حوار عن حياة فم الذهب – الأنبا بالاديوس أسقف هللينوبوليس – ترجمة هربرت مور – تعريب الأب الدكتور بولا ساويرس

الرئيسية » كتب » أدب مسيحي » سير قديسين وشخصيات » حوار عن حياة فم الذهب – الأنبا بالاديوس أسقف هللينوبوليس – ترجمة هربرت مور – تعريب الأب الدكتور بولا ساويرس
رابط التحميل حجم الملف
إضغط هنا لتحميل الكتاب 4.1MB
الرئيسية » كتب » أدب مسيحي » سير قديسين وشخصيات » حوار عن حياة فم الذهب – الأنبا بالاديوس أسقف هللينوبوليس – ترجمة هربرت مور – تعريب الأب الدكتور بولا ساويرس

كارت التعريف بالكتاب

البيانات التفاصيل
إسم الكاتب القديس بالاديوس أسقف هللينوبوليس
الشخصيات القديس يوحنا ذهبي الفم
التصنيفات أدب مسيحي, أقوال الآباء, سير قديسين وشخصيات, كتب مقروءة أون لاين
ترجمة الدكتور بولا ساويرس, هربرت مور
الطبعة الأولى
عدد الصفحات 259
آخر تحديث 19 فبراير 2020
تقييم الكتاب 4.92 من 5 بواسطة فريق الكنوز القبطية

تحميل الكتاب

إنتبه: إضغط على زرار التحميل وانتظر ثوان ليبدأ التحميل.
الملفات الكبيرة تحتاج وقت طويل للتحميل.
رابط التحميل حجم الملف
إضغط هنا لتحميل الكتاب
4.1MB

 

حوار عن حياة فم الذهب – الأنبا بالاديوس أسقف هللينوبوليس – ترجمة هربرت مور – تعريب الأب الدكتور بولا ساويرس

 

تـمهـيد للمـعـرب

 

القديس يوحنا فم الذهب واحدٌ من ذلك الرعيل الذى جاهد حتى الموت مستهينا “بالبلوى المحرقة”، مقتفيا أثار سيده، مشتركا معه بفرح وابتهاج روحى فى تحمل الآلام من أجل خلاص النفوس التى إتمنه عليها، ومن أجل رفعة كنيسته. منتظرا بصبر ورجاء راسخ خلاص الرب وإكليل المجد العتيد. لذلك كان شهيدًا بلا سفك دمٍ. دعاه بحق الأنبا بالاديوس اسقف هللينوبوليس ببثينية بأسيا(فى النصف الثانى من القرن الرابع الميلادى)، تلميذه الحميم وشريكه فى آلام النفى، ومدوِّن سيرته، “بأرميا الثانى “. ولذا فهو مُكرَّم الآن وقديسٌ لدى سائر الطوائف المسيحية.

 لقد كان فم الذهب وما زال مدرسة نتعلم منها كيف ترخص حياة “الخادم الأمين” الحريص على إعلان الحق الإلهى والدفاع عنه إلى الرمق الأخير دون محاباة أو أخذٍ بالوجوه، والذى يجعل جُلَّ هدفه خلاص النفوس التى إتمنه الله عليها. كان شجاعا فى جهاده من أجل تقويم “الرعاة” أولا من كهنة واكليريكيين، وخدام وخادمات، ورهبان وراهبات ومكرسات، قبل عامة الشعب. وكأن لسان حاله كان يُردد أروم أن تكونوا جميعا ناجحين فى كل شىءٍ: فى سلوككم وأخلاقياتكم كما فى أرواحكم. فكما أنه من المهم لراعى الرعاة خلاص نفوس الجميع روحيا، هكذا أيضا يروم أن يراهم جميعا يسلكون حسبما تقتضى النعمة الإلهية المعطاة لهم، لأنهم منظرا للملائكة والناس. ودفعته أمانته إلى المجاهرة بالحق “امام ملوك وولاة”” بلا خشية أو تردد.

وعندما يتأمل القس منسى يوحنا فى موقفه هذا يقول ” يا حبذا لو كان جميع خَدَمة الدين يُجلِّون وظيفتهم بهذه الدرجة”.

 ولم تكن مهمته هذه بالأمر الهيّن إذ ألَّبت عليه الفئات التى ترغب فى تحقيق أهوائها الذاتية تحت عباءة الدين. وجلب لنفسه عداوة ذوى السلطة المدنية، وكذا كهنة وأساقفة، بل وأيضا للأسف البابا الأسكندرى ثيوفيلس.

 ولما كان كل مَن كتب ويكتب عن ذهبى الفم يعتمد بصفة اساسية على سيرته التى دونها تلميذه الحميم الأنبا بالاديوس فى عمله المسمى “حوار عن يوحنا فم الذهب”، بالإضافة إلى رسائل فم الذهب نفسه العديدة التى أرسلها إلى اساقفته وكهنته وشمامسته وشماساته وبالأخص إلى تلميذته المحبوبة والفاضلة جدا اوليمبياس. إلى جانب ما ورد عنه فى كتابات مؤرخى النصف الأول من القرن الخامس الميلادى بصفة خاصة.  فقد رأينا عزيزى القارىء أن نضع بين يديك هذا العمل كاملا فى نصه الأصلى، إذ يُعتبَر المصدر الأول عن حياة ومعاناة “ارميا الثانى”، كما دعاه بالاديوس، وخاصة فى سنوات محنته ونفيه، قبل أن ينطلق إلى دار الراحة الأبدية.

 وما من شك فى أن بالاديوس قد كتبه بمشاعر ابن بار نحو أبيه، تألم معه ومن أجله. وهو يراه يعانى ظلما، ومجروحا فى بيت أحبائه. كتبه وهو يعانى من ألم النفى الظالم مثله، ومن أجله، فى برية سين (أى أسوان حاليا) بصعيد مصر. ومن ثم يجيش هذا العمل بمرارة الإحساس بالظلم. وياليته ظلم من الأعداء لكان من السهل كما قال داوود النبى(مز 12:55) أن يُحتمَل، لكنه ظلم من “أليفى وعديلى”، بل ظلم من أناس لهم صورة التقوى ولكنهم فى الواقع ذئاب فى ثياب حملان.

 ومن ثم جاء الكتاب متحاملا، فى نظر البعض، فى بعض أجزائه على البابا ثيوفيلس الاسكندرى. فالقمص تادرس يعقوب مثلا يرى أن هذا العمل يحمل “تحيزا مُرًّا ضد البابا ثيوفيلس” الذى حكم عليه وعلى أبيه فم الذهب بالنفى ظُلما وبهتانا.

 وعن موقف البابا ثيوفيلس من فم الذهب يقول القس منسى يوحنا (فى هامش بكتابه “خطيب المدينتين”، ص 80)  ” يُلاحِظ القارىء أننى لم أَعدُل فى هذا الفصل عن الأمانة فى الكلام عن ثاوفيلس، بل ذكرتُ ما وجَب ذِكره بكل أمانة. لأن المؤرخ الصادق وجب أن يذكر الحقائق التاريخية على علاتها، ولو كانت من جهة نفسه. ولو أمعنا النظر فى الكتب الإلهية لوجدنا أن أفضل الأنبياء وأعظم الرسل أشهروا آثامهم على الملأ دون أن تأخذهم فى ذلك خفية أو يمنعهم عن ذكر عيوبهم سمو مقامهم وعلو مكانهم. فذكر موسى خطايا نوح ولوط وابراهيم واسحق ويعقوب. بل ذكر عن نفسه مخالفته لأمر الرب. وذكر غيره خطايا داوود وسليمان. وذكر بطرس خطيته..إلخ”. ويُضيف المعرب هنا، أنه ما من أحدٍ حتى اليوم عندما يقرأ الكتاب المقدس يُقلل من قداسة هـؤلاء. لأن القداسة ليست هى العصمة من الخطأ ولكن أن يعترف المرء بخطأه وخطيته مرددا مع العشار “اللهم إرحمنى أنا الخاطىء”. والقديس ليس هو الإنسان الذى لا يخطىء بتاتا، ولكنه ذلك الخاطىء التائب الذى يسعى دوما بلا كلل أو ملل نحو خلاص نفسه، معترفا فى قلبه قبل لسانه أنه “ليس عبدُ بلا خطية ولا سيدٌ بلا غفران”.

 كما يقول القمص تادرس يعقوب(فى كتابه عن فم الذهب) ” كثيرون فى عرضهم لسير القديسين يُخفون ضعفاتهم، أو يُحاولون تبريرها، مع أننا لا نؤمن بالعصمة من الخطأ. على العكس فإن كشف ضعفاتهم لا يقلل من كرامتهم بل يُعطى للنفوس الضعيفة رجاءً وقوةً للجهاد. وهذا ما انتهجه الكتاب المقدس فى عرضه لسير الأباء والأنبياء والرسل”. وأيضا يقول “الكنيسة فى تعلقها بالقديسين لا تؤمن بعصمتهم من الخطأ. فهم مقدَّسين فى الرب يسلكون بالروح، لكنهم ليسوا بغير ضعفات”. وعندما ذكر مغادرة ثيوفيلس للقسطنطينية بعدما أصدر فى مجمع البلوطة حُكما مع عصبة الاساقفة الناقمين على فم الذهب لأنه حرمهم من مصادر ترفهم الدنيوى، قال عنه بالحرف “غادرها..، حاملا معه جريمته فى حق البطريرك يوحنا فم الذهب التى لم يغفرها له المؤرخون”. وقد صدق ابونا تادرس فى هذا القول إذ لم يغفرها له سائر المؤرخين الكنسيين بدءً من مؤرخى القرن الخامس وحتى اليوم.

 ولكن هل كان حقا هذا العمل “تحيزا ضِده”، أم كان وصفا لمجريات الأمور من شاهد عيان رأى بعينيه وعايش الأحداث بنفسه حدثا حدثا. أم كان محاولة من بالاديوس لتفادى الصدام مع السلطة السياسية المدنية التى كانت الطرف الرئيسى فى الأحداث، والتى كانت ما زالت تتربع على العرش، فألقى بكل المسؤولية عما جرى لبطريركه الحبيب ومعلِّمه فم الذهب على كاهل البابا ثيوفيلس وحده؟!.

 هذا ما سندعك أيها القارىء العزيز تستخلصه بنفسك بعدما تقرأ هذا العمل بنَفَس وأسلوب بالاديوس نفسه، بالإضافة إلى ما كتبه “المؤرخون الأوائل” بعد موت “إيزابلا” الثانية أى “أودكسيا” الإمبراطورة وكذا زوجها الذى وصفه المؤرخون الأوائل بأنه كان ضعيف الشخصية أمامها.

 وعلى الرغم من أن “الحوار” عمل دفاعى عن القديس فم الذهب، قُصِد منه الدفاع عنه ضد المثالب التى لصقها به أعداؤه،  إلاَّ أنَّ به الكثير من التأملات الدراسية اللذيذة والشيقة لفقرات كثيرة من الكتاب المقدس، من المفيد الإلمام بها. ففى هذا العمل لا نتقابل مع بالاديوس المؤرخ الرهبانى المشهور بعمله “التاريخ اللوسسى”، وإنما مع بالاديوس الكاهن المتأمل فى كثير من فقرات الكتاب المقدس، والذى يساهم بمساهمات شيقة فى تفسير بعضها، أو التأمل روحيا فيها أو إلقاء الضوء عليها. فعلى سبيل المثال ترِد عرضا آية “وعلى هذه الصخرة أبنى كنيستى”، فنعرف كيف فهمها الأنبا بالاديوس آنذاك، بصفته أحد الروافد الآبائية للتفسير فى الفترة ق4م/ق5م للنصوص المقدسة.

 وفى هذا العمل سنصادف بالطبع آراءً لبالاديوس قد نتفق بشأنها معه أو لا نتفق، ولكنها تظل وجهة نظر لا ضير من الإلمام بها.

إن هذا الكتاب يُعَّدُ أحد الروافد الأساسية للتعرف على أحداث السنوات الأخيرة من حياة فم الذهب، لا غنى عنه لأى باحث أو دارس.

 والقراءة الداخلية لهذا العمل توضح لنا أنه كُتِب بعد وفاة كل من فم الذهب والتى كانت فى (13 أيلول ( أى14 سبتمبر) من سنة407م)، وثيوفيلس الاسكندرى(فى سنة 412م)، وأولمبياس الشماسة (25/7/408م). ولمَّا كان عمله الأول قد كتبه فى حوالى سنة 419/420م([1]). وكان التاريخ المرَّجح لوفاته وقتُ ما بين سنتى 420م و430م، فإن التاريخ المرجح لكتابة هذا العمل لابد وأن يكون فى هذه الفترة.

 لقد قال عنه يوحنا كاسيان فى كتابه عن التجسد(30:7) “ما أكتبه يُنسَب إليه أكثر مما يُنسَب إلىَّ. فالمجرى يصدُر من الينبوع. وما يُنسَب للتلميذ يُنسَب بالكامل لكرامة المعلم”.

 +   +   +

السلام لك يا أبى القديس.. كم تعلمتُ وتهذبتُ وتعزيتُ من منفاك وشدائدك التى لا توصف.

لقد عرفتنى “قوة الضعف” للضعيف الملتصق بالله.

أحنى رأسى أمام آلامك وخاصة النفسية، فما أقسى تلك الآلام التى تأتى من رجل الدين، أيا كانت رتبته حتى ولو كان أغنسطسا. العالم كله الآن بكل طوائفه وألوانه وأجناسه، بما فيهم أحفاد رعية ثيوفيلس نفسه، يحنى تلقائيا رأسه عند ذِكر إسمك المكرَّم.

أما أكاكيوس وانتيوخس وسيفريانوس وأمثالهم فى كل زمان ومكان، الذين “أحبوا مجد الناس” بل فى الحقيقة أهواءهم الخاصة، فأين هم الآن !!.

 بولا ساويرس

 ملاحظات المعرب

 1- من المعروف أن وضع عناوين فصول وعناوين جانبية فى أعمال الكتّاب القدامى، هى دائما من عمل المترجمين لهذه الأعمال. وقد وجدتُ هنا أن التقيد بالعناوين الجانبية للمترجم الإنجليزى يفسد تسلسل “الحوار” ويشوش ذهن القارىء، لذلك لم أتقيد بها, حتى يمكن متابعة “الحوار” بيسر. وتسهيلا للقارىء بالعربية من فهم النص، قام المعرّب بإضافة بعض الكلمات فى المتن يقتضيها الأسلوب العربى، وكذا بعض الكلمات التوضيحية الهامة، ووضع هذا وذلك بين القوسين[ ].

2- لا شك فى أن عمل بالاديوس هذا كان عملا عاطفيا، أو كتبه وهو فى أوج عواطفه الجياشة وآلامه النفسية الرهيبة. لذلك جاء الوصف فيه، والتعبيرات المستخدمة مختلفة كثيرا فى اللهجة والنَفَس عن عمله “التاريخ اللوسسى”([2]). كما أنه نظرا لأنه كان يكتب أثناء حُكم الإمبراطور الذى ظلم أسقفه، لذلك أغفل عن قصد كل ما يمسه، محاولا تبرئته قدر استطاعته من المسؤولية.

3- ولما كان الكثيرُ من الهوامش التى أوردها المترجم إلى الانجليزية عبارة عن فقرات مسهبة من المصادر التاريخية التى نحن بصدد إصدارها بمشيئة الله تباعا، لذلك حذفتها مكتفيا بالإشارة إلي المصدر، حيث سترد بالتفصيل فى إصداراتنا لسلسة المؤرخين الأوائل. كما قام المعرِّب بالتعليق على آراء المترجم عندما لزم الأمر، واضعا تعليقه بين القوسين[ ].

   مـقـدمـة  المـتـرجـم

 (1) موضوع المقالة

هذه المقالة كتبها بكل وضوح، شخصٌ لديه معلومات كاملة، وكان شاهد عيانٍ للكثير من الأحداث التى يرويها. وهى أفضل مصادرنا عن حياة القديس فم الذهب([3]). فلدينا سير أخرى عنه كتبها ثيودوريت اسقف تِرميثوس([4]) Trimithus فى حوالى 680م، وجورج اسقف الأسكندرية([5]) فى سنة 620م، ولاون الإمبراطور(ح 900م)، وكتّاب مجهولون إلى جانب بعض الروايات التى تشتمل عليها التواريخ الكنسية للقرن الخامس الميلادى([6]) لسقراتيس وسوزمينوس وثيودوريت وفيلوستراجيوس واللاهوتى فوتيوس(ح 850م) والكاتب الوثنى زوسيموس إلى جانب إشارات أخرى قليلة لدى المؤلفين القدامى. ومن هذه المصادر المتنوعة يمكننا إستخلاص ليس فقط سجلا بحياة فم الذهب ولكن أيضا رسم صورة للرجل نفسه ، وأيضا إلقاء الأضواء على حياة الكنيسة فى أيامه، كما نتزود بمعلومات عن عادات وفرائض إندثر بعضها بينما ما زالت أخرى ممارسة بيننا.

 وكلما درسنا سيرته بأكثر دقة، كلما ظهر رجلا محبوبا أكثر، وكلما شعرنا بالأكثر كم نحن مدينون له بالمستوى النبيل والتقوِى والخدَمى والذكى للحياة المسيحية التى حافظ عليها بشدة بإيمان وصراحة بلا خوف، وخلفها لنا. وكلما بدت حياته أكثر إعجابا، بالمقابلة مع حياة الكثيرين المعاصرين له من الوثنيين، وللأسف حتى من المسيحيين.

 ولكن كان عليه أن يتحمل تبعة سماته الجيدة. فقد كان رجلا شديد المرارة من فرط حماسه للفضيلة، وسريع الغضب أكثر من التعامل اللطيف، إذ لم يُفكِّر منذ نشأته فى المستقبل. وبسبب بساطة شخصيته سلك بدون تفكير عميق، فإستخدم خطابا أكثر تحررا مع أولئك الذين اعتنى بهم، وكمعلِّم أفاد كثيرا سامعيه. لكنه أٌعتُبِر من قِبل الذين لا يعرفونه عنيدا فى سلوكه([7]). ويُظهِر لنا “الحوار” الأرضية التى استندت عليها هذه الإنتقادات، ويعرض لنا المؤلِّف الردود المتنوعة عليها. “لقد كانت لديه سمات جديرة بالإعجاب. فماذا يُمكن أن يكون أكثر قيمة من الكرم والحماس المتفائل؟. لقد كان يفتقر إلى ضبط النفس ورباطة الجأش واللياقة، والأسلوب الدبلوماسى، كما سنلاخظ ذلك فى كثير من الأحيان، ولكن لو كان قد امتلك هذا، هل كان سيكون ذهبى الفم؟!”([8])

كتاباته

من المستحيل التعامل هنا مع نتاج ذهبى الفم الأدبى الذى هو أكثر غزارة من[نِتاج] أى كاتب كنسى يونانى([9]) آخر. فبينما كان فى أنطاكية ألقى فى فترة الصوم الكبير بصفة خاصة سلسلة من العظات المتتالية، أو شرحا للأسفار المقدسة التى تناول فيها معظم أسفار الكتاب المقدس. إن ايسيدورس البيلوزى([10]) يكتب [قائلا] “إننى أظن أنه لو أراد القديس بولس أن يشرح كتاباته لما كان قد تحدث خلاف ما نطق به هذا المعلِّم الشهير. فإن شرحه لمحتوياتها جدير بالإعجاب. فهو جميل فى شكل وسِمة التعبير. ويقول سويداس  Suidas فى القرن العاشر، منذ بدء العالم لم يمتلك أحدُ ما، كواعظ، مثل هذه المواهب. وهو فقط الذى استحق لقب فم الذهب، والواعظ الإلهى”.

 وقد تم تدوين معظم هذه العظات بأسلوب الإختزال، ويبدو أنه قد صححها بنفسه. وهناك أيضا عدد كبير من العظات عن موضوعات خاصة، أشهرها الواحد والعشرين “عن التماثيل”، التى ألقاها فى انطاكية سنة 378م، عندما صارت المدينة مهددة بالتدمير من قِبل الإمبراطور عقابا لها على الشغب الذى اندلع. والعديد من المقالات الخاصة بموضوعات أخلاقية ولاهوتية والتى تشمل عمله الرائع “عن الكهنوت”. ومعظم أعماله تعود إلى تلك الفترة التى قضاها من حياته فى انطاكية، فقد اعوزه الوقت فى القسطنطينية، إن لم تكن الفرصة، لمثل هذه الاعمال الفكرية السامية. وكذلك نُسِب إليه عدد من الاعمال المنحولة بعضها بالطبع مزيف، أو على الأقل، أُسِىء تسجيلها من قِبل اعدائه لكى ما يستثيروا حفيظة الإمبراطورة ضده.

 (2) تعاليم “الحوار”

لقد كان هَمْ فم الذهب فى أكثر [أعماله] هو الصراع الدائم بين الكنيسة والعالم. فالكنيسة عليها أن تسلك كملح للأرض، كمدينة على تل، كنور للعالَم، كهيكل لله الحى. وأن تعلو مُثُلُها دوما حتى عن تلك التى يمكن للقديسين أن يبلغوها. ولكن قليلين فقط هم الذين يمكنهم بلوغ تلك الأمور التى ترفع من مستوى الجنس البشرى، ولذا عليها ألاَّ تكسر قصبة مرضوضة، ولا أن تُطفِىء فتيلة مدخنة بجعل متطلباتها مرتفعة للغاية عن مستوى الاستخدام العملى للرجل العادى الذى يعيش فى العالم، ولا أن تدين مَن لم يُدِنه الله. عليها ألاَّ تُحزِن قلب البار، ولا أن تُقوى أيادى الأشرار بوعدِهم إياهم بالحياة.

 وهكذا، تتمثل المشكلة الموضوعة دوما أمام الكنيسة فى كل العصور، فى كيفية شق طريقها بين الطرفين، بين الشدة التى لا داعى لها، وبين الإنصياع التوافقى. ومن هنا كانت الحاجة ماسة الى أحكام مختلفة من فم الذهب بالنسبة للبشر المتنوعين فى المزاج. فالمزاج الصارم للجميع يكون أحيانا من منطلق دوافع سامية، وأحيانا بدون وعى يكون مختلفا. إن ذلك يتطلب نسكا فى الحياة، وصرامة فى العقيدة، وتقشفا عن التمتع بملذات هذا العالَم. وأحيانا تكون هذه الصرامة، وبدون وعى من منطلق دوافع أدنى حيث يكون من المفترض أن الناس سيكونون أفضل عندما يُغارُون بمن هم أدنى، وبعين متطلعة إلى رفاهية الجمهور أكثر من القِلة، فهى تهدف إلى تعليم الجميع أنَّ كل الأمور الدنيوية إنما هى عطية من الله الذى يُعطيها لنا بسخاء لنتمتع بها. فواحدٌ يُوبَّخ فى وقتٍ مناسب وغير مناسب، والثانى يُمدَح لرغبته فى الكياسة.

 وما من شك، فى أن تكون هذه هى وجهة النظر التى أُتُخِذَت فى هذا “الحوار”. فإن الكتابات التى تُثير بعمق قلوب الناس، من الطبيعى أن تتلون تبعا للأحكام المسبقة لكاتبيها. ومن العسير الإعتقاد بأن فم الذهب كان مستحقا لكل تشيهرات أعدائه به، الواردة فى هذه المقالة من قِبلهم. فالحس السليم القوى الواضح فى كتابات فم الذهب، على الرغم من أنه أحيانا ما يكون مُبهما بسبب المغالاة فى التعبير والجهل بالقوانين الاقتصادية فيما يتعلق بالأثرياء، وبسبب أباطيل وأُبهة العالِم، قد حفظته بصفة عامة من المرارة التى جحدها تلميذه. ولكن أولئك الذين أعوزتهم القدرة التى لمؤلفنا “قفزوا على الخدمة” وتعاملوا بمكر مع كلمة الله، وحرَّفوا تعاليم المسيحية، وليست هناك لغة قوية للغاية مثل “الكاهن الذى ليست له فضائل الراهب، يستحق فقط الشركة مع ساتيرس satyrs([11])، أو كهنوت ديونيسوسDionysus . فالسيف لا يمكن أن يكون ثَلِما، ولا الكلمة الجريئة يُمكن ألاَّ تُعلَن”. وهكذا رفع ذهبى الفم فى الواقع صوته بوضوح أكثر من البوق.

ولكن على الرغم من دفاع بالاديوس عن حماس ذهبى الفم، إلا أنه من العسير ألا نكوِّن من دراساتنا للكتابات المتنوعة، استنتاجا ما مفاده أن فم الذهب فيما يتعلق بأودكسيا قد تكلم بشفتيه بلا حكمة. إذ يبدو أنه من المستحيل الشك فى أن الإتهام الذى وُجِّه له بشأن مقارنتها علانية بإيزابيل وهيروديا قد حدث حقيقة، لأن بلاغته قد ألهبت الجماهير نحو التقويم، وحظى بدعم العديد من الأصدقاء الحميمين. لقد ظن نفسه مثل سافونا رولا فى الأيام اللاحقة، وأنه من القوة بما يكفى لمهاجمتها، فتم إطفاء نوره المُشرِق فى وسط أمة ملتوية وضارة، إلى الأبد.

 هل كان على صواب أم على خطأ؟. إننا سنجيب على هذا السؤال، وفقا لمزاج كل منا. بيد أنه أيا كانت تقديراتنا، فإننا نعرف أن العالم بعد كل شىء يحترم المُثُل العليا ويرتفع بها بدون وعى على الرغم من أنه قد يبدو أنه يسلك بطريقته الخاصة، وأنه يُفضل الإشتراك فى لوم اللسان الصريح. ولم تكن حياة فم الذهب وموته عبثا.

 أما من جهة ما نحكم به وما يمكننا أن نلتمسه من أعذار لتحامل مؤلفنا فإننا نرى أن دوافع ثيوفيلس لم تكن جيدة بل كانت شريرة. لقد ناشد فم الذهب، مثل كارنمرCranmer، عقد مجمع مسكونى لم يُعقَد قط، ولا كان من الممكن أن يُعقَد، “فهذا العالم حلبة مصارعة”. ومن ثم يرى بالاديوس أنه ليس هناك مثل هذا الطريق المهيأ لحل مشاكلنا. نحن مدعوون إلى المجمع العام للأبكار المكتوبين فى السماء، ولكننا أيضا سنأتى إلى الله ديان الجميع. وهكذا العالم ليس فقط قوة مٌغرية روحيا وجذابة، ويميل بإستمرار إلى جذب المُثُل إلى أسفل وصولا إلى مستواه الخاص به، لكنه يمتلك أيضا قوته القسرية وحكامه الحاملين للسيف ويُمكنه أن يدفع إلى الأمام عمل الكنيسة أو أن يكبحها. إن حسن النية يمكن إكتسابه إما “بالموائد” وإما “بالمداهنة” ولكن نتائجها تكون دائما كارثية. ونحن نجد هنا أن فم الذهب والرهبان يلتجأون هم أيضا إلى السلطة المدنية ويستخدمونها بما لا يقل عن ثيوفيلس وآتيكوس ليس بإعتبارها قضاء نزيها بين الاطراف المتنازعة، ولكن كوسيلة يعرضون بها آراؤهم عن العقيدة والتهذب الكنسى. ولكن ذهبى الفم وجد أخيرا أن السيف الذى تحمله السلطة الزمنية، سيف ذو حدين. فقد كسب حزب ثيوفيلس اليد العليا من خلال استخدام حاذق لمشاعر الأنانية التى تُحرك الحكام والرعية على حد سواء, ولم تتمكن الكنيسة قط من استعادة مركزها كقوة للبِر.

 ولم يُعد هناك حدُ للخيار المطلق للإمبراطور من الآن فصاعدا على الدولة والكنيسة. إذ لم يكن هناك امبروسيوس ليقول له “لقد شابهت ذنب داوود، فعليك أن تحاكيه أيضا فى توبته”. ولم يكن هناك هيلدبراند Hildebrand ليصيح كبعجة “لقد أحببتُ البر وكرهتُ الإثم لذلك أموت فى المنفى”.

 ولكن مع تقدم العالم فى مفاهيمه عن قيمة الفرد وعن حقوقه وحرياته، تُصبح [ السلطة المطلقة] مستحيلة، وسرعان ما تندلع القوى المكبوتة منذ أمد طويل فى ثورة أكثر وحشية بما بتناسب مع قهر الماضى. “فعلى الرغم من أن عجلات الله تطحن ببطء، إلا أنها تطحن بأكثر دقة”. ومؤلفنا مثل غيره من المؤرخين القدامى، قد يكون أو لا يكون على حق فى عزوه للكوارث المختلفة للغضب الإلهى لمقتل فم الذهب. فنحن نرى أن يد الله أعظم من هذه الأمور. إن إجتماع أربعين من الاساقفة الساخطين، فى ضاحية ما، منذ ألف وأربعمائة سنة مضت قد يبدو أمرا قليلَ الأهمية بالنسبة لنا، لكنه كان خطوة من الخطوات الأولى نحو وضع الكنيسة مثل الدولة تحت كعب الأباطرة. ذلك المفهوم الذى ساد الكنيسة الشرقية خلال القرون التالية([12]).

 وهناك أسقف مُغفَل الإسم مُصوَّر هنا على أنه قام بزيارة إلى روما، وهناك أجرى حوارا استغرق عدة أيام، مع شماس يُدعَى ثيودورس Theodorus كان قد سمع جانبا واحدا فقط من القصة، وهو ذلك الذى عرضه أعداء فم الذهب والمتمثل فى الإتهامات الموجهة ضده فى البلوطة. فأراد أن يعرف الحقيقة سواء المتعلقة بالوقائع، أو الخاصة بالإعتراضات على شخصية فم الذهب. وكان أشخاص آخرون حاضرين المناقشة. وقد إنضم أحدهم لبعض الوقت. وكانت النتيجة النهائية أن رفض ثيودورس الروايات الذرِيَّة التى تلقاها، ونطق بتمجيد للقديس الشهيد.

 إن التاريخ المفترض لهذا “الحوار”، هو عقب وفاة فم الذهب بوقت قصير، حيث أن الخبر الذى تلقاه الشماس عن ذلك يحتاج إلى تأكيد.

ويمكننا ترتيب الاحداث المشار إليها فى هذا “الحوار” على النحو التالى:

فى الفترة من 344م إلى 347م، وُلِد فم الذهب فى انطاكية. وفى حوالى 370م عماده. فى سنة 373م، دخوله دير بالقرب من انطاكية. فى 383م سيم شماسا بأنطاكيا. فى 26 فبراير 398م سيم أسقفا للقسطنطينية. إصلاحاته الكنسية والمدنية. فى سنة 399م إصلاحات الشقاق فى أنطاكية. فى سنة 400م، ثورة الجاينيين. فى سنة 401م، زيارته لأفسس وخلعه لستة أساقفة. إدانة ثيوفيلس للأوريجانية. سنة 402م وصول الرهبان إلى القسطنطينية. فى سنة 403م مجمع البلوطة والإقصاء الأول لفم الذهب، وإدعاءات ثيوفيلس. فى 16 ابريل 304م عيد القيامة، وشغب فى الكنيسة، ورسالة فم الذهب إلى اينوسنت, ومحاولة الإعتداء على حياته. فى 20 يونيو الإقصاء الثانى. حرق الكنيسة. تلقى أخبار من روما. وفد الاساقفة الغربيين. المعاملة القاسية لأتباع يوحنا. وصوله إلى كوكوسس Cucusus فى سبتمبر. نقله إلى بيتيوس Pityus فى يونيو 407م. وفاته فى 14 سبتمبر سنة 407م.

 الروايات عن اوليمبياسOlympias، وعن بورفيريوس Porphyrius، وعن رهبان عدة. الإتهامات الموجهة ضد فم الذهب الخاصة بالأكل بمفرده، وبعزل الاساقفة الستة، والإفراط فى الكلام الجرىء، والهجوم الشخصى على الأفراد، والعجرفة ضد الإكليروس. ثم يتناول المؤلف بإسهاب موضوعات أخلاقية عديدة سنجدها فى الفهرس العام.

 المؤلِّف

المقالة كما هى، مغفلة من الإسم، ولكنها تُنسَب على نطاق عام إلى بالاديوس اسقف هللينوبوليس التى أجراها مع دياكون من روما[اسمه] ثيودورس بشأن حياة وأحاديث الطوباوى يوحنا فم الذهب اسقف القسطنطينية. وفى الهامش أُضيفت هذه العبارة “وكُتِب فى نسخة أخرى أسقف أسبونا”. وهكذا يُشير العنوان إلى أن كاتب هذه المقالة ليس بالاديوس اسقف هللينوبوليس أو اسبونا ولكن إلى أسقف بلا إسم يمثل الشخصية الرئيسية فى “الحوار”. ولكن ذلك لا يتحقق فى أى مكان. فقد وُصِف ببساطة أنه عضو فى مجمع يوحنا وأنه من الشرق على الرغم من أنه ليس من القسطنطينية، وأنه قد تألم من أجله. إن بالاديوس اسقف هللينوبوليس([13]) معروف لدينا كمؤلِّف للتاريخ اللوسسى([14])، والذى يشتمل على عدد من السير المختصرة، والأقوال القيمة للرهبان بصفة أساسية الذين عرفهم بشخصه وسمِع عنهم خلال حياته كراهب فى الصحراء، أو خلال أسفاره. وتُسجِل مقدمة ذلك العمل أنه قد ألفه لنفس الغرض الأخلاقى الذى من أجله ألَّف هذا “الحوار”. ومن الجلى، أنه كان صديقا لفم الذهب الذى كتب إليه من كوكوسس سائلا صلواته، وقال له أنه قلق عليه يوميا من أجل رفاهيته([15]). ويُظهِر التاريخ اللوسسى أنه قد سيم أسقفا لهللينوبوليس بعد تركه للصحراء سنة 400م، وإنغماسه فى القلاقل الخاصة بالطوباوى يوحنا([16]). ويعطينا “الحوار” رواية عن رحلته إلى أفسس، وزيارته لروما، وإبحاره إلى القسطنطينية، ونفيه إلى سين([17]). وعقب عودته عاش سنتين فى غلاطية. وحسبما يُخبِرنا سقراتيس([18]) نُقِل كأسقف إلى أسبونا فى غلاطية، وكتب بعد ذلك بسنتين تاريخه اللوسسى، وتُوفىّ فى وقت ما بين سنتى 420م و 430م.

 بالنسبة للمقالة، المخطوطة الوحيدة لها ترجع إلى القرن الحادى عشر الميلادى وهى بمكتبة the Medicean  بفلورنسا  Florence. وهى تحتوى على فقرات منسوخة من هذا العمل، أمكننا فحص نصنا هذا بواسطتها. وقد طُبِعت أولا بترجمة لاتينية سنة 1680م، وهى مكتوبة باللغة اليونانية القديمة، وبكلمات كثيرة لها معانى غير مألوفة للكتّاب الكلاسيك، وهناك أخطاء نحوية كثيرة. والترتيب التاريخى للأحداث غير مراعى، حيث أن الموضوع الرئيسى للمؤلف ليس أن يكتب سيرة ذاتية بقدر ما يضع نموذجا يُشَّحِذ به قراءه لإتباع القدوة الحسنة للقديس ولكى ما يُحذرهم ضد طلب الكهنوت غير المناسب.

وقد عرض ذلك فى شكل حوار، وهو أسلوب معترف به فى تقديم مقالة أخلاقية. فهكذا كُتِب عمل فم الذهب الشهير “عن الكهنوت”. فالتعليم الحر الذى تحدث عنه بالاديوس بإعجاب فى التاريخ اللوسسى وهنا، كان من الطبيعى أن يستخدمه كأداة لنقل أفكاره. ولقد قاد حب بالاديوس لمعلمه إلى أن يتبع مثاله، ولكن لم تكن لديه معرفة افلاطون ولا قدرته فكان “الحوار” أحيانا مملا، والشكل غير ملائم للموضوع([19]). فلم يقدر عمل أمرين فى وقت واحد أن يُقدِّم ذكرى لرجل صالح، وأن يؤلف مقالة أخلاقية. فعندما يُقدّم روايات طويلة عن أحداث تاريخية، وفوق الكل الرسالة إلى اينوسنت إنما يحيد بشدة عن الاسلوب المستخدم فى حوارات افلاطون التى لها نفس الغرض مثل “دفاع سقراتيس وكريتو”.

 ومن الملاحظ أن تعبير “فم الذهب” هو إضافة فى زمن لاحق، وحل محل “يوحنا” على نطاق واسع فى حوالى منتصف القرن الخامس الميلادى. ولكن لماذا أُختِير بالاديوس اسقف هللينوبوليس بوصفه المحاوِر فى هذه المقالة دون سائر الأساقفة الشرقيين ما لم يكن هناك تقليد راسخ يربط بينه وبين المقالة. بكل تأكيد كان هناك تقليد كهذا. ففى قائمة من ثمانية عشر شخصا كتبوا عن فم الذهب مُدرجة فى كودكس قديم جدا، فحصه بيتافيوس Petavius، يَرِد فيها إسم “بالاديوس اسقف هللينوبوليس”. ويقول فوتيوس  Photiusأن “بالاديوس كان أسقفا وكتب عن أعمال كريسسوتم فى شكل حوار”. ولقد جمع بطلر ثلاثة عشر عبارة من العبارات الجديرة بالملاحظة جنبا إلى جنب مُظهِرا كم التماثل الملحوظ. وقد جمعتُ نحو سبعين أخرى أكثر يمكن العثور عليها فى الكلمات الواردة فى الفهرس. ويُمكن إضافة عبارات أخرى كثيرة مماثلة. ويوضح بطلر نقطة أخرى هامة. وهى استخدام ذات التعبيرات عن نفس الأشخاص وعن ذات الأشياء. وإننى لأظن أن أىَّ قارىء يبذل قليلا من الجهد فى المقارنة، سوف يرى أنه ليس فقط الكلمات وأسلوب استخدامها، بل أيضا العبارات والفقرات ترد فى العملين([20]). وقد أدت الدراسة الدقيقة للأب بطلر إلى المقارنة المكثفة لكيفية اقتباس نصوص الأسفار المقدسة، فوجد أن الإقتباسات التى أُستُخدِمت فى كلتا المقالتين قد وردت بتصرف وبنحو لا يوجد فى أى مخطوطة أخرى قائمة. وأنها وردت ليس نقلا من مصدر مكتوب، ولكن من الذاكرة. فنحن نعلم أن الرهبان الذين كان بالاديوس واحدا منهم قد كرّسوا وقتا أطول لإستظهار الكتب المقدسة عن ظهر قلب، وأن كثيرين منهم قد حفظوا أسفارا بأكملها بالذاكرة([21]). ويوضح بطلر أنه فى كلتا المقالتين ورد الإقتباس مت18:11 مدمجا مع مت 32:21، وأنه ورد فى كلتيهما مسبوقا بكلمة “يوبخهم”. وكذلك يرتبط الإقتباس من مر16:2 بمتى 11:9، على نحو ليس له سند من مخطوطة ما أو موازى له. كما يرد الإقتباس 1يو18:2 مقترنا بالعبارة “لقد كانت الساعة الأخيرة منذ أربعمائة سنة مضت” على نحو لا يُمكن أن يكون صُدفة. بالطبع سيكون أمرا غريبا أن يتفق كاتبين مختلفين، مع هذا التعدد فى مخطوطات النسخ السبعينية المتوفرة فى سنة400م، فى نفس النصوص المقتبسة، وبذات التبديل والتصرف فى النقل، إذ نجد الإقتباس غير الدقيق من الذاكرة للنص جا9:8 يرد فى المقالتين بذات الترتيب والتبديل فى الكلمات بالضبط. كذلك نجد مؤلف “الحوار” يذكر، مثل مؤلف “التاريخ اللوسسى” المعابد المصرية، ويتحاور مع هيراكس، وكان أحد الأربعين اسقفا الذين إنحازوا إلى صف فم الذهب ومعجب للغاية بالرهبان، ويعرف نفس الأشخاص: ايسيذورس، وآمون، وديسقورس، وكرونيوس، ومكاريوس، واوليمبياس([22]). وأخيرا المعرفة التى يُظهرها كاتب “الحوار” بأعمال بالاديوس ستكون أمرا غير عاديا بتاتا إذا ما افترضنا أنه شخص آخر خلاف بالاديوس نفسه. ففى أربع فقرات يُعطينا رواية حية ودقيقة عن الأحداث التى يذكر بالاديوس أسقف هللينوبوليس أنها قد حدثت، وهى: وفد القسطنطينية، والأحداث المرتبطة بمجمع البلوطة، والمهمة فى أفسس، ورحلة الأساقفة الشرقيين التى ترد فى الرواية عن الوفد. ولا يستخدم كاتب “الحوار” ذات العبارات حرفيا فقط كما فى “التاريخ” مثل “قال لى أحد الجنود” و”قالوا” و”قيل” عندما يروى أحداثا كان شاهد عيان لها، ولكنه ينسى ذات مرة أنه يكتب بضمير الغائب وينتقل من الأسلوب غير المباشر إلى أسلوب الخطاب المباشر مثل مؤلف “التاريخ اللوسسى”. ومثلما فعل القديس لوقا فى سفر الأعمال. ونلاحظ أنه فى المقالتين كثيرا ما ترد أمثال وملاحظات حساسة، وأنه فى كلتا المقالتين ترد مساحة شاسعة غير معتادة للطعام والشراب، أو للإحجام عنهما.

أما عن تاريخ كتابة هذا “الحوار”، فلا شك أنه يلى “التاريخ اللوسسى”. فبعدما وجد مؤلف الثانى أن عمله هذا قد حقق فائدة وقيمة، كان من الطبيعى أن يُقدّم نموذجا مفردا للحياة المسيحية الحقيقية، بل هو أشهر وأبرز نموذج مسيحى فى أيامه. لم يكن بالطبع يستطيع كتابة هذا العمل وهو منفى فى سين، ولا فى غلاطية وهو مشتت الفكر بالأحداث الجارية وبعدم تيقنه من جهة مستقبله. وفى “الحوار” نجد إشارة إلى وفاة ثيوفيلس([23]) كما نجد ذِكر لأعمال فم الذهب وخاصة رسائله، الأمر الذى يحتاج بالطبع إلى إنقضاء وقتُ ما من الزمن. لقد كتب بالاديوس “تاريخه”، كما رأينا، عندما كان فى حوالى الثالثة والأربعين من العمر، وكان يجول مثل هيرودت بمفكرة، ذهنيا إن لم تكن ماديا، استقى منها فيما بعد رواياته وحكاياته. لقد عاش حياة شاقة كراهب، وسافر إلى القسطنطينية عن طريق فلسطين، وزار روما، وتألم بالنيابة عن فم الذهب، وعانى من رحلة شاقة إلى أسوان حيث قضى هناك ست سنوات فى المنفى. فماذا يكون أثر كل هذه السنوات على صحته وخاصة على عينيه.

 

الطبعة [الإنجليزية]

لقد اتبعت هنا نص بيجوت  Bigot’s text كما ورد فى مين Migne([24]), وعلى الرغم من أن مين يقدم تصحيحا أو ترجيحا جيدا إلا أننى لم أُخضِع نفسى له دون الإشارة عند الضرورة إلى ذلك فى الهامش([25]). والهوامش هنا إلى حد ما أكثر كمالا مما يُقدَّم عادة فى هذه السلسلة من الترجمات. ويحدونى الأمل فى أن يجذب إسم فم الذهب وبساطة سيرته دائرة أوسع من القراء([26])

[1] – أنظر مقدمتنا للقسم الثالث من “التاريخ الرهبانى..” نشر باناريون،2013م

[2] –  أقول هنا “التاريخ اللوسسى” عن قصد، عن العمل المشهور بإسم “التاريخ اللوزياكى” فى مصر، وبإسم “اللوزى” فى عربية الشام. كما كتبه البعض حديثا “اللاوسى”. ولما كان العمل منسوبا الى شخص يُسمَّى Lausus وكانت قواميس اللغة الآن متوفرة بالصوت، فإن القاموس الناطق يلفظ هذا الإسم “لوسس” وليس “لاوس” ولا “لاوز” ومن ثم يكون النعت هنا “لوسَسِى” حسبما أرى، فنقول “التاريخ اللوسسى”.

[3] – يرد اسمه ولقبه فى اليونانية بالشكل يوأنس خريسوستوموس  : Ἰωάννης ὁ Χρυσόστομος

[4] – مدينة بقبرص، وكان منها القديس اسبريدون أيضا. أنظر سوزمينوس بسلسلة “المؤرخون الكنسيون الأوائل” للمعرب، قيد الطبع.

[5] – الأسقف الخلقيدونى(الملكانى) الدخيل.

[6] – أنظر سلسلة “المؤرخون ..”، السابقة الذكر

[7] – أنظر سقراتيس، “ت.ك.”، 3:6. وسوزمينوس. للمعرب

[8] – Aimé Puech (Paris: Lecoffre, 1913),   (عن هربرت مور)

[9] – كان فم الذهب، كما سنرى توا، سوري الجنس، ومن ثم يقصد المترجم بكلمة (يونانى) هنا الكتَّاب الذين كتبوا باللغة اليونانية.

[10] – أى من بيلزيوم التى هى بالقبطية “بيرومى”، وبالعربية “الفرما”. وكانت مدينة فى أقصى شمال غرب شبه جزيرة سيناء، وقد إندثرت الآن، وموقعها خرائب تل الفرما فى شرق قناة السويس. أنظر “المسيحية والحياة الرهبانية فى شبه جزيرة سيناء من القرون الميلادية الأولى إلى يومنا هذا” إعداد مطرانية جنوب سيناء.

[11] – معبود اغريقى.

[12] – ومازال بصورة أو بأخرى فى سائر دول الشرق.

[13] – دربانوم الآن، ببثينية.

[14] – أنظر “التاريخ الرهبانى..”، للمعرب، نشر دار باناريون.

[15] – رسالة 113.

[16] – بالاديوس، “ت.ل.”، 12:35. أنظر “التاريخ الرهبانى”، سابق الذكر.

[17] – أسوان حاليا.

[18] – “ت.ك.”، 36:7. للمعرب

[19] – فى نظر المترجم، والأمر متروك للقارىء.

[20] – “حوار عن..”، و”التاريخ اللوسسى”.

[21] – أنظر، “ت.ل.”، 11،26،37. للمعرب

[22] – تُظهِر كلتا المقالتين معرفة بكتابات ايفاجريوس، أحد رفقاء بالاديوس فى الصحراء.

[23] – توفى فى سنة 412م.

[24] – فى (Patr. Gr., vol. xlvii.) عن هربرت مور

[25] – والمعرب أيضا لم يلتزم بذات العناوين الفرعية التى وضعها وخاصة التى تشير إلى نعوت لكنيستنا عفا عليها الزمن. وتلك التى لا تتفق مع الذوق العربى. كما لم يلتزم بهوامشه بنصها إلا فى حالات معينة، أهمها عدم وجود المرجع الأصلى تحت يده.

[26] – “أمله” هذا ربما موجه إلى الغرب لأن كم المخطوطات التى وصلتنا لأعماله العديدة وسيرة حياته تعكس مدى الإهتمام به منذ قرون عديدة وقبل ظهور مجموعة NPNF ليس فى مصر فقط بل وسائر كنائس الشرق على اختلاف مذاهبها العقائدي