القيامة في الفن القبطي – الدكتور بولا ساويرس

كارت التعريف بالمقال

البيانات التفاصيل
إسم الكاتب الدكتور بولا ساويرس
التصنيفات الآثار والفنون المسيحية, الآثار والفنون والعمارة القبطية, فن الأيقونات القبطية و الزخارف
آخر تحديث 30 نوفمبر 2020
تقييم الكتاب من 5 بواسطة إدارة الكنوز القبطية

تحميل المقال

إنتبه: إضغط على زرار التحميل وانتظر ثوان ليبدأ التحميل.
الملفات الكبيرة تحتاج وقت طويل للتحميل.
رابط التحميل حجم الملف
إضغط هنا لتحميل المقال
1MB

القيامة فى الفن الـقــبطى.

د / بولا ســاويرس.

"بالموت داس الموت والذين فى القبور، أنعمَ عليهم بالحياة الأبدية" (من ألحان القيامة).

كيف عَبَّر الفنان المصرى المسيحى قديما عن حَدَث القيامة المجيدة؟. وهل كانت الرسومات الأثرية لهذا الحدث، مثل تلك الصور المطبوعة المتداولة الآن بين أيادينا؟. وإذا لم تكن مِثلها، فمن أين استقى آباؤنا الفنانون رسوماتهم الكنسية المُقدَسة، التى تُعرَف بالأيقونات ([1])؟.

إذا ما درسنا الأيقونات الأثرية التى وصلتنا، والموجودة بكنيسة السيدة العذراء مريم بحارة زويلة ([2]) بالقاهرة الفاطمية، على سبيل المِثال لا الحصر، والتى ترجع فى مُعظمها - حسب تقدير الكاتِب هنا - إلى الفترة بين القرنين الـ 13م والـ 16م.. فإن أيقونتين بهذه الكنيسة سوف تُلفتان نظرنا على الفور. أولهما مقاسها 45,5 × 35,5 سم تقريبًا. وهى ضمن سبع أيقونات مرسومة على لوح خشبى واحد مُعَلَّق فوق حجاب الهيكل الجنوبى المُلاصِق للهيكل الأوسط لهذه الكنيسة. وهذه الأيقونات السبعة تُمثـل الأعياد السيدية الكُبرَى ([3]) بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية، من البشارة إلى العنصرة. والثانية مقاسها 60× 45 سم تقريبا ومُسَجل عليها ما يُفـيد أنها قد رُممَت فى حوالى أوائل القرن الـ 15م. الأمر الذى يعنى – فى تقديرى - أنها من تاريخ أقدَم بالتأكيد. أى من نفس الفترة السابق ذكرها عاليه.

هاتان الأيقونتان قد اتفقتا فى تصوير قيامة السيد المسيح له المجد، بمنظر يُخالِف ما هو مُتدَاول حاليا بالصور المطبوعة. فمَا هو هذا المَنظـر؟.

إذا ما نظرنا إلى الأيقونة الثانية (اُنظر اللوجة الجانبية) فإننا نرى فى الجزء السُفلى منها السيد المسيح له المجد فى الوسط برداء كامل أبيض اللون، وفوقه عباءة بيضاء اللون أيضا، وحول جِسمه كله هالة المجد المعروفة باسم mandorla ويُمسِك بيده اليُمنى اليد اليُسرَى لرجل هَرِم ينهض من وضع ركوع، ويُمسِك بيده اليُسرَى اليد اليُمنَى لإمرأة فى وضع النهوض أيضا. وتحت أقدام السيد المسيح جماجم وعِظام. وخلف الرجل الناهض مجموعة من الرجال. وخلف المرأة مجموعة من النساء. وتملأ المجموعتان جانبَىّ اللوحة.

فإذا نظرنا إلى اللوحة الأُولَى المُعلَقة فوق الهيكل الجنوبى، والثابت قِدمها الشديد وتحتاج إلى ترميم دقيق يُظهِر روعتها، نجد السيد المسيح له المجد مُرتديًا رداءً كاملا، وفوقه عَباءة تتدلى من أحد كتفيه، ويَقف فى أخدود عميق بين صخور مُشقـقة، ويُمسِك بيمينه رجلا هَرِمًا، وبيساره امرأةً. ووراء كلٍ منهما اشكال آدمية. وتحت قدميه شكل ضلفتى باب ثقيل مُحطمتيَن.

هذا هو المَنظر الذى عَبَّرَ به الفنان المصرى المسيحى القديم عن حدث قيامة السيد المسيح له المجد فى الأيقونات القبطية الأثرية بكنيسة السيدة العذراء بحارة زويلة ضمن الأعياد السيدية السبعة. وكذلك نجد الفكرة ذاتها فى أيقونات أثرية بكنائس قديمة أخرى. ويُعرف هذا المنظر باسم "النزول إلى الجحيم". وهو منظر عرفه الفن المسيحى العام منذ القرن 7 / 8م حسبما يرى جرابر، إذ وَصلنا أقدم رَسم له فى فِرسك بكنيسة سانتا ماريا انتيكا بروما يَرجع إلى هذا التاريخ.

فمن أين استقى الفنان المصرى المسيحى هذا التعبير الفنى عن حَدث القيامة المجيدة؟. وهل تأثَر، كما يحلو للبعض القول، بالفن البيزنطى فنَقَل عنه؟.

من المعلوم أن مصادر أو روافد الفن القبطى - أى الفن المصرى المسيحى - التى يستقى منها الفنان القبطى موضوعاته الدينية الكنسية تتمثل بصفة اساسية فى الكِتاب المقدس، وتعاليم وقوانين الرُسل الأطهار، وأقوال وتفاسير الآباء الأولين، وعقائد وطقوس كنيستنا القبطية الارثوذكسية اللاخلقيدونية.

وفى كنيستنا القبطية، نجد نَبعًا لا يَنضب يعكس حقًا، فى نظرى، مفهوم الأصالة والمُعاصرة. إذ يَعكس بِعُمق التراث المصرى المسيحى بأسلوبٍ حى ومُعَاش حتى اليوم. هذا المُستودَع الروحى يُعرَف باسم "التسابيح والألحان الكنسية" ([4])، وهى مجموعة من التسبيحات التى تَرجع فى مُعظمها إلى القرن الخامس الميلادى تقريبا ولكنها فى أصولها ومبادئها تَرجع إلى القرن الأول الميلادى. وعلى أية حالٍ هى أيضا فى مُعظمها عبارات مَأخوذة من الأَسفار الإلهية المُقدَسة. فالذى يُصغى بأُذن مختونة، وبذهن حاضر، وروح نشِط مُلتَهِب بحُب رب المجد، مُتجاوِزًا لِسحر أنغامها السامية سوف يُدرك على الفور ودون عَناء مَدى عُمق هذه التسبيحات التى وَضعَ فيها آباؤنا القديسون خُلاصة التعاليم اللاهوتية الدقيقة، والمبادىء العقائدية والطقسية الارثوذكسية، وثمار كفاحهم الطويل من أجل الحِفاظ على الشُعلة المُقدَسة التى استلموها من الرُسل الأبرار لينقلوها بأمانة ارثوذكسية إلى احفادهم عَبْر الأجيال والعصور وإلى انقضاء الدهور. وقد احتوَت هذه التسابيح، وخاصة تلك التى تَرجع إلى ما قَبلَ القرن الثالث عَشر الميلادى بصفة عامة، وقَـبل اضافات ما بَعد القرن التاسع عشر الميلادى بصفة خاصة، على سائر المبادىء اللاهوتية والعقائدية والايمانية، إلى جانب تأملات روحية سامية وعميقة لكنيستنا القبطية الارثوذكسية اللاخلقيدونية.

هذه التسابيح والألحان قد شَكَّلت بلا شك تُراثا ايمانيًا تَليدًا يَنهل منه كل فنان مصرى كنسى عندما يَرغب فى رسم أيقونة كنسية. ولعل تكرار هذه التسابيح، ولو آليا فى بعض الأحيان أو لِفرط انشغالنا بِسِحر الأنغَام وجَمال الصوت أحيانًا أُخرَى، قد أخفى علينا الأبعاد العديدة الأُخرَى فيها إلى أن تُجبرنا كلمة عابرة أو اشارة واردة، أو لُوحة فنية على التوقف لحظة والعودة إلى الأصول. وعندئذ نُعِيد اكتشاف تُراثنا المصرى التليد وكنوزنا الثمينة فنَلمَس مدى السهولة الممتنعة فى هذا التراث الذى أوجَز فى عِبارات قصيرة سهلة الحِفظ، وبنغمٍ عذب، وبلحنٍ مُحبب للنفس يسمو بها فوق كل ما هو جَسدى وأرضِى.. أوجَزَ ما يحتاج فى شرحه إلى مُجلدات. وخَيرُ مِثال لهذا هو لوحتنا هذه. فتعالَ عزيزى القارِىء نَرى معا ماذا تقول تسابيحنا الكنسية عن هذا الشأن.

فى قطعة تسبحة عيد القيامة المجيدة، بكِتاب الأبصلمودية السنوية، نقول "بقوته أبطل الموتَ. وجعل الحياة تُضىء لنا. وهو أيضا الذى مَضى إلى الاماكن التى اسفل الارض. بوابو الجحيم رأوه وخافوا. واهلكَ طلقات الموت فلم تستطع أن تُمسِكه. سَحَق الابواب النحاسية، وكَسَر المتاريس الحديد، وأخرج مُختاريه بفرح وتهليل.. اصعدهم إلى العُلُو. إلى مَوضع راحته. خلصهم لأجل اسمه، وأظهَرَ قُوَّته لهم. فلهذا نحن أغنياء بالخيرات الكاملة. وبإيمان نُرتِل هللويا." ([5]).

وفى برالكس ([6]) الذى يُقَال عَقِب قراءة الابركسيس وقَبل تمثيلية القيامة المجيدة فى قداس عيد القيامة، نقول "سَبَى الجحيم سَبيًا، وحطَّم الابواب النحاس، وكسَر متاريسه الحديد كسرًا، وأبدل لنا العقوبة بالخلاص. وأعاد آدم إلى الفردوس بفرح وبهجة هو وبنيه الذين كانوا فى الحبوس مَحَل النعيم مرة أخرى".

وفى القُداس الباسيلى القبطى، يُصلى الكاهن دائما فى قطعة "تجسَّدَ وتأنس" قائلا عن السيد المسيح له المجد "هذا الذى أحَبَ خاصته الذين فى العالَم، وأسلَم ذاته فِداءً عنا إلى الموت الذى تَملَّكَ علينا، نزلَ إلى.

الجحيم من قِبل الصليب ".

وقد ذكرتُ عاليه أن هذه التسابيح الكنسية، تعتمد كليةً على الكِتاب المُقدس وتَعاليم الآباء الأولين، ومن ثم يستند هذا التقليد الارثوذكسى الذى يَذهب إلى نزول السيد المسيح له المجد "إلى الجحيم" بلغة القداس القبطى، أو إلى "الاماكن التى اسفل الارض" بلغة الابصلمودية القبطية، "من قِبل الصليب" "ليُخَلِّص آدم وبنيه" أو "مُختاريه"، و "يُصعِدَهُم إلى العُلُو" حيث مَوضع راحته، أى ملكوت الله. ويَردهُم مرة أُخرَى إلى الفردوس الذى طُرِدَ منه آدم بالمعصية والتعدى.

بعبارة أخرى، نُزول السيد المسيح له المجد "إلى الجحيم" عن طريق الصليب ليُخلِّص جميع الذين ماتوا على رجاء القيامة المُقدَّسة منذ آدم إلى الصليب.. هذا التقليد الارثوذكسى المحفوظ فى هذا التُراث الآبائى الزاخر يَستنِد فى الحقيقة على تعاليم الكِتاب المُقدَّس. منها على سبيل المِثال لا الحصر:

1 - يقول معلمنا مار بطرس الرسول فى رسالته الأُولَى "فإن المسيح أيضا تألم مرة واحدة من أجل الخُطاة. البار من أجل الأثَمة.. الذى فيه أيضا ذّهّب فكرز للأرواح التى فى السجن" ([7]).

2 - ويقول مُعلمنا مار بولس الرسول فى رسالته إلى الأفسسيين "إذ صَعدَ إلى العُلاء سَبَى سبيًا، وأَعطَى الناس عطايا. وأما أنه صَعدَ فما هو إلا أنه نزل أيضا إلى أقسام الارض السُفلَى. الذى نزل هو الذى صَعدَ أيضا فوق جميع السماوات لكى يملأ الكل" ([8]).

3 - بل أن اشعياء النبى الانجيلى عندما يتحدث مُسبَقًا عن أعمال السيد المسيح له المجد على الارض، يقول فى نُبواته "لتُخرِج من الحبس المَأسورين من بيت السجن، الجالسين فى الظُلمَة" (اش7: 42). وأيضا "قائلا للأسرَى: اُخرُجوا. الذين فى الظلام اظهروا" (9: 49).. و "الربُ مَسَحنى.. لأُنادى للمسبيين بالعِتق، وللمأسورين بالاِطلاق" (1: 61).

ولَمَّا كانت قيامة السيد المسيح له المجد من بين الاموات ليست عملا يَعود إليه هو فى شخصه الإلهى، إذ هو الحياة الأبدية ذاتها.. وإنما هى عملٌ قام به - بإرادته الكاملة - من أجل خلاص الجنس البشرى بأسره منذ آدم وإلى انقضاء الدهور. أى لمَّا كانت قيامة السيد المسيح له المجد لا تعنى الانتصار على الخطية والموت، أو رفع غضب الله عنا، أو المُصالحة والغفران فحسب، بل تعنى بالاضافة إلى ذلك كله إعادة الجنس البشرى بأسره إلى الحياة الأبدية والاحضان الإلهية تلك التى فقدَها الانسان – بآدم الأول - بالمعصية والتعدى.. فإن الفنان القبطى، الواعى جِذريًا بكِتابه الأقدس، وبعقائده وتعاليم آبائه، قد أخذ من مفاعيل ومضامين قيامة رب المجد العديدة ذلك البُعد الرئيسى الخاص بنا، وصوَّره بفرشاته وألوانه. ذلك أن قيامة السيد المسيح له المجد تعنى فى النهاية قيامتنا نحن البشر من موت الخطية وتحرُرنا من أَسر ابليس اللعين كما يقول الكِتاب المُقدَس فى أكثر من موضع: "ونحن أموات بالخطايا، أحيانا مع المسيح" ([9]). وأيضا "وأقامنا معه، وأجلسنا معه فى السَماويات" ([10]). ولهذا يُصلى الكاهن فى أوشية الانجيل التى يَتلوها باستمرار فى العشيات والقداسات باستمرار قائلا "لأنك أنتَ حياتنا كلنا، وخلاصنا كلنا.. وقيامتنا كلنا" ([11]).

ومن هنا عَبَّرَ آباؤنا فى رُسوماتهم الكنسية الاثرية عن القيامة المجيدة بمنظر التحرير من السبى، والاصعاد من الجحيم وتحطيم ابوابه النحاسية وتكسير متاريسه الحديد.. أى كما نقول بلُغتنا المُعاصرة "دكَّ السجون الى اساساتها" كِناية عن الافراج عن سائر المسجونين، وعِتقهم الكامل.

وهكذا فإن الأيقونة القبطية لا تقف بمعزل عن التراث الايمانى التليد للكنيسة القبطية، كما أنها ليست مجالا للتخيل الشخصى الفردى البحت، بل هى وسيلة من الوسائل العديدة لتوصيل الحقائق من الحقائق الايمانية الارثوذكسية الى المُؤمنين شأنها فى ذلك شأن الكلمة المكتوبة. ومن هنا خضع الفنان المسيحى فى الكنائس الارثوذكسية الشرقية لقواعِد وشروط صارمة يَلزم أن تتوافر فيه أولا قبل أن يَرسِم ايقونة كنسية، ثم فى الأيقونة المرسومة ثانيًا كى تُوضَع قانونيًا فى الكنيسة، وتُدَشَن من الاسقُف. ذلك أن الفنان الذى يَرسمها يُوازى فى عمله الفنى، المُعَلِّم والشارح بالكلمة والقلم. إذ هو يَشرَح ويُوضِح ذات الحقيقة بالالوان والفرشاة. تُرَى أين ذلك الآن من بعض الرسامين الذين يعتمدون على خيالهم الفنى فحسب فى رسم أقدس المناظر الكنسيةّ!!.


[1] - هناك فارق جذرى بين الايقونة الكنسية وبين الصورة ولو كانت دينية.

[2] - كنائس وأديرة حارة زويلة، رسالة دكتوراة للراهب بولا البراموسى، 1992.

[3] - الأعياد السيدية الكُبرَى فى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية اللاخلقيدونية هى: البشارة، الميلاد، الغطاس، أحد الشعانين، القيامة، الصعود، العنصرة.

[4] - خدمة الشماس والألحان، جمعية نهضة الكنائس، القاهرة، ط3، 1995م.

[5] - ص ص 554 - 556.

[6] - كلمة يونانية تعنى لحنُ يُرَتل بالتبادل والتكرار.

[7] - 1 بط 18: 3، 19.

[8] - أف8: 4 - 10.

[9] - أف5: 2. راجع أيضا 1تس16: 4، رو5: 6. وغيرهما.

[10] - أف6: 2.

[11] - اُنظُر خولاجى الكنيسة القبطية الارثوذكسية، الناشر جمعية نهضة الكنائس، القاهرة ط8 1990م.