سلسلة إكثوس – ج048 – دفاع عن قانون ايمان مجمع نيقية – الفصل الثالث – بقلم اثناسيوس الرسولي – القمص أثناسيوس فهمي جورج

هذا الفصل هو جزء من كتاب: سلسلة إكثوس – ج048 – دفاع عن قانون ايمان مجمع نيقية – بقلم اثناسيوس الرسولي – القمص أثناسيوس فهمي جورج. إضغط هنا للذهاب لصفحة تحميل الكتاب.

معنيان لِكلِمة ابن

1)   معنى التبني .

2)   معنى جوهري .

مُحاولات الآريوسيين لإيجاد معنى ثالِث بين هذين مثل : أنَّ ربنا وحده خُلِق بيد الله مُباشرةً ( نظرية استريوس ) أو أنَّ ربنا وحده يشترِك مع الآب . المعنى الثَّاني والصَّادِق ؛ الله يلِد كما يخلِق بالرغم من أنَّ خِلقته ووِلادته ليسا مثل هذين اللَّذين للإنسان ؛ وِلادته خارِج الزمن ؛ الوِلادة تتضمن فِعْل داخلي – وبالتالي أزلي – في الله ؛ تفسير أمثال 8 : 22 .

6) إنهم يقولون ما زعمه الآخرون وجرأوا على أن يتمسكوا به قبلهم :

” ليس دوماً آب ، ليس دوماً ابن ، لأنَّ الابن لم يكُنْ قبل ميلاده ، لكنه – مثل آخرين – جاءَ إلى الوجود من العدم ، وبالتالي الله لم يكُنْ دوماً آب للابن ، بل عندما جاء الابن للوجود وخُلِق ، عندئذٍ دُعِيَ الله أباه ، لأنَّ الكلِمة هو مخلوق وصنعه ، غريب ومُغايِر للآب في الجوهر . والابن ليس بالطبيعة كلِمة الآب الحقيقي ولا حِكمته الوحيد والحقيقي ، بل إذ هو مخلوق وواحِد من صنائِعه ، دُعِيَ خطأ كلِمة وحِكمة ، إذ قد خُلِقَ بالكلِمة التي في الله كما هو الحال مع سائِر الأشياء ، لِذلك فإنَّ الابن ليس إله حقيقي “ .

ربما يفهمون ما يقولون إنْ سألناهم أولاً : ما هو في الواقِع الابن ، وما معنى هذا الاسم ؟ في الحقيقة يُخبِرنا الكِتاب الإلهي عن معنى مُزدوج لهذه الكلِمة : واحِد يضعه موسى أمامنا في الناموس ” إذا سَمِعْتَ لِصوتِ الرب إلهك لِتَحفَظ جميع وصاياه التي أنا أُوصيكَ بها اليوم لِتَعمَل الحقَّ في عيني الرب إلهك . أنتُم أولادٌ للرب إلهكُم “ ( تث 13 : 18 ؛ 14 : 1 ) ، كما يقول يوحنَّا أيضاً في الإنجيل : ” وأمَّا كُلُّ الَّذِينَ قبلوهُ فأعطاهُم سُلطاناً أن يصيروا أولادَ اللهِ “ ( يو 1 : 12 ) . أمَّا المعنى الآخر فهو ذلك الذي به إسحق ابن لإبراهيم ويعقوب لإسحق ، والبطارِكة لِيعقوب . فبأي من هذين يفهمون ابن الله حتّى يقولون مثل هذه الخُرافات السَّالِفة الذِكْر عاليه ؟ لأنني واثِق أنهم سينتهون إلى نفس الفُجُور مع يوسابيوس وأتباعه .

إذا كانوا يفهمون ابن الله بالمعنى الأوَّل ، والذي يخُص هؤلاء الذينَ نالوا الاسم بالنِعمة بسبب تحسُّن أخلاقي ، ونالوا سُلطاناً أن يصيروا أولاد الله ( لأنَّ ذلك ما قالهُ سابِقوهم ) ، إذاً يبدو أنه لن يختلِف عنّا في أي شيء ، كلاَّ ، ولن يكون وحيد الجِنْس لأنه أخذ لقب ” ابن “ مثل آخرين بسبب فضيلته . فإذا افترضنا ما يقولون أي أنه ، لأنَّ صِفاته كانت معروفة مُسبقاً ، لذلك نال نِعمة من البِداية ، أي الاسم ومجد الاسم ، من بِدايته الأولى عينها ، فمع ذلك لن يكون هناك أي فرق بينه وبين هؤلاء الذينَ نالوا الاسم ( ابن ) بعد أعمالِهِمْ ( أي بعد أن قاموا بأعمال صالِحة ) ، طالما أنَّ هذا هو الأساس الذي بُناء عليه له هو – كما الآخرين – صِفة الابن . لأنَّ آدم أيضاً ، رغم أنه نال نِعمة منذ البِداية ، وفور خِلقَتِهِ وُضِعْ في الجنَّة ، إلاَّ أنه لم يختلِف شيئاً عن أخنوخ الذي اخُتطِف إلى هناك بعد بعض الوقت من مِيلاده لكونه مرضِياً لله ، ولا عن الرَّسول الذي بالمِثل اختُطِف إلى الفِردوس بسبب أعماله ، ليس هذا فحسب بل ولا حتّى عن ذاك الذي كان قبلاً لِصاً ، والذي بسبب اعترافه نال الوعد بأنه سيكون على الفور في الفِردوس .

7) وعندما يُضغط عليهم هكذا ، ربما سيُقدِّمون إجابة كانت قد جلبت عليهم متاعِب مرَّات عديدة بالفِعْل ، ألا وهي : ” نحن نعتبِر أنَّ الابن له هذا الامتياز عن الآخرين ، ولذلك دُعِيَ وحيد الجِنْس ، لأنه الوحيد الذي أوجده الله وحده ، بينما كلّ الأشياء الأخرى خلقها الله بالابن “ . إنني أتعجب مُتسائِلاً عَمّنْ هو ذاكَ الذي اقترح عليهم مثل هذه الفِكرة العقيمة والغريبة أنَّ الآب وحده خلق بيده هو الابن فقط ، وأنَّ جميع الأشياء الأخرى قد أُوجِدت بالابن كأداة . إنَّ القول بأنَّ الله ، تجنُباً منه للتعب ، سُرَّ بأن يخلِق الابن فقط بدلاً من أن يخلِق كلّ الأشياء على الفور ، لهو فِكْر مارِق عديم التقوى ، خاصَّة عند هؤلاء الذينَ يعرِفون كلِمات إشعياء ” إلهُ الدَّهرِ الرَّبُّ خالِقُ أطراف الأرض لا يَكِلُّ ولا يعيا . ليس عن فَهْمِهِ فحصٌ “ ( إش 40 : 28 ) بل أنه هو الذي يُعطي قُوَّة للجائِع وبِكلمته ينعش العامِل الكادِح . كذلك أيضاً من الفجور أن نفترِض أنه ترفَّع عن أن يخلِق بنفسه المخلوقات التي جاءت بعد الابن كما لو كان ذلك عملاً حقيراً ، إذ ليس هناك أي كبرياء في ذلك الإله الذي ينزل مع يعقوب إلى مصر ، ولأجل إبراهيم يُؤدِب أبيمالِك بخصوص سارَّة ، ويتكلَّم وجهاً لوجه مع موسى ، وهو نفسه إنسان ( أي موسى ) ، وينزِل على جبل سيناء ، وبِنعمته السِّرِّية يُقاتِل لأجل الشعب ضد عماليق . أنتم مُخطِئون حتّى في هذا الفِكْر لأنه ” هو صنعنا “ ( مز 100 : 3 ) . إنه هو الذي بكلِمته صنع سائِر الأشياء الصغيرة والعظيمة ، ويجِب ألاَّ نُقسِّم الخليقة ونقول أنَّ هذه صنعة الآب وتلك صنعة الابن ، بل هي ( جميعها ) صنعة إله واحِد يستخدم كلِمته كيدّ ، وفيه يعمل جميع الأشياء . وهذا ما يُعلِنه لنا الله نفسه عندما يقول ” وكُلُّ هذه صنعتها يدي “ ( إش 66 : 2 ) ، بينما علَّمنا بولس كما تعلَّم هو أنَّ ” لنا إلهٌ واحدِ الآبُ الذي منهُ جميع الأشياء ونحنُ لهُ . وربٌّ واحِدٌ يسوع المسيح الذي بِهِ جميعُ الأشياء ونحنُ بِهِ “ ( 1كو 8 : 6 ) . وهكذا هو – دائِماً كما هو الآن – يتحدَّث إلى الشمس فتُشرِق ، ويأمر السُّحُب فتُمطِر على موضِعٍ ما ، وحيثُما لا تُمطِر تجِف الأرض ، وهو يأمر الأرض أن تُخرِج ثِمارها ، وصوَّر إرميا في الرَّحِمْ ( إر 1 : 5 ) . لكن إذا كان يفعل كلّ هذه الأشياء ، فبالتأكيد لم يترفَّع في البِداية عن أن يصنع كلّ هذه الأشياء بنفسه بالكلِمة ، لأنَّ هذه ليست إلاَّ أجزاء من الكلّ .

8) لكن دعنا نفترِض أنَّ المخلوقات الأخرى لم تحتمِل أن تُخلق باليد المُطلقة التي لغير المُبتدِئ ، ومن ثمَّ فإنَّ الابن فقط هو الذي أوجده الله وحده ، أمَّا الأشياء الأخرى فقد خلقها الابن كأداة ومُساعِد ، لأنَّ ذلك ما كتبه أستريوس Asterius the sacrificer ، ونَقَلَهُ عنه آريوس وأورثه لأصدقائه ، ومنذ ذلك الحين وهم يستخدِمون هذا النمط من الكلِمات ، وإذ هو قصبة مكسورة لا يُعتمد عليها ، وإذ هم جهلة هؤلاء الناس المُرتبِكون ، لِذلك كم هش وسريع الزوال ( هو تفكيرهم ) . لأنه إذا كان يستحيل على الأشياء المُبتدِئة أن تحتمِل يد الله ، وأنتُم تعتبِرون أنَّ الابن في عِدَاد هذه الأشياء ، كيف كان هو مُناسِباً لأن يحتمِل أن يُخلق هذه الخِلقة بيد الله وحده ؟ وإذا كان لابد من وجود وسيط حتّى تأتي الأشياء المُبتدِأة إلى الوجود ، وأنتم تعتبِرون أنَّ الابن مُبتدِئ ، إذاً لابد أنه قد كان هناك وسيط قبله لأجل خِلقتِهِ ، وهذا الوسيط نفسه أيضاً مخلوق وبالتالي هو أيضاً احتاج لِوَسيط آخر لأجل خِلقَتِهِ هو ، ورغم أننا يُمكن أن نخترِع وسيطاً آخر ، إلاَّ أننا يجِب أولاً أن نخترِع وسيطه ، وهكذا لن نصِل أبداً إلى أيَّة نِهاية . وهكذا طالما أنَّ هناك وسيطاً مطلوب دائِماً إذاً لن تُخلق الخليقة أبداً ، لأنه ليس من شيء مُبتدِئ – حسبما يقُولون – يستطيع أن يحتمِل اليد المُطلقة لغير المُبتدِئ . وإذا بدأتم تقولون – عندما تفهمون هذه المُغالاة – أنَّ الابن ، رغم أنه مخلوق ، أُعطِيَت له القُدرة على أن يُخلق بيد غير المُبتدِئ ، إذاً ينتُج عن ذلك أنَّ أشياء أخرى أيضاً ، رغم أنها مُبتدِأة ، لها القُدرة على أن تُخلق مُباشرةً بيد غير المُبتدِئ ، لأنَّ الابن أيضاً ليس أكثر من مُجرَّد مخلوق – في تقديركم – مثل باقي الخليقة . وبالتالي فإنَّ خلق الكلِمة هو كمالي وغير ضروري بِحسب فُجورِكُم وخيالِكُم العقيم ، إذ أنَّ الله وحده كافِ لأن يخلِق الأشياء خلق مُباشِر ، وكلّ الأشياء المُبتدِأة قادِرة على أن تتحمَّل يده المُطلقة .

وطالما أنَّ لهؤلاء الناس عديمي التقوى عقل ضئيل للغاية وسط جُنونِهِمْ ، دعنا نرى ما إذا كانت هذه السفسطة ليست حتّى أكثر جنوناً من الأُخريات . إنَّ آدم وحده خلقهُ الله بالكلِمة ، إذ لا يستطيع أحد أن يقول أنَّ آدم كان له امتياز عن الناس الآخرين ، أو أنه كان مُختلِفاً عن هؤلاء الذينَ جاءوا بعده ، مُفترِضاً أنه الوحيد الذي خلقهُ الله وحده ، ونحن كُلّنا ذُرِية آدم ، ونُخلق بحسب تسلسُل الجِنْس ، طالما أنه جُبِل من الأرض مثل الآخرين ، وفي البِداية لم يكُنْ موجوداً ثم صار موجوداً .

9) لكن رغم أننا يجب أن نُعطي بعض الإمتياز للإنسان الأوَّل إذ كان مُستحِقاً لِيد الله ، إلاَّ أنه يجب أن يكون امتياز كرامة وليس طبيعة ، لأنه أتى من الأرض مثل باقي الناس ، واليد التي جبلت آدم في ذلك الزمان هي أيضاً الآن ودوماً تجبِل وتُعطي وجوداً كامِلاً لهؤلاء الذين يأتون بعده . والله نفسه يُعلِن هذا لإرميا كما قُلْت قبلاً ” قبلما صوَّرتُكَ في البطنِ عرفتُكَ “ ( إر 1 : 5 ) وهكذا يقول عن الكلّ ” كُلُّ هذه صَنَعَتْهَا يدي “ ( إش 66 : 2 ) ، وأيضاً بإشعياء ” هكذا يقُولُ الرَّبُّ فاديك وجابِلُكَ مِنَ البطنِ . أنا الرَّبُّ صانِعٌ كُلَّ شيءٍ ناشِرٌ السَّموات وحدي باسِطٌ الأرضَ “ ( إش 44 : 24 ) ، وداود إذ يعرِف هذا يقول في المزمور ” يَدَاكَ صَنَعَتَاني وأنشَأتاني “ ( مز 119 : 73 ) ، وذلك الذي يقول في إشعياء ” قال الرَّبُّ جابلي مِنَ البطنِ عبداً لهُ “ ( إش 49 : 5 ) يُشير إلى الأمر عينه . لِذلك فيما يخُص الطبيعة لا يختلِف ( آدم ) عنَّا في أي شيء رغم أنه يسبِقنا في الزمن ، طالما أننا جميعاً خُلِقنا بنفس اليد عينِها . إذا كانت هذه هي أفكارِكُمْ أيها الآريوسيون عن ابن الله ، أنه هكذا يوجد وجاء للوجود ، إذاً هو في تقديركم لا يختلِف في شيء من جهة الطبيعة عن الآخرين ، طالما أنه هو أيضاً لم يكُنْ موجوداً ثم جاء إلى الوجود ، واتحد به الاسم ( أي اسم ” الابن “ ) بالنِعمة عند خِلقَتِهِ لأجل فضيلتِهِ ، لأنه هو نفسه واحد من هؤلاء – حسبما تقُولون – الذينَ يقول عنهم الروح في المزامير ” نَطَقْ الكلِمة فصُنِعوا . أمَرْ فَخُلِقوا “ ( مز 148 : 5 سبعينية ) . إذا كان الأمر كذلك ، فَبِمَنْ أعطى الله الأمر لأجل خِلقة الابن ؟ لأنه لابد أن يكون هناك كلِمة به أعطى الله أمراً ، وفيه خُلِقَت الصَّنائِع ، لكِنَّكُمْ ليس لديكم آخر تُقدِّمونه سِوَى الكلِمة الذي تُنكِرونه ، إلاَّ إذا اخترعتُمْ ثانية فِكرة جديدة .

سيقولون ” نعم لدينا آخر “ ( وهذا قد سمعته أنا بالفِعْل من يوسابيوس وأتباعه ) ” ففي هذا الصدد نحن نعتبِر أنَّ ابن الله له امتياز عن الآخرين ، وهو يُدعى وحيد الجِنْس لأنه هو الوحيد الذي يشترِك مع الآب ، وكلّ الأشياء الأخرى تشترِك مع الابن “ . وهكذا يُرهِقون أنفسهم في تغيير وتنويع تعبِيراتِهِمْ كالألوان . على أيَّة حال ، هذا لن يُنقِذهم من أن يُفتضحوا كأُناس أرضيين يتكلَّمون بالباطِل ويتمرَّغون في أوهامِهِمْ وأفكارِهِمْ كما في وحل .

10) لأنه لو كان قد دُعِيَ ابن الله ونحن دُعينا أبناء الابن ، لكانت قِصَّتهم معقولة ظاهرياً ، لكن إذا كُنَّا نحن أيضاً قد دُعينا أبناء ذلك الإله الذي هو ابن له ( أي أبناء الله الآب ) إذاً نحن أيضاً نشترِك مع الآب الذي يقول ” رَبَّيتُ ( ولدت ) بنين ونشَّأتُهُمْ “ ( إش 1 : 2 ) لأننا لو لم نكُنْ نشترِك معه ، لم يكُنْ هو لِيقول” ولدت “ ، لكن إذا كان هو نفسه قد ولدنا ، إذاً ليس آخر غيره أبونا . وكما هو الحال قبلاً ، لا يهِمْ إذا كان للابن شيء أكثر وإذا كان قد خُلِقَ أولاً ، أو إذا كُنّا نحن شيء أقل وخُلِقنا بعده ، طالما أننا كُلّنا نشترِك ودُعِينا أبناء لِنَفْس الآب . لأنَّ الأكثر أو الأقل لا يُشير إلى طبيعة مُختلِفة بل يخُص كلّ واحِد بِحسب مُمارسة الفضيلة ، وواحِد يُقام على عشر مُدُنْ ، وآخر على خمس ، والبعض يُجلّسون على اثني عشر عرشاً يدينون أسباط إسرائيل ، وآخرون يسمعون الكلِمات ” تعالوا إليَّ يا مُباركي أبي “ و” نَعِماً أيها العبد الصَّالِح والأمين “ . فمع هذه الأفكار لا عجب أنهم يتخيلون أنَّ هذا الابن لم يكُنْ له الله دوماً أباً ، وأنَّ هذا الابن لم يكُنْ موجوداً دوماً ، بل جاء من العدم كمخلوق ، ولم يكُنْ موجوداً قبل خِلقَتِهِ ، لأنَّ هذا الابن مُختلِف عن ابن الله الحقيقي .

لكن الإصرار على مثل هذا التعليم لا يتفِق مع التقوى ، لأنَّ ذلك هو بالأحرى نغمة فِكْر الصُّدوقيين والسموسطائيين . يبقى أن نقول أنَّ ابن الله دُعِيَ هكذا بمعنى آخر ، أي بالمعنى الذي به كان إسحق ابناً لإبراهيم ، لأنَّ ما وُلِدَ طبيعياً من آخر ولا يُنسب له من خارِج ، هذا في طبيعة الأشياء هو ابن ، وهذا هو معنى الاسم ( ابن ) . إذاً هل ميلاد الابن هو ميلاد هوى بشري ؟ ( إذ ربما مثل سابِقِيهم سيكونون هم أيضاً مُتأهبين لِيعترِضوا في جهلِهِمْ ) . كلاَّ البتة . لأنَّ الله ليس مثل الإنسان ، ولا البشر مثل الله ، فالبشر خُلِقوا من المادَّة ، وتلك قابِلة للتأثُّر ، أمَّا الله فهو غير مادي وغير جسدي . ورغم أنَّ نفس التعبيرات تُستخدم في الحديث عن الله والإنسان في الأسفار الإلهية ، إلاَّ أنَّ ذا البصيرة الجَلِية ، مثلما يُوصي بولس – سوف يفحصها ويدرِسها ، وبذلك يُميِز ويُصِنفْ ما قد كُتِبْ بحسب طبيعة كلّ موضوع ويتجنب أي اختلاط في المعنى حتّى لا نفهم أمور الله بطريقة بشرية ، ولا بالمِثل ننسِب أمور الإنسان إلى الله ، لأنَّ ذلك معناه أن نخلِط الخمر بالماء ( إش 1 : 22 ) وأن نضع على المذبح ناراً غريبة مع النار الإلهية .

11) لأنَّ الله يخلِق ، والخلق يُنسب أيضاً للإنسان . الله له وجود ، وكذلك قيلَ عن الناس أنَّ لهم وجود ، إذ نالوا من الله هذه العطية أيضاً ، ومع ذلك هل يخلِق الله مثلما يخلِق الناس ؟ أو هل وجوده مثل وجود الإنسان ؟ حاشا . فنحن نفهم التعبيرات بمعنى خاص بالله وبمعنى آخر خاص بالإنسان . لأنَّ الله يخلِق بمعنى أنه يدعو غير الوجود لِيأتي إلى الوجود ، ولا يحتاج لِشيء غير ذلك ( أي أن يُريد ويأمُر ) ، أمَّا الناس فهم يصنَّعون بعض المواد الموجودة بالفِعْل . في البِداية يصلُّون وهكذا يناولون من الله الذي خلق كلّ شيء بِكلِمتِهِ هو ذكاء وحِكمة لِيصنعوا . وأيضاً الناس إذ هم غير قادرين على أن يكونوا موجودين بِذواتِهِمْ ، هم محدودون في كلّ مكان محدود ، ويُوجدون في كلِمة الله ، أمَّا الله فموجود بِذاته ، يُحيط بكلّ الأشياء ويحِدّها ولا يَحدُّه أحد . هو في الكلّ بِحسب صلاحه وقُوَّته هو ، لكن بدون الكلّ في  طبيعته . وكما أنَّ الناس لا يخلِقون مثل الله ، وكما أنَّ وجودهم ليس مثل وجود الله ، كذلك فإنَّ ميلاد الناس شيء ، وميلاد الابن من الآب شيء آخر . لأنَّ أبناء الناس هم أجزاء من آبائِهِمْ ، لأنَّ طبيعة الأجساد عينِها ليست غير مُركّبة لكِنها في حالة من التغيير ، وتتكوَّن من أجزاء ، ويفقِد الناس جوهرهم في الوِلادة ومرَّة ثانية يكتسِبون جوهرهم بِتناوُل الطعام . وبُناء على هذا فإنَّ الرِجال في زمانِهِمْ يصيرون أباء لأبناء كثيرين ، أمَّا الله فإذ هو بِدون أجزاء ، هو أبو الابن بِدون تقسيم أو هوى ، لأنه ليس هناك تدفُق من غير المادي ولا تغيُّر من الخارِج كما هو الحال بين الناس ، وإذ هو غير مُركّب في طبيعته ، هو أب لابن واحِد وحيد . ولذلك هو وحيد الجِنْس وهو وحده في حِضْن الآب ، وهو الوحيد الذي يعترِف به الآب أنه منه قائِلاً ” هذا هو ابني الحبيبُ الذي بِهِ سُرِرْتُ “ ( مت 3 : 17 ) وهو أيضاً كلِمة الآب ، الأمر الذي به يُمكن أن تُفهم طبيعة الآب التي لا تتأثَّر ولا تنقسِمْ ، لأنه ليس هناك حتّى أيَّة كلِمة بشرية تُولد بهوى أو تقسيم ، فكم أقل جداً يكون الحال مع كلِمة الله !! لِذلك أيضاً يجلِس ، كَكَلِمة ، عن يمين الآب ، إذ حيثُما يكون الآب هناك أيضاً يكون كلِمته ، أمَّا نحن ، مخلوقاته ، فنقِف في الدينونة أمامه ، وبينما هو يُعبَد ، لأنه ابن الآب المعبود ، نحن نعبُد ، مُعترفين أنه رب وإله ، لأننا مخلوقات ومُختلفين عنه .

12) طالما أنَّ الأمر هكذا ، فلتدع مَنْ يشاء منهم يفحص هذا الأمر ويدرِسه ، حتّى يخجِلهم المرء ويُخزيهم بالسؤال التالي : هل يصِح أن نقول أنَّ المولود من الله والخاص به قد جاء من العدم ؟ أو هل هو معقول ، في نفس الإطار ، أنَّ ما هو من الله قد نُسِبَ له حتّى يجرُؤ إنسان على أن يقول أنَّ الابن لم يكُنْ دوماً ؟ لأنَّ في ذلك أيضاً يفوق ميلاد الابن أفكار الإنسان ويتنزه عنها . فنحن نصير أباء لأبنائنا في الوقت المُعيَّنْ ، إذ أننا نحن أنفسنا لم نكُنْ موجودين في البِداية ثم جِئنا إلى الوجود ، أمَّا الله ، فإذ هو موجود دوماً ، هو دوماً آب للابن . وبِدايِة البشرية تتضِح لنا من الأمور الشبيهة . لكن حيث أنَّ ” ليس أحد يعرِفُ الابن إلاَّ الآبُ . ولا أحدٌ يعرِفُ الآبَ إلاَّ الابنُ ومَنْ أرادَ الابنُ أن يُعلِنَ لهُ ( مت 11 : 27 ) لِذلك فإنَّ الكُتَّاب القديسين الذينَ أعلن لهم الابن ذاته ، قد قدَّموا لنا صورة مُعيَّنة من الأشياء المنظورة قائِلين ” هو بهاءُ مجدِهِ ورسمُ جوهرِهِ “ ( عب 1 : 3 ) ، وأيضاً ” لأنَّ عِندك ينبُوع الحياة . بِنُورك نرى نُوراً “ ( مز 36 : 9 ) ، وعندما يُوبِخ الكلِمة إسرائيل يقول ” تركت ينبوع الحِكمة ( با 3 : 12 ) وهذا الينبوع هو الذي يقول ” تركُوني أنا ينبُوع المياه الحيَّة “ ( إر 2 : 13 ) . إنَّ التشبيه فقير حقاً ومُعتِمْ جداً إذا ما قُورِنْ بما نتوق إليه . لكن بالرغم من ذلك يُمكن أن نفهم منه شيئاً يفوق طبيعة الإنسان ، بدلاً من أن نعتبِر أنَّ ميلاد الابن هو مِثْل ميلادنا . مَنْ يستطيع أبداً أن يتصور أنَّ بهاء النور لم يكُنْ موجوداً دائِماً ، حتّى يجرُؤ أن يقول أنَّ الابن لم يكُنْ موجوداً دوماً ، أو أنَّ الابن لم يكُنْ موجوداً قبل ميلاده ؟ أو مَنْ ذا الذي يستطيع أن يفصِل البهاء عن الشمس ، أو أن يتخيَّل أنَّ النبع خالِ من الحياة ، حتّى يقول بِجنون أنَّ ” الابن من العدم “ بينما هو ( أي الابن ) يقول ” أنا هو …. والحياة “( يو 14 : 6 ) أو أن يقول ” هو غريب عن جوهر الآب “ بينما هو يقول ” مَنْ رآني فقد رأى الآب “ ( يو 14 : 9 ) لأنَّ الكُتَّاب المُقدسين إذ يُريدوننا أن نفهم بهذه الطريقة ، قدَّموا هذه التشبيهات . وإنه لأمر غير لائِق وعديم التقوى تماماً ، أنه بالرغم من أنَّ الأسفار المُقدسة تتضمن مثل هذه التشبيهات ، نُكوِّن أفكاراً عن ربنا من آخرين ليسوا في الأسفار المُقدسة ولا لهم أي فِكْر تقي .

13) لِذلك دعهم يُخبِروننا من أي مُعلِّم أو من تقليد جاءوا بهذه المفاهيم عن المُخلِّص ؟ سوف يقولون ” لقد قرأنا في سِفْر الأمثال : الربُّ قناني أوَّل طريقِهِ مِنْ قَبْلِ أعمالِهِ ( أم 8 : 22 ) “ . لقد اعتاد هذا يوسابيوس وأتباعه أن يُؤكِدوا على هذه الآية ، وقد كتبتُ أنتَ إليَّ تُخبرني أنَّ الأُناس الحاليون أيضاً ، رغم أنهم هُزِموا وأُفحِموا بكثرة الحِجَجْ ، إلاَّ أنهم لا يزالون ينشرون هذا النص في كلّ مكان قائِلين أنَّ الابن واحِد من المخلوقات ، مُعتبِرين إيَّاه ضِمن الأشياء المُبتدِئة . لكن يبدو لي أنهم يفهمون هذه الآية أيضاً فهماً خاطِئاً ، إذ لها معنى تقي ومُستقيم جداً ، والذي لو كانوا قد فهموه لِمّا جدَّفوا على رب المجد  ذلك أنه عندما يُقارِنون ما قد ذُكِر عاليه مع هذا النص ، سيجدون فرقاً ضخماً بينهُما . إذ ما هو ذلك الذي لا يستوعبه الإنسان الصحيح الفهم في أنَّ ما هو مخلوق ومصنوع هو خارِج عن الخالِق ، أمَّا الابن – كما أوضحت المُناقشة السالِفة – فيوجد ، ليس خارِجياً ، بل من الآب الذي ولدهُ ؟ لأنَّ الإنسان أيضاً يبني بيتاً وكذلك يلِد ابناً ، وليس من أحد يعكِس هذه الأشياء ويقول أنَّ البيت أو السفينة قد ولدهُما الباني ، لكنه هو ( الباني ) الذي صنع الابن . ولا يقول أحد أنَّ البيت هو صورة بانية ، وأنَّ الابن لا يُشبِه ذلك الذي ولدهُ ، بل بالأحرى سوف يعترِف أنَّ الابن هو صورة الآب ، أمَّا البيت فهو عمل فني ، إلاَّ إذا كان عقله مُضطرِب ، ومُحتدِم غضباً . ومن الجلي أنَّ الأسفارالإلهية ، التي تعرف أفضل من أي أحد طبيعة الأشياء تقول بموسى عن المخلوقات ” في البدءِ خَلَقَ اللهُ السَّمواتِ والأرضَ ( تك 1 : 1 ) ، أمَّا عن الابن فلا تقدِّم ( أي كاتِب ) آخر بل الآب نفسه قائِلاً ” مِنْ رَحِم الفجر لَكَ طَلُّ حَدَاثَتِكَ “  ( مز 110 : 3 ) ، وأيضاً ” أنتَ ابني . أنا اليوم ولدتُكَ “ ( مز 2 : 7 ) . والرب يقول عن نفسه في سِفْر الأمثال ” قبل التِلاَلِ أبدِئتُ “ ( أم 8 : 25 ) ، وعن الأشياء المُبتدِأة والمخلوقة يتحدَّث يوحنَّا قائِلاً ” كُلُّ شيءٍ بِهِ كَانَ “ ( يو 1 : 3 ) ، أمَّا عندما يكرِز بالرب فيقول ” الابنُ الوحيدُ الذي هو في حِضْنِ الآبِ هو خَبَّرَ ( يو 1 : 18 ) . لِذلك إذا كان الابن ليس مخلوق وإذا كان المخلوق ليس ابن ، لأنَّ هناك فرقاً ضخماً بينهُما ، فإنَّ الابن والمخلوق لا يُمكن أن يكونا واحِداً ، إلاَّ إذا كان من المُمكِنْ أن يعتبِر جوهره من الله وفي نفس الوقت خارِج عن الله .

14) ” إذاً هل ليس لهذا النص أي معنى ؟ “ لأنهم بهذا الكلام يُطنطِنون حولنا مثل سرب من البعوض  كلاَّ بالتأكيد ، هذا النص ليس بلا معنى ، بل له معنى مُخالِف تماماً ( لِمَا يفهمون ) لأنه من الصحيح أن نقول أنَّ الابن خُلِق أيضاً ، لكن هذا حدث عندما تأنَّس لأنَّ الخلق يخُص الإنسان . ويُمكن لأي إنسان أن يجد هذا المعنى وارِداً على نحو وافٍ في الوحي الإلهي ، إن كان بدلاً من أن يعتبِر دِراسته أمراً ثانوياً ، يفحص الزمان والأشخاص والهدف ، وهكذا يدرِس ويتأمَّل فيما يقرأه . فمن جهة الزمان والمُناسبة المذكور فيها ، سيجِد بالتأكيد أنَّ الرب بينما هو موجود دوماً ، أخيراً في مِلْء الزمان تأنَّسْ ، وبينما هو ابن الله ، صار ابناً للإنسان أيضاً . وأمَّا فيما يخُص الهدف ، سيفهم أنَّ ( الرب ) إذ كان يُريد أن يُبطِلْ موتنا ، اتخذ لِنفسِهِ جسداً من العذراء مريم ، لكي بتقديم هذا إلى الآب ذبيحة عن الجميع ، يُخلِّصنا جميعاً ، نحن الذينَ خوفاً من الموت كُنّا كلّ حياتنا تحت العبودية ( عب 2 : 15 ) . وأمَّا عن الشخصية ، فهي بالتأكيد شخصية المُخلِّص ، لكن قيلت عنه عندما اتخذ لِنفسِهِ جسداً وقال ” الربُّ قناني أوَّل طريقِهِ مِنْ قَبْلِ أعمالِهِ ( أم 8 : 22 ) . فكما يخُص ابن الله بِلِياقة أن يكون أزلي وفي حِضْن الآب ، كذلك عند تأنُّسِهِ لاقت به الكلِمات ” الربُّ قناني ( خلقني ) “ إذ عندئذٍ تُقال عنه مثلما يُقال عنه أيضاً أنه جاع ، وعطش ، وسأل أين يرقُد لِعازر ، وتألَّم وقام ثانية . وكما أننا عندما نسمع أنه رب وإله ونور حقيقي نفهم أنه من الآب ، كذلك عند سماعنا ” الربُّ قناني “ و” عبد “ و” تألَّم “ لن ننسِب ذلك بِصواب إلى اللاهوت ، لأنَّ ذلك لا يخُصُّه ، بل يجب أن نفسره بذلك الجسد الذي حمله لأجلِنا ، لأنَّ كلّ هذه الأشياء لائِقة به ( أي بِجسدِهِ ) ، وهذا الجسد لم يكُنْ جسد أحد آخر غير الكلِمة . وإذا أردنا أن نعرِف الهدف الذي يتحقق من وراء هذا ، سنجد أنه كما يلي : إنَّ الكلِمة تجسَّد لكي يُقدِّم هذا الجسد عن الجميع ، ونحن عندما نشترِك في روحه ، يُمكن أن نتقدَّس ، وهي عطية لم نكُنْ لِننالها بأي طريقة أخرى إلاَّ بأن يكتسي هو بِجسدنا المخلوق . لِذلك نحن نأخُذ اسمنا ” أُناس الله “ ” أُناس في المسيح “ لكن كما أننا بِنوالنا الروح القدس لا نفقِد جوهرنا الخاص بنا ، كذلك الرب عندما تأنَّسْ لأجلِنا وحَمَلْ جسداً ، ظلَّ إله كما هو ، لأنَّ حِجاب الجسد لم ينتقِص منه ، بل بالأحرى هو ألَّهَهُ وجعلهُ غير مائِت .



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.