2. صُحبتنا مع الطغمات السمائية – كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ5 – المؤمن والطغمات السماوية – القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

2. صُحبتنا مع الطغمات السمائية

1 - هل يتوقَّف السمائيون عن التسبيح ليُصَلُّوا عنّا ويشفعوا فينا؟

يدور هذا التساؤل في ذهن الإنسان الذي يتخيَّل السمائيين كائنات جسدانية، فيظن أن تسبيح السمائيين لله صادر عن أفواه وحناجر وألسنة مادية. فإن كان التسبيح في جوهره هو حُبَ صادر من أعماق المخلوق، فهو لا يتوقَّف أبداً. فالوالدان المُحِبّان لابنهما المريض لن يشغلهما أي عمل عن حُبّهما له، لهذا نتساءل:

  • هل توقَّف جبرائيل الملاك عن التسبيح لله وهو يُبَشِّر القديسة مريم بالتجسد الإلهي، وقد دخل معها في حوارٍ بديع (لو 1: 8 - 19)؟
  • هل يتوقَّف السمائيون عن التسبيح وهم يُقَدِّمون بخوراً لله الذي هو صلوات القديسين (رؤ 5: 8
  • هل توقَّف رئيس الملائكة ميخائيل عن التسبيح أثناء صراعه مع الشيطان ليُخفي جسد موسى (يه 9، 1)؟
  • هل توقَّف الملاك عن التسبيح لله عندما قتل 185 ألفاً من الأشوريين (2مل 16: 35)؟
  • هل توقَّف الملاك عن التسبيح وهو يوقظ بطرس وينقذه من السجن (أع 10 - 12: 5)؟
  • هل توقف عن التسبيح الملاك الذي سدّ أفواه الأسود (دا 6: 20 - 23)، والملاك الذي حثّ كرنيليوس الأممي أن يستدعي بطرس الرسول (أع 11، 10)، والملاك الذي أمدَّ هاجر وابنها بالماء (تك 21: 17 - 19) الخ.

2 - لماذا نحتفل بأعياد السمائيين؟

  1. يفتح السمائيون لنا مجالاً للاقتداء بهم في طاعتهم لله، وحُبِّهم للغير، وممارسة لتسبيح والشكر لله. إنهم يٌسَبِّحون الله ويشكرونه أيضاً من أجل عمله معنا. قيل في سفر الرؤيا (الأصحاح الخامس) أن الأربعة والعشرين قسيساً غير المتجسدين يترنمون وهم ساجدون أمام الحمل، بل "ولهم كل واحد قيثارات وجامات من ذهب مملوءة بخوراً هي صلوات القديسين. وهم يترنمون ترنيمة جديدة، قائلين: مستحق أنت أن تأخذ السفر، وتفتح ختومه، لأنك ذبحت واشتريتنا لله بدمك، من كل قبيلة ولسان وشعب وأمة. وجعلتنا ملوكاً وكهنة، فسنملك على الأرض" (رؤ 5: 8 - 10).
  2. نعود إلى القسوس لنراهم يُسَبِّحون للرب على ألسنتنا لأنهم ككهنة الله العلي، يصلون عنا، ويُقَدِّمون صلواتنا أمام العرش الإلهي.
  1. من يتذوَّق الحياة مع المسيح يدرك أنه "لا أنانيّة في السماء"، فالقسوس غير المتجسدين بحُبِّهم لنا لا يُمَيِّزون بين أنفسهم وبيننا، فينطقون بالتسبيح عنا بلساننا ويفرحون لفرحنا، ويشعرون أننا إخوتهم وشركاؤهم في الحياة السماوية. وهكذا وحَّد الحمل بين السماء والأرض، فصارتا واحداً.
  1. تحثّنا أعياد السمائيين على التعرُّف على أمجادنا الداخلية. يقول السيد: "ها ملكوت الله داخلكم" (لو 17: 21).

ﮪ. ما يشغل كلمة الله في العهدين، لا أن ننشغل بأبحاث نظرية. بل نسترد اللؤلؤة المفقودة، ألا وهي صورة الله ومثاله لكي نتأهَّل للاستقرار الأبدي في الأحضان الإلهية، والشركة العملية في خورُس السمائيين، فنُحسَب كطغمة سماوية لها تقديرها عند محب البشر وعند السمائيين.

  1. لم يفرد لنا الكتاب المقدس بكل أسفاره في العهدين عرضاً للطغمات السماوية ودرجاتهم وطبيعتهم. إذ لا يدعونا خالقنا ومُخَلِّصنا لحب الاستطلاع الجاف، إنما يكشف لنا عن الأسرار السماوية قدر احتياجنا وبنياننا وحسب الظروف والمناسبات التي نعيش فيها.

3 - ما هي سمات الكائنات السماوية؟

الكائن السماوي جوهر عقلاني، دائم الحركة، لا جسد له، يخدم الله ويتمتَّع بنعمة الخلود. أما نوع جوهره وتحديده فلا يعرفهما إلا الخالق وحده. غير أن الكتاب المقدس يقول عنهم بوجه عام: "الصانع ملائكته أرواحاً، وخدامه لهيب نار" (عب 1: 7؛ مز 104: 4).

يتحرَّكون في كل المسكونة بسهولة دون عوائق تمنعهم مثل الحيطان والأبواب المغلقة والمختومة. لا تحدّهم أماكن مادية لكنهم محدودون؛ إذا أرسلهم الله إلى الأرض في مهمةٍ ما لا يكونون في السماء. لكن الأسوار والأبواب والأقفال والأختام لا تحدّهم، لأنهم لا يُحصَرون.

يقول القديس باسيليوس الكبير أنهم لا يتغيَّرون في أجسامهم مثل البشر عندما يشيخون، لأنهم لا يأكلون طعاماً مادياً ولا يشربون. ليس بينهم طفل وشاب وشيخ، إنما هم باقون كما هم منذ خلقتهم.

يقول لوقا الإنجيلي: "لا يُزوِجون ويُزَوَجون، إذ لا يستطيعون أن يموتوا أيضاً، لأنهم مثل الملائكة وهم أبناء الله إذ هم أبناء القيامة" (لو 20: 35 - 36). ويرى الأب يوحنا الدمشقي أن الملائكة خالدون ليس بالطبيعة، وإنما بالنعمة مثل نفوس البشر. ويرى القديس كيرلس الكبير أن الملائكة يجهلون أفكار البشر [الله وحده فقط الذي يعرف أسرار قلوب الناس[19].].

يعتقد بعض الآباء أن الملائكة لهم أجساد هوائية رقيقة وخالدة، متى قورنت بنا نحن البشر. ومتى قورنت بالله "الروح" يُحسَبون أجساداً روحانية. قّرَّر مجمع نيقية Nicea عام 784 أن للملائكة أجساد أثيرية أو نورانية[20]. يعتمد القائلون على وجود أجسام روحية للملائكة على الآتي:

أ. ستتحوَّل أجسام البشر إلى أجسام روحانية في القيامة (1كو 15: 44). مما يؤكد إمكانية وجود أنواع من الأجسام الروحانية.

ب. خضوع الملائكة للمكان والزمان، كما أن قدرتهم وسلطانهم ومعرفتهم وقداستهم محدودة. فقد خلق الله الكائنات السماوية تتمتَّع بإمكانيات سماوية جبَّارة، من جهة إمكانية الطاعة لله وتتميم إرادته المقدسة مع سرعة الحركة بطريقة فائقة. ولما كان الملائكة أجساماً روحانية لذلك فإن حركتهم سريعة للغاية في السماء وعلى الأرض. هذا لا يعني أن كيانهم غير محدود، ولا أن كل واحدٍ منهم يوجد في كل موضعٍ، إنما ينتقلون بسرعة من موضع إلى آخر (دا 9: 21 - 23).

يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [حسناً، لقد أُرسِل الابن لكنه ليس بكونه عبداً ولا خادماً، إنما هو الابن الوحيد الذي له ذات مشيئة الآب. لم يُرسَل بكونه أخذ جسداً، أما الملائكة فيُغَيِّرون موضعهم، يتركون المواضع التي كانوا فيها ليُرسَلوا إلى مواضع أخرى لم يكونوا فيها.] يقول دانيال النبي: "هوذا ميخائيل واحد من الرؤساء الأولين جاء لإعانتي" (دا 10: 13).

ج. الملائكة ككائنات روحية وُهِب لها الإرادة الحُرَّة، لها سلطان وحرية إرادة إما أن تتقدَّم في الصلاح والفضيلة أو تنحرف نحو الشرّ [21]. ويرى القديس باسيليوس الكبير أنه يمكن للملائكة أن تنحرف، لأنها ليست مقدسة بالطبيعة، فالقداسة من خارج طبيعتهم، ينالونها بحرصهم وعملهم الجاد. يرجع كمالهم إلى عمل الروح القدس وحُسْن استخدامهم لإرادتهم الحُرَّة.

يقول القديس باسيليوس في رسالته إلى أمفيليكوس إن للقوات السمائية حرية الإرادة ويمكن أن يميلوا إلى الخير أو إلى الشر، لذا فهم في حاجةٍ إلى مساعدة الروح القدس. كما يقول في مقاله الثالث ضد أفنوميوس إن كل الطغمات السماوية لهم القداسة من جهادهم وتأملهم المستمر في الله، وليسوا قديسين بطبيعتهم الذاتية، وإنهم إذ يتوقون إلى الصلاح، ينالون القداسة حسب درجة محبتهم الخالصة لله. وفي مقاله عن الثالوث يقول إن هؤلاء العلويين يستمدون القداسة من الروح القدس حسب درجة كل رتبةٍ. بهذا يظهر أنهم ليسوا صالحين بالطبيعة، بل بالحرية التي تجتذبهم إلى الصلاح والنعمة.

ما يحفظ الملائكة الآن من السقوط هو ان تأملهم في الله ينمو ويتزايد، والأمر الثاني إدراكهم للتجربة التي حلَّت بالطغمات الملائكية الساقطة بسبب كبريائهم، هذا مع مقاومتهم المستمرة للملائكة الأشرار يزيدهم شوقاً للصلاح وللتذكية أمام الله.

د. الملائكة لا تعرف الأحداث المستقبلية وما يدور في قلوب البشر. يقول القديس كيرلس الكبير إن الملائكة يعرفون أن الله وحده الذي يعرف أسرار قلوب البشر[22].

4 - هل للملاك شكل؟

يقول القديس مقاريوس الكبير: [للنفس صورة وشكل كما أن للملاك صورة وشكل... وكما أن للإنسان الخارجي صورته الخاصة، هكذا للإنسان الداخلي صورة مثل الملاك، وله شكل يُقابِل الشكل الخارجي[23].].

5 - هل هي كائنات عاقلة لها كيانها المستقل بها وإن كان ليس لها جسد مادي؟

إنها ليست طاقات مُجرَّدة، بل لكل ملاك شخصيته المستقلة، وكيانه المستقل عن بقية الطغمة، كما أن له إرادته الحُرَّة ليأخذ قراره الشخصي الذى يُمَيِّزه عن غيره من الكائنات السماوية.

يتوفر لكل ملاكٍ عناصر خاصة، وهي:

أ. الملاك كائن عاقل، وبسبب عدم لبسه جسداً كثيفاً يتمتَّع بمعرفة فائقة وفهم يفوق البشر. هذا لا يعنى أن معرفته مُطلّقة، بل هي محدودة حسب إمكانياته واستحقاقه كعطية من قِبَل الله له.

ب. يمكنه الاتصال بكائنات عاقلة، كما تحدَّث الملاك مع المرأتين عند قبر السيد المسيح (مت 28: 5).

ج. له دوافع الحب والفرح. هتفت الملائكة بفرحٍ عظيمٍ للخالق (أي 38: 7). ويسجد السيرافيم بخوف ورعدة يُسَبِّحون الله (إش 6: 3). إنهم يفرحون بـالخاطئ التائب (لو 15: 10).

د. له حرية الإرادة وله حق تقرير مصيره، أي الاختيار بين الطاعة لله أو العصيان. قيل إن لوسيفر الذي كان من أعظم الرتب الملائكية وسقط معتد برأيه وإرادته (إش 14: 11 - 15).

ﮪ. كائنات نورانية: الملائكة الصالحون هم ملائكة النور في مقابل قوات الظلمة (2كو 11: 14؛ أف 6: 12). عندما ظهر ملاك لبطرس في السجن أضاء نور في الزنزانة (أع 12: 7).

و. يعملون بروحٍ جماعي: قيل: "وكان ذات يوم أنه جاء بنو الله ليَمْثلوا أمام الرب" (أي 1: 6؛ 2: 1). واستقبل السمائيون خلقة العالم بهتاف جماعي، إذ يقول الرب: "أين كنت حين أسست الأرض؟ أخبر... عندما ترنمت كواكب الصبح معاً، هتف جميع بني الله؟" (أي 38: 4، 7).

ز. ليس بين الملائكة جنس، لكنهم عادة إذا ما ظهروا للبشر يحملون شكل البشر (تك 18: 2، 22؛ 19: 1؛ دا 10: 18)، بجمال فائق، ولا تُعرف في البداية إنها ملائكة (تك 18: 2؛ 19: 5).

ح. عدم الفناء: للملاك بداية مثل النفس البشرية، ولا يخضع للموت بمعنى الفناء (لو 20: 36).

6 - لماذا خلق الله الملائكة؟

يقول القديس غريغوريوس الثيؤلوغوس في مقاله عن الميلاد، إن الله خلق الملائكة من أجل صلاحه؛ يسكب صلاحه عليهم، ويتمتعون بالتفكير فيه، فيعملون (يخدمونه بالروح) متمتعين بذلك[24].

لقد أوضح الكتاب المقدس موقف كل من الملائكة الأبرار والأشرار من خلقة البشر حيث سبَّح وتهلل الملائكة الأبرار بينما حسدهم الأشرار وعلى رأسهم إبليس.

7 - لماذا خُلِقَّت الملائكة قبل البشر؟

إن خلق الملائكة قبل الإنسان زَكَّاهم، إذ أعلنوا محبتهم وفرحهم بخلقة العالم الجميل لبني البشر. لم يكونوا في حاجة إلى النباتات والحيوانات والطيور والأسماك الخ، لأن ليس لهم جسد يحتاج إلى هذا كله، إنما ترنَّموا لعمل الله من أجل إخوتهم الذين يُخلَقون على الأرض (أي 38: 8). خلقة الإنسان كشفت عن سمو السمائيين وحُبِّهم للخليقة العاقلة على الأرض.

وفى نفس الوقت خلقة الإنسان ملأت كأس إبليس وملائكته الأشرار. وكما يقول سليمان الحكيم: "بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم" (حك 2: 24). يقول القديس يوحنا الذهبي الفم: [ماذا يعني بالقول: "بحسد إبليس دخل الموت إلى العالم"؟ هذا الوحش الشرير رأى أن الإنسان الأول قد خُلِق خالداً، فِسمَتِّه الشريرة قادته إلى عصيان الوصية، وبها جلب لنفسه الموت. إذن الحسد سبَّب خداعاً، والخداع عصياناً، والعصيان موتاً[25].].

8 - هل يستطيع الإنسان أن يرى الملائكة؟

لا يستطيع الإنسان أن يرى الملائكة بعينيه الجسديتين، لكن يمكنه رؤيتهم بسماحٍ إلهي، كما حدث مع جيحزي تلميذ إليشع الذي رأى جيشاً ملائكياً يحيط بهما ويدافع عنهما (2مل 6: 17). من أجل نفعنا يسمح الله حتى للحيوانات أن ترى الملائكة كما حدث مع أتان بلعام (عدد22: 26 - 31).].

9 - ما هو غذاء الملائكة؟

يرى سليمان الحكيم أن شعب إسرائيل قد تمتَّع بخبز الملائكة في رحلتهم في البرية. ولعله لا يقصد المن في ذاته، فإن الملائكة لا يحتاجون إلى غذاء مادي كالمن، لكن الله في حُبِّه لشعبه أعطى لمؤمنيه المطيعين له شبعاً داخلياً وعذوبة، فيجد كل واحدٍ ما يشتهيه. جاء في سفر الحكمة: "ناولتهم طعام ملائكة، وقدَّمت لهم من السماء خبزاً مُعَداً لم يتعبوا فيه، خبزاً يوفر كل لذةٍ، ويُلائِم كل ذوقٍ" (حك 16: 19، 20). كان الشعب طوال رحلة خروجه لا تخدمه الملائكة فحسب، بل ويقتات بغذائهم. أعطى الله شعبه خبزاً من السماء، مُعداً بغير جهدٍ، فيه كل ما هو شهي وحُلو المذاق (خر 16).

يُطالِب العلامة أوريجينوس بممارسة الخروج والقيام برحلة روحية عَبْر برية هذه الحياة، حتى نحصل على خبز الملائكة. إنه يقول: [لا تضطربوا من قفر البرية، فإنكم لن تحصلوا على المنّ من السماء وتتغذّون على خبز الملائكة إلا وأنتم مقيمون في خيامها[26].].

تتغذَّى الملائكة بطعام روحي هو اللقاء الحي مع الله الذي يهب النفس أو الروح حياةً وشبعاً. يقول الأب يوحنا الدمشقي: [طعام الملائكة هو رؤية الله على قدر استطاعتهم، بهذا يقوم طعامهم. إنهم يتفوَّقون علينا بصفتهم خالين من الجسد ومن كل انفعالٍ جسماني. لكنهم ليسوا بدون انفعال البتة، لأن الله وحده لا ينفعل.] يرى اليهود أن الملائكة يقتاتون على أشعة جلال الله، ففي نور ملامح الملك توجد حياة "(أم 16: 15) [27]. ويقولون إنه لكي يصير موسى مثل الملائكة يلزمه ان يُستهلك كل الطعام والشراب الذي في أحشائه[28].

10 - هل تخضع الملائكة للدينونة؟

الطغمات السمائية كخليقة تخضع للدينونة، فقد سقط كوكب من أعظم الطغمات السمائية (إش 14: 12)، وسحب معه كثيرين من الطغمات الأخرى. سقط إبليس وملائكته في التشامخ، وصاروا تحت الدينونة، حيث أُعِدَّت لهم جهنم الأبدية.

يمكننا القول إن جميع الطغمات تقف أمام الله لتُقَدِّم حساباً، غير أنهم الآن وقد رفضوا الخضوع لإبليس، بل أخذوا موقف المقاومة لحساب ملكوت الله لا يمكن سقوطهم، ليس لأن طبيعتهم غير قابلة للسقوط، ولكن لأنهم قد نجحوا في امتحان التواضع، ولا زالوا يسلكون بروح التواضع بفرحٍ عظيمٍ.

يمكن القول إنه صار موقفهم كموقف القديسين بعد رحيلهم من هذا العالم مع الفارق أن الإنسان كان له ضعفاته بسبب الجسد الهيولي الثقيل وقد تقدَّس خلال الدم الثمين بعمل الروح القدس الناري.

لقد دين رئيس هذا العالم، إبليس (يو 16: 11)؛ وفي يوم الرب العظيم يقول السيد "للذين على اليسار: اذهبوا عني يا ملاعين إلى النار الأبدية المُعدَّة لإبليس وملائكته" (مت 25: 41).

11 - هل للملائكة دورهم في العمل الكنسي؟

يرى العلامة أوريجينوس أن ملاكاً يتقبَّل من ينال العماد بفرحٍ من أجل ما يناله المُعَمَّد من بركات إلهية فائقة. ولا يقف الأمر عند الحضور والفرح، إذ يقول: [في الوقت الذي نلت فيه سرّ الإيمان، كان من حولك قوات سمائية تستقبلك، خدمة كهنوتية للملائكة كنيسة أبكار (عب 12: 23). إذا علمنا أن كلمة "إسرائيل" تعني "رؤية الرب بالذهن"، فسنرى أن هذا الاسم يصير أكثر تطابقاً إذا استخدم بالنسبة للملائكة الذين يخدموننا. فكما قال الرب عن الأطفال – وقد كنت أنت طفلاً عند عمادك – "إن ملائكتهم في السماوات كل حين ينظرون وجه أبي الذي في السماوات" (مت 18: 10)... هكذا كان بنو "إسرائيل" ينظرون وجه الرب ويتواجدون ويعطون لك أسرار الإيمان [29].] كما يقول: [قبل الاهتداء كان الإنسان عبداً للشيطان، أما بعد الاهتداء فيحظى برعاية ملاك خاص ليُحِثّه على العمل الصالح، ويحميه من الملائكة الأشرار. بالإشارة إلى الكلمات "عندما صرت من خلال الجُرْن طفلاً في المسيح"، يمكن القول إنه لا يوجد ملاك مقدس مع من هم بعد في الرذيلة. ففي فترة جحودهم يصيرون تحت قيادة ملائكة إبليس. أما بعد تجديدهم، فيعهد بهم من فداهم بدمه إلى ملاك مقدس هو أيضاً وبسبب طهارته يعاين وجه الله[30].].

يقول العلامة أوريجينوس إن الملائكة يترددون بين الإنسان والسماء. [فنحن نُسلّم فعلاً أنهم يصعدون حاملين صلوات الناس، ثم يعودون نازلين ومعهم لكل واحدٍ ما يرغب فيه من أمورٍ صالحةٍ، عيَّنهم الرب لتقديمها إلى من يحبونه[31].].

12 - لماذا يُسر الملائكة باجتماع المؤمنين معاً؟

يقول العلامة أوريجينوس: [كما يتواجد الملائكة عند العماد، يتواجدون أيضاً في كل اجتماع مسيحي. "ملاك الرب حال حول خائفيه، ويخلصهم" (مز 34: 7). معنى هذا، أنه إذا اجتمع عدد من الناس لمجد المسيح، فسيكون مع كل واحدٍ منهم ملاكه (الحال حوله)، إذ كلهم من خائفي الرب. سيكون كل ملاك في صحبة من خُصِّص له لحراسته وإرشاده، أي أنه عندما يجتمع القديسون، توجد كنيستان، واحدة من الناس والأخرى من الملائكة[32].].

كما يقول: [ليس عندي شك، في أنه توجد ملائكة في وسط اجتماعنا أيضاً. ليس فقط في الكنيسة ككل، بل وفي كل كنيسة منفردة، في كل كنيسة تضم من قيل عنهم إن "ملائكتهم تنظر وجه الآب الذي في السماوات" (مت 18: 10). فعندنا هنا إذاً كنيسة مزدوجة، إحداها من الناس، والأخرى من الملائكة. إن كان ما نقوله متمشياً مع المنطق، ومع روح الأسفار المقدسة، فالملائكة تفرح وتُصلِّى معنا. وحيث أن الملائكة متواجدون في الكنيسة، أي في الكنيسة التي تستحق وجودهم، فمن واجب النساء المصليات أن يكون لهن ما يُغطي رؤوسهن من أجل الملائكة (1كو 11: 10).].

يقول القديس أنبا أنطونيوس عن الحراسة السماوية: [عندما تغلق باب مسكنك وتبقى بمفردك، اعلم أن معك ملاكاً، مُعَيَّناً من قبل الله لكل إنسانٍ، وهو الذي يُلَقَّبه اليونانيون "روح البيت". إنه لا ينام، ويرى كل شيء بمرافقته الدائمة لك، ولا ينخدع، ولا يختفي عنه شيء في الظلام. واعلم أن الله بجوارك حال في كل مكانٍ، فإنه لا يوجد مكان أو حيِّز ليس الله موجوداً فيه. إنه أعظم من الكل وممسِك بيده الجميع[33].].


[19] To John, book 2, Ch. 3: 1 PG 224: 73.

[20] - لم تشترك فيه كنيسة الإسكندرية.

[21] Fr. John Damascus: Exposition about Angels 17: 2 PG 868: 94.

[22] To John, book 1: 2, PG 2244: 73.

[23] عظة 7: 7.

[24] - ابن العبري ركن 5، باب 3، فصل 1، مقصد 2.

[25] Homilies on Genesis, homily 15: 46.

[26] In Num. hom. 3: 17.

[27] Prov. 15: 16; Pesik 57: 6a.

[28] Targ. Yer. Gen. 8: 18, and in the Midrash.

[29] In Jos. hom. 4: 9.

[30] Comm. on Matt. 28: 13 (ANF).

[31] Ibid. 5,4. See also Hom. in Num. , 11,5; Hom. In Lev. , 9,8. Hilary has this testimony to give; "There is positive grounds to the teaching (auctoritas absoluta) that the angels preside over the prayers of the faithful. They offer to God every day the prayers of those who have been saved" (Comm. in Matt. , 18,5). See also Tract. Ps. 129.

[32] On Prayer 4: 31.

[33] - الفيلوكاليا: القديس أنبا أنطونيوس 170 نصاً عن حياة القداسة، 62.

فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

3. نظام الطغمات السمائية - كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ5 – المؤمن والطغمات السماوية - القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

1. خلقة العالم الروحي - كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – جـ5 – المؤمن والطغمات السماوية - القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى

كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى
كاتيكيزم الكنيسة القبطية الأرثوذكسية - القمص تادرس يعقوب و الشماس بيشوي بشرى