هذه السلسلة
تقدم المكتبة القبطية المسيحية الأرثوذكسية على الانترنت لقرائها الأعزاء فى هذه السلسلة بعضاً من التراث الخالد لمعلم الأجيال وذهبى فم القرن العشرين والحادى والعشرين مثلث الرحمات قداسة البابا شنوده الثالث. الذى أثرى حياتنا، وحياة الملايين من محبيه عبر الأجيال بأقواله وتعاليمه وحياته، فكان مصباح منير، بل شمس ساطعة أضاءت بقوة عالمنا الذى يحتاج دوماً إلى قدوة صالحة تسير على هدى السيد المسيح وتتبع خطواته فى الحب والبذل والاتضاع.
وكتابنا الثالث فى هذه السلسلة عن مقال بعنوان "مدرسة القديسين – الثمن" نشره الأستاذ نظير جيد فى صحيفة الشباب بمجلة الحق عدد نوفمبر سنة 1947م.
نصلى إلى الرب أن ينيح روحه الطاهرة فى ملكوت السموات وأن يمتعنا ببركة صلاته عنا.
المكتبة القبطية المسيحية الأرثوذكسية على الانترنت – مارس2012م
مدرسة القديسين الثمن
إنك تريد يا أخى أن تذهب إلى ملكوت الله، وترى ما لم تره عين، وتسمع ما لم تسمع به أذن، وأنا لا ألومك فى هذا، فأنا مثلك أتمنى ما تتمناه، ولكنى أحب أن أهمس فى أذنك بكلمة صريحة وهى: "هل جلست أولاً وحسبت حساب النفقة؟".
هوذا أمامك المسيح ملك السماء، وأمامك الشيطان رئيس هذا العالم ولا يمكن الجمع بينهما إذ لابد أن تختار أحد الاثنين، ستقول فى بساطة أنك تختار المسيح. ولكن هل تعرف الثمن الذى يجب أن تدفعه؟ إن لم تكن تعرف فاسأل المسيح يقول لك: "من لا يحمل صليبه ويتبعنى فلا يستحقنى". هذا هو الثمن يا صديقى فهل أنت مستعد لحمل الصليب؟ أم أنت ممن يعرجون بين الفرقتين؟ ويريدون السماء والأرض مجتمعين؟ وذلك محال. أنك لا تستطيع أن تقود بيت إسرائيل وأنت فى بيت فرعون تتبناك ابنته، وإنما يجب أن تحمل صليبك وتترك القصر والإمارة وتندمج فى الشعب وعند ذلك تصير نبياً. وأنت لا تستطيع أيضاً أن تأكل المن السماوى وأنت فى أرض مصر وإنما يجب عليك أن تحمل صليبك وتهرب إلى البرية وهناك تأكل المن والسلوى. وأنت لا تستطيع كذلك أن ترضى دليلة وتظل كما أنت شمشون الجبار وإنما عليك أن تحمل صليب وتهرب من تلك المرأة – ثم يجب أن تعرف أن الصليب هو مدرسة القديسين. ففى جب الأسود صار دانيال دانيالاً، وفى وسط القروح صار أيوب أيوباً، وفى آتون النار صار الثلاثة فتية أبطالاً يقدسهم التاريخ، وكما كان لابد من الجب والقروح والنار لينال كل أولئك عظمتهم، كذلك لابد من الصليب ليصبح المسيحى مسيحياً لأن هذا هو الثمن الوحيد لملكوت الله.
كثير من المسيحيين تسير حياتهم عادية جداً. أكل وشرب وضحك ونوم ويوم من الحياة يمر وراء يوم، إلى أن يأتى صباح الأحد فيذكر هؤلاء بأنهم مسيحيون، ولولاه لنسوا ذلك أيضاً.
أى صليب حمله هؤلاء، وأى تجربة تعرضوا لها، وأى تعب تعبوه لأجل المسيح؟ يأتى إليك واحد منهم وعلى شفتيه ابتسامة النصر كأنما فى إحدى يديه إكليل الحياة وفى الأخرى مفاتيح السموات ويقول لك: "جاهدت الجهاد الحسن" وتسأله أى نوع من الجهاد فيجيبك: "لم أسرق ولم أقتل ولم أزن ولم أظلم ولم أشتهى ولم أحلف.. حفظت الوصايا كلها وصليت وصممت وأحسنت إلى الفقراء وأكملت السعى و..." فإذا قلت له "ولكن الكتبة والفريسيين كانوا يفعلون ذلك أيضاً.."، وإذا سألته عن الصليب الذى حمله، وعن القداسة التى بدونها لا يعاين أحد الله، إن فعلت ذلك تركك ومضى إلى حيث حياته العادية.
فأى فضل إذا للمسيحيين؟! ألا فليعلم هؤلاء أن المسيحية سمو فوق ذلك كله. تحضرنى فى هذا المجال قصة راهب دخل ديراً أهله من القديسين فعاملوه معاملة طيبة حسنة، ومر على ذلك ثلاثة أيام وتضايق الراهب الجديد وطلب من رئيس الدير أن يخرجه من ديره، فلما سأل عن السبب قال الراهب: "أنا يا سيدى الأب رجل خاطئ، وقد جئت إلى الدير لكى أتعذب وأتعب وأهان من أجل المسيح، ولكن رهبان هذا الدير قديسون لم أحتمل منهم أى أذى. فأتركنى إلى جهة أخرى أهان وأتعذب من أجل يسوع.".
هذه مسيحية يا أخوتى! وهذا هو اشتياق إلى الصليب لا يدانيه إلا تلك المرأة التى سألها القديس مقاريوس الكبير عن سبب ذهابها إلى الكنيسة فأجابت بأنه قد مرت عليها ثلاثة أيام وهى فى راحة واطمئنان دون ان يرسل لها الله مشقة أو تجربة فخافت لئلا يكون معنى ذلك أن الله قد تخلى عن حبه لها فهى ذاهبة إلى الكنيسة لكى تصلى إلى الله أن يرسل لها تجربة تشعر بها أنه ما زال يحبها.
هذا نوع مشابه من الحياة المسيحية. ولعلك تسألنى الآن يا أخى العزيز سؤالاً تفصيلياً عن المعنى الذى أقصده من كلمة (صليب) فأقول أنه يجب عليك على الأقل أن تحمل الصلبان الآتية:
فهرس الكتاب
إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.