التاريخ الكنسي لسوزومين – الكتاب الأول – ترجمة تشستر هارترانفت – تعريب د.بولا ساويرس

 [pt_view id="aa2d703e20" tag="التاريخ الكنسي لسوزومين - ترجمة تشستر هارترانفت - تعريب د.بولا ساويرس" field=name]

الكتاب الأول : الفصل الأول

( وفيه يمهد سوزمينوس بفحص تاريخ الأمة اليهودية، ويذكر أولئك الذين بدأوا هذا العمل. وكيف ومن أية مصادر جمع تاريخه، وكيف كان مُصِّرا على الحقيقة، وأية تفاصيل أخرى سيشملها التاريخ)

(1/1/1) لقد انشغل ذهنى مرارا بإستفسار: كيف أنَّ الناس الآخرين مستعدون جدا للإيمان بالله الكلمة، بينما اليهود يرتابون بشدة [فى ذلك]، على الرغم من أن هذا التعليم بشأن الأمور الخاصة بالله قد غرسه الأنبياء لهم منذ البداية، والذين بالمثل جعلوهم أيضا مُلمين بالأحداث المتعلقة بمجىء المسيح قبل أن تحدث. وبالإضافة إلى ذلك حُسِب ابراهيم مؤسس أمتهم و[مؤسس شريعة] الختان، مستحقا لأن يكون شاهدَ عيان ومضيفا لإبن الله([1]). وكُرِّم اسحق ابنه بأن يكون مثالا للذبيحة التى على الصليب حيث أُقتِيد إلى المذبح بواسطة أبيه، وكما يؤكد الدارسون المدققون للأسفار المقدسة، حدثت آلام المسيح وفقا لهذا المثال([2]). وسبق يعقوب وتنبأ بأنَّ رجاء([3]) الأمم سيكون للمسيح كما هو [حادث] الآن، وبالمثل سبق فتكلم عن الزمن الذى سيأتى فيه([4]) عندما قال أن حُكم سبط يهوذا، السبط القائد للعبرانيِّن، سيبطل([5]). وهذه اشارة واضحة إلى عهد هيرودوس الذى كان آدوميا من جهة أبيه وعربيا من جهة أمه، وسُلِّمت له الأمة اليهودية بواسطة السينات([6]) الرومانى واوغسطوس قيصر.

(1/1/2) وبالنسبة لباقى الأنبياء، أعلن البعض مسبقا عن ميلاد المسيح وحبله الذى لا يُنطَق به، والأم الباقية عذراء بعد ميلاده، وشعبه وبلده. والبعض سبق وأنبأ بأعماله الاعجازية والإلهية، بينما أخبر الآخرون مسبقا بآلامه وقيامته من الأموات وصعوده إلى السموات والأحداث المصاحبة لكل منها. فإذا كان أحدٌ ما يجهل هذه الحقائق فليس من العسير أن يعرفها بقراءة الأسفار المقدسة.

(1/1/3) فيوسيفوس([7]) Josephus بن متياس الذى كان أيضا كاهنا وأكثر تميزا بين اليهود والرومان يمكن أن يُعتَبر شاهدُ جديرُ بالإعتبار بالنسبة للحقائق الخاصة بالمسيح. هذا قد تردد فى أن يدعوه إنسانا إذ قد أجرى أعمالا عجيبة وكان معلِّما للعقائد الحقيقية، فدعاه صراحة المسيح، وأنه قد أُدِين بالموت موت الصليب فظهر حيا ثانية فى اليوم الثالث. ولم يكن يوسيفوس جاهلا بالنبوات العجيبة الأخرى التى بلا عدد التى نُطِق بها قبلا بواسطة الأنبياء القديسين بشأن المسيح. وأكثر من ذلك يشهد بأن المسيح اكتسب لنفسه الكثيرين من اليونان واليهود الذين استمروا يحبونه وأن الذين دُعِيوا بإسمه ولم يعودوا مغمورين([8]). ويبدو لى من رواية هذه الأمور أنه يُصرّح بأن المسيح بالمقارنة بأعماله هو الله. وإذ صُدِم بهذه المعجزة، ركض نوعا ما إلى منحى وسط فهاجم أصلا أولئك الذين آمنوا بيسوع، ولكنه بالأحرى اتفق معهم.

(1/1/4) وعندما اتمعن فى هذا الأمر تبدو لى ملاحظة معقولة، [وهى] أن العبرانيين لم يتوقعوا أن يتحولوا ([9]) حالا، قبل سائر البشر، إلى المسيحية، لأنه على الرغم من بعض التكهنات والعرافة التى تعلن مسبقا مستقبل الاحداث الخاصة بالمسيح، فلا يجوز لنا أن نعزو فى هذا الصدد عدم الايمان إلى جميع اليونانيين. لأن أولئك الذين كانوا ذوى تعليم أفضل وقدرة على فهم مثل هذه النبوات التى كانت بالنسبة للجزء الأكبر وحى، كانوا قلة. وكانت هذه النبوات مُعلَنة للناس بكلمات عويصة.

(1/1/5) ولذلك، فى تقديرى الخاص، أن ذلك كان نتيجة المعرفة السمائية السابقة من أجل اتفاق الأحداث فى المستقبل، أن تُعلَن الحقائق الآتية ليس فقط بواسطة أنبيائه، ولكن أيضا جزئيا بواسطة الغرباء. فكمثل موسيقِى يقع تحت ضغط لحن غريب، فيُعالج الأصوات المتباينة للخورس برقة بواسطة ريشته، أو أن يضيف أخرى إلى تلك الموجودة بالفعل.

(1/1/6) وإذ رأينا الآن كيف أن العبرانيين على الرغم من أنهم يمتلكون نبوات محددة وبلا حصر بشأن مجىء المسيح كانوا أقل إرادة للايمان به عن اليونانيين، فإن ما قيل فى هذا الموضوع لكافٍ.

(1/1/7) ولكن يجب بأى حالٍ من الأحوال أن نعتبر الكنيسة على النقيض من ذلك، قد شُيِّدت بإهتداء الأمم الأخرى. لأنه من الثابت أن الله يُسَّر فى المقام الأول بالأمور الإلهية والعظيمة، أن يتم التغير بأسلوب اعجازى. ثم علينا أن نتذكر أنه بممارسة الفضائل غير الشائعة، حافظ الذين كانوا منذ البداية رؤساء الشؤون الدينية على تأثيرهم. فإذا كانوا حقا لا يمتلكون اللغة المُحدَّدة التعبيرات، أو جمال الأسلوب، ولا قوة اقناع السامعين بواسطة عبارات أو تراكيب رياضية إلا أنهم لم يقصّروا فى القيام بالعمل المعهود إليهم. لقد تخلوا عن ممتلكاتهم، وأهملوا أقاربهم، وتمددوا على الصليب. وكما لبسوا جسدا ليس لهم، قاسوا عذابات كثيرة لا تُحتمَل، ولم يخدعهم تملق أى شعب أو حُكام أية مدينة، ولا ارتعدوا من خطر، بل برهنوا بوضوح بسلوكهم أنهم مدَّعمين فى جهادهم بالرجاء فى الجائزة الأعلى حتى أنهم لم يحتاجوا فى الحقيقة إلى تبنى الجدل الشفاهى لأنهم بدون أى جهد من جانبهم ألزمَت أعمالهم سكان كل بيت وكل مدينة على أن يصادقوا على شهادتهم حتى قبل أن يعرفوا ما تحتويها.

(1/1/8) ولما كان مثل هذا التغير الإلهى والاعجازى قد حدث فى شؤون البشر، فقد هوت العبادات القديمة والقوانين المحلية إلى الازدراء. أذ أن كثيرين من الكتَّاب اليونان المتميزين قد سخَّروا قوى بلاغتهم فى وصف الخنزير الكاليدونى وعِجل ماراثون والأعمال المماثلة الأخرى التى حدثت بالفعل فى بلاد أو مدن أو لها أصل خرافى. فلِما لا أنهض أنا أيضا لكتابة تاريخ الكنيسة، إنه موضوع ليس فى متناول البشر ولكنه يستهوينى ويبدو من غير المصدَّق أن تاريخا كهذا يُكتَب بواسطتى، ولكن عند الله ليس شيء مستحيلا.

(1/1/9) فأولا شعرتُ بميل قوى إلى تعقب مجرى الأحداث منذ البداية، ولكن عند التمعن فى سجلات الماضى المماثلة إلى زمان كاتبيها، والمؤلفة بواسطة أولئك الرجال الحكماء [أمثال] كليمندس([10]) Clemens وهيجسبوس Hegesippus خلفاء الرسل، وافريكانوس Africanus المؤرخ ويوسيبيوس Eusebius الملقب بامفيلوس([11]) Pamphilus، وهو رجل مُلم للغاية بالأسفار المقدسة وكتابات الشعراء والمؤرخين اليونان، استخلصتُ على نحو ما مختصر لكتابيَن([12]) من كل ما قد سُجِّل يهتمان بما حدث للكنائس من صعود المسيح إلى وقت خلع ليسينيوس Licinius. والآن بمعونة الله، سأروى الأحداث التالية أيضا.

(1/1/10) سأسجل تلك الأمور التى انشغلتُ بها بنفسى، وأيضا تلك التى سمعتها من أناس عرفوها أو رأوها فى أيامنا هذه أو قبل جيلنا. ولكننى بحثتُ عن سجلات أحداث التاريخ القديم بين القوانين الراسخة المتعلقة بالديانة، وبين مضابط مجامع الفترة، وبين البدع التى ثارت، وفى رسائل الملوك والكهنة. وكانت بعض هذه الوثائق محفوظة فى القصُور والكنائس. وأخرى كانت متناثرة بين ممتلكات بعض المتعلمين. وقد فكرتُ مرارا فى نسخ الكل ولكن بعد تفكير عميق وجدتُ من الأفضل بسبب الكم الهائل من الوثائق أن أقدّم توليفة مختصرة لمحتوياتها. ولكن عندما يثور الجدل بالنسبة للموضوعات المُقدَّمة، فإننى سأكون مستعدا لنسخها طبق الأصل بتصرف من أى عمل يمكن أن يوضح الحقيقة.

(1/1/11) فإذا خلص أى شخص يجهل الاحداث الماضية إلى أن تاريخى مزيف لأنه صادف عبارات تتعارض مع كتابات أخرى، فعليه أن يعرف أنه منذ ثارت عقيدة اريوس والفرضيات الأخرى الأكثر حداثة، بدأ رؤساء الكنائس وهم مختلفون فى وجهات النظر فيما بين أنفسهم، فى كتابة وجهات نظرهم الخاصة لمنفعة تابعيهم. وأكثر من ذلك عليه أن يتذكر أن هؤلاء الرؤساء عقدوا مجامع، وأصدروا المراسيم التى تسرهم والتى غالبا ما تدين مَن لم يسمع بها، وأولئك الذين ايمانهم لا يماثل ايمانهم. وجاهدوا بكل ما فى وسعهم فى إغواء أمراء ونبلاء زمانهم لكى ينحازوا إليهم. وبزعم الحفاظ على الارثوذكسية التى لعقيدتهم الخاصة، ألَّف اتباع كل طائفة على التوالى مجموعة من الرسائل التى تؤيد هرطقتهم الخاصة حاذفين سائر الوثائق التى تخص الطرف المضاد. هذه هى العقبة التى صادفتنا فى سعينا للوصول إلى خلاصة فى هذا الموضوع.

(1/1/12) ولهذا تطلب الأمر منى، من أجل الحفاظ على الدقة التاريخية، أن أبذل أقصى عناية فى سبيل تحرى الحقيقة، فألزمتُ نفسى بفحص جميع كتابات هذه الفئة حسب قدرتى. فلا ينسب إلىَّ أحدٌ أى روح خبث لأننى تمعنتُ فى المنازعات بين الكنسيِّن أنفسهم الخاصة بأولوية وتميز هرطقاتهم.

(1/1/13) ففى المقام الأول كما قلتُ ينبغى للمؤرخ أن يعتبر كل شىء ثانوى بالنسبة لأهمية الحقيقة. وأكثر من ذلك فإن عقيدة الكنيسة الجامعة هى بصفة خاصة الأكثر أصالة، إذ أنها أُختُبِرت([13]) مرار بمكائد المفكرين المعارضين، ولكن التدبير مع ذلك كان من الرب، فحافظت الكنيسة الجامعة على سموها واستردت قوتها وقادت سائر الكنائس والشعوب إلى قبول حقها الذاتى. وعلىَّ أن أتروى فى امعان الفكر فيما إذا كان ينبغى أن احصر نفسى فى تلاوة الأحداث المتصلة بالكنيسة فى ظل الحكم الرومانى أم لا. ولكن يبدو من الملائم بالأكثر أن تشمل على قدر ما يمكن، على المعاملات الخاصة بالديانة بين الفارسيين والبربر. وليس بغريب على  التاريخ الكنسى أن نُدخِل فى هذا العمل وصفا لهؤلاء الذين كانوا آباء ورواد ظاهرة الرهبنة، وخلفائهم الحاليين الذين شهرتهم معروفة جيدا لنا سواء بالمعاينة أو التقرير. لأننى لا أرغب فى أن أُعتَبر غير لطيف نحوهم ولا أن أُهمِل فضائلهم، ولا أن أكون جاهلا بتاريخهم. ولكننى أرغب لأن أُخلِف ورائى سجلا بسلوك حياتهم هذه حتى ما يحض الآخرين على الإقتداء بنموذجهم إلى نهاية سعيدة ومباركة. ومع تقدم العمل سيتم ملاحظة هذه الموضوعات كلما أمكن.

(1/1/14) واستمدادا لمعونة الله وتفضله أتقدم الآن لرواية الأحداث. وسيكون بداية التاريخ الحالى من هذه النقطة.

الكتاب الأول: الفصل الثانى

(عن اساقفة المدن الكبيرة فى عهد قنسطنطين، وكيف امتدت المسيحية خوفا من ليسينيوس بحذر إلى الشرق، حتى إلى ليبيا، بينما امتدت بحرية غربا بتشجيع قنسطنطين)

(1/2/1) فى عهد قنصلية قنسطنطين القيصر وكريسبوس القيصر، حكم سيلفستر([14]) Silvester  كنيسة روما، والكسندروس([15])  Alexanderكنيسة الاسكندرية([16]). ومكاريوس كنيسة اورشليم. ولم يُعيَّن أحدٌ على كنيسة انطاكية فى أورانتس Orontes منذ رومانوس لأن الاضطهاد كما يظهر قد حال دون اتمام مراسِم السيامة. غير أن الاساقفة الذين اجتمعوا فى نيقية ليس بعد ذلك بوقت طويل، كانوا واعين جدا بنقاوة وحياة وعقائد يوستاثيوس Eustathius إلى حد أنهم حكموا بأنه مستحقٌ لشغل الكرسى الرسولى على الرغم من أنه كان آنذاك أسقف بيرية([17]) Berœa المجاورة فنقلوه إلى انطاكية.

(1/2/2) وبينما لم يجرؤ مسيحيو الشرق إلى ليبيا على حدود مصر، فى الاجتماع جهرا ككنيسة، إذ كان ليسينيوس Licinius قد سحب منهم رضاءه، كان مسيحيو الغرب من اليونانين والمقدونيين والإيلاريين يجتمعون جهرا للعبادة فى ظل حماية قنسطنطين([18]) الذى كان على رأس الامبراطورية الرومانية([19]).

الكتاب الأول: الفصل الثالث

(اعتناق قنسطنطين للمسيحية، عقب ظهور المسيح له، ورؤيا الصليب. وتلقيه للتعليم الدينى من اخوتنا)

(1/3/1) لقد علِمنا أن قنسطنطين قد أُقتِيد إلى شرف الديانة المسيحية بتوالى أحداث عديدة مختلفة، وعلى وجه الخصوص ظهور علامة من السماء. فعندما عَقد الأول العزم على شن الحرب ضد ماكسنتيوس Maxentius، ساورته الشكوك بالنسبة لوسائل تنفيذ عملياته الحربية ومن أين يمكنه طلب المعونة.

(1/3/2) وفى وسط حِيرته رأى فى رؤيا علامة الصليب تلمع فى السماء، فإندهش من المشهد ولكن بعض الملائكة الذين كانوا يقفون إلى جوار هذه العلامة صاحوا يا قنسطنطين بهذه العلامة تغلب([20]). وقد قيل أن السيد المسيح نفسه قد ظهر له وأراه علامة الصليب وأمره أن يصنع واحدة مثلها، ويجعلها عونا له فى المعركة فيضمن النصرة بصفة مؤكدة. ويؤكد يوسيبيوس المُلقب بامفيلوس أنه قد سمع الامبراطور وهو يُصرّح بقسَم أنه عندما كانت الشمس على شفا الانحدار فى حوالى منتصف النهار، رأى هو والجنود الذين كانوا معه علامة النصر التى للصليب مكونة من نور ومحاطة بهذه الكلمات: بهذه العلامة تغلب. وهذه الرؤيا صادفته بمناسبة حيرته فيما إذا كان يتعين عليه قيادة جيشه أم لا. وبينما كان يفكر فيما يمكن أن تعنيه هذه الرؤيا حل الليل. وعندما نام ظهر له المسيح بالعلامة التى رآها فى السماء وأمره أن يُشيِّد مثالا للشعار ويستخدمه كعون له فى المواجهات الضارية ولم يكن هناك توضيح أكثر من ذلك، إذ أدرك الإمبراطور بوضوح ضرورة خدمة الله.

(1/3/3) وعند طلوع النهار أَحضر سائر كهنة المسيح واستعلم منهم عن تعاليمهم. ففتحوا الاسفار المقدسة وشرحوا الحقائق الخاصة بالمسيح، وأظهروا له من الانبياء كيف أن العلامات التى تنبأوا بها قد تحققت فيه. وقالوا أن العلامة التى ظهرت له كانت علامة الانتصار على الجحيم لأن المسيح أتى بين البشر، وعُلِّق على الصليب ومات، وعاد إلى الحياة فى ثالث يوم. وقالوا فى هذا الصدد هناك رجاءٌ أنه فى نهاية التدبير الحالى ستكون هناك إقامة عامة من الأموات ودخول إلى الأبدية حيث يُكافأ أولئك الذين قادوا حياة صالحة، ويُعاقَب أولئك الذين عاشوا حياة طالحة. ولكنهم استطردوا قائلين غير أن وسائط الخلاص والنقاوة من الخطية مشروطة. أى العماد للشخص غير المُعمَّد وفقا لقوانين الكنيسة، وامتناع الشخص المُعمَّد عن خطايا جديدة. ولكن لما كان قلة، حتى بين الرجال القديسين، هم القادرين على حفظ هذا التقليد فإن هناك طريقة أخرى للتطهير تُدعَى التوبة، لأن الله فى محبته للإنسان يهب الغفران للذين سقطوا فى الخطية، عند توبتهم وتأكيد توبتهم بالأعمال الصالحة.

الكتاب الأول: الفصل الرابع

(قنسطنطين يأمر بحمل علامة الصليب أمامه فى المعركة، ورواية غير عادية عن حَمَلَة الصليب).

(1/4/1) واستدعى الإمبراطور- المندهش من النبوات المتعلقة بالمسيح التى شُرِحت له من الكهنة- بعض الفنيين المهرة وأمرهم فى إعادة رسم الشعار المعروف من الرومان بإسم لاباروم Labarum([21])، ويحولوه إلى مثال الصليب ويزينوه بالذهب والأحجار الكريمة. وفاقت علامة الانتصار الحربية هذه كل شىء آخر إذ كانت تُحمَل دائما أمام الإمبراطور، وتُعبَد من الجنود.

(1/4/2) وأظن أن قنسطنطين قد غيَّر أقوى شعار للقوة الرومانية إلى علامة الصليب حتى ما يميل الجنود بصفة رئيسية عن طريق التعود على رؤيتها دائما أمامهم إلى هجر خرافاتهم القديمة والاعتراف بالإله الحقيقى الذى يعبده الإمبراطور، كقائد لهم، ومُعينهم فى المعركة، إذ أن هذا الشعار كان يُحمَل دائما أمام كتائبه، وكان يُحمَل بأمر الإمبراطور بين الكتائب العسكرية فى وسط المعارك الضارية بواسطة فرقة ممتازة من رماة الرماح الذين كان كل واحد منهم يحمل فى دوره، الشعار على كتفيه ويتقدم به بين الصفوف.

(1/4/3) وقد قيل أنه فى إحدى المناسبات عند حركة غير متوقعة من القوات المعادية، وضعه حامل هذا الشعار من رعبه فى يد آخر وهرب سرا من المعركة. وعندما صار بعيدا عن متناول أسلحة العدو تلقى فجأة جرحا وسقط، بينما الرجل الذى ظل حاملا للعلامة الإلهية، ظل بلا ضرر على الرغم من أن أسلحة كثيرة قد صُوِّبت ضده لأن قذائف العدو المصوبة ضد حامل الراية قد وُجِهت بالعناية الإلهية على نحو عجيب بعيدا عنه، على الرغم من أنه كان فى وسط الخطر.

(1/4/4) وأيضا من المؤكد أنه لم يسقط قط أى جندى حمل هذه العلامة فى المعركة خلال أية مصيبة حالكة، أو أُخِذ أسيرا، أو جُرِح.

الكتاب الأول: الفصل الخامس

(دحض تأكيد أن قنسطنطين قد صار مسيحيا نتيجة لقتل ابنه كريسبوس)

(1/5/1) إننى أعى جيدا أنه قد قيل من قِبل الوثنيين أن قنسطنطين بعد قتله لبعض أقاربه المقربين، وبصفة خاصة بعد قتل إبنه كريسبوس Crispus، ندم على أعماله الشريرة فاستعلم من سوباتير Sopater الفيلسوف الذى كان آنذاك معلم مدرسة بلوتينُس Plotinus بشأن وسائل التطهر([22]) من هذا الذنب. ولكن الفيلسوف، حسبما تقول القصة، أجاب أن مثل هذه الرذائل الأخلاقية لا تسمح بأية وسيلة للتطهُر. فحزن الإمبراطور من هذه الاجابة وتصادف أن قابل بعض الاساقفة الذين قالوا له أنه يمكنه التطهُر من الخطية بالتوبة والمعمودية. فسُرَّ بإنعاشهم وتبنى تعاليمهم وصار مسيحيا وقاد تابعيه لنفس الايمان.

(1/5/2) ويظهر لى أن هذه القصة هى من اختراع أشخاص يرغبون فى الافتراء على الديانة المسيحية. فكريسبوس الذى بسببه قيل أن قنسطنطين قد طلب التطهُر لم يمت حتى السنة العشرين من حكم والده، وحاز الموضع الثانى فى الإمبراطورية، وحمل لقب قيصر، وصِيغت قوانين كثيرة برضائه فى صالح المسيحية وما زالت قائمة. وهذه الحالة يمكن البرهنة عليها بالإشارة إلى التواريخ المحددة لهذه القوانين، والى قوائم المشرعين. ولا يبدو من المقبول أن سوباتير كان له أية علاقة بقنسطنطين الذى كان حكمه آنذاك يتركز فى الأقاليم المجاورة للمحيط والراين Rhine لأن منازعته مع ماكسنتيوس حاكم ايطاليا خلقت انشقاقا فى السيادة الرومانية حتى أنه لم يكن بالأمر الهين الاقامة فى الغال وبريطانيا أو البلاد المجاورة التى كان مسلَّما فيها على نطاق واسع بأن قنسطنطين قد اعتنق الديانة المسيحية قبل حربه مع ماكسنتيوس، وقبل عودته إلى روما وايطاليا. وهذا ثابت من تواريخ القوانين التى فى صالح الديانة.

(1/5/3) ولكن حتى مع التسليم جدلا بأن سوباتير قد التقى بالإمبراطور أو كانت له مراسلات معه فإنه لا يمكن تصُور أن الفيلسوف كان يجهل أن هيراكلس ابن الكمينا قد حصل على التطهير فى أثينا بالاحتفال بسرائر سيرس Ceres بعد قتله لإبنه وايفيتس ضيفه وصديقه. وكون أن اليونانيين قد نالوا التطهير من ذنب من هذا النوع، فهذا واضح من المِثال الذى أشرتُ إليه توا، ومن ثمة فهو مفترِى وزائف مَن يظن أن سوباتير قد علَّم بعكس ذلك. وإننى لا يمكن أن أقبل إمكانية أن يكون هذا الفيلسوف جاهلا لهذه الحقائق لأنه كان فى ذلك الوقت يُعتبَر الأكثر علما بين رجال اليونان.

الكتاب الأول: الفصل السادس

(أبو قنسطنطين يسمح بامتداد اسم المسيح. قنسطنطين العظيم يجعله يتغلغل فى كل مكان).

(1/6/1) وفى عهد حكم قنسطنطين كانت الكنائس تزدهر وتتزايد فى العدد يوميا، إذ كرَّمها الإمبراطور الخيِّر المستعد دوما بأعمال صالحة. وحفظها الله بالأحرى من الاضطهادات والمضايقات التى كانت تواجهها. وعندما كانت الكنائس تعانى من اضطهاد فى مناطق أخرى من العالم كان قنسطانتيوس وحده أبو قنسطنطين يهب المسيحين حق عبادة الله بلا خوف. وأعرف أمرا غير عادى حدث بواسطته، جديرٌ بالتسجيل.

(1/6/2) لقد أراد أن يختبر أمانة بعض المسيحيين وكانوا رجالا صالحين وممتازين قد أُلحِقوا بقصره. فدعاهم جميعا وأخبرهم أنهم إذا ضحوا للأصنام مثلما يعبدون الله، فإنهم سيظلون فى خدمته ويضمنون تعيينهم، ولكنهم إن رفضوا قبول رغبته فإنهم سيُطرَدون من القصر، وبالكاد يفلتون من انتقامه. وعندما انقسموا إلى طرفين فيما بينهم فى حكمهم، فرز أولئك الذين قبلوا هجر ديانتهم عن أولئك الذين فضلوا اكرام الله عن الرفاهية الحاضرة، وصمم الإمبراطور على ابقاء أولئك الذين تمسكوا بإيمانهم كأصدقاء ومُشيرين له، وصرف الآخرين الذين اعتبرهم ليسوا رجالا، ودجالين، وطردهم من حضرته مُقرا بأن مَن يكون مستعدا لخيانة إلهه لن يكون أبدا صادقا لملِكه.

(1/6/3) لذلك من المحتمل أنه خلال حياة قنسطانتيوس لم يكن [أمرا] ضد القوانين أن يُقر بالمسيحية، السكان فى الأقطار التى ما وراء ايطاليا، أى فى الغال وبريطانيا، وفى اقليم جبال بيرنين Pyrenean والمحيط الغربى.

(1/6/4) وعندما خلفه قنسطنطين فى الحكم صارت شؤون الكنائس أكثر توهجا لأنه عندما قُتِل ماكسنتيوس بن هيراكليوس، آل نصيبه أيضا إلى قنسطنطين. وقيل أن سكان شواطىء البحر التيرانى، والأمم التى كانت تعيش على نهر تايبر واردانوس، التى يدعوها الأهالى بادوس Padus، أولئك الاكويليِّين، قد سُمِح لهم بممارسة ديانتهم بدون تحرش. فقد قيل أنه عندما فر أرجوناتسArgonauts  من ايتس Æetes، عادوا إلى وطنهم من طريق مختلف وعبروا بحر سكيثيا Scythia، وأبحروا خلال بعض الأنهار هناك، وبذا وصلوا إلى شواطىء ايطاليا حيث قضوا الشتاء وبنوا مدينة دعوها ايمونا Emona. وفى الصيف التالى حرروا آرجو بوسائل ميكانيكية، وبمساعدة شعب البلدة. وهى على مسافة أربعمائة استاديا. ولذلك وصلوا أكويلسAquilis  وهو نهر يصب فى إردانوس Eridanus. ولكن إردانوس نفسها هوت فى البحر الايطالى. وبعد معركة سيباليس Cibalis صار الدردانيون  Dardanians والمقدونيون وسكان ضفتى استر Ister وهلاس وكل اقليم ايليريا خاضعين لقنسطنطين.

الكتاب الأول: الفصل السابع

(بشأن النزاع بين قنسطنطين وبين ليسينيوس نسيبه بشأن المسيحيين، وكيف هُزِم بالقوة، وقُتِل).

(1/7/1) وبعد ذلك، تغيرت نظرة ليسينيوس الذى كان المسيحيون يحترمون رأيه سابقا، وأساء معاملة الكهنة الذين يعيشون تحت حكمه، كما اضطهد أيضا عددا غفيرا من أشخاص آخرين، وبصفة خاصة الجنود. فقد كان مغتاظا بشدة من المسيحيين بسبب عدم اتفاقه مع قنسطنطين. وفكر فى إيذائه عن طريق معاناتهم بسبب الدين، إلى جانب أنه اعتقد أن الكنائس تصلى بحرارة لكى يتمتع قنسطنطين بالسيادة وحده.

(1/7/2) وبالإضافة إلى كل هذا، فى عشية معركة أخرى مع قنسطنطين، وكان ليسينيوس معتادا على الاستعانة بالعرافين، قدَّم الذبائح ليستطلع مصير الحرب المتوقعة. وإذ خدعوه بالنُصرة، ارتد إلى ديانة الوثنيين. ويروى الوثنيون انفسهم أنه فى حوالى هذه الفترة، إستشار تكهنات ابوللو ديديموس فى ميلتيس Miletus، وتلقى ردا بشأن نتيحة الحرب من الشيطان، أُدرِجت فى الأبيات التالية لهومر: ما أكثر ما يضايقك الشبان ايها الرجل العجوز. فلتحذر، كم صارت قوتك ضعيفة. بيد أن شيخوختك ستكون شاقة.

(1/7/3) ومن حقائق كثيرة يظهر لى أن تعليم المسيحيّن قد تأيد، وأن تقدمه كان مضمونا بعناية الله. ولم يكن أقل مما حدث آنذاك، لأنه فى نفس اللحظة التى كان ليسينيوس عتيدا أن يضطهد سائر الكنائس التى تحت حكمه، اندلعت الحرب فى بيثينية والتى انتهت بحرب بينه وبين قنسطنطين والتى تقوى فيها قنسطنطين بشدة بمعونة إلهية حتى أنه انتصر على سائر أعدائه برا وبحرا.

(1/7/4) وعندما دُمِّر اسطول ليسينيوس وجيشه، ألقى نفسه فى نيقوميديا([23]) وأقام لبعض الوقت فى تسالونيكى كفرد عام ثم قُتِل بالفعل هناك. هكذا كانت نهاية شخص كان منذ بداية حكمه متميزا فى الحرب والسلم والذى تشرف بزواج أخت قنسطنطين.

الكتاب الأول: الفصل الثامن

(قائمة المنافع التى اسبغها قنسطنطين لحرية بناء الكنائس، والأعمال الأخرى للرفاهية العامة).

(1/8/1) وبمجرد أن صار حكم الإمبراطورية الرومانية فى يد قنسطنطين وحده، أصدر مرسوما عاما يأمر فيه سائر تابعيه فى الشرق بتكريم الدين المسيحى، وعبادة الله بعناية والاعتراف به وحده كإله، وأنه وحده القادر على كل شىء إلى أبد الآبدين. إذ أنه سُّر بأن يعطى كل ما هو صالح بوفرة لأولئك الذين يعتنقون الحق بغيرة، وقابل تعهداتهم بأفضل رجاء بينما سوء الاقدار سواء أكانت فى السلم أو فى الحرب، فى الحياة العامة أو الخاصة تؤدى إلى المعاصى. وأضاف قنسطنطين، ولكن بدون مجد باطل، أن الله إذ قد حسبه خادما مناسبا جديرا بالحُكم قاده من بحر بريطانيا إلى المقاطعات الشرقية لكى ينشر الديانة المسيحية، وأن أولئك الذين ثبتوا راسخين فى اعترافهم أو استشهادهم بسبب عبادة الله يجب أن ينالوا تكريما عاما.

(1/8/2) وبعد هذه العبارات أورد حشدا من التفاصيل الأخرى التى علَّم بها تابعيه كيف يهتموا بالدين، فسَّن أن كل الأحكام والأعمال التى تمت من قِبل المضطهدين ضد الكنيسة يتعين أن تُرذل. وأمر بأن يسترد جميع الذين قد عوقبوا بسبب اعترافهم بالمسيح حريتهم. سواء أكان بالنفى إلى الجُزر أو إلى أى مكان آخر ضد ارادتهم الخاصة. أو حُكِم عليهم بالعمل فى المناجم أو الأشغال العامة([24]) أو كسرارى، أو فى مصانع الكتان([25]) أو أُحصُوا ضمن الموظفين العموميين. كما ينبغى نزع وصمة العار عن أولئك الذين وُصِموا بها. وأمر بأن يُسمَح لأولئك الذين حُرِموا من التعيينات فى الرتب العليا بالجيش إما أن يستردوا مكانتهم السابقة، وإما أن يُخلَى سبيلهم بإكرام ليتمتعوا براحة حرة، وذلك وفقا لإختيارهم الخاص. وبالمثل عندما دعا الجميع إلى التمتع بحرياتهم السابقة والكرم المعتاد، أمر بأن يستردوا كافة ممتلكاتهم التى صُودِرَت. وفى حالة أولئك الذين قُتِلوا يرثها أقرباؤهم، أو الكنيسة التى تقع فى مقاطعتهم فى حالة عدم وجود ورثة قريبين. وفى حالة انتقال الميراث إلى يد آخر، أو صار مِلكية عامة أو خاصة أمر يإسترداده. كما وعد بالمثل بإتخاذ أنسب الوسائل وأفضلها فى حالة ما إذا كانت المِلكية قد تم شرائها بواسطة خزانة الدولة، أو تم الحصول عليها كهبة منهم.

(1/8/3) وهذه المعايير، كما قيل، ما أن وقَّع عليها الامبراطور ودُعِمت بقانون([26])، حتى وُضِعَت سريعا موضع التنفيذ فى الحال. وهكذا شغل المسيحيون جميع الوظائف الرئيسية تقريبا فى الحكومة الرومانية. وتم حظر عبادة الآلهة الكذبة على نحو عام، وأنواع التأليه([27])، وتكريس الأصنام، والاحتفال بالمواسم الوثنية. وتوارى الكثيرُ من العادات القديمة التى كانت تُراعَى فى المدن. ولم يعد يُحمَل، لدى المصريين، المقياس الذى يشير إلى زيادة مياه النيل إلى المعابد الوثنية ولكن إلى الكنائس. وُمنِعت لدى الرومان مشاهدة المصارعة. ولدى الفينيقيين مضاجعة العذارى قبل الزواج فى هليوبوليس([28]) بلبنان، والتى كانت معتادة كشرط للزواج الشرعى([29]) بعد التجربة الأولى للمعاشرة المحرَّمة. وبالنسبة لبيوت الصلاة رمم الامبراطور بعضها الذى كان ذا حجم كافٍ، وأضاف إلى البعض الآخر طولا وعرضا، وأنشأ مبانٍ جديدة فى المواضع التى لم يكن بها مبان موجودة سابقا، وزودها بالمتطلبات اللازمة من الخزانة الامبراطورية، وكتب إلى اساقفة المدن وحكام المقاطعات يُرغّبهم فى المساهمة حسبما يرغب كل منهم وأن يُظهِروا خضوعا وطاعة حارة للكهنة.

(1/8/4) وصاحب رخاء الديانة، رخاءً متزايدا للإمبراطورية. فبعد حربه مع ليسينيوس نجح قنسطنطين فى سائر معاركه ضد الأمم الأجنبية، فهزم السامريين والشعب الذى يُدعَى القوط([30]). وعقد معاهدة متميزة معهم، وهذا الشعب يقطن [على ضفاف] إستر([31]) Ister وكانوا رجال حرب أشداء ومستعدين دوما للتعبئة بكلٍ من ضخامة أجسامهم وعددهم الغفير، وأبقى القبائل البربرية الأخرى فى خوف، وكانوا فقط خصوم الرومان. وقيل أنه فى هذه الحرب، تلقى قنسطنطين بوضوح بواسطة الأحلام والعلامات تلك الحماية الخاصة من العناية الإلهية.

(1/8/5) ومن ثم عندما انتصر على كل الذين أثاروا المعارك ضده قدَّم الشكر للمسيح بإهتمام بالغ بشؤون الدين وحث الحُكام على الاعتراف بالإيمان الحقيقى الوحيد وطريق الخلاص وخصص جزءً من أموال الجزية المفروضة على البلاد للأساقفة والإكليروس أينما حلَّوا وأمر أن يكون القانون الذى ينص على ذلك فريضة إلى الأبد.

(1/8/6) ولكى يعتاد الجنود على عبادة الله مثله، أمر أن تُعلَّم اسلحتهم بشعار الصليب وأقام بيت صلاة فى القصر. وعندما كان ينشغل فى حرب ما أمر أن تُحمَل خيمة على شكل كنيسة حتى يمكن له أو لجيشه فى حالة توغلهم فى الصحراء أن يكون لهم مبنى مقدس يمكنهم أن يعبدوا الله فيه وبسبحوه ويمارسوا فيه السرائر. وكان الكهنة والشمامسة يتبعون الخيمة([32]) ليتمموا ترتيبات هذا الأمر حسب قانون الكنيسة. ومنذ ذلك الوقت صارت الفيالق الرومانية التى صارت تُدعى بأرقامها، صار لكل منها خيمة خاصة بها بشمامستها وكهنتها.

(1/8/7) كذلك عَهَد بمراعاة اليوم الملقب بيوم الرب([33])، والذى يدعونه اليهود اليوم الأول من الأسبوع والذى يُخصصه الوثنيون للشمس. وبالمثل اليوم قبل السابع، وأمر بعدم ممارسة أية أعمال رسمية أو أخرى فى هذه الأيام([34]) لأن الرب قد صُلِب فيه. وكرَّم الصليب إكراما خاصا بسبب القوة التى وهبها له فى المعارك ضد أعدائه، وأيضا للأسلوب الإلهى التى ظهرت له به العلامة. وألغى من المحاكم عقوبة الصلب المعتادة بين الرومان، وأمر بأن تُنقَش هذه العلامة الإلهية، وتُطبَع دائما عند سك النقود فى أى وقت مع صُورته التى توجد فى هذا الشكل الذى ما زال حتى الآن([35]) شاهدا على أمره.

(1/8/7) وفى الحقيقة جاهد فى كل شىءٍ وبصفة خاصة فى سن التشريعات لخدمة الله. ويبدو أيضا أنه قد حظر كثيرا من الأعمال الشائنة والفاجرة التى كانت إلى تلك الفترة غير ممنوعة. ويمكن للمرء المهتم بها أن يَلمح قدرا من بضعة حالات، وكيف كانت القوانين التى أصدرها بخصوص هذه النقاط. ويبدو لى الآن أنه من غير المعقول أن نتناولها باستفاضة. ومع ذلك، اعتبر أنه من الضرورى أن نذكر القوانين التى سنها لتكريم وترسيخ الديانة حيث تشكل قدرا معتبرا من التاريخ الكنسى، لذلك سأستطرد فى روايتها.

الكتاب الأول: الفصل التاسع

(قنسطنطين يسن قانونا فى صالح المتبتلين والاكليروس)

(1/9/1) لقد كان هناك قانون رومانى قديم يجعل غير المتزوجين الذين بلغوا الخامسة والعشرين، لا يتمتعون بذات الإمتيازات التى يتمتع بها المتزوجون. ومن بين المواد الأخرى لهذا القانون، أن الذين ليسوا ذوى قرابة وثيقة لا يستطيعون الحصول على شىء من الوصية. وكذلك الذين كانوا بلا أولاد كانوا يُحرمَون من نصف أية ممتلكات يمكن أن تؤول اليهم. فقد كان موضوع اهتمام هذا القانون هو زيادة سكان روما والأفراد التابعين الذين تناقص عددهم بشدة قبل هذا القانون ليس بوقت طويل بسبب الحروب الأهلية.

(1/9/2) وإذ أدرك الإمبرطور أن هذا التشريع قد سُنَّ ضد مصالح أولئك الذين استمروا فى حالة التبتل وظلوا بلا أولاد من أجل الله، وحسب أنه من السخف مضاعفة الجنس البشرى بغيرة واهتمام الإنسان (حيث أن الطبيعة تحظى دائما بالزيادة أو النقصان وفقا للقضاء الأعلى)، فقد وضع قانونا يسمح بتمتع غير المتزوج والذى بلا أولاد بنفس المزايا كالمتزوج. بل وهب مزايا خاصة حتى لأولئك الذين اعتنقوا حياة التبتل والزهد، وصرَّح لهم، ضدا للعادة التى كانت سائدة فى سائر أرجاء الامبراطورية الرومانية أن يضعوا وصية قبل أن يبلغوا سن البلوغ، لأنه اعتقد أن أولئك الذين كرسوا أنفسهم لخدمة الرب وغرس الفلسفة([36]) سيحكمون فى جميع الأحوال بالصواب. فلنفس السبب، صرَّح الرومانيون القدماء للعذارى الطاهرات بوضع وصية بمجرد أن يبلغوا من العمر ست سنوات. وقد كان ذلك أعظم دليل على توقيره الاسمى للدين.

(1/9/3) وقد أعفى قنسطنطين الاكليروس فى كل مكان من الضرائب، وسمح للمتقاضين بحق الاستئناف على قرارات الاساقفة، إذا فضلوا أحكام الدولة. وأمر أن تسرى هذه التشريعات وأن تسمو على سائر الأحكام الأخرى كما لو كانت منطوقة من الامبراطور نفسه. وأنه على الحكام والضباط الحربيين التابعين، متابعة تنفيذ هذه المراسيم، وأن تكون التعاريف الصادرة من المجامع غير قابلة للنقض.

(1/9/4) وإذ قد وصلتُ إلى هذه النقطة من تاريخى، فليس من الصواب أن احذف كل ذكر لتلك القوانين التى صدرت لصالح أولئك الأفراد فى الكنائس الذين نالوا [بواسطتها] حريتهم. فنظرا لصرامة القوانين وعدم رغبة السادة [فى تنفيذها] كانت هناك صعوبات كثيرة فى طريق اقتناءهم لهذه الحرية على نحو أفضل. أى يمكن القول فى طريق حرية مدينة روما.

(1/9/5) لذلك سن قنسطنطين ثلاثة قوانين تنص على أن أولئك الأفراد المصدَّق عليهم ([37]) فى الكنائس، ينبغى أن يحصلوا على حرية روما. وما زالت هذه التشريعات التقوية موجودة إلى الآن([38])، فقد كانت العادة أن تنقش جميع القوانين المتعلقة بالعتق على ألواح.

(1/9/6) هكذا كانت تشريعات قنسطنطين فقد فكر فى كل شىءٍ يعلى من كرامة الدين. وقد كُرِّم الدين ليس فقط لذاته ولكن أيضا بسبب فضائل أولئك الذين شاركوا فيه آنذاك.

الكتاب الأول: الفصل العاشر

(قنسطنطين الكبير المعترف الخالد)

(1/10/1) ونظرا لأن الاضطهاد قد كف حاليا، فإن كثيرين من المسيحيين الممتازين وكثيرين من المعترفين([39]) الذين ظلوا على قيد الحياة قد زينوا الكنائس. ومن بين هؤلاء هوسيوس اسقف كوردوفا، وأمفيون اسقف ابيفانيا فى صقلية، ومكسيموس الذى خلف مكاريوس فى كنيسة أورشليم، وبافنوتيوس المصرى. وقد قيل أن الله قد أجرى معجزات كثيرة بواسطة هذا الأخير، حيث ضبط شياطين، وأعطاه نعمة إشفاء أمراض عديدة.

(1/10/2) بافنوتيوس هذا ومكسيموس الذى قد ذكرناه توا كانا من بين عدد من المعترفين الذين حكم مكسيميانوس عليهم بالعمل فى المناجم بعدما قلع عيناهما اليمنى، وأرجلهما اليسرى([40]).

الكتاب الأول: الفصل الحادى عشر

(وصف اسبيريدون. اتضاعه وثباته)

(1/11/1) لقد ازدهر فى هذه الفترة اسبيريدون  Spyridonاسقف ترميثون([41]) Trimythun فى قبرص. وأظن أن شهرته التى مازالت سارية تكفى لإظهار فضيلته. فمن الواضح أن الاعمال العجيبة التى أجراها بالمعونة الالهية، معروفة لجميع القاطنين فى نفس الاقليم. ولن اخفى الحقائق التى وصلتنى.

(1/11/2) لقد كان فلاحا ومتزوجا وله أولاد، ولكنه لم يكن فى هذا الصدد عاجزا عن بلوغ القامة الروحية. فقد رُوِى أنه فى ذات ليلة، دخل بعض الأشرار مربض غنمه، وكانوا عازمين على سرقة غنمه فرُبِطوا فجأة دون أن يربطهم أحد. وفى اليوم التالى عندما ذهب إلى الحظيرة وجدهم مُقيَّدين، فحلهم من قيودهم غير المرئية، ووبخهم على أنهم فضلوا أن يسرقوا ما هو شرعى عن أن يكتسبوه ويأخذوه، وأيضا لأنهم يقومون بهذا العمل فى الليل. ولكنه اشفق عليهم ورغب فى أن يزودهم بتعليم يقودهم إلى حياة أفضل، فقال لهم اذهبوا وخذوا هذا الكبش معكم لأنكم تعبتم من السهر، وليس من العدل أن يُلاَم عملكم هذا وتعودون فارغى اليد من حظيرتى. إن هذا العمل جدير بالإعجاب جدا ولكن ليس أقل مما سأرويه الآن.

(1/11/3) لقد عَهَد شخص ما بوديعة فى رعاية ابنته التى كانت عذراء([42]) وتدعى ارينى. ومن فرط حرصها دفنتها. وتصادف أن توفيت عقب ذلك سريعا، دون أن تذكر ذلك لأى أحد. وعندما جاء الشخص الذى أودع لديها هذه الوديعة ليطلبها من اسبيريدون لم يعرف أية إجابة يقولها له. لذا بحث عنها فى كل المنزل، ولكنه لم يكن قادرا على أن يجدها، فبكى الرجل ومزق شعره، وبدا أنه مستعد للإنتحار. فأشفق اسبيريدون عليه وذهب إلى القبر ودعى الفتاة بإسمها. وعندما ردت استعلم منها عن الوديعة. وبعد أن حصل على المعلومات المطلوبة عاد فوجد الوديعة فى المكان الذى حددته له، فأخذها وأعطاها لصاحبها.

(1/11/4) وإذ ولجتُ هذا الموضوع لن يفوتنى أن اذكر هذه الواقعة أيضا. كان من عادة اسبيريدون هذا أن يهب قدرا من ثماره للفقراء، ويُقرِض قدرا آخر لأولئك الذين يرغبون فى الاقتراض. ولكنه لم يكن يقُم بنفسه سواء فى المنح أو الاسترداد، بل كان فقط يشير إلى المخزن ويقول لأولئك الذين يأتون إليه أن يأخذوا ما يحتاجون، أو أن يردوا ما قد اقترضوه.

(1/11/5) فجاء شخص كان قد اقترض بهذه الطريقة، كأنه ينوى رد ما قد اقترض، وعندما وُجِّه كالعادة إلى المكان ليرد قرضه فى المخزن، انتهز فرصة الظلام وظن أن الأمر سيكون خفيا، ولم يفرّغ الدِين وتظاهر بأنه قد فرَّغ حمولته وانصرف كأنه عائد.

(1/11/6) ولكن ذلك لم يدم طويلا، فبعد قليل، أتى الرجل ثانية ليقترض وأُرسِل إلى المخزن بتصريح أن يأخذ ما يحتاح إليه، فلما ذهب وجد المخزن فارغا فذهب ليستفسر من اسبيريدون فقال له هذا الأخير إننى متعجب أيها الرجل لماذا أنتَ وحدك وجدتَ المخزن فارغا، وليس به ما تطلبه؟!. فكر هل أنتَ قد رددت قرضك الأول أم لا، حيث أنك تحتاج إلى آخر، وإلاَّ لما أعوزك ما تطلبه. اذهب بثقة، وستجد. فشعر الرجل بالندم واعترف بخطأه.

(1/11/7) إن حزم وتدقيق ادارة الشؤن الكنسية من جانب هذا الرجل التقى جديرة بالاعجاب. وقد قيل أنه فى مناسبة ما اجتمع اساقفة قبرص ليتشاوروا فى بعض الأمور الطارئة، وكان اسبيريدون حاضرا وتريفيليوس Triphyllius اسقف ليدرى Ledri وكان رجلا بليغا، الذى بسبب ممارسته للقانون، عاش بعض الوقت فى بيريتس([43]). وعندما إلتأم الجمع وطُلِب من تريفيليوس مخاطبة الشعب، اقتبس تريفيليوس فى خطابه النص القائل “خذ سريرك وامشى”([44])، فأحل كلمة فراشك بكلمة سريرك. فغضب اسبيريدون وتعجب وقال هل أنتَ أعظم من الذى نطق سريرك حتى تخجل من استخدام هذه الكلمة. وعندما قال ذلك التفت من عرش الكهنة وتطلع إلى الشعب، وبهذا المسلك علَّمهم أن يبقى الانسان المفتخر ببلاغته داخل قيوده وأن يستحق هذا التوبيخ. فقد كان مُكرَّما وأكثر تميزا بأعماله. وفى نفس الوقت كان يفوق ذلك الكاهن فى العمر والكهنوت.

(1/11/8) أما عن استقبال اسبيريدون للغرباء فيظهر من الرواية التالية: حدث أن أتى لزيارته مسافرٌ فى أحد أيام الصوم الأربعينى([45]) التى كان معتادا على المحافظة على استمرار الصوم فيها هو وأهل بيته، وكان يظل بلا انعاش حتى منتصف النهار. وإذ أدرك أن الغريب كان متعبا للغاية، قال اسبيريدون لإبنته تعالى اغسلى قدميه وضعى لحما أمامه. فأجابت العذراء أنه لا يوجد خبز ولا إدام فى البيت. لأنه من نافلة القول أن توجد مثل هذه الأشياء فى وقت الصوم. فصلى اسبيريدون أولا وطلب المغفرة، وأمرها أن تطهو بعضا من لحم الخنزير المملح الذى تصادف وجوده فى البيت. وعندما أُعِّد، جلس مع الغريب وتناول من اللحم، وأخبره أن يتبع مثاله. ولكن الغريب امتنع بحجة أنه مسيحى. فقال له ولهذا السبب ذاته ينبغى عليك ألا تمتنع عن تناول اللحم لأن الكلمة الإلهى بيَّن لنا أن كل شىءٍ طاهرٌ للطاهرين([46]).

هذه هى التفاصيل التى كان علىَّ أن أرويها بخصوص اسبيريدون.

الكتاب الأول: الفصل الثانى عشر

(بشأن نظام  الرهبنة: أصلها ومؤسسوها)

(1/12/1) وأولئك الذين اعتنقوا الرهبنة فى هذه الفترة لم يكونوا الأدنى فى اظهار الكنيسة بأكثر ضياء والبرهنة على حقيقة عقائدهم بسلوكهم التقوى. وفى الحقيقة، أكثر الأمور فائدة  التى يتلقاها الانسان من الله هى فلسفتهم([47]). فقد اهملوا فروعا كثيرة من الرياضيات والأساليب التكنيكية للجدل لأنهم اعتبروا أن مثل هذه الدراسات سخافات ومضيعة للوقت لا فائدة منها مدركين أنها لا تساهم بشىء نحو الحياة الصحيحة. لقد اخضعوا ذواتهم لغرس العِلم الطبيعى المفيد على وجه الحصر لكى ما يخففوا من الشر إن لم يقضوا عليه. لقد احجموا بثبات عن اعتبار أىَّ عمل ما أو مبدأ ما أنه جيد، إذا كان يشغل مكانا وسطا بين الفضيلة والرذيلة، لأنهم يبتهجون فقط بالصالح. إنهم يعتبرون أى انسان شريرا ذاك الذى بالرغم من امتناعه عن الشر لا يصنع خيرا. لأنهم لا يَظهرون بالجدل بل بالممارسة، ويعتبرون مجد الناس كلا شىء. وقهروا ببسالة أوجاع([48]) النفس، ولم يرضخوا لا لضروريات الطبيعة ولا لضعفات الجسد. وإذ اقتنوا قوة الذهن الإلهى، نظروا دوما إلى خالق الكل، ساجدين له ليلا ونهارا ومتوسلين بالصلوات والتضرعات، وأنجزوا، بواسطة ممارسة الأعمال الصالحة بنقاوة نفس، الفروض الدينية دون أدنى شعور بذنب. وازدروا بالتطهير([49]) والأوانى الشهوانية وما شابه ذلك من احتفالات. لأنهم رأوا أن الآثام وحدها هى [الأشياء] المُلامة. إنهم أكبر من المسببات الخارجية الخاضعين لها والمُمسَكين بها كما لو كانت كل الأشياء تحت سيطرتهم. ولذلك لا يحيدون عن الطريق الذى اختاروه، بسبب كوارث أو ضرورة تؤثّر فى الحياة. إنهم لا يحزنون عندما يُهَانون ولا يُدافعون عن أنفسهم عندما يتعرضون لمكيدة، ولا تخور عزائمهم عندما يُصابون بمرض، أو عوز فى الضروريات بل بالأحرى يبتهجون بمثل هذه التجارب ويحتملونها بصبر ودعة. إنهم يدربون أنفسهم طوال حياتهم على القناعة بالقليل، والاقتراب من الله كلما أمكن للطبيعة البشرية. إنهم يعتبرون الحياة الحاضرة كرحلة فقط، ولذلك ليسوا متهافتين على اقتفاء الثروة ولا على امدادات الحاضر بما يفوق الضروريات. إنهم يُعجَبون ببساطة وجمال الطبيعة ولكن رجاءهم فى السمائيات والبركات المستقبلية لإنهم غارقون بالكامل فى عبادة الله ويُحجِمون عن اللغة الفاحشة، ويُرذلون الممارسات الشريرة، لذلك لا يسمحون بمثل هذه الأشياء حتى أن تُذكَر. لقد حدوا كلما أمكن طلبات الطبيعة وأقمعوا الجسد ليقنع بالمدد المتواضع. لقد تغلبوا على الإفراط بالاعتدال، وعلى الظلم بالعدل، وعلى الباطل بالحق، وحازوا على الوسطية السعيدة فى كل شىء. وعاشوا فى اتساق وشركة مع جيرانهم. لقد زوَّدوا الأصدقاء والغرباء الذين فى حاجة ما، كلا بحسب حاجته وعزّوا الحزانى. وإذ كانوا مجتهدين فى كل شىء وغيورين فى السعى نحو الخير الأسمى، كان تعليمهم بالرغم من أنه ملتحف بالاتضاع والفطنة وخالٍ من البلاغة الباطلة، كان يحوز على قوة كدواء ناجع فى شفاء الأمراض الأخلاقية لسامعيهم. لقد تكلموا أيضا بخوف ورعدة مُحذرين من كل نزاع وغضب وتهكم. وفى الحقيقة، ساد المعقول على سائر الانفعالات غير المعقولة، وخمدت الأهواء الطبيعية والجسمانية.

(1/12/2) لقد كان يوحنا المعمدان وايلياس النبى مؤسسا هذه الفلسفة السامية، كما يقول البعض، ويروى فيلو الفيثاغورى([50]) أنه فى زمانه كان العبرانيون يلتقون معا، من سائر أرجاء الدنيا، فى مكان من البلد يقع على تل بالقرب من بحيرة ماريوتيس بقصد الحياة كفلاسفة([51]). ويصف مساكنهم، ونظامهم اليومى، وعاداتهم، والتى كانت تماثل نلك التى نقابلها اليوم فى رهبان مصر. ويقول أنه من اللحظة التى يُخضِعون فيها أنفسهم لدراسة الفلسفة يتخلون فيها عن مقتناياتهم لأقربائهم، ويهجرون الأعمال والمجتمع ويسكنون خارج الأسوار منفردين فى الحقول والبساتين. ويخبرنا أيضا أنه كان لهم مبانى مقدسة، كانوا يدعونها أديرة، كانوا يسكنون فيها منفردين([52]) وينشغلون بالإحتفال بالسرائر المقدسة وعبادة الله بالمثابرة على التسابيح والمزامير. ولا يذوقون طعاما قط قبل غروب الشمس، وبعضهم يتناولون طعاما كل ثلاثة أيام فقط، أو حتى مدة أكثر. وأخيرا، يقول أنه فى أيام معينة ينطرحون أرضا ويمتنعون عن النبيذ ولحم الحيونات، وطعامهم الخبز فقط ممزوجا بالملح والزوفا([53])، وشرابهم الماء. وأنه كانت هناك نساء بينهم عاشوا كعذارى إلى الشيخوخة محبة فى الفلسفة، واختاروا بإرادتهم الطواعية التبتل.

(1/12/3) وفى هذه الرواية يبدو أن فيلو يصف يهودا معينين اعتنقوا المسيحية، ولكنهم ظلوا يُبقون على عادات أمتهم. إذ لم توجد أيٌ من ملامح هذا النمط من الحياة فى أى مكان آخر. ومن ثمة فإننى أخلص إلى أن هذه الفلسفة([54]) قد ازدهرت فى مصر فى هذه الفترة. ومع ذلك، يؤكد آخرون أن هذا النمط من الحياة قد نتج عن الاضطهادات التى كانت تثور من وقتٍ إلى آخر والتى بسببها اضطر الكثيرون إلى الفرار إلى الجبال والصحارى والغابات ثم صاروا يعتادون هذا النوع من الحياة([55]).

الكتاب الأول: الفصل الثالث عشر

 (عن انطونيوس الكبير وبولس البسيط)

(1/13/1) وسواء أكان المصريون أم غيرهم هم الذين أسسوا هذه الفلسفة، فإن المعتقد به على نحو عام أن انطونيوس([56]) الراهب العظيم قد نما بمنهج الحياة هذه بممارسات أخلاقية ولائقة حتى بلغت ذروة الكمال والدقة.

(1/13/2) لقد انتشرت شهرته فى سائر أرجاء صحارى مصر إلى درجة أن الإمبراطور قنسطنطين بسبب شهرة فضائل هذا الرجل، التمس صداقته وكرَّمه بالمراسلات وحثه على أن يكتب [له] بما يحتاجه.

(1/13/3) لقد كان مصريا بالجنس، وينتمى إلى أسرة عريقة فى “كوما” التى كانت تقع بالقرب من هيراكليا التى على الحدود المصرية. لقد كان شابا بعد عندما فقد والديه، فوهب ميراثه الأبوى لرفقائه القرويين، وباع باقى ممتلكاته ووزع الباقى على المحتاحين لأنه كان يعى أن الفلسفة لا تعنى مجرد ترك الممتلكات بل توزيعها المضبوط. وحصل على اعتراف الرجال المكرسين فى أيامه واحتذى بفضائل الجميع. واعتقادا منه أن ممارسة الصلاح ستكون مبهحة بالتعود، على الرغم من الحماس الخارجى، فإنه تأمل فى أكثر أساليب النسك كثافة، وتراكمت يوما فيوم عن طريق ضبط النفس مثلما كان يُوصِى دائما الذين تحت اشرافه. لقد أخضع ثورات الجسد بالعمل، وألجم أوجاع النفس بمعونة الحكمة الإلهية. كان طعامه الخبز والملح، وشرابه الماء، ولم يكسر صومه قط قبل غروب الشمس. وغالبا ما كان يظل يومان أو ثلاثة بدون أكل. لقد سهر طوال الليل، هكذا يُقال، واستمر فى الصلاة إلى مطلع النهار. وإذا ما غلبه النوم فى أى وقت كان ذلك لفترة قصيرة على حصيرة قصيرة، فلقد كانت الأرض الغبراء فراشه بصفة عامة. لقد رفض عادة التدهن بالزيت، وبالمثل استخدام الحمامات([57])، ووسائل الترف المماثلة لراحة تعب الجسد بالترطب، وقيل أنه لم ير نفسه قط عاريا. لم يكن متعلما ولكنه حاز على فهم جيد إذ كان متقدما فى الحروف ومكتشفا لها. كان وديعا للغاية ومحبا لخير البشر، فطنا وشهما حارا فى المحاورات، ودودا فى المجادلات حتى عندما يستخدم الآخرون الموضوعات الجدلية كمناسبة للنزاع، كان بسلوكه الخاص وبنوع من الذكاء يستمر فى الهدوء عندما يحتدمون، ويردهم إلى الاعتدال وأيضا كان يُلطَف من حمية المجادلين له ويضبط سلوكهم. وعلى الرغم من أنه قد صار بسبب فضائله غير العادية مملوءً من نعمة سبق المعرفة، فإنه لم يعتبر سبق المعرفة بالمستقبل فضيلة، ونصح الآخرين بشدة ألاَّ يمتلكوا هذه الفضيلة، لأنه اعتبر أن أحدا ما لن يُعاقَب أو يُجازَى بحسب جهله أو معرفته للآتيات، لأن البركات الحقيقية تكمن فى عبادة الله وحفظ نواميسه. ولكنه قال إن عرف أى إنسان المستقبل فعليه أن يتطهَّر بإستمرار فى النفس لأنه سيستطيع أن يسير حينئذ فى النور وسيفهم الأمور العتيدة أن تحدث لأن الله سيكشف له المستقبل. إنه لم يسمح لنفسه أبدا أن يكون خاملا، بل حث جميع أولئك الذين بدوا أنهم يرغبون فى حياة صالحة على الاجتهاد فى العمل، وعلى فحص الذات والاعتراف بالخطية أمام ذاك الذى خلق النهار والليل. وكان يحثهم على تسجيل زلاتهم كتابة عندما يضلون كى ما يخجلون من خطاياهم، ويخافون من أن يجدوا خطايا كثيرة مسجلة لأنه سيخاف أن يصل المكتوب إليه فينكشف للناس الآخرين كشخصية فاجرة.

(1/13/4) إنه خلاف الآخرين، جميعا، انبرى للدفاع عن المتألمين بأقصى غيرة ونشاط، وفى حالتهم كان يلجأ حتى إلى المدن، إذ أن كثيرين قد أتوا إليه وألزموه أن يتشفع من أجلهم لدى الحكام ورجال السلطة. ولقد شعر الجميع بالشرف عند رؤيته، وأصغوا بشدة لخطابه واستسلموا لحججه، لكنه فضَّل أن يظل مجهولا ومخفيا فى الصحراء. وعندما كان يُلزَم بالنزول إلى المدينة، لم يتوان قط فى الرجوع سريعا إلى الصحراء بمجرد إنجاز العمل الذى نزل من أجله. لأنه، كما قال، كما أن السمك لا يستطيع أن يعيش خارج المياه، هكذا الصحراء هى العالم الذى أُعِّد للرهبان. وكما أن السمك يموت متى أُلقِّى على اليابس هكذا تفقد الأديرة جاذبيتها متى نزلت إلى العالم. لقد ألزم نفسه بالطاعة والكرم لكل مَن كان يراه، وكان حريصا ألا يدع أو يبدو عليه طبيعة رياء.

(1/13/5) لقد أوردتُ هذا الوصف الموجز عن انطونيوس حتى يمكن تكوين فكرة عن فلسفته عن طريق الاستنتاج من وصف سلوكه فى الصحراء.

(1/13/6) وكان له تلاميذ مشهورين كثيرين، ازدهر بعضهم فى مصر وليبيا، وآخرون فى فلسطين([58]) وسوريا والعربية. ولم يكونوا أقل من معلِّمهم. إذ عاش كل منهم مع مَن سكنوا معه، ونظَّم سلوكهم، وعلَّم الكثيرين، وتوَّجهم بفضائل كثيرة وفلسفة.

(1/13/7) لكن من الصعب على أىّ أحدٍ أن يتتبع رفقاء انطونيوس أو خلفائهم من خلال الاهتمام بالذهاب إلى المدن أو القرى لإكتشافهم. لأنهم رأوا أن الاختفاء يكون أكثر حرارة عن الرجال الباحثين عن الشهرة والصيت والمظهر.

(1/13/8) ولابد أن نروى بترتيب زمنى تاريخ أكثر تلاميذ انطونيوس([59]) شهرة وبصفة خاصة بولس الملَّقب بالبسيط. لقد قيل أنه كان يسكن فى الريف، وكان متزوجا من امرأة جميلة. وحدث أن ضبطها ذات يوم فى فعل زنى، فإندهش وضحك وأكَّد بقسم أنه لن يحيا معها بعد الآن بتاتا. فتركها مع الزانى وذهب للتو للإنضمام إلى انطونيوس فى الصحراء. وأكثر من ذلك يُروَى عنه أنه كان وديعا وصبورا للغاية، وإذ كان مسنا وغير معتاد على الشفاء النسكى قام انطونيوس بإختبار قدراته بطرق عديدة كوافد جديد ولم يتوصل إلى أمر سلبى. وإذ قدَّم دليلا على كمال الفلسفة([60])، أُرسِل ليحيا بمفرده إذ لم يعد فى حاجة إلى معلِّم. وقد صدَّق الله نفسه على شهادة انطونيوس، وأظهَر الرجل كأكثر إنارة بأعماله العظيمة، حتى عن معلّمه فى طرد وإخراج الشياطين([61]).

الكتاب الأول: الفصل الرابع عشر

(عن القديس آمون، ويوتيخيوس فى أوليمبوس)

(1/14/1) وفى نحو هذه الفترة تبنى آمون المصرى [هذه] الفلسفة. لقد قيل أنه قد أُجبِر على الزواج من قِبل أسرته. ولكنه لم يعرف أبدا زوجته جسديا، لأنه فى يوم زواجه عندما كانا منفردين، وبينما يقود كعريس عروسه إلى فراش الزوجية، قال لها آه يا أمراة إن زواجنا قد حدث ولكنه لم يكمل. وعندئذ أظهر لها من الأسفار المقدسة أن خيرها الرئيسى أن تبقى عذراء وحثها على الحياة منفردين. وقد اقتنعت بحُججه بشأن البتولية، ولكنها كانت محصُورة بفكرة الحياة المنفصلة عنه. ولذلك على الرغم من أنه كان يعيش فى فراش منفصل، فإنه ظل لمدة ثمانى عشرة سنة لا يهمل تدريباته الرهبانية.

(1/14/2) وفى النهاية تشددت المرأة بقوة بفضيلة زوجها واقتنعت أنه ليس من العدل لرجل كهذا أن يعيش بسببها فى المجال البيتى. ورأت أنه من الضرورى لكل منهما من أجل الفلسفة أن يعيش بمفرده منفصلا عن الآخر فإلتمست من زوجها هذا.

(1/14/3) لذلك رحل بعد أن شكر الله على مشورة زوجته وقال لها ابقِ أنتِ فى هذا البيت وأنا سأصنع آخر لنفسى، واعتزل فى مكان صحراوى جنوب بحيرة مريوط بين الاسقيط وجبل يُدعى نيتريا.

(1/14/4) وهكذا كرَّس نفسه خلال إثنين وعشرين سنة للفلسفة، وكان يزور زوجته مرتين فى السنة. وكان هذا الرجل التقى مؤسس الأديرة هناك [أى فى نيتريا] وجمع حوله الكثيرين من التلاميذ، كما تُظهِر السجلات.

(1/14/5) وحدثت له كثير من الأحداث غير العادية التى سُجِلَّت بدقة من قِبل الرهبان المصريين، الذين بذلوا كلَّ ما فى وسعهم لإحياء ذكرى فضائل أقدم النساك، وحفظوها فى تقليد شفاهى غير مكتوب متعاقب([62]). واننى سأروى بعضها على قدر معرفتنا.

(1/14/6) حدث أن خرج آمون وتلميذه ثيودور ذات يومٍ فى سفر إلى مكان ما، واضطر إلى عبور قناة تُدعَى ليكوس. فأمر آمون ثيودور أن يرجع إلى الخلف لئلا يرى كل منهما عرى الآخر. وإذ كان هو بالمثل يخجل أن يرى نفسه عاريا، شعر بقوة إلهية تمسكه وتحمله إلى الضفة الأخرى. وعندما عبر ثيودور المياه أدرك أن ثياب وأقدام الكبير ليست مبتلة، وعندما استعلم عن السبب لم يتلق جوابا. فألح بشدة فى هذا الموضوع، وأخيرا اعترف آمون بعد أن اشترط عليه ألا يذكر ذلك خلال حياته بالحقيقة.

(1/14/7) وفيما يلى معجزة أخرى من نفس النوع. أحضَر إليه بعض الأشرار ابنا عقره كلب مسعور وكان على شفا الموت، وتوسلوا إليه بدموع أن يشفيه. فقال لهم: ابنكم ليس فى حاجة الىَّ ليُشفى، ولكن إن رغبتما فى شفائه، فردوا الثور الذى سرقتموه إلى أصحابه، فيُشفَى فى الحال. وكانت النتيجة كما توقع. رُدَّ الثور، وشُفِىَّ الابن فى الحال.

(1/14/8) وقيل أنه عندما توفى آمون رأى انطونيوس روحه صاعدة إلى السماء، وتقوده القوات السمائية مرتلة المزامير. وعندما سأله مرافقوه عن علة اندهاشه، لم يُخفِ الأمرَ عنهم، لأنه كان ينظر إلى السماء بشدة وكانت دهشته واضحة من المنظر العجيب. وبعد ذلك بوقت قصير حضر أناس من الاسقيط، وأبلغوا ساعة وفاة آمون. وتأكدت حقيقة ما قد قاله انطونيوس.

(1/14/9) وهكذا كما شهد جميع الصالحين كان كلٌ من هؤلاء الرجال القديسين مباركا فى سلوك معين. الواحد براحته من هذه الحياة، والآخر بإعتباره مستحقا لمعاينة المشهد العجيب الذى أراه اياه الرب. لأن انطونيوس وآمون كانا يعيشان على مسافة سفر عدة أيام بين بعضهما البعض. وهذه الرواية تُلِيَت من قِبل الذين كانوا مُلمين شخصيا بكل منهما.

(1/14/10) واننى مقتنع أنه فى خلال هذه الفترة كان تبنى يوتيخيانوس Eutychianus للفلسفة([63])، وقد اختار موضع اقامته فى بيثينيا بالقرب من اوليمبس وكان ينتمى إلى شيعة النوفاتيين([64]). وكشريك فى النعمة الإلهية شفى أمراض وأجرى معجزات، وبسبب شهرة حياته الفاضلة حرص قنسطنطين على صداقته به وعلاقته الحميمة.

(1/14/11) وفى حوالى ذلك الوقت حدث أن أُتهِم أحد الحرس الخصوصيين بأنه يدبر مكيدة ضد السلطة، فهرب. وبعد بحث عُثِر عليه بالقرب من اوليمبس. فإلتمس اقرباؤه من يوتيخيانوس أن يتشفع عنه لدى الإمبراطور وفى نفس الوقت يطلب رفع القيود عن الأسير لئلا يموت تحت ثقلها.

(1/14/12) ويُروَى أنَّ يوتيخيانوس ارسل إلى الضباط الذين يضعون الرجل فى الحبس طالبا منهم أن يحلوا القيود عنه. وعندما رفضوا ذهب بنفسه إلى السجن وكانت أبوابه موصدة وفتحها فسقطت القيود عن الأسير. وارسل يوتيخيانوس تقريرا بعد ذلك إلى الإمبراطور الذى كان يقيم آنذاك فى بيزنطة وحصل بسهولة على عفو. لأن قنسطنطين لم يكن يبغى رفض طلبه، لأنه كان يكرم الرجل بشدة.

(1/14/13) لقد أوردتُ الآن بإيجاز تاريخ معلمى الفلسفة الرهبانية الأكثر شهرة. فإذا أراد أى شخص الحصول على معلومات أكثر دقة عن هؤلاء الرجال فسيجدها فى السير التى كُتِبَت عن الكثيرين منهم.

الكتاب الأول: الفصل الخامس عشر

(الهرطقة الاريوسية. منشأها، وتطورها، والنزاع الذى سببته بين الأساقفة).

(1/15/1) على الرغم من أن الديانة  كانت، كما رأينا، فى حالة مزدهرة إلا أن الكنائس كانت فى نزاع مرير. لأنه تحت زعم التقوى والبحث عن الاكتشاف الأكثر كمالا لله، ثارت مسألة معينة لم تكن قد نوقشت حتى الآن بعد.

(1/15/2) وكان اريوس مُنشِىء هذه المنازعات. لقد كان كاهنا بكنيسة الاسكندرية فى مصر، وكان فى البداية مفكرا غيورا فى العقيدة ومشايعا لابتداعات مليتيوس Melitius. وفى الحقيقة، مع أنه قد هجر رأى هذا الأخير وسيم شماسا بيد بطرس اسقف الاسكندرية([65]) الذى طرده فيما بعد من الكنيسة. لأنه عندما حرم مشايعو مليتيوس ورفض معموديتهم، هاجمه اريوس بسبب ذلك، ولم يستطع الصبر.

(1/15/3) وبعد استشهاد بطرس، طلب اريوس المغفرة من اخيلاس([66]) Achillas الذى رده إلى رتبته كشماس ثم رقاه فيما بعد إلى كاهن. وفيما بعد رفع الكسندروس([67]) من شأنه كثيرا إذ كان منطقيا لامعا، فقد قيل عنه أنه لم تكن تعوزه هذه المعرفة، فسقط فى مناقشات سخيفة لدرجة أنه كان يعظ فى الكنيسة بأى شىء لم يثيره أحدٌ من قبله. أى أن ابن الله لم يكن له وجود سابق، وأنه كان هناك وقت لم يكن موجودا فيه، وأنه لمَّا كان يملك إرادة حرة فقد كان قادرا على فعل الرذيلة والفضيلة. وأنه مخلوق ومصنوع. والى جانب ذلك أضاف مزاعم أخرى كثيرة مع ازدياد مجادلاته وتفاصيل خطابه.

(1/15/4) وقد لام أولئك الذين سمعوا هذه الأفكار، الكسندروس لعدم اعتراضه على الابتداعات التى لا تتفق مع العقيدة. ولكن هذا الاسقف رأى أنه من الحكمة أن يدع كل طرف حرا فى مناقشة الموضوعات محل الشك، حتى يمكن بالاقناع وليس بالقوة توَّصل كلا الطرفين إلى أن يكفَّا عن النزاع. ومن ثم جلس كقاضى مع بعض كهنته وقاد الطرفين فى مناقشة.

(1/15/5) ولكن حدث فى هذه المناسبة كما هو الحال فى حالة أى منازعة كلامية، أن إدعى كل طرفٍ الانتصار[لرأيه]. فقد أكد اريوس مزاعمه، أما الآخرون فقد أقروا بوحدانية الابن مع الاب وأزليته. والتأم المجمع لثانى مرة، ونوقشت فيه نفس المسألة. ولكنهم لم يتوصلوا فيما بينهم إلى أية نتيجة. وخلال الجدل بدا أن الكسندروس يميل إلى أحد الجانبين تارة وإلى الجانب الآخر تارة أخرى. وأخيرا أعلن أنه مناصر لأولئك الذين يؤكدون أن الابن مساوٍ للآب وأزلى معه. وأمر اريوس بقبول هذه العقيدة ورذل آرائه السابقة.

(1/15/6) ولكن اريوس لم يُبدِ مع ذلك أيَّ قبولٍ، واعتبر كثيرون من الاكليروس والاساقفة عبارته العقيدية صواب. ولذلك حرمه الكسندروس هو والكهنة الذين شايعوه فى بدعته من الكنيسة.

(1/15/7) وكان ممن شايعوه من كهنة ايبارشية الاسكندرية، اشيلاوس واخيلاوس وكاربونس وسارناتس واريوس والشمامسة يوزويوس ومكاريوس ويوليوس وميناس وهيلاديوس. وكثيرون من الناس أيضا شايعوهم. البعض لأنهم ظنوا أن تعليمهم من الله، وآخرون، كما يحدث مرارا فى مثل هذه الحالات. لأنهم اعتقدوا أنهم عوملوا معاملة سيئة وحُوكِموا بغير عدلٍ. وهكذا كانت أحوال كنيسة الاسكندرية.

(1/15/8) لذلك رأى حزب اريوس أنه من الفطنة البحث عن مساندة اساقفة المدن الأخرى، فأرسلوا التماسات إليهم ورسالة مكتوبة بعقائدهم سائلين اياهم، إذا رأوا أنها من الله فعليهم أن يُخطروا الكسندروس ألا يزدرى بهم. ولكن إذا لم يوافقوا على هذا التعليم فعليهم أن يُعلِموهم بما هى الاراء السليمة التى يتعيَّن الأخذ بها.

(1/15/9) ولم يكن هذا الاحتياط بالفائدة القليلة لهم إذ صارت مفاهيمهم هكذا منتشرة على نطاق واسع وصارت المسائل التى أثاروها محل جدل بين سائر الاساقفة. فالبعض كتب إلى الكسندروس يلتمس منه عدم قبول حزب اريوس فى التناول ما لم يرذلوا آرائهم. بينما كتب إليه آخرون يحثونه على منحى آخر مضاد.

(1/15/10) وعندما أدرك الكسندروس أن كثيرين من المعتبرين بسلوكهم التقوى المظهرى، ولهم وزنهم فى البلاغة والاقناع قد انحازوا إلى اريوس، وبصفة خاصة يوسبيوس رئيس كنيسة نيقوميديا، وهو رجل متعلم وله شهرة عاليه فى القصر. كتَب إلى اساقفة سائر الكنائس طالبا اياهم عدم قبول شركتهم فى التناول الأمر الذى أضرم الغيرة أكثر لدى كل طرف.

(1/15/11) وكما كان الامر متوقعا تزايد النزاع، ورجا يوسيبيوس [النيقوميدى] وحزبه الكسندروس مرار، ولكنه لم يقتنع لدرجة أنهم اعتبروا ذلك اهانة لهم فصاروا عنيدين وأيدوا بالأكثر تعليم اريوس. فعقدوا مجمعا فى بثينية وكتبوا إلى جميع الاساقفة يُرِّغبوهم فى التناول مع الاريوسيين بإعتبارهم أنهم يأخذون بتعليم الحق، وأن يطلبوا من الكسندروس التناول معهم بالمثل.

(1/15/12) وإذ لم يوافق الكسندروس على هذه الشكوى أرسل اريوس رسلا إلى بولينوس اسقف صُور وإلى يوسيبيوس بامفيلوس رئيس كنيسة قيصرية فى فلسطين([68])، والى باتروفيلوس اسقف سكيثوبوليس([69]) يلتمس التصريح له ولمشايعيه بإعتبار أنهم نالوا سابقا رتبة الكهنوت أن يشكلوا هم والشعب الذين معهم كنيسة.

(1/15/13) لأن العادة فى الاسكندرية كانت وما زالت فى أيامنا الحالية([70]) أن تكون سائر الكنائس تحت اشراف اسقف واحد. ولكن كل كاهن له كنيسته التى يجتمع فيها مع شعبه. فمنح هؤلاء الاساقفة الثلاثة بالاتفاق مع آخرين من الذين اجتمعوا فى فلسطين اريوس ما قد طلبه وسمحوا له بالاجتماع مع الشعب كما كان قبلا على أن يخضع لالكسندروس. وأمروا اريوس أن يجاهد بشدة من أجل إعادة السلام والشركة معه([71]).

الكتاب الأول: الفصل السادس عشر

(قنسطنطين يسمع بنزاع الاساقفة واختلاف وجهات النظر بشأن الفصح. يُرسل  هوسيوس اسقف كوردوفا إلى الأسكندرية ليزيل الشقاق بين الاساقفة)

(1/16/1) وبعد ان انعقدت مجامع كثيرة فى مصر، وكان النزاع مازال مستمرا ويتزايد عنفا، وصلت تقارير الشقاق إلى القصر، وانزعج قنسطنطين لذلك بشدة، لأنه فى الوقت الذى بدأت فى المسيحية تنتشر بصفة عامة، احجم كثيرون عن اعتناقها بسبب اختلاف العقيدة. واتهم الإمبراطور علانية اريوس والكسندروس بخلق هذا الاضطراب، وكتب مؤنبا لهما على جعل هذا الجدل علانية والذى كان بإمكانهما اخفاؤه، وعلى استمرارهما فى إثارة مسألة كان ينبغى عدم إثارتها بتاتا، أو كان على الأقل عرض وجهة نظرهما بهدوء. وقال لهما أنه يجب ألا ينفصلا عن بعضهما بسبب اختلاف المفاهيم بشأن نقاط عقيدية معينة. لأنه بالنسبة للعناية الإلهية ينبغى للجميع أن يتمسكوا بنفس الإيمان الواحد، ولكن الأبحاث الدقيقة فى هذا المجال وخاصة إذا لم تؤدِ بهم إلى رأى واحد، فيجب أن تتم سرا فى جميع الأحوال. وحثهم على الانصراف عن كل كلام لغو بشأن مثل هذه النقاط وأن يكونوا بفكر واحد، إذ أنه قد حزن كثيرا. ولذا عدل عن عزمه على زيارة مدن الشرق.

(1/16/2) هكذا كتب إلى الكسندروس واريوس مؤنبا وواعظا لهما معا. كذلك كان قنسطنطين حزينا بشدة بشأن تباين الآراء بخصوص الاحتفال بالفصح. لأن بعض مدن الشرق، اختلفت فى هذه النقطة على الرغم من أنها لم تمتنع عن الاشتراك فى التناول معا. لقد احتفظوا بالاحتفال حسب اسلوب اليهود، وكما هو طبيعى، ألغوا نتيجة لهذه الحالة ذبيحة الاحتفال الفاخرة.

(1/16/3) فحث الإمبراطور الطرفين بحماس على ازالة عِلل الشقاق هذه من الكنيسة، والتفكير فى ازالة الشر قبل أن يستفحل. فأرسل شخصا مُكرَّما لإيمانه وبحياته الفاضلة، ومحل تقدير فى تلك الأيام السابقة بسبب اعترافه بشأن هذه العقيدة، ليصالح المنشقين معا فى مصر بسبب العقيدة، وأولئك المختلفين حول الفصح فى الشرق. هذا الرجل كان هوسيوس Hosius اسقف كوردوفا([72]) Cordova.

الكتاب الأول: الفصل السابع عشر

(مجمع نيقية بسبب اريوس)

 

(1/17/1) ولما وجد الإمبراطور أن الحدث لم يتجاوب مع توقعاته بل على النقيض استعصى النزاع بشدة على نحو لا يمكن التصالح فيه، لدرجة أن الذى أرسله ليصنع سلاما عاد دون أن يتمم مهمته، دعا إلى عقد مجمع فى نيقية([73]) ببيثينيا. وكتب إلى سائر الرجال البارزين فى كل الكنائس فى كل اقليم ليجتمعوا هناك فى يوم معين.

(1/17/2) فحضر من بين الذين شغلوا الكراسى الرسولية: مقاريوس من أورشليم، يوستاثيوس رأس كنيسة انطاكية على اورنتس([74])، والكسندروس([75]) من الأسكندرية بالقرب من ماريوط. ولكن يوليوس اسقف روما لم يستطع الحضور بسبب شيخوخته الطاعنة فأرسل فيتو وفيسنتيوس كهنة كنيسته. وكذلك رجال اخرون متميزين من بلاد متعددة، اجتمعوا معا. بعضهم كانوا مكرمين لعلمهم وبلاغتهم ومعرفتهم بالأسفار المقدسة وآخرون لتهذبهم. البعض لفضائل حياتهم، وآخرون لأنهم يجمعون كل هذه الصفات. وقد حضر حوالى ثلاثمائة وعشرون اسقفا([76]) بصحبة حشد من الكهنة والشمامسة. وبالمثل حضر رجال مهرة فى البلاغة وجاهزون للمساعدة فى المناقشات.

(1/17/3) وكما هى العادة المعتادة فى هذه المناسبات حضر كهنة كثيرون إلى هذا المجمع بغرض تحقيق مصالح خاصة بشؤونهم الخاصة، إذ اعتبروها فرصة مواتية للتعبير عن احزانهم، وعن أى أمر وجدوه خطأ فى الباقين. وقدَّموا دعاوى للإمبراطور يذكرون فيها التعديات التى ارتكبت ضدهم. فعيَّن الإمبراطور يوما معينا ليتم احضار سائر هذه الدعاوى له.

(1/17/4) وعندما حلَّ الوقت المعيَّن، استلم الدعاوى التى قُدِّمت له وقال: كل هذه الاتهامات ستنُاقش فى حينها فى يوم الدينونة العظيم، وسيتم الحُكم فيها من قِبل الديان الأعظم لسائر البشر. وبالنسبة لى ما أنا سوى بشر، وسيكون شرا لى أن احتاط عِلما بمثل هذه الأمور، إذ أن الشاكى والمشكو منه كهنة، وينبغى ألاَّ يسلكوا هكذا بتاتا، وأن يكونوا تحت حُكم آخرين ([77])، لذلك حاكوا المحبة الإلهية ورحمة الله وتصالحوا مع بعضكم بعضا. وليسحب كل واحد اتهاماته ضد الاخر، ودعونا نكرس اهتمامانا لتلك الموضوعات المتعلقة بالإيمان الذى اجتمعنا بسببه.

(1/17/5) وبعد هذا الخطاب([78]) أمر الإمبراطور بحرق سائر الدعاوى التى قُدِّمت له لكى يجعل دعوى كل واحد كأن لم تكن. ثم حدد يوما لحل النقاط المشكوك فيها.

(1/17/6) ولكن قبل أن يحل الوقت، اجتمع الاساقفة معا، ودعوا اريوس للحضور، وبدأوا يتباحثون معا فى الموضوعات محل النزاع. وبدأ كل واحد منهم يعرض وجهة نظره. وكما هو متوقع برزت مسائل مختلفة كثيرة فى المناقشة. فقد تحدث بعض الاساقفة ضد ادخال ابتداعات ضد الايمان المُسلَّم لهم منذ البداية، وأكَّد المشايعون لبساطة العقيدة بأن الايمان بالله ينبغى أن يُقبَل بدون استعلام فضولى. ومع ذلك جادل آخرون قائلين أن الآراء القديمة لا يجب أن تُتَّبع بدون فحص. وقد صار كثيرون من الاساقفة الذين اجتمعوا ومن الكهنة الذين معهم، بسبب مهارتهم فى الحوار وخبرتهم بمثل هذه الأساليب البلاغية، على دراية كاملة وأدركوا اشارة الإمبراطور والبلاط.

ومن هذا العدد أثناسيوس الذى كان آنذاك شماسا، وصحب الكسندروس. فقد بدا له النصيب الأكبر بشأن هذه الموضوعات.

الكتاب الأول: الفصل الثامن عشر

(فيلسوفان يهتديان إلى الإيمان، بواسطة بساطة إثنين من كبار السن)

(1/18/1) وبينما كانت هذه المجادلات جارية، شغف بعض الفلاسفة الوثنيين فى الاشتراك فيها. بعضهم لأنهم أرادوا معرفة العقيدة المتنازع عليها، وبعضهم لشعورهم بالضيق من جهة المسيحيين بسبب الضغط على الديانة الوثنية، فأرادوا تحويل الاستعلام عن العقيدة إلى معركة شفاهية حول الكلمات، فيُدخِلون الشقاق بينهم، ولكى ما يُظهِروهم بأنهم يتمسكون بمفاهيم متناقضة.

(1/18/2) ويُروَى أن أحد هؤلاء الفلاسفة بدأ يسخر بالكهنة وهو مفتخر بتميزه فى عِلم البلاغة  فأثار بذلك مشاعر رجل مسن كان محل تقدير كبير كمعترِف، الذى على الرغم من عدم مهارته فى الحجج المنطقية وعِلم الكلام، تصدى لمعارضته. فالأقل جدية مِمن يعرفون هذا المعترِف انفجروا ضاحكين من انشغاله بهذه الأمور، أما المفكرون منهم فشعروا بالقلق لئلا وهو يتصدى لرجل بليغ هكذا يُظهِر نفسه سخيفا. بيد أن تأثيره كان عظيما وسمعته كانت عالية بينهم جدا لدرجة أنهم لم يستطيعوا منعه من المجادلة.

(1/18/3) ومِن ثم قدَّم نفسه بالكلمات التالية: بإسم يسوع المسيح اصغِ الىَّ، هناك إله واحد، صانع السماء والأرض، وجميع الأشياء المنظورة وغير المنظورة. صنع جميع الأشياء بقوة الكلمة وأسسها بقداسة روحه. الكلمة الذى ندعوه ابن الله، عندما رأى أن الانسان كان غارقا فى الخطأ ويعيش مثل الحيوانات اشفق عليه وتنازل أن يولد من امرأة ليتعامل مع البشر، ولكى يموت من أجلهم. وهو سيأتى ثانية ليدين كل واحد منا حسب أعماله فى هذه الحياة الحاضرة. ونحن نؤمن بكل بساطة أن هذه الأمور حقيقية. لذلك لا تُضيّع تعبك باطلا بالمجادلة لإثبات عدم حقيقية أمور لن تُفهَم إلا بالإيمان، أو بالبحث فى حقيقة ما إذا كانت هذه الأمور قد حدثت أم لم تحدث. أجبنى هل تؤمن؟. وإذ اندهش الفيلسوف مما حدث أجابه أومن. وبعد أن شكر الرجل المسن لأنه غلبه فى المحاججة، بدأ يُعلِّم نفس العقائد للآخرين. وحث أولئك المتمسكين بتعاليمه السابقة على تبنى وجهات النظر التى اعتنقها مؤكدا لهم بقسم أنه قد أُجبِر على اعتناق المسيحية بدافع لا يمكن شرحه.

(1/18/4) وقد قيل أن أعجوبة مماثلة قد حدثت بواسطة الكسندروس الذى ترأس كنيسة القنسطنطينية. فعندما عاد قنسطنطين إلى بيزنطة، جاء إليه بعض الفلاسفة ليشكون له من البدع فى الدين، وبصفة خاصة من إدخال شكل جديد للعبادة فى الدولة مضادٌ لما اتبعه آبائهم وجميع السلاطين السابقين، سواء بين اليونانيين أو الرومان. وأرادوا بالمثل منازلة الكسندروس الاسقف بخصوص العقيدة. فقبل، نزولا على أمر الإمبراطور، بمحاججتهم على الرغم من عدم مهارته بمثل هذه المجادلات المنطقية، وربما عن اقتناع بحياته([79]) إذ رأى أنه رجل صالح وطيب.

(1/18/5) وعندما اجتمع الفلاسفة طلب منهم أن يختاروا شخصا واحدا يمثلهم يُقدّروه هم، بينما يبقى الباقون صامتين، إذ كان كل واحد منهم يريد المناقشة. وعندما بدأ واحد من الفلاسفة يقود المجادلة، قال له الكسندروس اننى آمرك بإسم يسوع المسيح ألا تتكلم، فصمت الرجل فى الحال. لذلك كان من الصواب اعتبار صمت الرجل فى الحال وهو فيلسوف معجزة أعظم إذ يصمت فى الحال بمجرد كلمة أو أن تنحدر صخرة بكلمة، وهى المعجزة التى سمعتُ البعض ينسبها إلى يوليانوس الملقب بالكلدانى([80]). وقد فهمتُ أن هذه الأمور قد حدثت على النحو المذكور عاليه.

الكتاب الأول: الفصل التاسع عشر

(خطاب الامبراطور فى المجمع)

(1/19/1) وأجرى الاساقفة مشاورات طويلة. وبعد أن استدعوا اريوس أمامهم اجروا اختبارا دقيقا لمقترحاته وكانوا معتنين بشدة من جانبهم ألا يُصوتوا لأىٍ من الطرفين.

(1/19/2) وعندما حل اليوم المعيَّن الذى تحدد لتسوية المسائل المتنازع عليها، اجتمعوا معا فى القصر، لأن الإمبراطور عقد عزمه على القيام بدور فى المداولات. وعندما كان، فى نفس المكان مع الكهنة اجتاز إلى رأس المؤتمر وجلس على العرش الذى أُعِد له، وأُمِر المجمع عندئذ بالجلوس حيث رُتِّبت المقاعد على الجانبين على طول جدران الغرفة الملكية، حيث كانت الأكبر وتفوق الأخرى.

(1/19/3) وبعد أن جلسوا، نهض يوسيبيوس بامفيلوس([81]) وألقى كلمة فى شرف الإمبراطور بعد أن رد الشكر إلى الله.

وعندما كفَّ عن الكلام وعاد الصمت، قدَّم الإمبراطور نفسه بالكلمات التالية:

إننى اشكر الله على كل شىء ولكن بالأخص يا اصدقائى على أنه سمح لى ان أرى مؤتمركم، الأمر الذى يفوق صلاتى أن يجتمع كهنة المسيح فى نفس المكان. والآن ارغب فى أن تكونوا جميعا بفكر واحد وشركاء فى حُكم مُرضى، لأننى احسب أن انشقاق كنيسة الله أخطر من أى شر آخر. لذلك عندما أُعلِن أمرٌ غير مرغوب فى سماعه، وفهمتُ أنكم كنتم مختلفين فى الرأى حزنتُ فى نفسى بشدة، إذ أنكم مرشدو العبادة الإلهية وصانعى السلام. ولهذا السبب دعوتكم([82]) إلى مجمع مقدس. وإذ أننى امبراطوركم وشريككم فإننى التمس منكم معروفا مقبولا عند ربنا كلنا، ويكون مُكرَّما لى ولكم. آلا وهو أن تفحصوا أسباب النزاع وتضعوا نهاية مُرضية وسَلامية له لكى ما انتصر معكم على الشيطان الحسود الذى أثار هذه الثورة الداخلية، لأنه اغتاظ من رؤية أعداءنا الخارجيين والطغاة تحت اقدامنا وحسد حالتنا الجيدة.

وقد ألقى الإمبراطور هذا الخطاب باللاتينية، وكانت الترجمه بواسطة واحد من جانبه.

الكتاب الأول: الفصل العشرون

(بعد الاستماع إلى الطرفين، أدان الامبراطور اريوس واتباعه ونفاهم)

(1/20/1) وكانت المداولة التالية من جانب الكهنة خاصة بالعقيدة. واصغى الإمبراطور باهتمام إلى خطاب كل من الطرفين. ومدح أولئك الذين تكلموا حسنا، ووبخ الذين عرضوا ميلا للمشاجرة حسب ادراكه لِما سمع إذ لم يكن غير ملم باليونانية تماما، فعبَّر عن نفسه بلطف لكل أحدٍ. وأخيرا اتفق الكهنة جميعا على أن الابن مساوى للآب فى الجوهر([83]).

(1/20/2) وعند بداية المؤتمر كان عدد مَن امتدحوا آراء اريوس سبعة عشر، ولكن فى النهاية انحاز أغلبهم إلى الرأى العام. وبالمثل اذعن الإمبراطور لهذا الحُكم إذ اعتبر إجماع المؤتمر قبولا الهيا، ورسم بعقاب كل مَن يعصى هذا الحُكم فى الحال كمذنب بالسعى إلى قلب التعاريف الإلهية.

(1/20/3) ولقد رأيتُ أنه من الضرورى أن أُعيد انتاج الوثيقة الخاصة بهذا الموضوع، كمثال للحقيقة لكى ما يتأسس بشكل واضح شعار الايمان الذى يُبرهن على صنع السلام حاليا. ولكن لما كان بعض الأصدقاء الاتقياء الذين فهموا هذه الامور قد أوصوا أن هذه الحقائق ينبغى تعليمها لطالبى المعمودية([84]) بواسطة مُعلِّميهم فقط، فقد وافقتهم على مشورتهم لأنه ليس من المستحسن لغير طالبى الايمان أن يقرأوا هذا الكتاب. وإذ قد أخفيتُ هذه المواد المحظورة التى ينبغى أن اصمت عنها، إلاَّ أننى لم أدع القارىء يجهل الآراء التى تناولها هذا المجمع.

الكتاب الأول: الفصل الواحد والعشرون

( قرارات المجمع بشأن اريوس. تسوية مسألة عيد الفصح)

(1/21/1) ينبغى معرفة أنهم قد أكدوا أن الابن مساوى للآب فى الجوهر، وأن أولئك الذين يرون أنه كان هناك وقت لم يكن فيه الابن موجودا، وأنه لم يكن موجودا قبل أن يُولد، وأنه قد صُنِع من العدم، وأنه من جوهر hypostasis آخر أو من طبيعة  substanceأخرى غير التى للآب،  وأنه

خاضع للتغيّر والتبدّل، هم محرومون من الكنيسة الجامعة وغرباء عنها.

(1/21/2) وقد تم التوقيع على هذا القرار من يوسيبيوس اسقف نيقوميديا، وثيوجينس اسقف نيقية، وماريس اسقف خلقيدون، وباتروفيلس اسقف اسكيثوبوليس، وسكوندس اسقف بتولمايس بليبيا. أما يوسبيوس بامفيلوس([85]) فقد تردد لبعض الوقت فى الموافقة، لكنه وافق فى المباحثة الأخيرة.

(1/21/3) وحرَم المجمع اريوس ومشايعيه ومنَع دخوله الاسكندرية. وقد أُدِينت بالمثل العبارات التى قدَّمها عن وجهة نظره وكذلك عمله المسمى “ثاليا” الذى كَتَبه عن هذا الموضوع. اننى لم اقرأ هذا الكتاب ولكننى افهم انه من النوع الفضفاض الذى يماثل نمط Sotadus.

(1/21/4) وينبغى معرفة أن يوسيبيوس اسقف نيقوميديا، وثيوجينس اسقف نيقية رغم موافقتهما على وثيقة ايمان المجمع إلا أنهما لم يوافقا ولا اشتركا فى خلع اريوس.

(1/21/5) وقد عاقب الإمبراطور اريوس بالنفى وأرسل مراسيم للاساقفة والشعب فى كل الاقاليم مصرِّحا أنه هو([86]) وكل تابعيه غير اتقياء، ويأمر بتدمير كُتُبهم حتى لا تبقى ذكرى له أو لتعليمه الذى بثه. وأنَّ كل مَن يُخفِى كتاباته ولم يحرقها فى الحال سيتعرض لعقوبة الموت، وينال عقابا كبيرا. وكتب الامبراطور رسالة إلى كل مدينة ضد اريوس واولئك الذين قبلوا تعاليمه. وأمر يوسيبيوس [النيقوميدى] وثيوجينس أن يهجرا المدن التى كانا اساقفة لها. وخاطب كنيسة نيقوميديا حاثا لها على مشايعة الايمان الذى اقره المجمع وأن ينتخبوا اسقفا ارثوذكسيا ليطيعوه ويدعوا الماضى يمضى. وهدَّد كل مَن يتكلم حسنا عن الاساقفة المنفيين أو يتبنى مفاهيمهم بالعقاب. وأظهَر فى هذه الرسائل وغيرها مشاعر ضد يوسيبيوس [هذا] لأنه تبنى سابقا آراء الطاغية واشترك فى مكائده.

(1/21/6) وطبقا للمراسيم الإمبراطورية خُلِع يوسيبيوس ويوجينس من كنائسهما التى كانوا فيها، وصار امفيون Amphion على كنيسة نيقوميديا وخرستوس([87])Chrestus على كنيسة نيقية. وختاما لهذا الجدل العقيدى، قرر المجمع أن يتم الاحتفال بعيد الفصح فى نفس الوقت فى كل مكان.

الكتاب الأول: الفصل الثانى والعشرين

(دعوة الامبراطور لاكسيوس اسقف النوفاتيين لحضور المجمع)

(1/22/1) ويُروَى أن الامبراطور، من منطلق الرغبة الحارة فى أن يرى التناسق قد أُعيد للمسيحيين ، دعا اكسيوس اسقف كنيسة النوفاتيين إلى المجلس، ووضع أمامه تعريف الايمان، والعيد الذى تصدق عليه بتوقيعات الاساقفة، وسأله عما إذا كان يوافق عليه أم لا.

(1/22/2) فأجاب اكسيوس بأن تفسيرهم لم يُقدِّم تعريفا لتعليم جديد، وأنه يتفق فى الرأى مع المجمع، وأنه يتمسك منذ البداية بهذه المفاهيم الخاصة بالايمان والعيد. فقال له الإمبراطور عندئذ اذن لماذا تمتنع عن الاشتراك معهم فى التناول إذا كنت متفقا فى الرأى معهم؟. فأجاب أن هذا الشِقاق قد بدأ أولا فى عهد داكيوس بين نوفاتوس وكرنيليوس وأنه يعتبر أولئك الأشخاص الذين يُخطئون بعد المعمودية فى تلك الخطايا التى يُعلِن الكتاب المقدس أنها للموت([88]) أشخاصٌ غير جديرين بالتناول، لأن مغفرة تلك الخطايا، كما يُظن، تعتمد على سلطة الله فقط وليس على سلطة الكهنة([89]) فأجاب الامبراطور قائلا: إذن يا اكسيوس خذ سُلّما واصعد وحدك إلى السماء.

(1/22/3) وبعد هذا القول لا اتصُور([90]) أن يُمدَح اكسيوس، ولكن بالأحرى أن يُلام لأنه وهو بشر تخيل أنه معصوم من الخطية.

الكتاب الأول: الفصل الثالث والعشرون

(بافنتيوس المعترف وقوانين المجمع)

(1/23/1) ومن منطلق الغيرة على تقويم حياة أولئك المنشغلين بشؤن الكنائس سن المجمع تشريعات دُعِيَت قوانين.

(1/23/2) وبينما هم يتداولون بشأنها، فكَّر البعض فى اصدار قانون يُلزِم الاساقفة والكهنة والشمامسة بأن ينفصلوا عن الزوجات اللواتى اقترنوا بهن قبل دخولهم الكهنوت.

(1/23/3) ولكن بافنوتيوس المعترف وقف وشهد ضد هذا الاقتراح، وقال أن الزواج مُكَّرم وطاهر، وأن معاشرة زوجاتهم عفة، ونصح المجمع ألاَّ يُصدِر مثل هذا القانون، لأنه سيكون صعب الاحتمال، ويمكن أن يُستخدَم كفرصة للتحرق لهم ولزوجاتهم، وذكَّرهم أنه طبقا للتقليد القديم للكنيسة أولئك الذين كانوا غير متزوجين قبل الانضمام إلى الرتب المقدسة كان يُطلَب منهم البقاء هكذا، أما أولئك الذين كانوا متزوجين فلا يهجروا زوجاتهم. هكذا كانت نصيحة بافنوتيوس على الرغم من أنه كان هو نفسه غير متزوج.

(1/23/4) وطبقا لذلك نزل المجلس على مشورته ولم يسن قانونا بذلك ولكنه ترك الأمر للحُكم الفردى. وليس للإلزام وقد أصدر المجمع مع ذلك قوانينا تنظم سياسة الكنيسة، وهذه القوانين يمكن العثور عليها بسهولة، حيث أنها فى مِلكية افراد كثيرين.

الكتاب الأول: الفصل الرابع والعشرون

(مسألة ميليتوس)

(1/24/1) وبعد فحص مسألة سلوك مليتيوس الذى حَكم المجمع فى مصر عليه، بأن يبقى فى ليكوس Lycus([91])، ومنع عنه فقط لقب اسقف، وحظر عليه سيامة أىَّ أحدٍ سواء فى المدينة أو القرية. أما أولئك الذين قد رسمهم سابقا، فقد سُمِح لهم بهذا القانون أن يظلوا فى الشركة وفى الخدمة ولكن يٌعتبرون تاليين فى الكرامة لكهنة الكنيسة والايبارشية. ولما كان بالموت يُصبح المُعيَّن لا وارث له فقد سُمِح لهم بالخلافة متى حُسبوا أهلا لذلك بتصويت الجمهور. ولكن فى هذه الحالة يتعين سيامتهم بواسطة اسقف كنيسة الاسكندرية لأنهم ممنوعين من ممارسة أى سلطة أو تأثير فى الانتخاب.

(1/24/2) وقد بدت هذه اللوائح عادلة بالنسبة للمجمع لأن مليتيوس وتابعيه قد اظهروا اندفاعا شديدا وتهورا فى السيامات، لدرجة انها حرمت أيضا السيامات التى من بطرس من كل الاعتبارات. وهكذا بعدما أدار كنيسة الاسكندرية، هرب بسبب الاضطهاد الذى ثار عندئذ ثم استشهد فيما بعد([92]).

الكتاب الأول: الفصل الخامس والعشرون

( مأدبة الامبراطور لأعضاء المجمع ومناشدته لهم أن يكونوا بفكر واحد)

وفى نفس الوقت الذى كانت تُسَن فيه هذه القوانين فى المجلس حلَّ الاحتفال بالذكرى العشرين لحُكم قنسطنطين. لأن العادة الرومانية كانت أن يُقَام الاحتفال فى كل سنة عاشرة من الحُكم لذلك فكر الامبراطور أن تكون فرصة لأن يدعو المجمع إلى الاحتفال، وقدَّم لهم هدايا مناسبة، وعندما استعدوا للعودة إلى اوطانهم، دعاهم جميعا معا وحثهم على أن يبقوا جميعا بفكر واحد بشأن الايمان وأن يكونوا فى سلام فيما بينهم حتى لا يكون هناك شِقاق من الان فصاعدا فيما بينهم. وبعد حث كثير آخر من هذا النوع، ختم طلبه بأن يكونوا مجتهدين فى الصلاة وأن يتضرعوا إلى الله دائما من أجله، ومن أجل أبنائه ومن أجل الإمبراطورية. وبعد أن خاطب هكذا أولئك الذين أتوا إلى نيقية شيعهم. وكتب إلى الكنائس فى كل مدينة لكى يوضح لأولئك الذين لم يحضروا ما قد تقرر بواسطة المجمع، وبالنسبة لكنيسة الاسكندرية بصفة خاصة، كتب أكثر من ذلك حاثا لهم أن يضعوا جانبا الانشقاق وأن يكونوا متحدين فى الايمان الصادر من المجمع لأن ذلك لن يكون شيئا آخر سوى حكم الله إذ قد تقرر بواسطة الروح القدس ومن اتفاق هذا العدد الكبير من الكهنة المنيرين وتأيدهم بعد فحص دقيق ومناقشة لسائر النقاط محل الشك.

[1] – تك 18.

[2] – اشارة تاريخية مفيدة لدارسى الطقوس إلى “قسمة اسحق” فى الليتورجية القبطية. انظر خولاجى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، باب القِسم.

[3] – أو إنتظار، أو إشتهاء، أو ترقب.

[4] – أى السيد المسيح.

[5] – أنظر تك10:49.

[6] – تترجم مواقع الفحص الالكترونى هذه الكلمة، “بمجلس الشيوخ”، قياسا على هذا المجلس فى النظام السياسى الامريكى. ولكن الواقع أن ذلك يحتاج إلى دراسة سياسية مقارنة لكل من المجلسين الحالى والرومانى، للتأكد من دقة التعريف، ولما كان ذلك خارج دائرة اهتمامى الحالى فقد فضلتُ الابقاء على كلمة سينات كما هى لفظا، مُرّحِبا بأية مساهمة ترد لى بشأن هذا الموضوع على أن تكون موثقة بمصادر معتمدة.

[7] – يُعرِّب البعض هذا الاسم حاليا، فى اللهجات العربية الأخرى، جوزيفوس. أنظر عن الأشكال المختلفة للأسماء تمهيد المعرب.

[8] – حرفيا بائدين أو منقرضين.

[9] – أى لم يتوقع اليهود أن يتحول الأمم حالا إلى الايمان المسيحى.

[10] – من نعته “خلفاء الرسل” نفهم أنه يقصد القديس كليمندس الرومانى، من رجال القرن الأول الميلادى، وكان اسقفا لروما بإيطاليا.

[11] – أى يوسيبيوس القيصرى، المشهور بكتابه “التاريخ الكنسى”.

[12] – هذا العمل لم يصلنا.

[13]  – أو فلنقل مُحِصَّت مرار.

[14] – هو سلفستر الأول بابا روما للفترة 314م- 335م.

[15] – هو البابا الكسندروس الأول، بابا الاسكندرية(312م – 328م).

[16] – لاحظ هنا أن سوزمينوس لا يذكر أسماء اساقفة روما ولا الاسكندرية بلقب بابا. ولكن المترجمين يضيفون فى بعض المواضع فى المتن(وخاصة فى الترجمات اللاتينية) كلمة “بابا” لأسقف روما فقط وحصريا عليه. ثم يجردون أسقف الاسكندرية بما فى ذلك القديس أثناسيوس الرسولى من أى لقب. عِلما بأنه على الصعيد التاريخى البحت كان أول من أُطلِق عليه لقب “بابا” هو “ياروكلاس” (أو هيركلاس) اسقف الاسكندرية، البابا الثالث عشر فى عداد باباوات الاسكندرية. وقد قال القديس غريغوريوس النزينزى عن اسقف الأسكندرية “إن رأس كنيسة الأسكندرية هو رأس العالم”، عندما لم يكن للوضع السياسى المدنى شأن بترتيب الكنائس الرسولية (أنظر، متى المسكين، القديس أثناسيوس، مرجع سابق، ص 49، هـ6).

[17] – هذه المدينة (وتكتب أيضا فى مواقع البحث بالشكل “بروا” ) هى مدينة حلب السورية حاليا. وجدير بالذكر أن هذه المدينة قد تعددت اسماؤها عبر التاريخ كما تنوعت تفاسير اسمها الحالى نفسه “حلب”. ما يهمنا هنا هو أنها قد عُرِفت بإسم Bereoa بيروا (أو بيرية) طوال العصور اليونانية والرومانية والبيزنطية. ويرى البعض أنها المدينة التى ذُكِرت بإسم “آرام صوبا” في سِفر الملوك الثاني من كتاب العهد القديم.

[18] – هذا هو الشكل الاساسى لإسمه باللغات الاجنبية، ولكن الكتابات العربية تبنت شكل (قسطنطين) ربما لتخفيف النطق، مثل الشكل المتعارف عليه فى العربية (بطليموس)، بينما هو أساسا بتولمى، ولذا كتبه بعض الباحثين بطلميوس. ولا مانع من التعرف على هذه الاشكال المختلفة، وفى غياب اللسان الأصلى للغة، يختار كل ما يسهل له.

[19] – الرومانية الغربية. وهذه الفترة هى الفترة التى كان فيها قنسطنطين الكبير حاكما للقسم الغربى (313- 337م)، وليسنوس حاكما للقسم الشرقى.

[20] – انظر “ابصالية” يوم الجمعة بتسبحة نصف الليل اليومية بالكنيسة القبطية الأسكندرية، فى كتاب “الابصلمودية السنوية”.

[21] – وهو “الراية” الحربية التى كانت تُحمَل فى طليعة القوات. وقد صارت منذ عهد قنسطنطين الأول أو الكبير، يُرسَم عليها الحرفان الأولان من اسم السيد المسيح، باليونانية كما فى الصورة المرفقة.

[22] – يقصد وسائل التكفير عن الذنب، وهو ما عبَّر عنه كاسيان فى محاوراته بوسائل “الترضية” أى إكتساب رضاء الله. أنظر المحاورة رقم 20 لكسيان، ترجمة المعرب.

[23] – هى مدينة إزميت الآن بتركيا، بالقرب من اسطامبول (اسلامبول).

[24] – أى السخرة.

[25] – أيضا أحد أنواع السخرة.

[26] – ألاحظ هنا الأثر القانونى لسوزمينوس عند تسجيله لهذا المرسوم ودقة الوصف القانونى “للإجراءات” كأنها تجرى اليوم فى زماننا، من ناحية. ومن ناحية أخرى، تعكس هذه “الاجراءات” نظام تشريع غير مستبد، رغم أن الحُكم فى ظاهره ملكى مطلق. إذ يقول سوزمينوس أن هذه الاجراءات وقَّع عليها الامبراطور[ أى صدَّق عليها بتعبيرنا الحالى]. أليس ذلك هو ما يجرى حاليا فى أيامنا فى الأنظمة الجمهورية عندما يصدر قانونا بمرسوم جمهورى.

[27] – مثل تأليه الأباطرة.

[28] – معبد وثنى.

[29]  – للأسف هذه العادة مازالت قائمة فى البلاد الافريقية جنوب الصحارى كعادة اجتماعية عامة وعادية فى تلك المجتمعات. حيث تسعى الشابات بإختيارها الحر والعلنى، وبرضا الأب والأم، إلى المعاشرة الجنسية المبكرة قبل الزواج، للتأكد من قدرتها على الانجاب، ولإثبات صلاحيتها من ثمة للزواج. وتحاول الارساليات المسيحية معالجة هذا الأمر على قدر ما تستطيع.

[30] – القوط (باللاتينية: Gothi) قبائل جرمانية شرقية، قَدِمَت حسب أرجح الآراء من إسكندنافيا إلى وسط وجنوب شرق القارة الأوروبية.

[31] – “إستر”، هو النهر المعروف حاليا بالدانوب فى رومانيا الحالية، والاسم يعنى إله النهر لسكيثيا وشمال اوربا.

[32] – مثل خيمة الاجتماع واللاويين.

[33] – نلاحظ هنا اشارة طقسية شيقة لدارسى تاريخ الطقوس. فى عبارة “الذى يدعوه اليهود يوم أول الأسبوع والذى يخصصه الوثنيون للشمس”. ومازال هذا السبب منعكس على اسم هذا اليوم فى اللغة الانجليزية Sunday.

[34]  أى يومىَّ الأحد والجمعة كما سنرى حالا، بل يُعبَد الرب بالصلوات والتضرعات. لقد كرَّم يوم الرب لأن المسيح قام فيه من الموت، واليوم المذكور توا (فى عبارة “اليوم قبل السابع”) وهو الجمعة، لأن يوم السبت هو اليوم السابع، تكريما ليوم الصلب كما سيذكر سوزمينوس حالا.

[35] – أى وقت كتابة سوزمينوس لعمله هذا فى حوالى 439م. أنظر المقدمة للمعرب.

[36] – أى تبنى الرهبنة.

[37] – أى المُعتمدين.

[38] – أى فى أيام كتابته لهذا العمل. أنظر مقدمة المعرب

[39] – أى الذين عُذِّبوا ولكن لم يستشهدوا بدنيا.

[40] – ومن ذلك نعرف أن شريعة قطع أطراف الانسان “خَلف خِلاف” التى أخذ بها عرب الجزيرة فيما بعد كانت واحدة من بين العديد من الأمور التى ورثها الحكم العربى من الامبراطوريات الغابرة.

[41] – اسم هذه المدينة ورد فى الترجمة الإنجليزية لعمل بالاديوس “حوار عن فم الذهب” بالشكل Trimithus.

[42] – لعل المقصود بذلك أنها كانت راهبة، حيث كان يُطلَق على الراهبات فى الزمن المبكر لقب “عذارى”.

[43] – هى بيروت الحالية بلبنان.

[44] – مت6:9.

[45] – ويعرف فى الكتابات اليونانية القديمة quadragesima. وبالنسبة لمدته فى ذلك الزمن أنظر المحاورة الشيقة لكاسيان، رقم 21، فى “المحاورات” ترجمة المعرب.

[46] – تيط 15:1.

[47] – أى وجهة نظرهم إزاء مناحى الحياة. وتعبير سوزمينوس هنا ترديد لمفهوم “الغنوسية المسيحية” أى “المعرفة المسيحية” ولما كانت كلمة فلسفة تعنى لُغويا “محبة الحكمة” أى محبة المعرفة الجيدة. فمن هنا استخدمها سوزمينوس اصطلاحا للرهبنة بإعتبارها ، فى نظره، الطريق للمعرفة “الحقيقة” لله.

[48] – “أوجاع” هى الكلمة التى تُتَرجم أيضا إلى “أهواء” والتى كانت موضوع كُتُب القِسم الثانى من عمل كاسيان “الأنظمة”، أنظر ترجمته للمعرب.

[49] – اليهودى.

[50] – أى من أتباع فيثاغورس.

[51] – يُلاحظ هنا أن الجماعة التى تكلم عنها فيلو المؤرخ اليهودى الاسكندرى، والتى كانت تحيا بالقرب من بحيرة مريوط الحالية، دون أن يذكر جنسيتهم أو ديانتهم، يقول سوزمينوس هنا صراحة أنها كانت تتكون من العبرانيين. وهو بهذا أول من نعتها بوضوح هكذا. وفى نظرى لعلها كانت امتدادا لحركة الآسينيين القديمة فى وادى قمران.

[52] – واضح هنا من وصف سوزمينوس، أنه أخذ كلمة monastery بمعناها اللُغوى وهو مسكن الراهب أو الناسك، وليس بمعناها الاصطلاحى وهو الدير المسوَّر بشكله الحالى.

[53] –  الزوفا أو بالإنكليزية (بالإنكليزية: Hyssop) هو عشب يُعرَف أيضاً بأشنان داود. موطنه الأصلي حوض البحر الأبيض المتوسط. يكثر في الأراضي الكلسية المشمسة. ويعتبر أحد أنواع النباتات التي تنمو في المستنقعات المالحة في أماكن كثيرة من العالم. له استعمالات طبية عديدة، ولكن يمكن استخدام بعضه كغذاء للإنسان، ويمكن تخليله. أنظر شكله وفوائده الطبية العديدة بإحدى مواقع البحث الإلكترونى.

[54] – يحلو لسوزمينوس، كما قلنا سابقا، نعت الرهبنة طوال هذا العمل بالفلسفة، إذ كان يراها “حُب الحكمة الحقيقية” التى هى معرفة الكلمة الإلهى. أنظر التمهيد للمعرب.

[55] – بينما يحاول البعض الاعتراض على هذا العامل، فإن الدراسة التاريخية المحضة، ترى أنه كان بالفعل أحد عوامل اللجوء الى الصحارى، ثم التنسك، ليس فقط فى مصر ولكن فى كل بلاد الشرق، وهى البلاد التى عانت من اضطهادات مريرة عديدة، دينية ومذهبية عبر القرون الوثنية والمسيحية والاسلامية، وما زالت تئن بأنواع شتى حتى الآن. أنظر عن ذلك، رسالة المعرب لنيل الماجستير. وتاريخ أديرة وادى النطرون، ايفيلين هوايت، ترجمة المعرب. و”الرهبنة القبطية ما لها وما عليها”، مذكرات للمعرب.

[56] – أى القديس انطونيوس الكبير، أول رهبان مصر.

[57] – أى الحمَّامات العامة، آنذاك المليئة بالموبقات.

[58] – مثل القديس هيلاريون، أو إيلاريون (الملقب بأنطونيس فلسطين) أنظر سيرته للمعرب.

[59] – القديس الأنبا انطونيوس الكبير مؤسس النظام الرهبانى فى مصر.

[60] – قلنا أن سوزمينوس كان يرى الرهبنة هى المعرفة الحقيقية لله، ومن هنا عبَّر عنها طوال عمله هذا بالفلسفة. أنظر مقدمة المعرب.

[61] – بالطبع اعتمد سوزمينوس هنا على بالاديوس. أنظر “التاريخ الرهبانى فى أواخر ق4م”، للمعرب.

[62] – هذا التقليد الشفاهى كان قد سجله بالاديوس وروفينوس وجيروم وكاسيان كتابة . وكانت هذه الأعمال بالطبع متاحة وفى متناول اليد فى تلك الفترة التى بدأ فيها كتابة تاريخه هذا. وقد شكَّلت بالطبع مصادرا اساسية لتاريخه هذا وإن لم يذكر اسماء مَن نقل عنهم.

[63] – أى للرهبنة.

[64] – يجب ملاحظة أن هذه الشيعة لم تكن بدعة فى العقيدة والإيمان، ولكنها كانت تمثل موقفا متشددا من جهة “الساقطين” بالضعف البشرى.

[65] – هو البابا بطرس الأول، السابع عشر فى عداد بابوات الاسكندرية، والذى كانت حبريته فى حوالى(302-312م).

[66] – البابا الثامن عشر فى عداد باباوات الاسكندرية. ويُلفَظ أيضا ارشيلاوس.

[67] – البابا الأسكندري التاسع عشر من باباوات الأسكندرية (312-328م).

[68] – هو الاسقف الاريوسى، المعروف فى الكتابات العربية بيوسابيوس القيصرى، أول من كتب تاريخ الكنيسة بصفة عامة. فرغم أننا نعتمد إلى حد ما على تاريخه، إلا أننا بالطبع نتحفظ بشدة على أى رأى عقيدى يبديه صراحة أو ضمنا. كما نتحفظ فى أرائه التاريخية ذاتها فى مناصرة طرف ما أو هجوم على طرف آخر، حيث أن الحيادية المطلقة أمر غير وارد للبشر.

[69] – “اسكيثوبوليس” باليونانية، هى مدينة “بيت شان” بالعبرية، وبيسان بالعربية. وهى حاليا فى شمال شرق القدس، بدولة اسرائيل السياسية الحالية.

[70] – أى فى أيام كتابة سوزمينوس لعمله هذا.

[71] – غريب حقا أن يطلبوا ذلك منه، وقد نقضوا هم ابسط القواعد الكنسية وهى عدم التدخل فى ايبارشية الآخرين، سواء على مستوى الكراسى، أو على مستوى الاساقفة الخاضعين لأسقف الكرسى الرئيسى فى كل قطر. لقد كانوا بذلك أول مَن خلق النزاع المسكونى فى نظرى.

[72] – هى مدينة قرطبة الحالية بجنوب اسبانيا، وقد تنوع هجاء اسمها اللاتينى فى الترجمة الانجليزية ذاتها بين مترجم عمل سوزمينوس وبين المصادر الانجليزية الأخرى، مما يدعم وجهة النظر التى أشرتُ إليها فى التمهيد عن كتابة الأسماء.

[73] – هى مدينة إزنيق الآن بتركيا.

[74] – هو نهر العاصى الآن.

[75] – هو البابا الكسندروس الأول، التاسع عشر فى عداد باباوات الاسكندرية (312- 328م).

[76] – يذكر سوزمينوس هنا أن عدد أساقفة الكراسى الذين حضروا هذا المجمع كان 320 أسقفا. أما الكنيسة القبطية فترى فى “صلاة تحليل الخدام” بالقداس الإلهى أنهم كانوا 318 أسقفا. هذا ويقول د/أسد رستم فى كتابه “كنيسة أنطاكية العظمى”، حـ1، ص 199 أن المراجع تختلف فيما بينها فى عدد الأساقفة الذين حضروا هذا المجمع. المعرب

[77] – ولهذا رتبت الكنيسة أن يُحاكِم الكهنة، مجلس كهنة الايبارشية مع الأسقف.

[78] – يذكرنى خطاب قنسطنطين هذا بكلام النوتية ليونان النبى.

[79] – أى بحياة الإمبراطور.

[80] – ما زال هذا الجنس يقطن أساسا شمال العراق، ولكن بعضهم يتواجد فى أماكن شتى من دول العالم.

[81] – أى يوسيبيوس القيصرى المؤرخ، أسقف قيصرية فلسطين.

[82]– لاحظ هنا، مَن هو الداعى إلى أول مجمع مسكونى.

[83] –  Son is consubstantial with the Father . عن المدلولات اللاهوتية “للطبيعة” و”الجوهر” و”الاقنوم” و”الهيبوستاسيس”، و”الاموسيووس”، و”الأموأوسيوس”، والتى سترد على مدى عمل سوزمينوس هذا. رجاء الرجوع إلى القسم اللاهوتى من كتاب “القديس أثناسيوس الرسولى “، للأب متى المسكين، نشر دير انبا مقار.

[84] – حرفيا المبتدأون فى الايمان.

[85] – ولهذا عُرِف عنه أنه “نصف أريوسى”، وإن كان قد حاول فيما بعد أن يُبرر تردده هذا.

[86] – اى اريوس.

[87] – أو  كرستوس.

[88] – 1يو16:5.

[89] – لاحظ هنا إغفال الأمر الإلهى “كل ما تحلونه على الأرض يكون محلولا فى…”.

[90] – هنا أقول للذين رأوا أن سوزمينوس قد “نسخ” من سقراتيس، أن الحدث التاريخى من حيث هو حدث ماضى هو مشاع للجميع، ولكن الموقف منه يختلف من شخص لآخر. وها نحن نرى هنا الموقف الشخصى لسوزمينوس من هذا الحدث الذى يختلف بوضوح عن سقراتيس.

[91] – اسيوط حاليا.

[92] – أى البابا بطرس الملقب بخاتم الشهداء.



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

لا توجد نتائج