التاريخ الكنسي لسوزومين – الكتاب الرابع – ترجمة تشستر هارترانفت – تعريب د.بولا ساويرس

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”التاريخ الكنسي لسوزومين – ترجمة تشستر هارترانفت – تعريب د.بولا ساويرس” field=name]

الكتاب الرابع: الفصل الأول

(وفاة قنسطانس قيصر. الأحداث التى حدثت فى روما)

(4/1/1) وعقب مجمع سارديكا بأربع سنوات، قُتِل قنسطانس فى الغال الغربية، واستولى ماجننتيوس  Magnentiusالذى دبَّر هذه المكيدة على حكومة قنسطانس. وفى نفس الوقت أُعلِن فيترانيو Vetranio امبراطورا فى سيرميوم([1]) Sirmium من قِبل القوات الايلليرية. وحشد نبوتيان Nepotian ابن اخت الامبراطور الأخير قوة من المحاربين وجاهد للاستيلاء على السلطة الامبراطورية. ونالت روما القديمة النصيب الأوفر من هذه الشرور. ومع ذلك قُتِل نبوتيان بواسطة جنود ماجننتيوس.

(4/1/2) وإذ وجد قنستانتيوس نفسه سيدا منفردا للامبراطورية، أعلن نفسه الحاكم الوحيد وأسرع إلى خلع الطغاة.

(4/1/3) وفى نفس الوقت إذ كان أثناسيوس قد وصل إلى الأسكندرية استعد لعقد مجمع من الاساقفة المصريين، ومعه المرسوم المُصدَق عليه فى سارديكا وفى فلسطين لصالحه.

الكتاب الرابع: الفصل الثانى

(قنستانتيوس ينفى أثناسيوس ثانية، وأولئك المتمسكين بعقيدة هومسيوس. وفاة بولس اسقف القنسطنطينية. اغتصاب مقدونيوس للكرسى البطريركى، واعماله الشريرة)

(4/2/1) وإذ انخدع الإمبراطور بإفتراءات المبتدعين، عدَل عن رأيه ونفى الاساقفة الذين قد أعادهم وذلك على العكس من مراسيم مجمع سارديكا. ومن ثم خُلِع مارسيللوس ثانية واستولى باسيليوس من جديد على اسقفية انقيرا. وأُلقِى لوكيوس فى السجن وتُوفى هناك. وحُكِم على بولس بالسجن المؤبد، ونُقِل إلى كوكوزم Cucusum بأرمينيا([2]) حيث توفى. ولم استطع مع ذلك، التأكد مما إذا كان قد توفى طبيعيا أم لا([3])، إذ مازال يُقال من أتباع مقدونيوس أنه قد خُنِق.

(4/2/2) وبمجرد أن أُرسِل إلى المنفى، استولى مقدونيوس على ادارة الكنيسة، إذ سانده بعض الرتب من الرهبان الذين انضموا إليه فى القنسطنطينية، وبواسطة التحالف مع اساقفة المناطق المجاورة شن كما قيل اضطهادا ضد أولئك المتمسكين بمفاهيم بولس. فطردهم أولا من الكنيسة ثم أجبرهم على الاشتراك معه فى التناول. وقد هلك كثيرون بسبب الجروح التى تلقوها فى المقاومة. وجُرِّد البعض من ممتلكاته، والبعض من المواطنة، ووُسِم البعض على جباههم بأداة حديدية لكى ما يوصموا كشائنين.

(4/2/3) ولم يُسَّر الإمبراطور بذلك عندما سمع بهذه المعاملات، وألقى باللوم على مقدونيوس وأتباعه.

الكتاب الرابع: الفصل الثالث

(اسشهاد موثقى العقود المُقدَّسين)

وازداد الاضطهاد عنفا وأدى إلى سفك الدماء. وكان مارتيريوس ومرقيان من بين الذين قُتِلوا. لقد كان يعيشان فى منزل بولس، وسُلِّما من قِبل مقدونيوس إلى الحاكم كمذنبين بتهمة قتل هرموجينس وبتنفيذ الشقاق السابق ضده. وكان مارتيريوس مساعد شماس([4])، ومرقيان مُنشِدا وقارئا للأسفار المقدسة. ومقبرتهما مشهورة، وتقع أمام أسوار القنسطنطينية كتذكار للشهيدين، ووُضِعت فى بيت للصلاة أقامه يوحنا([5]) وأكمله سيسينيوس اللذان ترأسا فيما بعد كنيسة القنسطنطينية، لأن هذيَن اللذيَن لم يكونا مستحقين لنوال كرامة الاستشهاد، قد كُرِّما من الله، لأن ذات المكان الذى قُطِعت فيه رأسيهما وماتا، والذى لم يكن أحد يقترب منه بسبب الاشباح قد تطهر الآن. وأولئك الذين كانوا تحت وطأة الشياطين قد تحرروا من الأمراض ومعجزات أخرى كثيرة قد أُجريَت من المقبرة، وهذه على وجه الخصوص يجب أن تُسجَّل عن مارتيريوس ومرقيان. واذا ما بدا أن ما قلته صعب التصديق، فمن السهل أن نلجأ إلى أولئك المُلِّمين جيدا بهذه الظروف وبالطبع سنجد معلومات أكثر عجبا بكثير من الأمور التى رويتها عنهما.

الكتاب الرابع: الفصل الرابع

(قنستانتيوس فى سيرميوم. جالوس يحمل لقب قيصر، ويُرسَل إلى الشرق)

(4/4/1) وعند نفْى أثناسيوس الذى حدث فى خلال هذه الفترة، اضطهد جورج كل مَن رفض الخضوع لمعتقداته فى سائر انحاء مصر. وزحف الإمبراطور إلى ايلليريا، ودخل سيرميوم التى توجه إليها فترانيو الذى عدَل الجنود فجأة عن إعلانهم له كإمبراطور، وحيّوا قنستانتيوس كحاكم أوحد وكأوغسطس، لأن كلا من الامبراطور ومؤيدوه قد جاهدوا لذات الفعل. وإذ أدرك فترانيو أنه قد تعرَّض لخيانة، طرح نفسه تحت أقدام قنستانتيوس فأشفق عليه حقا، ولكن جرَّده من الزينة الامبراطورية ومن الارجوان وألزمه بالعودة إلى الحياة الخاصة وأمده بحاجاته الخاصة من الخزانة العامة، وأخبره أنه من الجيد لرجل مسن أن يبتعد عن هموم الإمبراطورية ويعيش فى هدوء.

(4/4/2)  وبعد الانتهاء من هذه الترتيبات بشأن فترانيو، أرسل قنستانتيوس جيشا كبيرا إلى ايطاليا ضد ماجننتيوس، وأسبغ عندئذ لقب قيصر على ابن عمه جالوس وأرسله إلى سوريا للدفاع عن المناطق الشرقية.

الكتاب الرابع: الفصل الخامس

(كيرلس يقوم بالخدمات المقدسة بعد مكسيموس. ظهور علامة الصليب الضخمة، والتى تفوق الشمس فى فخامتها، وتدوم لعدة أيام)

(4/5/1) فى ذلك الوقت تولى كيرلس ادارة كنيسة أورشليم بعد مكسيموس، وظهرت علامة الصليب فى السماء. كانت تظهر بلمعان ليست بأشعة متشعبة كمثل مذنب ولكن كنور عظيم مركز وكثيف بوضوح ولكن ليس شفافا. كان طوله خمسة عشر استاديا من جبانة جبل الزيتون، وكان عرضه متناسبا مع طوله.

(4/5/2) وقد أثارت هذه الظاهرة غير العادية رعبا عاما. فترك الرجال والنساء والأطفال بيوتهم وأسواقهم ووظائفهم وهرعوا إلى الكنيسة حيث أنشدوا التسابيح للمسيح معا واعترفوا اختياريا بإيمانهم بالله. ولم يكن المتعلمون فى مناطقنا بأقل اضطرابا، وقد حدث ذلك بسرعة. لأنه كما كانت العادة كان هناك مسافرون من كل مكان فى العالم يقيمون فى أورشليم للصلاة، أو لزيارة معالمها وشاهدوا هذه العلامة ونقلوا الحقيقة إلى اصدقائهم فى الوطن.

(4/5/3) وألمَّ الإمبراطور بالموضوع من التقارير العديدة الخاصة بها من ناحية، ومن رسالة للأسقف كيرلس من ناحية أخرى.

(4/5/4) وقد قيل أن هذه الاعجوبة كانت تحقيقا لنبوة قديمة فى الكتاب المقدس، وكانت واسطة لإعتناق الكثيرين من الوثنيين واليهود للمسيحية.

الكتاب الرابع: الفصل السادس

(فوتينوس اسقف سيرميوم وهرطقته. مجمع سيرميوم لمعارضته. صيغ ايمانية ثلاثة لهذا المجمع).

(4/6/1) وفى حوالى هذا الوقت أثار فوتينوس  Photinusالذى كان يدير كنيسة سيرميوم هرطقة أمام الإمبراطور كان قد ابتدعها قبل ذلك بوقت ما. وقد أدت قدرته على الإقناع وطبيعة خطابه السهل إلى اتخاذ الكثيرين لطريقة تفكيره. فهو يعترف أن هناك إله واحد ضابط الكل، بكلمته وحدها خُلِقت سائر الأشياء. ولكنه كان لا يُسلِّم بأن وجود وولادة الابن كان قبل كل الدهور. فهو يزعم، على العكس، بأن المسيح استمد وجوده من مريم.

(4/6/2) وبمجرد أن أذاع هذا الرأى حتى أثار حنق الاساقفة الغربيين والشرقيين، واعتبروه ابتداعا فى الايمان الخاص بكل أحدٍ بصفة عامة. إذ أنه قوبل بإعتراض من كلٍ من أولئك الذين يعتنقون عقائد مجمع نيقية، وأولئك المشايعين لمفاهيم أريوس. وأيضا نظر الإمبراطور إلى الهرطقة بإشمئزاز وعقد مجمعا فى سيرميوم حيث ترأسه.

(4/6/3) ومن بين الاساقفة الشرقيين الذين حضروا هذا المجمع كان جورج الذى ترأس كنيسة الأسكندرية([6]) وباسيليوس([7]) اسقف انقيرا ومارك اسقف آرثوسا Arethusa. ومن بين الاساقفة الغربيين، حضر فالنس اسقف مورسا Mursa، وهوسيوس المُعترف.

(4/6/4) وهذا الأخير كان قد حضر مجمع نيقية ولذا لم يكن مشاركا فى هذا المجمع بإختياره إذ كان قد سبق وأن عوقب سابقا من خلال دسائس الاريوسيين، ولكنه أُستُدعِى إلى المجمع بأمر من الإمبراطور بتحريض من الاريوسيين، إذ رأوا أن حزبهم سيَقوى بحضوره إذا ما كسبوا، سواء بالإقناع أو بالقوة، رجلا محل إعجاب وتقدير عام مثل هوسيوس.

(4/6/5) وكان زمن انعقاد المجمع هو سنة بعد انتهاء قنصلية سرجيوس ونيجرنيان .Nigrinian وخلال هذه السنة لم يكن هناك قناصل سواء فى الشرق أو فى الغرب بسبب المنازعات المثارة من الطغاة.

(4/6/6) وخُلِع فوتينوس من المجمع إذ أُتُهِم بجمع أخطاء سابيللوس وبولس السموساطى. وسنَّ المجمع عندئذ ثلاث صيغ بالإضافة إلى الاعترافات السابقة، كانت إحداها مكتوبة باليونانية والأخريتان باللاتينية. ولكنها لم تتفق مع بعضها البعض ولا مع أى صيغة عقائدية سابقة سواء فى اللفظ أو المضمون. ففى الصيغة اليونانية الابن مساوى للآب ومن ذات الجوهر. وأُعلِن هناك أن أولئك الذين يزعمون أن الإبن ليست له بداية أو أنه انبثق من جوهر الآب، أو أنه متحد بالآب دون خضوع له محرومين([8]). وفى إحدى الصيغتين اللاتينيتين حُظِر القول من جوهر (الذى يدعونه الرومان substance) الله أو أن الإبن مساوى للآب، أو من ذات جوهر الآب، إذ أن هذه العبارات لم ترِد فى الكتاب المقدس وتفوق فهم ومعرفة البشر([9]). لقد قيل أنه يجب الاعتراف بأن الآب أسمى من الإبن([10]) فى الكرامة والعزة والألوهية وفى العلاقات الخاصة بإسم الآب، وأنه يجب الاعتراف بأن الابن، مثل كل الكائنات المخلوقة، خاضعا للآب([11])، وأن الآب لا بداية له، وأن ولادة الابن غير معروفة للجميع ما عدا الآب.

(4/6/7) وقد رُوِى أن هذه الصيغة عندما كمُلت أدرك الاساقفة الأخطاء التى بها، ورأوا ضرورة حجبها عن العامة وتصحيحها، وأن الإمبراطور قد هدد كل مَن يخفى أو يحجب أيا من النسخ التى حُرِّرت لها. ولكن ما أن نُشِرت لم تستطع أية جهود منعها.

(4/6/8) أما الصيغة الثالثة، فهى بذات المعنى مثل الأخريات فهى تحظر استخدام مصطلح جوهر substance بسبب المصطلحات المستخدمة فى اللاتينية، فبينما المصطلح اليونانى مستخدم بأكثر سهولة من قِبل الآباء، ولكن سبَّب عثرة لكثيرين من الجمهور غير المتعلم لأنه لم يوجد فى الكتاب المقدس، لذا وجدنا من المناسب منع استخدامه ونوصى بحذف كل ذِكر للمصطلح عند الاشارة إلى الألوهية، إذ أنه لم يرِد فى أى مكان فى الكتاب المقدس أن الآب والابن والروح القدس من ذات الجوهر same substance وإنما كلمة اقنوم person هى المكتوبة. ولكننا نقول اتساقا مع الأسفار المقدسة أن الابن مثل الآب.

(4/6/9) هذا هو القرار الذى تم التوصل إليه فى حضور الإمبراطور بشأن الايمان. وقد رفض هوسيوس أولا التصديق عليه، ولكن إذ كان هرما فقد رضخ تحت الضغط واللكمات التى أضرته بشدة، ووقَّع.

(4/6/10) وعقب خلع فوتينوس فكر المجمع فيما إذا كان من الممكن أم لا اقناع فوتينوس بالرجوع عن رأيه والتوقيع على صيغة الايمان التى أعدوها، ووعدوه بإسترداد اسقفيته، ولكن تحداهم لمناقشة عامة. وفى الوقت المُعيَّن لهذا الغرض اجتمع الاساقفة لذلك ومعهم القضاة المعينين من قِبل الإمبراطور لرئاسة هذه الجلسات والذين بسبب الكرامة والبلاغة حازوا الرتبة الأولى فى القصر. واُختِير باسيليوس اسقف انقيرا لإبتداء المناقشة مع فوتينوس.

(4/6/11) ودام الجدل مدة طويلة بسبب الاسئلة العديدة والأجوبة من قِبل الطرفين والتى كانت تدوَّن فى الحال بالإختزال، ولكن فى النهاية أُعلِنَت الغلبة لباسيليوس ونُفِى فوتينوس. ولكنه لم يكف عن نشر رأيه. وكَتَب أعمالا كثيرة باليونانية واللاتينية سعى فيها إلى اظهار سائر الآراء، ما عدا رأيه، على أنها غير صحيحة.

واختتم الآن، ما قد سجلته عن فوتينوس والهرطقة المسماة بإسمه.

الكتاب الرابع: الفصل السابع

(موت الطاغية ماجننتيوس وسيلفانوس المرتد. عصيان يهود فلسطين. مقتل جالوس قيصر)

(4/7/1) وفى نفس الوقت جعل ماجننتيوس نفسه سيدا على روما القديمة، وقتل عددا من السيناتورات ومن الشعب. وإذ سمع بتقدم جحافل قنستانتيوس انسحب إلى الغال، وهناك إلتقى الطرفان حيث كان النصر حليفا لكل منهما تارة وأخرى. ومع ذلك هُزِم ماجننتيوس أخيرا وهرب إلى مورسا Mursa التى هى حصن الغال هذه. وعندما رأى أن جنوده قد قنطوا لأنهم قد هُزِموا، وقف فوق ربوة عالية وسعى إلى إعادة شجاعتهم. ولكن على الرغم من أنهم خاطبوا ماجننتيوس بصيحات الاعجاب المعتادة للآباطرة، وكانوا مستعدين للهتاف عند ظهوره العلنى، إلاَّ أنهم هتفوا سرا وبدون تفكير مسبق لقنستانتيوس كإمبراطور بدلا من ماجننتيوس.

(4/7/2) وخلُص ماجننتيوس من هذه الظروف أنه ليس مُعيَّنا من الله للقيام بمهمة الإمبراطورية، فسعى إلى الانسحاب من الحصن إلى مكان ما أبعد. ولكن جحافل قنستانتيوس طاردته وهزمته عند بقعة تُدعَى جبل سلوقية Seleucus، فهرب وحده من الحصار إلى لوجدونا Lugduna. وعند وصوله إلى هناك ذبح أمه وأخيه الذى كان قد دعاه قيصرا، وأخيرا قتل نفسه. وليس بعد ذلك بوقت طويل، أنهى أخوه داكنتيوس أيضا حياته. وظل العامة فى شغب إذ قام سيلفانوس  Silvanusليس بعد ذلك بوقت طويل، وادعى سيادته على الغال ولكنه قُتِل فى الحال على يد جنرالات قنستانتيوس.

(4/7/3) أيضا اجتاح يهود ديوقيصرية، فلسطين والمناطق المجاورة وحملوا السلاح عازمين على خلع النير الرومانى. وعندما سمع جالوس قيصر الذى كان آنذاك فى انطاكية بتمردهم أرسل كتائب ضدهم وهزمهم ودمر ديوقيصرية.

(4/7/4) وإذ افتتن بالنصر لم يستطع جالوس أن يقتنع بنشوته فتطلع إلى السلطة الاعلى فقتل ماجنوس القوِسطر([12]) quæstor، ودومتيان والى الشرق، لأنهما فتنا للإمبراطور بتطلعاته. فثار غضب قنستانتيوس واستدعاه إلى حضرته. ولم يجرؤ جالوس على عدم  الطاعة وانطلق فى رحلته.

(4/7/5) وعندما وصل مع ذلك إلى جزيرة إيلافونا Elavona قُتِل بأمر الإمبراطور. وقد حدثت هذه الواقعة فى السنة الثالثة من قنصليته، والسابعة لقستنانتيوس.

الكتاب الرابع: الفصل الثامن

(وصول قنستانتيوس إلى روما. عقد مجمع فى ايطاليا. رواية ما حدث لأثناسيوس الكبير بواسطة دسائس الاريوسيين)

(4/8/1) وبموت الطغاة توقع قنستانتيوس استعادة السلام، وإنتهاء الشغب. وغادر سيرميوم ليعود إلى روما القديمة لكى يتمتع بشرف النصر بعد انتصاره على الطغاة. وعزم بالمثل على دعوة الاساقفة الشرقيين والغربيين إذا أمكن، إلى الاتفاق بشأن العقيدة بعقد مجمع فى ايطاليا.

(4/8/2) وفى حوالى هذه الفترة توفى يوليوس([13]) بعد ادارته لكنيسة روما لمدة خمسة وعشرين سنة، وخلفه ليبريوس. وظن أولئك الذين عارضوا مجمع نيقية أنها فرصة مواتية للإفتراء على الاساقفة الذين قد خلعوهم، وأن يعملوا على طردهم من الكنائس بوصفهم يتمسكون بعقائد زائفة، ومخلين بالسلام العام، واتهموهم بإثارة سوء الفهم بين الأباطرة خلال حياة قنسطانس.

(4/8/3) وكان ذلك حقيقة كما روينا عاليه، إذ هدد قنسطانس أخيه بشن حرب ما لم يقبل بعودة الاساقفة الارثوذكسيين. وكانت جهودهم مركزة بصفة أساسية ضد أثناسيوس الذى كانوا يحنقون عليه بشدة، وحتى عندما كان محميا بقنسطانس ومتمتعا بود قنستانتيوس لم يستطيعوا اخفاء عداوتهم له.

(4/8/4) فإجتمع فى نيقية نارسيسوس اسقف كيليكية، وتيودور اسقف تراقيا، ويوجينوس اسقف نيقية، وباتروفيلوس اسقف سكيثوبوليس، ومينوفانتوس اسقف افسس، واساقفة آخرون ثلاثون بالعدد، وكتبوا رسالة إلى جميع الاساقفة فى سائر الأقاليم يسجلون فيها، أن أثناسيوس قد عاد إلى اسقفيته ضد أحكام الكنيسة، وأنه لم يُبرىء نفسه أمام أى مجمع وأنه كان مؤيدا فقط من قِبل بعض شيعته. وحثوهم على عدم الاشتراك معه فى التناول أو مراسلته، ولكن الاشتراك فقط مع جورج الذى كان قد سيم خلفا له.

(4/8/5) وازدرى أثناسيوس بهذه الاجراءات، ولكنه كان عتيدا أن يقاسى تجاربا أعظم من أىٍ مما عاناه من قبل. فعقب موت ماجننتيوس فى الحال، وجد قنستانتيوس نفسه، الإمبراطور المنفرد للإمبراطورية الرومانية، فوجه كل جهده إلى حض اساقفة الغرب على التسليم بأن الإبن هو مثل الآب فى الجوهر.

(4/8/6) ولكى ما ينفذ هذه الخطة لم يلجأ إلى الإجبار بل سعى إلى اغراء الاساقفة الآخرين إلى الموافقة على مراسيم اساقفة الشرق ضد أثناسيوس. لأنه ظن أنه إذا ما جعلهم يتفقون فى الرأى على هذه النقطة، فسيكون من السهل عليه بعد ذلك ادارة الشؤون المتعلقة بالديانة.

الكتاب الرابع: الفصل التاسع

(مجمع ميلان، وهروب أثناسيوس)

(4/9/1) وكان الإمبراطور متعجلا للغاية لعقد مجمع فى ميلان، ولكن عددا قليلا من اساقفة الشرق هم الذين توجهوا إلى هناك. فالبعض اعتذر عن الحضور بحجة المرض، وآخرون بدعوى مشقات الرحلة وطولها. ومع ذلك كان أكثر من ثلاثمائة من اساقفة الغرب فى المجمع.

(4/9/2) وأصر اساقفة الشرق على أن أثناسيوس يلزم أن يُعاقَب بالنفى ويُطرَد من الاسكندرية، وصمت الآخرون إما عن خوف وإما عن جهل.

(4/9/3) وكان ديونيسيوس اسقف آلبا Alba متربولية ايطاليا، ويوسيبيوس اسقف فيرسيلا Vercella فى ليجوريا  Liguriaوبولينوس اسقف تريف، ورودانوس ولوسيفر هم الاساقفة الوحيدون الذين اعترضوا على هذا القرار، وصرحوا أن أثناسيوس لا ينبغى أن يُدَان على هذه المزاعم التافهة، وأن الشر لن يكف بإدانته، ولكن أولئك الذين أيدَّوا العقائد الارثوذكسية بشأن الألوهية سوف يخضعون فى الحال للمكائد. لقد أدركوا أن المسألة برمتها إنما هى خطة مدبَّرة من الإمبراطور والأريوسيين بقصد القضاء على الإيمان النيقاوى.

(4/9/4)وعوقبوا على جسارتهم بالنفى فى الحال. ونُفِى هيلارى معهم. وأظهرت النتيجة بوضوح القصد من عقد مجمع ميلان. لأن المجامع التى عُقِدت بعد ذلك بوقت قصير فى ارمينيّم وسيلوقيا كان القصد منها بوضوح هو تغيير العقائد المؤسسة فى مجمع نيقية كما سأوضح حالا.

(4/9/5) وإذ ادرك أثناسيوس المكائد المُدبَّرة لمحاكمته، وجد أنه من الفطنة عدم التوجه إلى الإمبراطور بشخصه إذ أن حياته ستكون فى خطر هناك، ولم يفكر فى أن ذلك سيكون له أية جدوى، ومع ذلك اختار خمسة من الاساقفة المصريين كان من بينهم سيرابيون اسقف تمى ([14]) وهو مدبر يتميز بقداسة حياته العجيبة وقوة بلاغته، وأرسلهم مع ثلاثة كهنة من الكنيسة إلى الإمبراطور الذى كان عندئذ فى الغرب. وكان عليهم أن يحاولوا الالتقاء بالامبراطور إن أمكن والرد على افتراءات الطرف المعادى عند الطلب، وأن يتخذوا كافة التدابير اللازمة للحفاظ على سلام الكنيسة وعلى نفسه.

(4/9/6) وبعد أن اقلعوا فى رحلتهم بوقت قصير تلقى أثناسيوس بعض الرسائل من الإمبراطور يستدعيه فيها إلى القصر، فاضطرب أثناسيوس وكل الشعب بشدة من هذا الأمر إذ أدركوا أنه ليس هناك أمان على الاطلاق سواء فى طاعة الأمر أو فى رفضه من قبل إمبراطور له مفاهيم غير ارثوذكسية.

(4/9/7) ومع ذلك أصر على البقاء فى الأسكندرية وغادر حاملو الرسائل المدينة دون تحقيق أى شىء. وفى الصيف التالى، وصل رسول آخر من قِبل الإمبراطور مع حكام الاقاليم، وهو مكلف بتعجيل رحيل أثناسيوس من المدينة والسلوك بعداء ضد الاكليروس. وعندما ادرك أن شعب الكنيسة رغم ذلك مملوء من الشجاعة ومستعد لحمل السلاح، رحل هو أيضا من المدينة دون انجاز مهمته. وليس بعد ذلك بوقت طويل، أن زحفت الكتائب المسماة بالفيلق الرومانى والتى كانت تقيم فى مصر وليبيا نحو الأسكندرية.

(4/9/8) وكما رُوى، أُخفِىّ أثناسيوس فى الكنيسة التى تُدعى ثيوناس، فأمر قائد الكتائب وهيلارى الذى عهد إليه الإمبراطور بمعالجة هذه المسألة، بكسر ابواب الكنيسة، وبذلك دخلوها. لكنهم لم يجدوا أثناسيوس داخل أسوارها على الرغم من أنهم بحثوا عنه فى كل مكان. وقد قيل أنه قد هرب هو وآخرون كثيرون بتدبير إلهى وأن الله قد كشف عن ذلك مسبقا، وعند خروجه فى الحال اقتحم الجنود ابواب الكنيسة وكانوا على وشك القبض عليه.

الكتاب الرابع: الفصل العاشر

(الدسائس المتنوعة ضد أثناسيوس، وفراره من الأخطار العديدة بالإلهام الإلهى. اعمال جورج الشريرة فى مصر بعد طرد أثناسيوس)

(4/10/1) ما من شك فى أن أثناسيوس كان حبيب الله، وكان موهوبا بعطية توَّقع الآتيات. فمن الحقائق الأكثر عجبا من التى قد رويناها، والتى يجب أن نوردها لنبرهن على إلمامه الوثيق بالآتيات، أنه قد حدث خلال حياة قنسطانس أن عزم قنستانتيوس على اساءة معاملة هذا الرجل القديس، ولكن أثناسيوس فر واختفى لدى شخص ما من معارفه، وعاش لوقت طويل فى خندق ومسكن بلا شمس كان يُستخدَم كمستودع للمياه. ولم يكن أحدٌ يعرف أنه يختبأ فيه ما عدا سيدة خادمة كانت تبدو مؤمنة كانت تقوم بخدمته.

(4/10/2) ولما كان الهراطقة شغوفين مع ذلك بالقبض على أثناسيوس حيا، لذلك يبدو أنهم فلحوا أخيرا فى إفساد المرأة سواء بالعطايا أو بالوعود. ولكن الله سبق أن حذر أثناسيوس من خيانتها وأمره بالهرب من المكان. وعوقبت الخادمة على البلاغ الكاذب ضد سادتها، بينما فروا هم أنفسهم من البلد لأنه كانت تُعَّد جريمة ليست بزهيدة لدى الهراطقة استقبال أو إخفاء أثناسيوس، بل وعلى النقيض من ذلك كانت تُعتبَر عصيانا ضد أوامر الإمبراطور الصريحة وجريمة ضد الإمبراطور يُعاقَب عليها أمام المحاكم المدنية.

(4/10/3) وقد بلغ إلى مسامعى أن أثناسيوس قد حُفِظ فى مناسبة أخرى بأسلوب مماثل. فقد اضطر مرة ثانية لنفس السبب أن يفر لحياته، فأبحر فى النيل بقصد الاعتزال فى مناطق مصر الأبعد، ولكن أعداءه علموا بنوايه فتعقبوه. وإذ قد حُذِّر سلفا من الله أنه سيُطارَد، أعلن ذلك لرفقائه المسافرين وأمرهم بالعودة إلى الأسكندرية. وفيما هو نازل فى النهر، مرَّ به الكائدون([15]). ووصل إلى الأسكندرية بآمان، واختفى فى الحال فى وسط منازلها العديدة والمتماثلة. إن نجاحه فى تجنب هذه الفخاخ العديدة هو الذى أدى إلى إتهام الوثنيين والهراطقة له بالسحر([16]).

(4/10/4) وقد سُجِّل أنه بينما كان يمر ذات يوم فى وسط المدينة، أن سُمِع نعيق غراب فسأله عدد من الوثنيين، الذين تصادف وجودهم فى تلك البقعة، ساخرين عما يقوله الغراب فأجابهم مبتسما أنه يتمتم بكلمة كَرَاس cras (التى معناها فى اللغة اللاتينية) “غدا”، وهذا إعلان لكم أن الغد لن يكون فى خيركم لأنه يُشير إلى أنكم ستُمنَعون من الإمبراطور الرومانى من الاحتفال بعيدكم غدا.

وعلى الرغم من أن ذلك كان توقعا من أثناسيوس يبدو سخيفا، إلا أنه قد تحقق فعلا. لأنه فى اليوم التالى صدرت مراسيم من الإمبراطور إلى الحُكام أُمِر فيها الوثنيون بعدم الاجتماع فى الهياكل لممارسة احتفالاتهم المعتادة، ولا الاحتفال بعيدهم. وهكذا تم القضاء على أعظم وأفخم عيد كان الوثنيون يحافظون عليه.

إن ما قلته يكفى لإظهار أن هذا الرجل القديس كان موهوبا بعطية النبوة.

(4/10/5) وبعد أن هرب أثناسيوس على النحو الذى وصفناه من أولئك الذين سعوا للقبض عليه. ظل شعبه والاكليروس يستولون على الكنائس لبعض الوقت، ولكن حاكم مصر وقائد الجيش انتزعها بالقوة من اتباع أثناسيوس لكى يسلِّم ادارتها إلى اتباع جورج الذى كان وصوله وشيكا.

(4/10/6) وبعد وصوله إلى المدينة ليس بوقت طويل، وُضِعت الكنائس تحت سلطته، فحكم بالقوة اكثر من الاعتدال الكهنوتى، وجاهد فى نشر الرعب فى أذهان الشعب، وأثار اضطهادا قاسيا ضد اتباع أثناسيوس، وأكثر من ذلك سجن وشوه رجالا ونساءً كثيرين. فحُسِب كطاغية، وصار مكروها على نطاق عام.

(4/10/7) وكان الشعب هائجا بشدة من هذا المسلك، لدرجة أنهم اندفعوا إلى الكنيسة وكانوا على وشك تمزيقه إربا، فهرب بصعوبة من هذا الخطر الداهم، وفرَّ إلى الإمبراطور. واستولى اتباع أثناسيوس على الكنائس، ولكنهم لم يحتفظوا بالسيادة عليها طويلا لأن قائد كتائب مصر جاء وردها إلى اتباع جورج. وأُرسِل بعد ذلك قائدٌ من الطبقة النبيلة لمعاقبة قادة الشعب، فعذَّب وشوَّه كثيرين من المواطنين. وعندما عاد جورج بعد ذلك بقليل كان أكثر رعبا على ما يبدو، وعومل بإشمئزاز أشد من قبل لأنه حرَّض الإمبراطور على القيام بأعمال شريرة كثيرة، وبالإضافة إلى ذلك اعتبره رهبان مصر بوضوح مختالا ومنتفخا بالعجرفة.

(4/10/8) وكان الشعب يعتنق دائما آراء هؤلاء الرهبان، وكانت شهادتهم تُقبَل على نطاق واسع لأنهم كانوا معتبرين بسبب فضائلهم، والمنحى الفلسفى لحياتهم.

الكتاب الرابع: الفصل الحادى عشر

(ليبريوس اسقف روما، وعلة نفى قنستانتيوس له. فيلكس خليفته)

(4/11/1) على الرغم من أن ما قد سجلته، لم يحدث لأثناسيوس وكنيسة الأسكندرية فى نفس الفترة من الزمن عقب وفاة قنسطانس، بيد أنه من الصواب من أجل وضوح أكثر، أن أروى كل هذه الاحداث مجتمعة. فقد انفض مجمع ميلان بدون أية أعمال، ونفى الإمبراطور جميع الذين عارضوا مقاصد أعداء اثناسيوس.

(4/11/2) ولما كان قنستانتيوس راغبا فى ارساء عقيدة متماثلة فى سائر ارجاء الكنيسة، وأن يُوحِد الكهنة فى الحفاظ على نفس المفاهيم فإنه خطط لجمع اساقفة كل عقيدة فى مجمع يُعقَد فى الغرب. لقد كان واعيا بصعوبة تنفيذ هذه الخطة الناجمة عن الاتساع الشاسع للأراضى والبحار التى كان يتعين على بعض الاساقفة أن يجتازوها، ولكنه لم ييأس بالكلية من النجاح.

(4/11/3) فبينما كان هذا المشروع يُشغِل ذهنه وقبل أن يُعِّد [العدة] لدخول روما دخولا انتصاريا، أرسل إلى ليباريوس اسقف روما وجاهد فى اقناعه أن يتفق فى المفاهيم مع الكهنة الذين كانوا معه([17]) ومن بينهم أودوكسيوس([18]). وعندما رفض ليباريوس مع ذلك الامتثال، واحتج بأنه لن يقبل قط بهذه المسألة، نفاه الامبراطور إلى بيرية([19]) Berœa فى تيراقيا. وقد زُعِم سبب آخر لنفى ليباريوس، وهو أنه لم يمتنع عن التناول مع اثناسيوس، وعارض جهرا الإمبراطور الذى أصر على أن أثناسيوس قد أضر بالكنيسة، وتسبب فى موت أخيه الكبير، وبذر بذور الكراهية بينه وبين قنسطانس.

(4/11/4) وعندما أحيا الإمبراطور كل المراسيم الصادرة من المجامع المتعددة ضد اثناسيوس، وبصفة خاصة من مجمع صُور قال له ليباريوس ليس هناك أى أعتبار لمراسيم تصدر عن دوافع الكراهية أو المحاباة أو الخوف. ورغب([20]) أن يوقع اساقفة سائر الاقاليم على صيغة الايمان الصادرة فى نيقية وأن يعود الاساقفة الذين نُفِيُوا بسبب تمسكهم بها. واقترح أنه بعد تسوية كل هذه الأمور يتوجه كل الاساقفة على نفقتهم الخاصة وبدون إمدادهم بوسائل نقل عامة أو نقود حتى لا يظهرون بأنهم عبء ومُكلِّفين إلى الأسكندرية. ويؤدون اختبارا دقيقا فى الحق الذى سيكون من السهل تأسيسه فى هذه المدينة عن أى مكان آخر، حيث يقيم هناك الذين أضرَّوا والذين تتضرروا، وأيضا اصحاب الدعاوى. ثم عرض عندئذ الرسالة التى كتبها فالنس واورساكيوس إلى يوليوس سلفه فى الكرسى الرومانى، والتى يلتمسان فيها المغفرة لهما، ويعترفان بأن خلع أثناسيوس الصادر ضده فى مريوتيس كان باطلا. وإلتمس من الإمبراطور عدم إدانة أثناسيوس غيابيا أو أن يثق فى السنن التى من الثابت أنها صادرة عن دسائس أعدائه. وبالنسبة للأضرار المزعومة التى حدثت لأخويه الكبيرين، إلتمس من الإمبراطور ألاَّ ينتقم لنفسه بيدى الكهنة الذين أفرزهم الله لا لتنفيذ الانتقام ولكن للتقديس ولإنجاز الأعمال الخيرة والعادلة.

(4/11/5) وإذ أدرك الإمبراطور أن ليباريوس لن يخضع لمطلبه أمر بنقله إلى تيراقيا ما لم يعدل عن رأيه خلال يومين. فأجاب ليباريوس بالنسبة لى ليست هناك حاجة للإنتظار أيها الإمبراطور، فإن عزمى قد تشكل وتحدد منذ أمد طويل وأنا جاهز للنفى. وقد قيل أنه بينما كان مُقادا إلى المنفى ارسل الإمبراطور إليه خمسمائة قطعة ذهب، فرفض مع ذلك استلامها وقال للرسول الذى أحضرها اذهب وقل للذى أرسل هذا الذهب أن يعطيه للمنافقين والمرائين الذين حوله لأن جشعهم الذى لا يُشبَع يجعلهم فى عوز دائم لا يمكن أبدا أن يزول. إن المسيح الذى مثل أبيه فى كل النواحى هو الذى يمدنا بالطعام وبكل الخيرات.

(4/11/6) وعندما خُلِع ليباريوس للأسباب عاليه من كنيسة روما انتقلت سيادتها إلى فيلكس الشماس من الاكليروس هناك. وقد قيل أن فيلكس استمر دائما مشايعا للإيمان النيقاوى وأنه كان بلا لوم فى الأمور الدينية. أما الامر الوحيد الذى زُعِم ضده فهو أنه قد اشترك فى التناول مع الهراطقة قبل سيامته.

(4/11/7) وعندما دخل الإمبراطور روما، طالبه الشعب جهارا بإعادة ليباريوس، فأجابهم بعد استشارة الاساقفة الذين كانوا حوله أنه سيُرد ليباريوس إلى شعبه إن هو قبل اعتناق ذات المفاهيم التى يأخذ بها كهنة البلاط.([21])

الكتاب الرابع: الفصل الثانى عشر

(اتيوس السورى، واودكسيوس خليفة ليونتيوس فى انطاكية. مصطلح “مساوى فى الجوهر” ( Consubstantial

(4/12/1) وفى حوالى هذا الوقت نشر اتيوس آراءه الخاصة بشأن الألوهية. وكان آنذاك شماسا بكنيسة انطاكية وقد سيم بيد ليونتيوس. وقد زعم مثل اريوس أن الابن كائن مخلوق، وأنه خُلِق من لا شىء وأنه ليس مثل الآب. ولما كان ميالا بشدة إلى النزاع وجسورا جدا فى المسائل اللاهوتية، ويميل إلى اللجوء لنمط الجدل العقيم جدا فقد حُسِب هرطوقيا حتى من قِبل مَن لهم نفس التصُورات مثله. وعندما حُرِم لنفس السبب من الهراطقة، تظاهر برفض الاشتراك معهم فى التناول لأنهم قبلوا بغير عدل اريوس فى الاشتراك معهم فى التناول بعدما أقسم يمينا كاذبا بتصريحه أمام الإمبراطور قنسطنطين أن يحافظ على عقائد مجمع نيقية. هذه هى الرواية المذكورة عن اتيوس.

(4/12/2) وبينما كان الإمبراطور فى الغرب وصلت أخبار وفاة ليونتيوس اسقف انطاكية، فإلتمس اودكسيوس([22]) من الإمبراطور تصريحا بالعودة إلى سوريا للإشراف على شؤون الكنيسة.

(4/12/3) وإذ منحه التصريح، توجه بأقصى سرعة إلى أنطاكية وهناك نصَّب نفسه اسقفا على المدينة بدون تصديق جورج اسقف لاودكية، ومرقس اسقف أرثوسا، والاساقفة السوريين الآخرين، أو أىٍ من الاساقفة الآخرين المحفوظ لهم حق السيامة.

(4/12/4) وقد سُجِّل أنه تصرف هكذا بالاتفاق مع الإمبراطور والخصيان المنتمين للقصر الذين شايعوا، مثل اودكسيوس مفاهيم اتيوس، واعتقدوا أن الابن غير مماثل للآب.

(4/12/5) وعندما وجد اودكسيوس نفسه يستولى على كنيسة انطاكية تجرأ على نشر هذه الهرطقة جهارا. وجمع فى انطاكية كل أولئك الذين لهم نفس الآراء مثله ومن بينهم، آكاكيوس اسقف صُور، ورفض مصطلحات “مثله فى الجوهر” و”مساوى فى الجوهر”، بزعم أن الاساقفة الغربيين قد رفضوها. لأن هوسيوس مع بعض الكهنة لكى يُنهِى الجدل الذى أثاره فالنس واورساكيوس وجرمانوس بالضغط عليهم فى سيرميم، قد سُجِّل عنهم أنهم قد احجموا عن استعمال هذه المصطلحات لأنها لم ترِد فى الأسفار المقدسة وتفوق فهم البشر. وأرسلوا رسائل إلى الاساقفة كما لو كانت كتابات هوسيوس فى هذه النقطة تدعمها، وعبَّروا عن شكرهم لفالنس واورساكيوس وجرمانيوس لأنهم عبَّروا عن وجهة النظر السليمة للاساقفة الغربيين.

الكتاب الرابع: الفصل الثالث عشر

(ابتداعات اودكسيوس محل الانتقاد، فى رسالة كتبها جورج اسقف لاودكية. وفد مجمع انقيرا إلى قنستانتيوس)

(4/13/1) وبعد أن أدخل اودكسيوس هذه التعاليم الجديدة، حرَم كثيرين من أعضاء كنيسة انطاكية الذين كانوا يعارضونها. فأعطاهم جورج اسقف لاودكية خطابا ليسلِّموه للأساقفة الذين دُعِيوا من المدن المجاورة لأنقيرا بغلاطية، بواسطة باسيليوس بغرض تكريس الكنيسة التى شيدها, هذا الخطاب كما يلى:

“من جورج إلى أسياده المُكرَّمين جدا: مقدونيوس وباسيليوس، وسيكوربيوس، ويوجينيوس. التحيات فى الرب. إن كل المدينة تقريبا قد تألمت لغرق مركب اتيوس. إن تلاميذ ذلك الرجل الشرير الذين أدانتموهم، كان اودكسيوس يشجعهم ويحثهم بتعينات اكليريكية، بل أن اتيوس نفسه كان قد رُقِّى إلى منصب أعلى.

“اذهبوا إذن لمساعدة تلك المدينة لئلا بغرقها يغرق العالم كله. فلتجتمعوا معا، ولتلتمسوا توقيع الاساقفة الآخرين لكى ما يُطرَد اتيوس من كنيسة انطاكية، ويُقطَع تلاميذه الذين سبق وأحصاهم اودكسيوس ضمن قائمة الاكليروس. واذا أصرَّ اودكسيوس على التحالف مع اتيوس على أن الإبن ليس مثل الآب، وعلى تفضيله لأولئك الذين يؤيدون هذا المعتقد عن أولئك الذين يرفضونه، فإنكم ستفقدون مدينة انطاكية.”

(4/13/2) هكذا كان مجرى خطاب جورج. وعندما ادرك بوضوح الاساقفة المجتمعون فى انقيرا، من الشرائع التى سنها اودكسيوس فى انطاكية أنه يُدخِل ابتداعات فى العقيدة، أطلَعوا الإمبراطور على هذا الأمر، وإلتمسوا منه ترسيخ العقيدة المقررة فى مجمع سارديكا، وسيرميوم، والمجامع الأخرى، وخاصة التأكيد على أن عقيدة أن الإبن هو من جوهر الآب. ولكى ما يعرضوا هذا المطلب على الإمبراطور، ارسلوا وفدا مكونا من الاساقفة التاليِين: باسيليوس اسقف انقيرا، ويوستاثيوس اسقف سيباستا، وايلوسيوس اسقف اتشيزيكوس، وليونتيوس كاهن مخدع الإمبراطور.

(4/13/3) وعند وصولهم إلى القصر، وجدوا اسفاليوس الكاهن الأنطاكى والغيور لهرطقة اتيوس على وشك المغادرة بعد أن أنهى مهمته التى سافر من أجلها، وحصل على خطاب من الإمبراطور.

(4/13/4) ومع ذلك عندما تلقى الإمبراطور من الوفد القادم من انقيرا، المفهوم الخاص بالهرطقة، أدان قنستانتيوس اودكسيوس وأتباعه وسحب الخطاب الذى أعطاه لاسفاليوس وكتب ما يلى:

الكتاب الرابع: الفصل الرابع عشر

(خطاب قنستانتيوس الإمبراطور ضد اودكسيوس وأنصاره)

” من قنستانتيوس الظافر إلى الكنيسة المقدسة فى انطاكية. لقد أتى اودكسيوس بدون سلطتنا. ولا يظن أحدٌ ذلك، لأننا بعيدين تماما عن إعتبار اشخاص مثل هؤلاء إذا ما لجأوا إلى خداع الآخرين بمعاملات كهذه، لأنهم يُثبِتون أنهم سيحيدون عن الحق فى الأمور الأسمى. لأنهم من هذه الرغبة عن أى شىء سيمتنعون طواعية إذا كانوا، من أجل السلطة، يطوفون المدن ويقفزون من مكان إلى آخر كنوع ما من الطوافين، متفرسين فى كل ركن، منقادين بالرغبة فى المزيد؟. لقد نُشِر أن هناك دجالون وسفاسطة بين هؤلاء الرجال الذين اسماءهم يمكن بالكاد الصبر عليها، وأعمالهم شريرة وكافرة. وأنتم تعلمون عمَن أُلمِّح، لأنكم مُلمّون جيدا بتعاليم اتيوس والهرطقة التى بذرها. لقد كرَّس هو وأتباعه أنفسهم بصفة أساسية لإفساد الناس. وهؤلاء الناس الماهرون تجاسروا على نشر أننا قد وافقنا على سيامتهم. مثل هذا الخبر الذى تداولوه على غرار الثرثاريين هو بعيد تماما عن الحقيقة، بل فى الحقيقة أبعد ما يكون عن الحقيقة. تذكروا الكلام الذى قلناه عندما أعلنا أولا ايماننا، فلقد اعترفنا أن مُخلصنا هو ابن الله، وأنه مثل الآب فى الجوهر substance. ولكن هؤلاء الناس الذين يتجاسرون ويذيعون أى شىء يرد على مخيلتهم بشأن الألوهية ليسوا بعيدين عن الإلحاد، وهم يجاهدون بالأكثر لنشر آرائهم بين الآخرين. ونحن مقتنعون تماما أن عواقب آثامهم ستُرَّد على رؤوسهم. وفى نفس الوقت، إنه يكفى طردهم من المجامع ومن المؤتمرات المعتادة، لأننى لن أشير الآن إلى العقوبات التى لابد وأن تحل عليهم فيما بعد ما لم يتخلوا عن جنونهم. فما أعظم هذا الشر الذى يقترفونه عندما يجتمعون مع الأشرار كما لو كان بمرسوم، ويختارون قادة الهرطقة للكهنوت ويُحطون بذلك من الرتبة المُكرَّمة كما لو كان مسموحا لهم أن يفعلوا ما يسرهم. من ذا الذى يتساهل مع مَن يملأون المدن بالكفر، الذين دنسهم الخفى فى الأقاليم الأكثر بعدا، والذين لا يسرون بشىء إلاّ بضرر الأبرياء؟. يا لها من وحدة فى عمل الشر أن يسعوا إلى شغل المقاعد المقدسة. والآن، إنه الوقت لأولئك الذين تشربوا الحق لأن يأتوا إلى النور؛ وكل من أحجم سابقا بسبب الخوف ويهرب الآن من الاجتماعات، فليأتِ إلى الوسط لأن حيّل هؤلاء الأشرار قد فُنِّدَت بعمق. ولن يكون لأى نوع من الابتداع أن يمنعهم من السلوك بتقوى. إن واجب الصالحين هو الحفاظ على إيمان الآباء، ويمكن القول وزيادته دون الانشغال بأمور أخرى. إننى أحض بشدة أولئك الذين هربوا ولو حديثا من تعاليم هذه الهرطقة أن يُصدِّقوا على المراسيم التى اصدرها بصواب للأفضل، الأساقفة الحكماء فى التعليم الإلهى”.

وهكذا نحن نرى أن الهرطقة التى ظهرت عادة انومية([23]) ما لبثت أن سادت فى هذه الفترة.

الكتاب الرابع: الفصل الخامس عشر

(الإمبراطور قنستانتيوس يتوجه إلى سيرميوم ويستدعى ليبريوس، ويعيده إلى كنيسة روما، ويأمر فيلكس بمساعدة ليبريوس فى الخدمة الكهنوتية)

(4/15/1) وبعد هذه الأحداث ليس بوقت طويل، توجه الإمبراطور إلى سيرميوم. وعند استقباله لوفد من الاساقفة الغربين استدعى ليبريوس من بيرية، وحثه فى حضور مندوبى الاساقفة الشرقيين والكهنة الآخرين الذين كانوا فى المعسكر، على الاعتراف بأن الإبن ليس مساويا للآب فى الجوهر([24]). وقد حرضه على ذلك باسيليوس([25]) ويوستاثيوس، ويوسيبيوس الذى كان له تأثير قوى عليه.

(4/15/2) ووضعوا توليفة فى مستند واحد من مراسيم ضد بولس الساموسطى، وفوتينوس اسقف سيرميوم، وألحقوا بها صيغة ايمان دُوِّنت فى انطاكية عند تكريس الكنيسة، كما لو كان بعض الأشخاص تحت زعم مصطلح “مساوى فى الجوهر”consubstantial قد حاولوا وضع هرطقتهم. وتم حث ليبريوس  Liberiusواثناسيوس والكسندروس وسفريانوس Severianus، وكرسنس Crescens كاهن من افريقيا، على الموافقة على هذا المستند. وبالمثل اورساكيوس Ursacius، وجرمانيوس اسقف سيرميوم Sirmium، وفالنس  Valensاسقف مورسا Mursa، وكثيرين بالمثل من اساقفة الشرق الذين كانوا حاضرين.

(4/15/3) ولكنهم صدَّقوا جزئيا على اعتراف الإيمان الذى دونه ليبريوس والذى يُعلِن فيه أن أولئك الذين يؤكدون على أن الإبن ليس مثل الآب فى الجوهر substance وفى كل النواحى الأخرى، هم محرومون. لأنه عندما تلقى اودكسيوس Eudoxius وانصاره فى انطاكية المشايعين لهرطقة اتيوس، خطاب هوسيوس، قد اشاعوا أن ليبريوس قد جحد مصطلح “مساوى فى الجوهر”، وسلَّم بأن الإبن ليس مثل الآب.

(4/15/4) وبعد هذه الفروض التى وضعها الاساقفة الغربيون سمح الامبراطور بعودة ليبريوس إلى روما. وكتب الاساقفة المجتمعون آنذاك فى سيرميوم إلى فيلكس الذى ترأس كنيسة روما وإلى الأساقفة الآخرين يُرغِّبونه فى قبول ليبريوس. وأمروا أن يُشارك كلاهما فى الكرسى وفى ممارسة المهام الكهنوتية على وجه العموم بإتفاق ذهن، وأنه يجب دفن أى أمر غير شرعى قد حدث فى سيامة فيلكس أو بالنسبة لنفى ليبريوس.

(4/15/5) ولقد اعتبر شعب روما ليبريوس رجلا ممتازا جدا ويستحق أقصى تكريم لشجاعته فى معارضة الامبراطور إلى حد أنهم أثاروا شغبا بسببه لدرجة سفك الدماء. وعاش فيلكس لمدة قصيرة، ووجد ليبريوس نفسه المسؤول الأوحد عن الكنيسة. وكانت هذه الحادثة بلا شك من الله حتى لا ينحط كرسى بطرس([26]) بإعتلاء اسقفين له، لأن مثل هذا الاجراء علامة على عدم الاتفاق وغريب على القانون الكنسى.

الكتاب الرابع: الفصل السادس عشر

(الامبراطور يقترح عقد مجمع فى نيقوميديا بسبب هرطقة اتيوس وبدع انطاكية ولكن بسبب زلزال حدث، انعقد المجمع أولا فى نيقية ثم فيما بعد فى ارمينيّم وسلوقية)

(4/16/1) هكذا كانت الاحداث التى شاعت فى سيرميوم. فلقد بدا فى هذه الفترة كما لو كان خوفا من عدم مسرة الامبراطور أن اتحدت الكنائس الغربية والشرقية فى الاعتراف بنفس العقيدة. وعزم الامبراطور على عقد مجمع فى نيقية لفحص البدع التى دخلت انطاكية وهرطقة اتيوس. ولما كان باسيليوس وحزبه كارهين لأن يُعقَد المجمع فى هذه المدينة لأن المسائل العقيدية سبق أن سُوِّيَت هناك، لذلك تقرر عقده فى نيقوميدية فى بيثينية. وصدرت المراسيم بذلك وتم استدعاء معظم الاساقفة الفطناء والبلغاء من كل أمة ليتوجهوا إلى هناك فى اليوم المحدد لكى ما يكون جميع كهنة الدولة مشتركين فى المجمع وحاضرين مناقشاته.

(4/16/2) وما أن شرع عدد كبير من هؤلاء الاساقفة فى السفر حتى حلت كارثة على نيقوميديا، وهز الله المدينة كلها من أساساتها. وانتشر خبر دمار المدينة كلها فى كل مكان وذاع. فأحجم الاساقفة عن السفر، لأنه كالعادة فى مثل هذه الحالات تنتشر الاشاعات فى المناطق البعيدة بأكثر مما حدث بالفعل. فقد أُذِيع أن نيقية وبرينثوس Perinthus والمدن المجاورة وحتى القنسطنطينية قد شملتها نفس الكارثة للغاية. لأن أعداء الدين انتهزوا فرصة وقوع الكنيسة الكبرى ليصُوِّروا للإمبراطور أن حشدا من الاساقفة والرجال والنساء والأطفال كانوا قد لجأوا إلى الكنيسة على أمل أن يجدوا فيها أمانا فهلكوا جميعا.

(4/16/3) وهذا الخبر لم يكن صحيحا. فقد وقع الزلزال فى الساعة الثانية من النهار([27]) وفى هذه الساعة لا يوجد اجتماع فى الكنيسة([28]). أما الاساقفة الذين ماتوا فكانوا فقط سكروبيوسCecropius  اسقف نيقوميديا، واسقف من البوسفور. وكانا خارج الكنيسة عندما وقعت الحادثة المُهلِكة. فقد ارتجت المدينة فى لحظة حتى أن الناس لم يكن فى استطاعتهم، حتى لو أرادوا، البحث عن مكان آمن يهربون إليه عند بداية الشعور بالخطر. فهُم إما هلكوا وإما حُفِظوا فى ذات الموقع الذى كانوا قائمين فيه.

(4/16/4) وقد قيل أن هذه المصيبة، كان قد تنبأ بها ارساكيوس Arsacius. وهذا كان جنديا فارسيا كان يهتم بتمريض احقاء الامبراطور. ولكن فى خلال عهد ليسينيوس Licinius صار معترفا مشهورا وترك الجيش. وذهب إلى قلعة نيقوميديا، وتبنى حياة فيلسوف رهبانى داخل جدرانها. وهنا ظهرت له رؤيا من السماء وأُمِر أن يترك المدينة فى الحال لكى ينجو من المصيبة العتيدة أن تقع. فركض بأقصى نشاط إلى الكنيسة، ورجا الاكليروس أن يرفعوا توسلات إلى الله لكيما يصرف غضبه. ولكنه وجدهم أبعد ما يكون عن تصديقه، وأنهم ينظرون إليه بسخف، وأنهم غير متوقعين للمتاعب. فعاد إلى برجه وانطرح على الأرض فى صلاة. وفى هذه اللحظة وقع الزلزال وهلك الكثيرون، والذين نجوا هربوا إلى الريف والصحراء.

وكما يحدث فى مدينة كبيرة ومزدهرة كانت هناك حرائق فى المواقد وفى أدوات الاطفاء فى كل بيت، وفى غلايات الحمامات، وفى مراجل كل مَن يستخدِم النار فى حرفته. وعندما سقطت المشغولات فى الخراب تأجج اللهب بموادها، وبالطبع كان هناك خشب جاف وعليه زيت، فساعد هذا على تأجج النيران، وإلتهمت كل المواد المتاحة، ويمكن القول، جعلت المدينة كلها  كتلة واحدة من النيران، وكان من المستحيل الوصول إلى المنازل. والذين نجوا من الزلزال اندفعوا إلى القلعة، ووجدوا ارساكيوس ميتا فى البرج الذى لم يهتز، وهو منطرح على الأرض بنفس الوضع الذى بدأ به الصلاة. وقيل أنه تضرع إلى الله أن يسمح بموته لأنه فضَّل الموت عن معاينة خراب المدينة التى عرِف فيها المسيح أولا، ومارس فيها الفلسفة الرهبانية.

(4/16/5) وإذ تكلمتُ عن هذا الرجل الصالح من الجيد أن أذكر أن الله قد منحه سلطة إخراج الشياطين وتطهير الممسوسين منهم. فقد حدث أن رجلا كان عليه شيطان كان يجرى ذات يوم فى السوق عاريا وهو ممسك بسيف فى يده. وهرب الناس منه واضطربت المدينة كلها فخرج ارساكيوس لمقابلته ودعا بإسم المسيح، فخرج الشيطان بهذا الاسم واسترد الرجل صحته. وبالإضافة إلى عاليه أجرى أرساكيوس أعمالا أخرى كثيرة تجاوز قدرة ومهارة الانسان. فقد كان هناك وحش أو نوع آخر من الزحافات يختفى فى نُقرة على جانب الطريق وكان يُهلِك المارة بأنفاسه فذهب ارساكيوس إلى المكان وهو منهمك فى الصلاة. فخرج الثعبان من ذاته من الحفرة وسحق رأسه بالأرض وقتل ذاته.

كل هذه التفاصيل حصلتُ عليها من أشخاص قد سمعوها من أولئك الذين رأوا ارساكيوس.

(4/16/6) ولما تَعوَّق الاساقفة عن السفر بسبب المصيبة التى حلت بنقيوميدية، انتظر البعض تعليمات أكثر من الامبراطور، وصرَّح آخرون بآرائهم فى الإيمان فى خطابات كتبوها بشأن هذه الأمر. وتحيَّر الامبراطور فيما يختاره، فكتب إلى باسيليوس يستشيره فيما إذا كان يجب أن ينعقد المجمع أم لا.

(4/16/7) فحاول باسيليوس، على ما يظهر فى رده، أن يمدح تقواه وأن يعزّيه فى خراب نيقوميدية بأمثلة من الأسفار المقدسة، وحثه على الاسراع بعقد المجمع من أجل الدين، وألاَّ يُهمِل غيرته هذه على الدين، وألاَّ يصرف الكهنة الذين اجتمعوا معا لهذا الغرض، والذين انطلقوا بالفعل وهم الآن فى طريقهم، إلى أن تتم بعض العمليات. واقترح أيضا أن يُعقَد المجمع فى نيقية بدلا من نيقوميدية لكى ما يتم تسوية النقاط المتنازع عليها بصفة نهائية فى نفس الموقع الذى دُعِيوا إليه أولا.

(4/16/8) واعتقد باسيليوس فى كتابته هذه أن الامبراطور سيُسَّر بهذا الاقتراح إذ أنه هو نفسه كان قد اقترح عقد المجمع فى نيقية. وعندما استلم الامبراطور هذه الرسالة من باسيليوس أمر بإجتماع الاساقفة فى بداية الصيف فى نيقية، فيما عدا مَن يعانون من سقم جسدى. وشملت هذه الرسائل الكهنة والشمامسة ليقدِّموا آرائهم ويتشاوروا معا فى النقاط المتنازع عليها، ويَصِلوا إلى قرار فى كل المسائل المثارة. وحدد أن تختار الكنائس الغربية عشرة مندوبين وكثيرين من الشرق ليسنوا الشرائع التى يجب اصدارها ويقرروا ما إذا كانت متفقة مع الأسفار المقدسة أم لا، وأيضا لكي ما يمارسوا الإشرف على أعمال المجمع.

(4/16/9) وبعد مشاورات أكثر أمر الامبراطور أن يبقى الاساقفة حيث هم أو فى كنائسهم إلى أن يتقرر أين سيُعقَد المجمع، وإلى أن يتلقوا اخطارا ليتوجهوا إلى أين. ثم كتب إلى باسيليوس ليحرر رسائل إلى الاساقفة الشرقيين ليستفسر منهم أين ينصحون بعقد المجمع، لكى ما يُعلِن عنه فى بداية الربيع، لأن الامبراطور كان يرى عدم عقد المجمع فى نيقية بسبب الزلزال الذى حدث فى المنطقة.

فكتب باسيليوس إلى الاساقفة فى كل منطقة حاثا إياهم على المداولة معا، وأن يقرروا بسرعة المكان الذى يرونه لعقد المجمع. وأرفق برسالته نسخة من خطاب الامبراطور.

(4/16/10) وكما هى العادة فى الحالات المماثلة، اختلف الاساقفة فى الرأى، وتوجه باسيليوس إلى الامبراطور الذى كان آنذاك فى سيرميوم، ووجد اساقفة عديدين فى هذه المدينة كانوا قد توجهوا إليها فى شؤون خاصة بهم، وكان من بينهم مارك اسقف أرثوسا Arethusa، وجورج الذى كان قد عُيِّن لرئاسة كنيسة الأسكندرية([29]).

وعندما تقرر أخيرا أن يُعقَد المجمع فى سلوقية Seleucia، مدينة فى ايسوريا Isauria، مِن قِبل فالنس وأنصاره، لأن فالنس كان متغربا آنذاك فى سيرميوم، وكانوا مشايعين لهرطقة آنوم Anom، حثوا الاساقفة الذين كانوا فى البلاط العسكرى على الاشتراك فى صيغة إيمان كانوا قد أعدّوها وليس فيها أى ذكر لمصطلح “جوهر” substance.

(4/16/11) ولكن بينما كانت الترتيبات تتم بحماس لإنعقاد المجمع، فكَّر اودكسيوس وأكاكيوس واورساكيوسUrsacius  وفالنس مع أنصارهم، أنه بينما يلتصق اساقفة كثيرون بالإيمان النيقاوى، وآخرون يفضلون الصيغة التى وضعوها عند تدشين كنيسة انطاكية، إلاَّ أن الطرفيَن قد أبقيا على استخدام مصطلح جوهر substance، وحافظا على أن الإبن مثل الآب من جميع النواحى. وكانوا مُدركين أنه إن اجتمع الطرفان فى مكان واحد فإنهم سيدينون تعاليم اتيوس Aëtius بإعتبارها مضادة لمراسيم الايمان الموقرة. لذا اشاعوا أن اساقفة الغرب مجتمعين فى ارمينيمAriminum  وأن اساقفة الشرق فى سلوقية، مدينة فى ايسوريا.

(4/16/12) ولما كان من السهل اقناع عدد قليل عن عدد كبير من الافراد، فقد رأوا أنه من الممكن أن يقنعوا الطرفين متى تداولوا معهما على انفراد، أو على أية حال كسب أحد الطرفين لرأيهم، وبالتالى لا تلقى هرطقتهم إدانة جماعية. وقد انجزوا ذلك بواسطة يوسيبيوس الخصى الذى كان مشرفا على المقر الامبراطورى، وكان على صداقة مع اودكسيوس، وكان مشايعا لنفس التعاليم، وكان كثيرون ممن كانوا فى سلطة ينشدون وساطة يوسيبيوس هذا.

الكتاب الرابع: الفصل السابع عشر

 (اجراءات مجمع ارمينيّم)

(4/17/1) وأُقنِع الامبراطور بأنه من غير المرغوب فيه للعامة عقد المجمع فى نفس المكان للجميع بسبب النفقات وغياب المزايا للاساقفة، وطول مسافة السفر. لذلك كَتَب للأساقفة الذين فى ارمينيّم([30])، وكذلك بالمثل للذين فى سلوقية، ووجههم إلى البدء فى فحص النقاط المتنازع عليها بشأن الايمان، ثم يلتفتوا إلى شكاوى كيرلس اسقف اورشليم والاساقفة الآخرين الذين احتجوا على عدم عدالة مراسيم الخلع والنفى الصادرة ضدهم، وأن يفحصوا الاحكام العديدة الصادرة ضد الاساقفة الآخرين. وكان هناك فى الواقع اتهامات عديدة معلقة ضد اساقفة مختلفين. فقد أُتُهِم جورج من المصريين بالظلم والنهب. وأخيرا أمر الامبراطور بإرسال عشرة مندوبين من كل مجمع لإطلاعه على الاجراءات التى اتخذوها.

(4/17/2) وبناء على هذا المرسوم اجتمع الاساقفة فى المدن المعينة وبدأ مجمع ارمينيّم اجراءاته أولا، وكان يضم اربعمائة عضوا. فهؤلاء الذين كانوا يكِنون أقصى عداوة لأثناسيوس رأوا أنه ليس هناك شىء أكثر يُتخَذ ضده. وعندما بدأوا فى مناقشة المسائل العقيدية، وقف فالنس واورساكيوس وجرمانيوس واوكسنتيوس  Auxentius وكايوس  Caius ودموفيلوس  Demophilus فى وسط المجمع، وطلبوا أن تُلغَى سائر الصيغ الخاصة بالإيمان التى صيغت سابقا، وأن تُقبَل فقط تلك التى وُضِعَت قبل وقت قصير باللغة اللاتينية فى مجمع سيريميم.

(4/17/3) وفى هذه الصيغة عُلِّم أن الإبن بحسب الكتاب المقدس مثل الآب، ولكنها لم تذكر أى شىء عن طبيعة substance الله. وصرَّحوا أن هذه الصيغة قد صدَّق عليها الامبراطور([31])، ومن ثم من المحتم على المجمع تبنيها([32]) بدلا من استشارة الآراء الفردية لأعضاء المجمع التى تثير بالتالى المنازعات والانقسامات([33])، وأنه يجب إقرار مصطلحات تتجنب النزاع ويكون لها برهان دقيق. وأضافوا أنه من الأفضل أن نزوّد أولئك الذين يجهلون فنون الخطابة بالمفهوم الصحيح عن الله بدلا من إدخال بدع فى المصطلحات تثير النزاع.

(4/17/4) وبهذه الأمثلة، قصدوا استبعاد مصطلح “مساوى فى الجوهر” consubstantial لأنه، كما قالوا، لم يرِد فى الكتاب المقدس وأنه غامض لدى الجمهور. وأرادوا بدلا من هذا المصطلح أن يحلوا محله تعبير الإبن “مثل” الآب فى كل شىء، وهو مستمد من الكتاب المقدس.

(4/17/5) وبعدما قرأوا صيغتهم المشتملة على الأمثلة عاليه، قال لهم اساقفة كثيرون أنه لا ينبغى وضع أية صيغة ايمان جديدة فما تم سنَّه سابقا كافيا لجميع الأغراض، وأنهم قد اجتمعوا معا للتعبير عن منع كل الابتداعات. وحث هؤلاء الاساقفة أولئك الذين قدَّموا هذه الصيغة وقرأوها أن يصرحوا جهرا بإدانتهم للتعليم الأريوسى كعِلة لكل المتاعب التى طوحت بالكنائس فى كل إقليم. فإحتج اورساكيوس وفالنس وجرمانيوس واوكسنتيوس وديموفيلس وكايوس ضد هذا المطلب.

(4/17/6) فأمر المجمع بقراءة آراء الهرطقات الأخرى، لكى ما تدان كل الصيغ التى تشايع الهرطقات المضادة لنيقية، ويتم التصديق على ما يتفق مع العقائد النيقاوية، حتى لا يكون هناك أى مجال للنزاع ولا تكون هناك ضرورة فى المستقبل لعقد أى مجمع، وأن يتم اتخاذ قرار قاطع. وأشاروا إلى أنه من السخف تأليف صيغ كثيرة كما لو كانوا مبتدئين فى الإلمام بالإيمان ويرغبون فى معرفة التقليد القديم للكنيسة الذى به تدير الكنائس ذاتها، والتى شهد اسلافها بالاعتراف الجيد ونالوا اكليل الشهادة.

(4/17/7) تلك كانت الحجج التى قدَّمها الاساقفة ليبرهنوا على وجوب عدم تقديم أية ابتداعات. ولما رفض فالنس واورساكيوس واحزابهما الاقتناع بهذه الحجج، وأصرَّوا على تبنى صيغتهم، خُلِعوا، وتقرر رفض صيغتهم.

(4/17/8) وقد لوحظ أن هذه الصيغة تصرِّح فى بدايتها أنها قد وُضِعت فى سيرميوم وفى حضور قنستانتيوس الأوغسطس الخالد، ولكن فى زمن قنصلية يوسيبيوس وهيباتيوس Hypatius اُستُخِف بها.

(4/17/9) وقد لاحظ اثناسيوس نفس الملاحظة فى رسالة وجهها إلى أحد اصدقائه وقال:               “لقد كان سخيفا أن يُنعَت قنستانتيوس بالامبراطور الخالد، وأن يُنزَع من الابن الاعتراف بأنه ابن الله الخالد”. وكذلك استسخف التاريخ المقترن بالصيغة، كما لو كانت الادانة تسرى على الايمان قبل الدهور. وأيضا على الذين قد آمنوا قبل هذه الفترة.

وبعد أن شاعت هذه الاحداث فى ارمينيّم تضايق فالنس واورساكيوس معا مع أنصارهم لخلعهم فتوجهوا بأقصى سرعة إلى الامبراطور.

الكتاب الرابع: الفصل الثامن عشر

(رسالة مجمع ارمينيّم إلى الامبراطور قنستانتيوس)

واختار المجمع وفدا من عشرين اسقفا، وأرسلهم إلى الامبراطور بالخطاب الآتى، الذى ترجمته من اللاتينية إلى اليونانية، كما يلى:

“إننا نؤمن أنه بأمر الله وبترتيب تقواكم قد أتينا من كل مدن الغرب لنجتمع فى ارمينيّم بغرض اعلان ايمان الكنيسة الجامعة والكشف عن أولئك الذين ابتدعوا هرطقات مضادة له. وبعد تمحيص مسهب خلصنا إلى أنه من الأفضل الاحتفاظ [بصيغة] الايمان المسلَّم لنا من القِدم والتى كرز بها الأنبياء والانجيليون ورسل ربنا يسوع المسيح الذى هو حارس امبراطوريتك، وحامى قوتك، وذلك بالتمسك بها وحراستها الى المنتهى، وأنه من السخف بالإضافة إلى أنه غير شرعى إدخال أى تغيير فى العقائد السليمة والتى نطق بها بالصواب الاساقفة فى نيقية فى زمن والدك الامبراطور قنسطنطين الشهير، الذى انتشر تعليمه وفكره بين مسامع وتفكير الجميع بوصفه المقاوِم والقاضى على هرطقة آريوس. فبواسطته لم يتم القضاء على هذا الانحراف عن الايمان فقط، بل وعلى كل الانواع الأخرى.

هناك خطر كبير فى إضافة أو استبعاد أى شىء من هذه العقائد ولو كان زهيدا فى أىٍ منها بدون إعطاء الفرصة للمقاوِمين لأن يفعلوا ما يشاءون. وبعد التأكد من الشك فى مشايعة أورساكيوس وفالنس للتعليم الاريوسى، قُطِعا من الشركة معنا على رجاء أن يعودا إن هما اعترفا بزللهما وحصلا على المغفرة، كما تشهد بذلك كتاباتهما التى نالا بها العفو عن التهم. وكانت مناسبة صدور مرسوم العفو هو مجمع ميلان عندما كان كهنة الكنيسة الرومانية أيضا حاضرون.

ولمَّا كنا نعرف أن صيغة ايمان نيقية قد سُنَّت بأقصى دقة وعناية فى حضور قنسطنطين طيب الذكر، والتى حافظ عليها طوال حياته، وفى عماده، وعندما رحل الى التمتع بسلام السماء، رأينا أنه من السخف محاولة أى تبديل فيها، وأن نُغفل هذا الكم الغفير من المعترفين القديسين، والشهداء، والكتَّاب والمؤلفين لهذه العقيدة، الذين وهبوا أقصى فكر لها، وداوموا على مرسوم الكنيسة الجامعة القديم. وقد نقل الله معرفة ايمانهم الى الزمن الذى تعيش فيه، بالمسيح يسوع ربنا، الذى به تحكم وتملك العالم. وأيضا هؤلاء الرجال البؤساء الجديرين باللوم حسب اسلوب تفكيرنا قد أظهروا ذواتهم كأبطال فى الكفر بإندفاع غير شرعى، وحاولوا أن يقلبوا نظام الحق بأكمله. لأنه بحسب أوامركم انعقد المجمع وعرض هؤلاء الرجال خداعهم وحاولوا بمكر إدخال الابتداع والقلق، ووجدوا بعض الرفقاء الذين أسرعوا بمعاملات شائنة مثل جرمانيوس واوكسنتيوس وكايوس الذين سببوا نزاعا وشقاقا. إن تعليم هؤلاء الرجال، على الرغم من أنه متماثل، إلا أنه يجاوز كل رتب التجاديف. وعندما ادركوا بعد كل شىء أنهم ليسوا من نفس الهرطقة وأنهم ليسوا متماثلين فى عناصر آرائهم الشريرة عادوا الى شعارنا لكى ما يظهر كأنه مستند آخر. لقد كان الوقت فى الحقيقة مقصر لكنه كان كافيا لدحض آرائهم. ولكى لا تهتز شؤون الكنيسة ويتم تحجيم الانزعاج والشغب الناجم عنهم هنا وهناك، بدا [لنا] أنه من الآمان المحافظة على تعاريف الايمان القديمة والراسخة ورفض الدجالين السابق ذكرهم من الشركة معنا.

ولهذا السبب ارسلنا وفدنا إلى معاليكم وزودناهم بالخطابات التى تعلن احكام المجمع. وقد أمرنا هؤلاء المندوبين بالحفاظ على الحقائق التى تم تعريفها بصواب من قِبل المؤسسين وأن يُعلِموا معاليكم بزيف ادعاء فالنس واورساكيوس بأن بضعة تغييرات قليلة فى الحقائق القويمة ستؤدى إلى سلامة الكنيسة. لأنه كيف سيحدث السلام من أولئك الذين يهدمون السلام ؟. إنهم يريدون بالأحرى إدخال النزاع والاضطراب فى المدن الأخرى وفى كنيسة روما. لذلك نرجو من معاليكم أن تهتموا بمندوبينا، وأن تشملوهم برعايتكم ولا تسمحوا للموتى([34]) بأى حط لهم بواسطة تغيير مبتدع.

ونرجوك أن تسمح لنا بالإبقاء على التعاريف والمراسيم التى استلمناها من أسلافنا، والتى نتمسك بها بعقول حاضرة وبفطنة وبالروح القدس. لأن هذه الابتداعات لا تقود فقط المؤمنين إلى الكفر بل أيضا تضلل غير المؤمنين القليلى الخبرة. كذلك نرجو أن تأمر بتزويد الاساقفة الغائبين عن كنائسهم الآن، والذين يئن بعضهم بأسقام الشيخوخة وبعضهم الآخر بالفقر بوسائل العودة إلى أوطانهم حتى لا تُحرَم الكنائس من خدمتهم مدة أول.

ومرة أخرى، نلتمس منك ألا يُستبعَد أى شىء من القرارات السابقة أو يضاف عليها، وليبق كل شىء بلا تغيير كما حُفِظ من والدكم التقى إلى اليوم، حتى لا نتعب فى المستقبل ونصير غرباء فى ايبارشياتنا.

ولكن ليمكث الاساقفة والشعب فى سلام، ليكونوا قادرين على تكريس أنفسهم للصلاة والتضرع من أجل خلاصك الشخصى، ومن أجل الامبراطورية والسلام الذى ينعم به الله عليك بغزارة بلا انقطاع. وسيريك مندوبينا اسماء وتوقيعات الاساقفة، وسيقدِّم بعضهم لمعاليكم تعليما من الأسفار المقدسة”.

الكتاب الرابع: الفصل التاسع عشر

(بشأن مندوبى المجمع، وخطاب الإمبراطور. موافقة فالنس واورساكيوس بعد ذلك على الخطاب. نفى رئيس الاساقفة. مجمع نيقية وسبب عقده فى ارمينيّم)

(4/19/1) لقد نسخنا خطاب مجمع ارمينيّم. ولقد توقع فالنس واورساكيوس وانصارهما وصول مبعوثى المجمع إلى الإمبراطور. فأروا الإمبراطور المستند الذى قد قرآه وافتريا على المجمع.

(4/19/2) وكان الإمبراطور غير مسرور برفض هذه الصيغة بإعتبارها قد حُررَّت فى سيرميوم فى حضوره، ولذلك عامل فالنس واورساكيوس بإكرام بينما أظهر من ناحية أخرى ازدراءً كبيرا نحو المبعوثين بل وأجَّل مقابلتهم.

(4/19/3) ومع ذلك، كتب أخيرا خطابا إلى المجمع وأخبرهم أن الحملة التى يُعّدها ضد البرابرة قد حالت دون الالتقاء بمبعوثيهم([35])، ولذلك أمرهم بالبقاء فى ادريانوبل إلى حين عودته، حتى متى انتهت الشؤون العامة يكون ذهنه متحررا لسماع واختبار أمثلة المندوبين. وقال أنه من الصواب لمناقشة الموضوعات الإلهية ألاَّ يكون الذهن منشغلا بأمور أخرى. وهكذا كانت فحوى خطابه.

(4/19/4) فرد الاساقفة بأنهم لن يقدروا أن يحيدوا عن القرار الذى اتخذوه حسبما اعلنوا ذلك كتابة سابقا، وأنهم قد أمروا مبعوثيهم بأن يوضحوا ذلك، ورجوه أن يشملهم بإهتمامه وأن يلتقى بهم ويقرأ خطابهم. وقالوا له أنه سيكون محزنا له أن تُحرَم كنائس عديدة من اساقفتها، وأنه إذا كان مقبولا لديه يلزم أن يرجعوا إلى كنائسهم قبل الشتاء.

(4/19/5) وبعد كتابة هذا الخطاب المملوء بالتضرعات والتوسلات، انتظر الاساقفة الرد لبعض الوقت. وإذ لم يحظوا بإجابة عادوا بعد ذلك إلى مدنهم.

(4/19/6) إن ما سجلته عاليه يبرهن على أن الاساقفة الذين اجتمعوا فى ارمينيّم قد صدَّقوا على المراسيم التى صدرت قديما فى نيقية.

ولنر الآن كيف وافقوا فى آخر مرة على الصيغة المؤلَّفة من فالنس واورساكيوس وانصارهم.

(4/19/7) لقد وردت لى روايات عديدة عن هذه الاعمال. فالبعض قال أن الإمبراطور قد استاء جدا من رحيل الاساقفة من ارمينيّم بدون إذنه، فسمح لفالنس وحزبه أن يرأسوا كنائس الغرب حسب إرادتهم وأن يفرضوا صيغتهم، وأن يطردوا مَن يرفض التوقيع عليها من الكنائس، وأن يرسموا آخرين بدلا منهم. وقالوا أن فالنس انتهز هذه السلطة وفرض على بعض الاساقفة التوقيع على الصيغة، وأنه طرد كثيرين رفضوا التوقيع من كنائسهم وأولهم ليبريوس اسقف روما.

(4/19/8) وأكثر من ذلك، بعدما تصرف فالنس على هذا النحو فى ايطاليا سلك نفس المسلك فى الكنائس الشرقية. فكان المُضطِّهدون التابعون له يطوفون فى ارجاء تيراقيا، وتوقفوا كما قيل فى نيقية، مدينة بتلك المقاطعة، وعقدوا هناك مجمعا وقرأوا صيغة ارمينيّم التى ترجموها إلى اللغة اليونانية. وصَورُوها على أنها قد تم التصديق عليها من قِبل مجمع عام. وحصلوا على تبنيهم [لها] فى نيقية، وأظهروها بمكر على أنها صيغة ايمان نيقية لكى يخدعون بواسطة تماثل الاسم البسطاء، ويتسببون فى إلحاق الخطأ بالصيغة القديمة لمجمع نيقية.

هذه هى الرواية التى قُدِّمت من بعض الأطراف.

(4/19/9) ويقول آخرون: أن الأساقفة الذين اجتمعوا فى ارمينيّم كانوا قد تعبوا من طول مكوثهم فى هذه المدينة حيث لم يُكرِّمهم الإمبراطور بأى ردِ على خطابهم، ولا هو أَذِن لهم بالعودة إلى كراسيهم، وفى هذه الظروف صَوَّر لهم الذين يشايعون الرأى الهرطوقى أنه ليس من الصواب أن يكون هناك انقسام بين كهنة العالم كله من أجل كلمة واحدة [!!]، وأن المطلب الوحيد هو التسليم بأن الإبن هو “مثل” الآب لكى ما ينتهى كل نزاع لأن أساقفة الشرق لن يرتاحوا إلاَّ متى رُفضت كلمة “جوهر”substance . وبهذه التصُورات، قيل أن، أعضاء المجمع اقتنعوا أخيرا بالموافقة على صيغة اورساكيوس بعد أن ضُغِط عليهم بإحتيال.

(4/19/10) وإذ أدرك اورساكيوس وانصاره أن المبعوثين المُرسلين من المجمع إلى الإمبراطور قد يعلنون للإمبراطور ما استقر عليه الاساقفة الغربيون أولا، ويُظهرون السبب الحقيقى لرفض مصطلح “مساوى فى الجوهر”، أبقوا على هؤلاء المبعوثين فى نيقية بتراقيا خلال الشتاء، تحت زعم أنه لا يمكن الحصول على نقل عام، وأن الطرق فى حالة رديئة جدا للسفر، وحثوهم عندئذ، كما قيل، على ترجمة الصيغة التى قبلوها من اللاتينية إلى اليونانية، وأن يرسلوها إلى اساقفة الشرق. وبهذه الوسيلة، توقعوا أن تُعطِى الصيغة المنتجة انطباعا بما يُريدون بدون حدوث شك، لأنه ليس هناك مَن سيشهد بأن أعضاء مجمع ارمينيّم لم يرفضوا طواعية مصطلح (جوهر) خلافا للاساقفة الشرقيين الذين كانوا يرفضون هذا المصطلح.

(4/19/11) ولكن هذه رواية باطلة لأن سائر اعضاء المجمع فيما عدا قلة قد حافظوا بشدة على أن الإبن مثل الآب فى الجوهر، وأن الخلاف الوحيد الذى وُجِد لديهم هو أن البعض يقول أن الإبن هو من “نفس” الجوهر substance مع الآب، بينما أكدَّ آخرون أنه هو “مثل” الآب فى الجوهر. والبعض يقرر ذلك بشكل ما، وآخرون بشكل آخر.

الكتاب الرابع: الفصل العشرون

(الأحداث التى جرت فى الكنائس الشرقية. طرد ماراثونيوس وايليوسيوس من سيزيكوس. وطرد مقدونيوس لأولئك الذين حافظوا على مصطلح “مساوى فى الجوهر”. اشتراك النوفاتيين مع الارثوذكس).

(4/20/1) بينما كانت الاحداث التى رويتها عاليه تحدث فى ايطاليا، كان الشرق حتى قبل أن ينعقد مجمع سلوقية مسرحا لإضطربات كبيرة. إذ قد خلع انصار اكاكيوس وباتروفيلوس Patrophilus مكسيموس، وسلَّموا كنيسة اورشليم لكيرلس. وانتهك مقدونيوس القنسطنطينية والمدن المجاورة وكان يحرضه ايلوسيوس Eleusius وماراثونيوس marathonius. وكان هذا الأخير اساسا شماسا فى كنيسته وكان مشرفا على فقراء المساكن الرهبانية من الرجال والنساء، ورقاه مقدونيوس إلى اسقفية نيقوميديا، وكان ايلوسيوس مُلحقا سابقا بالخدمة العسكرية بالقصر ليس بدون تميز، وسيم اسقفا على سيزيكوس Cyzicus. وقيل أن ايلوسيوس وماراثونيوس كانا صالحين فى سلوكهما، ولكنهما كانا غيورين فى اضطهاد أولئك الذين يتمسكون بأن الإبن من نفس جوهر الآب، على الرغم من أنهما لم يكونا قساة مثل مقدونيوس الذى لم يَطرد فقط أولئك الذين رفضوا التناول معه، بل سجن البعض وقاد آخرين إلى المحاكم. وفى مرات كثيرة أجبر الرافضين على الاشتراك معه، وقبض على النساء والأطفال الذين لم يُعمَّدوا بعد وعمَّدهم، ودمَّر كنائس عديدة فى أماكن مختلفة تحت زعم أن الإمبراطور أمر بإزالة كل بيوت الصلاة التى يُعتَرف فيها بأن الإبن هو من “نفس” جوهر الآب. وتحت هذا الزعم دُمِّرت كنيسة النوفاتيين التى كانت تقع فى حى يُدعى بيلارجوس Pelargus  بالقنسطنطينية.

(4/20/2) وقد قيل أن هؤلاء الهراطقة قد قاموا بعمل شجاع بمساعدة أعضاء من الكنيسة الجامعة كان لهم مفهوم مشترك معهم. فعندما كان هؤلاء الموظفون المُكلَّفون بتدمير الكنيسة على وشك البدء فى الإزالة، اجتمع النوفاتيون معا، وقام البعض بنقض المواد، ونقلها آخرون إلى ضاحية من المدينة تدعى سايس Sycæ. وأنهُوا بسرعة هذه المهمة حيث اشترك الرجال والنساء والاولاد فيها، وبتقديمهم للعمل لله مُنِحوا إلهاما غير عادى. وبممارسة هذه الغيرة تجددت الكنيسة بسرعة. ومن هذه الظروف نالت اسم انسطاسيا([36]) Anastasia.

وبعد موت قنستانتيوس منح يوليانوس([37]) خلفه النوفاتيين الارض التى كانوا يمتلكونها سابقا وسمح لهم بإعادة بناء كنيستهم. وانتهز الناس هذه الفرصة الروحية، ونقلوا المواد الخاصة بالمبنى الأول من سايس. ولكن ذلك حدث فى وقت متأخر عن تلك التى نستعرضها الآن.

(4/20/3) وفى هذه الفترة حدث اتحاد بين النوفاتيين والكنائس الجامعة، إذ تمسك كلاهما بنفس المفاهيم عن الألوهية، وخضعوا معا لإضطهاد مشترك، واجتمع اعضاء كل منهما للصلاة معا. وإذ لم يكن لأعضاء الكنيسة الجامعة بيوت للصلاة لأن الاريوسيين كانوا قد استولوا عليها منهم، فقد كانوا يجتمعون معهم. ومن تكرار اجتماعاتهم معهم بدت الفوارق بينهم تافهة وعزموا على الاشتراك مع بعضهم بعضا. وكانت المصالحة، على ما أظن، ستكون فعالة، لولا اغتياب بعض الافراد للجمهور، زاعمين أن هناك قانونا قديما ينص على عدم اتحاد الكنيستين.

الكتاب الرابع: الفصل الواحد والعشرون

(اجراءات مقدونيوس فى مانتينيوم، ونقله من كرسيه عندما حاول نقل كفن قنسطنطين الكبير. اعلان يوليانوس قيصرا)

(4/21/1) وفى مثل هذا الوقت تقريبا قضى ايلوسيوس Eleusius بالكلية على كنيسة النوفاتيين فى سيزيكوس. وتعرَّض سكان المناطق الأخرى فى بافلاجونيا Paphlagonia وبصفة خاصة مانتينيوم  Mantiniumلإضطهادات مماثلة.

(4/21/2) فقد أشاع مقدونيوس أن غالبية هؤلاء الناس اتباع لنوفاتيوس، وأن السلطة الكنسية لم تكن كافية وحدها لطردهم، لذلك أقنع الإمبراطور بإرسال اربعة كتائب ضدهم. لأنه تخيل أن هؤلاء الرجال غير المعتادين على السلاح سيرتعدون عند أول ظهور للجنود، فيوافقون على مفاهيمه.

(4/21/3) ولكن ما حدث كان العكس، إذ سلَّح شعب مانتينيوم انفسهم بالفؤوس والمناجل وبكل سلاح أيا كان فى متناول يدهم وزحفوا ضد القوات. ودارت معركة حادة وسقط كثيرون من أهل بافلاجونيا، ولكن الجنود قد قُتِلوا جميعا تقريبا. وكثيرون من اصدقاء مقدونيوس قد لاموه لأنه تسبب فى فاجعة عظيمة كهذه. وكان الإمبراطور غير مسرور بذلك ونظر إليه بأقل مما كان.

(4/21/4) وتولدت مشاعر معادية [ضده] من حادثة أخرى. فقد فكَّر مقدنيوس فى نقل جثمان الإمبراطور قنسطنطين لتداعى البناء المدفون فيه. وانقسم الشعب بخصوص هذه المسألة إلى فريقين. فالبعض وافق على المشروع بينما عارضه آخرون معتبرين إياه عملا غير تقوِى ويماثل نبش القبور. وكان أولئك المتمسكين بالإيمان النيقاوى من أصحاب الرأى الثانى، وأصروّا على ألاَّ يتعرض جثمان قنسطنطين لأية إهانة لأن الإمبراطور كان يتمسك بنفس العقائد مثلهم. ويمكننى أن أتصُور أنهم بالإضافة إلى ذلك كانوا شغوفين بمعارضة مشروعات مقدونيوس. ومع ذلك، وبدون ابطاء نقل مقدونيوس الجثمان إلى نفس الكنيسة التى كان فيها مقبرة الشهيد اكاكيوس. وانقسم الناس إلى فريقين واحد يستحسن العمل، والآخر يدينه. واندفع الفريقان ضد بعضهما إلى الكنيسة وحدثت مذبحة داخل بيت الصلاة، وامتلأ المكان المجاور له بالدماء وأجساد القتلى. وثار الإمبراطور الذى كان وقتها فى الغرب بشدة لهذا الحدث، ولام مقدونيوس بإعتباره سبب هذه الإهانة التى لحقت بأبيه، ومذبحة الشعب.

(4/21/5) وصمم الإمبراطور على زيارة الشرق، وفى طريقه أسبغ على ابن عمه([38]) يوليانوس لقب قيصر، وأرسله إلى الغال الغربية.

الكتاب الرابع: الفصل الثانى والعشرون

(مجمع سلوقية)

(4/22/1) وفى حوالى نفس الفترة اجتمع الاساقفة الشرقيون، حوالى مائة وستون بالعدد، فى سلوقية Seleucia مدينة بإيسوريا. وكان ذلك خلال قنصلية يوسيبيوس وهيباتيوس. وتوجه ليوناس Leonas الذى كان يشغل وظيفة عسكرية براقة فى القصر إلى هذا المجمع بأمر من قنستانتيوس لكى ما يتم الاعتراف العقيدى فى حضوره. وكان لوريكيوس([39])  Lauriciusالحاكم العسكرى للمنطقة حاضرا ليهىء كل ما هو ضرورى، إذ كلفه خطاب الإمبراطور بهذه الخدمة.

(4/22/2) وفى الجلسة الأولى لهذا المجمع كان اساقفة عديدون غائبين ومن بينهم باتروفيلوس اسقف اسكيثوبوليس، ومقدونيوس اسقف القنسطنطينية، وباسيليوس اسقف انقيرا، وقد لجأوا إلى اعذار متنوعة تبريرا لعدم حضورهم. فقد زعم باتروفيلس بشكوى من عينيه، وتحجج مقدونيوس بتوعك، ولكن كان يُشَك فى أنهم تعللوا بذلك خوفا من الاتهامات العديدة التى كانت ستُثار ضدهم.

(4/22/3) ولما رفض الاساقفة الآخرون فحص النقاط المتنازع عليها فى غيابهم، أمرهم ليوناس بإتخاذ الإجراءات فى الحال لفحص المسائل المثارة.

وهكذا كان البعض يرى أنه من الضرورى البدء بمناقشة الموضوعات العقيدية بينما رأى الآخرون أن الاستعلام يجب أن يؤسس أولا على سلوك أولئك الذين وُجِّهت إليهم الاتهامات، كما كان الحال مع كيرلس اسقف اورشليم ويوستاثيوس اسقف سيباسطا وآخرين.

(4/22/4) ولكن غموض خطابات الإمبراطور الذى أدى إلى وصفها أحيانا على نحو معين، وفى أحيان على نحو آخر قد أدى إلى هذا النزاع. وصار النزاع الناشىء من هذا المصدر قويا، لدرجة أنه دمَّر كل اتفاق بينهم، وانقسموا إلى قسمين.

(4/22/5) ومع ذلك سادت مشورة أولئك الذين يرون البدء بفحص العقائد. وعندما بدأوا بفحص المصطلحات رغب البعض فى رفض استعمال مصطلح “جوهر” وناشدوا الرجوع إلى صيغة الايمان التى وضعها منذ وقت قصير مارك من سيرميوم، وقبِلها الاساقفة الذين كانوا فى البلاط ومنهم باسيليوس اسقف انقيرا، ولكن آخرين كثيرين كانوا مهتمين بتبنى صيغة الايمان التى وُضِعَت عند تكريس كنيسة انطاكية.

(4/22/6) وكان المنتمون إلى الفريق الأول اودكسيوس وأكاكيوس وباتروفيلوس، وجورج اسقف الأسكندرية، وأورانيوس اسقف سيزيكوس، وصفرونيوس اسقف بومبيوبوليس Pompeiopolis فى بافلاجونيا، واتفق معهم الغالبية. ولذلك كان يظن بدرجة معقولة، أن اكاكيوس وحزبه قد تغيبوا بسبب الإختلاف بين مفاهيمهم وتلك الخاصة بالاساقفة سالفى الذكر، وأيضا لأنهم رغبوا فى تجنب مناقشة الاتهامات المُوجهة ضدهم على الرغم من أنهم قد اعترفوا سابقا كتابة لمقدونيوس اسقف القنسطنطينية أن الإبن هو “مثل” الآب فى كل شىء، وأنه من نفس الجوهر، ولكنهم يكافحون الآن بخجل تام ضد اعترافهم السابق.

(4/22/7) وبعد منازعة مطولة أعلن سلفانوس اسقف طرسوس بصوت عالى ولهجة قاطعة أنه لا ينبغى إدخال أية صيغة ايمان جديدة، وأن صيغة انطاكية هى وحدها التى تسود.

(4/22/8) وفى اليوم التالى اجتمع هؤلاء الاساقفة فى الكنيسة، واغلقوا الأبواب، وصدَّقوا على هذه الصيغة سرا. وأدان اكاكيوس هذا الاجراء، ووضع سرا الصيغة التى يتبناها أمام ليوناس ولورسيوس. وبعد ذلك بثلاثة أيام عاد هؤلاء الاساقفة إلى الاجتماع وانضم إليهم مقدونيوس وباسيليوس اللذين كانا غائبين سابقا. وصرح اكاكيوس وحزبه أنه لن يشترك فى اجراءات المجمع إلى أن يغادر الاجتماع أولئك المتهمين والمخلوعين. فأُذعِن لطلبه، لأن الفريق المعارض كان قد عزم على ألاَّ يدع له أية ذريعة ضد المجمع والذى كان من الثابت أن هذا هو هدفه لكى ما يمنع فحص هرطقة اتيوس، والاتهامات الموجهة ضده هو وحزبه.

(4/22/9) وعندما اجتمع جميع الاعضاء سجَّل ليوناس أن معه مستند مُسلَّم له من حزب أكاكيوس، وهو عبارة عن صيغة ايمانهم مع ملاحظات تمهيدية. ولم يكن أحد من الاساقفة الآخرين يعرفون أى شىء عنه لأن ليوناس الذى كان له نفس مفاهيم اكاكيوس قد احتفظ بالموضوع كله سرا.

(4/22/10) وعندما قُرِأ هذا المستند امتلأ جميع المجتمعون بالشغب لأن بعض العبارات، على الرغم من أن الإمبراطور قد حظر إدخال أى مصطلح جديد على صيغ الإيمان لا يوجد فى الأسفار المقدسة، إلاَّ أن أولئك الاساقفة الذين كانوا قد خُلِعوا، إذ كانوا قد أُحضِروا من مناطق عديدة إلى الاجتماع مع آخرين ممن قد سيموا على نحو غير شرعى قد طرحوا المجمع فى فوضى.

(4/22/11) وأُهين بعض الاعضاء ومُنِع آخرون من الكلام. وقيل أن اكاكيوس وحزبه لم يرفضوا الصيغة التى وضُعِت فى انطاكية على الرغم من أولئك الذين اجتمعوا فى تلك المدينة قد دونوها بغرض معالجة الصعوبة التى أُثيرَت آنذاك وهى أن مصطلحات مساوى فى الجوهر([40])، و”المماثلة”([41]) فى الجوهر، قد أحزنت بعض الأفراد، وأنها كما لو كانت، مثل التى أُثِيرت حديثا، تنص على أن الإبن غير مشابه للآب([42]). لذلك كان من الضروى فى هذا الصدد رفض مصطلح “مساوى فى الجوهر” و”مشابه” فى الجوهر اللذيَن لم يرِدا فى الأسفار المقدسة، لإدانة مصطلح “ليس مشابه”، وللإعتراف صراحة بأن الإبن هو مثل الآب، لأنه كما يقول بولس الرسول فى مكان ما “صُورة الله غير المنظور”.

وهذه الملاحظات التمهيدية، تلتها صيغة لا هى مطابقة لصيغة نيقية، ولا لصيغة انطاكية، ومكتوبة بحِرفية تجعل اتباع اريوس واتيوس غير ضالين متى تقرر ايمانهم بذلك. فقد حُذِفت فى هذه الصيغة الكلمات التى تدين التعليم الأريوسى والتى استخدمها المجتمعون فى نيقية، وتم العبور فى صمت على الكلمات المُعلنَة فى مجمع انطاكية بشأن عدم تغير الله الابن وبخصوص صُورة الجوهر غير المتغير، والسلطة والمجد والمشورة([43]) للآب. وتم التعبير ببساطة عن الايمان بالآب والابن والروح القدس.

(4/22/12) وبعد سرد بعض الألقاب الغامضة لحالات فردية لا تدخل فى أى مفهوم عقائدى من ناحية أو أخرى، تقول أن كل مَن يشايع أى آراء أخرى خلاف تلك المذكورة فى هذه الصيغة يكون غريبا على الكنيسة الجامعة.

(4/22/13) تلك كانت محتويات الرسالة المُقدَّمة من ليوناس، والموَّقع عليها من اكاكيوس ومن الذين تبنوا مفاهيمه.

(4/22/14) وبعد أن قُرِأت صاح صفرونيوس اسقف بافلاجونيا إن قبلنا نحن يوميا آراء الأفراد كإقرار إيمان فإننا سنخفق فى إحراز دقة الحق.

فرد اكاكيوس بحسم أنه ليس هناك ما يمنع من تأليف صيغ جديدة بديلة لتلك التى لنيقية. فأجاب ايلوسيوس كالآتى: ولكن المجمع لم يجتمع الآن بغرض تعلّم ما هو معروف بالفعل، أو لقبول صيغة أخرى خلاف تلك المُصدَّق عليها بالفعل من قِبل الذين اجتمعوا فى انطاكية. وأكثر من ذلك، سواء أكنا أحياء أو أموات فإننا نتمسك بهذه الصيغة.

(4/22/15) وبعد أن أخذ النقاش مداه، انتقلوا إلى استعلام آخر، وسألوا حزب أكاكيوس على أى نحو يعتبرون الإبن “مثل” الآب. فأجابوا أن الإبن مثل الآب فى الإرادة فقط وليس فى الجوهر. وأصرَّ الآخرون على أنه مثله فى الجوهر، واقنعوا اكاكيوس من العمل الذى كان قد كتبه سابقا، وأنه كان ذات مرة من رأيهم. فرد أكاكيوس بأنه لا ينبغى أن يُحاكَم بما قد كتبه. واستمرت المنازعة بحرارة لبعض الوقت، ثم تكلم ايليوسيوس اسقف سيزيكوس كالآتى:

إن المجمع لا يهتم كثيرا بما إذا كان باسيليوس أو مارك قد أخطأ على نحو ما، ولا يقلق بفحص الصيغ وما إذا كانت مقبولة أم لا، إنما يكفى الحفاظ على الصيغة التى تم التصديق عليها فى انطاكية من قِبل السبعة والتسعين كاهنا، وإذا رغب أى شخص فى إدخال أى تعليم لا تحتويه تلك الصيغة فيجب أن يٌعتبر غريبا عن الدين وعن الكنيسة. فإستحسن أولئك الذين كانوا حسب مفاهيمه، كلامه. ونهض المجتمعون عندئذ وانصرفوا.

(4/22/16) وفى اليوم التالى رفض حزب أكاكيوس وجورج حضور المجمع، وكذلك رفض ليوناس الذى أظهر نفسه الآن صراحة أنه مع مفاهيمهم، الحضور على الرغم من كل التوسلات ليتوجه إلى هناك. ووجد أولئك الذين أُرسلَوا إليه ليستدعوه للحضور، حزب اكاكيوس فى بيته. ورذل دعوتهم بحجة أن عدم الوفاق قد ازداد فى المجمع بسبب عدم التآلف بين الاعضاء. وضاع وقت طويل على هذا النحو.

(4/22/17) ودُعِى حزب اكاكيوس مرارا من قِبل الاساقفة الآخرين لحضور الاجتماعات، ولكنهم طلبوا حوارا خاصا فى بيت ليوناس مرة، وزعموا أنهم موفدون من الإمبراطور لمحاكمة أولئك المتهمون مرة أخرى، لأنهم لم يقبلوا قانون الإيمان الذى تبناه الاساقفة الآخرون ولا تتطهروا من الجرائم التى أُتُهِموا بها، ولا فحصوا قضية كيرلس الذى قد خلعوه. وأنه ليس هناك مَن يُجبِرهم على عمل ذلك.

(4/22/18) ومع ذلك، خلع المجمع أخيرا جورج اسقف الأسكندرية، واكاكيوس اسقف قيصرية واورانيوس اسقف صُور، وباتروفيلس اسقف سكيثوبولس واودكسيوس اسقف انطاكية ومقدّمين آخرين عديدين. ومنع أشخاصا كثيرين من الشركة إلى أن يتطهروا من الجرائم المنسوبة لهم. وأُرسِلت المداولات كتابة إلى ايبارشية كل من الاكليروس وسيم ادريان كاهن انطاكي اسقفا على هذه الكنيسة بدلا من اودكسيوس، ولكن حزب اكاكيوس قبضوا عليه وسلَّموه لليوناس ولورسيوس فأودعوه السجن العسكرى، ثم ارسلوه فيما بعد إلى المنفى.

(4/22/19) لقد اعطينا الآن رواية مختصرة عن اعمال مجمع سلوقية. ومَن يرغب فى معلومات تفصيلية أكثر يمكنه أن يجدها فى اعمال المجمع المسجلة كتابة بالإختزال.

الكتاب الرابع: الفصل الثالث والعشرون

(اكاكيوس واتيوس. وكيف قاد الإمبراطور مندوبى المجمعيَن ارمينيّم وسلوقية إلى قبول نفس التعاليم)

(4/23/1) وعقب الاجراءات عاليه توجه مشايعو اكاكيوس فى الحال إلى الإمبراطور، وعاد الاساقفة الآخرون إلى أوطانهم الخاصة بهم.

وتقابل فى الطريق المندوبين العشرة الذين ارسلهم مجمع ارمينيّم مع المندوبين العشرة المُرسَلين من مجمع سلوقية، وأيضا مع حزب اكاكيوس. وهؤلاء الآخيرون كانوا قد اكتسبوا لدعواهم الرجال الرئيسين بالقصر، وبواسطة تأثيرهم ضمنوا عطف الإمبراطور. وقيل أن بعض هؤلاء قد ناصروا مفاهيم اكاكيوس فى فترة ما سابقة، والبعض أُرتُشِى بثروة الكنيسة، وآخرون خُدِعوا بالحجج الماكرة التى قُدِّمت لهم، وبرتبة مَن أقنوعهم.

(4/23/2) ولم يكن اكاكيوس، فى الحقيقة، شخصية عامة، ولكنه وُهِب بالطبيعة قوة ذكاء كبيرة وبلاغة، ولم يُظهِر أى حاجة إلى مهارة أو خطابة فى انجاز مخططاته فقد كان رئيسا لكنيسة شهيرة ويمكنه أن يتباهى بأن استاذه كان يوسيبيوس بامفيلوس الذى خلفه فى الاسقفية، وكان مُكرَّما أكثر من أى شخص آخر بسمعته وكُتُبِه. وإذ قد وُهِب كل هذه المزايا، فقد نجح بكل سهولة فى كل ما تعهد به.

(4/23/3) ولما كان فى ذلك الوقت هناك عشرون مبعوثا بالقنسطنطينية، عشرة من كل مجمع، إلى جانب اساقفة آخرين كثيرين كانوا قد توجهوا إلى المدينة لأغراض شتى فقد تلقى هونوراتس Honoratus حاكم القنسطنطينية الرئيسى، الذى عيَّنه الإمبراطور قبل رحيله إلى الغرب،  توجيهات بفحص التقارير الخاصة بإتيوس وهرطقته فى حضور مقدّمى المجمع الكبير.

(4/23/4) وقد اهتم قنستانتيوس مع بعض الحكام بفحص هذه القضية، ولما ثبت أن اتيوس قد ادخل بعض العقائد التى تتعارض بصفة جوهرية مع الايمان، غضب الإمبراطور والقضاة الآخرون من عباراته التجديفية. وقد قيل أن أنصار اكاكيوس تظاهروا بجهلهم بهذا الأمر بغرض أن يحثوا الإمبراطور ومَن حوله إلى الإلمام بها، لأنهم تخيلوا أن بلاغة اتيوس لا تُقاوَم وأنه سينجح بدون أدنى زلل فى اقناع سامعيه، وأن هرطقته قادرة على التغلب على الرافضين لها.

(4/23/5) ومع ذلك عندما أثبتت النتيجة عُقم توقعاتهم، طلبوا اعتماد وفد المبعوثين من مجمع سلوقية لصيغة الايمان التى قبلها مجمع ارمينيّم. فلما رفض مبعوثى مجمع سلوقية التخلى عن مصطلح جوهر، صرح حزب اكاكيوس لهم بقَسم أنهم لم يتمسكوا بأن الإبن “غير مماثل” للآب فى الجوهر، بل أنهم على العكس مستعدين لرفض هذا الرأى كهرطقة. وأضافوا أنهم يُقدِّرون الصيغة المحررة من الاساقفة الغربيين فى ارمينيّم بدرجة كبيرة لأن كلمة جوهر قد شُطِبت منها يشكل غير متوقع لأنهم قالوا إن قُبِلت هذه الصيغة فلن يكون هناك داعى لذكر كلمة جوهر أو مصطلح “مساوى فى الجوهر” التى كان الكثيرون من الكهنة الغربيون يتمسكون بها من توقيرهم لمجمع نيقية.

(4/23/6) وكان لهذا السبب أن اعتمد الإمبراطور الصيغة لأنه عندما تذكر عدد الاساقفة الكبير الذين اجتمعوا فى ارمينيّم وفكر أنه ليس هناك خطأ فى القول سواء أن الإبن مثل الآب، أو أنه من نفس الجوهر كالآب؛ وعندما تمعن بالأكثر فى أنه ليس هناك اختلاف فى الدلالة سينتُج عن ذلك إذا ما حلَّت تعبيرات لا جدال فيها محل مصطلحات لم ترِد فى الأسفار المقدسة (مثل “مماثل” على سبيل المثال) فقد صمم على التصديق على الصيغة.

وإذ كانت هذه هى وجهة نظره فقد أمر الاساقفة بقبول الصيغة.

(4/23/7) وفى اليوم التالى كانت الترتيبات تتخذ للإحتفال الفخم لإعلانه قنصلا الذى يحدث حسب العادة الرومانية فى بداية شهر يناير، ويقضى فيه الإمبراطور طوال النهار وجزء من الليل مع الاساقفة. ونجح فى النهاية فى اقناع مبعوثى مجمع سلوقية على قبول الصيغة المحالة من ارمينيّم.

الكتاب الرابع: الفصل الرابع والعشرون

(اعتماد أنصار اكاكيوس لصيغة مجمع ارمينيّم. قائمة برؤوساء الكهنة المخلوعين واسباب ادانتهم)

(4/24/1) وبقى أنصار اكاكيوس لبعض الوقت فى القنسطنطينية، ودعا اساقفة عديدين من بيثينية من بينهم ماريس  Marisاسقف خلقيدون، واولفيلاس  Ulfilasاسقف القوط. واجتمع هؤلاء المدبرون معا، حوالى خمسون بالعدد، واعتمدوا الصيغة التى قُرِأت فى مجمع ارمينيّم وأضافوا مادة تنص على عدم استخدام مصطلحات جوهرsubstance  وهيبوستاسيس  hypostasis مرة ثانية أبدا فى الاشارة إلى الله. وأن جميع الصيغ التى سبق سنها وتلك التى ستُسَّن فى المستقبل يجب إدانتها.

(4/24/2) ثم خلعوا اتيوس من خدمة الشموسية لأنه كتب أعمالا مملوءة بالخلافات، وبألوان من المعرفة الباطلة المضادة للدعوة الكنسية، ولأنه استخدم فى الكتابة وفى الجدال تعبيرات كافرة عديدة، ولأنه كان سبب المتاعب والشقاق فى الكنيسة. وقد زُعِم أنهم لم يخلعوه بإرادتهم ولكن لمجرد أنهم أرادوا أن يزيلوا كل شكٍ من ذهن الإمبراطور نحوهم، إذ أنهم أُتُهِمُوا بأنهم يشايعون آراء اتيوس.

(4/24/3) وانتهز أولئك الذين يتبنون نفس المفاهيم فرصة استياء الإمبراطور من مقدونيوس للأسباب المذكوره عاليه وعزلوه بالتالى. وبالمثل ايلوسيوس([44]) اسقف سيزيكوس، وباسيليوس اسقف انقيرا، وهيورتاسيوس اسقف ساردس، ودراكونتيوس اسقف برجاموس. وعلى الرغم من أنهم كانوا يختلفون فى العقيدة عن أولئك الاساقفة، إلاَّ أنهم فى خلعهم لم يُوَّجه لهم أى لوم على إيمانهم، بل كانت التهم المزعومة ضدهم هى [التهم] المشتركة للجميع وهى ازعاج السلام وكسر قوانين الكنيسة.

(4/24/4) وحددوا بصفة خاصة أنه عندما كان ديوجينس الكاهن مسافرا من الأسكندرية إلى انقيرا، استولى باسيليوس على اوراقه وضربه. وخلعوا أيضا باسيليوس بدون محاكمة. وسلَّموا الكثيرين من اكليروس انطاكية وشواطىء الفرات وكيليكية وغلاطية وآسيا لحُكام المقاطعات لنفيهم وإخضاعهم لعقوبات قاسية.

(4/24/5) وهكذا قُيِّد الكثيرون بالقيود وأُجبَروا على رشوة الجنود الذين كانوا يقتادونهم حتى لا يُسيئوا معاملتهم. وأضافوا أنه فى إحدى المناسبات عندما أمر الإمبراطور أن يتم إحضار اتيوس وبعض تابعيه للمثول أمام سكربيوس ليستجوبهم فى اتهامات متعددة موجهة لهم، أوصى باسيليوس ذاك الذى كان مُكلَّفا بتنفيذ هذا المرسوم أن يسلك حسب مقتضيات حُكمه الخاص. ويقولون أنه كتب توجيهات لهرموجينس البريفكت وحاكم سوريا مُحدِدا له مَن يُنفى، وما إذا كانوا يُرسَلون أم لا. وعندما كان المنفيون يُستَدعون من الإمبراطور كان هو يعترض ولا يوافق على عودتهم ويُقاوِم رغبات الحُكام والكهنة. وقالوا أيضا أنه هيّج كهنة سيرميوم ضد جرمانيوس وأنه على الرغم من أنه دوَّن كتابة أنه قبِل جرمانيوس وفالنس واورساكيوس فى الشركة، فإنه اعتبرهم كمجرمين أمام محكمة الاساقفة الافريقيين. وأنه عندما وُوجِه بهذا العمل انكره وحلف كاذبا. وعندما حُكِم عليه بعد ذلك برر حنثه بالقَسم بأعذار سوفسطائية. وأضافوا أنه كان السبب فى النزاع والتحريض فى ايلليريا وافريقيا وفى الكنيسة الرومانية. حتى أنه ألقى بخادمة فى السجن ليُجبرها على الشهادة بالزور ضد سيدها بأنه قد عمَّد رجلا ذا حياة ماجنة إذ كان يعيش فى جماع غير شرعى مع إمرأة، ورقاه إلى رتبة الشموسية. وأنه قد أهمل فى حرم طبيب دجال تسبب فى موت اشخاص عديدين. وأنه هو وبعض الاكليروس قد ربطوا انفسهم بقَسم امام المائدة المقدسة ألا يثيروا الاتهامات ضد بعضهم بعضا، ويقولون أن هذه حيلة من رئيس الاكليروس ليحصن نفسه ضد اتهامات المُدعِين عليه. وبإختصار كانت اسباب مثل هذه هى التى خصصوها لباسيليوس.

(4/24/6) ويقولون أن يوستاثيوس قد خُلِع لأنه عندما كان كاهنا قد أُدين من أبيه يولاليوس اسقف كنيسة قيصرية كبادوكية، وحُرِم من الشركة فى الصلاة. وأيضا لأنه حُرِم من مجمع مدينة نيوقصرية ببونطس، وخُلِع من يوسيبيوس اسقف القنسطنطينية لعدم أمانته فى القيام بواجبات معينة منوط بها. وحُرِم أيضا من اسقفيته بواسطة المجتمعين فى غنغرا بسبب تعليمه وعمله وفكره المضاد للعقيدة السليمة، وحُكِم عليه بحنث القَسم من مجمع انطاكية وقد سعى أيضا إلى إلغاء المراسيم الخاصة بالحُكم فى ميليتينا Melitina. وعلى الرغم من أنه مذنب فى قضايا كثيرة فقد تطلع إلى أن يكون قاضيا على الآخرين وأن يصمهم كهراطقة.

(4/24/7) وعزلوا ايلوسيوس لأنه رفع بلا اكتراث هيراكليوس مواطن من صُور ليكون شماسا. وهذا الرجل كان قسا فى هركلوس Hercules بصُور، وكان قد أتُهِم وحوكم بالسحر. ولذلك اعتزل فى سيزيكوس وتظاهر بالإهتداء إلى المسيحية. وأكثر من ذلك بعد أن علِم ايلوسيوس بهذه الظروف لم يطرده من الكنيسة. وأيضا رسم اشخاصا مُعيّنِين بدون استعلام كانوا قد أتوا إلى سيزيكوس بعدما أُدِينوا من قِبل ماريس اسقف خلقيدون الذى شارك فى هذا المجمع.

(4/24/8) وعُزِل هيروتاسيوس لأنه رسم اسقفا لأروس بدون موافقة اساقفة ليديا. وعزلوا دراكنتيوس اسقف برغامس لأنه كان يشغل سابقا اسقفية أخرى فى غلاطية، وقرروا أنها كانت فى جميع الأحوال سيامة غير شرعية.

وبعد هذه الاجراءات عُقِد اجتماع ثانى للمجمع عُزِل فيه سيلفانوس اسقف طرسوس وصفرونيوس اسقف بومبيوبولس، والبيديوس اسقف ساتلا، ونيوناس اسقف سلوقية بإيسوريا. والسبب الذى عزوه لعزل سلفانوس هو أنه نصَّب نفسه قائدا لحزب غبى فى سلوقية والقنسطنطينية، وجعل إلى جانب ذلك ثيوفيلس رئيسا لكنيسة كاستابلا، وهذا كان قد سيم قبلا اسقفا على اليوتيروبوليس بواسطة اساقفة فلسطين، وكان قد وعد بقَسم أنه لن يقبل اسقفية أخرى بدون إذنهم. وعُزِل صفرونيوس بسبب جشعه، ولأنه قد باع بعض التقدمات المُقدَّمة للكنيسة لربحه الخاص. وإلى جانب ذلك، بعد أن أُستُدعِىَّ مرة واثنين للمثول أمام المجمع، ظهر بالكاد أخيرا وبدلا من الرد على الاتهامات المثارة ضده طلب قضاة آخرين. وعُزِل نيوناس لأنه لجأ إلى العنف فى سعيه لسيامة انيانوس فى كنيسته الخاصة الذى عُيِّن اسقفا لأنطاكية ولأنه رسم كأساقفة اشخاصا قد انشغلوا سابقا بالسياسة وكانوا يجهلون تماما الأسفار المقدسة والقوانين الكنسية والذين فضَّلوا بعد سيامتهم التمتع بممتلكاتهم عن رتبة الكهنوت وأعلنوا كتابة أنهم يُفضلون تحمل مسؤولية ممتلكاتهم عن التفرغ للمهام الاسقفية بدونها. وعُزِل البيدوس لأنه شارك فى الممارسات الخاطئة لباسيليوس وسبَّب اضطرابا عظيما، ولأنه ضدا لمراسيم مجمع ميليتينا، أعاد إلى رتبته السابقة رجلا يُدعى يوسيبيوس كان قد عُزِل لأنه جعل نكتاريا شماسة بعد أن حُرِمت بسبب نقضها لإتفاقات وأقسام، وأن منحها لهذه الكرامة كان بكل وضوح ضدا لقوانين الكنيسة.

الكتاب الرابع: الفصل الخامس والعشرون

(أسباب عزل كيرلس اسقف اورشليم، والشقاق المتبادل بين الاساقفة. وسيامة مليتيوس بواسطة الاريوسيين. وتعضيد يوستاثيوس فى اسقفية سيباستا)

(4/25/1) وبالإضافة إلى الاساقفة السابق ذكرهم عُزل كيرلس اسقف اورشليم لأنه قبل يوستاثيوس والبيدوس فى الشركة بعد أن عارضا المراسيم الصادرة من قِبل المُجتمعين فى ميليتينيا. وكان من ضمنهم كيرلس نفسه. ولأنه قبل أيضا باسيليوس وجورج اسقف لاودوكية فى الشركة بعد عزلهما فى فلسطين.

(4/25/2) وقد كانت هناك منازعة بين كيرلس واكاكيوس اسقف قيصرية عندما نُصِّب على اسقفية اورشليم بشأن حقوقه كمطران، والتى طالب بها على اساس أن اسقفيته هى كرسى رسولى. فأثارت هذه المنازعة مشاعر البُغضة بين الاسقفين، واتهم كل منهما الآخر بعدم سلامة اعتقاده الخاص بالألوهية. وفى الحقيقة كان لكل منهما [سببا] مسبقا للشك، فأكاكيوس كان متعاطفا مع هرطقة آريوس. وكان كيرلس فى جانب أولئك الذين يحافظون على أن الإبن مثل الآب فى الجوهر. فجاهد أكاكيوس وهو ممتلىء حنقا ضد كيرلس، ومدعوما من اساقفة المنطقة الذين كانوا من نفس مفاهيمه، فى عزل كيرلس بواسطة المزاعم التالية: لقد تعرضت اورشليم والريف المجاور لها ذات مرة لمجاعة. فلجأ الفقراء بأعداد غفيرة إلى اسقفهم كيرلس من أجل الطعام الضرورى. وإذ لم يكن لديه نقود لشراء المواد المطلوبة باع من أجل هذا الغرض الستائر والأوانى المقدسة للكنيسة. وقيل أن رجلا تعرف على تقدمة كان قد قدَّمها للمذبح، كجزء من ملابس ممثلة. فاستعلم متى حصلت عليها، وتأكد أن تاجرا قد باعها للممثلة وأن الاسقف قد باعها للتاجر. وتحت هذه الذريعة عُزِل اكاكيوس كيرلس([45]). وعند الفحص وجدت هذه الحقائق. ولقد قيل أن حزب اكاكيوس قد طرد من القنسطنطينية كل الاساقفة الذين عزلوا المذكورين عاليه.

(4/25/3) ورفض عشرة أساقفة من هذا الحزب التوقيع على مراسيم العزل وانفصلوا عن الآخرين، فمُنِعوا([46]) من ممارسة مهام الخدمة([47]) أو إدارة كنائسهم إلى أن يوافقوا على إعطاء توقيعاتهم. وتم النص على أنه ما لم يوافقوا خلال ستة أشهر ويُسَلِّموا بكل مراسيم المجمع يتم عزلهم([48])، ويجتمع اساقفة كل منطقة لإختيار اساقفة آخرين بدلا منهم. وبعد هذه الاعمال والقرارات أُرسِلت الخطابات إلى جميع الاساقفة والاكليروس لمراعاة واتمام نصوصها.

(4/25/4) وبناء عليه حلَّ البعض من حزب اودكسيوس، ليس بعد ذلك بوقت طويل، هنا وهناك. واستولى اودكسيوس نفسه على اسقفية مقدونيوس. وحل أثناسيوس محل باسيليوس، واستولى اونوميوس الذى كان سابقا زعيما لهرطقة تحمل اسمه على كرسى ايلوسيوس. وعُيِّن مليتيوسMeletius  على كنيسة سبسطا بدلا من يوستاثيوس.

الكتاب الرابع: الفصل السادس والعشرون

(موت مقدونيوس اسقف القنسطنطينية. وماذا قال اودكسيوس فى تعليمه. سعى اكاكيوس واودكسيوس الشديد لإلغاء صيغ ايمان نقية وارمينيّم. المتاعب التى ثارت فى الكنائس)

(4/26/1) وعندما عُزِل مقدونيوس من كنيسة القنسطنطينية، اعتزل بإحدى ضواحى المدينة حيث مات. واستولى اودكسيوس على كنيسته فى السنة العاشرة من قنصلية قنستانتيوس، والثالثة من يوليانوس المُلَقب قيصر.

(4/26/2) ويُروَى أنه عند تدشين الكنيسة الكبرى التى تُدعَى صوفيا، عندما نهض([49]) ليُعلِّم الناس بدأ حديثه بهذه العبارة: الآب غير تقى أما الإبن فتقى. فلما أثارت هذه العبارة هياجا شديدا بين الناس، أردف [قائلا] اهدأوا. الآب غير تقى لأنه لا يَعبُد أحدا، أما الإبن فتقى لأنه يَعبُد الآب([50]). وبهذا التفسير انفجر السامعون فى الضحك.

(4/26/3) وهكذا سعى اودكسيوس واكاكيوس بأقصى جهد لجعل مراسيم نيقية تسقط بالنسيان. فأرسلا صيغة ارمينيّم بتفسيرات عديدة مضافة من عندهما إلى سائر المقاطعات الامبراطورية، وطلبا من الإمبراطور مرسوما بنفى كل مَن يرفض التوقيع عليها.

(4/26/4) ولكن هذا الاجراء الذى بدا لهما سهل التنفيذ كان بداية لمصائب أعظم لأنها أثارت هياجا فى سائر ارجاء الامبرطورية، وجلبت على الكنيسة فى كل اقليم اضطهادًا أكثر قسوة من ذلك الذى جرى فى عهد الأباطرة الوثنيين.

فإذا كان اضطهادا كهذا لا يُعذِّب الجسد مثل الاضطهادات السابقة، إلاَّ أنه ظهر أكثر بشاعة لكل مفكر بسبب طبيعته الشائنة لأن كلا من المُضطِّهِدين والمضطَّهَدين ينتمون إلى الكنيسة. وكان الأمر أكثر خزيا أن يُعامِل اتباع نفس الدين رفقائهم بدرجة من القسوة تحظر القوانين الكنسية تطبيقها على الاعداء والغرباء([51]).

الكتاب الرابع: الفصل السابع والعشرون

(بدعة مقدونيوس وتجديفه على الروح القدس. انتشار هرطقته بواسطة ماراثونيوس وآخرين)

(4/27/1) إن روح الابتداع، ذاتية المديح، ومن ثم فهى تتقدم أكثر وأكثر وتمتد إلى بدع أكثر بالاقتناع الذاتى. فهى تحتقر الآباء، وتسن قوانينا من عندياتها، ولا تُكرِّم عقائد القدماء بشأن الله؛ ولكنها تفكر بإستمرار فى عقائد جديدة وتضيف بلا راحة بدعة إلى أخرى كما تُظهِر الأحداث الآن.

(4/27/2) فبعد أن عُزِل مقدونيوس من كنيسة القنسطنطينية، تخلى عن مفاهيم اكاكيوس واودكسيوس. وبدأ يُعلِّم أن الإبن هو الله وأنه مثل الآب فى كل شىء وفى الجوهر substance، ولكنه زعم أن الروح القدس لا يشترك فى نفس الكرامة، ونعته بخادم ورسول، وطبَّق عليه ما شاء بدون خطأ مما يُقال عن الملائكة المقدسين. وتبنى هذا المفهوم ايلوسيوس ويوستاثيوس وسائر الاساقفة الآخرين الذين خُلِعوا من القنسطنطينية من قِبل انصار الهرطقة المضادة. وتبع بسرعة مثالهم، عدد ليس بقليل من سكان القنسطنطينية وتيراقية وهللسبونت والمقاطعات المجاورة لأن نمط حياتهم لم يكن قليل الأثر، وهذا ما جذب بصفة خاصة انتباه الناس.

(4/27/3) فلقد كان لهم جاذبية كبيرة فى السلوك. وكان تهذبهم مثل الرهبان، وحديثهم واضح وبأسلوب ملائم للإقناع. وقد قيل أن كل هذه الصفات كانت مجتمعة فى ماراثونيوس. فقد كان يشغل قبلا منصبا عاما فى الجيش تحت إمرة الحاكم. وبعد أن كدَّس بعض المال من هذه الوظيفة، ترك الخدمة العسكرية، وانشغل بالإشراف على مؤسسة لراحة المرضى والمُعدَمين. وبعد ذلك، وبناء على اقتراح يوستاثيوس اسقف سبسطا تبنى الحياة النسكية وأسس مستوطنة رهبانية فى القنسطنطينية، ما زالت موجودة إلى اليوم الحالى([52]). فأظهر حماسا كبيرا، وقدَّم جزءً من ثروته الخاصة لدعم هذه الهرطقة السابق ذكرها، إلى حد أن المقدونيين يمكن اعتبارهم بدرجة كبيرة مارثونيين.

(4/27/4) ويبدو لى، ليس بلا سبب إذ أنه يبدو أنه هو وحده مع مؤسسته كان سبب عدم تميزها فى القنسطنطينية. ففى الحقيقة، لم يكن للمقدونيين، بعد عزل مقدونيوس كنيسة أو اساقفة إلى عهد اركاديوس. وطردهم الأريوسيون من الكنائس واضطهدوا بشدة كل من تبنى مفاهيما مضادة لمفاهيمهم وجردوهم من كل اميازاتهم.

(4/27/5) وليس بالمهمة اليسيرة احصاء اسماء الكهنة الذين طُرِدوا فى هذه الفترة من مدنهم الخاصة لأننى اعتقد أنه ليس هناك مقاطعة فى الإمبراطورية كانت معفاة من مصيبة كهذه.

الكتاب الرابع: الفصل الثامن والعشرون

(الاريوسيون، إذ يتوهممون أن مليتيوس يتبنى مفاهيمهم، ينقلونه من سبسطا إلى انطاكيا. وعندما صُدِموا من إعترافه الجرىء بالعقائد الارثوذكسية يخلعونه. احلالهم ليوزيوس محله على كرسيه. مليتيوس يكون كنيسة له، ولكن المتمسكين بالمساوة فى الجوهر يبتعدون عنه لأنه سيم بواسطة الاريوسيين)

(4/28/1) وفى الفترة التى حصل فيها اودكسيوس على ادارة كنيسة القنسطنطينية كان هناك متطلعون كثيرون لكرسى انطاكية. وكما هو الحال فى مثل هذه الظروف قسَّمت الشقاقات والمنازعات الاكليروس والشعب فى انطاكية تلك. فكان كل فريق مهتم بتعيين اسقف حسب قناعته هو. فقد كانت المنازعات الخاصة بالعقيدة سائدة بينهم لدرجة أنهم لم يقدروا على الاتفاق على طريقة ترتيل المزامير. فقد كانت المزامير، كما كان مقررا سابقا، تُرتَّل بواسطة كل فرد بما يتناسب مع قانون الايمان الخاص به.

(4/28/2) هكذا كان الحال فى كنيسة انطاكية، فرأى حزب اودكسيوس أنه من الجيد اسناد اسقفية المدينة إلى مليتيوس Meletius الذى كان اسقفا لسباسطا آنذاك، وكان يتمتع ببلاغة اقناع عظيمة، وحياة ممتازة. وقد ظن جميعهم أنه حسب آرائهم. واعتقدوا أن صيته سيجذب سكان انطاكية، والمدن المجاورة للإنضمام إلى هرطقتهم، وخاصة هؤلاء الذين يُدعَون يوستاثيون، المشايعين بثبات للعقائد النيقاوية. ولكن توقعاتهم تبددت كلية.

(4/28/3) إذ يُقال أنه بمجرد وصوله إلى انطاكية إلتف حوله حشد كبير من الأريوسيين، وأولئك الذين كانوا فى شركة مع بولينس. البعض لأنه أراد أن يُشاهِد الرجل لأن صيته كان عظيما حتى قبل مجيئه، والبعض كان مهتما بما سيقوله للتعرف على طبيعة آرائه لأن الأخبار كانت قد انتشرت فى الخارج أنه يحافظ على عقائد أولئك الذين اجتمعوا فى نيقية.

(4/28/4) وفى حديثه الأول اهتم بتثقيف الناس بما ندعوه بالأخلاق، ومع ذلك أعلن جهارا أن الإبن من نفس جوهر الآب. ويُقال أنه عندما نطق بهذا الكلام بسط ارشيدياكون الكنيسة الذى كان أحد الاكليروس هناك يده وغطى فم المتكلم، ولكنه استمر فى شرح مفهومه بأكثر وضوح بواسطة اصابعه عما كان يمكنه باللغة. فقد مد ثلاثة أصابع فقط للشعب وأغلقهم ثم سمح لأصبع واحد أن يظل ممددا. وهكذا عبَّر بالإشارات عما مُنِع من النطق به. فلما أمسك الارشيدياكون بيده حرَّر الفم، فإنطلق اللسان. واستمر مليتيوس فى إعلان رأيه بأكثر وضوح وبأعلى صوت، وحث سامعيه على التمسك بقواعد مجمع نيقية، وشهد للسامعين بأن أولئك الذين يتبنون آراء أخرى قد حادوا عن الحق.

(4/28/5) فلما أصرَّ على هذا التعبير سواء بالفم أو بالإشارة عندما أغلق الارشيدياكون فمه، ثارت المنازعات بين الجانبين، ولكن ليست كتلك التى فى المصارعة الاوليمبية. فأتباع يوستاثيوس صاحوا بصوت عالى وابتهجوا وقفزوا، بينما انطرح الاريوسيون. وامتلأ اودكسيوس وحزبه بالغم من هذا الحديث، وسعوا بحيلتهم الخبيثة لطرد مليتيوس من انطاكية.

(4/28/6) وعندما استدعوه بعد ذلك، وهم يظنون أنه قد تخلى عن مفاهيمه القديمة واعتنق المفاهيم الجديدة، ووجدوا أنه متمسك بالعقائد النيقاوية بثبات وبلا اهتزاز طردوه من الكنيسة، ونفوه بأمر الإمبراطور، وعُهِد بكرسى انطاكية إلى يوذيوس  Euzoïusالذى كان قد نُفِى سابقا مع اريوس.

(4/28/7) وانفصل اتباع مليتيوس عن الاريوسيين وعقدوا اجتماعاتهم على انفراد لأن أولئك الذين حافظوا منذ البداية على أن الإبن مساوى فى الجوهر مع الآب قد رفضوا قبولهم فى الشركة، لأن مليتيوس كان قد سيم بواسطة اساقفة اريوسيين، ولأن أتباعه قد عُمِّدوا بواسطة كهنة اريوسيين؛ لذلك انفصلوا عنهم على الرغم من أنه كان لهم نفس الآراء.

(4/28/8) وإذ عَلِم الإمبراطور أن عصيانا مسلحا كان على وشك أن يثور فى فارس، توجه إلى انطاكية.

الكتاب الرابع: الفصل التاسع والعشرون

(استمرار حزب اكاكيوس فى السعى لإبطال مصطلح مساوى فى الجوهر، وتأكيد هرطقة اريوس)

(4/29/1) لم يكن حزب اكاكيوس قادرا على البقاء فى هدوء، لذلك اجتمعوا معا مع آخرين قليلين فى انطاكية وأدانوا المراسيم التى كانوا قد اصدروها، وقرروا حذف “مماثل” من الصيغة التى قرأوها فى ارمينيّم وفى القنسطنطينية. وأكدوا أن الإبن لا يماثل الآب لا فى الجوهر ولا فى أى شىء. وأنه صدر من لا وجود سابق([53]) كما علَّم اريوس فى البداية. وانضم إليهم اتيوس الذى كان أول من تجرأ بعد اريوس على الاعتراف جهرا بهذه الاراء، ولهذا دُعِى اتيوس ملحدا، ودُعِى مؤيدوه آنوميين  Anomians. واكسوكونتانيين  Exucontians.

(4/29/2) وعندما سأل المحافظون على العقائد النيقاوية الآكاكيين كيف يقولون أن الإبن لا يماثل الآب وأنه صدر من العدم بينما هو ثابت فى صيغتهم الخاصة أنه إله من إله؟. أجابوا أن الرسول بولس يصرح أن كل الأشياء هى من الله([54])، وبذا فالإبن مضمن فى اصطلاح كل الأشياء، وأنه بهذا المعنى وطبقا للأسفار المقدسة يلزم فهم التعبيرات التى فى صيغتهم[!!].

(4/29/3) هكذا كانت سفسطتهم ومرواغاتهم التى كانوا يمارسونها([55]). وأخيرا، إذ وجدوا أنفسهم غير قادرين على إحراز أى تقدم فى المجادلة لتبرير آرائهم فى مواجهة هؤلاء الذين يضغطون عليهم فى هذه النقطة، انسحبوا من الاجتماع بعد أن قُرِأت صيغة القنسطنطينية مرة ثانية، وعادوا إلى مدنهم.

الكتاب الرابع : الفصل الثلاثون

(جورج اسقف انطاكية ورئيس كهنة اورشليم، والثلاثة اساقفة خلفاء كيرلس على التوالى. استرداد كيرلس لكرسى اورشليم)

(4/30/1) فى خلال هذه الفترة، أُجبِر اثناسيوس على البقاء فى مخبأه. وعاد جورج إلى الأسكندرية، وبدأ اضطهادا قاسيا ضد الوثنيين وضد المسيحيين المختلفين معه فى الرأى. وأُجبِر الطرفين على تقديم العبادة بالطريقة التى أملاها هو. وأينما أُثِير اعتراض كان يُجبِرهم على الطاعة بالإكراه.

(4/30/2) وكان مكروها من الحُكام لأنه كان يزدرى بهم ويُعطِى أوامره للضباط. وأبغضه الجمهور لأنه كان طاغية، وكانت قوته أكبر من الباقين. ومقته حتى الوثنيون بأكثر من مقت المسيحيين له لأنه منعهم من تقديم الذبائح، ومن الاحتفال بأعيادهم السلفية ولأنه أدخل فى إحدى المرات حاكم مصر والقوات العسكرية إلى المدينة ودمَّر تماثيلهم وزخارف معابدهم ونذورهم. وكان ذلك فى الواقع سبب موته الذى سأذكره.([56])

(4/30/3) وعند عزل كيرلس حصل ايرنيوس Erennius على كنيسة اورشليم، وخلفه هيراكليوس، وبعد هيراكليوس، هيلاريوس. لأننا جمعنا من التقليد أنه فى خلال تلك الفترة أدار هؤلاء الأشخاص الكنيسة هناك إلى عهد ثيودوسيوس عندما استرد كيرلس مرة أخرى كرسيه.

[1] – مدينة سيرميوم تقع أثارها اليوم عند مدينة سريمسكا ميتروفيتسا، التى تبعد خمسة وخمسين كيلومتر عن غرب بلجراد عاصمة جمهورية صربيا حاليا.

[2] – أما سقراتيس فيقول فى(ك1ف26) أنه نُفِى إلى القوقاز بكبادوكية، حيث خنقه الذين اقتادوه.

[3] – يرى الأب متى المسكين، أنه مات خنقا فى الطريق بتوصية من الإمبراطور. وهذا احتمال وارد فقد حدث نفس الأمر مع أحد المقربين جدا من الخديوى فى مصر حيث أخذه فى رحلة نيلية وخنقه فى الطريق وألقى بجثته فى النهر، عقابا له على معارضته فى رأى ما.

[4] – أى “إبيذياكون”.

[5] – لعله يوحنا فم الذهب.

[6] – الاسقف الاريوسى الدخيل، فى غياب البابا أثناسيوس.

[7] – أيضا الاريوسى، وليس باسيليوس الكبير صاخب القداس الباسيلى.

[8] – طبعا هذا رأى الأريوسيين.

[9] – لاحظ تلاعب الاريوسيين.

[10] – وهى ما تُعرَف بنظرية التدنى لسابليوس.

[11] – لاحظ هنا اسقاط الفكر الاريوسى للمفاهيم الخاصة بالمخلوقات على الخالق.

[12] – quæstor كلمة لاتينية كانت لقبا لموظف عمومى مهمته الإشراف على الشؤون المالية للدولة فى نظام الحكم الامبراطورى. وكان فى الجمهورية الرومانية يتم انتخابه، ولكن فى العصر الامبراطورى أصبح يُعيَّن. والطريف أن هذا اللقب يُستخدَم الآن فى ايطاليا ورومانيا للإشارة الى رتبة مقدم شرطة، وفى بعض المنظمات عنوان لمكتب الرقابة المالية.

[13] – فى حوالى سنة 352م.

[14] – ويلفظها آخرون تمويس. وهى الآن، “تمى الأمديد”، بمركز السنبلاوين، بمحافظة الدقهلية، بدولة مصر.

[15] – يعطينا “تاريخ البطاركة” تفصيلا لما حدث هنا. ونلاحظ من هذه الرواية سواء لدى سوزمينوس أو “تاريخ البطاركة”، أن ملابس الاكليروس بما فى ذلك البابا لم تكن آنذاك تختلف عن الزى العام، وإلا كانوا قد عرفوه بالطبع. وأنه إذا كانت هناك فى هذه الفترة ملابس معينة للكهنة فلا بد أنها كانت قاصرة على الخدمة الليتورجية. ولا مجال بالطبع إلى افتراض تنكر البابا.

[16]– وهذا فى الواقع ما يحدث منذ بزوغ شمس المسيحية والى اليوم ولا اتوقع زواله إلى المجىء الثانى. ففى ايام وجود رب المجد بالجسد على ارضنا قالوا عن أعماله العجيبة “ببعلزبول رئيس الشياطين” يُجرِى هذه الاعمال، ولم يسألوا أنفسهم ولماذا عجز سحرهم أمامه. وهاهم الوثنيون ينسبون عمل الله فى خادمه إلى السحر(الذى يتم بالطبع بعمل الشياطين). وفى أيامنا هذه سألنى ذات يوم أحد البدو عن “قسيس” يُخرِج “عفريتا” على زوجته، فلما قلتُ له اذهب يا رجل إلى أحد الشيوخ ليُصلى لها، أجابنى “العفريت نجس، ولا يُطلِّعه إلاَّ نجس مثله”!!. وكأنه يرى أن “النجاسة” التى يزعمها أقوى بكثير من “الصلاة”.

[17] – أى مع الإمبراطور.

[18] – أو يودكسيوس.

[19] – بيرية مدينة فى تيراقيا التى هى الآن اقليم بين بلغاريا ورومانيا.

[20] – أى الاسقف ليباريوس.

[21] – واضح إذن أنه عندما نعت الاقباط الكهنة الدخلاء “بالمَلكيين” لم يكن ذلك استهزاءً بهم، ولكن وصفا حقيقيا لهم، إذ أنهم كما قال الإمبراطور صراحة “كهنة البلاط” للملك.

[22] – ويُلفَظ أيضا يودكسيوس، اودوكسيوس، يودوكسيوس.

[23] – نسبة إلى أنوم Anom الهرطوقى.

[24] –  Son is not of the same substance

[25] – اسقف انقيرا، وكان من زمرة الاريوسيين.

[26] – نلاحظ هنا أن سوزمينوس فى هذا الوقت ينسب كرسى روما الى القديس بطرس الرسول، ولا يوضح لنا هل هذا رأيه أم رأى من.

[27] – حسب التوقيت الشرقى، أى الثامنه من النهار حسب التوقيت الغربى.

[28] – إذن لم يكن الزلزال يوم أحد.

[29] – هو جورج الأريوسى الدخيل، فى التاريخ القبطى.

[30] – ارمينيّم، هى مدينة بإقليم ايمليا من أقاليم ايطاليا.

[31] – يا للعجب ما دخل السلطة الزمنية بصياغة الصيغ العقائدية !!. من هنا كانت المقولة الشهيرة “الناس على دين ملوكهم”.

[32] – نلاحظ هنا نبرة التهديد، بالسلطة الزمنية، فى شؤن العقيدة، لفرض تعاليم مضادة للإيمان المُسلَّم من الآباء.

[33] – قول حق قصد به باطل. والباطل هنا هو ألا تفكروا أنتم أيها الاساقفة الاربعمائة فنحن قد فكرنا بدلكم، وعليكم أنتم أن توقعوا فقط دون أدنى تعليق.

[34] – يقصدون الشهداء والأبرار الذين دافعوا عن الايمان القويم.

[35] – وهكذا فى كل زمان ومكان يستطيع رجل السلطة فى أى مجال أن يجد ذريعة ما يخفى وراءها ما فى باطنه.

[36] – أى القيامة.

[37] – ويكتب أيضا جوليان، وجوليانوس.

[38] – يقول سوزمينوس هنا أنه ابن عمه on his cousin، أما سقراتيس فيرى أنه كان “قريبه” his kinsman. ويقول الأب متى المسكين أنه كان ابن اخته (أنظر ص 281، المرجع السابق). كما يقول (فى هامشه رقم 3 ص 221) يقول أن قنستانتيوس تزوج ثلاث زوجات، كانت احداهن (أخت يوليانوس الجاحد) دون أن يذكر المرجع لذلك الرأى.

[39] – أو لوريسيوس

[40] – consubstantial .

[41] –    of similar substance

[42] – Father   the Son is dissimilar from the

[43] – عن هذه الصفات أنظر، تسبحة “لك القوة والمجد والبركة والعزة” التى نوجهها لأقنوم الكلمة فى تسبحة اسبوع الآلام بالكنيسة القبطية الأرثوذكسية، والمعروفة باللغة القبطية بـ”ثوك تاتى جوم”.

[44] – نلاحظ هنا أن هذا الشخص كان معارضا لهم فى مجمع سلوقية. أى بلغة السياسة قام “حزب” أكاكيوس “بإقصاء” كل الاطراف المعارضة له.

[45] – تُرى ماذا كان سيفعل هؤلاء القضاة الأتقياء بذلك الناسك الذى باع انجيله الخاص ليتصدق به على الفقراء. أنظر التاريخ الرهبانى، للمعرب، سابق الذكر.

[46] – الكلمة المستخدمة هنا تعنى حرفيا “تم الحَجْر” عليهم.

[47] – أى الخدمات الكهنوتية.

[48] – واضح أن أسلوب الشورى قديما، أو على الأقل لدى اعضاء هذه المجمع المحلى، لم يكن يعرف لا الرأى الآخر، ولا حق الامتناع عن التصويت.

[49] – اكاكيوس.

[50] – طبعا، غنى عن الإشارة، الفكر الأريوسى الفاضح فى هذه العبارة الصادرة عن شخص يدعو نفسه اسقفا للعاصمة “الرومانية الجديدة”.

[51] – هذه الكلمة تعنى الغرباء عن الايمان المسيحى، أى الوثنيين.

[52] – أى فى وقت كتابة سوزمينوس لتاريخه هذا. انظر التمهيد للمعرب

[53] – أى من العدم، وهذا هو مفهوم اريوس والذى كان الرد عليه فى نيقية “مولود غير مخلوق”.

[54] – 1كو12:11.

[55] – عن الردود على مثل هذه المرواغات الشديدة السخافة، أنظر تجسد الكلمة للقديس أثناسيوس الرسولى.

[56] – أنظر ك7:5 بعده.



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

لا توجد نتائج