سلسلة إكثوس – ج048 – دفاع عن قانون ايمان مجمع نيقية – الفصل الخامس – بقلم اثناسيوس الرسولي – القمص أثناسيوس فهمي جورج

هذا الفصل هو جزء من كتاب: سلسلة إكثوس – ج048 – دفاع عن قانون ايمان مجمع نيقية – بقلم اثناسيوس الرسولي – القمص أثناسيوس فهمي جورج. إضغط هنا للذهاب لصفحة تحميل الكتاب.

دِفاع عن تعبيرات المجمع” مِنْ جوهر “ و” مُساوِ في الجوهر “

إعترض بأنَّ التعبيرات ليست كِتابية . يجب علينا أن ننظُر إلى المعنى وليس إلى الكلِمات فقط . مُراوغة الآريوسيين وتهرُّبهم من تعبير ” من الله “ الوارِد في الكِتاب المُقدس . تهرُّبهم وتجنُّبهم لِكُلّ التفسيرات التي اختارها المجمع والمقصود بها دحض الصيغة الآريوسية . إعتراض بأنَّ هذه التعبيرات تحمِل معنى مادِّي .

18) لقد فُحِص يوسابيوس وأتباعه في الفترة السابقة باستفاضة كبيرة ، وقد أدانوا أنفسهم – كما أسلفت – عندما وافقوا ( على تعريف إيمان مجمع نيقية ) ، وبعد تغيير الذهن هذا ، استمروا في هدوء وتراجُع ، إلاَّ أنَّ الحزب الحالي ، في غرور الفُجُور الجديد ، وبِذِهن مُشوش عن الحق ، يُهاجِم المجمع بِعُنف تام ويتهمه . دعهم يُخبِروننا : من أي نوع من الأساقفة تعلَّموا ، أو مَنْ هو القديس الذي علَّمهم ، حتّى أنهم جمعوا معاً العِبارات ” من العدم “ و” لم يكُنْ موجوداً قبل ميلاده “ و” لم يكُنْ موجوداً “ و” مُتغيِر “ و” الوجود السَّابِق “ و” عند مشيئة “ والتي هي ( أي العِبارات ) اختراعاتِهِم في الاستهزاء بالرب . لأنَّ المُبارك بولس في رِسالته إلى العبرانيين يقول ” بِالإيمان نفهمُ أنَّ العالمينَ أُتقِنَت بِكلِمةِ الله حتّى لم يتكوَّن ما يُرَى مِمَّا هو ظاهِر “ ( عب 11 : 3 ) . لكن ليس هناك أي شيء مُشترك بين الكلِمة والعالمين ، لأنه هو الكائِن قبل العالمين والذي بِهِ أيضاً وُجِدت العالمين . وفي كِتاب الرَّاعي ( هِرماس ) ( لأنهم يتذرَّعون بهذا الكِتاب أيضاً رغم أنه ليس ضِمْن قانون الأسفار الإلهية ) مكتوب ” أوِّل كلّ شيء آمِنْ أنَّ الله واحِد ، الذي خلق كلّ الأشياء ورتَّبها ، وأتى بجميع الأشياء من العدم إلى الوجود “ . لكن هذا أيضاً لا يخُص الابن لأنه ( أي كِتاب الرَّاعي ) يتحدَّث عن سائِر الأشياء التي خُلِقت بِهِ ، والتي هو مُتميِز عنها ، إذ من المُستحيل أن نعتبِر خالِق الكُلّ ضِمْن الأشياء التي خلقها هو نفسه ، إلاَّ إذا كان هناك إنسان خارِج عن طوره جداً حتّى يقول أنَّ المِعماري أيضاً هو مثل المباني التي يُشيِّدها .

لِماذا إذاً ، بعدما اخترعوا من جانبهم عِبارات غير كِتابية لأغراض الفُجُور وعدم التقوى ، يتهمون هؤلاء الذين هم أتقياء في استخدامهم لها ؟ لأنَّ الفُجُور والمروق ممنوع تماماً ، بالرغم من مُحاولة إخفائه وراء تعبيرات بارِعة وسفسطة مقبولة ظاهرياً . أمَّا التقوى ، فالجميع يُقِر أنها قانونية ، حتّى لو قُدِّمت بتعبيرات غريبة بشرط فقط أن تُستخدم هذه بِرؤية تقية وبِرغبة في جعلها تعبيراً عن أفكار تقية . إنَّ التعبيرات السَّالِفة الذِكْر التي يستخدِمها أعداء المسيح قد أثبتت أنها – سابِقاً والآن – ملآنة بعدم التقوى والفُجُور . بينما تعريف المجمع ، في مُقابِلها ، إذا فُحِص بِدِقة ، سيُثبِت أنه تقديم كامِل للحق ، وخاصَّة إذا أعطينا اهتماماً دقيقاً بالمُناسبة التي تسبَّبت في استخدام هذه التعبيرات ، وهذه المُناسبة كانت معقولة وكانت كما يلي :

19) إذ كان المجمع يُريد أن يدحض تعبيرات المروق التي للآريوسيين ، وأن يستخدِم بدلاً منها الكلِمات المُعترف بها والتي للأسفار الإلهية ، أي أنَّ الابن ليس من العدم بل ” من الله “ وأنه هو ” كلِمة “ و” حِكمة “ وليس خِلقة أو صنعة ، بل هو ابن حقيقي للآب ، وإذ كان يوسابيوس وأتباعه ، مُنقادين بِبِدعتهم العنيدة ، يفهمون عِبارة ” من الله “ كأنها تخُصنا نحن ، كما لو كان كلِمة الله لا يختلِف عنَّا في أي شيء في هذا المنحى ، وذلك لأنه مكتوب هناك ” إلهٌ واحِدٌ الذي مِنْهُ جميعُ الأشياء “ ( 1كو 8 : 6 ) ، وأيضاً ” الأشياءُ العتيقةُ قد مضت . هُوذا الكُلُّ قد صَارَ جديداً . ولكنَّ الكُلَّ مِنَ اللهِ “ ( 2كو 5 : 17 – 18 ) ، لِذلك لأنَّ الآباء كانوا يفهمون خِداعهم ومُراوغتهم ومكر فُجُورِهِمْ ، كانوا مُرغمين على أن يُعبِّروا بتمييز ووضوح أكثر عن معنى الكلِمات ” من الله “ . وبالتالي كتبوا ” من جوهر الله “ ، لكي لا تُعتبر عبارة ” من الله “ كأنها مُشتركة ومُتساوية في الابن وفي الأشياء المخلوقة ، بل يُعترف بأنَّ كلّ الأشياء الأخرى هي مخلوقات وأنَّ الكلِمة وحده هو من الآب . إذ بالرغم من أنه قد قيل أنَّ جميع الأشياء من الله ، إلاَّ أنَّ هذا ليس بالمعنى الذي به الابن من الآب . إذ فيما يخُص المخلوقات ، قيلت عنهم عِبارة ” من الله “ في هذا الصدد بِمعنى أنهم لم يُوجدوا عشوائياً أو تِلقائياً ، ولا جاءوا إلى الوجود بالصُدفة ، كما يقول هؤلاء الفلاسِفة الذين يُرجِعون المخلوقات إلى إتحاد الذرَّات وإلى العناصِر التي لها تراكيب مُتماثِلة ، ولا حسبما يتحدَّث بعض الهراطِقة عن خالِق مُتميِز ، ولا كما يقول آخرون أيضاً بأن خلق سائِر الأشياء هو من بعض الملائِكة ، بل بِمعنى أنه ( بينما الله كائِن وموجود ) بِهِ جُلِبت كلّ الأشياء إلى الوجود – والتي لم تكُنْ موجودة قبلاً – بِكلِمتِهِ . أمَّا بالنسبة للكلِمة ، فإذ هو ليس مخلوق ، لِذلك هو الوحيد الذي يُسمِّي – وهو فعلاً كذلك – ” من الآب “ ، ومن الهام بهذا المعنى أن نقول أنَّ الابن هو ” من جوهر الآب “ إذ لا ينطبِق هذا على أي شيء مخلوق . وحقاً عندما يقول بولس ” مِنْهُ جميعُ الأشياء “ يُضيف على الفور ” وربٌّ واحِدٌ يسوع المسيح الذي بِهِ جميعُ الأشياء ونحنُ بِهِ “ ( 1كو 8 : 6 ) لكي يُظهِر لِجميع الناس أنَّ الابن مُختلِف عن جميع الأشياء التي وُجِدت من الله ( لأنَّ الأشياء التي وُجِدت من الله وُجِدت بابنه ) ، ولكي يُظهِر أنه استخدِم الكلِمات السَّالِفة في الإشارة إلى العالم كمخلوق من قِبَل الله ، وليس كما لو كانت جميع الأشياء من الآب بِنفس الطريقة التي بها الابن منه . إذ لا الأشياء الأخرى مثل الابن ، ولا الكلِمة واحِد ضِمْن آخرين ، لأنه رب وخالِق الكلّ . وبُناء على هذا ، أعلن المجمع المُقدس بِوضوح أنه من جوهر الآب حتّى نُؤمِنْ أنَّ الكلِمة مُختلِف عن طبيعة الأشياء المخلوقة لأنه هو وحده حقاً من الله ، وأنه لا يجب أن تُترك أيَّة ذريعة مُتاحة لعديم التقوى . هذا إذاً كان السبب في كِتابِة المجمع لِعبارِة ” من جوهر “ .

20) أيضاً عندما قال الأساقفة أنَّ الكلِمة لابد أن يُوصف بأنه القُوَّة والصورة الحقيقية للآب ، وأنه في جميع الأمور مُماثِل للآب ، وأنه غير مُتغيِر ، وأنه موجود دائِماً ، وأنه فيه ( أي في الآب ) بِدون انقسام ( لأنَّ الابن لم يكُنْ قط غير موجود ، بل كان موجوداً دائِماً ، كائِناً أزلياً مع الآب كمِثْل شُعاع النور ) ، عندما قال الأساقِفة ذلك ، احتمل يوسابيوس وأتباعه فعلاً – لأنهم لم يجرُؤا على أن يخالفوا – أن تخزيهم الحِجَجْ التي قُدِّمت ضِدَّهم ، لكن بالرغم من ذلك ، ضُبِطوا وهم يهمسون لِبعضهم البعض ويغمِزون بِعيونِهِم أنَّ ( التعبيرات ) ” شِبْه “ و” دائِماً “ و” قُوَّة “     و” فيه “ هي – كما كانت قبلاً – مُشتركة بيننا وبين الابن ، وأنه ليس أمراً صعباً أن يُوافِقوا عليها . فبالنسبة لِتعبير ” شِبْه “ يقولون أنه كُتِب عنَّا ” الرَّجُل ….. صُورة اللهِ ومجدِهُ “ ( 1كو 11 : 7 ) ، وعن التعبير ” دائِماً “ يقولون ” لأننا نحنُ الأحياء … دائِماً “ ( 2كو 4 : 11 ) ، وعن التعبير ” فيه “ يقولون ” بِهِ نحيا ونتحرَّك ونُوجدُ “ ( أع 17 : 28 ) ، وعن التعبير ” غير مُتغيِر “ يقولون أنه مكتوب ” مَنْ سيفصِلنا عن محبَّة المسيح “ ( رو 8 : 35 ) ، وعن ” القُوَّة “ يقولون أنَّ الجراد الغوغاء والطَّيَّار يُسمَّى ” جيش “ و” جيش عظيم “ ( يؤ 2 : 25 ) ، وأنه قيل في أحيان كثيرة عن الناس ، وعلى سبيل المِثال ” جميع أجناد ( قُوَّات ) الرَّبِّ خرجتَ مِنْ أرضِ مِصْرَ “ ( خر 12 : 41 ) ، وهناك أمثلة أخرى ، سماوية ، لأنَّ الكِتاب المُقدس يقول ” ربُّ الجُنُود ( القُوَّات ) معنا . ملجأُنا إلهُ يعقوب “ ( مز 46 : 7 ) . وبالفِعْل قال أستريوس Asterius ، المُلقب بالسوفُسطائي ، شيء مثل ذلك كِتابة بعد أن تعلَّمه منهم ، وقبله آريوس الذي تعلَّمه أيضاً ، كما ذكرنا . إلاَّ أنَّ الأساقِفة ، لأنهم ميَّزوا في ذلك أيضاً خِداعهم ، ولأنه مكتوب ” الغِشُّ في قلب الَّذِينَ يُفكِّرون في الشَّرِّ “ ( أم 12 : 20 ) لِذلك اضطروا ثانية من جانبهم أن يجمعوا معنى الأسفار الإلهية ، وأن يقولوا ثانية ويكتِبوا ثانية ، بِوضوح وتحديد أكثر ، ما كانوا قد قالوه قبلاً ، أي أنَّ الابن هو ” مُساوِ في الجوهر “ للآب ، مُوضحين أنَّ الابن هو من الآب ، وليس مُجرَّد شِبْه بل هو مثل الآب تماماً ، مُظهرين أنَّ شِبْه الابن وعدم تغيُّره يختلِف عن شَبَهْنا نحن لله والذي نناله من الفضيلة على أساس حِفْظ الوصايا . لأنَّ الأجساد التي يُشبِه كلٍّ منها الآخر يُمكن أن تنفصِل وأن تبعِد عن بعضها البعض ، مثل الأبناء البشريين بالنسبة لوالديهم ( كما هو مكتوب عن آدم وشيث ، الذي وُلِد منه ، أنه كان على شَبَهه كصورته تك 5 : 3 ) . لكن لأنَّ ميلاد الابن ليس بِحسب طبيعة الناس ، وهو ليس فقط مثل الآب ، بل وأيضاً غير مُنفصِل عن جوهره ، وهو والآب واحِد ، كما قال هو نفسه ، ولأنَّ الكلِمة هو دوماً في الآب والآب في الكلِمة ، كما الشُّعاع بالنِسبة للضوء ( لأنَّ التعبير نفسه يُوضِح ذلك ) ، لِذلك فإنَّ المجمع إذ وعى وفَهَمْ ذلك ، كتب بطريقة مُناسبة تعبير ” مُساوِ في الجوهر “ لكي يهزِموا ضلال الهراطِقة ، ولكي يُظهِروا أنَّ الكلِمة مُختلِف عن الأشياء المخلوقة . لأنهم بعد أن كتبوا هذا ، أضافوا على الفور ” أمَّا هؤلاء الذين يقولون أنَّ ابن الله هو من العدم ، أو مخلوق ، أو مُتغيِر ، أو صنعة ، أو من جوهر آخر ، فهؤلاء تحرِمهم الكنيسة المُقدسة الجامِعة “ . وبِقولِهِمْ هذا أعلنوا بِوضوح وتحديد أنَّ التعبيرات ” من جوهر “و” مُساوِ في الجوهر “ تدحض شِعارات الفُجُور مثل ” مخلوق “ و” صنعة و” مُبتدِئ “ و” مُتغيِّر و لم يكُنْ موجوداً قبل ميلاده “ . ومَنْ يتمسَّك بِهذه الشِعارات ، يُخالِف المجمع ، أمَّا مَنْ لا يتفِق مع آريوس ، فلابد أنه يتمسَّك بِقرارات المجمع ويعنيها مُعتبِراً أنها تدُل بطريقة مُناسبة على عِلاقة الشُّعاع بالنور ، ومن ثمَّ ينال صورة توضيحية للحق .

21) لِذلك إذا كانوا – مثل الآخرين – يُقدِّمون عُذراً بأنَّ هذه التعبيرات غريبة ، دعهم يُفكِرون في المعنى الذي بِهِ كتب المجمع ذلك ، ويحرِمون ما قد حرمه المجمع ، وعندئذٍ دعهم – إن استطاعوا – يجدون أي خطأ في هذه التعبيرات . لكني أعلم جيداً أنهم إذا كانوا يقبلون المعنى الذي يقصِده المجمع ، فسوف يقبلون تماماً المُصطلحات التي يُقدِّم بها هذا المعنى ، في حين أنه إذا كان هو المعنى الذي يُريدون أن يعترِضوا عليه ، فلابد أن يعتبِر الجميع أنه عبث وتفاهة منهم أن يناقشوا صِياغِة الكلِمات ، عندما لا يسعون إلاَّ إلى وسائِل لِلفُجُور وعدم التقوى . إنَّ هذا هو سبب هذه التعبيرات ، لكن إذا كانوا لا يزالون يعترِضون قائِلين أنَّ مثل هذه التعبيرات غير كِتابية ، فإنَّ هذا الاعتراض نفسه هو سبب لإلقائِهِمْ خارِجاً لأنهم يتحدَّثون عبثاً ومُضطربين في أذهانِهِمْ . ودعهم يلومون أنفسهم في هذا الأمر ، لأنهم هم الذين وضعوا المِثال ، مُبتدئين حرباً ضد الله بِكلِمات ليس من الكِتاب المُقدس . على أيَّة حال ، إذا كان هناك أي إنسان مُهتم بالموضوع ، دعه يعلم أنه حتّى إذا لم تكُنْ هذه التعبيرات موجودة بِكلِمات كثيرة جداً في الكِتاب المُقدس ، فمع ذلك – كما قُلنا قبلاً – هي تتضمن وتحوي معنى الأسفار المُقدسة ، وإذ تُعبِّر عنه ، تُقدِّمه إلى هؤلاء الذين لهم مسامِع سليمة غير فاسِدة للعقيدة التقية . والآن هذه الحقيقة هي لك لكي تُفكِر فيها ولِهؤلاء الذينَ تلقوا تعليماً خاطِئاً لِيصغوا إليها . لقد ثبت عاليه – ولابد أن نُؤمِنْ بِهِ كأمر حقيقي – أنَّ الكلِمة هو من الله ، وأنه هو ابنه الوحيد والطبيعي . إذ من أين يعتقِد المرء أنَّ الابن كائِنْ ، الذي هو حِكمة وكلِمة وفيه كلّ الأشياء قد وُجِدت ، إلاَّ من الله نفسه ؟ والأسفار الإلهية تُعلِّمنا هذا ، لأنَّ الآب يقول بِداود ” فَاضَ قلبي بِكلامٍ صالِحٍ “ ) ( مز 45 : 1 ) ، و” مِنْ رَحِم الفجرِ لَكَ طَلُّ حَدَاثَتِكَ “ ( مز 110 : 3 ) ، والابن يُعلِن لليهود عن نفسه قائِلاً ” لو كان اللهُ أباكُمْ لكُنتُمْ تُحبُّونني لأني خرجتُ مِنْ قِبَل اللهِ “ ( يو 8 : 42 ) ، وأيضاً  ” ليس أنَّ أحداً رأى الآبَ إلاَّ الذي مِنَ اللهِ . هذا قد رأى الآبَ “ ( يو 6 : 46 ) ، وأكثر من ذلك أنَّ قوله ” أنا والآب واحِد “ ( يو 10 : 30 ) ، و” أنا في الآبِ والآبَ فيَّ “ ( يو 14 : 10 ) ، إنما هو مُساوِ لِلقول ” أنا من الآب وغير مُنفصِل عنه “ ، ويوحنَّا في قوله ” الابن الوحيدُ الذي هو في حِضْنِ الآبِ هو خَبَّر ( يو 1 : 18 ) ، تحدَّث عمَّا كان قد تعلَّمه من المُخلِّص . وبالإضافة إلى ذلك ، ما الذي تُشير إليه عبارة ” في حِضْن “ إلاَّ ميلاد الابن الحقيقي من الآب ؟

22) إذا اعتبر أي إنسان أنَّ الله مُركَّب كأنه جوهر له عرض ، أو أنَّ له أي غُلاف خارجي ، وأنه يُمكن تحديده ، أو أنَّ هناك أي شيء فيه يُكمِّل جوهره ، بِمعنى أننا عندما نقول ” الله “ أو ” الآب “ لا نُشير إلى جوهر غير منظور وغير مُدرك ، بل إلى صِفة من صِفاته ، إذاً دعهم يعترِضون على بيان المجمع بأنَّ الابن هو من جوهر الله ، لكن دعهم يفهمون أنهم في قولِهِمْ ذلك ينطِقون بِتجديفين : لأنهم يجعلون الله جِسداني ، ويقولون خطأ أنَّ الرب ليس ابناً للآب نفسه ، بل صِفة من صِفاته ، لكن إذا كان الله بسيطاً ، كما هو بالفِعْل ، ينتُج عن ذلك أنه عند قولِنا  ” الله “ وتسميته ” الآب “ ، لا نُسمِّي صِفة من صِفاته بل جوهره نفسه .

فإذ رغم أنه يستحيل أن نفهم ماهية جوهر الله ، إلاَّ أننا إذا فهمنا فقط أنَّ الله موجود ، وإذا أشارت الأسفار المُقدسة إليه عن طريق هذه الألقاب ، فإننا بقصد الإشارة إليه وليس غيره ، ندعوه الله وآب ورب . عندئذٍ عندما يقول ” أهيه الذي أهيه “ ، و” أنا الرب الإله “ ( خر 3 : 14 – 15 ) ، أو عندما يقول الكِتاب المُقدس ” الله “ لا نفهم شيئاً آخر بِذلك إلاَّ الإشارة إلى جوهره غير المُدرك ذاته ، وأنَّ ذلك الذي الحديث عنه هو كائِنْ .

لِذلك يجب ألاَّ يجفل أحد عندما يسمع أنَّ ابن الله هو من جوهر الآب ، بل فليقبل بالأحرى شرح الآباء الذين بلغة أكثر تحديداً ، لكن مُساوية ، كتبوا بدلاً من تعبير ” من الله “ تعبير ” من جوهر “ .

لأنهم اعتبروه أمراً واحداً أن يقولوا أنَّ الكلِمة هو ” من الله “ و” من جوهر الله “ لأنَّ كلِمة ” الله “ ، كما قُلت بالفِعل ، لا تُشير إلاَّ إلى جوهر ذاكَ الكائِنْ . إذاً إذا لم يكُنْ الكلِمة – بِهذا المعنى – من الله ، كمثل أي ابن ، حقيقي وطبيعي ، من أي أب ، لكن فقط مثل المخلوقات لأنها مصنوعة ، ولأنَّ ” كلّ الأشياء من الله “ إذاً هو ليس من جوهر الآب ، ولا الابن أيضاً ابن بِحسب الجوهر ، بل نتيجة للفضيلة ، مثلنا نحن الذينَ نُدعى أبناء بالنِعمة . لكن كان إن هو فقط من الله كابن حقيقي ، وهو كذلك بالفِعل ، إذاً يُمكن أن يُدعى الابن بِحق ” من جوهر الله “ .

23) أيضاً مِثال النور وشُعاعه يُقدِّم هذا المعنى . لأنَّ القديسين لم يقولوا أنَّ الكلِمة مُرتبِط بالله كمِثل نار اشتعلت من حرارة الشمس ، والتي عادة ما تُطفئ ثانية ، لأنَّ ذلك عمل خارجي ومخلوق خاص بصانِعِهِ . لكنهم جميعاً ( أي القديسين ) يكرِزون بِهِ كشُعاع ، وبِذلك يُشيرون إلى كونِهِ من الجوهر ، وإلى كونِهِ حقيقي وغير مُنقسِم ، وإلى وِحدته مع الآب . وهذا أيضاً يضمن عدم تغيُّره الحقيقي وعدم تبدُّله ، إذ كيف يُمكن أن تكون هذه صِفاته إلاَّ إذا كان ابن حقيقي من جوهر الآب ؟ لأنَّ هذا أيضاً يجب أن يُفهم على أنه يُؤكِد تماثُله مع أبيه هو . وإذ لشرحنا بُعدُ تقوى جداً ، يجِب ألاَّ يجفل أعداء المسيح بِسبب ” مُساوِ في الجوهر “ لأنَّ هذا التعبير له معنى صحيح وأسباب جيدة . الحق أنه إذا قُلنا أنَّ الكلِمة هو من جوهر الله ( إذ بعدما قيل يجب أن يكون هذا تعبيراً يقبلونه ) ، فما الذي يعينه هذا إلاَّ حقيقة وأزلية الجوهر الذي هو مولود منه ؟ لأنه ليس مُختلِفاً في النوع لِئلاَّ يتحِد مع جوهر الله كشيء غريب ومُختلِف عنه . ولا هو يُشبِهه على المُستوى الخارِجي فقط لِئلاَّ يبدو في بعض المناحي ، أو فيها كلّها ، مُختلِف في الجوهر ، مثلما يلمع النحاس الأصفر مثل الذهب ، والفِضة مثل القصدير . لأنَّ هذه غريبة ومن طبيعة أخرى ، فتختلِف عن بعضها البعض في الطبيعة والخصائِص ، فلا النحاس الأصفر مُوافِق للذهب ، ولا الحمامة مولودة من اليمامة ، لكن رغم أنهم يُعتبروا مُتماثلين ، إلاَّ أنهم يختلِفون في الجوهر . إذاً لو كان الأمر هكذا ، لكان مخلوقاً مثلنا نحن وليس مُساوِ في الجوهر . أمَّا إذا كان الابن هو كلِمة وحِكمة وصورة الآب وشُعاعه ، إذاً لابد أن يكون – بِصواب تام – مساوياً في الجوهر . لأنه ما لم يثبُت أنه ليس من الله ، بل أداة مُختلِفة في الطبيعة ومُختلِفة في الجوهر ، فبالتأكيد كان المجمع صحيحاً في عقيدته ومُصيباً في قراره .

24) كذلك يجب أن يُستقصي أي استنتاج جِسداني عن هذا الموضوع ، وإذ نتنزه عن أي تخيُّل للمعنى ، دعنا ، بِفهم نقي وبالعقل وحده ، نفهم العِلاقة الحقيقية بين الآب والابن ، والعِلاقة الحقيقية بين الكلِمة والآب ، والشبه غير المُتغيِر بين الشُّعاع والنور . لأنه كما تعني الكلِمات ” ابن “ و” مولود من “ – وقصد بها أن تعني – ليس أي معنى بشري ، بل معنى لائِق بالله ، بِنفس الطريقة عندما نسمع تعبير ” مُساوِ في الجوهر “ يجِب ألاَّ نفهم أي معانِ بشرية ، وألاَّ نتخيَّل تقسيمات أو تجزيئات في اللاهوت ، بل ونحن مُوجِهين أفكارنا نحو الأمور غير المادية ، دعنا نحفظ وِحدة الطبيعة وهَوِيِة النور غير مُنقسمين ، لأنَّ ذلك يخُص أي ابن فيما يتعلَّق بالآب ، وفي هذا يظهر أنَّ الله هو آب حقيقي للكلِمة . هنا أيضاً تشبيه النور وشُعاعه وثيق الصِلة بالموضوع . فَمَنْ ذا الذي يجرُؤ أن يقول أنَّ الشُّعاع مُختلِف وغريب عن الشمس ؟ بل مَنْ ذا الذي عندما يُفكِر في الشُّعاع وعِلاقته بالشمس وهَوِيِة النور ، لا يقول بِثِقة ” حقاً النور والشُّعاع هما واحِد ، والواحِد منهُما مُستعلن في الآخر ، والشُّعاع هو في الشمس حتّى أنَّ مَنْ يرى هذا يرى ذاكَ أيضاً “ ؟ ، لكن مثل هذه الوِحدة والخاصية الطبيعية ماذا يجِب أن يسمِّيها هؤلاء الذينَ يُؤمِنون ولهم رُؤية صائِبة إلاَّ مولود مُساوِ في الجوهر ؟ وابن الله ، ماذا يجِب أن نعتبِره ، بطريقة مُناسبة ولائِقة ، إلاَّ كلِمة وحِكمة وقُوَّة ؟ وإنها لخطية أن نقول أنَّ هذا الكلِمة والحِكمة والقُوَّة هو غريب عن الآب ، وجُرْم أن نتخيَّل أنه ليس مع الله السرمدي . إذ بهذا الابن صنع الآب جميع الأشياء ، ومدّ عِنايته الإلهية لِتشمل سائِر الأشياء ، وبِهِ يُمارِس محبته للإنسان ، وهكذا هو والآب واحِدٌ ، كما قد قيل ، إلاَّ إذا قام هؤلاء الضَّالون بِمُحاولة جديدة وقالوا أنَّ جوهر الكلِمة ليس مثل النور الذي فيه  ( أي في الكلِمة ) من الآب ، كما لو كان النور الذي في الابن واحِدٌ مع الآب ، بينما الابن نفسه غريب في الجوهر لكونِهِ مخلوق . إلاَّ أنَّ هذا بِبساطة هو إيمان قيافا والسموسطائيين والذين حرمتهم الكنيسة ، لكن هؤلاء الآن مُتنكِرون ، وبِهذا سقطوا من الحق وأُعلِنَ أنهم هراطِقة . لأنه إذا كان يشترِك ( أي الابن ) تماماً في النور الذي من الآب ، لِماذا لا يكون هو بالأحرى ذلك النور الذي يشترِك فيه ، حتّى لا يكون هناك أي وسيط بينه وبين الآب ؟ وإلاَّ لا يعود بعد واضِحاً أنَّ جميع الأشياء قد خُلِقت بالابن ، بل خلقها ذاكَ ( أي الوسيط أو النور ) الذي يشترِك هو ( أي الابن ) فيه . وإذا كان هو كلِمة وحِكمة الآب الذي فيه يُستعلن الآب ويُعرف ، والذي يخلِق العالم ، والذي بِدونه لا يفعل الآب شيئاً ، فمن الجلي أنه هو الذي من الآب : لأنَّ جميع الأشياء المُبتدِأة تشترِك فيه ، كما تشترِك في الروح القدس . وإذ هو كذلك ، لا يُمكن أن يكون من العدم ، ولا أن يكون مخلوقاً على الإطلاق ، بل بالأحرى ابن حقيقي من الآب كما الشُّعاع من النور .

 

 



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.