سلسلة إكثوس – ج048 – دفاع عن قانون ايمان مجمع نيقية – الفصل الرابع – بقلم اثناسيوس الرسولي – القمص أثناسيوس فهمي جورج

هذا الفصل هو جزء من كتاب: سلسلة إكثوس – ج048 – دفاع عن قانون ايمان مجمع نيقية – بقلم اثناسيوس الرسولي – القمص أثناسيوس فهمي جورج.

إضغط هنا للذهاب لصفحة تحميل الكتاب.

على المعنى الجامِع لِكلِمة ” ابن “

قُوَّة ، كَلِمة أو عقل ، وحِكمة ، أسماء الابن تتضمن الأزلية ، وكذلك لقب ” الينبوع “ الخاص بالآب . الآريوسيون يرُدُّون قائِلين أنَّ هذه الأسماء لم تكُنْ تخُص الابن قبلاً ، بل هي أسماء أُعطِيت له ، وأنَّ الله له كلِمات وقُوَى عديدة … إلخ . لِماذا ليس هناك إلاَّ ابن وكلِمة واحِد … إلخ . كلّ ألقاب الابن تُوجد فيه معاً في وقتٍ واحِد .

15) إنَّ هذا كافِ تماماً لِفضح خزي البِدعة الآريوسية ، لأنه – حسبما أعطى الرب – من كلِماتِهِمْ نفسها يرتد الفُجور وعدم التقوى إليهم ثانية . لكن تعال الآن ودعنا من جانِبنا نُسايِر المُخطِئ ونطلُب منهم إجابة ، لأنَّ الوقت الآن مُناسِب ، عندما خذلتهم حِجَّتهم نفسها ، لأن نسألهم على أساس حِجَجَنا نحن ، فربما ذلك يُربِك ويُخزي الضَّال ويكشِف لهم من أين سقطوا . لقد تعلَّمنا من الأسفار الإلهية أنَّ ابن الله ، كما ذُكِرْ عاليه ، هو كلِمة وحِكمة الآب نفسه ، لأنَّ الرَّسول يقول ” المسيح قُوَّة اللهِ وحِكمةِ اللهِ “ ( 1كو 1 : 24 ) ، ويوحنَّا بعد أن يقول ” والكلِمة صَارَ جسداً “ يُضيف على الفور ” ورأينا مجدهُ مجداً كما لِوحيدٍ من الآب مملُوء نِعمةً وحقاً “ ( يو 1 : 14 ) ، ولِذلك فإذ الكلِمة هو الابن الوحيد الجِنْس ، في هذا الكلِمة والحِكمة خُلقت السماء والأرض وكلّ ما فيهُما . وعن هذه الحِكمة التي تنبُع من الله ، تعلَّمنا من باروخ ، عندما اتهم إسرائيل بأنه قد ترك ينبوع الحِكمة . إذاً إن كانوا يُنكِرون الكِتاب المُقدس ، يكونون في الحال غُرباء عن الاسم ( مسيحيين ) ويليق بهم أن يدعوهم الجميع مُلحدين وأعداء المسيح ، لأنهم جلبوا على أنفُسهم هذه الأسماء . أمَّا إذا كانوا يتفِقون معنا في أنَّ أقوال الكِتاب المُقدس هذه هي مُوحى بها إلهياً ، دعهم يجرؤون على أن يقولوا علانية ما يُفكِرون فيه سِراً أي أنَّ الله كان في وقتٍ ما بِدون كلِمة وبِدون حِكمة . ودعهم في جُنونِهِمْ يقولون كان هناك وقت لم يكُنْ ( الابن ) موجوداً فيه “ و” قبل ميلاده ، لم يكُنْ المسيح موجوداً “ ، وأيضاً دعهم يُعلِنون أنَّ الينبوع لم يلِد حِكمة من ذاته ، بل حصل عليها من خارِجه ، حتّى يجرؤون أن يقولوا أنَّ ” الابن جاءَ من العدم “ . ومن ثمَّ ينتُج عن ذلك أنه ليس هناك ينبوع بل بركةٍ ما ، كأنها تتلقى المياه من خارِج وتغتصِب الاسم ” ينبوع “ .

16) كم مملوء هذا الفِكْر بالمروق ، وأنا أعتقِد أنه ليس من أحد يشُك في مَنْ هوذا الذي له أبداً مثل هذا الفهم الضئيل . لكن طالما أنهم يُدمدِمون شيئاً عن الكلِمة والحِكمة قائِلين أنهما مُجرَّد اسمين للابن ، إذاً يجب أن نسألهم : إذا كان هذين مُجرَّد اسمين للابن ، إذاً لابد أن يكون هو نفسه شيئاً آخر بِجانبهُما . وإذا كان هو أعظم من الأسماء ، إذاً لا يصِح أن يُشير الأقل إلى الأعظم . أمَّا إذا كان أقل من  الأسماء ، فلابد أنَّ فيه مبدأ هذه التسمية الأكثر شرفاً وكرامة ، وهذا يعني تحسُّنه وترقِّيه ، وهو فُجور ومروق يفوق كلّ ما كان قبله . لأنَّ ذلك الذي في الآب ، والآب فيه أيضاً ، هو الذي يقول ” أنا والآبُ واحِدٌ “ ( يو 10 : 30 ) ومَنْ رأه فقد رأى الآب ، والقول بأنه قد رُفِعْ ومُجِد من قبل أي شيء خارجي ، إنما هو جنون مُطبق .

وعندما يُهزمون هكذا ، ومثل يوسابيوس وأتباعه في هذه المآزِق والضيقات الشديدة ، يُقدِّمون هذه الذَّريعة الباقية ، والتي اخترعها آريوس أيضاً في الأغاني وفي كِتابه ” ثاليا ( الوليمة ) Thalia “ كصعوبة جديدة ( أمامنا ) : ” الله ينطِق بِكلِمات كثيرة ، فأيٍ منها إذاً يجب أن ندعوه ابن وكلِمة ووحيد الآب ؟ “ . إنهم عديمي التمييز وأي شيء إلاَّ أن يكونوا مسيحيين !! إذ أولاً عندما يستخدِمون مثل هذه اللُغة في الحديث عن الله ، يتصورونه على أنه تقريباً إنسان ، يتحدَّث ويُغيِّر كلِماته الأولى بِكلِماته الثَّانية ، كما لو لم تكُنْ كلِمة واحدة من الله كافية لِخلق سائِر الأشياء بِحسب إرادة الآب وكافية لِعنايته واهتمامه الإلهي بالكلّ . فالقول بأنه ينطِق بِكلِمات كثيرة إنما يعني ضعف هذه الكلِمات جميعها ، إذ أنَّ كلّ كلِمة منها تحتاج لِمُساعدة الأخرى ، أمَّا كون الله له كلِمة واحدة ، والذي هو عقيدة صحيحة ، فيُظهِر قُوَّة الله وكذلك كمال الكلِمة الذي منه ، والفهم التقي لِهؤلاء الذينَ يُؤمِنون بِذلك .

17) ليتهم يقبلون أن يعترِفوا بالحق من قولِهِمْ هم أنفسهم !! لأنهم إذا سلَّموا بأنَّ الله يُصدِر كلِمات ، سيعلمون بوضوح أنه الآب ، وعندما يقولون ذلك ، دعهم يُفكِرون ويتأملون في أنهم عندما ينفرون من أن ينسِبوا كلِمة واحدة إلى الله ، يتخيلون أنه أب لِكثيرين ، ورغم أنهم يرفُضون أن يقولوا أنه ليس هناك كلِمة لله على الإطلاق ، إلاَّ أنهم لا يعترِفون أنه ابن الله ، الأمر الذي هو جهل بالحق وعدم خِبرة في الأسفار المُقدسة . لأنه إذا كان الله أباً لأي كلِمة ، لِماذا لا يكون ذاكَ المولود ابناً ؟ وأيضاً مَنْ ذا الذي يجب أن يكون ابن الله إلاَّ كلِمته ؟ لأنه ليس هناك كلِمات كثيرة وإلاَّ كان كلٍّ منهم غير كامِل . لكن الكلِمة واحِد حتّى يكون هو وحده كامِلاً . ولأنَّ الله واحِد ، لِذلك يجب أن تكون صورته أيضاً واحِدة والتي هي الابن . لأنَّ ابن الله – كما يُمكن أن نتعلَّم من الأسفار الإلهية نفسها – هو عينه كلِمة الله ، والحِكمة ، والصورة ، والسيِّد ، والقُوَّة ، لأنَّ ابن الله هو واحِد ، وهذه الألقاب إنما هي صِفات مُميِزة للميلاد من الآب . لأنَّكَ عندما تقول ” الابن “ فأنتَ بِذلك تُشير إلى ما هو من الآب بالطبيعة . وإذا فكرت في الكلِمة ، فأنتَ تُفكِر فيما هو منه ، وما هو غير مُنفصِل عنه ، وعندما تتحدَّث عن الحِكمة ، فأنتَ أيضاً تعني بِنفس القدر ما هو ليس من خارِجه بل منه وفيه ، وإذا ذكرت اسم ” القُوَّة “ و” اليد “ ، فأنتَ أيضاً تتحدَّث عمَّا هو خاص بالجوهر ، وعندما تتحدَّث عن الصورة ، فإنما أنتَ تُشير إلى الابن . إذ هل هناك شيء آخر يُشبِه الله إلاَّ المولود منه ؟ بلا شك هذه الأشياء ، والتي وُجِدت بِالكلِمة ، هي ” مُؤسسة في الحِكمة “ وكلّ ما هو ” مُؤسس في الحِكمة “ ، هو جميعه مصنوع باليد ووُجِد بالابن . ولدينا دليل على ذلك ، ليس من مصادر خارجية ، بل من الكِتاب المُقدس ، لأنَّ الله نفسه يقول بإشعياء النبي ” يدي أسَّست الأرض ويميني نشرت السَّموات “ ( إش 48 : 13 ) ، وأيضاً ” بِظِلِّ يدي سَتَرْتُكَ لِغرسِ السَّمواتِ وتأسيس الأرضِ “ ( إش 51 : 16 ) ، وإذ تعلَّم داود هذا ، وكان يعرِف أنَّ يد الرب ليست إلاَّ حِكمته ، يقول في المزمور ” كُلَّها بِحِكمةٍ صَنَعْتَ . مَلآنةٌ الأرضُ مِنْ غِناكَ “

( مز 104 : 24 ) ، وسُليمان أيضاً نال نفس المعرِفة من الله ويقول ” الرَّبُّ بِالحِكمةِ أسَّسَ الأرضَ “

( أم 3 : 19 ) . ويوحنَّا ، إذ كان يعرِف أنَّ الكلِمة هو اليد والحِكمة ، علَّم هكذا  ” في البدءِ كَانَ الكَلِمةُ والكَلِمةُ كَانَ عند اللهِ وكَانَ الكَلِمةُ الله . هذا كَانَ في البدءِ عند اللهِ . كُلُّ شيءٍ بِهِ كَانَ وبِغيرِهِ لم يكُنْ شيءٌ مِمَّا كَانَ “ ( يو 1 : 1 – 3 ) ، والرَّسول إذ رأى أنَّ اليد والحِكمة ليسا إلاَّ الابن يقول ” اللهُ بعد ما كلَّم الآباء بِالأنبياء قديماً بأنواعٍ وطُرُقٍ كثيرةٍ كلَّمنا في هذه الأيامِ الأخيرة في ابنهِ الذي جعلهُ وارِثاً لِكُلِّ شيءٍ الذي بِهِ أيضاً عَمِلَ العالمين “ ( عب 1 : 1 – 2 ) ، وأيضاً يقول ” لكن لنا إلهٌ واحِدٌ الآبُ الذي مِنْهُ جميعُ الأشياء ونحنُ لهُ . وربٌّ واحِدٌ يسوعُ المسيحُ الذي بِهِ جميعُ الأشياءِ ونحنُ بِهِ ( 1كو 8 : 6 ) ولأنه كان يعرِف أيضاً أنَّ الكلِمة والحِكمة والابن نفسه هو صورة الآب ، لِذلك يقول في الرِسالة إلى أهل كولوسي ” شاكرين الآب الذي أهَّلنا لِشَرِكَة مِيراث القديسين في النور الذي أنقذنا من سُلطان الظُّلمةِ ونقلنا إلى ملكوت ابن محبَّتِهِ الذي لنا فيهِ الفِداء بِدَمِهِ غُفرانُ الخطايا . الذي هو صُورةُ اللهِ غير المنظور بِكْرُ كُلِّ خليقةٍ . فإنَّهُ فيهِ خُلِقَ الكُلُّ ما في السمواتِ وما على الأرضِ ما يُرَى وما لا يُرَى سواءٌ كَانَ عُرُوشاً أمْ سِياداتٍ أمْ رِياساتٍ أمْ سَلاَطِين . الكُلُّ بِهِ ولَهُ قد خُلِقَ . الذي هو قبل كُلِّ شيءٍ وفيهِ يقومُ الكُلُّ “ ( كو 1 : 12 – 17 ) . فإذ كلّ الأشياء قد خُلِقت بِالكلِمة ، لِذلك ، لأنه هو الصورة ، هي كلّها قد خُلِقت أيضاً فيه . وهكذا كلّ مَنْ يُوجِه أفكاره نحو الرب ، سيتجنب الوقوع على صخرة الإثم ، بل بالأحرى سيمضي قُدُماً إلى البهاء في ضوء الحق . لأنَّ هذه هي عقيدة الحق بالرغم من أنَّ هؤلاء المُشاكسين ينفجِرون غيظاً ، إذ لا هم أتقياء تِجاه الله ، ولا هم يخجلون عند إفحامِهم ودحضهم .



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.