على الغطاء من بين الكروبين اللذين على تابوت الشهادة بكل ما أوصيك به إلى بني إسرائيل" (خر 25: 22). أما ظهور السحاب بين الكروبين وتراءي الله هناك وسماع صوته، وظهور لون أزرق سماوى (خر 1: 26) عند الكروبين... هذا جميعه يشير إلى إسخاتولجية (الفكر الخاص بالحياة ما بعد الموت) ليتورجيتنا فى المذبح الجديد، واتسامها بالطابع السماوى. رُسِم شكل الكروب على ستائر الخيمة والحجاب (خر 26 - 31) يقترب من شكل الإنسان مجنحاً، فيعلن عن اقتراب الطبيعة البشرية إلى الحضرة الإلهية.
10 - لماذا وهب الله حزقيال النبي رؤية المركبة الإلهية؟
بلغ حزقيال السن القانونية لاستلام العمل الكهنوتى من دخول إلى المقدسات وتقديم ذبائح واشتراك فى الليتورجيات اليومية واحتفال بالأعياد وتمتع بالتسابيح المفرحة. لكنه حُرِم من هذا كله لأنه فى أرض السبى، فكان يجلس عند ضفاف نهر خابور يبكى حال بلده وشعبه وهيكل الرب. هناك تمتَّع برؤيا مجد الله، ظهر فيها المخلوقات الحية الأربعة (حز 1: 1، 28). وعرَّف هذه المخلوقات الحيّة بكونهم الكروبيم (حز 10: 4، 18 - 22). هكذا إذ تمررت نفس الكاهن النبى، ارتفع به الروح إلى السماوات ليدخل به إلى أورشليم العليا ويتمتَّع بالهيكل الأبدى، فلم يرَ تابوت العهد والمنارة الذهبية ومذبح البخور الخ، إنما رأى المركبة الإلهية النارية والعرش الإلهى النارى. انفتحت السماوات أمام حزقيال النبى المسبى ليدخل كما إلى عرش الله القدير، فيدرك أن شئون البشر لا تسير بطريقة عشوائية، وإنما بتدبير إلهى عجيب، فالله ضابط الكل يهتم بكل ما يمسّ حياة الإنسان. هذا هو سرّ تعزيتنا وسط الضيق.
كانت نفسية الشعب فى السبى مُحَطَّمة، خاصة وأن الكلدانيين كانوا يطوفون بموكب الإله بيل أو مردوخ[47] فى شوارع العاصمة فى عظمة وأُبَهّة، بينما حُرِم هذا الشعب من هيكله وانقطعت عنه تسابيح التهليل، فظهر انكسارهم كأنه انكسار لإلههم. لهذا لم يعلن الله نفسه فى عليقة بسيطة مُتَّقِدة كما فعل مع موسى النبى (خر 3: 2)، بل خلال المركبة النارية المملوءة مجداً وبهاءً، وكأن الله أراد أن يؤكد لنبيِّه وشعبه أن مجده يملأ السماء والأرض حتى فى اللحظات التى يُسَلم شعبه للأمم للتأديب.
فى سفر الرؤيا رأى القديس يوحنا لكل مخلوق حىّ وجهاً فرأى فى الأربعة، أربعة وجوه فقط. أما حزقيال النبى فيقول إنه رأى أربعة وجوه لكل مخلوق حى، من كل جانب وجه. ولعل السبب أن القديس يوحنا تطلَّع إلى هذه الخليقة من جانب واحد ولم تكن تتحرَّك فى كل الاتجاهات، أما حزقيال النبى فتطلع إليها من كل الجوانب، إذ رأى المركبة فى حالة تحرك من كل الجهات.
11 - كيف صار الجالس على الكروبيم فى المذود فى حضن القديسة مريم؟
التهب قلب القديس مار يعقوب السروجى شوقاً أن ينطلق ليتمتَّع برؤية الجالس على الكروبيم، وفى نفس الوقت انطلقت أفكاره إلى المذود ليراه فى حضن القديسة مريم، فقال:
[أين ينطلق العقل فى طريقه ليبحث عنك؟ وفى أى دربٍ يليق بالكلمة أن تتحرَّك لتتقبَّل أمجادك؟ أين توجد؟ هل على المركبة (حز 1: 26) أم مع مريم؟! مع أبيك السماوى، أم مع يوسف فى أرض يهوذا؟
هل فى حضن أبيك أم بالحقيقة أنت فى حضن مريم؟ مع الأم حسب الجسد أم على العرش البلورى (حز 1: 22؛ رؤ 4: 6)؟
هل يجدك أحد على الأجنحة النارية للريش السرّي (2صم 22: 11؛ مز 18: 10)، أم محمولاً على ذراعى أمك؟ هل أراك على الكروبيم، أم أرى جلالك ساكناً على ركبتى المرأة المؤمنة (لو 1: 45)؟ هل بهاؤك فى حشود أشعة النار المتلألئة، أم فى الأقمطة الرخيصة فى اللفائف التى فى المذود (لو 2: 7)؟].
12 - ماذا قيل عن "الكراسي" أو "العروش"؟
لم يذكر الكتاب المقدس شيئاً عن هذه الطغمة ولا عملها، إنما جاء اسمها فى قائمة المخلوقات السماوية. "فإنه فيه خُلِق الكل ما فى السماوات وما على الأرض، ما يُرَى وما لا يُرَى، سواء كان عروشاً أم سيادات أم رياسات أم سلاطين، الكل به وله قد خُلِق" (كو 1: 16). إنهم يشتركون مع السيرافيم والكروبيم فى سمو طبيعتهم، وأنهم أقرب إلى العرش الإلهى من بقية الطغمات.
يُدعون المملوئين أعيناً، إشارة إلى الامتلاء بالمجد والكرامة، وعدم الالتصاق بما هو أرضى وسفلى. يسكنون فى كمال القوة بكل ثباتٍ وكمالٍ، متأسسون فى الأعالى. يتقبَّلون الفكر الإلهى فوق كل شيءٍ، ويُرَكِّزون على الشركة الإلهية، وبهذا يُظهرون الله. يقول البابا غريغوريوس (الكبير): [ما هو "كرسى" الله سوى الأرواح الملائكية، الذين يشهد لهم الكتاب المقدس أنهم يدعون "العروش"؟ فمن يرغب أن يأتى إلى كرسى الله إلا الذى يشتاق أن يكون بين الأرواح الملائكية... فيرتفع ليسكن فى المجد بالتأمل فى الأبدية.].
13 - ماذا قيل عن تحرك مركبة المخلوقات الحية الأربعة؟
يقول القديس مار يعقوب السروجى عن طريقة تحرُّكهم التى يصعب علينا شرحها: [يملأك الدهش بقوة أمام رهبة هذه المركبة، وبغير فحصٍ أدهش بالراكب، إذ هو ابن الله. عسر عليك أن تسمع، وعسر علىّ أن أتكلم، لأن تدبير السيرافيم لا يُفَسَّر. أربعة مخلوقات حية لأربع جهات الخليقة مرتبطة معاً. كل مخلوقٍ حى يسير الواحد فالواحد بدون تخبيط. ذاك المتجه للشرق يسرع نحو الشرق مقابل وجهه؛ والذى للغرب يسرع نحو الغرب كما هو ملتزم؛ والذى للتيمن (الجنوب) نحو التيمن يُسرع ولا ينقلب، والذى للشمال فللشمال يمضى بقوة عظيمة. وإذا ما سار رئيس نحو جهة واحدة يمضى الكل معه دون ارتباك، ويسعى الكل نحو الجهات الأربع مرتبطين معاً... من يجسر أن يفسر هذا الأمر المدهش يصير أضحوكة وتنفضح عدم معرفته.].
14 - لماذا تحدث الكتاب المقدس بعهديه عن الأربعة مخلوقات الحية؟
قدَّم الكتاب المقدس بعهديه رؤى خاصة بهذه المخلوقات السامية الملازمة للعرش الإلهى، لكى تضع الكنيسة فى قلبها، أن يشتهى الكل الاقتداء بهذه الخليقة بالنعمة الإلهية.
15 - ما هى سمات المخلوقات الحية الأربعة؟
"وحول العرش أربعة مخلوقات حية[48]" (رؤ 4: 6). وهم طغمتا الشاروبيم والسيرافيم اللتان تطلب الكنيسة شفاعتهما على الدوام وتُعَيِّد لهما فى 8 هاتور كعيدٍ تذكارى، وتدعوهما "غير المتجسدين، حاملي مركبة الله[49]".
أ. كرامتهم: يقول عنهم القديس يوحنا الذهبى الفم: [أقول لكم يا أولادى الأحباء إنه ليس من يشبههم فى كرامتهم. لا فى السماء ولا على الأرض، لأنهم يحملون عرش الله ولا يستطيعون النظر إلى وجه الحى الأزلى: مخلوقون من نورٍ ونارٍ، أقوياء، أشداء جداً يسألون الله أن يغفر خطايا البشر ويتحنَّن عليهم... رأى إشعياء النبى مجدهم ونطق بكرامتهم (إش 6: 1 - 3). وأيضاً نظر حزقيال النبى مجدهم ونطق بكرامتهم (حز 1: 4 - 28). وداود العظيم فى الأنبياء، أب الأنبياء، أب المسيح بالجسد، رأى كرامة هؤلاء الروحانيين ونطق بمجدهم، قائلاً فى المزمور: "طأطأ السماوات ونزل، وضباب تحت رجليه. ركب على كروب وطار، وهف على أجنحة الرياح" (مز 18: 9 - 10).].
ب. بلا عروش ولا أكاليل مثل القسوس، لأن الرب إكليلهم وهم مركبته!
ج. "مملوئون عيوناً من قدام ومن وراء"، وكما يقول ابن العسال إنها تشير إلى إدراكهم الأسرار الحاضرة والمقبلة التى يكشفها لهم الرب.
د. "لكل واحد منها ستة أجنحة" وكما نسبح الرب قائلين: [أنت هو القيام حولك الشاروبيم والسيرافيم، ستة أجنحة للواحد وستة أجنحة للآخر (رؤ 4: 8). فبجناحين يغطون وجوههم، وباثنين يغطون أرجلهم، ويطيرون باثنين. ويصرخون واحد قبالة واحد منهم. يرسلون تسبحة الغلبة والخلاص الذى لنا بصوتٍ ممتليءٍ مجداً[50].] هكذا يليق بالكاهن أن يتشبَّه بهم، فيُغَطِّى وجهه بالحياء والرعدة، ويستر رجليه بالرجاء والثقة، ويطير قلبه بالحب والترنُّم أمام الرب المذبوح عنا!
وينصحنا القديس يوحنا الذهبى الفم، قائلاً: [أنا أبوكم يوحنا المسكين. أسألكم يا أولادى الأحباء القسوس والشمامسة ألا تتقدَّموا إلى المذبح وأنتم غير طاهرين، بل احفظوا أجسادكم ونفوسكم أنقياء إذا أردتم التقدم إلى الخدمة الطاهرة، فإنكم مثال السيرافيم السمائيين، لأنهم لا يجسرون على التطلع إلى وجه الله الحي، بل هم قيام ووجوههم إلى أسفل مغطاة بأجنحتهم! أيها الخدام إنكم تنظرون جسد ابن الله ودمه الزكي الموضوعين أمامكم على المذبح الطاهر وتلمسونه وتأكلونه، وأنتم عارفون بعظم الكرامة اللائقة بهما، فينبغي عليكم أن تقفوا بوجوه فرحه وقلوب خائفة وأعين مطرقة إلى الأرض ورؤوس منكسة، لأنكم مثل الشاروبيم والسيرافيم الحاملين كرسى العظمة.].
ويقول أيضاً: [عندما تسمع عن السيرافيم أنهم يطيرون حول العرش فى سموه ورفعته، ويغطون وجوههم بجناحين، ويسترون أرجلهم باثنين، ويصيحون بصوتٍ مملوءٍ رعدةٍ، لا تظن أن لهم ريشاً وأرجل وأجنحة، فهى قوات غير منظورة... حقاً إن الله حتى بالنسبة لهذه الطغمات غير مُدرَك ولا يقدرون على الدنو منه، لهذا يتنازل بالطريقة التى جاءت فى الرؤيا، لأن الله لا يحدّه مكان ولا يجلس على عرشٍ... وإنما جلوسه على العرش وإحاطته بالقوات السمائية من قبيل حُبِّه لهم... وإذا ظهر جالساً على العرش وأحاطت به هذه القوات لا تتمكَّن من رؤيته، ولا تحتمل التطلُّع إلى نوره الباهر، فتغطي أعينها بجناحين، وليس لها إلا أن تُسَبِّح وتترنَّم بتسابيحٍ مملوءةٍ رعدةٍ مقدسةٍ، وأناشيد عجيبة تشهد لقداسة الجالس على العرش. فحري بذاك الذى يتجاسر ليفحص عناية الله لا تقدر القوات السمائية على لمسها أو التعبير عنها أن يختبئ مختفياً تحت الآكام! [51].].
ﮪ. شكلهم: إنهم قوات غير جسدانية ولا منظورة، لكنها ظهرت ليوحنا الحبيب كما لحزقيال النبى هكذا: "المخلوق الحى الأول شبه أسد، والمخلوق الحى الثانى شبه عجل، والمخلوق الحى الثالث له وجه مثل وجه إنسان، والمخلوق الحى الرابع شبه نسرٍ طائرٍ" (رؤ 4: 7).
أولاً: يقول القديس يوحنا الذهبى الفم [جعلهم الله يطلبون فى جنس البشر وسائر الخليقة من وحوش وبهائم وطيور السماء، لأنهم قريبون منه أكثر من سائر السمائيين.].
ثانياً: يرى القديس غريغورويس النزينزي والعلامة أوريجينوس أن هذه الخليقة الحاملة للعرش تحل معنى قوى النفس الأربعة التى تتقدس بحمل الله، وهى: القوى الغضبية ويشار إليها بالأسد، وقوى الشهوات (المقدسة) ويشار إليها بالعجل، والنطقية ويشار إليها بمن له كوجه إنسانٍ، والروحية ويشار إليها بشبه نسرٍ طائرٍ.
ثالثاً: يرى القديس جيروم أنها تحمل إشارة إلى العمل الفدائى للرب. فمن له كوجه إنسان يشير إلى التجسد، والعجل إلى الذبح على الصليب، والأسد إلى القيامة، والنسر الطائر إلى الصعود.
رابعاً: يرى القديس إيرينيؤس[52] أنها تحمل رمزاً إلى العمل الفدائى، فمن له كوجه إنسان يشير إلى التجسد، والعجل إلى طقس الذبيحة والكهنوت إذ هو يشفع فينا، والأسد إلى سلطانه الملوكى، والنسر إرساله الروح القدس.
خامساً: يرى العلامة أوريجينوس أن وجود الوجوه الأربعة معاً (الأسد والنسر والثور والإنسان) إشارة إلى عودة المخلوقات الحية المقدسة إلى طبيعتها الأولى المستأنسة، فإن كان فى العصر المسياني قد سكن الذئب مع الخروف، وربض النمر مع الجدي، وصار الأسد يأكل تبناً كالبقر (إش 11: 7)، يتحقق هذا التناغم الكامل فى مجئ المسيح الأخير.
سادساً: إن كانت هذه الكائنات الأربعة تُمَثِّل الكنيسة المقدسة الحاملة للحياة الإلهية فى داخلها فإن هؤلاء الأربعة إنما هم الأسقفية والقسيسية والشموسية، والشعب، إنهم أركان رئيسية تعمل معاً لحساب السيد المسيح، أيّ ضعف لركن منها يُفقِد الكنيسة اتزانها ويُسيء إلى رسالتها. إن فقد ركن عمله أو تفاعله مع الأركان الأخرى يخسر الكل حيويته، فالكنيسة ليست مُركَّزة حول أسقف أو كاهن أو شماس أو مسئول علمانى (من الشعب) لكنها حياة متكاملة ومتفاعلة معاً.
سابعاً: تدعونا هذه المخلوقات السماوية أن يكون لنا وجه الأسد، ووجه الإنسان، ووجه الثور، ونطير مع النسر الروحى.
أ. يسلك المؤمن بروح الملوكية كأسدٍ، لا يخشى إبليس ولا يرتعب من الخطية، لأن المُخَلِّص أعطانا سلطاناً أن ندوس على الحيات والعقارب وكل قوة العدو (لو 10: 19).
ب. اعتزاز الكنيسة وأعضائها بروح التبني لله والتمتُّع بملكوت الله الداخلى فى النفس وشركة الطبيعة الإلهية، يدفعهم هذا كله أن يذكروا أنهم بشر، فينصتون إلى قول الربّ: "تعلَّموا منى، لأنى وديع ومتواضع القلب" (مت 11: 29).
ج. يليق بالمؤمن أن يقتدي بالربّ مُخَلِّص العالم، فيمارس الكهنوت الروحى بصلواته الدائمة عن كل البشرية حتى من أجل المقاومين للحق والأعداء، ويُقَدِّم ذبيحة البذل (كالثور).
د. أما بخصوص النسر، فيليق بالمؤمن أن ينطلق مع الرسول بولس مُحَلِّقَّاً فى السماويات، يتمتَّع بالنمو فى المجد يوماً فيوماً. فيكون كالنسر المُحَلِّق بجناحيه فى الأعالى، ويتمتَّع بالبصيرة الحادة وإدراك الأسرار الإلهية حسب قامته الروحية.
ثامناً: كثير من الآباء الأولين تطلعوا إلى المخلوقات الحية الأربعة كرموز للإنجيليين، غير أن كل أب فى مطابقة المخلوقات الحية الأربعة بالإنجيليين تطلَّع إلى التشابه بينهم بطريقة أو أخرى.
يقول القديس إيرينيؤس: [ما كان يمكن أن يكون عدد الأناجيل أكثر أو أقل مما هو عليه. إذ توجد أربع مناطق للعالم الذى نعيش فيه (الشرق والغرب والشمال والجنوب). كما توجد أربعة رياح رئيسية، بينما الكنيسة منتشرة فى العالم. أساس الكنيسة وعمودها هو الإنجيل وروح الحياة. لهذا، يلزم أن يكون بها أربعة أعمدة، فتتنسم الخلود فى كل جانب (من الجوانب الأربعة) التى تعيد الحياة للشعب مرة أخرى. واضح خلال هذه الحقيقة أن الكلمة الخالق المُبدِع لكل الأشياء يجلس على الشاروبيم (الكروبيم) ويحوي كل الأشياء، هذا المُعلَن للبشرية، أعطانا الإنجيل خلال أربعة جوانب، لكن له روح واحد.].
16 - ماذا قيل عن الأربعة وعشرين قسيساً (رؤ 4: 4)؟
كلمة "قسيس" أو "شيخ" فى النص اليونانى presbyter تحمل معنى العمل الكهنوتى. لهذا أدركت الكنيسة الأولى أنهم طغمة سمائية كهنوتية، ورتبت لهم عيداً تذكارياً، وتضعهم فى مقدمة السمائيين بعد الأربعة مخلوقات الحية. يمكننا أن نلمس مكانتهم فى الكنيسة الأولى مما قاله عنهم القديس كيرلس الأورشليمى: [لقد أمرنا الآباء أن يهتم كل المسيحيين بتذكارهم لما شاهدوه من كرامتهم وعلو مجدهم، هؤلاء غير المتجسدين، لأنهم قريبون من الله ضابط الكل، وهم أمامه فى كل حين يشفعون فى الخليقة جميعها، صارخين مع الأربعة مخلوقات الحية، قائلين: قدوس، قدوس، قدوس... ما أشرف هذه المكانة التى استحقّوها! لأن الملائكة وكل بقية الطغمات السمائية واقفون أمام الديان العادل، وهؤلاء جلوس على كراسىٍ نورانيةٍ لابسون حللاً ملوكية، وعلى رؤوسهم أكاليل مُكَرَّمة، وفى أياديهم مجامر ذهبية مملوءة صلوات القديسين، ويسجدون أمام الحمل الحقيقى، ويسألونه غفران ذنوب البشر! إنهم لا يفترون عن التسبيح والتهليل أمام رب الصباؤوت (الجنود) مع الأربعة المخلوقات الحية...].
غير أنه يلزمنا كقول القديس أمبروسيوس[53] ألا نتخيَّل العروش أو الجلوس عليها بصورة مادية، لأن هذه مُجَرَّد تعبيرات عن مقدار سمو الكرامة والسعادة! أما الثياب البيض فكقول ابن العسال تشير إلى بهائهم ومجدهم وبرِّهم وقداستهم. ويرى الأسقف فيكتوريانوس أن هؤلاء القسوس هم كائنات سماوية وفى نفس الوقت يرمزون لأنبياء العهد القديم الذين يحيطون بالرب معلنين بروح النبوة عن تجسده وألامه وصلبه وقيامته وصعوده[54]. جاء فى ذكصولوجية للأربعة والعشرين قسّيساً: [عظيمة هى كرامة القديسين غير المتجسّدين، كهنة الحق: الأربعة والعشرين قسّيساً. لأنهم قريبون من الله، وكائنون أمام عرشه. يسبحون بلا فتورٍ، النهار والليل. جالسون على أربعة وعشرين عرشاً، وأكاليل على رؤوسهم، وجامات ذهب بأياديهم، مملوءة بخوراً مختاراً. الذى هو صلوات القديسين الذين على الأرض، يقدمونها إلى الحمل الحقيقى. الذين تظهر أسماؤهم وهم كائنون على الأرض، يطلبون من الرب عنهم، لأنهم قريبون من الله. اشفعوا فينا يا كهنة الحق، الأربعة وعشرين قسّيساً، ليغفر لنا خطايانا.].
17 - ماذا قيل عن الرتبة الثانية التى تضم السلاطين والأرباب والقوات؟
أولاً: السلاطين Dominions (Authorities): يشير الاسم إلى نوع من الارتفاع إلى فوق والتحرَّر من كل ما هو أرضى، ومن كل ميلٍ داخليٍ نحو الاستعباد للغير، أو تحرَّر سامٍ فوق كل عنف طاغٍ، وتخلٍ عن كل عبودية دنيئة، يشتاقون نحو النجاح كسادة حقيقيين. بل ويشتاقون إلى الله مصدر السيادة؛ ما يشغلهم على الدوام أن يصير من هم أقل منهم متشبهين بالله فى السيادة.
ثانياً: الأرباب أو الفضائل Virtues (Lordships): لهم طاقات جبارة يتشبهون بالله، لا يعرفون الضعف أو الخمول فى استقبالهم الاستنارة الإلهية الممنوحة لهم. يُشار إليهم أحياناً بالمشرقين أو المنيرين. تتشكل هذه الاستنارة فى كمالٍ عجيبٍ كفضائلٍ. لا يظهرون ضعفاً ولا هزالاً فى تقبُّلهم الإشراقات الإلهية الممنوحة لهم. يصعدون بكمال القوة للتشبه بالله، وهم صاعدون نحو مصدر الطاقة أو الفضيلة. يشتهون دوماً أن يفيضوا على الآخرين بالرغبة فى التمتع بالفضيلة الإلهية.
ثالثاً: القوات Powers المقدسة. وهم مساوون للسلاطين والأرباب، تحت التدبير اللائق لقبول الإلهيات بطريقة لا تُقاوَم. لهم نظام إلهي فى التمتع بقوة سامية متميزة فى التعقُّل. يُنظَر إليهم كملائكة محاربين يسندون العالم والبشرية ضد قوات الظلمة والشرّ.
18 - ماذا قيل عن الرتبة الثالثة[55] التى تضم الرئاسات ورؤساء الملائكة؟
أولاً: الرئاسات Principalities. رتبة ذات وقارٍ روحيٍ مهوبٍ. فهم يتجهون نحو "رئيس الرؤساء"، ويقودون غيرهم إلى الطابع الرئاسى اللائق Princely fashion. الملائكة الحراس للمدن والأمم والحكام من غزو الملائكة الأشرار. الرئاسات تعنى التشبُّه بالله من حيث يصيرون رؤساء Princes أصحاب سلاطين فى نظام مقدس يليق بقوات ملوكية.
جاء فى رسالة يهوذا: "والملائكة الذين لم يحفظوا رياستهم their principalities، بل تركوا مسكنهم، حفظهم إلى دينونة اليوم العظيم بقيودٍ أبدية تحت الظلام" (يه 6). فكما يوجد رئاسات فى الملائكة صالحون، توجد أيضاً رئاسات بين قوات الظلمة، لأنهم أساءوا إلى مركزهم، فعوض القيادة المقدسة لمن هم أقل منهم للتشبه بالله، سقط هؤلاء من رئاساتهم بسبب الكبرياء فصاروا يحثون على الشرّ بالرغم من إدراكهم أنهم محفوظون تحت الظلام إلى يوم الدينونة.
يقدم الرسول يهوذا هذا المثل الشرير لكيلا يتكل المؤمن على ما وُهِب له من قدرات ومواهب ومراكز دينية، مظهراً خطورة سقوط القائد المتدين فى الكبرياء، طالباً أن يحفظه الرب من الانحراف والاعتداد بالذات.
ثانياً: رؤساء الملائكة. يُنظَر إليهم كرؤساء وقادة للملائكة (يه 9؛ 1تس 4: 16). لكل رئيس فرقة ضخمة أو اكثر من الملائكة يقودونها بطريقة فائقة غير منظورة. إنهم مرتبطون بالرئاسات كما بالملائكة. يُقَال إنهم سبعة رؤساء، لهم شرف المثول أمام عرش الله فى السماء، الذين قيل عنهم فى سفر الرؤيا: "ومن السبعة الأرواح التى امام عرشه" (رؤ 1: 4). وأنهم "سبعة مصابيح من نار متقدة حول العرش هى أرواح الله السبعة" (رؤ 4: 5). ويرى القديسان إكليمنضس الإسكندرى والشهيد كبريانوس أنهم السبعة رؤساء الملائكة كما يظهر من قول رافائيل عن نفسه أنه أحد الملائكة السبعة الواقفين أمام الرب (طو 12: 15). نطلب على الدوام شفاعتهم بعد شفاعة العذراء مريم والدة الإله مباشرة (كما فى مجمع الأبصلمودية)، خاصة "الثلاثاء العظماء المنيرون": ميخائيل، وجبرائيل (غبريال) ورافائيل.
ثالثا: الملائكة. أقل الرتب السمائية الحاملة الطبيعة الملائكية. يقومون بلقاءات مباشرة مع العالم. لكل إنسانٍ ملاكه الحارس خاصة خائفى الربّ والبسطاء والأطفال.
يرى البعض أن البشر المؤمنين والسالكين بالروح يصيرون فى يوم الرب العظيم، أى يوم القيامة أشبه بالطغمة العاشرة، وكأنهم احتلوا مركز إبليس وملائكته الذين سقطوا من رتبهم.
19 - ماذا قيل عن رئيس الملائكة ميخائيل؟
تميل الكنيسة الغربية إلى الحديث عن ميخائيل العظيم بين رؤساء الملائكة، أما فى الكنيسة الشرقية فيُنظَر إليه كرئيس جند الربّ، أى يقود كل الطغمات فى المعارك ضد إبليس والشرّ.
فى ذهن الكثيرين الملاك هو ملاك بغض النظر عن رتبتة والطغمة التى ينتمى إليها.
دُعِى "ميخائيل" ومعناها "من مثل الله"، لأنه يحب البشر ويغير عليهم، ويهبه الله سلطاناً أن يحارب التنين عنهم (رؤ 12: 7). له دوره الخاص كمُرسَل من الله لحماية شعبه فى الظروف الحالكة (طو 12: 6، 15؛ يو5: 4؛ رؤ 12: 7 - 9).
يحسبه اليهود ملاك أمتهم. وينظر إليه المسيحيون كحارسٍ للكنيسة. اعتاد الأقباط أن يبنوا كنيسة باسمه فى أعلى المبنى الخاص بكل دير، بكونه الملاك الحارس للدير والرهبان.
20 - ماذا قيل عن مقاومة رئيس الملائكة ميخائيل لإبليس؟
يرى الأسقف فيكتورينوس أن هذه هى بداية فترة "ضد المسيح"، إذ يحارب رئيس الملائكة ميخائيل إبليس فيقوى عليه، ويُسقِطه من السماء حتى لا يشتكي على المؤمنين. على أثر هذه الحرب يسقط إبليس محتضراً، لهذا يبثّ كل سمومه، باذلاً كل طاقاته للانتقام فيما تبقّى له من وقت يسير ليُطرَح في جهنم إلى الأبد. وبهذا تبدأ فترة ضد المسيح ويأتى الشاهدان إيليا وأخنوخ.
هكذا يظهر فى الكتاب المقدس كقائدٍ لجيش الملائكة، بينما يظهر جبرائيل كقائد للمبشرين المُرسَلين للبشر. ومع قدرته وإمكانياته ومركزه فى حربه ضد إبليس يمارس التواضع (يه 9).
ميخائيل هو الأعظم بين رؤساء الملائكة السبعة، كما يشهد عنه الملاك جبرائيل "ميخائيل الرئيس العظيم" (دا 12: 1)، ويقول عن نفسه: "انا رئيس جند الرب" (يش 5: 14)، أى أنه رئيس الملائكة ورؤساء الملائكة، تصفه كتب الكنيسة فى أكثر من موضع انه "رئيس السمائيين بين أجناد الرب من الملائكة".
إنها نصرة عظيمة أن يُسقِط إبليس من السماء لكيلا يشتكي علينا الذى حتى فى اللحظات الأخيرة له لا يكف عن التضليل وهو يُدعَى[56]:
1. الكاروب المغطى (حز 28: 16، 14).
2. لوسفير (حامل النور) (أش 14: 12).
4. الشرير (يو17: 15؛ 1 يو 5: 18؛ مت13: 19، 38).
5. العدو (مت13: 28).
6. إبليس (أي المخادع).
7. رئيس هذا العالم (يو 12: 31؛ 14: 3؛ 16: 11).
8. إله هذا الدهر (2كو 4: 4).
9. رئيس سلطان الهواء (أف 2: 2).
10. بعلزبول (سيد الذباب) (مت 12: 24؛ لو 11: 15).
11. بليعال (2كو 6: 15).
12. الحية القديمة (2كو11: 43؛ رؤ 12: 9).
13. التنين العظيم (رؤ 12: 3، 7، 9).
14. المشتكي (رؤ 12: 10).
15. المخادع (رؤ 12: 9؛ 20: 3).
16. المضل (رؤ 12: 9).
17. القتال (يو 8: 44).
18. الكذاب وأبو الكذاب (يو 8: 33، 44).
إذ يسقط العدو فى أنفاسه الأخيرة، يقول يوحنا الحبيب: "وسمعت صوتاً عظيماً قائلاً فى السماء: الآن صار خلاص إلهنا وقدرته وملكه وسلطان مسيحه، لأنه قد طرح المشتكي على إخوتنا، الذى كان يشتكي علهيم أمام إلهنا نهاراً وليلاً. وهم غلبوه بدم الخروف وبكلمة شهادتهم، لم يحبوا حياتهم حتى الموت. من أجل ذلك افرحى أيتها السماوات والساكنون فيها. ويل لساكني الأرض والبحر لأن إبليس نزل إليكم وبه غضب عظيم، عالماً أن له زماناً قليلاً" (رؤ 12: 10 - 12).
يكشف السمائيون عن ضعف إبليس، وتظهر هزيمته عندما يُلقَى من السماء. إنهم يبتهجون بإعلان نصرة الإنسان فى يوم الدينونة المجيد، وذلك بالدم الثمين. وفى بهجتهم وحبهم للبشر يدعون الكنيسة التى لا تزال على الأرض مجاهدة "إخوتهم"، إذ سيصيرون كملائكة الله.
21 - هل من جولات أخرى لرئيس الملائكة ميخائيل مع الشيطان ومملكته؟
ميخائيل هو الذى ساند الملاك جبرائيل، وأعانه على الشيطان، رئيس مملكة فارس، عندما وقف الأخير ضد جبرائيل وقاومه مدة واحد وعشرين يوماً، ليمنعه من الوصول إلى النبى دانيال، وكان جبرائيل قد أتى من السماء ليبشر دانيال بخلاص شعبه، استجابة لصلواته ولصومه الطويل لمدة واحد وعشرين يوماً. قال الملاك لدانيال بعد أن وصل إليه أخيراً بعد واحد وعشرين يوماً من بدء صومه وصلواته: "لا تخف يا دانيال فإنك من أول يوم وجَّهت فيه قلبك للفهم، ولإذلال نفسك أمام إلهك، استُجيب كلامُك، وأتيتُ أنا لأجلِ كلامك. وقد قاومني رئيس مملكة فارس، واحداً وعشرين يوماً، فأتى لنُصرتى ميخائيل أحد الرؤساء الأولين فلم أبطئ هناك عند ملوك فارس، ثم أتيتُ لأُبيّن لك ما يحدث لشعبك فى الأيام الآتية" (دا 10: 12 - 14).
ثم يقول جبرائيل الملاك لدانيال فى نهاية رسالته إليه: "لا تخف أيها الرجل المحبوب، سلام لك، تقوّ وتشدَّد... أُعلِمتُ لماذا جئتُ إليك. فالآن أرجع لأحارب رئيس فارس... ولكنى أخبرك بما هو مرسوم فى كتاب الحق. وليس أحدُ يساعدنى على تحقيقه إلا ميخائيل رئيس رؤساء الملائكة" (دا 10: 19 - 21). يظهر في هذا النص الإلهى قوة الملاك ميخائيل وسلطانه.
يدعونا القدِّيس باسيليوس الكبير أن نجاهد ونفرح مع الملائكة، قائلاً: [افحص تصرفاتك كل يومٍ، وقارنها بأحداث اليوم السابق وجاهد نحو التقدُّم. تقدَّم فى الفضيلة، لتصير فى صحبة الملائكة، اقضِ وقتك فى خلوة لا لأيام وشهور بل لعدة سنوات، تُسَبِّح ربك بالأغانى، ليلاً ونهاراً، مقتدياً بالشاروبيم. إن بدأت هكذا، وانتهيت هكذا مسافراً فى الطريق المستقيم إلى وقت قصير لامتحانك، فإنك بنعمة الله تدخل الفردوس بسراج نفسك المنير ببهاء، لتفرح مع المسيح إلى أبد الأبد. آمين[57].].
كما يقول: [ما هو أكثر غبطة من مشابهة الملائكة على الأرض؟! فى بدء النهار ينهض الإنسان للصلاة وتسبيح الخالق بالترتيل والأغانى الروحيَّة. ومع شروق الشمس يبدأ العمل مصحوباً بالصلاة أينما ذهب مملِّحاً عمله بالتسبيح. إن سكون الوحدة هو بدء تنقية النفس، والعقل ألا يضطرب لأى شيءٍ، ولم يتشتَّت عن طريق الحواس فى أمور العالم، يرتد إلى ذاته، ويرفع إلى التفكير فى الله. هناك فى الوحدة يجد فى الأسفار المقدَّسة، كما فى مخزن الأدويَّة، العلاج الحقيقى لعلّته].
[الآن وأنت عبد لا للناس بل للخطيئة، المنادي يدعوك إلى الحريَّة، ليعتقك من أسرك، ويجعلك معادلاً للملائكة فى الحقوق، ويقيمك ابناً لله بالتبنّي، بواسطة النعمة، وارثاً لخيرات المسيح، وتقول بأن الوقت لم يحن بعد لك لنيل هذه المواهب[58].].
22 - متى نحتفل بعيد رئيس الملائكة ميخائيل؟
تُعَيِّد له الكنيسة القبطية فى الثانى عشر من كل شهر قبطى، خاصة فى هاتور وبؤونة. أما الروم الأرثوذكس والكنائس التى تتبع الطقس البينزنطى فتحتفل بالملاك ميخائيل والملاك جبرائيل فى اليوم الثامن من نوفمبر. والكنيسة الرومانية الكاثوليكية تحتفل بالملاك ميخائيل فى التاسع والعشرين من سبتمبر وكذلك الكنيسة الأسقفية.
وكان من عادة الأقباط، خصوصاً فى الريف، أن تقام فى هذه المناسبة القداسات والصلوات، وبعد ذلك تُمد الموائد ليأكل منها الفقراء والمساكين، وخصوصاً من السمك، ونوع من الفطير والخبز الخاص المعجون بالسكر أو العسل والزيت يعرف بفطير الملاك. والأصل فى اختيار الثانى عشر من شهر هاتور القبطى عيداً لرئيس الملائكة ميخائيل، إن هذا اليوم كان عند المصريين القدماء عيداً يقيمونه للإله "زُحل". فلما صار الأقباط مسيحيين رأى البابا الكسندروس Alexandros وهو التاسع عشر من بطاركة الكرسى الإسكندرى (312 – 328 م) أن يُحَوِّلَه إلى عيد لرئيس الملائكة ميخائيل بعد أن بنى مكان هيكل "زحل" كنيسة باسم رئيس الملائكة ميخائيل.
كذلك اليوم الثانى عشر من شهر بؤونة كان يقع فى بدء الفيضان، وكان يُعَدّ عند المصريين القدماء عيداً من أهم الأعياد القومية والوطنية. وكانوا يُقيمونه فى مبدأ الأمر لإله النيل، اعتقادا منهم أنه كانت تأخذه الرحمة بالمصريين فى زمن التحاريق، فيطير إلى أعالى النيل، وهناك يُلقى فيها من فمه قطرات من الماء، فتتبخر وتصعد إلى السماء، وتتحوَّل إلى سحب كثيرة، فتهطل سيولاً من أعالى الجبال، ومن ثم يفيض نهر النيل بالمياه التى تروي البلاد، فيعم الخصب والنماء، ويفرح المصريون لهذا الخير العميم، ويتبادلون الهدايا.
فلما صار الأقباط مسيحيين، تحوَّل عندهم هذا العيد القومى لإله النيل، إلى عيد لرئيس الملائكة ميخائيل بصفته رئيس الملائكة الواقف أمام العرش الإلهى فى السماء يشفع فى الناس ويرفع إلى الله صلواتهم ويطلب من الله ارتفاع مياه النيل، ليعم الخير فى كل وادى النيل.
23 - لماذا يدعو البعض الملاك ميخائيل ملاك قيامة السيد المسيح؟
لم يذكر الإنجيل صراحة اسم الملاك الذى نزل من السماء ودحرج الحجر عن باب القبر، لكن ذكرته كتب الكنيسة وأوضحت أنه ميخائيل رئيس الملائكة. جاء فى قسمة عيد القيامة والخماسين بالخولاجى المقدس: [ميخائيل رئيس الملائكة نزل من السماء، ودحرج الحجر عن باب القبر، وبشّر النسوة حاملات الطيب قائلاً: "المسيح قام من بين الأموات.] وجاء فى ابصالية آدام للقيامة التى تُقَال فى أحد توماً: [تكلم ميخائيل معكنّ (النسوة حاملات الطيب) هكذا بفرحٍ، قائلاً:" ليس هو ههنا "(مر 16: 6).] وجاء فى كتاب" التماجيد المقدسة "[السلام لميخائيل رئيس الملائكة المنادي بخلاص القيامة، لأنك أنت الذى نزلت من السماء بمجدٍ عظيمٍ مُضيٍء ودحرجت الحجر عن باب القبر، ثم جلست عليه بخوفٍ عظيمٍ، وتكلّمت مع النسوة بفرحٍ وتهليلٍ وعفافٍ روحاني، معزّيَّاً إياهن أن يسوع الناصرى قام وليس هو ههنا.].
24 - لماذا يدعو البعض الملاك ميخائيل ملاك القيامة العامة؟
يُعرَف رئيس الملائكة ميخائيل أنه ملاك القيامة العامة الذى سيبوق البوق الأخير، قُبيْل المجئ الثانى للمسيح، عندما يجئ ليدين الأحياء والأموات، فيقوم الموتى للدينونة. يقول الرسول: "لأن الرب نفسه سينزل من السماء، عند الهُتاف ونداء رئيس الملائكة وصوت بوق الله، فيقوم أولاً الذين ماتوا فى المسيح" (1 تس 4: 16). وجاء فى كتاب "التماجيد المقدسة": [أنت الذى تصيح ببوقك فى اليوم الأخير، فى الانقضاء، فيقوم كل الذين رقدوا ليلبسوا أجسادهم بقوة الله. وينال كل واحدٍ كأعماله أمام منبر القاضى العادل. نسألك يا رئيس الملائكة ميخائيل أن تكون معنا فى ذلك اليوم.].
جاء فى ذكصولوجية لرئيس الملائكة ميخائيل [ميخائيل رئيس السمائيين، هو الأول فى الطقوس الملائكية، يخدم أمام الرب. يرسل الله لنا مراحمه ورأفاته، بطلبات ميخائيل رئيس الملائكة العظيم. وتكمل الأثمار بطلبات ميخائيل، لأنه قريب إلى الله، يسأل عنّا. كل عطية صالحة، وكل موهبة تامة، إنما تنزل لنا من فوق من عند أبي الأنوار. فلنسبح ونمجد ونسجد للثالوث القدوس المساوى، الدائم إلى الأبد. اشفع فينا يا رئيس الملائكة القديس ميخائيل رئيس السمائيين، ليغفر لنا خطايانا.].
25 - ماذا قيل عن رئيس الملائكة جبرائيل؟
كلمة: جبرائيل "تعنى" جبروت الله "، لأنه يخبرنا عن جبروت الله وعظم أعماله معنا. وهو الملاك المُبَشِّر بالأخبار السارة. قال عن نفسه فى حديثه إلى زكريا رئيس الكهنة والد النبي يوحنا المعمدان، وهو يصف شرف مهمته وكرامة وظيفته:" أنا جبرائيل الواقف قدام الله: (لو 1: 19)، وهو ما يتفق تماماً مع ما قاله الملاك رافائيل لطوبيا: "أنا رافائيل الملاك أحد السبعة الواقفين أمام الرب" (طو 12: 15).
26 - ما هو دور الملاك جبرائيل كما جاء فى سفر دانيال النبى؟
جاء الملاك إلى دانيال يفسر له الرؤيا التى رآها عند نهر أولاى. "وكان لما رأيت أنا دانيال هذه الرؤيا، وطلبت فهمها، إذ بشبه إنسان واقف أمامى. وسمعت صوت إنسانٍ من وسط نهر أولاى، فنادى وقال: يا جبرائيل فَهِّم هذا الرجل الرؤيا" (دا 8: 15 - 16).
اشتهى دانيال النبى تفسير الرؤيا بصورة أكمل، فقد عرف القليل، لكن لنفعه ولنفع الكنيسة ككل اشتهى أن يبحث عن المعنى، وقبل أن يسأل رأى "شبه إنسان"؛ غالباً ما يكون كلمة الله قبل التجسد الذى له سلطان أن يأمر رئيس الملائكة جبرائيل لكى يفسر له الرؤيا. "فجاء إلى حيث وقفت، ولما جاء ارتعبت وخررت على وجهي. فقال لى: افهم يا ابن آدم. إن الرؤيا لوقت المنتهى. وإذ كان يتكلم معى كنت فى نومٍ عميقٍ على وجهي إلى الأرض، فلمسنى وأوقفنى على قدميَّ. وقال: أعرفك ما يكون فى آخر السخط، لأنها تشير إلى انقضاء الزمن" (دا 8: 17 - 19).
المرة الثانية التى ورد فيها اسم الملاك جبرائيل أيضاً فى (دا 9: 20، 23). "وأنا أتكلم وأصلي... إذا بالرجل جبرائيل الذى رأيته فى الرؤيا فى الابتداء طار سريعاً ولمسني عند وقت تقدمة المساء. وفهَّمنى وتكلم معى، وقال: يا دانيال إنى خرجتُ الآن لتدرك الرؤيا وتفهمها. فى ابتداء تضرُعاتك خرج الأمر، وأنا جئتُ لأخبرك لأنك أنت محبوبّ جداً من الله. فتأمل الكلام وافهم الرؤيا.
إرسال الله رئيس ملائكة طائراً بسرعة إلى دانيال، اهتمام إلهى عجيب. لأول مرة نسمع عن أجنحة الملائكة أو أنها كائنات طائرة. ظهر له على شكل إنسانٍ، لذا قال: "الرجل جبرائيل". بهذا يؤكد الله تقديره للإنسان واعتزازه به، فيجعل ملائكته ليس فقط تظهر لخدمة الإنسان، وإنما تحمل أيضاً شكله، حتى يمكن التلاقي بينهم. يقول القديس جيروم: [قيل إنه "طار" لأنه ظهر بمظهر إنسان[59].].
كشف رئيس الملائكة جبرائيل لدانيال عن مركزه لدى الله إذ يقول: "لأنك أنت محبوب جداً"، وبالمعنى الحرفى للكلمة العبرية "الرجل الذى يرغب فيه الله"، أى موضع سرور الله. الله محب كل البشرية يُسَرّ بالأكثر بمن يتمتعون بشركةٍ عميقةٍ معه، فيُسَرّ أن يُعلِن لهم أسراره الإلهية.
قَدَّم له الملاك وصية إلهية، بل عطية إلهية، وهى عطية الفهم: "فتأمل الكلام وافهم الرؤيا". لقد درس دانيال نبوات إرميا، وفهم تاريخ العودة من السبي، لكنه كان محتاجاً إلى فهمٍ أعظم، حيث ينسحب قلبه من الرجوع إلى كنعان إلى الرجوع إلى السماء عينها خلال عمل المسيا. أنبأه عن مجيء المسيح الفادى، وتتميم الفداء والخلاص وعن خراب الهيكل والقدس (دا 9: 23، 27).
قَدَّم له الملاك خدمة ملائكية "وإذا بيدٍ لمستني، وأقامتني مرتجفاً على ركبتي وعلى كفَّي يدي" (دا 10: 10). واضح أن دانيال شاهد الرؤيا وهو منبطح على الأرض، وكان مستنداً على ركبتيه ويديه، وكان محتاجاً إلى عون سماوى ليُقِيمَه. اليد التى كتبت على الحائط فأرعبت الملك بيلشاصر، هى التى لمست دانيال واعطته قوة للقيامة والتمتُّع بالفهم. يرى البعض أن اليد السماوية تشير إلى التجسد الإلهى، حيث قَدَّم لنا السيد المسيح العمل الإلهى، واهباً إيّانا الفهم والحكمة مع الفداء والمجد.
يقول القديس جيروم: [ظهر الملاك فى شكل إنسانٍ ووضع يده على النبى إذ كان مستلقياً على الأرض، لقد حمل الشكل (البشرى) حتى لا يرتعب! [60]].
ظهور الملائكة على شكل بشر يكشف عن تقدير السماء لنا، فإنهم لا يحملون أجساداً لكنهم لا يستنكفون من الظهور بشكلٍ بشريٍ. بهذا يعلنون عن شوق السمائيين إلى الدخول فى صداقة معنا.
يُعلِّق القديس جيروم على تعبير: "المحبوب"، قائلاً: [إنه تعبير لائق، فإن كل قديس يحمل جمالاً فى نفسه، وهو محبوب من الرب[61].].
تذلل دانيال بالتوبة قدام الله إلهه، أى خلال العلاقة الشخصية مع الله الذى يحسبه إلهه، أى ينسبه إليه، لهذا تأهَّل ان يرسل الله ملاكه إليه، لأن ملاك الرب حال حول خائفيه (مز 145: 19).
هل كان رئيس الملائكة جبرائيل عاجزاً عن مقاومة الشيطان الذى يبث روح العنف والكراهية فى قمبيز Cambyses ضد المؤمنين؟ أو كان عاجزاً عن مقاومة الملك الشرير نفسه؟ لماذا أرسل له الملاك ميخائيل (دا 10: 12 - 14)؟ لست أظن أن حديث الملاك هنا يقلل من شأن الملاك جبرائيل أو قدرته، إنما يكشف عن روح العمل الجماعى حتى بين السمائين، وأيضاً يعلن عن اهتمام الله بشعبه، فيرسل أكثر من رئيس ملائكة من أجل شعبه. يقول يوناثان: "لأنه ليس للرب مانع عن أن يخلص بالكثير أو بالقليل" (1صم 14: 6).
لقد أنقذ الملاك جبرائيل دانيال النبى من جب الأسود وسدّ أفواهها فلم تؤذه: "فأجاب دانيال الملك: أيها الملك حييت إلى الأبد. إن إلهي أرسل ملاكه، فسدّ أفواه الأسود فلم تؤذنى، لأنى وُجِدت بريئاً أمامه وأمامك أيضاً أيها الملك، لم أصنع سوءاً" (دا 6: 21 - 22).
وفى تقليد الكنائس الرسولية فى الشرق والغرب أن الملاك جبرائيل هو الذى نقل بيديه الطاهرتين حبقوق النبى من أرض إسرائيل وتخوم الناصرة إلى دانيال النبى وهو فى أسفل بئر السباع الكاسرة فى أرض الكلدانيين "(دا 14: 32 - 38). وهو بعينه الذى بشر العذراء مريم بتجسد الله الكلمة منها (لو 1: 26 - 35). وهو الملاك الذى بشر الرعاة بمولد السيد المسيح (لو 2: 8 - 14). وهو الذى أمر المجوس بعد أن سجدوا للمسيح المولود وقدموا له هداياهم، أن لا يرجعوا إلى هيرودس الملك. وهو الذى رافق المسيح له المجد فى طفولته خادماً له، ورافق العائلة المقدسة فى رحلتها إلى مصر، وعودتها منها إلى فلسطين. كما ظهر للسيد المسيح فى بستان جثسيمانى أثناء صراعه وآلامه، وكان يقول له:" لك القوة "(لو 22: 43).
وفى التقليد اليهودى كما جاء فى (الترجوم) – وهو الترجمة الآرامية للتوراة مع تفسير لها كانوا يقرأونها فى المجامع اليهودية فى زمن الهيكل الثانى وما بعد ذلك – إن الملاك جبرائيل هو الرجل الذى قاد يوسف إلى إخوته عندما أرسله أبوه يعقوب ليسأل عن سلامتهم "فوجده رجل وإذا هو ضال فى الحقل. فسأله الرجل قائلاً: ماذا تطلب؟ فقال: أنا طالب إخوتى. أخبرنى أين يرعون؟ فقال الرجل: قد ارتحلوا من هنا إلى دوثان. فذهب يوسف وراء إخوته فوجدهم فى دوثان" (تك 37: 13 - 17). وأن الملاك جبرائيل اشترك مع رئيس الملائكة ميخائيل فى دفن جسد موسى وإخفائه عن بنى إسرائيل (تث 34: 6)، وأنه هو الملاك الذى أرسله الرب فضرب من جيش سنحاريب ملك أشور مائة وخمسة وثمانين ألفاً من جنوده (2مل 19: 35؛ 2 أى 32: 21؛ إش 37: 36).
الملاك جبرائيل هو أحد الملاكين اللذين كانا مع الرب فى ضيافة إبراهيم أب الآباء، عندما تجلّى له الرب فى بلوطات ممرا. وأما الملاك الآخر فكان ميخائيل (تك 8: 1 - 23، عب 13: 2). ثك ذهب الاثنان بعد ذلك إلى لوط وأنقذاه هو وأسرته من الهلاك الذى حلّ بسدوم وعمورة (تك 19: 1 - 22).
27 - ما هو دور رئيس الملائكة جبرائيل فى البشارة بالتجسد الالهى؟
يُقَدِّم لنا القديس مار يعقوب السروجى القديسة العذراء مريم مثالاً ونموذجاً حياً للتمتُع بالمعرفة خلال الإيمان. لقد حاورت مع رئيس الملائكة جبرائيل للتعرُف على سرّ التجسد الإلهى، ليس فى جدالٍ عقيمٍ، وإنما بروح الخضوع والتواضع مع المحبة الصادقة نحو الله، فتمتعت بتجسد كلمة الله فى أحشائها، مع تمتعها بالبتولية الدائمة. هكذا يليق بنا أن نكف عن الجدال الجاف، وفى إيمان صادق نتقبَّل عمل الله فينا، فيسكن مسيحنا فى داخلنا، ويهب نفوسنا بتولية روحية فائقة. يقول مار يعقوب: [امتلأت هذه اللحظة بالعجب، حين وقفت مريم لتناقش جبرائيل. الفقيرة بنت أحد الفقراء وملاك تقابلا، وتكلما فى قصة كلها عجب. عذراء نقية وساهر ناري تكلما فى روعة. بحديث صالح السمائيين مع الأرضيين. إحدى النساء وأمير كل الطغمات صنعاً اتفاقاً من أجل مصالحة كل العالم. جلس الاثنان بين العلويين والسفليين، تكلما وصنعا سلاماً لكل الذين كانوا غاضبين. الفتاة والساهر تقابلا وتناقشا فى الأمر، فزال الخصام بين الرب وآدم. هذا النزاع العظيم الذى بدأ بين الأشجار[62] (تك 3: 1 - 7)، أصبح موضع مناقشة، وأتى إلى نهايته، وأصبح هناك سلام. مخلوقة أرضية ومخلوق سمائى تكلما بمحبة، وتوقف الخصام بين الفريقين، وأصبحا فى سلام[63].].
الملاك جبرائيل هو ملاك الرب الذى كلّم فيلبس الشماس (أع 8: 26 - 40).
كان الملاك جبرائيل أحد الملاكين اللذين ظهرا للنسوة عند قبر المخلص بثياب برّاقة.
تُعَيِّد له الكنيسة فى 13 هاتور، 22 كيهك، 3 برمهات، 13 بؤونة.
جاء فى ذكصولوجية لرئيس الملائكة جبرائيل: [غبريال الملاك، رآه دانيال، واقفاً على قدميه على شاطئ النهر. ومدّ يده اليمنى إلى السماء، وحلف بالعلىّ، الدائم إلى الأبد. قائلاً من زمانٍ إلى زمانٍ، وإلى نصف زمان، إلى تمام الرؤيا، أنا أخبرك بها. ميخائيل وغبريال، رئيسا ملائكتك العظيمان، يُسَبِّحانك يا ملك المجد، صارخين، قائلين: قدوس الله: المرضى أشفهم، قدوس القوى: الراقدين يارب نيّحهم، قدوس الذى لا يموت: بارك ميراثك، ولتكن رحمتك وسلامك، حصناً لشعبك. إذا ما قالا الليلويا: يتبعهما السمائيون، قائلين: قدوس آمين، الليلويا، المجد هو لإلهنا. اشفعا فينا يا رئيسي الملائكة القديسين ميخائيل وغبريال، ليغفر لنا خطايانا.].
28 - ماذا قيل عن رئيس الملائكة رافائيل؟
"رافائيل" اسم عبري يعنى "رأفات الله"، قاد طوبيا فى رحلته وشفى عيني والده. تُعَيِّد له الكنيسة فى 3 من النسي، وهو تكريس كنيسته التى بناها البابا ثاؤفيلس البطريرك 23 من باباوات الإسكندرية. لذلك يُعتبَر رافائيل شفيع المرضى وراعي المستشفيات، والحامى للملاحين والمسافرين، ونصير الأطباء وأخصائى العيون، والمشتغلين بتحضير الوصفات الطبية. وهو شفيع الراغبين فى الحياة الزوجية السعيدة، يطلبون صلواته ومعونته ليتحقَّق لهم التوفيق والهناء والإنجاب للبنين والبنات.
يروى القديس يوحنا الذهبى الفم رؤياه الخاصة بالملاك رافائيل فى عظة عن رئيس الملائكة رافائيل فى يوم تذكاره فى الكنيسة التى بناها الملك أركاديوس على اسمه. قال: "حدث فى ذات يوم، أنا يوحنا، وأنا أُصَلِّي القداس الإلهى وقت الساعة السادسة، أن أشرق نور عظيم، وأتى إليَّ شاب جميل الوجه جداً، ويحيط به مجد بهي، وبيده اليُمنى قضيب من ذهب برأسه صليب، ودعاني ثلاث مرات قائلاً:" يا يوحنا، اللسان شافى النفوس التى ماتت بالخطية "،" يا يوحنا اللسان المتكلم على الأرض لكى يفرح الله فى السماء ". ولما سمعت هذا اضطربتُ أمام قدميه، وسجدت له، فأمسك بيدى وأقامنى، وقال لى: لا تخف، أنا عبدُ زميل لك. اسجد لله. فقلت وأنا مرتعد. من أنت يا سيدي؟ يا من على هذه الحال ويحيط بك هذا المجد العظيم، ولم أنظر أحداً مثلك مطلقاً؟ فأزال عنى الخوف، وقال لى:" أنا رافائيل أحد رؤساء الملائكة السبعة. أنا رافائيل الذى ربطنى مولاى مع فيلوثاوس فحملته هو وأباه وأمه إلى المسيح يسوع. أنا رافائيل رئيس الملائكة الذى أسلمك المسيح ليدى منذ صغرك، ولم أتركك منذ ولادتك إلى اليوم ساعة واحدة ولا طرفة عين، ولن أتركك حتى اليوم الذى أصحبك فيه إلى الملك المسيح. لقد أسلمك إليّ عندما ذهبتُ إلى منزل المعلم الذى علّمك الكتابة. ولقد كنتُ أصحبك عندما أبحرت إلى أثينا وبيريه اللتين سافرت إليهما، ومهدّت طرقك، ولقّنتك دروساً تتفطن بها وتتعقَّل. وكنتُ كفلاحٍ يبدأ بإعداد بذوره ويبحث عن الماء فى الآبار. والآن تقوّ وتشدَّد ولا تخف، أيها المعترف العجيب لأنني لا أخيف النفوس، بل أُطمئن النفوس، لأن زملائي الملائكة يدعوننى "الملاك مُفَرِّح القلوب. تقوّ وليتشدد قلبك، ولا تخف، فلستُ صاحب خصام، ولكنى صاحب سلام".
وللملاك رافائيل مساعدات لكثيرين، من بينهم طوبيا والقديس فيلوثيؤس، والشهيد الأنبا إيسي، والقديس توماس السائح، والأمير تادرس الشُطبي، والملكة التقية والمحبة لله أوفيمية، وغيرهم كثيرون.
جاء فى ذكصولوجية لرئيس الملائكة رافائيل: "كل الأجيال الذين كانوا من آدم إلى اليوم، يجدون رافائيل حصناً للبشرية. وكل واحدٍ من القضاة، الأنبياء والأبرار، والملوك الصديقين، كان ناصراً لهم. وآباؤنا الرسل القديسون، هو الذى أرشدهم، حتى ردّوا المسكونة إلى معرفة الحق. والشهداء المجاهدون، الذين لربنا يسوع المسيح، لم يفارقهم جميعاً، حتى لبسوا الإكليل غير المضمحل. والنساك المختارون، التائهون فى البراري، كان رافائيل يحيط بهم، حتى أكملوا سعيهم. ملاك الرب يحيط بكل الذين يخافونه، يحرسهم وينجّيهم. فلنمجد الثالوث القدوس المساوي لكى يحفظنا من التجارب. اشفع فينا يا رئيس الملائكة القديس رافائيل مفرِّح القلوب، ليغفر لنا خطايانا.].
29 - ماذا قيل عن رئيس الملائكة سوريال[64]؟
"سوريال" معناه فى اللغة العبرانية "الله صخرتى"، أو "صخرتى هو الله". كما جاء فى السنكسار أنه يعنى "بوق الله"، سوف يبوق فى اليوم الأخير حين يرسل الله ملائكته ببوقٍ عظيم الصوت، فيجمعون مختاريه من الأربعة رياح. تُعَيِّد له الكنيسة فى 27 طوبة، وتحسبه المُبَوِّق بلحن الفرح. تتطلع إليه الكنيسة أنه مفرح القلوب أكثر من أفراح العالم الزمنى.
1. قيل عنه إنه كان مع عزرا الكاتب وسانده، وعرَّفه أسراراً خفية. جاء عنه فى السنكسار أنه هو الذى بشَّر آدم بالخلاص، وخَلّص يوسف الصديق من يد سيدته امرأة فوطيفار.
2. قيل عنه أيضاً إنه كان يسند الشهداء والقديسين فى حروبهم الروحية ويُثَبِّتهم على الإيمان.
3. جاء فى كتاب عزرا المنحول إن عزرا رأى جمهوراً عظيماً على جبل الهيكل يُسَبِّحون الله، ثم رأى شاباً أطول من الجميع. أوضح له الملاك سوريال أنه شخص ابن الله.
4. اشتكى عزرا للملاك من الضيقات، فأجابه أنها بسبب الشرّ الذى سكن فى قلب آدم وبنيه. ولما سأله: لماذا الحياة قصيرة وشاقة؟ أجابه الملاك: إن الرحيل من العالم هو حسب تدبير الله. أعلمه أيضاً أن الملاك أنانئيل هو الذى طيَّب قلوب الشهداء الذين تحت المذبح، "وقال لهم أن يستريحوا زماناً يسيراً حتى يكمل العبيد رفقاؤهم" (رؤ 6: 11). أخبره أيضاً عن أيام الضيق التى تكون فى نهاية الأزمنة. وأوصاه بضرورة سير شعب الله فى الطريق الضيق.
5. أوضح له الملاك أن الأشرار سيُعانون من الشدة لسبعة أسباب: شعورهم بعصيانهم الله، وعدم قبولهم التوبة، تطلعهم إلى مجد الأبرار، العذاب الشديد الذى ينتظرهم، رؤيتهم الملائكة وهم يحيطون بالأبرار، شعورهم بالخوف، الحرمان من رؤية الله. مقابل هذا يتمتَّع الأبرار بسبعة مصادر للفرح: النصرة على الشرّ، خلاصهم من عذاب الأشرار، شهادة الله لهم، التمتُّع بالراحة فى الفردوس، بعدهم عن الفساد، استنارة وجوههم، رؤيتهم لله.
جاء فى ذكصولوجية رئيس الملائكة سوريال: [لنسجد للآب والابن والروح القدس، ونكرم سوريال الرابع فى رؤساء الملائكة. جيد هو فرح سوريال، نصنعه (نتمتع به) فى الكنائس، أكثر من فرح عُرْسِ هذا العالم الزائل. أنت أيضاً تعلم أيها الحبيب أن فرح العالم يزول، أما فرح سوريال فيدوم إلى الأبد. اشفع فينا يا رئيس الملائكة الطاهر سوريال، المبوِّق، ليغفر لنا الربّ خطايانا.].
30 - من هم بقية السبعة رؤساء الملائكة؟
رئيس الملائكة سيداكيئيل Sedakiel؛ ورئيس الملائكة ساراثيئيل Sarathiel؛ ورئيس الملائكة أنانيال Annaniel.
جاء فى ذوكصولوجية لكل السمائيين: [سبعة رؤساء ملائكة، وقوف يسبحون أمام الضابط الكل، يخدمون السرّ الخفى. ميخائيل هو الأول، غبريال هو الثانى، رافائيل هو الثالث، كمثالٍ للثالوث. سوريال، وسداكيل، وساراثيئيل وأنانيال، هؤلاء المنيرون العظماء الأطهار، يطلبون منه عن الخليقة. الشاروبيم والسيرافيم، العروش والأرباب والقوات. والأربعة الأحياء غير المتجسّدين الحاملون مركبة الله. الأربعة والعشرين قسّيسّاً فى كنيسة الأبكار، يسبحونه بلا فتورٍ، صارخين قائلين: "قدوس الله، المرضى أشفيهم؛ قدوس القوى، الراقدين يارب نيّحهم. قدوس الذى لا يموت، بارك ميراثك، ولتكن رحمتك وسلامك حصناً لشعبك. قدوس قدوس قدوس رب الجنود: السماء والأرض مملوءتان من مجدك وكرامتك. إذا ما قالوا الليلويا"، يتبعهم السمائيون قائلين: "قدوس آمين الليلويا: المجد هو لإلهنا. اشفعوا فينا أيها الجنود، والطغمات السمائية، ليغفر لنا خطايانا.].
[34] - ديونيسيوس الأريوباغى: غالباً هو كاتب من القرن الخامس / السادس في سوريا، كتب باليونانية، ونسب كتاباته إلى ديونيسيوس الأريوباغى (أع 17: 34) حتى يعطي كتاباته صبغة رسولية وتقليدية. وهو كاتب مسيحي لاهوتي، تأثر بالأفلاطونية الحديثة ويميل إلى الباطنية (السرية mystical). نجح فى نشر كتاباته التى كان لها أثرها الواضح على كثير من اللاهوتيين والمتصوفين والشعراء فى الشرق والغرب، مثل مكسيموس المعترف، والبابا غريغوريوس (الكبير) وأندرو من كريت ويوحنا سكوتس أريجينا وبونافينتير والبرت الكبير وواضع كتاب "سحابة غير المعروف" ودانتي وايخارت ويوحنا تيلور ويوحنا ميلتون.
[35] Dionysius the Areopagie: The Celestial Hierarchies, ch. 4.
[36] ركن 5، الباب 2، فصل 1، مقصد1، 2.
[37] See The Euchologium of Bishop Serapion.
[38] Against Heresies, Book 2. PG 18: 7.
[39] - راجع تفسير إش 6 (سلسلة من تفسير وتأملات الآباء الأولين).
[40] cf. The Celestial Hierarchy, Ch 8.
[41] In Isai. Hom. 2: 2.
[42] - راجع للمؤلف: القديس يوحنا الذهبي الفم، 1988، ص 299.
[43] - المرجع السابق، ص 32.
[44] The author: Church, House of God, 1982, p. 333.
[45] On Ps. , hom 10.
[46] - الميمر 177 على الكاروب واللص (راجع نص بول بيجان ترجمة الدكتور بهنام سونى).
[47] - كلمة "بيل" ترادف "بعل" فى العبرية. وهو الإله القومى، والرئيسى فى بابل، يسمى "مردوخ" إله الشمس والربيع.
[48] - فى الترجمة البيروتية "حيوانات" وكلمة حيوان "تعني كائن حي" لكن خشية أن يظن البعض أنها حيوانات عجماوات استحسنت ترجمتها "مخلوقات حية" خاصة أن جميع الآباء مثل إيريانوس وأثناسيوس وفيكتوريانوس... وفى كثير من الترجمات جاءت هكذا: “Living Creatures ".
[49] - ذكصولوجية الأربعة مخلوقات الحية (الحيوانات غير المتجسدين).
[51] - العناية الإلهية ف 3 ترجمة عايدة حنا بسطا.
[52] Irenaeus against heresies 8: 11.
[53] Of the Christian Faith, 73: 5.
[54] - للاستزادة راجع سلسلة من تفسير وتأملات الآباء الأولين: رؤيا 5.
[55] Dionysius the Areopagie: The Celestial Hierarchies, ch. 9.
[56] - راجع موقع الأنبا تكلا هيمانوت بالإسكندرية.
[57] On Renunciation of the World, (Frs. Of the Church, volume 9, p. 31).
[58] - راجع الأب الياس كويتر المخلصى: القديس باسيليوس الكبير، منشورات المكتبة البوليسية، بيروت، 1989، ص 272. ترجمة الأب سليمان أبوزيد.
[59] PL 680: 25 A.
[60] PL 697: 25 G.
[61] PL 697: 25 G.
[62] - شجرة معرفة الخير والشر وشجرة الحياة أو شجرة الصليب.
[63] - ترجمة ناهد فؤاد.
[64] - راجع دياكون أ. د. نبيل إيليا فانوس، ابيذياكون آ. د. جمال جورج أنطون: الملائكة القديسون، طبعة 2014، موقع الأنبا تكلا هيمانوت، الإبراهيمية، الإسكندرية: رئيس الملائكة سوريال.
[65] - راجع للكاتب: الشيطان ونصرتنا عليه 2005؛ هل للشيطان سلطان عليك؟ 1969 (العنوان الأصلى للمقال: "رد على القائلين بأن الشياطين تحكم شئون البشر".).
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.
- 1. خلقة العالم الروحي – كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ5 – المؤمن والطغمات السماوية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى
- 2. صُحبتنا مع الطغمات السمائية – كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ5 – المؤمن والطغمات السماوية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى
- 3. نظام الطغمات السمائية – كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ5 – المؤمن والطغمات السماوية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى
- 4. ليس للشيطان سلطان علينا؟ – كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ5 – المؤمن والطغمات السماوية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى