التاريخ الكنسي لسوزومين – الكتاب الثالث – ترجمة تشستر هارترانفت – تعريب د.بولا ساويرس

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”التاريخ الكنسي لسوزومين – ترجمة تشستر هارترانفت – تعريب د.بولا ساويرس” field=name]

الكتاب الثالث: الفصل الأول

(بعد وفاة قنسطنطين هاجم اتباع يوسيبيوس وثيوجينس الايمان النيقاوى جهرا)

(3/1/1) لقد رأينا الآن الاحداث التى شاعت فى الكنائس خلال حُكم قنسطنطين. وبعد وفاته خضعت العقيدة التى نصَّ عليها مجمع نيقية للفحص من جديد. فعلى الرغم من أن هذه العقيدة لم تكن مقبولة على نطاق واسع، فإن أحدا ما لم يجرؤ خلال حياة قنسطنطين على رفضها جهارا. ومع ذلك عقب وفاته رفض كثيرون هذا الرأى، وبصفة خاصة أولئك الذين كانوا سابقا محل شك كمخادعين. ومن بين كل هؤلاء بذل يوسيبيوس ويوجينس اساقفة مقاطعة بيثينية كل ما فى وسعهم لكى ما تسود مفاهيم اريوس. ورأوا أن ذلك يمكن أن يتحقق بسهولة اذا ما أمكن منع عودة اثناسيوس من النفى، وبإسناد ادارة كنائس مصر إلى اسقف من رأيهم.

(3/1/2) وقد وجدوا نصيرا لهم فى ذلك، ذاك الكاهن الذى حصل من قنسطنطين على تصريح بعودة اريوس. وكان يحظى بتقدير كبير من الامبراطور قونسطانتيوس([1]) بسبب الخدمة التى قدَّمها له بتسليمه وصية أبيه. ولما كان موثوقا فيه، انتهز بشجاعة هذه الفرصة إلى أن صار قريبا من زوجة الامبراطور ومن خصيان جناح مخدع النساء.

(3/1/3)  وفى هذا الوقت عُيّن يوسيبيوس مشرفا على شؤون الدار المَلكية. وإذ كان ملتصقا بحماس بالاريوسيين حث الامبراطور وكثيرين من الاشخاص المنتمين إلى البلاط على تبنى نفس المفاهيم.

(3/1/4) ومن ثم ثار من جديد الجدل الخاص بالعقائد على المستوى الخاص والمستوى العام، وتجددت المنازعات والشقاقات. وكانت هذه الحالة تتفق مع وجهة نظر ثيوجينس وحزبه.

الكتاب الثالث: الفصل الثانى

(عودة أثناسيوس)

(3/2/1) وفى هذه الفترة عاد أثناسيوس من الغال إلى الأسكندرية. وقد قيل أن قنسطنطين([2]) كان ينوى إعادته وأنه أمر بذلك فى وصيته، ولكن الوفاة حالت بينه وبين انجاز نيته. فأعاد ابنه الذى حمل اسمه وكان حاكما آنذاك للغال الغربية، أثناسيوس. وكتب خطابا إلى شعب الأسكندرية بخصوص هذا الموضوع.

(3/2/2) وإذ حصلتُ على  نسخة من هذا الخطاب مترجمة من اللاتينية إلى اليونانية فإننى سأدرجها باختصار كما وجدتها وهى كما يلى:

“قنسطنطين القيصر إلى شعب الكنيسة الجامعة فى مدينة الاسكندرية. لا اظن أنكم لا تقدِرون أن تكونوا غير مُلمين بحقيقة أن اثناسيوس مفسر الشريعة المكرمة كان معرضا لمخاطر على شخصه المقدس من قِبل اعدائه المحبين للدماء والكراهية. لذلك أُرسِل لبعض الوقت إلى الغال، لكى لا يتعرض لأضرار خلال احداث التطرف من قِبل معارضيه الادنياء. ولكى ما تبطل هذه المخاطر، أُنتُزِع من فك أولئك الذين ظلموه، وأُمِر أن يعيش إلى جوارى لدرجة أن المدينة التى أقام فيها كانت تزوده بكل الضروريات، ولكن فضائله كانت مشهورة على نحو غير عادى لأنه موضع ثقة الله، ولكنه وضع جانبا كل ثقل الثروة.

إن سيدنا([3]) وابى قنسطنطين اوغسطس المطوَّب الذكر كان قد عزم على إعادة هذا الاسقف إلى وطنه، وأن يعيده بصفة خاصة إلى محبتكم. ولكن لمَّا كان القدر البشرى قد وافاه وتوفى قبل أن يتمم ما قد عزم عليه، فإننى كخليفة له انفّذ عزم الامبراطور ذى الذكرى العطرة.

وسوف يُعلِمكم أثناسيوس عندما يرى وجوهكم أى توقير كان يناله منى وليس مدهشا أن أسلك كما سلكتُ معه لأن صُورة رغبتكم ومظهر رجل نبيل كهذا قد دفعنى وأجبرنى على اتخاذ هذه الخطوة. فلتظللكم العناية الالهية يا اخوتى الاحباء”.

(3/2/3) ونتيجة لهذا الخطاب من الامبراطور عاد أثناسيوس إلى وطنه واستعاد ادارة الكنائس المصرية. أما أولئك الذين التصقوا بالمفاهيم الاريوسية فقد طُرِحوا فى حبس ولم يجدوا سلاما، فأثاروا شقاقا مستمرا وعادوا إلى الدسائس ضده. واتهمه حزب يوسيبيوس امام الامبراطور بأنه شخص مثير للشقاق وأنه ألغى مرسوم النفى ضدا لشرائع الكنيسة[!!] وبدون موافقة الاساقفة، وسأروى فى المكان المناسب كيف نُفِى أثناسيوس ثانية من الأسكندرية بناء على افتراءاتهم.

(3/2/4) وفى هذه الفترة مات يوسيبيوس الملقب بامفيلس([4]) وخلفه اكاكيوس فى ايبارشية قيصرية فلسطين. وكان متعصبا ومقلدا ليوسيبيوس لأنه تعلَّم منه الكلام المقدس، وكان يمتلك ذهنا مقتدرا فى التعبير حتى أنه خلَّف كتابات كثيرة تستحق الإلمام بها.

(3/2/5) وبعد ذلك بوقت ليس بطويل أعلن الامبراطور قنسطنطين([5]) الحرب ضد أخيه فقُتِل من جنرالاته، وانقسمت الامبراطورية الرومانية بين الاخوين الأحياء فصار الغرب من نصيب قنسطانس والشرق من نصيب قونسطانتيوس.

الكتاب الثالث: الفصل الثالث

(بولس اسقف القنسطنطينية، والمقدونيون)

(3/3/1) وفى نحو هذا الوقت توفى الكسندروس وخلفه بولس فى رئاسة كهنوت القنسطنطينية. وزعم الاريوسيون والمقدونيون أنه حصل على الرتبة بدافعه الخاص وضدا لمشورة يوسيبيوس اسقف نيقوميديا أو ثيودور أسقف هيراكليا فى تيراقيا([6]) بكونهما الاساقفة الأقرب والذين لهم حق الإنعام بالسيامة.

(3/3/2) ولكن كثيرين مع ذلك يؤكدون شهادة الكسندروس الذى خلفه أنه سيم بواسطة الاساقفة الذين كانوا مجتمعين آنذاك فى القنسطنطينية، لأنه عندما كان الكسندروس يبلغ من العمر ثمانية وتسعين سنة وقد مارس المهام الكهنوتية بنشاط لمدة ثلاثة وعشرين سنة، وكان على شفا الموت سأله كهنته عمن يود أن يعهد إليه بإدارة الكنيسة فقال: إن أردتم رجلا صالحا فى الامور الالهية وجدير بتعليمكم فعليكم ببولس، ولكن إن أردتم شخصا بليغا فى الامور العامة وفى مجالس الحكام، فمقدونيوس أفضل.

(3/3/3) ويسلّم المقدونيون أنفسهم بأن هذه الشهادة قد أدلى بها فعلا الكسندروس، ولكنهم يقولون أن بولس كان أكثر مهارة فى المعاملات وفن البلاغة. غير أنهم يؤكدون على حياة مقدونيوس ويتهمون بولس بأنه كان مدمنا ومخنثا وشاذ السلوك. ومع ذلك يبدو من اعترافهم أن بولس كان رجل خطابة ومتميزا فى التعليم الكنسى.

(3/3/4) وقد برهنت الاحداث على أنه لم يكن مكترثا بكوارث الحياة أو بالتعامل مع ذوى السلطة لأنه لم يكن ناجحا أبدا فى دحض دسائس أعدائه كمثل أولئك المتمرسين على إدارة هذه الامور. وعلى الرغم من أنه كان محبوبا بشدة من الجماهير إلا أنه عانى بشدة من أولئك الذين رفضوا عقيدة نيقية.

(3/3/5) ففى المقام الأول، نُفِى من كنيسة القنسطنطينية حيث أُثيرت ضده تهمة اساءة السلوك. ثم حُكِم عليه بعد ذلك بالنفى. وأخيرا، يُقال أنه سقط ضحية مكائد أعدائه وقُتِل. ولكن هذه الاحداث الأخيرة حدثت فى فترة تالية.

الكتاب الثالث: الفصل الرابع

(عزل قنستانتيوس لبولس اسقف كنيسة القنسطنطينية)

(3/4/1) لقد أثارت سيامة بولس اضطرابا شديدا فى كنيسة القنسطنطينية. ففى خلال حياة الكسندروس لم يتصرف الاريوسيون علانية لأن الناس كانوا منجذبين بشدة له ويكرمون الأمور الدينية، وبصفة خاصة لأنهم كانوا يعتقدون أن الحدث غير المتوقع الذى حدث لاريوس الذى لقى حتفه كان من جراء السخط الإلهى ومن لعنة الكسندروس.

(3/4/2) ومع ذلك، بعد وفاة هذا الاسقف انقسم الشعب إلى فريقين، وبرزت على السطح المنازعات والمجادلات جهارا بشأن العقائد. فأنصار آريوس رغبوا فى سيامة مقدونيوس بينما أولئك المتمسكون بأن الابن مساوى للآب فى الجوهر رغبوا فى سيامة بولس كأسقف. وقد ساد هذا الفريق الثانى.

(3/4/3) وبعد سيامة بولس، عاد الامبراطور([7])الذى تصادف أن كان آنذاك بعيدا عن الوطن، إلى القنسطنطينية وأظهر عدم سرور كبير لِما حدث كما لو كانت الاسقفية قد مُنِحت لشخص غير مستحق. ومن خلال دسائس أعداء بولس إلتأم مجمع، وعُزِل من الكنيسة، وسُلِّمت الكنيسة ليوسيبيوس اسقف نيقوميديا.

الكتاب الثالث: الفصل الخامس

(مجمع انطاكية وخلع أثناسيوس)

(3/5/1) وسرعان ما توجه الامبراطور عقب هذه الأحداث إلى مدينة انطاكية بسوريا. وكانت الكنيسة هنا قد كملت وفاقت فى الحجم والروعة. وكان قنسطنطين([8])قد بدأ فى بنائها أثناء حياته، وكملت عمارتها بواسطة ابنه قنسطانتيوس.

(3/5/2) وانتهز حزب يوسيبيوس هذه الفرصة والتى كانوا يتوقون إليها منذ أمد بعيد ليعقدوا مجمعا([9]). لذلك اجتمعوا هم ومَن يتبنى مفاهيمهم مِن سائر الاقاليم فى انطاكية وكان عدد اساقفتهم سبعة وتسعون اسقفا. وكان غرضهم الظاهر الاحتفال بتكريس الكنيسة المنتهية حديثا، ولكنهم كانوا عازمين على شىء آخر ليس سوى إلغاء مرسوم نيقية. وهذا ما أكدته العواقب التالية.

(3/5/3) لقد كانت كنيسة انطاكية يحكمها بلاستوس  Placetusالذى خلف يوفرنيويس Euphronius. وكان قد مضى على وفاة قنسطنطين خمس سنوات قبل هذا الوقت. وعندما اجتمع كل الاساقفة فى حضرة قنسطانتيوس، أظهر غالبيتهم حنقا شديدا على أثناسيوس، واتهموه بشدة بإزدرائه للوائح المقدسة التى سنّوها، وبإستيلائه على ايبارشية الأسكندرية بدون الحصول على تصديق مجمع. كما قرروا أنه كان سبب موت الكثيرين فى الشغب الذى نجم عن عودته، كما قُبِض على الكثيرين فى ذات المناسبة وأُقتيدوا إلى ساحات المحاكم.

(3/5/4) وبهذه الاتهامات سعوا بشدة إلى إلحاق الخزى بأثناسيوس وشهدوا أنه قد صدر مرسوم بأن يتولى غريغورى Gregory([10]) إدارة كنيسة الأسكندرية. ثم التفتوا إلى مناقشة المسائل العقائدية، [وتظاهروا] بأنه ليس هناك خطأ فى مراسيم مجمع نيقية.

(3/5/5) وأرسلوا رسائل إلى اسقف كل مدينة يعلنون فيها أنه بما أنهم اساقفة فإنهم لم يتبعوا اريوس إذ كيف، كما قالوا، يكونون تابعين لآريوس وهو ليس سوى كاهن، ونحن موضوعين فوقه؟. ولكنهم إذ فحصوا ايمانه، فقد قبلوه. وأنهم يعتقدون بالإيمان المسلَّم بالتقليد منذ البداية([11]). وقد شرحوا ذلك بالتفصيل فى آخر الرسالة، ولكن دون ذكر جوهر الآب أو الإبن أو مصطلح مساوى فى الجوهر.

(3/5/6) وفى الحقيقة لجأوا إلى تعبيرات مبهمة من العسير أن تكون محل تساؤل لا من الاريوسيين ولا من اتباع قوانين مجمع نيقية كما لو كانوا جاهلين بالأسفار المقدس. وتجنبوا عن عمد كل أشكال التعبير التى رفضها كل فريق، واستعملوا فقط تلك التى كانت محل قبول عام. واعترفوا بأن الإبن مع الآب، وأنه الإبن الوحيد، وأنه إله، وموجود قبل كل الأشياء، وأنه تجسد وتمم إرادة أبيه.

(3/5/7) لقد اعترفوا بذلك، وبالحقائق المماثلة لكنهم لم يَصِفوا عقيدة الإبن كمساوٍ فى الجوهر وأزلى مع الآب أو العكس. وغيَّروا بالتالى وجهة نظرهم على ما يظهر فى هذه الصيغة وأصدروا أخرى كانت على ما أظن تماثل تقريبا تلك التى لمجمع نيقية ما لم يكن هناك معانى خفية فى الحقيقة للكلمات الواردة ليست ظاهرة لى.

(3/5/8) وعلى الرغم من أنهم قد احجموا – ولا ادرى ما الدافع لهذا – عن القول أن الإبن مساوى فى الجوهر [للآب]، إلاَّ أنهم قد اعترفوا أنه غير متغير، وأنه قوة ومجد الآب، وبكر كل الخليقة. وقرروا أنهم وجدوا هذه الصيغة للإيمان مكتوبة بالكامل بواسطة لوكيانوس Lucianus الذى كان شهيدا فى نيقوميديا، وكان رجلا مختبرا جدا ودقيقا للغاية فى الاسفار المقدسة. ولا أعرف ما إذا كانت هذه الصيغة حقيقية أم لا، أو أنهم قد قدَّموها هكذا لكى ما يُعطوا لوثيقتهم وزنا عندما ينسبونها إلى شهيد له كرامته([12]).

(3/5/9) ولم يكن يوسيبيوس(الذى نُقِل من نيقوميديا إلى كرسى القنسطنطينية عندما طُرِد بولس) فقط مشاركا فى هذا المجمع، بل بالمثل اكاكيوس خليفة يوسيبيوس وباتروفيلس اسقف سكيثوبوليس، وثيودور اسقف هيراكليا والتى تُدعى سابقا بيرنثوس ويودوكسيوس اسقف جرمانيكا الذى أدار لاحقا كنيسة القنسطنطينية بعد مقدونيوس، وغريغوريوس الذى أُختير لرئاسة كنيسة الأسكندرية. ومن المسلَّم به على نطاق واسع أن كل هؤلاء كان لهم نفس المفاهيم مثل ديانيوس Dianius اسقف قيصرية الكبادوك، وجورج اسقف لاودكية Laodicea فى سورية وكثيرون آخرون سلكوا كأساقفة لمتروبوليات وكنائس متميزة أخرى.

الكتاب الثالث: الفصل السادس

(يوسيبيوس من اميسا. غريغوريوس الدخيل للأسكندرية, فرار أثناسيوس إلى روما)

(3/6/1) وكان يوسيبيوس الملَّقب امسينوس([13])  Emesenusحاضرا بالمثل هذا المجمع. وهو قد نبع من عائلة شريفة من اديسا([14]) مدينة فى اوسرونيا Osroënæ. وبحسب عادة بلده تعلم منذ صباه وما بعد ذلك، الكلمة المقدسة. وألمَّ بعد ذلك بعِلم اليونان على يد مُعلمين كانوا يترددون على بلدته. وبالتالى كانت له معرفة وثيقة بالأدب المقدس تحت اشراف يوسيبيوس بامفيلوس، وباتروفيلس رئيس سكيثوبوليس([15]). وتوجه إلى انطاكية فى وقت خلع يوستاثيوس بناء على اتهام كيروس، وعاش مع يوفرونيوس خلفه من باب الصداقة. وهرب من هناك عندما رُشِّح لكرامة الكهنوت إلى الأسكندرية، وتردد على مدارس الفلاسفة. وبعد أن ألمَّ بنمط التلمذة عاد إلى انطاكية وسكن مع بلانتوس خليفة يوفرنيوس.

(3/6/2) وفى خلال فترة انعقاد هذا المجمع فى تلك المدينة رجاه يوسيبيوس اسقف القنسطنطينية أن يقبل كرسى الأسكندرية، لأنه كان من المعتقد أنه يستطيع ببلاغته الفائقة وشهرة قداسته العظيمة أن يُلاشى تقدير المصريين لأثناسيوس. ومع ذلك، رفض السيامة بحجة أنه  سيحظى على العكس بكراهية الأسكندريين الذين لن يقبلوا اسقفا آخر سوى أثناسيوس.

(3/6/3) لذلك سيم غريغوريوس على كرسى الأسكندرية، ويوسيبيوس هذا على اميسا([16]) Emesa. وهناك عانى من الشقاق إذ اتهمه الشعب بممارسة التنجيم. وإذ كان مضطرا إلى الفرار بحثا عن الآمان، توجه إلى لاودكية وأقام مع جورج اسقف تلك المدينة الذى كان صديقه الشخصى. ثم اصطحبه فيما بعد الى انطاكية وحصل هناك على تصريح من الاساقفة بلاستوس ونارسيسوس  Narcissusبالعودة إلى اميسا. وكان محل تقدير كبير من الامبراطور قنستانتيوس فآزره بتجريدة حربية ضد الفارسيين.

(3/6/4) وقد قيل أن الله قد أجرى معجزات بواسطته، كما شهد جورج اسقف لاودكية الذى روى هذه الأحداث وغيرها عنه. ولكنه على الرغم من أنه قد تمتع بصفات سامية كثيرة، لم يستطع أن يفلت من غيرة أولئك الذين يتضايقون من مشاهدة فضائل الآخرين. فأُتُهِم بأنه يعتنق عقائد سابيليوس Sabellius. ومع ذلك صوَّت فى الوقت الحاضر مع الاساقفة المجتمعين فى انطاكية.

(3/6/5) وقد قيل أن مكسيموس اسقف اورشليم قد انسحب عن قصد من هذا المجمع لأنه ندم على رضائه بدون وعى بخلع أثناسيوس. ولم يحضر مجمع انطاكية هذا مدبر كرسى روما ولا أى ممثل من كنائس شرق ايطاليا، ولا من المناطق التى وراء روما.

(3/6/6) وفى نفس الفترة غزا الفرنك غرب الغال، وتعرضت اقاليم الشرق وبصفة خاصة انطاكية بعد هذا المجمع لزلازل مهول. وتوجه غريغوريوس بعد المجمع إلى الأسكندرية فى صحبة عدد كبير من الجنود الذين رافقوه لحفظ الأمن ومنع الاضطرابات عند دخوله المدينة. وقد سانده الاريوسيون الذين كانوا تواقين هم أيضا إلى خلع أثناسيوس.

(3/6/7) أما أثناسيوس فخوفا من أن يتعرض الشعب للأذى بسببه، اجتمع بهم ليلا فى الكنيسة عندما أتى الجنود للإستيلاء على الكنيسة، وكانت الصلوات قد انتهت، فأمر بإنشاد أحد المزامير. وخلال إنشاد هذا المزمور بقى الجنود فى الخارج منتظرين فى هدوء ختامه. فهرب أثناسيوس فى نفس الوقت خفية، وفرَّ إلى روما.

(3/6/8) واستولى غريغوريوس بهذه الطريقة على كرسى الاسكندرية. وثار حنق الشعب فأحرقوا الكنيسة التى تحمل اسم ديونيسيوس أحد اساقفتهم السالفين.

الكتاب الثالث: الفصل السابع

(رؤساء كهنة روما والقنسطنطينية. خلع بولس وطرده. مذبحة هرموجنس)

(2/7/1) وهكذا نجحت خطة أولئك الذين أثاروا الهرطقات المتعددة ضد الحق فى التنفيذ. وهكذا خلعوا الاساقفة الذين حافظوا على سيادة عقائد مجمع نيقية فى سائر أرجاء الشرق واستولى هؤلاء الهراطقة على معظم الكراسى الهامة مثل كرسى الأسكندرية فى مصر، وكرسى انطاكية فى سوريا، والمدينة الامبراطورية فى هلليسبونت، وأقاموا عليها اساقفة خاضعين لهم.

(3/7/2) وقد اعتبر حاكم كنيسة روما وكل كهنة الغرب هذه الاعمال بأنها اهانة شخصية لأنهم كانوا موافقين منذ البداية على كل القرارات التى صُوِّت عليها من قِبل المجتمعين فى نيقية، ولم يكفوا الآن عن ذات الفكر. ولذا عند وصول أثناسيوس استقبلوه بلطف وتشاوروا فيما بينهم فى موضوعه.

(3/7/3) وإذ انزعج يوسيبيوس من تدخلهم، كتب إلى يوليوس يحضه على أن يجعل نفسه حَكما على القوانين التى أُتُخِذت ضد أثناسيوس من قِبل مجمع صُور([17]). ولكن قبل أن يتأكد من مشاعر يوليوس Julius، وفى الحقيقة ليس بعد مجمع انطاكية بوقت طويل، مات يوسيبيوس. وفى الحال قاد مواطنو القنسطنطينية الذين حافظوا على عقائد مجمع نيقية بولس إلى الكنيسة. وفى نفس الوقت انتهز جمهور المعارضين الفرصة واجتمعوا معا فى كنيسة أخرى وكان من بينهم مشايعو ثيوجينس اسقف نيقية، وثيودور اسقف هيراكليا، وآخرون من نفس الحزب الذى تصادف وجودهم ورسموا مقدونيوس اسقفا للقسطنطينية. فأثار ذلك اضطرابا شديدا فى المدينة حمل كل مظاهر الحرب حيث قام الشعب على بعضه البعض وهلك الكثيرون.

(3/7/4) وعمت الفوضى المدينة لدرجة أن الامبراطور، وكان وقتها فى انطاكية، عند سماعه لِما حدث، استشاط غضبا وأصدر مرسوما بخلع بولس وعهد إلى هرموجينس Theognis قائد الحملة بتنفيذ هذا المرسوم الامبراطورى. ولمَّا كان سيمر على القنسطنطينية فى طريقه إلى تيراقيا therace، فقد فكر فى طرد بولس بالقوة من الكنيسة بمساعدة جيشه، ولكن الشعب بدلا من الخضوع قابلوه بمقاومة علنية. وعندما حاول الجنود تنفيذ الاوامر التى تلقوها، ازداد العنف بشدة واقتحم الثائرون منزل هرموجينس واشعلوا النيران فيه وقتلوه، وربطوا جثته بحبل وسحلوها فى المدينة. وما أن تلقى الامبراطور هذا الخبر حتى أسرع بإمتطاء جواده، واتجه صوب القنسطنطينية لكى ما يعاقب الشعب. ولكنه أبقى عليهم عندما خرجوا لمقابلته بالدموع متوسلين. غير أنه حرم المدينة من نصف حصة الحبوب التى كان والده قنسطنطين قد وهبها لهم سنويا من الخزانة العامة من جزية مصر. ربما انطلاقا من فكر أن الرفاهية والراحة جعلت العامة كسالى وميالين للمنازعات.

(3/7/5) ثم صبَّ غضبه على بولس وأمر بطرده من المدينة كما أظهر عدم رضائه بشدة على مقدونيوس أيضا لأنه كان سببا فى مقتل جنراله وأفراد آخرين ولأنه كان قد سيم أيضا بدون الحصول على موافقته. وعاد مع ذلك إلى انطاكية بدون أن يؤكد أو يلغى سيامته.

وفى نفس الوقت، خلع المشايعون للمفاهيم الاريوسية غريغوريوس لأنه كان مخالفا فى تأييد عقائدهم، وكان أكثر من ذلك محل عدم رضاء من الأسكندريين بسبب المصائب التى حلت على المدينة منذ قدومه وخاصة احتراق الكنيسة. وانتخبوا مواطنا من كبادوكيا يدعى جورج بدلا منه. وكان هذا الاسقف الجديد محل قبول بسبب نشاطه وغيرته فى تأييد المذهب الاريوسى.

الكتاب الثالث: الفصل الثامن

(وصول رؤساء كهنة الشرق إلى روما. رسالة يوليوس اسقف روما بخصوصهم. استلام بولس واثناسيوس لكراسيهم. محتوى رسالة رؤساء كهنة الشرق إلى يوليوس)

(3/8/1) وعندما ترك أثناسيوس الأسكندرية وفرَّ إلى روما، توجه فى نفس الوقت إلى هناك بولس اسقف القنسطنطينية، ومارسيللوس اسقف انقيرا، واسكيلاباس  Asclepasاسقف غزة. وكان اسكيلاباس مقاوما للأريوسية، ولذلك خُلِع بعد أن اُتُهِم من قبل الهراطقة بإلقائه لمذبح ما أرضا، وعُيِّن محله كونتيانوس اسقفا على كنيسة غزة. كذلك خُلِع لوكيوس اسقف ادريانوبل([18]) Adrianople من الكنيسة بسبب عنايته بشىء آخر، وكان يقيم فى هذه الفترة فى روما. وعندما سمع الاسقف الرومانى بالاتهامات ضد كل واحد، وأن لهم نفس المفاهيم إزاء العقائد النيقاوية سمح لهم بالشركة فى التناول مثل الارثوذكسيين وبنفس الاهتمام اللائق بكرامة كرسيه وردهم إلى كنائسهم، وكتب إلى اساقفة الشرق موبخا لهم على محاكمتهم لهؤلاء الاساقفة بغير عدل وعلى استيلائهم على الكنائس، وهجرهم للعقائد النيقاوية.

(3/8/2) ودعا بعضا منهم للحضور أمامه فى يوم معيَّن لكى يوضحوا له الأحكام التى اصدروها. وهدَّد أنه لن يحتملهم أكثر من ذلك ما لم يكفوا عن ابتداعاتهم، وكانت هذه هى لهجة خطاباته. وأُعيد أثناسيوس وبولس إلى كراسيهما. وأرسِلت رسائل يوليوس([19])إلى اساقفة الشرق.

(3/8/3) ولما كان الاساقفة يستطيعون بالكاد أن ينقضوا هذه الوثيقة، اجتمعوا معا فى انطاكية وحرروا ردَّا إلى يوليوس عبّروا فيه بلطف وكتبوه بمهارة قانونية كبيرة، غير أنه مملوء أيضا بقدرٍ من التهديد الشديد والتهكم.

(3/8/4) وفى هذه الرسالة اعترفوا بأن كنيسة روما لها كرامة لأنها مدرسة الرسل([20])، وصارت متروبولية الدين([21]) منذ البداية([22]) على الرغم من أن تعريف العقائد قد تم فى الشرق. ثم اضافوا أن المرتبة الثانية فى الكرامة ينبغى ان تُعزَى إليهم ليس لأن لهم ميزة الحجم أو العدد لكنائسهم، ولكن لأنهم يفوقون الرومان فى الفضيلة والعزم. ودعوا يوليوس إلى مراجعة نفسه إذ سمح لأتباع أثناسيوس بالشركة فى التناول، وعبَّروا عن حنقهم ضده لكونهم ازدرى بمجمعهم ونسخ([23]) قراراتهم. ووصموا معاملته بأنها غير عادلة ولا تتسق مع الحق الكنسى. وبعد هذه المشاعر والاحتجاجات ضد مظالم كهذه، انتقلوا إلى هذه الوضعية وهى أنه اذا اعترف يوليوس بخلع الاساقفة الذين خلعوهم وبحلول مَن عينوهم محلهم بدلا منهم، فإنه يعدونه بالسلام والشركة، ولكن إذا لم يقبل هذه الشروط فإنهم سيعلنون جهارا معارضتهم. وأضافوا أن الكهنة الذين سبقوهم فى ادارة كنائس الشرق لم يقدِّموا أية معارضة على خلع نوفاتيان من قِبل كنيسة روما([24]) ولم يشيروا فى رسالتهم إلى انحرافاتهم التى اعلنوها عن عقائد مجمع نيقية، ولكنهم سجلوا ببساطة أن لديهم أسباب متعددة تبرر المسلك الذى اتخذوه، وأنهم يرون أنه من غير الضرورى عرضها فى الوقت الحالى للدفاع عن مسلكهم إذ أنهم يشكون فى نقض العدالة من جميع النواحى.

الكتاب الثالث: الفصل التاسع

(خلع أثناسيوس وبولس)

(3/9/1) وبعد كتابتهم إلى يوليوس بهذه اللهجة الشديدة، قدَّم اساقفة الشرق اتهامات ضد أولئك الذين خلعوهم إلى الامبراطور قنسطانتيوس. وبناء عليه كتب الامبراطور، الذى كان آنذاك فى انطاكية، إلى فيليب حاكم القنسطنطينية يأمره بتسليم الكنيسة إلى مقدونيوس ونفى بولس من المدينة.

(3/9/2) وإذ خاف الحاكِم من شغب الشعب توجه إلى حمَّام عام يُدعَى زيوكسبوس Zeuxippus وكان بِناءً كبيرا. وقبل أن يتسرب أمر الامبراطور، استدعى بولس كما لو كان يرغب فى مناقشته فى بعض الأمور العامة.

(3/9/3) وعند وصوله أطلعه على مرسوم الامبراطور، ونُقِل بولس طبقا للأوامر إلى شاطىء البحر سرا من خلال القصر الملاصق للحمَّام، حيث وُضِع على ظهر سفينة متجهة إلى تسالونيكى التى أتى منها أسلافه، كما قيل. ومُنِع بشدة من الاقتراب من الأقاليم الشرقية، ولكن لم يُمنَع من زيارة ايلليريا([25])  Illyria والمقاطعات القاصية.

(3/9/4) وعندما غادر فيليب الساحة، اصطحب معه مقدونيوس واتجه الى الكنيسة. فملأ الحاضرون آنذاك وكانوا عددا لا يُحصَى، الكنيسة بسرعة. وجاهد كل من الفريقين المنقسمين، أى اتباع الهرطقة الاريوسية واتباع بولس على التوالى، للإستيلاء على المبنى. وعندما وصل الحاكِم ومقدونيوس إلى بوابات الكنيسة، حاول الجنود أن يدفعوا الجمهور بالقوة إلى الخلف لكيما يفسحوا طريقا لهذيَن المسؤوليَن، ولكن إذ كان الجمهور مزدحما للغاية، كان من المستحيل عليهم التقهقر إذ كانوا مكدسين إلى أبعد نقطة على نحو لا يسمح بشق طريق. فقتل الجنود بسيوفهم عددا كبيرا من غير الراغبين فى التقهقر تحت ضغط الزحام، كما وطأوا بالأقدام فوقهم. وهكذا نُفِّذ مرسوم الامبراطور، واستلم مقدونيوس الكنائس([26]) بينما نُفِىَّ بولس على غير المتوقع من كنيسة القنسطنطينية.

(3/9/5) وكان أثناسيوس فى نفس الوقت قد فرَّ وأخفى نفسه خوفا من وعيد الامبراطور الذى هدد بعقابه بالموت. إذ جعل الهراطقة الامبراطور يعتقد أنه هو سبب الفتن، وأنه اذا ما عاد إلى ايبارشيته سيتسبب فى موت اشخاص عديدين. ولكن غضب الامبراطور قد اشتعل بصفة رئيسية من الادعاء بأن أثناسيوس قد باع مؤونة كان الامبراطور قنسطنطين قد وهبها فيما سبق لفقراء الأسكندرية، وأنه استولى على الثمن.

الكتاب الثالث: الفصل العاشر

(اسقف روما يكتب إلى اساقفة الشرق لصالح أثناسيوس. اساقفة الشرق يرسلون وفدا لأسقف روما. قنسطانس يرفض مقابلتهم)

(3/10/1) وإذ ارسل اساقفة مصر بيانا مكتوبا بأن هذه الافتراءات باطلة، وإذ اقتنع يوليوس أن أثناسيوس لن يكون بتاتا فى آمان فى مصر، أرسله إلى مدينته الخاصة. وردَّ فى نفس الوقت على رسالة الاساقفة الذين كانوا مجتمعين فى انطاكية، إذ تصادف أن استلم رسالتهم وقتئذ، واتهمهم بإدخال ابتداعات خفية ضد عقائد مجمع نيقية، وأنهم نقضوا قوانين الكنيسة بإهمالهم دعوته للإنضمام إلى مجمعهم إذ زعم أن هناك قانون مقدس ينص على أن أى مرسوم يصدر مناقضا لحكم اسقف روما يُعتبَر باطلا([27]) كذلك وبخهم على انحرافهم عن العدالة فى كل اجرائاتهم ضد أثناسيوس فى صُور وماريوتيس([28])  Mareotis وسجل أن المراسيم الصادرة من المدينة الأولى قد أُبطِلَت بسبب الافتراء المتعلق بيد ارسينيوس وفى المدينة الثانية بسبب غياب أثناسيوس. وأخيرا وبخهم على لهجة العناد فى رسالتهم.

(3/10/2) واتخذ يوليوس مدفوعا بكل هذه الاسباب موقف الدفاع عن أثناسيوس وبولس وكان الثانى قد وصل إلى ايطاليا ليس قبل ذلك بوقت طويل وناح بمرارة من هذه الافتراءات. وعندما ادرك يوليوس أن ما كتبه إلى أولئك الذين يشغلون رتبا مقدسة فى الشرق صار عبثا، رفع الامر إلى قنسطانس.

(3/10/3) وبناءً عليه، كتب قنسطانس إلى أخيه قنسطانتيوس يسأله إرسال بعض أساقفة الشرق ليسَّووا مسألة مراسيم الخلع التى أصدروها. فإنتخب ثلاثة اساقفة لهذا الغرض هم: نارسيسوس اسقف ايرينوبوليس Irenopolis فى كيليكية([29])، وثيودور اسقف هيراكليا فى تيراكيا ([30])، ومارك اسقف آريثوسا  Arethusaفى سوريا. وعند وصولهم إلى ايطاليا، جاهدوا فى تبرير اعمالهم ومحاولة اقناع الامبراطور بأن الأحكام الصادرة عن المجمع الشرقى كانت عادلة.

(3/10/4) وعندما طُلِب منهم تقديم بيان بمعتقدهم اخفوا الصيغة التى اصدروها سابقا فى انطاكية، وقدَّموا كتابة اعترافا آخر كان معادلا فى لهجته لعقائد مجمع نيقية. وأدرك قنسطانس أنهم قد أوقعوا بغير عدلٍ بكل من أثناسيوس وبولس ومنعوهما من شركة التناول لا لسبب ضدهما، ولكن ببساطة بسبب اختلاف العقيدة، ومن ثمة صرف المندوبين دون إعطائهم أى ضمان لِما أتوا من أجله.

الكتاب الثالث: الفصل الحادى عشر

(مجمع سارديكا. اساقفة الشرق يخلعون اسقف روما وهوسيوس)

(3/11/1) وبعد ذلك بثلاث سنوات ارسل اساقفة الشرق إلى اساقفة الغرب صيغة الايمان التى دُعِيَت “ماكورستيكوس”([31]) μακρόστιχος ἔκθεσις بسبب الفاظها وأفكارها المسهبة التى تتجاوز أى صيغة اعتراف سابقة. فى هذه الصيغة لم يذكروا أى شىء عن جوهر الله، ولكن حرموا أولئك الذين يقولون أن الابن برز من العدم، أو أنه أقنوم آخر، وليس من الله أو أنه كان هناك وقت لم يوجد فيه.

(3/11/2) وحمل هذه الوثيقة يودوكيوس الذى كان مازال اسقفا لجرمانيكيا، ومارتيريوس ومقدونيوس، ولكن كهنة الغرب لم يُسلِّموا بها، إذ قد أعلنوا أنهم مقتنعون تماما بالعقائد المؤسسة فى نيقية ويرون أنه من غير الضرورى بتاتا الانشغال بهذه المسائل.

(3/11/3) وبعد أن طلب قنسطانس الامبراطور من أخيه إعادة تثبيت اتباع أثناسيوس فى كراسيهم، ووجد أن طلباته صارت عبثا بسبب تأثير أولئك الذين تبنوا الهرطقات الكريهة. وعندما توسل فريق أثناسيوس وبولس بالأكثر للامبراطور قنسطانس فى عقد مجمع لبحث المكائد المدبرة ضد العقائد الارثوذكسية، اتفق رأى الامبراطوريَن على عقد مجمع يضم اساقفة الشرق والغرب فى سارديكا([32])Sardica فى يوم معيَّن، وهى مدينة فى ايلليريا.

فكتب أساقفة الشرق الذين اجتمعوا سابقا فى مدينة فيلبوبوليس Philippopolis بتيراقيا إلى اساقفة الغرب الذين كانوا مجتمعين الآن فى سارديكا أنهم لن ينضموا إليهم ما لم يطردوا اتباع أثناسيوس من الاجتماع ومن شركة التناول معهم لأنهم مخلوعين. وفيما بعد، ذهبوا إلى سارديكا ولكنهم أعلنوا عدم دخولهم الكنيسة ما دام هؤلاء المخلوعين مسموحا لهم بالتواجد هناك.

فرد عليهم أساقفة الغرب أنهم لم يعزلوهم قط وأنهم لن يُذعنوا لذلك الان، وبصفة خاصة لأن يوليوس اسقف روما بعد أن فحص الحالة لم يُدِنهم، وإلى جانب ذلك هم حاضرون ومستعدون للدفاع عن أنفسهم ودحض الافتراءات الموجهة ضدهم.

(3/11/4) ومع ذلك، لم تُجدِ هذه التصريحات. وإذ كان الوقت المحدد لمناقشة الاختلافات التى من أجلها قد اجتمعوا قد انقضى، كتبوا فى النهاية رسائل إلى بعضهم بعضا بشأن هذه المسائل، وأدوا بذلك إلى زيادة عدم الاتفاق عما كان عليه سابقا.

(3/11/5) وبعد أن إجتمعوا على انفراد، اتخذوا قرارات متضادة إذ أكد اساقفة الشرق الاحكام التى سبق أن اتخذوها ضد أثناسيوس وبولس ومارسيللوس واسكاليباس، كما عزلوا يوليوس اسقف روما لأنه كان أول مَن يقبل مَن قد ادانوهم فى شركة التناول. كما عزلوا هوسيوس المعترف أيضا جزئيا لنفس السبب وجزئيا لأنه كان من ضمن أولئك الذين قبلوا بولس فى شركة التناول، وكان سببا فى عودته إلى القنسطنطينية ولأنه استبعد من التناول اساقفة الشرق الذين توجهوا إلى الغال. وإلى جانب هؤلاء عزلوا بروتوجينس اسقف سارديكا وجودانتيوس. الأول لأنه اهتم بمارسيللوس رغم ادانته سابقا والثانى لأنه تبنى منحى مخالف لمنحى كرياكوس سلفه وعضَّد افراد مخلوعين كثيرين.

(3/11/6) وبعد أن اصدروا هذه الاحكام، اعلنوها لجميع اساقفة الاقاليم لكى لا يشتركوا فى التناول معهم، ولا يكتبوا رسائل إليهم، أو يتلقوا منهم رسائل. كما أمروهم أيضا أن يؤمنوا بما قيل عن الله فى الصيغة التى أرفقوها برسالتهم، والتى لا يذكرون فيها اصطلاح واحد فى الجوهر، ولكن فقط حرم أولئك الذين يقولون ثلاثة آلهة، أو أن المسيح ليس الله، أو أن الآب والإبن والروح القدس نفس الشىء، أو أن الإبن غير مولود، أو أن هناك وقت لم يكن موجودا فيه.

الكتاب الثالث: الفصل الثانى عشر

 (اساقفة الغرب فى مواجهة الحزب الاريوسى الشرقى)

(3/12/1) وفى نفس الوقت اجتمع انصار هوسيوس معا وأعلنوا براءة كلا من أثناسيوس لأن الدسائس التى حيكت من قِبل أولئك الذين اجتمعوا فى صُور كانت ظالمة؛ ومارسيللوس لأنه لم يعتنق الآراء التى أُتُهِم بها؛ واسكيلباس لأنه أُعيد تثبيته فى ايبارشيته بتصويت من يوسيبيوس بامفيلوس وقضاة آخرين كثيرين كما هو ثابت من سجلات المحاكمة؛ وأخيرا لوكيوس لأن متهموه قد فرَّوا.

(3/12/2) وكتبوا إلى ايبارشيات كلٍ منهم يأمروهم بقبول اساقفتهم وبالاعتراف بهم. وقد سجلوا أن غريغوريوس لم يُرَّشح من قِبلهم اسقفا على الأسكندرية، ولا باسيليوس اسقفا على انقيرا، ولا كونتيانس  Quintianusاسقفا على غزة. وأنهم لم يقبلوا هؤلاء الرجال فى شركة التناول ولم يعتبروهم حتى مسيحيين.

(3/12/3) وقد عزلوا عن كراسيهم: ثيودور اسقف تيراقيا، ونارسيسوس اسقف ارينوبوليس، واكاكيوس اسقف قيصرية فلسطين، ومينوفانتوس اسقف افسس، واورساكيوس اسقف سيجدونس Sigidunus فى موسيا Mœsia، وفالنس اسقف مورسيا Mursia فى بانونيا([33]) Pannonia، وغريغوريوس اسقف لاودوكية على الرغم من أن هذا الأخير لم يحضر مجمع الاساقفة الشرقيين. وقد مُنِع هؤلاء المذكورين عاليه من الكهنوت، ومن شركة التناول لأنهم فصلوا الإبن عن جوهر الآب، ولأنهم قبلوا الذين سبق عزلهم بسبب اعتناقهم للهرطقة الاريوسية، وأكثر من ذلك رقوهم إلى رتب كهنوتية أعلى فى خدمة الله.

(3/12/4) وبعد أن استبعدوا هؤلاء لهذه الأسباب وحكموا عليهم بأنهم غرباء عن الكنيسة الجامعة، كتبوا إلى الاساقفة فى كل الأمم بعد ذلك يأمروهم بتأكيد هذه المراسيم وأن يكونوا فكرا واحدا فى الموضوعات العقائدية. كما ألفوا أيضا وثيقة ايمان كانت أكثر غزارة من وثيقة نيقية على الرغم من أنها حافظت بشدة على نفس الفكر مع تغيير بسيط جدا فى بعض الكلمات المستخدمة.

(3/12/5) واذ خشى هوسيوس وبروتوجينس اللذين حازا المرتبة الاولى بين الاساقفة الغربيين المجتمعين فى سارديكا من أن يُتَهما بإحداث ابتداعات فى عقائد مجامع نيقية، كتبا إلى يوليوس يشهدون أنهم متمسكون بشدة بهذه العقائد، ولكنهما مضطران تحت ضغط الحاجة إلى الوضوح، إلى التوسع فى العبارات الاصطلاحية لكى لا يستغلها الاريوسيون اعتمادا على الايجاز فى الوثيقة لكى يخدعوا بها غير المتمرسين على الديالوج.

(3/12/6) ثم انفض المجمع، وعاد الاعضاء إلى أوطانهم. وقد انعقد هذا المجمع فى زمن قنصلية روفينوس ويوسيبيوس، وبعد وفاة قنسطنطين بحوالى أحد عشر سنة. وكان هناك حوالى ثلاثمائة اسقف لمدنٍ فى الغرب، وأكثر من ستة وسبعين اسقفا من الشرق، كان من بينهم اسخريون الذى عُيِّن اسقفا لماريوتيس من قِبل أعداء أثناسيوس.

وقد رويتُ ما قد حدث من كلٍ من الفريقين.

الكتاب الثالث: الفصل الثالث عشر

(الغرب يتمسك بالعقائد النيقية، والشرق يغرق فى نزاعات بين بدعة وأخرى)

(3/13/1) وبعد هذا المجمع بطلت المحافظة على الاتصالات بين الكنائس الغربية والكنائس الشرقية، التى توجد عادة بين افراد لهم نفس الايمان، وأحجموا عن الاشتراك فى التناول مع بعضهما البعض. وانفصل مسيحيو الغرب عن الشرق، حتى إلى تيراقيا وايلليريا.

وقد اختلطت هذه الحالة المنقسمة للكنيسة كما هو مفترض بوجهات النظر المنشقة والافتراءات. وعلى الرغم من أنهم قد اختلفوا سابقا فى الموضوعات العقائدية، إلا أن الشيطان لم يحظ بمجال واسع إذ كانوا مازالوا يشتركون فى التناول معا ولم يكونوا راغبين فى اضرام المشاعر.

(3/13/2) والتصقت الكنيسة فى سائر ارجاء الغرب بالكامل بعقائد الآباء وابتعدت عن العقائد المثيرة للشقاق. وعلى الرغم من أن اوكسنتيوس الذى صار اسقفا لميلان، وفالنس واورساكيوس اساقفة بانونيا قد حاولوا أن يقودوا ذلك الجزء من الامبراطورية إلى المذهب الاريوسى، فإن مجهوداتهم قد خضعت لمراقبة دقيقة من قِبل رئاسة كرسى روما والكهنة الآخرين الذين قضوا على بذور الهراطقة.

(3/13/3) وبالنسبة للكنيسة الشرقية على الرغم من أنها قد انشقت منذ مجمع انطاكية، وعلى الرغم من أنها قد اختلفت جهارا مع صيغة الايمان النيقاوى إلا أن الغالبية فى الحقيقة، على ما أظن، كانوا متحدين فى نفس الفكر ويعترفون أن الإبن من جوهر الآب.

(3/13/4) ومع ذلك كان هناك بعضُ مغرمين بإثارة المعارك ضد مصطلح “مساوى فى الجوهر”، لأن هؤلاء المعارضين للكلمة منذ البداية، ظنوا كما استنتج، وكما حدث لمعظم الناس أن ذلك سيُحِط من قدرهم أن يظهروا مهزومين. وقد اقتنع آخرون بحقيقة العقائد الخاصة بالله، بعادة المنازعات المتكررة فى هذه الموضوعات وظلوا بعد ذلك متشبثين بها. ورأى آخرون أن مثل هذه المشاحنات ينبغى ألاَّ تثور، فمالوا إلى ما يُرضى كل من الطرفين بسبب تأثير الصداقة أو مدفوعين بأسباب متعددة غالبا ما تدفع الناس إلى الأخذ بما ينبغى رفضه وإلى أن يسلكوا بلا جسارة فى الظروف التى تتطلب اقتناعا عميقا.

(3/13/5) بينما اعتبر آخرون أنه من السخف قضاء وقتهم فى سفسطة الكلام، فتبنوا تماما مشاعر مجمع نيقية. وقد حافظ بولس اسقف القنسطنطينية واثناسيوس اسقف الأسكندرية وكل جمهرة الرهبان وانطونيوس الكبير الذى كان مازال حيا وتلاميذه وعدد كبير من المصريين ومن المناطق الأخرى فى المقاطعات الرومانية بثبات وجهارا بعقائد مجمع نيقية، وفى سائر الاقاليم الاخرى فى الشرق، خلال عهد قنستانتيوس.

(3/13/6) ولما كنتُ قد أشرتُ إلى الرهبان، فإننى سأذكر بإيجاز أولئك الذين ازدهروا فى عهد قنسطانتيوس.

الكتاب الثالث: الفصل الرابع عشر

(عن الرهبان)

(3/14/1) سأبدأ روايتى بمصر، وبالمقاريَن اللذيَن كانا أشهر الرؤساء المشهورين للاسقيط والجبل المجاور. كان واحدُ من أهل مصر، والآخر دُعِى بوليتيكوس([34]) Politicus لأنه كان مواطنا ومن أصل اسكندرى. وكلاهما وُهبِا على نحو عجيب فلسفة ومعرفة إلهية([35]) لدرجة أن الشياطين كانت ترتعد منهم، وأجريا أعمالا كثيرة فوق عادية، واشفية اعجازية. وتقول القصص أن المصرى أقام ميتا إلى الحياة لكى يُقنِع هرطوقيا بحقيقة القيامة من الاموات. وقد عاش حوالى تسعين سنة، قضى ستين منها فى الصحارى. وعندما بدأ فى شبابه دراسة الفلسفة([36]) تقدم بسرعة لدرجة أن الرهبان لقبوه بالشاب الشيخ، وسيم كاهنا فى سن الاربعين.

(3/14/2) أما مقاريوس الآخر فقد صار كاهنا فى فترة متأخرة فى حياته، وكان متمرسا فى كل فنون النسك. بعضها اختاره لنفسه بنفسه، وبعضها سمع به عن آخرين فتبارى فى تنفيذه بنجاح لدرجة أن جفاف جلده حال دون نمو شعر لحيته.

(3/14/3) وازدهر فى نفس الفترة والمكان أيضا بامبو وهيراكليس وكرونيوس وبافنوتيوس وبوتوباستس وآرسيسيوس وسيرابيون الكبير، وبيتوريون الذى سكن بالقرب من طيبة، وباخوميوس مؤسس [جماعة] الرهبان المعروفين بالطبانسيين. وكانت ثياب وإدارة هذه الفلسفة([37]) تختلف نوعا ما عن تلك التى للرهبان الآخرين. ومع ذلك كان اعضاؤها مُكرَّسين للفضيلة، ويزدرون بأمور الدنيا، ويُثِيرون النفس للتأمل السمائى ويُعدّون أنفسهم لترك الجسد بإبتهاج. كانوا يرتدون الجلود تذكارا لايليا، ويبدو لى أن ذلك لكى تظل فضيلة النبى دائما فى ذاكرتهم ويكونون قادرين مثله على مقاومة اغراءات المسرات الارضية برجولة، وأن يسلكوا بغيرة مماثلة وأن يستحثوا على ممارسة الاعتدال على رجاء المكافأة بالمثل. وقد قيل أن الملابس الخاصة بهؤلاء الرهبان المصريين كانت تشير إلى بعض الاسرار المرتبطة بفلسفتهم([38]) ولذا لا تختلف عن تلك التى للآخرين بدون سبب. فهم يرتدون جلاليب  tunics بدون أكمام لكى ما يُعلِّموا أن الأيادى ينبغى ألاَّ تكون مستعدة لعمل الشر. وهم يرتدون غطاءً لرؤوسهم يُدعى “قلنسوة” لكى يُظهِروا أنه ينبغى أن يعيشوا فى براءة وطهارة الأطفال الذين يتغذون باللبن، فيرتدون نفس الشكل. والمِنطقة التى يرتدونها حول وسطهم والشرائط التى حول أكتافهم وأذرعتهم تعلّمهم أن يكونوا مستعدين دائما لعمل وخدمة الله. وإننى أعى بالأسباب التى تُعزَى لملبسهم الخاص، ولكن ما قلته يبدو لى كافيا.

(3/14/4) وقد قيل أن باخوميوس عند بداية ممارسته لهذه الفلسفة عاش فى مغارة. ولكن ملاكا مقدسا قد ظهر له وأمره أن يجمع الرهبان الشباب ويعيش معهم، لأنه قد نجح جيدا فى ممارسة هذه الفلسفة، لكى يدربهم على الشرائع العتيدة أن تُسلَّم له، وهو يمتلك الآن منافع كثيرة تفيد كثيرين كقائد لجماعات، وأُعطِى له عندئذ لوح مازال محفوظا بعناية. وقد نُقِش عليه تعليمات بمقتضاها يسمح لكل واحدٍ أن يأكل ويشرب ويعمل ويصوم تبعا لمقدرته على العمل. فهؤلاء الذين يأكلون جيدا يمارسون اعمالا شاقة، أما النساك فتُسنَد إليهم اعمالا أخف. وأمر أن يَبنِى قلالى كثيرة يقيم فى كلٍ منها ثلاثة رهبان يتناولون معا وجباتهم فى صمت فى قاعة طعام عامة، ويجلسون حول المائدة وهم يُسدِلون ساترا على وجوههم لكى لا يقدرون على رؤية أى شىء آخر سوى ما هو موضوع أمامهم على المائدة. ولم يكن مسموحا للغرباء بالأكل معهم فيما عدا المسافرين الذين يُظهرون لهم كرم الضيافة. وأولئك الذين يرغبون فى العيش معهم كان عليهم أن يخضعوا لمدة تلمذة ثلاث سنوات، وتُسنَد لهم خلال هذه السنوات واجبات للعمل بها. وبهذه الطريقة يمكنهم المشاركة فى جماعتهم. وهم يرتدون جلودا، ويلبسون قلنسوة([39]) من الصوف المزخرف بنقوش من الارجوان، وجلباب من الكتان ومناطق. وكانوا ينامون بجلاليبهم وأرديتهم الجلد. وهم ممددين على كراسى طويلة مصممة على نحو خاص لكى تكون قريبة من طرفيها ليكون لها مادة كل مرقد.

(3/14/5) وفى أول وآخر يوم من الأسبوع يتناولون من السرائر المقدسة. ويحلون عندئذ مناطقهم ويطرحون عنهم أرديتهم الجلد. وعليهم أن يصلّوا اثناعشر صلوة كل يوم. وغالبا اثناء المساء، ويًقدِّمون نفس عدد الصلوات اثناء الليل. وفى الساعة التاسعة([40]) يصلون الثالثة([41]) وعندما يتقدمون لتناول الطعام ينشدون مزمورا قبل كل صلوة. وكانت الجماعة كلها تنقسم إلى أربعة وعشرين فئة، كل منها يسَّمى بأحد الحروف اليونانية. وكل واحد ينتمى إلى هذه الفئة أو تلك حسب سلوكه وعاداته. وهكذا الحرف يوتا يُعطَى للأكثر بساطة، وزيتا أو خاى لغير البسطاء. والحروف الأخرى تُختَار تبعا للغرض المناسب لشكل الحرف.

(3/14/6) هذه كانت سنن باخوميوس التى حَكمت تلاميذه. لقد كان رجلا أحب الناس، وكان محبوبا من الله. لدرجة أنه تكهن بالآتيات، وسُمِح مرارا بالتواصل مع الملائكة القديسين. كان يقيم فى طابينا  Tabenna بطيبة، ومن ثمة الاسم طابينيسيين الذى مازال مستمرا. وبتبنيهم لهذه القواعد فى ادارتهم صاروا مشهورين جدا، وتزايدوا بشدة بمرور الوقت لدرجة أن وصل عددهم إلى سبعة آلاف. ولكن الجماعة فى جزيرة([42]) طابينا التى عاش فيها باخوميوس كانت تشمل ألف وثلاثمائة. وأقام الآخرون فى طبايس Thebaïs والمواضع الأخرى من مصر. وجميعهم راعوا قاعدة واحدة، وكان كل شىء مشتركا بينهم. وكانوا يعتبرون الجماعة الموجودة بطابينا أمهم، ومدبروها آباءهم وأمراءهم([43]).

(3/14/7) وفى حوالى نفس الفترة تبنى ابولونيوس الفلسفة الرهبانية. وقيل أنه كرَّس نفسه لهذه الفلسفة فى الصحراء من عمر خمسة عشر سنة، وأنه عندما بلغ الاربعين من العمر توجه بناء لأمر إلهى للسكن فى المناطق المعمورة بالناس. وكانت له بالمثل جماعة فى طيبايس Thebaïs وكان محبوبا جدا من الله فأسبغ عليه قوة اجراء اعمال شفاء اعجازية. كان كاملا فى المحافظة على الواجب، وعلَّم الآخرين فى هذه الفلسفة بطيبة وصلاح عظيمين. وكان مقبولا فى صلاته لدرجة أنه ما من شىء طلبه من الله ولم يحصل عليه، لكنه كان حكيما حتى أنه كان يعرض على الله الطلبات الفطنة التى يكون مستعدا لإجابتها دوما.

(3/14/8) وأعتقد أن آنوف Anuph المكرَّم قد عاش فى حوالى هذه الفترة. لقد علمتُ أنه منذ وقت الاضطهاد عندما قدَّم نذره الأول للمسيحية، لم ينطق قط بالزيف ولا رغب فى شىء من الأرضيات. وكانت كل طلباته وتضرعاته إلى الله مستجابة بالكامل وقد تعلّم كل فضيلة من ملاك مقدس.

ومع ذلك فليكفى ما قد قلناه عن الرهبان المصريين.

(3/14/9) وفى حوالى نفس الفترة، غُرِست ذات الفلسفة فى فلسطين، بعدما تعلم هيلاريون([44]) المكرَّم فى مصر ونال صيتا عظيما. لقد كان مواطنا من ثاباثا([45]) Thabatha وهى قرية تقع بالقرب من مدينة غزة نحو الجنوب ويهددها سيل جارف يصب فى البحر، وقد حصلت على اسمها هذا من شعب ذلك المكان. فعندما كان يدرس النحو فى الاسكندرية، توجه إلى الصحراء لرؤية الراهب انطونيوس الكبير وتعلّم فى صحبته تبنى فلسفة مماثلة. وبعد أن قضى فترة قصيرة هناك عاد إلى بلده إذ لم يكن مسموحا له بالبقاء هناك كما رغب، بسبب الحشود الملتفة حول انطونيوس. وإذ وجد أن والداه قد تُوفيا، وزع نصيبه بين اخوته والفقراء ودون أن يُبقِى أى شىء لنفسه، وخرج إلى الصحراء الواقعة بالقرب من البحر على مسافة حوالى عشرين استاديا من قريته المحلية، وسكن هناك. وكانت قلايته دار ضيقة جدا مشيدة من الطوب والشقف، وكان طولها وعرضها وارتفاعها لا يقدر أن يقيم فيها أحد بدون احناء الرأس، والرقاد فيها بدون مد الأرجل. لقد جاهد فى كل شىء ليتعود على المشقة وقهر الترف. ولم يصِل أحدٌ ممن عرفناهم إلى مثل تلك المكانة العالية لإتضاعه وهدوءه. لقد جاهد ضد الجوع والعطش، ضد البرد والحر، والأتعاب الأخرى للجسد والنفس. كان حارا فى السلوك، شجاعا فى الحديث، متمتعا بذاكرة جيدة ودقيقة للأسفار المقدسة. لقد كان محبوبا جدا من الله حتى أن الكثيرين الآن من المتعبين والمسوسين([46]) يُشفوَن عند قبره.

(3/14/10) ومما هو جدير بالملاحظة أنه قد دفن أولا فى قبرص لكن رفاته توجد الآن فى فلسطين. فقد تصادف أنه قد توفى فى خلال إقامته فى قبرص فدفنه السكان بإحترام وتكريم عظيم. ولكن هيزيكاس  Hesychasواحد من أكثر تلاميذه شهرة سرق الجسد ونقله إلى فلسطين ودفنه فى ديره الخاص. ومنذ تلك الفترة والسكان يقيمون احتفالا سنويا عاما ومشهورا. لأن العادة فى فلسطين إقامة هذا التكريم لمن يتمتع بشهرة لطيبته مثل اوريليوس وانسيدونيوس والكسيون مواطن من بيت اجاثون، والافيون من آثاليا  Asaleaالذى عاش فى عهد قنستانتيوس بتقوى وشجاعة فى ممارسة الفلسفة. وبواسطة فضائلهم الشخصية ربحوا عددا زائدا من بين المواطنين والقرويين الذين كانوا مازالوا وثنيين إلى الايمان.

(3/14/11) وفى نحو ذات الفترة تبنى يوليانوس ذات الفلسفة بالقرب من اديسا وجرب طريقة قاسية جدا وغير بدنية للحياة لدرجة أنه بدا جلدا وعظم بلا لحم. إن سرد حياته تعود إلى تاريخ افرايم السريانى الذى كتب قصة حياة يوليانوس. إن الله نفسه أكدَّ الاكرام العظيم الذى اسبغه الناس عليه، إذ وهبه قدرة اخراج الشياطين وشفاء كل انواع الامراض بدون تناول ادوية ولكن ببساطة بالصلاة.

(3/14/12) وبالإضافة إلى هؤلاء ازدهر آخرون كثيرون من الفلاسفة الكنسيين فى مقاطعات اديسا وآميدا وحول جبل يُدعَى جوجاليوس Gaugalius. ومن بين هؤلاء دانيال وسيمون. ولكننى لن اتكلم الآن بشىء عن الرهبان السوريين إذ سأصفهم على نحو وافٍ انشاء الله فيما بعد.

(3/14/13) ولقد قيل أن يوستاثيوس الذى حَكم كنيسة سباستا  Sebaste فى ارمينيا، قد أسس جماعة من الرهبان فى ارمينيا وبافلاجونيا وبونطس، وصار مدبرا لتلمذة نشطة سواء من جهة الوجبات التى يتم تناولها أو تجنبها، والملابس التى تُرتدَى والعادات والسلوكيات التى يجب تبنيها. ويؤكد البعض أنه كان مؤلِف المقالات المنسوبة بصفة عامة إلى باسيليوس الكبادوكى. وقيل أن لحيته الطويلة أدت إلى تجاوزات تُعتبَر ضدا لقوانين الكنيسة. ومع ذلك فإن اشخاصا كثيرين يبررون له هذه العلل ويُلقون باللوم على بعض تلاميذه الذين أدانوا الزواج ورفضوا الصلاة إلى الله فى بيوت المتزوجين، واحتقروا الكهنة المتزوجين([47]) وصاموا فى أيام الرب([48]) وعقدوا اجتماعاتهم فى منازل خاصة، واعلنوا أن الأغنياء ليس لهم نصيب فى ملكوت الله، وأدانوا مَن يأكلون طعاما حيوانيا. ولم يُبقوا على الجلباب العادى والمناطق كملبسٍ لهم لكنهم اتخذوا رداءً غريبا وغير مرغوب فيه وعملوا بدعا أخرى كثيرة. وانخدعت نساء كثيرات بهم وتركن ازواجهن، ولكن إذ لم يستطعن ممارسة التقشف سقطوا فى الدعارة. وقصَّت نساء أخريات، تحت ستار التدين، شعرهن([49]) وسلكن على نحو لا يليق بالمرأة بظهورهن بملابس رجال.

(3/14/14) فإجتمع معا اساقفة جانجر Gangr واوليج oelig المجاورة ومطران بافلاجونيا Paphlagonia واعلنوا أن كل مَن يتبنى هذه التعاليم يكون غريبا عن الكنيسة الجامعة، ما لم يجحد، طبقا لتعريفات المجمع، كل هذه العادات السابق ذكرها. وقيل أنه منذ ذلك الوقت، استبدل يوستاثيوس ملابسه بالفرو، وجعل سفرياته مثل الكهنة الآخرين مُثبِتا بذلك أنه لم يدخل ولم يمارس مثل هذه الابتداعات بإرادته الخاصة ولكن من أجل النسك والتقوى. لقد أُشتُهر بنقاوة سيرته بقدر ما أُشتُهِر بأحاديثه. لم يكن بليغا ولم يدرس قط فن البلاغة ومع ذلك كان يحظى بحاسة قابلة للإعجاب وقدرة عالية على الاقناع لدرجة أنه حث رجالا ونساءً كثيرين كانوا يعيشون فى زنى أن يسلكوا حياة معتدلة ونشطة. لقد رُوِى أن رجلا وإمرأة كانا قد كرَّسا نفسيهما لحياة البتولية حسب عادة الكنيسة، قد أُتهما بزيجة غير شرعية معا. فجاهد لأن يَكُفا عن المعاشرة، وإذ وجد أن هذا الحث لم يؤثر عليهما تنهد بعمق وقال أن المرأة المتزوجة شرعا عندما سمعت حديثه ذات مرة عن مزايا ضبط النفس قد تأثرت بشدة لدرجة أنها أحجمت طواعية عن المعاشرة الشرعية مع زوجها. لكن ضعف قواه للاقناع كان مرتبط من ناحية أخرى بحقيقة أن الطرفين المذكورين عاليه كانا يُصران على المعاشرة غير الشرعية. هكذا كان الرجال الذين تأصلوا فى ممارسة التلمذة الرهبانية فى المناطق المذكورة عاليه.

(3/14/15) وعلى الرغم من أن التيراقيين والإيلليريين والأمم الأوربية الأخرى كانت مازالت غير مختبرة فى الجماعات الرهبانية إلا أنه لم يكن يعوزها مع ذلك رجالا كرسوا انفسهم [لهذه] الفلسفة. من هؤلاء مارتن سليل عائلة نبيلة  فى سابوريا Saboria  ببانونيا Pannonia والذى كان الأكثر شهرة. كان أصلا محاربا متميزا وقائد جيوش، لكنه حسب خدمة الله أكثر شرفا، فإعتنق حياة الفلسفة وعاش أولا فى ايلليريا.

(3/14/16) وهنا دافع بشدة عن العقائد الأرثوذكسية ضد هجمات الاساقفة الاريوسيين. وبعد أن تعرض لمكائد ضده وللضرب مرارا من الناس طُرِد من البلد. فذهب إلى ميلان، وسكن بمفرده. ومع ذلك سرعان ما أٌجبِر على مغادرة مكان عزلته بسبب دسائس اوكسنتيوس اسقف تلك المنطقة الذى لم يكن يؤمن ايمانا سليما بالايمان النيقاوى فتوجه إلى جزيرة تدعى جاليناريا Gallenaria حيث بقى هناك لبعض الوقت مشبعا نفسه ببعض جذور النباتات إذ كانت جاليناريا جزيرة صغيرة غير مأهولة، تقع فى بحر تيرانيا Tyrrhenia. وقد عُيّن مارتن بعد ذلك اسقفا على كنيسة تارسينية Tarracinæ([50]). وقد وُهِب بغزارة بهبات اعجازية لدرجة أنه اقام ميتا إلى الحياة وأجرى آيات أخرى كعجائب مثل تلك التى اجراها الرسل.

(3/14/17) وقد سمعنا أن هيلارى الرجل التقى فى حياته وفى حديثه، قد عاش فى حوالى نفس الفترة، وفى نفس البلد. وقد أُجبِر كمثل مارتن على الهرب من مكان مسكنه بسبب غيرته فى الدفاع عن الايمان.

(3/14/18) لقد رويتُ الآن ما أقدر على تأكيده بشأن الرجال الذين مارسوا الفلسفة([51]) بتقوى وبطقوس كنسية. وهناك كثيرون آخرون كانوا بارزين فى الكنائس فى نفس الفترة بسبب بلاغتهم. ومن بين هؤلاء الأكثر تميزا كان يوسيبيوس الذى مارس خدمة الكهنوت فى اميسا، وتيطس اسقف بوسطرا Bostra ، وسيرابيون اسقف تموى، وباسيليوس اسقف انقيرا، ويودوكسيوس اسقف جرمانيكا، وأكاكيوس اسقف قيصرية، وكيرلس الذى حكم كرسى أورشليم، ودليل تعليمهم ظاهر فى الكتب التى كتبوها وخلفوها وراءهم والأشياء الكثيرة الجديرة بالتسجيل.

الكتاب الثالث: الفصل الخامس عشر

(ديديموس الكفيف، واتيوس الهرطوقى)

(3/15/1) ديديموس، كاتب كنسى ورئيس مدرسة التعليم المقدس بالأسكندرية، اينع فى حوالى نفس الفترة. كان مُلِّما بكل فروع العلم وماهرا فى الشعر والبلاغة والفَلك وعِلم الهندسة ونظريات الفلسفة العديدة. وكان مُلِّما بكل هذه المعارف بجهوده الذهنية المدعومة بحاسة سمعه، لأنه صار كفيفا خلال فترة تعلمه الأولى.

(3/15/2) وعندما تَقدَّم فى شبابه أبدى رغبة حارة فى اقتناء الخطابة والتدريب، ولهذا الغرض تردد على اساتذة هذه الفروع مُتعلِّما بالسمع فقط، وأظهر تقدما سريعا لدرجة أنه أدرك بسرعة المسائل الصعبة فى الرياضيات. لقد قيل أنه تعلّم حروف الابجدية بواسطة ألواح منقوشة عليها، وكان يلمسها بأصابعه([52])، وبذا جعل نفسه مُلِّما بمقاطع الكلمات بقوة الانتباه والذاكرة والاصغاء بعناية للأصوات. إن حالته غير العادية جعلت الكثيرين يتقاطرون إلى الاسكندرية لسماعه أو على الاقل لرؤيته. إن ثباته فى الدفاع عن عقائد مجمع نيقية لم تكن بالطبع محل رضا الاريوسيين. لقد اقنع عقول المستمعين بيُسر أكثر من قوة المنطق، وجعل كل واحد هو الذى يَحكم على النقاط المثارة. لقد سعى إليه بشدة اعضاء الكنيسة الجامعة ومدحه رهبان مصر وانطونيوس الكبير.

(3/15/3) لقد رُوِى أنه عندما ترك انطونيوس الصحراء وتوجه إلى الأسكندرية ليشهد لصالح عقائد أثناسيوس، أن قال لديديموس ليس أمرا عسيرا ولا يستحق أن تحزن لأجله يا ديديموس أنك حُرِمت من قوة البصر التى تمتلكها الفئران والجرذان والحيوانات الدنيا، لكنها بركة عظيمة أن تمتلك عيونا مثل الملائكة بها يمكنك أن تتأمل الكائن الإلهى عن قرب وترى المعرفة الحقيقية.

(3/15/4) وكان هيلارى ويوسيبيوس اللذان ذكرتهما عاليه فى ايطاليا ومقاطعاتها، واللذان كتبا بلسان مواطنيهم([53]) مقالات بشأن الايمان ضد البدع، قد قالا أن لوسيفر، كما تقول القصة، كان مؤسس الهرطقة التى تحمل اسمه والتى ظهرت فى هذه الفترة. وبالمثل حاز اتيوس Aëtius  مكانة عالية بين المبتدعين وكان مجادلا وماهرا فى النزاع، وطالبا مٌجِّدا فى مثل هذه الاشكال ولكن بدون فن. لقد جادل بجسارة بشأن طبيعة الله حتى أن الكثيرين قد اعطوه اسم ملحد Atheist. وقد قيل أنه كان أصلا طبيبا من انطاكية بسوريا، وأنه كان يتردد كثيرا على الكنائس، ودرس الكتب المقدسة، وصار مُلِّما بجالوس  Gallusالذى كان آنذاك قيصرا، والذى كرَّم الديانة كثيرا واعتنى بأساتذتها ومن المحتمل أنه عندما نال اتيوس إعجاب قيصر بواسطة هذه المجادلات أن خصص نفسه بالأكثر لهذه المنازعات لكى ينال رضا الإمبراطور أكثر. وقيل أنه تبنى فلسفة ارسطو وتردد على مدارسها بالاسكندرية.

(3/15/5) وبالاضافة إلى الاشخاص المذكورين عاليه كان هناك كثيرون آخرون قادرين على تعليم الناس واقناعهم بشأن عقائد الكتاب المقدس. وإنها لمهمة عظيمة أن نذكر اسماءهم جميعا.

(3/15/6) ولا يبدو غريبا إن قدمتُ توصيات بشأن قادة البدع السابق ذكرهم، أو المتحمسين لها، فاننى معجب ببلاغتهم ومثابرتهم فى الخطابة. وإننى أدعْ الحُكم على عقائدهم لمَن لهم الحق. لأننى لستُ بالشخص المناسب للولوج فى مثل هذه الأمور، ولا هى ملائمة فى التاريخ، فأنا فقط أسرد الأحداث كما حدثتْ دون اضافات من عندى.

(3/15/7) لقد أحصيتُ فى الرواية عاليه الكثيرين ممن صاروا متميزين فى ذلك الوقت، فى العِلم وفى الخطابة، والذين استخدموا اللغات الرومانية واليونانية، حسبما تلقيتُ روايات عنهم.

الكتاب الثالث: الفصل السادس عشر

  (القديس افرايم)

(3/16/1) ونال افرايم السريانى اقصى تكريم، وكان أعظم حِلية فى الكنيسة الجامعة. كان مواطنا من نصيبين Nisibis، أو كانت عائلته من المناطق المجاورة. لقد كرَّس حياته للفلسفة الرهبانية وعلى الرغم من أنه لم ينل أى تعليم فقد صار على عكس التوقعات متميزا فى عِلم ولغة السريان لدرجة أنه أدرك بسهولة نظريات الفلسفة العسرة.

(3/16/2) إن نمط كتاباته كان مُفعَما بفن الخطابة الرائعة، وغِنى واعتدال الفكر لدرجة أنه فاق أكثر كُتَّاب اليونان المشهورين. فلو تُرجِمت كتابات هؤلاء الكُتّاب إلى اللغة السريانية أو أية لغة أخرى وحادت كما لو كانت عن لغة اليونان، فإنها ستُبِقى على القليل مِن قيمتها أو بلاغتها الأصلية. ولكن إنتاج افرايم ليس به هذه السيئة، فقد تُرجِم إلى اليونانية فى حياته، وما زالت الترجمات حتى الآن تتم، ومع ذلك تحتفظ بالكثير من قوتها الأصلية، لدرجة أن أعماله تحظى بإعجاب مَن يقرأها من اليونانية ليس بأقل ممن يقرأها بالسريانية.

(3/16/3) وكان باسيليوس([54]) الذى صار اسقفا على متروبولية كبادوكيا فيما بعد، مُعجبَا بشدة بافرايم، ومندهشا من سعة اطلاعه. إن وجهة نظر باسيليوس المُعترَف به على نطاق عام بأنه أكثر رجال عصره بلاغة، لهى شهادة قوية على ما أظن لاستحقاق افرايم، أكثر من أى شىء آخر لمدحه. لقد قيل أنه كَتَب ثلاثة آلاف بيت، وأنه كان له تلاميذ كثيرون يلتصقون بشدة بتعاليمه. وكان اشهرهم آباس، زينوبيوس، ابراهام، ماراس، سيمون، والذين كان السريان وأيا كان بينهم يسعى بشغف للتعلم منهم بفخر عظيم. وقد مُدِح بولانس واراناد على خطابتهما على الرغم من أنه قيل أنهما قد حادا عن العقيدة الصحيحة.

(3/16/4) ولستُ جاهلا أن هناك بعض الرجال المتعلمين قد برزوا فى أوسرينيا([55])Osroëne ، منهم على سبيل المثال بارداسانس Bardasanes الذى أوجد بدعة نُعتِت بإسمه، وهارمونيوس  Harmonius ابنه. لقد قيل أن الأخير كان شاعرا عظيما فى البلاغة اليونانية وكان أول من يُخضِع لغة أهله للقوانين الموسيقية والقياسية([56])، وقد سلَّم هذه الأبيات لخورس، وإلى الآن يغنى السريان مرارا ليس النُسخ المختصرة لهارمونيوس ولكن نفس الألحان. وإذ لم يكن هارمونيوس حرا من أخطاء أبيه، اعتنق آراء متعددة بشأن النفس وتوالد وهلاك الجسد والتناسخ الذى نادى به الفلاسفة اليونانيون. وقد أدخل بعض هذه الأفكار فى أناشيده الغنائية التى ألفها.

(3/16/5) وعندما أدرك افرايم أن السريان مفتونين ببلاغة التأليف ورِتم الألحان، خشى أن يمتصوا ذات الآراء، لذلك، وعلى الرغم من جهله بالعِلم اليونانى، كرَس نفسه لفهم قياس التناغم وألَّف قصائد طبقا لعقائد الكنيسة، ووضع تسابيح مقدَّسة فى مدح الانسان الذى بلا أهواء([57]). ومنذ ذلك الوقت والسريان ينشدون قصائد افرايم طبقا لوزن هارمونيوس.

إن انجاز هذا العمل وحده لكافٍ للبرهنة على الموهبة الطبيعية لأفرايم.

(3/16/6) إنه اُشتُهِر بأعماله الجيدة التى انجزها، كمثل التهذب الراسخ الذى اتبعه. لقد كان مُغرَما بصفة خاصة بالهدوء. وكان جادا للغاية ومهتما بعدم اعطاء أية فرصة للافتراء لدرجة أنه امتنع حتى عن رؤية النساء. لقد قيل أن إمرأة ذات حياة مستهترة وكانت إما عن رغبة فى تجربته، أو لأنها قد أُرتُشِيَت لهذا الغرض، تجاهد فى مناسبة ما لمشاهدته وجها لوجه، وتُثبِّت عينيها عن قصد عليه. فانتهرها وأمرها أن تنظر إلى الأرض. فأجابت المرأة ليس لى أن اطيع أمرك، فأنا لم أولد من الأرض ولكن أنتَ. فمن العدل أن تنظر أنتَ إلى الأرض التى نبعت منها، بينما أنظر أنا إليك إذ قد وُلِدتُ منك. فإندهش افرايم من المرأة الصغيرة وسجل الموقف كله فى كتاب اعتبره معظم السريان واحدا من أعظم منتجاته.

(3/16/7) وقد قيل أيضا عنه أنه على الرغم من أنه كان عُرضة للوجع([58]) طبيعيا، لكنه لم يتعرض قط لمشاعر الغضب نحو أىَّ أحدٍ منذ فترة اعتناقه للحياة الرهبانية. فقد حدث أنه بعد صومه لأيام عديدة حسب العادة أن سقط من خادمه، اثناء تقديم بعض الطعام له، الطبق الذى كان يضعه فيه. وإذ أدرك افرايم أنه غُلِب بالخجل والرعب قال له: تشجع فإننا سنذهب نحن إلى الطعام بما أن الطعام لم يأتِ لنا، وفى الحال جلس بجوار قطع الطبق وتناول عشاءه.

(3/16/8) وماذا يمكننى أن اروي ما يُظهِر عصمته بالكامل من المجد الباطل. لقد عُيِّن اسقفا على مدينة ما، وجرت محاولات لإبعاده عن الغرض الذى سيم من أجله. وبمجرد أن وعى بالمقصود، ركض إلى السوق وأظهر نفسه كمجنون بالسير على نحو غير سليم، وهو يجر ملابسه ويأكل جهارا. أما أولئك الذين أتوا ليجعلوه اسقفا لهم فعندما رأوه فى هذه الحالة اعتقدوا أنه فقد عقله ورحلوا، فإنتهز هو هذه الفرصة وهرب، وظل مختبئا حتى تم سيامة آخر فى مكانه.

(3/16/9) إن ما قلتُ الآن بشأن افرايم، لا بد وأنه كافٍ، على الرغم من أن رفقاء وطنه يروون الروايات الأخرى الكثيرة عنه. غير أن سلوكه فى مناسبة ما قبل نياحته بوقت قصير تَظهَر لى أنها جديرة بالتذكر حتى أننى سأسجلها هنا.

(3/16/10) إذ تعرضت مدينة اديسا لمجاعة شديدة، ترك موضع اعتزاله الذى يمارس فيه الفلسفة، ووبخ الأغنياء لسماحهم بموت الفقراء حولهم، بدلا من تزويدهم من فوائضهم. وعرَض عليهم فلسفته وهى أن الثروة التى كدسوها بعناية سوف تؤول إلى دينونتهم وهلاك نفوسهم والتى هى أكثر قيمة من كل غِنى، وإلى هلاك الجسد نفسه، وكل القيم الأخرى، وأثبت لهم أنهم لا يُقدِّرون بتاتا نفوسهم بسبب اعمالهم. فأجاب الأثرياء، من توقيرهم للرجل ولكلامه، نحن لا نعتزم اكتناز ثرواتنا ولكننا لا نعرف أحدا يمكننا أن نثق فيه ليوزع منقولاتنا لأن الجميع معرضون للسعى وراء الكسب ولخيانة الثقة الموضوعة فيهم. فسألهم افرايم، ماذ تظنون فىَّ؟. فسلّموا أنه كفؤ وممتاز ورجل صالح، ومحل تقدير وهذا ما تؤكده بالضبط شهرته. فعرَض عليهم القيام بتوزيع صدقاتهم. وبمجرد أن تلقَّى نقودهم، أوجد نحو ثلاثمائة مرقدا فى رواقات عامة، وقام بنفسه بتمريض المرضى ومَن يُعانون من ألم المجاعة سواء أكانوا من أهالى المناطق المجاورة أم أجانب. وعندما انقضت المجاعة عاد إلى قلايته التى كان يقطنها سابقا. وبعد مرور بضعة أيام توفى.

(3/16/11) إنه لم ينل درجة اكليريكية سوى شماس، على الرغم من أنه لم يكن أقل شهرة ممن سيموا لدرجات كهنوتية، وكان محل اعجاب بحياته الصالحة وعِلمه.

(3/16/12) والآن، لقد قدمتُ وصفا ضافيا لشخصيته وللرجال المنيرين الآخرين الذين ازدهروا فى حوالى نفس الفترة وكرسوا انفسهم لحياة ومهنة الفلسفة. وبالنسبة لبعض الأمور سيتطلب الأمر كاتبا ما مثلما كان هو. وهى محاولة تفوق قدرتى بسبب ضعف اللغة وجهل الناس انفسهم واستغلالهم.

لقد أخفى البعض انفسهم فى الصحارى، وجاهد البعض الذى عاش بالقرب من المدن، للحفاظ على مظهر الدعة، ولكى ما يظهروا على نحو ما غير مختلفين عن الجمهور، كانوا يمارسون فضائلهم وهم يُخفون حقيقة انفسهم لكى ما يتجنبوا مديح الناس. لأنهم إذ كانوا عازمين على ربح المنافع الآتية، فإنهم جعلوا الله وحده شاهدا على افكارهم غير مكترثين بالمجد الخارجى.

الكتاب الثالث: الفصل السابع عشر

 (انتشار المسيحية فى هذه الفترة)

(3/17/1) وأولئك الذين ترأسوا الكنائس فى هذه الفترة، قد تميزوا بسلوكهم الشخصى. وكما هو متوقع، كان الشعب الذين ترأسوا عليهم متمسكين بعبادة المسيح. وتقدمت الديانة يوميا بالغيرة والفضيلة والاعمال العجيبة من الكهنة، ومن الفلاسفة الكنسيين الذين لفتوا أنظار الوثنيين، وقادوهم إلى جحد خرافاتهم.

(3/17/2) وكان الأباطرة الذين اعتلوا العرش آنذاك غيورين مثل آبائهم على حماية الكنائس، فأسبغوا على الكهنة الإكرام والإعفاء من الضرائب هم وأولادهم([59]) وعبيدهم. وعززوا القوانين التى سنها آباهم. وأصدروا قوانين جديدة. تحظر تقديم ضحايا، أو عبادة الصُوَر([60]) أو أية فروض وثنية أخرى فأمروا بغلق المعابد[الوثنية] فى المدن أو الريف. وسُلِّمت بعض هذه المعابد للكنائس، حيثما كانت الأرض أو المواد اللازمة للبناء مطلوبة. وأُسبِغت اقصى عناية على بيوت الصلاة، ورُمّمت تلك التى تداعت بفعل الزمن، وشُيِّدت أخرى من قواعدها بنمط غير عادى للفخامة. إن كنيسة اميسا هى احدى الكنائس الشهيرة بجمالها والجديرة بالمشاهدة. ومُنِع اليهود من شراء أي عبيد ينتمون إلى أى هرطقة أخرى خلاف هرطقتهم([61]) وإذا خالفوا ذلك يصادر عبيدهم للعامة، وإذا طبقوا عليهم طقس الختان اليهودى فإن الموت ومصادرة ممتلكاتهم تكون العقوبة.

(3/17/3) إذ لما كان الأباطرة تواقين لنشر المسيحية بكافة السبل فقد حسبوه ضروريا منع اليهود من تهويد أولئك الذين كان اسلافهم من ديانة أخرى، وحافظوا على اٍولئك الذين كان يُرجَى ايمانهم بالمسيحية بعناية للكنائس، لأن المسيحية ازدادت من الجمهرة الوثنية.

الكتاب الثالث: الفصل الثامن عشر

(بشأن عقيدة كل من إبنىّ قنسطنطين. الفرق بين هومووسيوس وهوموأوسيوس. متى هجر قنستانتيوس الإيمان القويم)

(3/18/1) وحافظ الإمبرطوران منذ البداية على وجهة نظر أبيهما بشأن العقيدة، فقد شايع كل منهما شكل الايمان النيقاوى. فقنسطانس حافظ على هذا الرأى إلى وفاته. أما قنستانتيوس فقد تمسك بوجهة نظر مماثلة لبعض الوقت، ثم هجر مع ذلك مفاهيمه السابقة عندما ثار النزاع حول مصطلح مساوى فى الجوهر([62]).

(3/18/2) ومع ذلك لم يحِد بالكلية عن الاعتراف بأن الابن هو مثل الآب فى الجوهر. إن اتباع يوسيبيوس واساقفة الشرق الآخرون الذين كانوا محل اعجاب لخطابتهم وسيرتهم، قد ميزوا كما نعرف بين مصطلح “مساوى” فى الجوهر (هومووسيوس homoousios) وبين تعبير “مثل جوهر”([63]) الذى نعتوه فيما بعد بمصطلح homoiousios([64]). إنهم يقولون أن مصطلح “هومووسيوس” مساو فى الجوهر يخص الكائنات الفانية مثل البشر والحيوانات والاشجار والنباتات التى يشترك أصلها فى اشياء متماثلة. ولكن المصطلح homoiousios يخص حصريا الكائنات غير الجسدانية مثل الله والملائكة، والذين كل منهما يتشكل المفهوم طبقا لجوهره الخاص المميز.([65])

(3/18/3) وقد انخدع الامبراطور قنستانتيوس بهذا التمييز([66])، وعلى الرغم من اننى لستُ متأكدا من أنه تمسك بذات عقائد أبيه وأخيه، إلا أنه تبنى التغيُر فى التعبير واستخدم مصطلح “هوموأوسيوس”  homoiousiosبدلا من هوموسيوس homoousios.

إن المعلِّمين الذين أشرنا اليهم قد ألمحوا إلى ضرورة هذا الاستخدام الموجز فى المصطلحات وإلاَّ سنكون بدلا من ذلك فى خطر ادراك أن الجسد غير فانى. غير أن الكثيرين مع ذلك اعتبروا هذه التفرقة سخفا لأن الأمور المُدرَكة بالعقل، كما يقولون، يمكن فقط أن تُنعَت بأسماء مشتقة من أمور تُرَى. ومن ثمة ليس هناك خطر ما على الاطلاق فى استخدتم الكلمات شريطة ألاَّ يكون هناك خطأ فى الفكر.

الكتاب الثالث: الفصل التاسع عشر

(منازعات أكثر بشأن المصطلح. مجمع ارمينيم)

(3/19/1) وليس مستغربا أن يُغوَى قنستانتيوس بتبنى مصطلح “هومو أوسيوس” إذ كان يُسلِّم به كثيرون من الكهنة المعارضين لعقائد مجمع نيقية. وقد استخدم كثيرون المصطلحين على السواء لينقلوا نفس المعنى.

(3/19/2) ومن ثمة يبدو لى أن الاريوسيين قد حادوا بشدة عن الحق عندما أكدوا أن كثيرين من الكهنة من بينهم يوسيبيوس وثيوجينيس قد رفضوا، بعد مجمع نيقية، التسليم بأن الابن مساوِ للآب فى الجوهر وأن قنسطنطين لم يكن عادلا بالتالى فى معاقبتهم. ويقولون أنه قد أُعلِن لأخته فيما بعد فى حُلم أو رؤيا من الله أن هذيَن الاسقفيَن كانا يتمسكان بعقائد ارثوذكسية وأنهما قاسا ظلما، وأن الإمبراطور قد دعاهما لذلك وأمرهما بالتسليم بعقائد نيقية، ولا سيما أنهما كانا مشاركين فى الوثيقة الخاصة بالايمان التى سُنَّت هناك، ومن ثمة أسرعا فى الرد بأنهما لا يوافقان على هذه العقائد، ولكنهما خشيا، إذا ما طال النزاع أن يرجع الإمبراطور الذى كان على وشك اعتناق المسيحية، ولم يكن قد نال المعمودية بعد، إلى الوثنية كما يبدو محتملا ويضطهد الكنيسة([67]).

(3/19/3) ويؤكدون أن قنسطنطين كان مسرورا بهذا الدفاع وعزم على عقد مجمع آخر غير أن الموت حال بينه وبين تنفيذ عزمه، ومن ثمة آلت المهمة إلى ابنه الأكبر قنستانتيوس الذى حدد([68]) له أنه لن يملك القوة الإمبراطورية ما لم يرسخ بثبات العبادة فى سائر ارجاء امبراطوريته. ويقولون أن قنستانتيوس بناء على وصية ابيه عقد مجمعا فى ارمينيم Ariminum.

(3/19/4) ومن السهل أن نرى أن هذه القصة هى فبركة كبيرة، لأن المجمع عُقِد خلال قنصلية هيباتيوس ويوسيبيوس، وبعد أن اعتلى قنستانتيوس عرش الإمبراطورية بعد وفاة والده باثنتين وعشرين سنة. وخلال مدة الاثنين والعشرين سنة هذه عُقِدت مجامع كثيرة نوقش فيها إستخدام المصطلحين، هوموسيوس وهوموأوسيوس. ولم يجرؤ أحدٌ على إنكار أن الإبن مثل الآب فى الجوهر، إلى أن بدأ اتيوس Aëtius الرأى المضاد، وصُدِم الإمبراطور لدرجة أنه لكى يوقف مجرى الهرطقة أمر الكهنة بالاجتماع معا فى ارمينيم وسيلوقية.

(3/19/5) وهكذا كان السبب الحقيقى لعقد هذا المجمع ليس أمر قنسطنطين، ولكن المسألة التى أثارها اتيوس. وهذه ستظهر بأكثر وضوح فيما سنرويه بعد ذلك.

الكتاب الثالث: الفصل العشرون

(إعادة تثبيت أثناسيوس ثانية على كرسيه بخطاب من قنستانتيوس)

(3/20/1) وعندما أُبلِغ قنسطانس بما تم سنّه فى مجمع سارديكا، كَتب إلى أخيه يطلب منه إرجاع اتباع أثناسيوس وبولس إلى كنائسهما الخاصة بهما. وإذ بدا قنستانتيوس مترددا، كَتب إليه ثانية مُهددا بالحرب ما لم يوافق على استقبال الاساقفة.

(3/20/2) فوجد قنستانتيوس بعد التفكير فى الأمر مع اساقفة الشرق، أنه من الحماقة التعرض لرعب حرب أهلية فى هذا الصدد. لذلك استدعى أثناسيوس من ايطاليا وأرسل مركبات عامة لنقله عند عودته إلى الوطن، وكَتب رسائل عديدة يطلب عودته السريعة.

(3/20/3) وعندما استلم أثناسيوس الذى كان يقيم عندئذ فى اكويليا([69]) Aquilea رسائل قنستانتيوس، توجه إلى روما يستأذن يوليوس واصدقائه. فشيعه بحفاوة عظيمة واعطاه رسالة موجهة إلى اكليروس وشعب الاسكندرية، تحدث فيها عنه كرجل عجيب يستحق الشهرة للمعاناة العديدة التى تحملها، وهنأ كنيسة الاسكندرية بعودة هذا الكاهن الصالح جدا، وحثهم على اتباع عقائده.

(3/20/4) ثم توجه عندئذ إلى أنطاكية بسوريا حيث كان الإمبراطور يقيم عندئذ. وكان ليونتيوس يرأس كنائس ذلك الاقليم، لأنه بعد هروب يوستاثيوس استولى اولئك الذين يتمسكون بالمفاهيم الهرطوقية على كنيسة انطاكية. وكان أول اسقف يعينوه هو يوفرونيوس، وقد خلفه بلاستيوس وفيما بعد استيفان. وقد خُلِع هذا الأخير كغير مستحق للرتبة، وحصل ليونتيوس على الايبارشية. وقد تجنبه أثناسيوس كهرطوقى، واشترك مع أولئك المدعوين يوستاثيين([70]) والذين كانوا يجتمعون فى بيت خاص.

(3/20/5) ووجد أن قنستانتيوس كان ميالا إلى الموافقة، وبدا أنه يرغب فى رد الكنائس الخاصة به إليه. [وعندما] قال قنستانتيوس بتحريض من قادة الهرطقة المضادة ما يلى: إننى مستعد لانجاز كل ما وعدتك به عند استدعائى لك، ولكن من العدل أن أطلب منك معروفا فى المقابل، وهو أن تُسلِّم إحدى الكنائس العديدة التى تحت تدبيرك لأولئك الذين يُحجِمون عن التناول معك. أجاب أثناسيوس: أيها الإمبراطور إنه من العدل جدا وأمرٌ لازم أن تُطاع أوامرك، ولن انقضها. ولكن بما أنه فى مدينة انطاكية هناك كثيرون يرفضون التناول مع غير الارثوذكس، فإننى ألتمس منك بالمثل معروفا وهو أن تُوهَب لنا إحدى الكنائس لنجتمع فيها بآمان.

(3/20/6) وإذ بدا للامبراطور أن طلب أثناسيوس معقول، وجد المبتدعون أنه من الكياسة بالأكثر الصمت، لأنهم فكروا أن آرائهم الخاصة لن تجد اطلاقا أرضا لها فى الأسكندرية بسبب أثناسيوس الذى كان قادرا على الحفاظ على مَن يتمسك بالتعاليم التى يتمسك هو بها، وأيضا على جذب أصحاب التعاليم المضادة. وأكثر من ذلك أنهم إن سلَّموا إحدى كنائس انطاكية فإن اليوستاثيين الذين كانوا عديدين جدا سيجتمعون معا، ومن المحتمل إذن أن يُثيروا المتاعب إذ أنهم سيكونون قادرين على المحافظة على مَن يتمسك بتعاليمهم بدون مخاطر. وبالاضافة إلى ذلك ادرك المبتدعون أنه على الرغم من أن ادارة الكنائس كانت فى يدهم، فإن كل الشعب والاكليروس لم يتبنوا تعاليمهم. فعندما رنموا تسبيحا للرب، انقسموا كالعادة إلى خورسين، وفى نهاية المدائح اعلن كل منهما مفاهيمه الخاصة به. فالبعض رفع التسابيح للآب والابن معتبرين أنهما متساويان فى المجد. وآخرون مجدوا الآب بالابن ليشيروا بواسطة إدراج حرف الجر إلى اعتبار الابن أدنى من الاب.

(3/20/7) وبينما كانت هذه الاحداث تجرى لم يجرؤ لينوتيوس اسقف الفريق المعارض الذى كان يرأس عندئذ كرسى انطاكية أن يمنع انشاد التسابيح لله، التى كانت تتفق مع تقليد مجمع نيقية لأنه خاف من ثورة الشعب.

(3/20/8) ويُروَى أنه قد رفع يده مع ذلك إلى رأسه التى كان شعرها ابيضا تماما وقال عندما يذوب هذا الثلج سيكون هناك وفرة من الطين. وقد قصد من هذه الاشارة إلى أنه عقب وفاته ستؤدِى أنماط مختلفة من انشاد التسابيح إلى شقاق عظيم، وأن خلفائِه سوف لا يُظهرون نفس الاعتبار للشعب مثل الذى أظهره هو.

الكتاب الثالث: الفصل الواحد والعشرون

(خطاب قنستانتيوس إلى شعب الأسكندرية. مجمع أورشليم)

(2/21/1) وعندما اعاد الإمبراطور أثناسيوس إلى مصر، كتب لصالحه إلى الاساقفة وكهنة القطر، وإلى شعب كنيسة الأسكندرية وشهد بكرامة مسلكه وتقوى سلوكه وحثهم على أن يكونوا بفكر واحد، وأن يتحدوا فى الصلاة وخدمة الله تحت ارشاده. وأضاف أنه إذا حاول أى اناس اشرار اثارة القلاقل فإنهم سيلقون العقاب القانونى المناسب لمثل هذه الجرائم. وقد أمر أيضا بمحو كافة المراسيم التى اصدرها سابقا ضد أثناسيوس والذين يشتركون معه من السجلات العامة، وأن يُسمَح للاكليروس الخاص به بنفس الاعفاءات التى كانوا يتمتعون بها سابقا، وأن تُبعَث المراسيم الخاصة بتنفيذ ذلك إلى حكام مصر وليبيا.

(3/21/2) وعند وصوله إلى مصر عزل أثناسيوس فى الحال كل مَن عَرِف أنه مشايعٌ للأريوسية، وأسند إدارة الكنيسة والاعتراف بمجمع نيقية ليد مَن وثق فيهم، وحثهم على التمسك به بشدة. وقيل أنه كان يباشر فى ذلك الوقت ذات التغيير فى كل البلاد التى كان يسافر إليها، إذا تصادف أن زار كنائس تحت يد اريوسيين.

(3/21/3) وبكل تأكيد، أُتُهِم أنه مارس طقوس السيامة فى مدن ليس له الحق فى عمل ذلك فيها. ولكن لأنه قد عاد رغما عن عدم رضاء أعدائه، وبدا أنه ليس من السهل أن يكون محلا لأى شك إذ قد كُرِّم بصداقة الإمبراطور قنسطانس، فإنه قد نُظِر إليه بتقدير أعظم مما كان سابقا. وقد قبله فى شركة التناول اساقفة كثيرون ممن كانوا فى عداوة معه سابقا، وخاصة أولئك الذين كانوا فى فلسطين. فعندما زارها فى ذلك الوقت، استقبلوه بترحاب، وعقدوا مجمعا فى اورشليم، وكَتَب مكسيموس وآخرون الرسالة التالية لصالحه.

الكتاب الثالث: الفصل الثانى والعشرون

(رسالة مجمع اورشليم لصالح أثناسيوس)

“من المجمع المقدس الملتئم فى اورشليم إلى الكهنة والشمامسة وكل شعب مصر وليبيا والاسكندرية، اخوتنا الاحباء والمكرمين جدا تحية من الرب. إننا لا نستطيع أبدا يا احبائنا أن نَفِى الله الشكر، خالق كل الأشياء على اعماله العجيبة التى انجزها الآن وخاصة البركات التى اسبغها على كنائسكم بعودة أثناسيوس راعيكم وسيدكم، وشريكنا فى الخدمة. مَن كان يقدر أن يأمل قط فى أن يرى ذلك بعينيه، الأمر الذى صار الآن فعلا. ولكن بالتأكيد قد سُمِعت صلواتكم من الله إله الجميع المعتنى بكنيسته، والذى اهتم بدموعكم وشكواكم واصغى فى هذا الصدد لمطالبكم لأنكم كنتم مشتتين ومُبعثَرين كقطيع بلا راعٍ. لذلك، قد أُعِيد لكم الراعى الحقيقى الذى عُيِّن من السماء، والمعتنى بقطيعه([71]) ليرعاكم كما ترغبون. هوذا نحن نعمل كل شىء من أجل سلام الكنيسة ومملوئين بالمحبة مثلكم. لذلك استقبلنا وعانقنا راعيكم وتناولنا معكم بواسطته، ونحن نبعث بخطابنا هذا وصلواتنا الافخارستية إليكم لكى ما تعرفوا كم نحن مُوثَقين برباط الحب له ولكم. إنه من الصواب أن تُصَلّوا من أجل تقوى الاباطرة المحبين لله الذين اعترفوا برغبتكم نحوه، وبطهارته، وعزموا على إعادته لكم بكل اكرام. اقبلوه اذن بأيادى مرفوعة، وكونوا غيورين على رفع صلوات افخارستية نيابة عنه إلى الله الذى اسبغ عليكم بهذه المنافع وأن تبتهجوا دوما بالله، وتمجدوا الرب بالمسيح يسوع ربنا الذى به المجد للآب إلى سائر الدهور آمين.

الكتاب الثالث: الفصل الثالث والعشرون

(إعتراف فالنس واورساكيوس بالإفتراء على أثناسيوس)

(3/23/1) هكذا كانت الرسالة التى كتبها المجمع المنعقد فى فلسطين. وفى وقت ما بعد ما نال أثناسيوس ترضية عن الظلم الذى شاهده من الحُكم الذى صدر ضده من مجمع صُور المُعترَف به من العامة، كتب فالنس واورساكيوس اللذان قد ارسلهما ثيوجينس واتباعه للحصول على معلومات فى ماريوتيس كما ذكرنا من قبل بشأن الكأس المقدس الذى اتهم اسخاريون أثناسيوس بكسرها، الاستدراك التالى إلى يوليوس اسقف روما:

“اورساكيوس وفالنس. إلى السيد يوليوس بابا روما المطوب. لمَّا كنا قد إتهمنا سابقا، كما هو معلوم جيدا، أثناسيوس الاسقف بتُهم كثيرة متعددة، بواسطة رسائلنا، وعلى الرغم من أن سعادتك قد حثثتنا برسائلك بشدة بالنسبة لهذا الموضوع الذى زعمناه جهرا، إلا أننا لم نكن قادرين على تقدير اسباب اتهامنا، ولذلك فإننا نعترف لسعادتكم فى حضور سائر الكهنة اخوتنا أن كل ما قد سمعته بشأن أثناسيوس السابق الذكر هو باطل تماما ومختلق، وهو غريب من سائر النواحى عن طبيعته، ولذلك فنحن نشترك فى التناول معه بكل ابتهاج مثل تقواكم بصفة خاصة طبقا لحب الصلاح الذى غفرت لنا به خطأنا. وأكثر من ذلك نعلن لك أنه إذا أراد اساقفة الشرق أو حتى أثناسيوس نفسه استدعاءنا للمحاكمة، فلن نتمتنع عن المحاكمة أو الخلع حسبما تقتضيه الحالة كما ترون. اننا الآن ودائما نحرم كما فعلنا سابقا فى المذكرة التى قدمناها فى ميلان، اريوس الهرطوقى واتباعه، الذى يقول أنه كان هناك وقت لم يكن فيه الإبن، وأن المسيح وُجِد من العدم. وكل مَن ينكر أن المسيح هو الله وابن الله قبل كل الدهور. ونحن نحتج ثانية بخط يدنا أننا ندين دوما وابدا هرطقة اريوس السابق الذكر ومبتدعوها. انا اورساكيوس اوقع على هذا الاعتراف بتوقيعى الخاص، وبالمثل فالنس.

(3/23/2) هذا هو الاعتراف الذى ارسلاه إلى يوليوس. ومن الضرورى أيضا أن يُلحَق به رسالتهما إلى أثناسيوس وهى كما يلى:

“الاسقفان اورساكيوس وفالنس إلى أثناسيوس اخينا فى الرب. اننا ننتهز فرصة رحيل أخينا موسيوس والكاهن الشريك إلى سعادتكم ايها الأخ الحبيب ونرسل لكم معه تحياتنا من اكويليا ونرجو ان تصلك رسالتنا وانت فى صحة جيدة. اننا سنكون ممتنين للغاية إن كتبت لنا ردا على هذه الرسالة، عالما أننا فى سلام وشركة كنسية معك.

الكتاب الثالث: الفصل الرابع وعشرون

(عودة الاساقفة الشرقيين لكراسيهم)

(3/24/1) وهكذا عاد أثناسيوس فى ظل هذه الظروف من الغرب إلى مصر وعاد معه بولس ومارسيللوس واسكيليباس ولوكيوس الذين شملهم مرسوم الإمبراطور بإعادة المنفيين واستلموا كراسيهم.

(3/24/2) وعند عودة بولس إلى القنسطنطينية اعتزل فى الحال مقدونيوس فى كنيسة خاصة. وفى انقيرا كانت هناك جلبة كبيرة عند خلع باسيليوس([72]) من الكنيسة هناك، واعادة تنصيب مارسيللوس. أما الاساقفة الاخرون فقد أعيد تنصيبهم فى كنائسهم بدون صعوبة.

[1] – يُكتَب بأشكال عدة: قنسطاطنتيوس، كونسطانطيوس، كونستانتيوس.

[2] – الكبير.

[3] – نلاحظ هنا الأصل التاريخى للقب “سيدنا” للأساقفة. حيث انتقل هذا اللقب من الوسط الرئاسى المدنى إلى الوسط الرئاسى الدينى، مثل غيره من الأمور التى سنشير إليها فى حينه.

[4] – أى يوسيبيوس القيصرى.

[5] – قنسطنطين هذا هو قنسطنطين الصغير أو الثانى، الإبن الأكبر لقنسطنطين  الكبير.

[6] – أو تيراس كما قلنا سابقا.

[7] – قونسطانتيوس.

[8] – الكبير.

[9] – هذا المجمع المنعقد فى انطاكية فى حوالى سنة 340 / 341م لتدشين الكنيسة المذكورة عاليه، ويُعرف فى التاريخ بإسم “مجمع التدشين” أى مجمع تكريس الكنيسة الجديدة.

[10] – أريوسى. ويكتبه البعض أيضا جريجورى، وغريغوريوس.

[11] – هذه عبارة مطاطة لأن الجميع يمكن أن يرددها حتى الشيطان!! فإذا ما سألته وما هو الايمان الذى استلمته بالتقليد؟، فلسوف تجد عبارات ظاهرها كتابى وباطنها “هل حقا قال لكما الله..؟. ومِن هنا كان الإلهام الإلهى لأثناسيوس فى أن يربط هؤلاء الخبثاء بإصطلاح “هومووسيوس” ـ صحيح أنه لم يرد لفظا فى الأسفار المقدسة، لكنه ورد بالمضمون، ولا يستطيعون الانفلات منه. ومن هنا أيضا كانت الحرب الشعواء بلا هوادة ضد هذا المصطلح، وبشتى الطرق المباشرة وغير المباشرة، وهذا ما أشار إليه سوزمينوس بالفعل توا بعده.

[12] – وهذا الفرض هو الأكثر صوابا، حيث كان يلجأ إليه دائما المبتدعون فى كل زمان وحتى الآن، من نسبة هرطقاتهم إلى شخصية مشهورة لدعم ابتداعهم فى عيون البسطاء. ويحضُرنى هنا مثلُ معاصر رواه لى أحد المرشدين السياحيين بقسم الآثار الفرعونية وكان بالطبع ملِّما جيدا باللغة المصرية القديمة فى خطها الهيروغليفى. هذا الشخص هاجر إلى الولايات المتحدة الأمريكية، وهناك وجد ذات يوم شخصا ما يطرق بابه ليدعوه إلى الإنضمام لشيعة معينة سبق أن تنبأ بها موسى النبى!!، وأن زعيمهم قد اكتشف وثيقة هذه النبوة وفسرها!!. فطلب منه هذا المرشد الاطلاع على صورة هذه الوثيقة، فأراه هذا “المبشر” بالجنة المفقودة، إياها بكل زهو وافتخار بالكشف النبوى المذهِل. وما أن رآها المرشد حتى انفجر ضاحكا، وقبل أن يخبره عن السبب شيَّعه إلى الباب قائلا: لا عليك يا رجل، فقد أوقعك حظك السىء أمام شخص قبطى. فالورقة هذه التى فى يدك هى زخرفة فرعونية بإسم أحد الملوك الفراعنة!!! الذين قبل عهد موسى النبى بقرون، وبالطبع قبل زعيمكم. وهذا فى الحقيقة ينطبق على سائر المبتدعين.

[13] – تعريب هذا الاسم بلقبه هذا هو(يوسيبيوس الحُمصانى) فمدينة “إمسينوس” هى مدينة حمص الحالية بسوريا.

[14] – إديسا هو الإسم الإغريقي لمدينة الرها باللفظ السريانى، وهى مدينة سريانية تاريخية في شبه الجزيرة الفراتية، وكانت عاصمة مملكة الرها. وتعرف حالياً باسم أورفة وهى عاصمة محافظة سارلى اورفا بجنوب شرق تركيا.

[15] – “اسكيثوبوليس” هى مدينة بيسان اليوم. وهي مِن أقدم مدن فلسطين التاريخية، وتقع حاليا على بعد 83 كم شمال شرق القدس، في شمال دولة إسرائيل السياسية.

[16] – هى مدينة حمص السورية اليوم.

[17] – هو مجمع أريوسى انعقد بمدينة صور فى حوالى سنة 335م وأُجبِر اثناسيوس على حضوره، ثم هرب منه، وقابل قنسطنطين الكبير، كما رأينا فى الكتاب الثانى.

[18] – ادريانوبل هى حاليا مدينة أدرنة بإقليم تراقيا بتركيا.

[19] –  بابا روما.

[20] – هكذا وردت فى نص الترجمة الانجليزية(school of the apostles) . وعلى فرض أمانة المترجم من ناحية، وأن سوزمينوس قد عرض فقط الفاظهم، فإننى كنتُ أنتظر منه تعليقا مفسرا وشارحا لما يقصدوه بهذه العبارة. فمن جانبى، لا أفهم كيف كانت “روما” سواء القديمة أم الجديدة “مدرسة للرسل” !!. هل علَّم أهلها الوثنيون الرسلَ العبرانيين الايمان المسيحى؟!. أم علَّم اساقفة روما عندما آمنوا بالمسيحية الرسلَ؟!!. واضح إذن من هذه العبارة وأمثالها أن رسالة اولئك الهراطقة كانت، كما قال سوزمينوس، مليئة بالتهكم.

[21] – هنا أيضا مغازلة سياسية نفاقية فجة. فمن الممكن قبول مثل هذا الوصف على كرسى اورشليم أو انطاكية بغض النظر عن الأسكندرية. ولكن بالطبع هذه الكراسى كانت كراسى “مقاطعات” أى مجرد “ولايات” تابعة للتاج الرومانى، أما “روما” فهى عاصمة هذا الحُكم. وبديهى أن يؤثر الوضع السياسى العام، على الوضع الكنسى.

[22] – أى منذ مطلع الديانة المسيحية.

[23] – أى أبطل.

[24] – لاحظ المغالطة فى هذا الاستشهاد، وكيف أن الشيطان يستطيع أن يستغل كل الأحداث لدعم وجهة النظر الخاصة به فقط.

[25] – وتُكتَب أيضا ايلليريكوم. هى منطقة تمتد الآن من نهر درين(في شمال ألبانيا الحديثة) ولاستريا(كرواتيا) في الغرب ونهر سافا (البوسنة والهرسك) في الشمال. وسالونا(قرب سبليت في كرواتيا الحديثة). وقد تم تقسيمها إلى بانونيا في الشمال ودالماتيا في الجنوب.

[26] – حقا كما قال أحد آباء البرية لآبا كاسيان، ما معناه أن اعمال المتكلم وحياته الشخصية مرآة لصحة تعاليمه. فأين سلوك “هذا الأسقف” الدموى!! من موقف القديس غريغوريوس النزينزى الذى رفض أن يشغل الكرسى بالنزاع. انظر عن ذلك، سيرته للمعرب.

[27] – لم يعلق سوزمينوس هنا على هذه العبارة، ولكنه كمحامى يعكس عدم تأكده من هذه العبارة بكلمة “زعم”(he alleged) أى إدعى بلغة القانون.

[28] – هى مريوط الحالية فى غرب شمال مصر.

[29] – يكتبها البعض أيضا سيليسيا، وقليقية تبعا لأسلوب لفظ كل منهم.

[30] – أو تيراس، او تيراقيا أو تيراقية.

[31] – عرَّب الأب متى المسكين هذه الكلمة (بالقرار المُطوَّل) ولفَظَها “ماكروستخ”.

[32] – سارديكا أو سرديكا هى اليوم مدينة “صوفيا” عاصمة جمهورية بلغاريا.

[33] –  بانونيا هي مقاطعة رومانية قديمة يحدها من الشمال والشرق نهر الدانوب ومن الغرب نوريكوم وشمال ايطاليا وجنوبًا دالماسيا أو دالماتيا ومويزيا العليا. وهى تشمل حاليا أراضي غرب المجر وشمال كرواتيا وشمال غربي صربيا وسلوفينيا وسلوفاكيا الغربية وشمال البوسنة والهرسك.

[34]–  “بوليتيكوس” نسبة الى المدينة، أى “المدنى” وهى مرادفة للقب الاسكندرى.

[35] – كما نلاحظ هنا وطوال عمله هذا، يعتبر سوزمينوس أن الرهبنة هى الاهتمام بالمعرفة الإلهية والبحث عنها والحياة بها ومن ثم يحلو له أن يدعوها “بالفلسفة” على اساس أن هذا اللفظ يعنى لغويا “حب الحكمة”.

[36] – أى تبنى الحياة الرهبانية.

[37] – أى رهبنة باخوميوس.

[38] – رغم أن سوزمينوس يستخدم هنا كلمة “قيل” إلاَّ أنه من الواضح أنه يعتمد على “الانظمة” لكاسيان كما سيتضح بعده توا. مما يكشف لنا من ناحية أخرى سرعة انتشار عمل كاسيان وترجمته إلى اليونانية. أنظر، ترجمة المعرب لأعمال كاسيان، تحت الطبع.

[39] – استخدم سوزمينوس هنا كلمة يونانية أُستخدمت لفظا فى اللاتينية ودخلت بشكلها اللاتينى إلى الانجليزية كما هى، وهى كلمة tiara. وهذه فى شرح المصادر لها تعنى غطاء الرأس الذى كان يرتديه باباوات روما قديما، وهو طويل ومخروطي الشكل، مصنوع من القماش أو الجلد وغنى بالزخرفة. وهو يُشبه تاج الفراعنة الذى نشاهده فى الآثار. وبالطبع هذا الشكل لم يكن هو غطاء الرهبان الطبانسيين على ما أعتقد حاليا. ومن شرح المصادر الاجنبية لغويا لهذه الكلمة يظهر لى أنها تماثل ما يُعرَف بالعامية المصرية “بالطرطور” والذى نرى مثالا له فى لباس الرهبان الفرنسيسكان اليوم، والذى أيضا نشاهده كجزء من معاطف المطر فى الدول الأوربية.

[40] – بالتوقيت الغربى.

[41] –  بالتوقيت الشرقى.

[42] – هنا خطأ إما من سوزمينوس، أو من ناسخ مخطوطته فيما بعد، حيث أظهرت الدراسات اللاحقة أن طابينا أو طبانيس لم تكن جزيرة، وإنما هى فى مكان ما بالقرب من مدينة الاقصر الحالية.

[43] – بالطبع اعتمد سوزمينوس فى هذا الفصل الخاص برهبان مصر على بالاديوس والرحالة الفلسطينيين السبعة اساسا، ولكن جدير بالذكر هنا، أن العالِم دراجيه درس الفصل(32) من تاريخ بالاديوس وهو الخاص بالرهبان الطبانيسيين (انظر ترجمته للمعرب، نشر دار باناريون) فوجده ترجمة يونانية كانت موجودة فى أديرة نتريا لمخطوطة باللغة القبطية باللهجة الصعيدية. (عن كتاب “فردوس الآباء” إعداد رهبان ببرية شهيت، حـ 2، ص 4هـ1).

[44] – ويُكتَب أيضا ايلاريون.

[45] – كانت هذه المدينة تقع، حسب وصف جيروم، على مسافة خمسة أميال جنوب غزة، وهى حاليا قرية “أم التوت”، من قرى الضفة الغربية فى جنوب شرق مدينة جنين..

[46] – أى الذين عليهم أرواح نجسة.

[47] – لم تعرف الرهبنة المصرية منذ نشأتها على اختلاف مدارسها مثل هذا الفكر. ويكفى أن أول مَن دافع عن زواج الاكليروس انفسهم، كان الناسك المصرى المعترف بافنوتيوس فى مجمع نيقية. أنظر الرهبنة القبطية ما لها وما عليها، مذكرات للمعرب.

[48] – أى أيام الأحاد التى لا يجوز فيها الصيام الانقطاعى طقسيا.

[49] – لعل المقصود بذلك ما نقوله نحن فى أيامنا عن إمرأة ما أنها “عملت راجل” أى اتخذت شكل الرجال.

[50] – وهى حاليا مدينة ” تور” أو “طُرش” أو “تُرش”، وتقع على نهر اللوار في وسط غرب فرنسا. وهي عاصمة مقاطعة الأندرلوار.

[51] – أى حياة الرهبنة المسيحية كما قلنا آنفا.

[52] – كان ذلك بالطبع قبل عهد بريل بقرون، ولذا كان الأحرى أن تُنسَب إليه لا إلى بريل.

[53] – يقصد باللاتينية.

[54]– باسيليوس الكبير.

[55] – أو “اوسرينيا”، هى مملكة الرُها القديمة التى كانت تقع فى شمال غرب ما بين النهرين، بين نهرى تيجرى (دجلة) والفرات. وهى حاليا تدخل فى زمام تركيا.

[56] – لعل هذا هو السبب فى اشتقاق كلمة Harmony من إسمه.

[57] – عن الأهواء، أنظر عن ذلك القسم الثانى من عمل كاسيان الأنظمة، تعريب المعرب هنا.

[58] – هذا تعبير رهبانى، مرادف “للهوى” الذى يتعرض له الراهب فى جهاده الرهبانى. أنظر الهامش السابق مباشرة.

[59] – نلاحظ من هذه الاشارة الأخذ بزواج الكهنة.

[60] – لاحظ المقصود هنا، وكيف استخدمها البعض فيما بعد فى الحرب التى سُميَّت “حرب الايقونات” فى الشرق، ثم أثر ذلك على الفكر الاسلامى والعربى فيما بعد، وموقف الكنيسة القبطية من هذه القضية. راجع عن ذلك بالتفصيل القسم الثالث، من رسالتنا للماجستير.

[61] – فى العصور الاسلامية لمصر، مُنِع الأقباط (أى المصريين المسيحيين) من شراء أى عبيد على الاطلاق.

[62] – consubstantial

[63] –  like substance

[64] – لاحظ هنا دقة وعمق اللغة اليونانية والتى كانت تُستخدم فى الجدل اللاهوتى آنذاك. فبينما دقة التعبير تظهر هنا فى اللغة اليونانية بإضافة حرف الـ i فى وسط الكلمة الأولى للتفرقة بين (واحد مع) الآب فى الجوهر وبين (مثل) الآب فى الجوهر.. فإن هذا الفرق اللاهوتى يظهر فى اللغة العربية بإضافة كلمة مختلفة. ومن هنا لخص الدارسون الكنسيون الارثوذكس جهاد أثناسيوس بالقول الصراع حول حرف واحد(فى اليونانية).

[65] – قلنا سابقا، ونكرر لفهم هذه النقطة على الصعيد العقيدى، يمكن الرجوع الى شرح مستفيض فى كتاب الاب متى المسكين عن “القديس اثناسيوس الرسولى، سابق الذكر.

[66] – استخدم سوزمينوس هنا كلمة انخدع بوضوح.

[67] –  تكملة الجملة هنا مفهومة وهى انهم وقَّعوا هنا على الوثيقة لسبب سياسى وليس عن اقتناع. وهو تبرير معقول أن يصدر من الجناح الاريوسى تاريخيا مثلما فسروا موت أريوس الإعجازى من قبل، بأن جناح النيقاويين (والذين كانوا آنذاك مُطارَدين ومضطهَدين من السلطتين الزمنية بكل أدواتها العسكرية والسياسية والادارية، والدينية المدعومة أيضا بالقوة العسكرية) قد سموه!!.

[68] – أى قنسطنطين.

[69] – مدينة فى شمال ايطاليا على نهر ناتيسا، وعلى مسافة حوالى عشرة كيلوميترات من البحر الادرياتيكى.

[70] – أى اتباع يوستاثيوس المتمسك بالتعاليم النيقاوية.

[71] – ضمير الهاء هنا تعود إلى المسيح.

[72] – ليس الكبير.



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

لا توجد نتائج