سلسلة إكثوس – ج048 – دفاع عن قانون ايمان مجمع نيقية – الفصل السادس – بقلم اثناسيوس الرسولي – القمص أثناسيوس فهمي جورج

هذا الفصل هو جزء من كتاب: سلسلة إكثوس – ج048 – دفاع عن قانون ايمان مجمع نيقية – بقلم اثناسيوس الرسولي – القمص أثناسيوس فهمي جورج. إضغط هنا للذهاب لصفحة تحميل الكتاب.

مَرَاجِعْ تُؤيِدْ المجمع ثيؤغنسطُس ، دِيونيسيوس السكندري ،ديونيسيوس الروماني ، أوريجانوس

25) هذا إذاً هو المعنى الذي به استخدم هؤلاء الذين اجتمعوا في نيقية هذه التعبيرات . لكن ، بعد ذلك ، لكي نُثبِت أنهم لم يخترِعوا من أنفسهم ( لأنَّ هذا أحد أعذارِهِمْ ) ، بل قالوا ما قد تسلَّموه من سابِقيهم ، نمضي قُدُماً لكي نُثبِت ذلك يضاً ، ولكي ندحض حتّى عُذرهم هذا . فلتعلموا إذاً أيها الآريوسيون أعداء المسيح أنَّ ثيؤغنسطُس ، وهو إنسان عالِمْ ، لم يرفُض عِبارِة ” مُساوِ في الجوهر “ لأنَّ في الكِتاب الثَّاني من مُؤلِفه ” Hypotyposes “ يكتُبْ عن الابن هكذا :

” إنَّ جوهر الابن ليس مُكتسباً من الخارِج ، ولا هو جاءَ من العدم ، بل ينبُع من جوهر الآب ، كمِثل الشُّعاع من الضوء ، وكمِثل البُخار من الماء ، إذ لا الشُّعاع ولا البُخار هو الماء نفسه أو الشمس نفسها ، ولا هو غريب عنها ، بل هو فيض من جوهر الآب الذي ليس فيه أي تقسيم . إذ كما أنَّ الشمس تظل كما هي ولا تضعُف بِسبب الأشعة التي تسكُبها ، كذلك فإنَّ جوهر الآب لا يتغيَّر بالرغم من أنه له الابن كصورة له “ . فبعد أن فحص ثيؤغنسطُس الأمر قبلاً ، يمضي قُدُماً لِيُقدِّم آرائهُ في كلِماته السابِقة .

بعد ذلك ديونيسيوس الذي كان أسقفاً للأسكندرية ، فعندما كتب ضد سابليوس وشرح باستفاضة تدبير المُخلِّص بِحسب الجسد ، ومن ثمَّ أثبت ضد السابليين أنَّ الابن هو الذي تجسَّد كما قال يوحنَّا وليس الآب ، كان هناك شك في أنه يقول أنَّ الابن مخلوق ومُبتدِئ ، وأنه ليس مُساوِ للآب في الجوهر ، فكتب عن هذا الأمر إلى ديونيسيوس سميُّه أسقف روما لِيحتج في دِفاعه بأنَّ ذلك كان افتراء عليه . وأكَّد  له أنه لم يدعو الابن مخلوقاً ، بل اعترف أنه مُساوِ في الجوهر . وجرت كلِماته هكذا :

” وقد كتبت في رِسالة أخرى دحض للتُهمة الزائِفة التي اتهموني بها ألا وهي أنني أُنكِر أنَّ المسيح مُساوِ لله في الجوهر . إذ رغم أني أقول أنني لم أجِد هذا المُصطلح في أي موضِع في الأسفار المُقدسة ، إلاَّ أنَّ مُلاحظاتي التي تلي ، والتي لم ينتبِهوا إليها ، ليس مُخالِفة لِهذا الإيمان . لأن اتخذت من الميلاد البشري مِثالاً لكونِهِ من طبيعة واحِدة بِوضوح تام ، ولاحظت أنَّ الآباء يختلِفون بالتأكيد عن أبنائِهِمْ فقط في كونِهِمْ ليسوا نفس الأشخاص ، وإلاَّ ما كان هناك آباء أو أبناء . وكما أسلفتُ ، لا أستطيع تقديم رِسالتي ( هذه ) بِسبب الظروف الحالية ، وإلاَّ كُنت أرسلتُ لك الكلِمات التي استخدمتها عينها أو حتّى نُسخة منها ، الأمر الذي سوف أفعله لو أُتيحت ليَّ الفُرصة . لكني واثِق مِمّا أتذكَّر ، أنني أوردت أمثِلة من الأشياء ذات الطبيعة الواحِدة . فعلى سبيل المِثال ، أي نبات ينبُت من بِذرة أو من جِذر ، يختلِف عن ذلك الذي ينبُت منه ومع ذلك يكون مُساوِ له تماماً في الطبيعة . وأي نهر يجري من نبع يكتسِب اسماً جديداً ، إذ لا النهر يُدعى نبعاً ولا النبع يُدعى نهراً ، رغم أنَّ كِلاهُما موجود ، والنهر هو الماء الذي يخرُج من النبع “ .

وعن كون كلِمة الله ليس صنعة أو خِلقة ، بل ابن حقيقي لِجوهر الآب وغير مُنقسِم ، كما كتب المجمع العظيم ، فهذا يُمكننا أن نراه في كلِمات ديونيسيوس أسقف روما الذي – بينما كان يكتُب ضد السابليين – هاجم بِعُنف هؤلاء الذينَ جرؤا أن يقولوا هذا :

بعد ذلك يُمكن أن أتناول هؤلاء الذين يقسِمون ويقطعون إلى أجزاء ويُدمِرون أقدس عقيدة في كنيسة الله ، ألا وهي وِحدانِية الأصل الإلهي ، جاعلين إيَّاه كما لو كان هناك ثلاثة قُوَى وجواهِر مُنقسِمة ، وثلاثة إلوهيات ( ثلاثة لاهوت godhead ) وقد أُخبِرتُ أنَّ بعض من بينكم أنتم المُعلِّمين للكلِمة الإلهية ، يقودون الطريق في هذا المُعتقد ، وهم ضد آراء سابليوس تماماً ، لأنه يقول بِتجديف أنَّ الابن هو الآب ، والآب هو الابن ، أمَّا هم فيعلمون إلى حدٍ ما بِوجود ثلاثة آلهة ، مُقسِمِين الواحِد القدوس Sacred Monad إلى ثلاثة جواهِر غريبة عن بعضها البعض ومُنفصِلة تماماً . إذ لابد أن يكون الكلِمة الإلهي مُتحِد مع إله الكون ، ولابد أن يستقِر الروح القدس ويسكُنْ في الله . وهكذا في واحِد كما في قمة ، أعني إله الكون ، لابد أن يتحِد الثَّالوث الإلهي ويكون معاً . لأنها عقيدة مرقيون الوقِح أن يُمزِق ويُقسِّم الأصل الإلهي Monarchy إلى ثلاثة أصول ، وهو تعليم الشيطان وليس تعليم تلاميذ المسيح الحقيقين ومُحبي تعاليم المُخلِّص . لأنهم يعرِفون جيداً أنَّ الأسفار الإلهية تُبشِّر بالثَّالوث . بينما لا العهد القديم ولا العهد الجديد يُبشِر بِثلاثة آلهة . وبِالمِثل ينبغي أن يُوبِخ المرء هؤلاء الذين يعتقِدون أنَّ الابن مخلوق ، ويعتبِرون أنَّ الرب قد جاء إلى الوجود كواحِد من الأشياء التي أتت إلى الوجود ، رغم أنَّ الوحي الإلهي يشهد لِميلاد لائِق بِهِ ومُناسِب ، لكن لا يشهد لأي خلق أو صُنْع له . إذاً هو تجديف ، ليس عادي ، بل أقصى تجديف ، أن يُقال أنَّ الرب هو إلى حدٍ ما مخلوق . لأنه إذا كان قد صار ابناً بينما هو لم يكُنْ قبل ذلك ، لكن كان موجوداً دوماً ، وإذا كان في الآب كما يقول هو نفسه ، وإذا كان المسيح كلِمة وحِكمة وقُوَّة ( وهو أمر يذكُره الكِتاب المُقدس كما تعرِفون ) ، وهذه الصِفات هي قُوَى الله ، إذاً إذا كان الابن قد أتى إلى الوجود ، فقد كان هناك وقت لم تكُنْ فيه هذه الصِفات موجودة ، وبالتالي كان هناك وقت كان فيه الله بِدون هذه الصِفات ، وهو تفكير مُنافِ تماماً للعقل . ولِماذا استطردُ في الحديث عن هذه النِقاط لكم أنتم المملوئين بالروح والواعين جيداً بِهذه السخافات التي تنتُج عن القول بأنَّ الابن مخلوق ؟ فإذ كان أصحاب هذه الآراء – حسبما أعتقِد – غير مُلمين بالحقائِق ، ضلُّوا تماماً عن الحق في شرحِهِمْ – بِعكس معنى الكِتاب المُقدس الإلهي والنبوي في النص – للكلِمات ” الرَّبُّ قناني أوَّل طريقِهِ مِنْ قِبَل أعمالِهِ مُنْذُ القِدَم “ ( أم 8 : 22 ) . لأنَّ معنى ” قناني “ كما تعرِفون ، ليس واحِد ، لأننا لابد أن نفهم ” قناني “ في هذا الموضِع بِمعنى أنَّ الأعمال ” مخلوقة بالابن نفسه “ . و” قناني “ هنا ينبغي ألاَّ تُفهم بِمعنى ” صُنْع “ لأنَّ الإقتناء يختلِف عن الصُّنْع ، ” أليْسَ هو أباكَ ومُقتنيِكَ . هو عَمِلَكَ وأنشأكَ “ ( تث 32 : 6 ) هذا ما يقوله موسى في تِسبِحته العظيمة في سِفْر التثنية . ويُمكن أن يقول لهم المرء : أيها الطائِشون ، هل هو مصنوع ، وهو ” بِكْرُ كُلِّ خَلِيقَةٍ ؛ المولود من رَحِم الفجر “ ( كو 1 : 15 + مز 110 : 3 ) والذي قال ، كحِكمة ” مِنْ قَبْلِ أنْ تقرَّرت الجِبال قبل التِّلالِ أبدِئتُ “ ؟ وفي مواضِع عديدة في الوحي الإلهي يُقال عن الابن أنه قد وُلِدْ ، ولكن لا يُذكر في أي موضِع أنه جاءَ إلى الوجود ، الأمر الذي يدين بِوضوح هؤلاء ذَوِي الفهم الخاطِئ عن ميلاد الرب ، والذين يجرأون أن يسمُّوا ميلاد الإلهي والفائِق للوصف صُنعاً . إذاً يجِب ألاَّ نقسِم الأصل الواحِد الإلهي العجيب إلى ثلاثة إلوهيات ، وأيضاً ألاَّ ننتقِص من كرامة الرب وعَظَمَته الفائِقة باستخدام اسم ” صنعة “ ، لكن لابد أن نُؤمِنْ بالله الآب ضابِط الكلّ ، وبِالمسيح يسوع ابنه ، وبِالروح القدس ، ونُؤمِنْ أنَّ الكلِمة مُتحِد مع إله الكون . لأنه يقول ” أنا والآب واحِد “ ( يو 10 : 30 ) و” أنا في الآب والآب فيَّ “ ( يو 14 : 10 ) . إذ هكذا سوف يُحفظ كلٍّ من الثَّالوث الإلهي والكِرازة المُقدسة بالأصل الإلهي .

27) وفيما يخُص الوجود الأزلي للكلِمة مع الآب ، وأنه ليس من جوهر آخر بل هو من جوهر الآب ، كما قال الأساقِفة في المجمع ، يُمكن أن يُسمع أيضاً من أوريجانوس المُحِبْ للعمل ، لأنَّ ما كتبه كأنه يتساءل ، هذا لا تدع أحداً يتخِذ منه تعبيراً عن آرائِهِ الخاصَّة ، بل تعبير عن أطراف يتجادلون في البحث والتقصِّي ، بل ما أعلنه هو تحديداً . هذا هو رأى الإنسان المُحِبْ للعمل . فبعد مقالته التمهيدية ضد الهراطِقة يُقدِّم على الفور إيمانه الشخصي هكذا :

إذا كان هناك أيَّة صورة للإله غير المنظور ، ستكون صورة غير منظورة ، بل وسوف أجرؤ أن أضيف أنها ، لِكونِها شِبه الآب ، لم تكُنْ قط غير موجودة . إذ متى كان ذلك الإله الذي بِحسب يوحنَّا يُسمَّى نوراً ( لأنَّ الله ” نور “ ) بِدون شُعاع أو بهاء لِمجده ، حتّى يجرؤ إنسان أن يتحدَّث عن أصل وجود الابن كما لو لم يكُنْ موجوداً قبلاً ؟ لكن متى كانت صورة جوهر الآب الفائِق لِلوصف والذي بلا اسم والغير منطوق بِهِ ، أي ذلك التعبير والكلِمة والذي يعرِف الآب ، غير موجودة ؟ ولِيفهم جيداً من يجرؤ أن يقول ” كان هناك وقت لم يكُنْ فيه الابن موجوداً “ أنه يقول ” كان هناك وقت لم يكُنْ فيه الحِكمة موجوداً “ و” الكلِمة لم يكُنْ موجوداً “ و” الحياة لم تكُنْ موجودة “ .

وأيضاً يقول في موضِع آخر :

” لكنه ليس أمراً بسيطاً ولا بِدون خطر أننا ، بِسبب ضعف فِهمِنا ، نُجرِّد الله ، من الكلِمة الوحيد الجِنْس الموجود أزلياً معه ، ومن الحِكمة الذي سُرَّ هو بِهِ ، وإلاَّ كان من الضروري أن نتصوره على أنه ليس مملوء دوماً بالمسرَّة “ .

ها نحن نُثبِت أنَّ هذا الفِكْر قد سُلِّم من أب إلى أب . أمَّا أنتم أيها اليهود الجُدُد وتلاميذ قِيافا ، كم عدد الآباء الذينَ يُمكن أن تنسِبوهم لِتعبيراتِكُمْ ؟ ليس حتّى واحِد ذو فهم وحِكمة ، لأنَّ الجميع يمقتونكم ، إلاَّ الشيطان وحده ، فليس أحد غيره أبوكم في هذا الإرتداد ، الذي في البِداية بَذَرَ فيكم بِذار هذا المروق ، والذي يقنِعكم الآن أيضاً أن تفتِروا على المجمع المسكوني ، لأنه ( أي المجمع ) كتب – ليس عقائِدكم – بل تلكَ العقائِد التي سلَّمها إلينا من البِداية هؤلاء الذينَ كانوا شهود عيان وخُدَّام للكلِمة . لأنَّ الإيمان الذي اعترف بِهِ المجمع كِتابةً هو إيمان الكنيسة الجامِعة ، ولكي يُؤكِد الآباء ذلك عبَّروا عن أنفسهم هكذا وهم يدينون البِدعة الآريوسية . وهذا سبب رئيسي وراء إفترائِهِمْ على المجمع وثلبهم له . إذ ليست التعبيرات هي التي تزعجهم بل كون هذه التعبيرات تُثبِت أنهم هَرَاطِقة ووقِحين أكثر من الهرطقات الأخرى .

 

 



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.