سر التوبة والاعتراف – الشريط الثامن – تبسيط الإيمان – الأنبا بيشوي مطران دمياط و البراري

الرئيسية » كتب » طقوس الكنيسة القبطية - اللاهوت الطقسي » أسرار الكنيسة السبعة » سر التوبة والإعتراف » سر التوبة والاعتراف – الشريط الثامن – تبسيط الإيمان – الأنبا بيشوي مطران دمياط و البراري
رابط التحميل حجم الملف
إضغط هنا لتحميل الكتاب 1MB
الرئيسية » كتب » طقوس الكنيسة القبطية - اللاهوت الطقسي » أسرار الكنيسة السبعة » سر التوبة والإعتراف » سر التوبة والاعتراف – الشريط الثامن – تبسيط الإيمان – الأنبا بيشوي مطران دمياط و البراري

كارت التعريف بالكتاب

تحميل الكتاب

إنتبه: إضغط على زرار التحميل وانتظر ثوان ليبدأ التحميل.
الملفات الكبيرة تحتاج وقت طويل للتحميل.
رابط التحميل حجم الملف
إضغط هنا لتحميل الكتاب
1MB

مقدمة

قامت لجنة الرعاية والخدمة للمجمع المقدس تحت رعاية صاحب القداسة البابا شنودة الثالث وبإشراف نيافة الأنبا باخوميوس مطران كرسى البحيرة وتوابعها بعقد لقاءات خاصة بتثبيت الإيمان. وطلبت أن يتم إصدار شرائط كاسيت تبسيط الإيمان لعامة الشعب وقد صدر منها أربعة عشر جزءًا حتى الآن وهى:-

1- الشريط الأول: الثالوث والتجسد والفداء (60 دقيقة).

2- الشريط الثانى: تحقيق النبوات (60 دقيقة).

3- الشريط الثالث: مكانة الكتاب المقدس واستحالة تحريفه      (90 دقيقة).

4- الشريط الرابع: سر المعمودية (60 دقيقة).

5- الشريط الخامس: الرد على الأدفنتست السبتيين (60 دقيقة).

6- الشريط السادس: الرد على بدعة شهود يهوه (90 دقيقة).

7- الشريط السابع: سر التناول المقدس (70 دقيقة).

8- الشريط الثامن: سر التوبة والاعتراف (92 دقيقة).

9- الشريط التاسع: الرد على هجوم الأدفنتست على السيد المسيح (90 دقيقة).

10-الشريط العاشر: المجيء الثانى للرب من منظور روحى       (55 دقيقة).

11-الشريط الحادى عشر: العلامات التى تسبق المجيء الثانى للرب (80 دقيقة).

12- الشريط الثانى عشر: الجزء الأول من ظهورات ابن الله الوحيد فى العهد القديم (78 دقيقة).

13- الشريط الثالث عشر: الجزء الثانى من ظهورات ابن الله الوحيد فى العهد القديم (75 دقيقة).

14- الشريط الرابع عشر: الجزء الثالث من ظهورات ابن الله الوحيد فى العهد القديم (55 دقيقة).

قد صُدرت مجموعة من شرائط الفيديو وأقراص الـ CD لبعض من هذه الأجزاء كالآتى:

شريط فيديو مدته 160 دقيقة لموضوع الكاسيت الأول عن “الثالوث والتجسد والفداء”؛ وتم إصدار الفيديو والكاسيت معاً على CD فى فبراير 2003م.

شريط فيديو مدته 125 دقيقة تم تصويره فى أكتوبر 2004م لموضوع الكاسيت الثالث عن “مكانة الكتاب المقدس واستحالة تحريفه”، وتم طبع شريط الفيديو هذا على قرصان CD يعملان على جهاز video CD.

شريط فيديو مدته 125 دقيقة، صدر فى مارس 2004م يجمع موضوعي شريطي الكاسيت العاشر والحادى عشر معاً عن “المجيء الثانى للرب من منظور روحى”، و”العلامات التى تسبق المجيء الثانى للرب”. وقد صُدر هذان الموضوعان على قرصان CD  يعملان على جهاز video CD.

ثلاثة شرائط فيديو صدروا فى يونيو 2005م، مدة الشريط الأول: 78 دقيقة، والشريط الثانى: 75 دقيقة، والشريط الثالث: 55 دقيقة) وهم يجمعوا معاً سلسلة موضوع “ظهورات ابن الله الوحيد فى العهد القديم” الذى هو نفس موضوع شرائط الكاسيت الثانى عشر والثالث عشر والرابع عشر على التتابع. وصُدر أيضاً ثلاثة أقراص CD  لنفس مواضيع هذه الثلاثة شرائط الكاسيت؛ يعملون على جهاز video CD.

وقد صدر قرص MP3 CD واحد يعمل على أجهزة (MP3 وDVD  ) يجمع الـ 14 جزء معاً من شرائط كاسيت تبسيط الإيمان.

وقد رأينا أن نقوم بطبع كتيبات تحوى ما ورد فى هذه الشرائط لمحبى القراءة. والكتيّب الحالى يخص الشريط الثامن وهو “سر التوبة والاعتراف”.

وبصلوات صاحب القداسة البابا شنودة الثالث معلّم هذا الجيل نطلب من الرب أن تُستخدم هذه الشرائط والكتيبات لمجد اسمه القدوس.

سر التوبة والاعتراف هو أحد أسرار الكنيسة السبعة، له جذوره فى العهد القديم ولكنه أصبح فى العهد الجديد من أعمال الآباء الرسل، وخلفائهم. فهو لا يخص كهنة العهد القديم فقط، بل ويمارسه كهنة العهد الجديد أيضاً بعد أن انتقل إليهم عمل الكهنوت.

معمودية التوبة والاعتراف

إن اقتران معمودية التوبة بالاعتراف أمر واضح جداً فى الأناجيل، سواء فى خدمة القديس يوحنا المعمدان، أو فى خدمة السيد المسيح، أو فى خدمة الآباء الرسل وخلفائهم بعد صعود السيد المسيح إلى السماء.

فكما أسس السيد المسيح سر الإفخارستيا الذى هو سر التناول المقدس، فهو أيضاً الذى أسس سر الاعتراف، وهو أيضاً الذى أسس سر المعمودية، وأسس أسرار الكنيسة كلها.

يقول فى بداية إنجيل معلمنا مرقس الرسول عن يوحنا المعمدان: “كان يوحنا يعمِّد فى البرية ويكرز بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا. وخرج إليه جميع كورة اليهودية وأهل أورشليم واعتمدوا جميعهم منه فى نهر الأردن معترفين بخطاياهم” (مر1: 4، 5).. والذى قد أرسل يوحنا المعمدان أمام السيد المسيح هو الله الآب “كما هو مكتوب فى الأنبياء؛ ها أنا أُرسل أمام وجهك ملاكى الذى يهيئ طريقك قدامك. صوت صارخ فى البرية، أعدوا طريق الرب، اصنعوا سبله مستقيمة” (مر1: 2، 3) “ها أنا أُرسل أمام وجهك ملاكى” صيغة يقولها الآب للابن؛ سأرسل قدامك من يهيئ طريقك أمامك.

ونعود إلى جوهر الموضوع وهو أن معمودية التوبة لمغفرة الخطايا ليست منفصلة عن الاعتراف.. بل مقترنة به من البداية كما جاء فى (مر1: 4، 5). إنهم اعتمدوا معترفين بخطاياهم أى أنهم مارسوا التوبة والاعتراف مع المعمودية على يد يوحنا ابن زكريا الكاهن ابن الكاهن.

نفس الكلام ذكره معلمنا متى فى إنجيله مثلما ذكره معلمنا مرقس “وفى تلك الأيام جاء يوحنا المعمدان يكرز فى برية اليهودية، قائلاً توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات.. واعتمدوا منه فى الأردن معترفين بخطاياهم” (مت 3: 1-6).

الاعتراف فى خدمة الآباء الرسل

نفس الوضع فى خدمة الآباء الرسل، فقد كان يأتى إليهم الكثير من الرجال والنساء الذين آمنوا بالسيد المسيح  ليعتمدوا منهم سواء فى يوم الخمسين أو بعد ذلك.. وذُكر هذا فى سفر الأعمال. ولكن عندما كانوا يأتون للآباء الرسل لكى يعتمدوا، ليس فقط لمجرد أنهم آمنوا بالسيد المسيح، بل مكتوب فى (أع19: 18) “وكان كثيرون من الذين آمنوا يأتون مقرِّين ومخبرين بأفعالهم”.. يقرّون ويعترفون بخطاياهم.

كان يوحنا المعمدان يكرز  بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا، يقول الكتاب: “اعتمدوا جميعهم منه فى نهر الأردن معترفين بخطاياهم” (مر1: 5).. فكان الاعتراف فى بداية خدمة يوحنا المعمدان، تمهيداً لظهور المخلص، ومناداته هو أيضاً بالتوبة “قائلاً توبوا لأنه قد اقترب ملكوت السماوات” (مت3: 2) هذا ما حدث أيضاً فى خدمة الآباء الرسل بعد إتمام الفداء؛ إنهم كانوا يدعون الناس إلى التوبة والاعتراف وقبول المصالحة مع الله فى المسيح.

اعترفوا بعضكم لبعض بالزلات

وفى رسالة يعقوب الرسول عندما قال “أمريض أحد بينكم فليدع قسوس الكنيسة فيصلّوا عليه ويدهنوه بزيت باسم الرب. وصلاة الإيمان تشفى المريض، والرب يقيمه. وإن كان قد فعل خطية تغفر له” (يع5: 14، 15) ولئلا يظن البعض أنه بدهن المريض بالزيت والصلاة من أجله، تغفر له خطاياه؛ أكمل مباشرةً وقال “اعترفوا بعضكم لبعض بالزلات، وصلوا بعضكم لأجل بعض لكى تشفوا، طِلبة البار تقتدر كثيراً فى فعلها” (يع5: 16). فعندما قال: إن كان قد فعل خطية تُغفر له، استدرك سريعاً وقال “اعترفوا” أى لا تُغفر لهذا المريض الخطية إلاّ إذا اعترف.

ولئلا يظن أحد أنه يكفى أن يعترف فى سرّه، قال “اعترفوا بعضكم لبعض”.. يفسّر البروتستانت هذه الآية بقولهم إنه من الممكن أن يعترف الإنسان لأى شخص من الإخوة!.. لا، لم يقل الرسول هذا، بل قال “أمريض أحد بينكم فليدع قسوس الكنيسة” (يع5: 14)..

فليدع قسوس الكنيسة

لقد ترجم البروتستانت كلمة presbu,teroj (برسفيتيروس) فى الترجمة البيروتية العربية للكتاب المقدس (ترجمة فاندايك) بكلمة “شيوخ” فى رسالة يعقوب الرسول (يع5: 14).. وهم أنفسهم ترجموا هذه الكلمة مرة أخرى فى نفس الطبعة فى سفر أعمال الرسل بكلمة “قسوس” قالوا عن بولس الرسول “ومن ميليتس أرسل إلى أفسس واستدعى قسوس الكنيسة” (أع20: 17). طبعاً هذا الاختلاف عندهم فى ترجمة نفس الكلمة هو بسبب أهداف لديهم ليس مجال لتوضيحها الآن. ولكن من الواضح أن كلمة شيوخ الكنيسة تعنى قسوس الكنيسة.

عندما يقول “صلوا بعضكم لأجل بعض لكى تُشفوا”(يع5: 16) فهل المريض الذى سيصلى لأجل القسوس؟! أم القسوس هم الذين يصلون لأجل المريض؟ النص الكتابى يقول “أمريض أحد بينكم فليدع قسوس الكنيسة فيصلوا عليه” (يع5: 14). إذن عبارة “صلوا بعضكم لأجل بعض لكى تُشفوا” أى أن القسوس يصلون على المريض، وليس المريض الذى يصلى على القسوس..

فعبارة “بعضكم لبعض” لا تعنى التبادل بين الطرفين، بل تعنى البعض الذين هم القسوس، والبعض الآخر هو المريض.. وبالمثل فعبارة “اعترفوا بعضكم لبعض بالزلات” (يع5: 16) لا تعنى أن القسوس يعترفون للمريض، بل المريض هو الذى يعترف للقسوس لأنه يقول “وصلاة الإيمان تشفى المريض والرب يقيمه وإن كان قد فعل خطية تغفر له” (يع5: 15) فالمقصود بغفران الخطايا هنا هو المريض .. من هذه الفقرة يُستنتج ما يُسمى “اعتراف للآخر”..

هل يكفى الاعتراف لله فقط؟!

يقول البروتستانت لماذا لا يعترف الشخص فى سرّه أو فى صلاته فقط بينه وبين ربنا؟ وللرد على ذلك لدينا نصّين: الأوّل فى سفر أعمال الرسل “كان كثيرون من الذين آمنوا يأتون مقرّين ومخبرين بأفعالهم” (أع19: 18)، والنص الثانى فى رسالة يعقوب الرسول “اعترفوا بعضكم لبعض بالزلات” (يع5: 16) وشرحناه بأن “بعضكم” هو المريض و”لبعض” هم قسوس الكنيسة.

ولذلك يقول يوحنا الرسول فى رسالته الأولى “إن اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل حتى يغفر لنا خطايانا ويطهّرنا من كل إثم” (1يو1: 9) فكلمة “إن اعترفنا بخطايانا” ليس المقصود بالاعتراف هنا مجرد أن يعترف الإنسان بينه وبين نفسه لأنه لم ترِد إطلاقاً فى الكتاب المقدس آية واحدة تقول بأن يعترف الإنسان فى سره، بينما وردت عدة آيات تدل على أن الاعتراف يتم  أمام الكاهن.. وهكذا كان الإنسان فى العهد القديم أيضاً يعترف بخطاياه. بل الجماعة أيضاً أحياناً كانت تعترف بخطيّتها إن كانت خطيّة جماعية.

لقد وردت نصيحة فى سفر الأمثال: “من يكتم خطاياه لا ينجح، ومن يُقِر بها ويتركها يُرحم” (أم28: 13) فلم يذكر هنا أنه يعترف فى سرّه، بل قال: يُقِر بها لكى لا يكتُمها، لأن الإقرار هو بالإفصاح بالكلام، أى يُمارس الاعتراف بأن يذكرها ويعترف بها “من يُقر بها ويتركها يُرحم”. إذاً لا يكفى أنه يترك الخطية، ولكن ينبغى أيضاً أن يعترف بها.

فى سفر يشوع ابن سيراخ “لا تستحى أن تعترف بخطاياك” (سيراخ4: 31) يعتبر البعض من البروتستانت أن سفر يشوع بن سيراخ من الأسفار القانونية الثانية، لكن لا يستطيع أحد منهم إنكار أن هذا السفر يحمل نوعاً من التعليم النافع.. فعند قوله “لا تستحى أن تعترف بخطاياك” يدُّل على الجو الذى كان يعيش فيه يشوع بن سيراخ عندما كَتب هذه العبارة سواء اعترف البروتستانت بها أنها أسفار قانونية أولى أو ثانية، لكن فى كل الأحوال كان هذا هو المعنى المحيط بيشوع بن سيراخ فى الحياة الدينية وقت كتابته لهذا السفر.

أما عن اعتراف الإنسان فى سرّه فقط، فإن هذا له مساوئ كثيرة. ولكن هذا لا يعنى أن لا يحاسب الإنسان نفسه؛ بالطبع لابد للإنسان أن يشعر بخطأه بينه وبين نفسه، ولابد أن يُحاسب نفسه.. يقول بولس الرسول عن الاستعداد للتناول من جسد الرب ودمه “ولكن ليمتحن الإنسان نفسه وهكذا يأكل من الخبز ويشرب من الكأس” (1كو11: 28). بل الكل ينادى بأهمية محاسبة النفس، ومراجعة النفس. فالابن الضال فى مَثل التوبة “رجع إلى نفسه” (لو15: 17).. هذا الأمر لا يرفضه أحد، بل الجميع يطلبونه..

نقطة الاختلاف بيننا وبين البروتستانت فى موضوع الاعتراف هى: بعد مراجعة النفس ومحاسبة النفس، هل ينبغى أن يتم الاعتراف أمام الأب الكاهن؟ أم يكفى أن يعترف الإنسان بينه وبين الله؟..

أحياناً يقول البروتستانت: إن كان لابد من الاعتراف، فمن الممكن الاعتراف أمام أى أخ من الإخوة. طبعاً هذا الكلام معارض لتعاليم الكتاب المقدس، كما أوضحنا ونضيف إلى ذلك ما ذُكر عن المرأة الخاطئة.

قد غُفرت خطاياها الكثيرة

يقول الكتاب عن المرأة الخاطئة إنها كانت خاطئة فى المدينة وعرفت أن يسوع فى بيت الفريسى “وإذا امرأة فى المدينة كانت خاطئة إذ علمت أنه متكئ فى بيت الفريسى جاءت بقارورة طيب. ووقفت عند قدميه من ورائه باكية وابتدأت تبل قدميه بالدموع وكانت تمسحهما بشعر رأسها وتُقبّل قدميه وتدهنهما بالطيب” (لو7: 37، 38) قال عنها السيد المسيح “قد غفرت خطاياها الكثيرة لأنها أحبت كثيراً” (لو7: 47) وقال لها “إيمانك قد خلّصك” (لو7: 50).

السيد المسيح كائن فى كل مكان بلاهوته، والبروتستانت لا يختلفون معنا فى هذا الأمر، فالسيد المسيح وقت وجوده على الأرض، كان يملأ السماوات والأرض بلاهوته. بدليل أنه قال لنيقوديموس “ليس أحد صعد إلى السماء إلاّ الذى نزل من السماء ابن الإنسان الذى هو فى السماء” (يو3: 13) أثناء كلامه مع نيقوديموس لقّب نفسه بابن الإنسان وقال له: الذى يكلّمك الآن ابن الإنسان، وهو فى السماء بلاهوته الذى هو مالئ السماء والأرض.. لو أرادت المرأة الخاطئة أن تعترف للسيد المسيح بالطريقة البروتستانتية، لكان من الممكن أن تعترف له فى غرفتها الخاصة فى بيتها بدون أن يكون السيد المسيح أمامها بالجسد، فالسيد المسيح لاهوته يملأ الوجود كلّه. وفى هذه الحالة كانت ستكتفى بأن تقول “يارب يسوع المسيح ارحمنى” وينتهى الأمر بالنسبة لها.. لكن ما حدث بالفعل أنها أتت أمام الناس الحاضرين فى وسط الاحتفال الذى صنعه الفريسى للسيد المسيح، وجلست تبكى تحت قدمىّ السيد المسيح وتمسحهما بشعر رأسها.. فهذا نوع من الاعتراف الواضح حيث إنها أرادت أن تنال المغفرة.. بل وسمعان الفريسى نفسه قال “لو كان هذا نبياً لعلِمَ من هذه المرأة التى تلمسه وما هى إنها خاطئة” (لو7: 39) امرأة كانت خاطئة فى المدينة، أى أن المدينة كلها تعلم أنها خاطئة. فعندما أتت تحت قدمى السيد فى وسط الاحتفال وبهذه الصورة أمام الناس كلها وظلت تبكى هذا البكاء، فهذا هو اعتراف واضح للسيد المسيح أمام الناس الحاضرين الذين كانوا يعرفون خطاياها.. اعتراف أنها أخطأت وندمت بدموع وانسحاق وعند القدمين.. لماذا إذاً لم تتب فى غرفتها فقط؟!

من الممكن أن يدّعى أحد أن المرأة فعلت هذا عند قدمى السيد المسيح، لكن ليس عند الأب الكاهن.. ونحن نقول له: فى زمن هذه المرأة كان السيد المسيح موجوداً على الأرض، لكن بعد صعود السيد المسيح ما العمل؟ وإلى من تعترف؟

وكلاء سرائر الله

يقول معلمنا بولس الرسول: “هكذا فليحسبنا الإنسان كخدام المسيح ووكلاء سرائر الله. ثم يُسأل فى الوكلاء لكى يوجد الإنسان أميناً” (1كو4: 1، 2).. بولس الرسول هو وكيل سِر.. ويقول نحن خدام للمسيح ولكن وكلاء للأسرار.. فالسيد المسيح صعد إلى السماء وأقام وكلاء له فى الكنيسة.. ويستطيع الوكيل أن يقوم بالعمل المكلّف به من صاحب المصلحة.

فإذا أراد أحد أن يبيع قطعة أرض مثلاً، وليس لديه الوقت أن يذهب إلى الشهر العقارى، أو أن يسافر ليتفاوض فى البيع، فيقوم بعمل توكيل لشخص ما ثم يقوم هذا الشخص الذى صار وكيلاً بإجراءات البيع ليس من ملكه الخاص ولا بقدرته الذاتية، لكن بحكم التوكيل المسجّل الممنوح له. فالتوكيل له قوة، وله مفعول..

يتكلم القديس بولس الرسول عن الأسقف أنه وكيل الله “لأنه يجب أن يكون الأسقف بلا لوم كوكيل الله” (تى1: 7)، فليس بولس الرسول، ولا بطرس الرسول، ولا الاثنى عشر، فقط هم وكلاء الله، بل الأمر استمر أيضاً من بعدهم لخلفائهم.

لم يكن بولس الرسول من الاثنى عشر، ولا من السبعين رسولاً، بل على العكس كان يضّطهد الكنيسة.. وحيث إن السيد المسيح قد دعاه، والكنيسة وضعت اليد عليه، وأخذ الرسولية، صار وكيلاً لله “وبينما هم يخدمون الرب ويصومون قال الروح القدس أفرزوا لى برنابا وشاول للعمل الذى دعوتهما إليه. فصاموا حينئذ وصلوا ووضعوا عليهما الأيادى ثم أطلقوهما. فهذان إذ أُرسلا من الروح القدس” (أع13: 2-4). أُرسلا من الروح القدس عن طريق الكنيسة التى وضعت اليد عليهما.

قال القديس بولس الرسول لتلميذه تيطس “من أجل هذا تركتك فى كريت لكى تكمل ترتيب الأمور الناقصة وتقيم فى كل مدينة قسوساً كما أوصيتك” (تى1: 5) أقام بولس الرسول تيطس أسقفاً وقال له لقد تركتك فى كريت لكى تُقيم فى كل مدينة قسوساً كما أوصيتك.. هذا هو العمل الكهنوتى الرعوى فى الكنيسة.

ولذلك يقول معلمنا بولس الرسول فى رسالته الأولى لكورنثوس “فوضع الله أناساً فى الكنيسة، أولاً رسلاً، ثانياً أنبياء، ثالثاً معلمين، ثم قوات وبعد ذلك مواهب شفاء” (1كو12: 28) وضع الله أناساً فى الكنيسة.

ويقول أيضاً “وهو أعطى البعض أن يكونوا رسلاً، والبعض أنبياء، والبعض مبشرين، والبعض رعاة ومعلمين” (أف4: 11).

يرفض البروتستانت أن يكون هناك وكيل بينهم وبين الله، ويقولون ليس هناك وسيط بين الله والناس إلا يسوع المسيح “لأنه يوجد إله واحد ووسيط واحد بين الله والناس الإنسان يسوع المسيح” (1تى2: 5). بالطبع لا أحد يقدر أن يغفر الخطية بدمه، ولا أن يتوسط بين الآب وبين البشرية من أجل مغفرة الخطايا، ويدفع ثمن هذا الغفران إلا السيد المسيح.. فمن يستطيع أن يكفّر عن خطايا الناس بذبيحة نفسه إلاّ السيد المسيح؟! ومن يُخلِّص؟ ومن يغسل بدمه؟! إلاّ السيد المسيح.. نحن جميعاً نتفق فى هذا الأمر.

السيد المسيح له وكلاء.. والوكيل ليس له نفس سلطان المسيح أن يغفر بدمه هو شخصياً، لكنه يغفر بدم المسيح الذى وكَّله. فهو مجرد وكيل لا يعطِى مما يملكه، بل يأخذ من استحقاقات السيد المسيح ويمنح للمخدومين لذلك يقول “هكذا فليحسبنا الإنسان كخدام المسيح ووكلاء سرائر الله” (1كو4: 1).

واضعاً فينا كلمة المصالحة

يقول بولس الرسول عن حمل الوكلاء لكلمة المصالحة “وأعطانا خدمة المصالحة.. واضعاً فينا كلمة المصالحة” (2كو5: 18،  19).. أعطانا أن نصالح الناس مع الله.. “نسعى كسفراء عن المسيح كأن الله يعظ بنا، نطلب عن المسيح تصالحوا مع الله”   (2كو5: 20).

ما معنى “واضعاً فينا كلمة المصالحة”؟ أى عندما نقول لأحد “الله يحاللك” لا نعطى الحِل من سلطاننا، لكن نعطيه من استحقاقات دم المسيح وبسلطان موهبة الروح القدس.. فقد وُضعت فينا هذه الكلمة، وُضعت فى الوكيل وليس فى أى شخص.

الوكيل الأمين الحكيم

عندما تكلّم السيد المسيح فى إنجيل معلمنا لوقا عن السهر والاستعداد لمجيئ العريس أى الاستعداد لليوم الأخير قال: “أنتم أيضاً تشبهون أناساً ينتظرون سيدهم متى يرجع من العرس، حتى إذا جاء وقرع يفتحون له للوقت. طوبى لأولئك العبيد الذين إذا جاء سيدهم يجدهم ساهرين. الحق أقول لكم إنه يتمنطق ويتكئهم ويقوم فيخدمهم. وإذا جاء فى الهزيع الثانى، أو جاء فى الهزيع الثالث، ووجدهم يصنعون هكذا، فطوبى لأولئك العبيد. وهذا اعلموه؛ أنه لو كان رب البيت يَعلَم فى أية ساعة يأتى السارق، لكان يسهر ولم يدع بيته ينقب. فكونوا أنتم أيضاً مستعدين فإنه فى ساعة لا تعرفونها يأتى ابن الانسان” (لو12: 36-40) يكلّم السيد المسيح كل الناس سواء تلاميذه أو المؤمنين به.

ثم سأله بطرس الرسول “يا رب ألنا تقول هذا المثل أم للجميع أيضاً” (لو12: 41) أى كان بطرس الرسول يسأله هل هذا الكلام موّجه لنا فقط –يقصد الآباء الرسل- أم موجّه لكل الشعب؟ أجابه الرب بما معناه أن الكلام السابق موجّه لهم وللشعب كله حسبما قيل “أنتم مثل أناس ينتظرون سيدهم.. طوبى لأولئك العبيد الذين إذا جاء سيدهم يجدهم ساهرين”.. لكن ما يلى سيوجّه لكم.. أى للرسل.

ثم تكلم الرب بعد ذلك مباشرةً عن الوكيل وقال “فمن هو الوكيل الأمين الحكيم الذى يقيمه سيده على عبيده ليعطيهم طعامهم فى حينه؟” (لو12: 42) إذاً هذا الوكيل أُقيم على الباقين، فهو ليس مثل الباقين، ليس بمعنى أنه أفضل منهم، بل يقصد أنها مسئولية ومن يحمل المسئولية سيدفع ثمنها. فأحياناً يهرب البعض من المسئولية من أجل خطورة المسئولية.. ومن يتعب سيأخذ أجرة تعبه. فإن وُجد الوكيل أميناً سيكافأ عن أمانته ويأخذ أجراً أكبر.. ومن يهرب من المسئولية خوفاً من حسابها أو شعوراً بضعفه أمامها، سوف لا يأخذ أجر الوكيل الأمين.. المشكلة هى إذا قَبِل الإنسان المسئولية وهو ليس أميناً، سيكون حسابه عسيراً..

فليس الأمر هو تمييزاً، بل هو قبول تحمل المسئولية بدافع الحب أى أن يكون مستعداً لخدمة الآخرين مثلما قال الرب لبطرس “يا سمعان بن يونا أتحبنى؟ قال له نعم يا رب أنت تعلم أنى أحبك. قال له ارع غنمى” (يو21: 16).. لذلك يقول “فوضع الله أناساً فى الكنيسة، أولاً رسلاً، ثانياً أنبياء..” (1كو12: 28).

فلابد أن يكون عمل الرعاية بدافع الحب، لكن يحمل معه تحذيراً “فمن هو الوكيل الأمين الحكيم؟” ليس أميناً فقط، بل حكيماً أيضاً “طوبى لذلك العبد الذى إذا جاء سيده يجده يفعل هكذا. حقاً أقول لكم إنه يقيمه على جميع أمواله. ولكن إن قال ذلك العبد الردئ فى قلبه إن سيدى يبطئ فى قدومه، فيبدأ يضرب العبيد والإماء ويأكل ويشرب ويسكر. يأتى سيد ذلك العبد فى اليوم الذى لا يتوقعه، وفى الساعة التى لا يعرفها فيشقه من وسطه ويجعل نصيبه مع عديمى الإيمان” (لو12: 43-46) يشقه من وسطه، فقد كان الأفضل له أن لا يكون وكيلاً.. لذلك قال القديس بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس “إن ابتغى أحد الأسقفية فيشتهى عملاً صالحاً” (1تى3: 1) فإن لم يكن أميناً فى مسئوليته، يشقه الرب من وسطه ويجعل نصيبه مع عديمى الإيمان.

قد يهرب الكثيرون من كرامة الأسقفية لمعرفتهم بخطورتها وجسامة المسئولية والوكالة التى يتحملها الإنسان أمام الله. ففى يوم رسامة الأسقف يتسلّم عصا الرعاية ويُقال له: { إن الرب قد ائتمنك على نفوس رعيته ومن يدك يطلب دمها }.. ولذلك كُتب أيضاً عن الكهنوت “لا يأخذ أحد هذه الوظيفة بنفسه بل المدعو من الله كما هرون أيضاً” (عب5: 4) أى لابد للإنسان أن يشعر بوجود دعوة إلهية، ومن الممكن أن يقبلها بدافع من الحب مثلما قال الرب لبطرس الرسول ” يا سمعان بن يونا أتحبنى.. ارع غنمى” (يو21: 16)..

الحِل والربط

لا يُمارَس الاعتراف على أى شخص، بل هناك وكيل، وقد قال السيد المسيح لبطرس “أعطيك مفاتيح ملكوت السماوات، فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطاً فى السماوات، وكل ما تحلّه على الأرض يكون محلولاً فى السماوات” (مت16: 19).

ولم يقل الرب هذا الكلام لبطرس فقط، بل قاله أيضاً لكل الرسل “الحق أقول لكم كل ما تربطونه على الأرض يكون مربوطاً فى السماء، وكل ما تحلونه على الأرض يكون محلولاً فى السماء” (مت18: 18).. فإذا ظن أحد أن المقصود بهذه الآية إنهم إذا حللوا طعاماً محدداً فيكون هذا الطعام محللاً، أو ربطوه فيُربط أى يُحرم، من الممكن أن يفسّر البروتستانت هذه الآية بهذا التفسير!.. وبالطبع هذا تفسير خاطئ.. فقد ظهر السيد المسيح للتلاميذ بعد القيامة وقال لهم “سلام لكم كما أرسلنى الآب أرسلكم أنا” (يو20: 21).. من الممكن أن يفكر التلاميذ ويقولون: هذه إرسالية صعبة على ضعفنا.. كيف كما أرسله الآب للعالم، يرسلنا نحن؟!.. فهو الفادى، وهو المخلص، وهو الغافر للخطايا والذنوب، ماذا نصنع نحن للناس؟! بالفعل هذه إرسالية صعبة، لكن مفهوم هذه الإرسالية  يتضح من الآية التى تليها مباشرة، وهو الحِل والربط لغفران الخطايا “ولما قال هذا نفخ وقال لهم اقبلوا روحاً قدساً. من غفرتم خطاياه تغفر له، ومن أمسكتم خطاياه أُمسكت” (يو20: 22، 23)

من الممكن أن تشمل الآية الخاصة بالحل والربط بعض الأمور التدبيرية فى الكنيسة فى الحِل والربط مثلما جاء  فى الكتاب “لأنه قد رأى الروح القدس ونحن أن لا نضع عليكم ثقلاً أكثر غير هذه الأشياء الواجبة. أن تمتنعوا عما ذُبح للأصنام وعن الدم والمخنوق والزنا..” (أع15: 28 ،29) فما تحلونه يكون محلولاً، وما تربطونه يكون مربوطاً فى هذا الأمر. ولكن لا تقف المسألة عند هذا الحد من الحِل والربط لأنه عندما أعطاهم سلطان الروح القدس، قال لهم: “من غفرتم خطاياه تغفر له، ومن أمسكتم خطاياه أُمسكت” (يو20: 23) إذاً الحِل والربط ليس فى مسألة الطعام فقط، فالأهم من الطعام هو غفران الخطايا..

من أمسكتم خطاياه اُمسكت

لقد نفخ السيد المسيح فى وجوه تلاميذه وقال لهم اقبلوا روحاً قدساً، وهذا حدث فى يوم قيامته من بين الأموات من قبل صعوده بأربعين يوماً عندما ظهر لتلاميذه أثناء اجتماعهم وقال لهم “سلام لكم كما أرسلنى الآب أرسلكم أنا” (يو20: 21).. فقد أخذت الإرسالية بُعداً جديداً فى هذه المرة حيث إن السيد المسيح كان قد تمم الفداء؛ وعلى الرغم من أنه دعاهم سابقاً رسلاً، إذ اختارهم، وأرسلهم،.. لكن فى هذه المرة أخذت الإرسالية بُعداً جديداً وهو مغفرة الخطايا.. وهذا تم بنفخة الروح القدس..

أما حلول الروح القدس فى يوم الخمسين، فقد كان على كل المؤمنين المجتمعين فى العُلّية من رجال ونساء.. وهذا هو سر المِسحة المقدسة الذى نسمّيه نحن “سر الميرون”. لكن ما حدث للتلاميذ فى العلّية بعد القيامة مباشرةً، يوم أحد القيامة، إذ أعطاهم الرب موهبة الكهنوت بسلطان الروح القدس بصورة مميَّزة عن حلول الروح القدس فى يوم الخمسين. وهذه الموهبة هى لسلطان مغفرة الخطايا..

بذلك يتضح لنا أن الأسقف هو وكيل الله لأنه يستطيع بسلطان الروح القدس أن يمنح الحِل “من غفرتم خطاياه تغفر له، ومن أمسكتم خطاياه أُمسكت” (يو20: 23) فإذا لم يسمع الاعتراف، فكيف يعرف إن كان هذا الشخص تائباً أو غير تائب، وكيف بذلك يغفر للبعض خطاياهم أو يمسك للبعض خطاياهم؟!..

إن اكتفى الكتاب فقط بعبارة “من غفرتم خطاياه تغفر له” سنقول إذاً من الممكن بمجرد أن يطلب الشخص الحِل للغفران من الكاهن، سيعطيه الحِل وينتهى الأمر عند هذا الحد.. لكن قد أكمل الرب الآية وقال “ومن أمسكتم خطاياه أُمسكت” إذاً الغفران ليس لكل أحد، بل الأمر يتوقف على اختباره هل هو تائب؟ أم غير تائب؟

وهنا تحضرنى بعض القصص التى توضح أهمية الاستماع إلى الاعتراف..

قصة :

يُحكى عن أحد الآباء الكهنة، كانت لديه ساعة ذهب بكاتينة يعلقها فى جيبه.. جاء إليه فى الكنيسة شاب ليعترف وركع أمامه بانسحاق قائلاً: حاللنى يا أبى لأنى سرقت.. فسمع الأب الكاهن باقى اعترافه وصلّى له التحليل.. وبعد أن مضى هذا المعترف من الكنيسة، بحث الكاهن عن ساعته فلم يجدها، فعلِمَ الكاهن إنه كان من الواجب أن يسأل هذا الشاب الذى اعترف بسرقته، هل أرجع السرقة لأصحابها أم لا؟ لقد قال زكا للرب “ها أنا يا رب أُعطى نصف أموالى للمساكين وإن كنت قد وشيت بأحد، أرد أربعة أضعاف” (لو19: 8)، فعلى الأقل كان من الواجب سؤال هذا الشاب، ما الذى سرقه؟ أو هل أرجع السرقة لأصحابها أم لا؟. وهنا تظهر أهمية “الحكمة” فى وكيل الله “من هو الوكيل الأمين الحكيم الذى يقيمه سيده على عبيده ليعطيهم طعامهم فى حينه” (لو12: 42)..

توضح هذه القصة أهمية اقتران الاعتراف بالتوبة، ولابد أن يكون أب الاعتراف حكيماً فى وقت الاعتراف ليقود المعترف إلى توبة حقيقية، ليس مجرد كلمة “الله يحالَّك” بل يجب أن يُقيِّم توبته، يزِنها ويرى هل هى توبة حقيقية أم لا؟ هل أرجع ما هو عليه؟ هل أصلح ما أفسده على قدر ما يستطيع؟ إذا شتم أحد، هل اعتذر له؟ لابد من أن يقيّم الأب الأسقف أو الكاهن اعتراف الشخص وتوبته، هل هى توبة حقيقية، وعندئذ يسمع المعترف نفسه عبارة “يا بنى مغفورة لك خطاياك” (مت9: 2، مر2: 5) كما سمعها المفلوج من فم السيد المسيح.. يسمعها المعترف من فم الأسقف أو الكاهن فى عبارة [ الله يحالّك ] بسلطان الروح القدس الممنوح للأب الأسقف أو للأب الكاهن فينال الغفران باستحقاقات دم المسيح.

قصة أخرى :

جاء إنسان يلتمس حِلاً عن خطية قتل قد ارتكبها، وكانت القضية مازالت التحقيقات تجرى فيها، إنما أراد أن ينال الحِل من الناحية الروحية بتقديم توبة واعتراف.. وأراد الكاهن تقييم توبة هذا المعترف، فسأله عن سبب القتل وعرف إنه بسبب مشاجرة وخلافات بينه وبين القتيل.. ولكى يتحقق الكاهن من صدق توبة هذا الإنسان، سأله: لو فُرض أن قام هذا القتيل حياً من بين الأموات؛ ماذا تصنع معه؟ أجاب: أقتله مرة أخرى. حينئذ أدرك الأب الكاهن عدم صدق توبة هذا المعترف، ولم يقبل أن يعطيه الحِل عن خطيته، بل وبّخه على عدم توبته.

فعبارة “من أمسكتم خطاياه أمسكت” (يو20: 23) يوضحها ما فعله الكاهن إذ أمسك عليه خطيته ولم يمنحه الغفران ولم يجد أمامه غير أن يخرجه من أمام وجهه مثلما سوف يفعل السيد المسيح فى اليوم الأخير إذ يقول للأشرار “اذهبوا عنى يا ملاعين إلى النار الأبدية المعدة لإبليس وملائكته” (مت25 :41)، فبنفس مقدار الحب والحنان الذى يجب أن يتعامل الكاهن به مع الإنسان التائب النادم على خطيته، يجب أيضاً أن يُظهر غضب الله لغير التائب “لأن غضب الله معلن من السماء على جميع فجور الناس وإثمهم الذين يحجزون الحق بالإثم” (رو1: 18) وقد قال السيد المسيح نفسه لليهود “إن لم تتوبوا فجميعكم كذلك تهلكون”  (لو13: 3)، وقال لهم أيضاً “أنا أمضى وستطلبوننى وتموتون فى خطيتكم. حيث أمضى أنا لا تقدرون أنتم أن تأتوا” (يو8 :   21)، وكذلك القديس يوحنا المعمدان قال لليهود “والآن قد وضعت الفأس على أصل الشجر، فكل شجرة لا تصنع ثمراً جيداً تقطع وتلقى فى النار” (مت3: 10).

الكاهن يدعو الناس للتوبة

يجب على الكاهن أن يدعو الناس إلى التوبة وينذرهم، ولذلك قال معلمنا بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس “الذين يخطئون وبّخهم أمام الجميع لكى يكون عند الباقين خوف” (1تى5: 20). وفى قصة حنانيا وسفيرة عندما اختلسا من ثمن الحقل الذى كان لهما وباعاه وأتيا بجزء من الثمن للقديس بطرس الرسول على أنه كل ثمن الحقل “فقال بطرس يا حنانيا لماذا ملأ الشيطان قلبك لتكذب على الروح القدس وتختلس من ثمن الحقل.. أنت لم تكذب على الناس بل على الله. فلما سمع حنانيا هذا الكلام وقع ومات. وصار خوف عظيم على جميع الذين سمعوا بذلك” (أع5: 3-5)، وجاءت سفيرة وسألها “قولى لى أبهذا المقدار بعتما الحقل؟ فقالت نعم بهذا المقدار. فقال لها بطرس ما بالكما اتفقتما على تجربة روح الرب؟! هوذا أرجل الذين دفنوا رَجُلَكِ على الباب وسيحملونك خارجاً. فوقعت فى الحال عند رجليه وماتت.. فصار خوف عظيم على جميع الكنيسة وعلى جميع الذين سمعوا بذلك” (أع5: 8-11)، لأن الكذب على الروح القدس أمر لا يمر بالبساطة كما يتصور البعض.

فإذا كان الأسقف هو وكيل الله فالقس هو وكيل الأسقف فيأخذ توكيلاً بالتوكيل ولذلك كان كثير من الآباء الكهنة القدامى يكتبون فى الكارت الخاص بهم: فلان … وكيل شريعة الأقباط الأرثوذكس فى بلدة (كذا).. لأنه وكيل عن قداسة البطريرك أو عن نيافة المطران أو الأسقف الذى هو رئيس كهنة، أما رئيس الكهنة الأعظم فهو السيد المسيح.

اعتراض البروتستانت على كلمة ” كاهن ”

فى حوار الكنائس الأرثوذكسية الشرقية مع بعض قيادات البروتستانت (الاتحاد العالمى للكنائس المصلحة W.A.R.C.، وكان الحوار فى دمشق فى دير مار أفرام السريانى فى معرة صيدنايا فى ضيافة قداسة البطريرك الأنطاكى مار اغناطيوس زكا الأول) حول سر الكهنوت، قالوا لم تذكر كلمة كاهن بالنسبة للآباء الرسل فى العهد الجديد ولكن ذُكرت كلمة قس أو أسقف ذلك لأنه لا يوجد كاهن فى العهد الجديد فى السماء ولا على الأرض إلا يسوع المسيح فقط هو الكاهن الوحيد. فلم نوافقهم على هذا الرأى، لأنه يُفهم من كل ما ذكرناه عن سلطان الكهنوت، أن هناك ممارسة لسر الكهنوت، فمثلاً؛ حينما أعطى السيد المسيح جسده ودمه للتلاميذ فى ليلة آلامه قال لهم: “اصنعوا هذا لذكرى” (لو22: 19) فقد أعطاهم السلطان أن يصنعوا سر الإفخارستيا (التناول المقدس)، ولذلك دُعى السيد المسيح رئيس كهنة على رتبة ملكى صادق، فطقس ملكى صادق هو تقدمة الخبز والخمر. فهو رئيس كهنة على رتبة ملكى صادق لأنه يوجد كهنة يقدمون تقدمة الخبز والخمر فى العهد الجديد.

لكنهم يناقشون الموضوع بعيداً عن زاوية أن السيد المسيح رئيس كهنة وأنه يوجد كهنة يقدمون تقدمة على رتبة ملكى صادق، وأن عمل المغفرة يمارسه الأساقفة والقسوس كوكلاء لأسرار الله. فهذا لا يكفى بالنسبة لهم، بل يصرون أنه لا توجد كلمة “كاهن” فى العهد الجديد. ولكن أثناء الحوار طلبنا نسخة من مكتبة الدير من كتاب العهد الجديد باللغة اليونانية؛ وهى اللغة الأصلية التى كُتب بها، وأخرجنا لهم كلمة “كاهن” التى وردت فى (رو15: 16) وفيها يقول معلمنا بولس الرسول “حتى أكون خادماً ليسوع المسيح لأجل الأمم مباشراً لإنجيل الله ككاهن ليكون قربان الأمم مقبولاً مقدساً بالروح القدس” هكذا أوضحنا لهم أن كلمة i`erourgou/nta (ييرورجونتا) التى من الفعلi`erourge,w  (ييرورجيئو) بمعنى “يخدم ككاهن” التى تتكون من الكلمة i`ero,j( a( on (إيروس) بمعنى “طقوس مقدسة-أشياء مقدسة-إلهية” والكلمة e;rgon (إيرجون) بمعنى “عمل-وظيفة”. فكلمة i`ero,j هى المشتقة منها كلمة i`ereu,j (إيرفس) بمعنى “كاهن” وليس presbu,teroj (برسفيتيروس) التى تعنى “قس” أى “سفير” أو “شفيع”، فكلمة i`ereu,j باليونانية تعنى “كاهن” وليس لها أى معنى آخر على الإطلاق.

وبعد مشاهدة قيادات البروتستانت فى العالم أثناء الجلسة لهذه الكلمة؛ لم يمكنهم أن يجيبوا على هذا الأمر. أما نحن الأرثوذكس؛ فإننا نفهم تماماً أهمية الكهنوت فى خدمة الآباء الرسل.

فعندما يقول القديس بولس الرسول “حتى أكون خادماً ليسوع المسيح لأجل الأمم مباشراً لإنجيل الله ككاهن ليكون قربان الأمم مقبولاً مقدساً بالروح القدس” (رو15: 16) فهو قد ذكر “قربان الأمم” لأنه رسول الأمم وقال عن تكليف الرسل له بذلك “أعطونى وبرنابا يمين الشركة لنكون نحن للأمم” (غل2: 9). فقد كان مُكلَّفاً بخدمة الأمم، مثلما يقول أحد أن هذا هو أسقف المدينة الفلانية فيقول: حتى أكون خادماً ليسوع المسيح لأجل المدينة الفلانية مباشراً لإنجيل الله ككاهن ليكون قربان المدينة الفلانية مقبولاً مقدساً بالروح القدس. فهنا تحديد إطار الخدمة التى يخدمها.

ولكن لكى يكون قربان الشعب الذى يخدمه مقبولاً ومقدساً بالروح القدس، لابد أن يكون هو كاهناً، وبدون أن يكون كاهناً لن يُقبل القربان فكيف يستطيع أن يقدم القرابين وأن يرفع الذبيحة الإلهية فى القداس إن لم يكن هو كاهناً؟!..

وإن قلنا إنه يجب أن يكون رئيس كهنة، فالسيد المسيح كان مذكوراً عنه أنه رئيس كهنة “لأنه كان يليق بنا رئيس كهنة مثل هذا قدوس بلا شر ولا دنس” (عب7: 26)، وأيضاً “وأما رأس الكلام فهو أن لنا رئيس كهنة مثل هذا قد جلس فى يمين عرش العظمة فى السماوات” (عب8: 1)، وفى موضع آخر ذُكر عن السيد المسيح أنه كاهن “أقسم الرب ولن يندم أنت كاهن إلى الأبد على رتبة ملكى صادق” (عب7: 21). فرئيس الكهنة هو كاهن مثلما يكون رئيس الجند جندياً ورئيس الأطباء طبيباً.

ليعطيهم الطعام فى حينه

قال السيد المسيح “اعملوا لا للطعام البائد بل للطعام الباقى للحياة الأبدية الذى يعطيكم ابن الإنسان” (يو6: 27) وقال أيضاً “لأن خبز الله هو النازل من السماء الواهب حياة للعالم” (يو6: 33) فأهم شئ يمنحه وكيل الله للناس هو جسد الرب ودمه “ليعطيهم الطعام فى حينه” (مت24: 45) فى حينه، أى قبل أن يموت الإنسان ويضيع. لأنه قال “الحق الحق أقول لكم إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه فليس لكم حياة فيكم” (يو6: 53). فهل يترك الوكيل الناس متغربين عن الله لا يتوبون ولا يتناولون، ويصلح بعد ذلك أن يُدعى وكيلاً أميناً حكيماً؟! لذلك يقول معلمنا بولس الرسول “وأعطانا خدمة المصالحة” (2كو5: 18).

إذاً رسالة الأسقف أن يقود الناس إلى التوبة لكى يستطيعوا أن يتقدموا للمائدة المقدسة ويتناولوا خبز الحياة الذى نقول عنه فى القداس الإلهى [ يُعطى عنا خلاصاً وغفراناً للخطايا وحياة أبدية لكل من يتناول منه ] ولكن إن أهمل الأسقف وترك إنساناً يموت قبل أن يتوب ويتناول، سيحاسب هذا الأسقف أمام الرب كيف ترك هذا الإنسان؟ وكيف لم يدعُه للتوبة وإلى مائدة الحياة؟ لأن الرب قال ” فمن يأكلنى فهو يحيا بى” (يو6: 57).

هذا لا يمنع أن الأسقف مسئول عن رعاية الفقراء واحتياجاتهم المادية أيضاً، ليس الرعاية الروحية فقط، لأن السيد المسيح قال “لأنى جعت فأطعمتمونى، عطشت فسقيتمونى، كنت غريباً فآويتمونى” (مت25: 35) وقال أيضاً “بما أنكم فعلتموه بأحد إخوتى هؤلاء الأصاغر فبى فعلتم” (مت25: 40). إذاً الأسقف أيضاً يهتم باحتياجات الفقراء المادية من كل ناحية، برعاية شاملة. لكن ما فائدة أن يطعمهم خبزاً أرضياً، ولا يهتم أن يطعمهم الخبز السماوى؟! فالسيد المسيح بعد أن صنع معجزة إشباع الجموع بدأ يوبّخهم لأنهم يبحثون عن الخبز الأرضى وليس عن الخبز السماوى فقال لهم “الحق الحق أقول لكم أنتم تطلبوننى ليس لأنكم رأيتم آيات، بل لأنكم أكلتم من الخبز فشبعتم. اعملوا لا للطعام البائد، بل للطعام الباقى للحياة الأبدية” (يو6 :26، 27).

الاعتراف فى العهد القديم

فى العهد القديم إن أخطأ إنسان ما، كان يأتى بذبيحة ويضع يده على رأس الذبيحة ويعترف بخطاياه أمام الكاهن، فيأخذ الكاهن الذبيحة ويذبحها ويرش الدم ويكفر عن الخطية، وهكذا تموت نفس بريئة عوضاً عن نفس خاطئة..

هذا ما نجده مثلاً فى سفر اللاويين4: 33، 35،  5: 5، 6،    16: 21 وفى سفر العدد 5: 5-7 وفى سفر الخروج 29: 10

يتكلم هنا فى العهد القديم عن إنسان من بنى إسرائيل عندما يخطئ فيقول “ويضع يده على رأس ذبيحة الخطية ويذبحها ذبيحة خطية.. ويكفر عنه الكاهن من خطيته التى أخطأ فيُصفحُ عنه” (لا4: 33، 35) “فإن كان يُذنِبُ فى شىء من هذه يقر بما قد أخطأ به ويأتى إلى الرب بذبيحة لإثمه عن خطيته التى أخطأ بها.. ذبيحة خطية فيكفر عنه الكاهن من خطيته” (لا5: 5، 6)، إذاً يضع يده على رأس الذبيحة، ويقر بما أخطأ به، ويكفر عنه الكاهن.

وأيضاً “كلم الرب موسى قائلاً: قل لبنى إسرائيل إذا عمل رجل أو امرأة شيئاً من جميع خطايا الإنسان وخان خيانة بالرب؛ فقد أذنبت تلك النفس. فلتقر بخطيتها التى عملت، وترُدَّ ما أذنبت به بعيْنِهِ، وتَزِدْ عليه خُمسَهُ وتدفعه للذى أذنبت إليه” (عد5: 5-7) فلابد من وجود الإقرار بالخطية.

ومن هنا تظهر فكرة الاعتراف بالخطية أثناء تقديم الذبيحة والإقرار بها أى الإقرار العلنى وليس أن يعترف الشخص فى سره.

يضع الإنسان يده على رأس الذبيحة ويعترف، ويستمع الكاهن إلى خطايا الناس ويقدم الذبيحة “ويضع هرون يديه على رأس التيس الحى ويقر عليه بكل ذنوب بنى إسرائيل وكل سيآتهم مع كل خطاياهم ويجعلها على رأس التيس ويرسله بيد من يلاقيه إلى البرية. ليحمل التيس عليه كل ذنوبهم إلى أرض مقفرة. فيُطلِقُ التيس فى البرية” (لا 16: 21، 22) ففى شرائع العهد القديم كان تقديم الذبائح يقترن بالاعتراف، كان يضع الإنسان يده على رأس الذبيحة فتنتقل الخطية منه إلى الذبيحة. ليس ذلك فقط بل ويقر رئيس الكهنة بكل خطايا الشعب على رأس ذبيحة الشعب العمومية.

كان هناك تيسين، فلماذا اثنين؟ كان أحدهما يُذبح، والآخر يُطلق فى البرية وذلك لأن التيس الذى يُذبح يشير إلى موت المسيح، والآخر يشير إلى قيامته. فمن المحال بعد أن نذبح التيس الأول؛ يقوم. السيد المسيح قام من الأموات وصعد إلى السماوات، فهو قائم أمام الآب يشفع فينا كل حين. لذلك يقول “وإن أخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار. وهو كفارة لخطايانا” (1يو2: 1، 2)  فالرمز فى العهد القديم لا يتحقق بأن يؤتى بتيس ويُذبح وينتهى الأمر، لأنه أين الحياة التى ترمز إلى أن الرب حى وقائم من الأموات يشفع فينا أمام الآب.

ومما ذُكر عن الاعتراف فى العهد القديم أيضاً قصة عخان بن كرمى عندما أخذ من الحرام، قال له يشوع بن نون “يا ابنى أعطِ الآن مجداً للرب إله إسرائيل واعترف له واخبرنى الآن ماذا عملت. لا تُخفِ عنى” (يش7: 19) وهكذا طُلب منه أن يعترف للرب بما فعله بإخبار يشوع.

كذلك حينما اعترف داود الملك بخطيئته أمام ناثان النبى، قال له ناثان “الرب أيضاً قد نقل عنك خطِيَّتك لا تموت” (2صم12: 13).

من كل ما ذكرناه يتضح أن ممارسة الاعتراف كانت موجودة فى العهد القديم.

غفران الخطايا فى زمن يوحنا المعمدان

جاءت مرحلة انتقالية وهى التى ظهر فيها يوحنا المعمدان الذى يسمى نبى العهدين وكان من نسل هارون وهو الذى عمّد السيد المسيح فى نهر الأردن، وشَهد أنه رأى الروح القدس يحل على رأسه مثل حمامة وقال “هوذا حمل الله الذى يرفع خطية العالم” (يو1: 29).

لم يمارس يوحنا كهنوته بطريقة العهد القديم حيث الهيكل وتقديم الذبائح مع إنه كاهن وابن زكريا الكاهن، إنما مارسه بالمعمودية-معمودية التوبة.. ذلك لأنه كان يمهد الطريق أمام حمل الله الذى يرفع خطية العالم كله، فهذا هو الذبيح    الحقيقى-فليست الحاجة بعد إلى ذبائح العهد القديم- كان يوحنا يكرز بمعمودية التوبة لمغفرة الخطايا حتى تتحول الأنظار إلى الحمل الذى هو الذبيحة الحقيقية. ثم ارتبط الحمل بالمعمودية لأن الحمل أتى ونزل إلى مياه الأردن حينئذ أتى صوت الآب من السماء وحل الروح القدس عليه ليعلن أن هذا هو مسيح الله المسيا المنتظر.

وبنزول السيد المسيح إلى نهر الأردن أسس سر المعمودية المقدس وظهر الثالوث فى ذلك اليوم الآب والابن والروح القدس، ونحن نؤمن بالمعمودية كما علّمنا السيد المسيح وقال للرسل  “اذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمّدوهم باسم الآب والابن والروح القدس” (مت28: 19). فأسس حمل الله سر المعمودية لكى يعرفنا إننا بالمعمودية ننال استحقاقات المغفرة التى يتممها بموته الفدائى على الصليب.. لذلك فإن مغفرة الخطايا فى خدمة يوحنا المعمدان كانت بالمعمودية.

ومن المعروف أن مغفرة الخطايا فى العهد القديم كانت عن طريق تقديم الذبائح فى الهيكل.. ولكن لماذا نُقلت إلى المعمودية؟ ذلك لأنها كانت رمزاً للمعمودية التى جاء السيد المسيح لكى يمنحها للمؤمنين وتكون هى الوسيلة التى بواسطتها يغتسلون بدم الحمل الذبيح.

كانت معمودية التوبة التى كرز بها يوحنا المعمدان، رمزية لذلك قال السيد المسيح للتلاميذ “يوحنا عمّد بالماء وأما أنتم فستتعمَّدون بالروح القدس” (أع1: 5) وقال أيضاً لنيقوديموس “الحق الحق أقول لك إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله” (يو3: 5).

لكن فى كل هذه الأمور يبقى الاعتراف لمغفرة الخطايا ملازماً لكل المراحل سواء مرحلة الذبائح الحيوانية أو مرحلة معمودية التوبة فى نهر الأردن أو مرحلة العهد الجديد بعد تأسيس الكنيسة وحلول الروح القدس فى يوم الخمسين.

لا تدعُوا لكم أباً على الأرض

بعد كل هذا الحديث لا يعترف البروتستانت بالكهنوت مفسرين خطأ الآية التى قالها السيد المسيح لتلاميذه “ولا تدعوا لكم أباً على الأرض لأن أباكم واحد الذى فى السماوات”  (مت23: 9).. ولنقرأ معاً هذه الفقرة كاملة من إنجيل معلمنا متى:

“حينئذ خاطب يسوع الجموع وتلاميذه قائلاً: على كرسى موسى جلس الكتبة والفريسيون. فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه فاحفظوه وافعلوه، ولكن حسب أعمالهم لا تعملوا لأنهم يقولون ولا يفعلون.. ويحبون المتكأ الأول فى الولائم، والمجالس الأولى فى المجامع، والتحيات فى الأسواق، وأن يدعوهم الناس سيدى سيدى. وأما أنتم فلا تُدعَوا سيدى لأن معلمكم واحد المسيح وأنتم جميعاً إخوة. ولا تَدعُوا لكم أباً على الأرض لأن أباكم واحد الذى فى السماوات. ولا تُدعَوا معلِّمين لأن معلمكم واحد المسيح. وأكبركم يكون خادماً لكم. فمن يرفع نفسه يتضع ومن يضع نفسه يرتفع” (مت23: 1-12).

جزء من كلام السيد المسيح موجّه إلى الجموع “فكل ما قالوا لكم أن تحفظوه فاحفظوه وافعلوه” وجزء مخصص للآباء الرسل كما هو واضح من المكتوب “خاطب يسوع الجموع وتلاميذه” لذلك قال للتلاميذ (أى الرسل) “فلا تُدعَوا سيدى.. ولا تُدعَوا معلمين” فمعنى ذلك أنه ينهاهم عن أن يطالبوا الناس بأن يدعوهم سيدى. لأنه يقول إن الكتبة والفريسيين “يحبون.. التحيات فى الأسواق وأن يدعوهم الناس سيدى سيدى” لذلك يقول لهم “وأكبركم يكون خادماً لكم. فمن يرفع نفسه يتضع ومن يضع نفسه يرتفع” فهنا يحارب السيد المسيح الكبرياء. فعبارة “فلا تُدعَوا سيدى” أى لا تطالبوا الناس أن يدعونكم “سيدنا”، فالاحترام ينبع من الآخر ولا يُفرض عليه.. وهكذا فى عبارة “لا تُدعَوا معلمين” فلا تلزموا أحداً أن يدعوكم هكذا..

لكن هل هذا الكلام يتناقض مع كلام الكتاب المقدس نفسه عندما يقول “فوضع الله أناساً فى الكنيسة أولاً رسلاً، ثانياً أنبياء، ثالثاً معلمين، ثم قوات وبعد ذلك مواهب شفاء أعواناً تدابير وأنواع ألسنة” (1كو12: 28) إذاً أقام الله فى الكنيسة معلمين.. فهم لا يطلبون من الناس أن يدعوهم معلمين لكن إن كان الله قد أعطاهم مواهب فيقول “ولكن لنا مواهب مختلفة بحسب النعمة المعطاة لنا؛ أنبوة فبالنسبة إلى الإيمان، أم خدمة ففى الخدمة، أم المعلم ففى التعليم، أم الواعظ ففى الوعظ، المعطى فبسخاء، المدبر فباجتهاد، الراحم فبسرور” (رو12 :6-8)  وأيضاً “وهو أعطى البعض أن يكونوا رسلاً، والبعض أنبياء، والبعض مبشرين، والبعض رعاة ومعلمين” (أف4: 11) فقد أعطى الله البعض أن يكونوا معلمين فلا يوجد خطأ إن دُعى معلم لأن الله نفسه قد أعطاه هذا اللقب!!! ولكن عندما قال السيد المسيح لتلاميذه “لا تُدعَوا معلمين” كان يكلمهم عن التواضع، وأن لا يطالبوا الناس بأن يدعوهم هكذا.. فعندما يتكلم الإنسان لا يقول أنا سيدكم، لأنه يجب أن يشعر فى داخله أنه لا يستحق، بل هو خادم للجميع.

فى الصعيد يقولون للجد يا سيدى لأنه أب آباء، والجد فعلاً له مقام محترم فى الأسرة لكن يتعامل مع الآخرين مثل إخوته.

ويقول قداسة البابا شنودة الثالث هذه النصيحة دائماً (كن أخاً فى وسط أولادك وابناً فى وسط إخوتك) فلا تتعظّم.

أما عن قوله “لا تَدعُوا لكم أباً على الأرض” فقد خصص الرب الكلام هنا للآباء الرسل الذين هم بمنزلة البطاركة، والبطاركة هم رؤساء آباء patria,rchj (باتريارشيس) التى تعنى “أب لأمة” فكلمة patria, (باتريا) تعنى “أسرة-عشيرة-شعب-أمة” وكلمة avrch, (آرشى) بمعنى “رئيس”، ليس هناك أبوة على الأرض تعلو أبوة البطريرك فهو أب الآباء فيقول لهم “لا تَدعُوا لكم أباً على الأرض” لأنكم أنتم الآباء فى الكنيسة وكل أبوة بعد ذلك تأتى متدرجة منكم.

فبولس الرسول يقول لتلميذه تيموثاوس “إلى تيموثاوس الابن الصريح فى الإيمان نعمة ورحمة وسلام من الله أبينا والمسيح يسوع ربنا” (1تى1: 2) وكذلك “هذه الوصية أيها الابن تيموثاوس أستودعك إياها” (1تى 1: 18).. وهكذا أيضاً يدعو تيطس “إلى تيطس الابن الصريح حسب الإيمان المشترك” (تى1: 4).

قال السيد المسيح لا تُدعَوا سيدى ولا تُدعَوا معلمين أى لا تفتخروا بالتعليم لكن بالنسبة للأبوة لم يقل لهم لا تُدعَوا آباء لأن الأبوة شئ جميل لذلك يتحدث بولس الرسول إلى أهل كورنثوس فيذكّرهم أنه أبوهم بقوله “لأنه وإن كان لكم ربوات من المرشدين فى المسيح لكن ليس آباء كثيرون، لأنى أنا ولدتكم فى المسيح يسوع بالإنجيل” (1كو4: 15) الربوة عشرة آلاف فهو يقول لهم: لكم عشرات الآلاف من المرشدين لكن ليس آباء كثيرون لأنه هو الذى ولدهم فى المسيح بالإنجيل ويقول للمؤمنين أيضاً “يا أولادى الذين أتمخض بكم أيضاً إلى أن يتصور المسيح فيكم” (غل4: 19). فالمخاض يحدث عندما تلد المرأة. فهو يتألم ويعانى فى خدمتهم ورعايتهم المستمرة حتى يتصور المسيح فيهم، أى إلى أن تتضح صورة المسيح بقوة فيهم، بعد أن لبسوا المسيح فى المعمودية بالإيمان الذى بشرهم به بولس الرسول.

وأيضاً استخدم يوحنا الرسول كلمة “يا أولادى” وكلمة “أيها الأولاد” كثيراً.. قال: “يا أولادى أكتب إليكم هذا لكى لا تخطئوا وأن اخطأ أحد فلنا شفيع عند الآب يسوع المسيح البار”  (1يو2: 1). وقال أيضاً “يا أولادى لا نحب بالكلام ولا باللسان بل بالعمل والحق” (1يو3: 18).. وكرر كلمة “أيها الأولاد” فى رسالته الأولى (1يو2: 12، 18، 28، 3: 7 ،5: 21).

فمن يستطيع أن يحارب الأبوة فى الكنيسة؟! هل يستطيع البروتستانت أن لا يدعوا آباءهم الجسديين يا أبى، فلنسأل البروتستانت فى جميع أنحاء العالم إن كان يوجد فيهم شخص واحد لا يقول لأبيه يا أبى فإن كان يقول لأبيه الجسدى يا أبى، فهل كثيراً أن يدعو الأب الروحى يا أبى؟! وكيف يطبقون الآية التى تقول “لا تدعوا لكم أباً على الأرض”؟.

السيد المسيح نفسه دُعى أب “لأنه يولد لنا ولد ونعطى ابناً وتكون الرياسة على كتفه ويدعى اسمه عجيباً مشيراً إلهاً قديراً أباً أبدياً رئيس السلام” (إش9 : 6). أبوة السيد المسيح شئ مفهوم بالنسبة لنا وأبوة الكهنة هى أبوة مستمدة من أبوة السيد المسيح.

لزوم ممارسة السر فى الكنيسة

يجب أن يراعى الأب الكاهن أن يتم سر الاعتراف فى الكنيسة، لأنه فى العهد القديم كان كل من يخطئ يأتى ويضع يده على رأس الذبيحة وتُقدم الذبيحة فى الهيكل. لذلك يجب أن يعترف الإنسان فى الكنيسة لأن الكنيسة هى مكان مغفرة الخطايا.

وأيضاً يجب أن يكون الاعتراف لدى كاهن حكيم وأب حقيقى ومدبّر؛ لأن الآباء قالوا [ اختبر مرشدك أولاً بحكمة وتجربة، لئلا تقع عند مريض بدل الطبيب ] أى أن الإنسان قبل أن يرتبط بأب الاعتراف لابد أن يختبره أولاً قبل أن يتخذه أب اعتراف له.

نحن نطلب صلوات قداسة البابا شنودة الثالث -أطال الرب حياته- ليعطينا الرب روح التوبة باستمرار لكى نعترف بخطايانا وننال المغفرة من الرب ولإلهنا المجد دائماً أبدياً آمين.

سفر إشعياء - الأنبا بيشوي.jpg

المسيح في سفر إشعياء - الأنبا بيشوي مطران دمياط و البراري

سر التناول المقدس - تبسيط الإيمان - الأنبا بيشوي.jpg

سر التناول المقدس - الشريط السابع - تبسيط الإيمان - الأنبا بيشوي مطران دمياط و البراري

سلسلة تبسيط الإيمان - الأنبا بيشوي مطران دمياط و البراري
سلسلة تبسيط الإيمان - الأنبا بيشوي مطران دمياط و البراري