هل نعبد الأصنام فى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – الأنبا بيشوي مطران دمياط و البراري

الرئيسية » كتب » عقيدة » اللاهوت المقارن » الأختلافات مع الطوائف » البروتستانت » هل نعبد الأصنام فى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – الأنبا بيشوي مطران دمياط و البراري
رابط التحميل حجم الملف
إضغط هنا لتحميل الكتاب 2MB
الرئيسية » كتب » عقيدة » اللاهوت المقارن » الأختلافات مع الطوائف » البروتستانت » هل نعبد الأصنام فى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية – الأنبا بيشوي مطران دمياط و البراري

كارت التعريف بالكتاب

البيانات التفاصيل
إسم الكاتب الأنبا بيشوي – مطران دمياط والبراري ورئيس دير الشهيدة دميانة ببراري بلقاس
السلاسل سلسلة الرد على الهرطقات - الأنبا بيشوي مطران دمياط و البراري
التصنيفات البروتستانت, اللاهوت المقارن, عقيدة
آخر تحديث 28 نوفمبر 2019
تقييم الكتاب 4.999 من 5 بواسطة فريق الكنوز القبطية

تحميل الكتاب

إنتبه: إضغط على زرار التحميل وانتظر ثوان ليبدأ التحميل.
الملفات الكبيرة تحتاج وقت طويل للتحميل.
رابط التحميل حجم الملف
إضغط هنا لتحميل الكتاب
2MB

مقدمة

يتهمنا البروتستانت وغيرهم بأننا نعبد الأصنام، وقد نشروا ذلك فى كتب، وأقرّوه فى قرارات مجامع جمعت القيادات البروتستانتية فى سويسرا، ونشروه منذ بضعة سنوات على الإنترنت على موقع الكنيسة اللوثرية فى الشرق الأوسط تحت عنوان “نؤمن ونعترف كتاب العقائد للكنائس الإنجيلية المصلحة” للدكتور جورج صبرا عميد كلية اللاهوت الإنجيلية فى بيروت. حيث يقول مثلاً إن السجود لجسد الرب ودمه فى القداس هو عبادة وثنية، وإن التبخير للأيقونات هو عبادة فاسدة. وهم يهاجمون تكريمنا للقديسين وأيقوناتهم ورفاتهم، وتكريمنا للصليب. ويهاجمون استخدام البخور، وعمل الميطانيات الخاصة بالشكر أو الاحترام أو الاعتذار وليس العبادة ويعتبرون ذلك كله عبادة أصنام.

وقد انضم إليهم مؤخرًا أحد الأرثوذكس المنشقين، وصار يهاجم كنيستنا وعقائدها بكل عنف مرددًا ما تعلّمه لديهم من مفاهيم غير أرثوذكسية تم نشرها فى كثير من المجالات مثل الكتب والمقالات فى وسائل الإعلام بأنواعها.

فمن أجل حفظ سلامة التعليم قمنا بإصدار هذا الكتاب كما قمنا بتدريس محتواه فى فروع الكلية الإكليريكية وفى مؤتمرات للعقيدة.

الرب ينفعنا بصلوات قداسة البابا شنودة الثالث حامى الأرثوذكسية.

عيد العنصرة            مطران دمياط وكفر الشيخ والبرارى

23/5/2010م        ورئيس دير القديسة دميانة ببرارى بلقاس

15 بشنس 1726ش              وسكرتير المجمع المقدس

بعض الإدعاءات والرد عليها

1-     التماثيل والأيقونات

يقولون إن الله يقول فى الوصية الأولى من الوصايا العشر فى الأصحاح العشرين من سفر الخروج ما يلى: “أَنَا الرَّبُّ إِلَهُكَ الَّذِي أَخْرَجَكَ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ مِنْ بَيْتِ الْعُبُودِيَّةِ لاَ يَكُنْ لَكَ آلِهَةٌ أُخْرَى أَمَامِي” (خر 20: 2).

وأيضًا فى سفر التثنية قال الرب: “للرَّبَّ إِلهَكَ تَتَّقِي وَإِيَّاهُ تَعْبُدُ وَبِاسْمِهِ تَحْلِفُ” (تث6: 13).

والوصية الثانية تقول: “لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالاً مَنْحُوتًا وَلاَ صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ تَحْتُ وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ. لاَ تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ” (خر 20: 4، 5). ثم الوصية الثالثة “لاَ تَنْطِقْ بِاسْمِ الرَّبِّ إِلَهِكَ بَاطِلاً” (خر 20: 7).

وللرد نقول إن القديس يعقوب الرسول يقول: “أَنْتَ تُؤْمِنُ أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ. حَسَنًا تَفْعَلُ” (يع 2: 19). فالمسيحية أيضًا أكدت على وحدانية الله، لذلك نحن نقول: “باسم الآب والابن والروح القدس إله واحد”.

يقول البروتستانت إن الوصية الثانية تقول: “لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالاً مَنْحُوتًا وَلاَ صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ مِنْ فَوْقُ وَمَا فِي الأَرْضِ مِنْ تَحْتُ وَمَا فِي الْمَاءِ مِنْ تَحْتِ الأَرْضِ. لاَ تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ” (خر20: 4، 5)؛ وبالتالى فإن كل من الكنيسة الكاثوليكية والكنيسة الأرثوذكسية تخالف هذه الوصية وذلك لوجود صور فى الكنيسة مثل صورة العذراء وصورة يوحنا المعمدان مثلاً.

ما يهمنا هنا هو أن نوضح ما يلى:

إن تكملة الوصية تقول: “لاَ تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ” إذًا الممنوع هنا هو عبادة الصور أو التماثيل، والسجود لها بغرض تقديم العبادة.

هنا ويرى البعض، إن هناك تناقض بين ما ورد فى الوصايا العشر فى الأصحاح العشرين من سفر الخروج وبين ما ورد فى الأصحاح الخامس والعشرين من نفس السفر الذى نورده أدناه، لكن الحقيقة أنه لا يوجد أى تناقض..

الأصحاح الخامس والعشرين من سفر الخروج :

“وَقَالَ الرَّبُّ لِمُوسَى كَلِّمْ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنْ يَأْخُذُوا لِي تَقْدِمَةً. مِنْ كُلِّ مَنْ يَحِثُّهُ قَلْبُهُ تَأْخُذُونَ تَقْدِمَتِى فَيَصْنَعُونَ تَابُوتًا مِنْ خَشَبِ السَّنْطِ طُولُهُ ذِرَاعَانِ وَنِصْفٌ وَعَرْضُهُ ذِرَاعٌ وَنِصْفٌ وَارْتِفَاعُهُ ذِرَاعٌ وَنِصْفٌ. وَتُغَشِّيهِ بِذَهَبٍ نَقِيٍّ. مِنْ دَاخِلٍ وَمِنْ خَارِجٍ تُغَشِّيهِ. وَتَصْنَعُ عَلَيْهِ إِكْلِيلاً مِنْ ذَهَبٍ حَوَالَيْهِ. وَتَسْبِكُ لَهُ أَرْبَعَ حَلَقَاتٍ مِنْ ذَهَبٍ وَتَجْعَلُهَا عَلَى قَوَائِمِهِ الأَرْبَعِ. عَلَى جَانِبِهِ الْوَاحِدِ حَلْقَتَانِ وَعَلَى جَانِبِهِ الثَّانِي حَلْقَتَانِ. وَتَصْنَعُ عَصَوَيْنِ مِنْ خَشَبِ السَّنْطِ وَتُغَشِّيهِمَا بِذَهَبٍ. وَتُدْخِلُ الْعَصَوَيْنِ فِي الْحَلَقَاتِ عَلَى جَانِبَيِ التَّابُوتِ لِيُحْمَلَ التَّابُوتُ بِهِمَا. تَبْقَى الْعَصَوَانِ فِي حَلَقَاتِ التَّابُوتِ. لاَ تُنْزَعَانِ مِنْهَا. وَتَضَعُ فِي التَّابُوتِ الشَّهَادَةَ الَّتِي أُعْطِيكَ. وَتَصْنَعُ غِطَاءً مِنْ ذَهَبٍ نَقِيٍّ طُولُهُ ذِرَاعَانِ وَنِصْفٌ وَعَرْضُهُ ذِرَاعُ وَنِصْفٌ. وَتَصْنَعُ كَرُوبَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ. صَنْعَةَ خِرَاطَةٍ تَصْنَعُهُمَا عَلَى طَرَفَيِ الْغِطَاءِ. فَاصْنَعْ كَرُوبًا وَاحِدًا عَلَى الطَّرَفِ مِنْ هُنَا وَكَرُوبًا آخَرَ عَلَى الطَّرَفِ مِنْ هُنَاكَ. مِنَ الْغِطَاءِ تَصْنَعُونَ الْكَرُوبَيْنِ عَلَى طَرَفَيْهِ. وَيَكُونُ الْكَرُوبَانِ بَاسِطَيْنِ أَجْنِحَتَهُمَا إِلَى فَوْقُ مُظَلِّلَيْنِ بِأَجْنِحَتِهِمَا عَلَى الْغِطَاءِ وَوَجْهَاهُمَا كُلُّ وَاحِدٍ إِلَى الآخَرِ (أى لهما وجه). نَحْوَ الْغِطَاءِ يَكُونُ وَجْهَا الْكَرُوبَيْنِ. وَتَجْعَلُ الْغِطَاءَ عَلَى التَّابُوتِ مِنْ فَوْقُ. وَفِي التَّابُوتِ تَضَعُ الشَّهَادَةَ (الوصايا العشر) الَّتِي أُعْطِيكَ. وَأَنَا أَجْتَمِعُ بِكَ هُنَاكَ وَأَتَكَلَّمُ مَعَكَ مِنْ عَلَى الْغِطَاءِ مِنْ بَيْنِ الْكَرُوبَيْنِ اللَّذَيْنِ عَلَى تَابُوتِ الشَّهَادَةِ (الله أى السيد المسيح كان يظهر لموسى ويكلمه من على الغطاء من بين الكروبين) بِكُلِّ مَا أُوصِيكَ بِهِ إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ” (خر 25: 10-22).

ولم يكن تابوت العهد فقط هو الذى كان عليه الكروبان، لكن كل سجف خيمة الاجتماع كان مرسوماً عليها ملائكة، كما ورد فى سفر الخروج:

“وَتَصْنَعُ شُقَقًا مِنْ شَعْرِ مِعْزَى خَيْمَةً عَلَى الْمَسْكَنِ… وَتَصْنَعُ حِجَابًا مِنْ أَسْمَانْجُونِيٍّ وَأُرْجُوَانٍ وَقِرْمِزٍ وَبُوصٍ مَبْرُومٍ. صَنْعَةَ حَائِكٍ حَاذِقٍ يَصْنَعُهُ بِكَرُوبِيمَ. وَتَجْعَلُهُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَعْمِدَةٍ مِنْ سَنْطٍ مُغَشَّاةٍ بِذَهَبٍ. رُزَزُهَا مِنْ ذَهَبٍ. عَلَى أَرْبَعِ قَوَاعِدَ مِنْ فِضَّةٍ. وَتَجْعَلُ الْحِجَابَ تَحْتَ الأَشِظَّةِ. وَتُدْخِلُ إِلَى هُنَاكَ دَاخِلَ الْحِجَابِ تَابُوتَ الشَّهَادَةِ فَيَفْصِلُ لَكُمُ الْحِجَابُ بَيْنَ الْقُدْسِ وَقُدْسِ الأَقْدَاسِ. وَتَجْعَلُ الْغِطَاءَ عَلَى تَابُوتِ الشَّهَادَةِ فِي قُدْسِ الأَقْدَاسِ” (خر26: 31-37).

أهم عبارة هنا “صَنْعَةَ حَائِكٍ حَاذِقٍ يَصْنَعُهُ بِكَرُوبِيمَ” أى أنه يصنع بالخيوط الذهبية منظر ملائكة. وهذا الكلام على الحجاب الذى يفصل بين قدس الأقداس والقدس، بل وعلى كل حوائط الخيمة من الداخل.

كما قال: “وَأَمَّا الْمَسْكَنُ فَتَصْنَعُهُ مِنْ عَشَرِ شُقَقِ بُوصٍ مَبْرُومٍ وَأَسْمَانْجُونِيٍّ وَأُرْجُوَانٍ وَقِرْمِزٍ. بِكَرُوبِيمَ صَنْعَةَ حَائِكٍ حَاذِقٍ تَصْنَعُهَا” (خر26:1).

أى يصنع الكروبيم بمهارة وبمنتهى الدقة وبفن جميل. حتى أن من يدخل إلى الخيمة أو إلى الهيكل يجد الملائكة منقوشين على كل الحوائط.

ثم يقول داود النبى: “أَمَّا أَنَا فَبِكَثْرَةِ رَحْمَتِكَ أَدْخُلُ بَيْتَكَ. وأَسْجُدُ قدام هَيْكَلِ قُدْسِكَ بمخَافتِك” (مز 5: 7). إذن كان هناك سجود أمام الهيكل.. لكن ماذا يوجد بداخل الهيكل الذى يُقدَّم أمامه السجود؟

الرد هو؛ بداخل الهيكل تابوت العهد، وبداخله لوحى الشهادة المكتوب عليهما الوصايا العشر، وفوق غطاء التابوت الملاكان يظللان بأجنحتهما.

إن وجود الكروبان، يعطى انطباعًا عن العرش السماوى، والملائكة المحيطين به. ويذكرانا بقول الملاك للسيدة العذراء: “اَلرُّوحُ الْقُدُسُ يَحِلُّ عَلَيْكِ وَقُوَّةُ الْعَلِيِّ تُظَلِّلُكِ” (لو1: 35). فالكروبين كانا يظللان على العذراء مريم وهذه هى قوة العلى. (هناك مَن يعتقد أن الروح القدس هو قوة العلى التى ظللت على العذراء، لكن هذا خطأ لأن الروح القدس حل على السيدة العذراء، فقدَّسها وطهرها وملأها نعمة، وكوّن جسد السيد المسيح بدون زواج. وبالإضافة إلى حلول الروح القدس كانت أيضًا قوة العلى تظللها، ونحن نسمى الملائكة “القوات السمائية” فهذه هى قوة العلى).

فى ثيئوطوكية يوم الأحد لتسبحة نصف الليل نقول إن العذراء تشبه التابوت، ثم نقول: {وأنت يا مريم ألوف ألوف وربوات ربوات يظللون عليك، مسبحين خالقهم وهو فى بطنك…}.

وبداخل تابوت العهد كانت عصاة هارون التى أفرخت بدون زرع أو سقى وكانت رمزًا لتجسد الكلمة من السيدة العذراء بدون زرع بشر.

وبداخل التابوت أيضًا لوحى الشريعة التى هى كلمة الله، والذى فى بطن السيدة العذراء هو كلمة الله المتجسد، ليس مجرد كلام مكتوب بأصبع الله، لكنه أقنوم الكلمة ذاته. ولأن أقنوم الكلمة متجسد فى بطنها لذلك فإن الكروبين يظللان عليها. هذا هو المنظر.. لقد قال الله لموسى سوف أتكلم معك من فوق غطاء التابوت من بين الكروبين. لذلك فإن منظر تابوت العهد كان كله رمزًا للتجسد الإلهى، ورمزًا لمنظر العذراء والكروبيم حولها. عندما ذهبت لزيارة أليصابات امتلأت أليصابات من الروح القدس ويوحنا أيضًا امتلأ من الروح القدس (انظر لو 1: 41).

لابد أن نفهم أن الكروبيم مرتبط أيضًا بالتجسد الإلهى والعهد الجديد. وتسبحة نصف الليل تحكى لنا كثيرًا كيف أن تابوت العهد يشير إلى تجسد الكلمة من العذراء مريم. لذلك عندما نرسم أيقونة للسيدة العذراء وهى حاملة السيدة المسيح، يكون بجانبها ملاكين رمزًا للكروبين المظللين على التابوت.

إذًا مَن كان يسجد فى الهيكل كان يسجد فى وجود الملاكين أو الكروبين هناك..

ولكن السؤال هنا هو: هل فى هذا السجود كان أحد يعبد هذين الملاكين، أم أن من يسجد فهو يسجد لله؟

وهل كان يمكن السجود خارج الخيمة فى عدم وجود الملاكين أى فى الهواء الطلق؟

لا. لا يمكن.. لأن هذا هو المكان الذى كان الرب قد اختاره لتقديم السجود فيه فى ذلك الزمان.

فهل فى هذه الحالة يكون الرب قد أمر بنى إسرائيل أن يعبدوا الأصنام؟

لو كان كذلك فما تفسير الوصية الثانية ” لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالاً مَنْحُوتًا” (خر20: 4) والكروبين اللذين على الغطاء كانا تمثالين من ذهب، ويكمل ” وَلاَ صُورَةً مَا مِمَّا فِي السَّمَاءِ” (خر 20: 4) والشاروبيم هم فى السماء.

كيف يأمر الله بصناعة هذين الملاكين؟

تفسير ذلك هو أن الرب يقول: “لاَ تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ” (خر20: 5). فهو يقصد لا تسجد لهن بقصد العبادة على اعتبار أنهما إله آخر غير إله إبراهيم.

إذن وجود صور أو تماثيل فى الكنيسة لا يعنى أن هناك عبادة وثنية، إلا إذا قام أحد بعبادة هذه التماثيل أو تلك الصور، وهذا لا يحدث طبعًا (ملحوظة الكنيسة الكاثوليكية تستخدم التماثيل، أما كنيستنا فتكتفى بالأيقونات).

نحن ككنيسة أرثوذكسية لا نسمح بالتماثيل.. وهذا لكى لا يختلط الأمر على الشعب بين عبادة الأوثان التى كانت موجودة فى مصر قديمًا وبين تكريم القديسين، فنسمح فى الكنيسة فقط بالأيقونات، على الرغم من أن التماثيل ليست محرّمة بحسب الكتاب المقدس، إلا أننا لا نحب إدخالها إلى الكنيسة حرصًا وتدقيقًا. [يمكن تشبيهها بإنسان مطالب بأن يصوم يومين أسبوعيًا فيصوم أربعة أيام]. وعلى الرغم من وجود سماح باستخدام الصور والتماثيل فى الكنيسة إلا أننا لا نسمح إلا بالأيقونات ورغم ذلك نُتهم بعبادة الأصنام.

طبعًا لا يخطر ببال أحد أن يعبد أيقونة!؟! ونحن لا نعبد الأيقونات ولكننا نقدم لها التكريم مثل إضاءة شمعة أمامها..

التدشين

عندما تدشن الأيقونة بالميرون فى الكنيسة يصبح لها تكريم خاص. لأنه إذا كان تابوت العهد عندما كان الكهنة يحملونه كانوا يقولون: “قم أيها الرب الإله ولتتفرق جميع أعداءك” (انظر 2أى 6: 41). وعندما أخذوا تابوت العهد من الخيمة إلى ساحة المعركة وهتف الشعب حينما كانوا يحاربون الوثنيين وهم شعب الله الذى كان هو وحده من يعبد الله، سمع الفلسطينيون صوت الهتاف فقالوا: “مَا هُوَ صَوْتُ هَذَا الْهُتَافِ الْعَظِيمِ فِي مَحَلَّةِ الْعِبْرَانِيِّينَ؟ وَعَلِمُوا أَنَّ تَابُوتَ الرَّبِّ جَاءَ إِلَى الْمَحَلَّةِ” (1صم 4: 6). فحيثما يذهب تابوت العهد كان هذا يعنى أن الله يحل فى وسط شعبه، مثل “عمانوئيل الذى تفسيره الله معنا” (انظر مت 1: 23). وعندما لمس عُزة التابوت وهو لم يكن من الكهنة وقع ميتًا فى الحال “وَلَمَّا انْتَهُوا إِلَى بَيْدَرِ كِيدُونَ مَدَّ عُزَّةَ يَدَهُ لِيُمْسِكَ التَّابُوتَ، لأَنَّ الثِّيرَانَ انْشَمَصَتْ فَحَمِيَ غَضَبُ الرَّبِّ عَلَى عُزَّةَ وَضَرَبَهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ مَدَّ يَدَهُ إِلَى التَّابُوتِ، فَمَاتَ هُنَاكَ أَمَامَ اللَّهِ” (1أى13: 9، 10). وداود النبى رقص أمام التابوت لكنه لم يلمسه لأنه لم يكن كاهنًا.

موسى النبى نفسه دشّن محتويات الخيمة كلها قبل أن يتراءى مجد الرب فيها. وعملية التدشين كانت تتم إما بالماء والدم أو بزيت المِسحة المقدس. لقد قدّس موسى هارون وبنيه بزيت المِسحة المقدس، أما بالنسبة للأوانى والأشياء الأخرى فدشّنها بالماء والدم.

إن الأيقونات التى نكرّمها فى الكنيسة هى مدشّنة بزيت الميرون المقدس، وتعمل فيها نعمة الروح القدس.

ألم يرى يعقوب الملائكة صاعدون ونازلون على سلم بين الأرض والسماء والرب واقف عليه، وقال إن الرب فى هذا المكان وأنا لم أعلم “وَخَافَ وَقَالَ: مَا أَرْهَبَ هَذَا الْمَكَانَ! مَا هَذَا إلاَّ بَيْتُ اللهِ وَهَذَا بَابُ السَّمَاءِ!” (تك28: 17)، وأخذ الحجر الذى كان تحت رأسه، وأقامه وصب عليه زيت زيتون، ودعى اسم ذلك المكان بيت إيل أى بيت الله، ودشّن هذه المنطقة، وقال للرب إذا أرجعتنى إلى أرض أبائى سأعبدك فى هذا المكان.

التدشين بالميرون يعطى الطاقة (الأنيرجيا) فقط أى نعمة، وليس جوهر (الأوسيا) الروح القدس وإلا صرنا آلهة فى سر الميرون للمؤمنين، أو تصير الأيقونة إلهًا عند تدشينها وهذا أمر يتعارض مع الإيمان المسيحى.

لكننا نصلى أمام الأيقونة بفعل روحى بالإنيرجيا أى بالطاقة، لأن الإنسان المسيحى ممسوح بالروح القدس، والأيقونة هى مجرد وسيلة اتصال مع صاحب الأيقونة وبفعل الروح القدس بالطاقة وليس بالجوهر. لكن أقنوم الروح القدس نفسه هو الذى يمنح هذه الطاقة.

ما لزوم إضاءة شمعة أمام الأيقونة؟

للرد نقول أن الكنائس قديمًا كانت منخفضة فى مستواها عن الأرض، ولا يوجد بها نوافذ، وكانت الفتحات فى القباب فقط، فكانت الكنائس مظلمة وهذا ما نراه واضحًا فى الكنائس الأثرية مثلاً فى مصر القديمة، ولم يكن هناك كهرباء، وبالتالى كانت الأيقونات لا تظهر، فبإضاءة شمعة تظهر الأيقونة، لأن السيد المسيح يقول: “أَنْتُمْ نُورُ الْعَالَمِ” (مت 5: 14). لذلك، فتكريمًا لصاحب الأيقونة نضيء شمعة لكى ننير الأيقونة.

ومعلمنا بولس الرسول يقول: “انْظُرُوا إِلَى نِهَايَةِ سِيرَتِهِمْ فَتَمَثَّلُوا بِإِيمَانِهِمْ” (عب13: 7)، ويقول: “لَنَا سَحَابَةٌ مِنَ الشُّهُودِ مِقْدَارُ هَذِهِ مُحِيطَةٌ بِنَا” (عب12: 1).

إذًا بإضاءة الشمعة ننير الأيقونة وكأننا نقول لصاحب الأيقونة أنت كنت نورًا للعالم.

فما الخطأ فى أن ننير أمام الأيقونة أو نشهد لصاحب الأيقونة؟!

وعلينا أن نلاحظ أنه لا يجب أن تضاء شمعة إلا أمام أيقونة مُدشنة بالميرون. لأننا فى تدشين الأيقونة بالميرون نقول: “لتكون ميناء خلاص لكل مَن يلجأ إليها بإيمان”.

مثال للتوضيح: إذا كانت هناك أيقونة للسيدة العذراء حاملة للسيد المسيح مثلاً، وتم تدشينها بالميرون، أو أيقونة للقديسة دميانة مثلاً ومعها الأربعين عذراء وتم تدشينها ونفخ فيها الأسقف، تصبح هذه الأيقونة مثل تليفون محمول. كيف؟

التليفون المحمول عبارة عن قطعة معدن أو بلاستك، لكن بتركيب الخط يمكن الاتصال بأى شخص، وأحيانًا حتى خارج مصر. فهل الله لا يقدر أن يعمل ما يعمله التليفون؟! حينما تريد أن تكلم القديسة العذراء مريم أو القديسة دميانة تذهب إلى أمام الأيقونة وتنير شمعة فكأنك بذلك تفتح الخط، فتصعد الطلبة سريعًا، لأن هناك خط أو شريحة. أما إذا كان التليفون بدون شريحة أو خط فإن تكلمت لا يسمعك أحد. الخط هو الدور الذى يقوم به الميرون، لأن الروح القدس الذى فى الميرون يعطى الأيقونة الحرارة أى الخط؛ وبالتالى يمكن أن تطلب من القديسة دميانة المساعدة فى الامتحان، أو تطلب صلواتها أمام السيد المسيح لحل مشكلة ما، أو مثلاً تطلب من السيدة العذراء المعونة، إلخ… يمكن طلب أى شيء من القديس فيصل مباشرة إلى السماء.

الصلاة أمام الأيقونة لا تعنى عبادة الأيقونة ولكنها تعنى طلب من القديس ورجاء أن يسمع.

ربما يتساءل البعض:

هل يمكن الصلاة أمام الصور التى فى المنازل وهى ليست مُدشنة؟

الصور التى فى المنازل لأشخاص أعزاء مثل صور الوالدين يمكن تقبيلها لأنها تُذّكرنا بهم.. إذًا يمكن الصلاة أمام الصورة غير المدشنة فى المنزل لأنها تذكّر الشخص بصاحب الصورة، بل يمكن للشخص أن يطلب معونة أو طلب من السيدة العذراء أو الملاك ميخائيل بدون وجود صورة. لأن حول عرش الله فى السماء هناك أربعة وعشرون قسيسًا فى أيديهم مجامر “مَمْلُوَّةٌ بَخُورًا هِيَ صَلَوَاتُ الْقِدِّيسِينَ” (رؤ5: 8).

هذا هو الفرق بين الصورة العادية والأيقونة المُدشنة. ولكن حتى الأيقونة المُدشنة نحن لا نعبدها وإلا يصبح عندنا تعدد آلهة.

لماذا نقول “السلام” لصاحب الأيقونة؟

حينما نعطى السلام للقديس يصل إليه طبعًا، لكن هناك من يعترض ويقول كيف نقول السلام لك أو لكِ كأن القديسين أحياء معنا، وهل القديس قاعد فى الأيقونة؟

هم بالفعل أحياء فالرب إله أحياء “لَيْسَ هُوَ إِلَهَ أَمْوَاتٍ بَلْ إِلَهُ أَحْيَاءٍ” (لو20 :38).

وأحيانًا يحضر القديسون معنا فى أعيادهم مثلاً أو فى أى وقت مثلما تظهر السيدة العذراء مثلاً فى بعض الأحيان. لكن حتى لو لم يكن القديس حاضرًا معنا بالروح وأنه موجود فى الفردوس إلا أننا متفقين على أن هناك اتصال روحى بالنعمة،  وبدون هذا الإيمان نصبح كأننا نعيش فى مجاهل أفريقيا أو فى أدغال بالمعنى النسبى..

فكلمة “السلام لك” تصل طبعًا للقديس.. ونحن نمر على أيقونات القديسين فى صحن الكنيسة نقدّم لهم السلام؛ كل باسمه، حيث يقدّم الأب الكاهن السلام مع البخور من المجمرة.

أسلِّم على القديس بمعنى إنى واثق أن عبارة السلام هذه هى نوع من البخور المرسل بالنعمة ويصل إلى هذا القديس. فبينى وبين القديس شركة روحية يعبّر عنها بالبخور، هذه الشركة قد تكون صلاة أو تكون تحية. من الممكن أن أقول للقديس: “صلى من أجلى”، أو أقول له: “مبارك أنت أيها القديس من أجل ما فعلته لأجلنا”. وهذه إشارة إلى البخور الذى يقدّمه الأربعة وعشرون قسيسًا أمام العرش من مجامرهم الذهبية وهو صلوات القديسين (انظر رؤ 5: 8).

أيقونة السيد المسيح الله الكلمة المتجسد:

نحن نسجد للسيد المسيح ونعبده.. فالمولود أعمى مثلاً قال للسيد المسيح: “أُومِنُ يَا سَيِّدُ. وَسَجَدَ لَهُ” (يو 9: 38). أما أيقونة السيد المسيح فنحن نكرّمها ولكننا لا نعبدها، فلا يقل أحد أن أيقونة السيد المسيح هى المسيح، بالطبع لا ليست أيقونة السيد المسيح هى المسيح.

أما جسد ودم السيد المسيح فى القداس الإلهى فهو جسد حقيقى ودم حقيقى، وعندما نسجد أمامه فإننا نسجد لنفس الجسد الذى ولِد من العذراء وصُلب على الصليب وقام من الأموات. أما أى شيء آخر فى الكنيسة غير جسد الرب ودمه فإننا نحترمه ونكرّمه ولكننا لا نعبده حتى أيقونة السيد المسيح نفسه. ونحن لم نرى أبدًا أن شخصًا قال أن أيقونة السيد المسيح هى السيد المسيح أو أن شخصًا قال أمام الأيقونة: أنا أعبدك أيتها الأيقونة.

نحن نسجد للسيد المسيح الذى لاهوته مالئ السماء والأرض سجود العبادة. لكن ليس أى احترام يُقَدم لأيقونة مدشنة يعتبر عبادة حتى لو تم تقديم البخور أمامها كما شرحنا فى الفقرة السابقة.

2- الميطانيات أو السجود لغير العبادة والتمييز بينها وبين سجود العبادة

البعض يقولون أنه ربما هناك أشياء نسجد لها ويكون هذا سجود خاطئ:

مثل ميطانيات الآباء الرهبان بعضهم لبعض: إنه نوع من التحية عند المقابلة لكن طبعًا لا يعبد أى منهما الآخر!! وكذلك الميطانية أمام الأب الأسقف هى ليست عبادة!! أو الميطانية أمام أيقونة أثرية مباركة فى الكنيسة، كمثل أيقونة السيدة العذراء للقديس لوقا.

إننا فى الكنيسة نقدم السجود أولاً أمام الهيكل، ثم لأيقونة السيدة العذراء، ثم أمام أجساد القديسين، فالسجود أمام الهيكل هو سجود لله مالئ السماء والأرض الآب والابن والروح القدس، أما الميطانية للأيقونة أو أمام جسد القديس فهو مجرد سجود احترام وليس عبادة.

ما هو الدليل على أن هناك سجود ليس للعبادة؟

عندما أراد إبراهيم أبو الآباء –كما ورد فى سفر التكوين- أن يشترى حقل المكفيلة لكى يدفن سارة امرأته بعدما توفت، تقابل مع بنى حث وطلب منهم شراء الحقل لأنه كان غريبًا فى أرضهم وآتٍ من بلاد ما بين النهرين (العراق)، وهذا الحقل كان فى الأراضى المقدسة ناحية القدس. فرّحب بنى حث ببيع الحقل لإبراهيم لكى يدفن سارة، وأعطوه ملكًا له لأنه لم يكن يملك شيئًا فى هذه الأرض (وفى ذلك عظة خفيّة وهى أن أقصى شيء يمكن للإنسان امتلاكه على الأرض هو المساحة التى يُدفن فيها، وحتى هذه تعتبر ملكية مؤقتة. فإن كان أحد يقول أنه يمتلك خمسمائة فدان من أجود الأراضى أو يمتلك عقارات، فهو فى الحقيقة لا يمتلك إلا أمتار قليلة. وقد تغنى قداسة البابا فى أحد أشعاره عن هذا الموضوع. حتى هذه الأمتار القليلة هى ملكية مؤقتة والإنسان لا يشعر بها لأن روحه تكون قد انطلقت).

سمح بنو حث لإبراهيم أن يدفن ميته، فيقول الكتاب “فقَامَ إِبْرَاهِيمُ وسَجَدَ لِشَعْبِ الأَرْضِ لِبَنِي حِثَّ” (تك 23: 7). فهل فى هذا الموقف يكون قد قدّم العبادة لبنى حث؟! وهل إبراهيم أبو الآباء وأبو المؤمنين كان يعبد الأصنام أو يشرك بالله عندما فعل ذلك؟! لا أحد يستطيع أن يقول هذا الكلام سواء كان مسيحيًا أو غير مسيحى، بروتستانتيًا أو غير بروتستانتى… هذا السجود هو سجود للشكر.

وفى بركة اسحق لابنه يعقوب قال: “لِيُسْتَعْبَدْ لَكَ شُعُوبٌ وَتَسْجُدْ لَكَ قَبَائِلُ. كُنْ سَيِّدًا لإِخْوَتِكَ وَلْيَسْجُدْ لَكَ بَنُو أُمِّكَ” (تك 27: 29).

كذلك عندما هرب يعقوب من وجه عيسو أخيه لأنه أخذ البركة وكان عيسو يريد قتله، فأرسلته أمه إلى خاله لابان لكى يأخذ زوجة من هناك. وبالفعل ذهب إلى خاله وتزوج وصار له إحدى عشر من الأولاد وزوجته حبلى فى بنيامين.. وعندما أراد الرجوع إلى أرض أبائه وكان معه عندئذ غنم وعبيد بكثرة، علم أن أخاه عيسو آتٍ لاستقباله، فصلى طوال الليل حتى ظهر له السيد المسيح وباركه وأعطاه اسمًا جديدًا فعبر مخاضة يبوق، ثم أبصر عيسو من بعيد “وَسَجَدَ إِلَى الأَرْضِ سَبْعَ مَرَّاتٍ حَتَّى اقْتَرَبَ إِلَى أَخِيهِ” (انظر تك 33: 3). هذا سجود استرحام، كأنما يريد أن يطلب منه عدم وجود عداوة بينهما، وكان قد أرسل أمامه هدايا من جمال وبقر وحمير وماعز، مجموعات متتالية من الهدايا لكى يصرف غضب عيسو عنه إلى أن يصل هو بنفسه إليه، ثم حينما وصل سجد أمامه سبع مرات ولم يكن السجود للعبادة بل للاعتذار والاسترحام.

وفى قصة يوسف حينما أتى إخوته إلى مصر بسبب المجاعة ذكر الكتاب المقدس أكثر من مرة أنهم سجدوا له سجود الاحترام فيقول الكتاب “فَأَتَى إِخْوَةُ يُوسُفَ وَسَجَدُوا لَهُ بِوُجُوهِهِمْ إِلَى الأَرْضِ” (تك 42: 6)، وأيضًا “فَلَمَّا جَاءَ يُوسُفُ إِلَى الْبَيْتِ أَحْضَرُوا إِلَيْهِ الْهَدِيَّةَ الَّتِي فِي أَيَادِيهِمْ إِلَى الْبَيْتِ وَسَجَدُوا لَهُ إِلَى الأَرْضِ” (تك 43: 26)، وحينما سألهم عن أبيهم قالوا: “عَبْدُكَ أَبُونَا سَالِمٌ. هُوَ حَيٌّ بَعْدُ”. وَخَرُّوا وَسَجَدُوا” (تك 43: 28).

وأبيجايل التى صارت زوجة لداود النبى، سجدت له، وقد كانت من أعظم النساء فى العهد القديم. كان زوج إبيجايل هو نابال وهو رجل أنانى جدًا ومعنى اسمه (أحمق) “لأَنَّ كَاسْمِهِ هَكَذَا هُوَ. نَابَالُ اسْمُهُ وَالْحَمَاقَةُ عِنْدَهُ” (1صم 25: 25) كما قالت هى عنه لداود. وكان داود قد ظل يحرس غنم نابال فى الصيف والشتاء. وحينما جاء اليوم الذى كان نابال فيه يجز غنمه أرسل إليه داود قائلاً: “حَيِيتَ وَأَنْتَ سَالِمٌ وَبَيْتُكَ سَالِمٌ وَكُلُّ مَالِكَ سَالِمٌ. وَالآنَ قَدْ سَمِعْتُ أَنَّ عِنْدَكَ جَزَّازِينَ. حِينَ كَانَ رُعَاتُكَ مَعَنَا لَمْ نُؤْذِهِمْ وَلَمْ يُفْقَدْ لَهُمْ شَيْءٌ كُلَّ الأَيَّامِ الَّتِي كَانُوا فِيهَا فِي الْكَرْمَلِ. اِسْأَلْ غِلْمَانَكَ فَيُخْبِرُوكَ. فَلْيَجِدِ الْغِلْمَانُ نِعْمَةً فِي عَيْنَيْكَ لأَنَّنَا قَدْ جِئْنَا فِي يَوْمٍ طَيِّبٍ. فَأَعْطِ مَا وَجَدَتْهُ يَدُكَ لِعَبِيدِكَ وَلاِبْنِكَ دَاوُدَ (داود كان ملك إسرائيل لكنه كان هاربًا من شاول الذى كان يريد أن يقتله). فَأَجَابَ نَابَالُ عَبِيدَ دَاوُدَ: وَقَالَ مَنْ هُوَ دَاوُدُ وَمَنْ هُوَ ابْنُ يَسَّى (على الرغم من أن داود كان ممسوحًا بأمر إلهى بواسطة صموئيل النبى)؟ قَدْ كَثُرَ الْيَوْمَ الْعَبِيدُ الَّذِينَ يَهْرُبُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ أَمَامِ سَيِّدِهِ! فَقَالَ دَاوُدُ لِرِجَالِهِ لِيَتَقَلَّدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ سَيْفَهُ. فَتَقَلَّدَ كُلُّ وَاحِدٍ سَيْفَهُ. وَتَقَلَّدَ دَاوُدُ أَيْضًا سَيْفَهُ. وَصَعِدَ وَرَاءَ دَاوُدَ نَحْوُ أَرْبَعِ مِئَةِ رَجُلٍ، وَمَكَثَ مِئَتَانِ مَعَ الأَمْتِعَةِ. فَأَخْبَرَ أَبِيجَايِلَ امْرَأَةَ نَابَالَ غُلاَمٌ مِنَ الْغِلْمَانِ: هُوَذَا دَاوُدُ أَرْسَلَ رُسُلاً مِنَ الْبَرِّيَّةِ لِيُبَارِكُوا سَيِّدَنَا فَثَارَ عَلَيْهِمْ. وَالرِّجَالُ مُحْسِنُونَ إِلَيْنَا جِدّاً، فَلَمْ نُؤْذَ وَلاَ فُقِدَ مِنَّا شَيْءٌ كُلَّ أَيَّامِ تَرَدُّدِنَا مَعَهُمْ وَنَحْنُ فِي الْحَقْلِ. كَانُوا سُورًا لَنَا لَيْلاً وَنَهَارًا كُلَّ الأَيَّامِ الَّتِي كُنَّا فِيهَا مَعَهُمْ نَرْعَى الْغَنَمَ. وَالآنَ اعْلَمِي وَانْظُرِي مَاذَا تَعْمَلِينَ، لأَنَّ الشَّرَّ قَدْ أُعِدَّ عَلَى سَيِّدِنَا وَعَلَى بَيْتِهِ، وَهُوَ ابْنُ لَئِيمٍ لاَ يُمْكِنُ الْكَلاَمُ مَعَهُ. فَبَادَرَتْ أَبِيجَايِلُ وَأَخَذَتْ مِئَتَيْ رَغِيفِ خُبْزٍ وَزِقَّيْ خَمْرٍ وَخَمْسَةَ خِرْفَانٍ مُهَيَّأَةً وَخَمْسَ كَيْلاَتٍ مِنَ الْفَرِيكِ وَمِئَتَيْ عُنْقُودٍ مِنَ الزَّبِيبِ وَمِئَتَيْ قُرْصٍ مِنَ التِّينِ وَوَضَعَتْهَا عَلَى الْحَمِيرِ وَقَالَتْ لِغِلْمَانِهَا: اعْبُرُوا قُدَّامِي. هَئَنَذَا جَائِيَةٌ وَرَاءَكُمْ. وَلَمْ تُخْبِرْ رَجُلَهَا نَابَالَ. وَفِيمَا هِيَ رَاكِبَةٌ عَلَى الْحِمَارِ وَنَازِلَةٌ فِي سُتْرَةِ الْجَبَلِ إِذَا بِدَاوُدَ وَرِجَالِهُ مُنْحَدِرُونَ لاِسْتِقْبَالِهَا، فَصَادَفَتْهُمْ. وَقَالَ دَاوُدُ: إِنَّمَا بَاطِلاً حَفِظْتُ كُلَّ مَا لِهَذَا فِي الْبَرِّيَّةِ فَلَمْ يُفْقَدْ مِنْ كُلِّ مَا لَهُ شَيْءٌ، فَكَافَأَنِي شَرّاً بَدَلَ خَيْرٍ. هَكَذَا يَصْنَعُ اللَّهُ لأَعْدَاءِ دَاوُدَ وَهَكَذَا يَزِيدُ إِنْ أَبْقَيْتُ ذَكَرًا مِنْ كُلِّ مَا لَهُ إِلَى ضُوءِ الصَّبَاحِ. وَلَمَّا رَأَتْ أَبِيجَايِلُ دَاوُدَ أَسْرَعَتْ وَنَزَلَتْ عَنِ الْحِمَارِ، وَسَقَطَتْ أَمَامَ دَاوُدَ عَلَى وَجْهِهَا وَسَجَدَتْ إِلَى الأَرْضِ، وَسَقَطَتْ عَلَى رِجْلَيْهِ وَقَالَتْ: عَلَيَّ أَنَا يَا سَيِّدِي هَذَا الذَّنْبُ، وَدَعْ أَمَتَكَ تَتَكَلَّمُ فِي أُذُنَيْكَ وَاسْمَعْ كَلاَمَ أَمَتِكَ. لاَ يَضَعَنَّ سَيِّدِي قَلْبَهُ عَلَى الرَّجُلِ اللَّئِيمِ هَذَا، عَلَى نَابَالَ، لأَنَّ كَاسْمِهِ هَكَذَا هُوَ. نَابَالُ اسْمُهُ وَالْحَمَاقَةُ عِنْدَهُ. وَأَنَا أَمَتَكَ لَمْ أَرَ غِلْمَانَ سَيِّدِي الَّذِينَ أَرْسَلْتَهُمْ. وَالآنَ يَا سَيِّدِي حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ وَحَيَّةٌ هِيَ نَفْسُكَ إِنَّ الرَّبَّ قَدْ مَنَعَكَ عَنْ إِتْيَانِ الدِّمَاءِ وَانْتِقَامِ يَدِكَ لِنَفْسِكَ. وَالآنَ فَلْيَكُنْ كَنَابَالَ أَعْدَاؤُكَ والَّذِينَ يَطْلُبُونَ الشَّرَّ لِسَيِّدِي. وَالآنَ هَذِهِ الْبَرَكَةُ الَّتِي أَتَتْ بِهَا جَارِيَتُكَ إِلَى سَيِّدِي فَلْتُعْطَ لِلْغِلْمَانِ السَّائِرِينَ وَرَاءَ سَيِّدِي. وَاصْفَحْ عَنْ ذَنْبِ أَمَتِكَ لأَنَّ الرَّبَّ يَصْنَعُ لِسَيِّدِي بَيْتًا أَمِينًا، لأَنَّ سَيِّدِي يُحَارِبُ حُرُوبَ الرَّبِّ, وَلَمْ يُوجَدْ فِيكَ شَرٌّ كُلَّ أَيَّامِكَ. وَقَدْ قَامَ رَجُلٌ لِيُطَارِدَكَ وَيَطْلُبَ نَفْسَكَ، وَلَكِنْ نَفْسُ سَيِّدِي لِتَكُنْ مَحْزُومَةً فِي حُزْمَةِ الْحَيَاةِ مَعَ الرَّبِّ إِلَهِكَ. وَأَمَّا نَفْسُ أَعْدَائِكَ فَلْيَرْمِ بِهَا كَمَا مِنْ وَسَطِ كَفَّةِ الْمِقْلاَعِ. وَيَكُونُ عِنْدَمَا يَصْنَعُ الرَّبُّ لِسَيِّدِي حَسَبَ كُلِّ مَا تَكَلَّمَ بِهِ مِنَ الْخَيْرِ مِنْ أَجْلِكَ، وَيُقِيمُكَ رَئِيسًا عَلَى إِسْرَائِيلَ. أَنَّهُ لاَ تَكُونُ لَكَ هَذِهِ مَصْدَمَةً وَمَعْثَرَةَ قَلْبٍ لِسَيِّدِي أَنَّكَ قَدْ سَفَكْتَ دَمًا عَفْوًا، أَوْ أَنَّ سَيِّدِي قَدِ انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ. وَإِذَا أَحْسَنَ الرَّبُّ إِلَى سَيِّدِي فَاذْكُرْ أَمَتَكَ. فَقَالَ دَاوُدُ لأَبِيجَايِلَ: مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ الَّذِي أَرْسَلَكِ هَذَا الْيَوْمَ لاِسْتِقْبَالِي وَمُبَارَكٌ عَقْلُكِ وَمُبَارَكَةٌ أَنْتِ لأَنَّكِ مَنَعْتِنِي الْيَوْمَ مِنْ إِتْيَانِ الدِّمَاءِ” (1صم 25: 10-33).

فهل كان هذا السجود عبادة؟

لو كان هذا السجود للعبادة ما كان داود النبى قد قال لها: “مُبَارَكٌ الرَّبُّ إِلَهُ إِسْرَائِيلَ الَّذِي أَرْسَلَكِ هَذَا الْيَوْمَ لاِسْتِقْبَالِي”.. هذا السجود كان سجود احترام للملك واسترحام ولتهدئة غضبه لأنه أُهين وأُعتبِر كشحاذ مرفوض.

كان لداود الحق أن يغضب لكن لم يكن له الحق فى أن يقتل مَن لا ذنب لهم، فقامت أبيجايل بتهدئته وقَبِل داود وساطتها.

ثم عادت وقصّت على زوجها ما فعلته فاغتاظ عشرة أيام وضربه الرب فى قلبه ومات. وسمع داود بموت نابال فأرسل ليطلب منها الزواج فقَبِلت وأصبحت زوجة له. (فى ذلك الوقت كان يُسمح بتعدد الزوجات نتيجة لكثرة الحروب وموت كثير من الرجال مما يؤدى إلى نقص عدد الرجال بالنسبة إلى السيدات فكانت الأوضاع غير العهد الجديد).

سليمان الملك سجد لأمه وهو فى أوج حكمته.. ففى بداية ملكه ظهر الرب له وسأله عما يريد إن كان الغنى، أم الانتصار على أعداءه إلخ.. لكن سليمان طلب الحكمة لكى يقود بها شعب الله فأعطاه الله الحكمة. كان سليمان قد قدّم ألف ذبيحة فى جبعون فظهر له السيد المسيح وقال له: “مِنْ أَجْلِ أَنَّكَ قَدْ سَأَلْتَ هَذَا الأَمْرَ وَلَمْ تَسْأَلْ لِنَفْسِكَ أَيَّامًا كَثِيرَةً وَلاَ سَأَلْتَ لِنَفْسِكَ غِنًى وَلاَ سَأَلْتَ أَنْفُسَ أَعْدَائِكَ، بَلْ سَأَلْتَ لِنَفْسِكَ تَمْيِيزًا لِتَفْهَمَ الْحُكْمَ، هُوَذَا قَدْ فَعَلْتُ حَسَبَ كَلاَمِكَ. هُوَذَا أَعْطَيْتُكَ قَلْبًا حَكِيمًا وَمُمَيِّزًا حَتَّى إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِثْلُكَ قَبْلَكَ وَلاَ يَقُومُ بَعْدَكَ نَظِيرُكَ. وَقَدْ أَعْطَيْتُكَ أَيْضًا مَا لَمْ تَسْأَلْهُ، غِنًى وَكَرَامَةً حَتَّى إِنَّهُ لاَ يَكُونُ رَجُلٌ مِثْلَكَ فِي الْمُلُوكِ كُلَّ أَيَّامِكَ” (1مل3: 11-13).

ثم جاءته سيدتان يتنازعان على طفل وكانت كل منهما تدّعى أنه ابنها لأن أحداهما قتلت ابنها بغير عمد (فى ذلك الوقت لم يكن هناك إمكانية عمل تحليل DNA أى الحامض النووى لمعرفة النسب، كما أن الطفل حديث الولادة فلا يمكن التمييز بالشبه). فطلب سليمان السيّاف وأمره أن يشطر الطفل نصفين ليعطى كل منهما نصف؛ فصاحت الأم الحقيقية طالبة ألا يشطروه بل يعطوه للأخرى فرد سليمان أعطوها الطفل ولا تشطروه لأنها أمه (انظر 1مل3: 16-28).

هذا مثال على حكمة سليمان الملك الذى كتب عدة أسفار مثل: سفر الجامعة وسفر نشيد الأناشيد وسفر الأمثال وسفر الحكمة. وعن حكمة سليمان قال السيد المسيح: “مَلِكَةُ التَّيْمَنِ سَتَقُومُ فِي الدِّينِ مَعَ هَذَا الْجِيلِ وَتَدِينُهُ لأَنَّهَا أَتَتْ مِنْ أَقَاصِي الأَرْضِ لِتَسْمَعَ حِكْمَةَ سُلَيْمَانَ وَهُوَذَا أَعْظَمُ مِنْ سُلَيْمَانَ هَهُنَا (أى السيد المسيح)” (مت12: 42).

ففيما كان سليمان هذا جالسًا على العرش فى بداية ملكه دخلت بثشبع أمه إلى ساحة القصر حيث العرش فقام من عرشه وسجد أمامها وأمسك بيدها وأجلسها عن يمينه وسألها عن طلبها قائلاً إنه لن يردها، فطلبت منه أبيشج الشونمية، التى كانت حاضنة داود فى شيخوخته، لأدونيا أخيه حيث أن داود لم يتزوجها فعليًا وإنما كان زواجًا شرعيًا فقط، فغضب سليمان لطلب أخيه وأرسل فقتله.

ما يهمنا هو قول الكتاب “فَدَخَلَتْ بَثْشَبَعُ إِلَى الْمَلِكِ سُلَيْمَانَ لِتُكَلِّمَهُ عَنْ أَدُونِيَّا. فَقَامَ الْمَلِكُ لِلِقَائِهَا وَسَجَدَ لَهَا وَجَلَسَ عَلَى كُرْسِيِّهِ، وَوَضَعَ كُرْسِيّاً لأمِّ الْمَلِكِ فَجَلَسَتْ عَنْ يَمِينِهِ. وَقَالَتْ: إِنَّمَا أَسْأَلُكَ سُؤَالاً وَاحِدًا صَغِيرًا. لاَ تَرُدَّنِي. فَقَالَ لَهَا الْمَلِكُ: اسْأَلِي يَا أُمِّي لأَنِّي لاَ أَرُدُّكِ فَقَالَتْ: لِتُعْطَ أَبِيشَجُ الشُّونَمِيَّةُ لأَدُونِيَّا أَخِيكَ امْرَأَةً. فَأَجَابَ الْمَلِكُ سُلَيْمَانُ: وَلِمَاذَا أَنْتِ تَسْأَلِينَ أَبِيشَجَ الشُّونَمِيَّةَ لأَدُونِيَّا؟ فَاسْأَلِي لَهُ الْمُلْكَ لأَنَّهُ أَخِي الأَكْبَرُ مِنِّي! لَهُ وَلأَبِيَاثَارَ الْكَاهِنِ وَلِيُوآبَ ابْنِ صَرُويَةَ. وَحَلَفَ سُلَيْمَانُ الْمَلِكُ بِالرَّبِّ: هَكَذَا يَفْعَلُ لِيَ اللَّهُ وَهَكَذَا يَزِيدُ إِنَّهُ قَدْ تَكَلَّمَ أَدُونِيَّا بِهَذَا الْكَلاَمِ ضِدَّ نَفْسِهِ. وَالآنَ حَيٌّ هُوَ الرَّبُّ الَّذِي ثَبَّتَنِي وَأَجْلَسَنِي عَلَى كُرْسِيِّ دَاوُدَ أَبِي، والَّذِي صَنَعَ لِي بَيْتًا كَمَا تَكَلَّمَ، إِنَّهُ الْيَوْمَ يُقْتَلُ أَدُونِيَّا. فَأَرْسَلَ الْمَلِكُ سُلَيْمَانُ بِيَدِ بَنَايَاهُو بْنِ يَهُويَادَاعَ فَبَطَشَ بِهِ فَمَاتَ” (1مل 2: 19-25). كان أدونيا بن حجيث (اسم أمه) هذا يريد المملكة وداود أبيه على قيد الحياة، وعندما سمع داود بذلك دعا رئيس الكهنة ليمسح سليمان ملكًا فى حياته خوفًا من أن يغتصب أدونيا منه العرش، فعندما لم يستطع أن يغتصب العرش أراد أن يتزوج إمرأة أبيه.

هل عندما سجد سليمان لبثشبع أمه كان يعبدها؟ وكيف كان يعبدها إذا كان قد رد طلبها وقطع رأس أدونيا.

ثم بعد أن سجد لأمه وقام ببناء الهيكل وتدشينه والصلاة فيه ظهر له السيد المسيح، فيقول الكتاب: “وَكَانَ لَمَّا أَكْمَلَ سُلَيْمَانُ بِنَاءَ بَيْتِ الرَّبِّ وَبَيْتِ الْمَلِكِ وَكُلَّ مَرْغُوبِ سُلَيْمَانَ الَّذِي سُرَّ أَنْ يَعْمَلَ، أَنَّ الرَّبَّ تَرَاءَى لِسُلَيْمَانَ ثَانِيَةً (الظهور الثانى للسيد المسيح له) كَمَا تَرَاءَى لَهُ فِي جِبْعُونَ. وَقَالَ لَهُ الرَّبُّ: قَدْ سَمِعْتُ صَلاَتَكَ وَتَضَرُّعَكَ الَّذِي تَضَرَّعْتَ بِهِ أَمَامِي. قَدَّسْتُ هَذَا الْبَيْتَ الَّذِي بَنَيْتَهُ لأَجْلِ وَضْعِ اسْمِي فِيهِ إِلَى الأَبَدِ، وَتَكُونُ عَيْنَايَ وَقَلْبِي هُنَاكَ كُلَّ الأَيَّامِ” (1مل 9: 1-3).

إلى هذا الوقت لم يكن سليمان قد فعل شيئًا يُغضب الله، بينما كان قد سجد لأمه.. والسيد المسيح ظهر له وقال له أنه قدّس البيت الذى صلى فيه. إذن سجوده لأمه لم يُغضب الله، فهو سجود تكريم لأمه، وهو الملك، ولم يُغضِب الرب فِعله هذا.

أما فى العهد الجديد فيرد ما يلى فى سفر الرؤيا فى الرسالة إلى ملاك كنيسة فيلادلفيا يقول: “هَئَنَذَا أَجْعَلُ الَّذِينَ مِنْ مَجْمَعِ الشَّيْطَانِ، مِنَ الْقَائِلِينَ إِنَّهُمْ يَهُودٌ وَلَيْسُوا يَهُودًا، بَلْ يَكْذِبُونَ هَئَنَذَا أُصَيِّرُهُمْ يَأْتُونَ وَيَسْجُدُونَ أَمَامَ رِجْلَيْكَ، وَيَعْرِفُونَ أَنِّي أَنَا أَحْبَبْتُكَ” (رؤ 3: 9).

أنواع السجود

سجود العبادة هو لله وحده… لكن هناك سجود التكريم، وسجود الشكر، وسجود الاسترحام وطلب المغفرة وكلها تختلف عن سجود العبادة.

حتى السجود لطلب المغفرة من الله فى الميطانيات هو شيء، وسجود العبادة لله هو شيء آخر. ولذلك لا تجوز ميطانيات الاسترحام إلا فى الصوم. وبعد التناول لا تجوز ميطانيات الاسترحام والاستغفار، لأنه يجب تقديم التوبة قبل التناول وليس بعده، ولذلك تمنع الكنيسة ميطانيات الاستغفار فى أيام السبوت والآحاد وبعد التناول.

لكننا نستطيع السجود أمام الهيكل سجود العبادة بعد التناول لأننا لسنا المسيح ولكننا بالتناول من الأسرار أخذنا نعمة الاتحاد بالحياة الأبدية ويبقى الله هو الله ونحن عبيد الرب.

أيام السبوت والآحاد يُمنع الصوم الانقطاعى كذلك تُمنع ميطانيات الاستغفار، لكن حينما نقول: Tenouw]t  `mmok  `w Pxc “تين أوشت أمموك أو بخرستوس” أى “نسجد لك أيها المسيح” فإننا نسجد.

أما فى بداية المزامير حينما يقول الكاهنPoc? nai  nan “إبشويس ناى نان” فتُضرب الميطانيات ماعدا فى أيام السبوت والأحاد لأنها تعنى “إرحمنا يا الله”، فالميطانية هنا هى للاسترحام أو طلب الرحمة وهى تختلف عن “نسجد لك أيها المسيح مع أبيك الصالح والروح القدس”. ففى كل أيام الأسبوع تعمل ميطانيات عند قول الكاهن Poc?   nai   nan “إبشويس ناى نان” وبأكثر قوة فى أيام الصوم الكبير.

والخلاصة: أنه لا يوجد أى تناقض بين الأصحاحين العشرين والخامس والعشرين من سفر الخروج أى بين “لاَ تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ” (خر20: 5) وبين أمره لموسى بعمل كروبين على غطاء التابوت. فأمره “لاَ تَسْجُدْ لَهُنَّ وَلاَ تَعْبُدْهُنَّ” يمنع السجود لصورة أو تمثال لأى شئ فى السماء أو على الأرض أو تحت الأرض أو فى البحر. الإله “داجون” مثلاً كان نصفه سمكة والنصف الآخر إنسان. وهناك مَن يعبدون السمك والقطط والسحالى والثعابين والعجل “أبيس” الذى كان يعبده قدماء المصريين. الذين لم يكتفوا بصناعة تمثال للعجل بل كانوا يربون عجل حقيقى من أحسن السلالات فى الأقصر وكان الكهنة يطعمونه أفضل أنواع البرسيم ويغسلونه ويرفعون الروث الخاص به ويقومون بخدمته، نتج ذلك عن كون الثور يمشى متعظمًا ونظراته قوية جدًا مما يوحى بالعظمة فظنوا أنه إله. كذلك البقرة أيضًا التى يعبدها الهندوس لأنها تدر لبنًا فيعتبرون ذلك عطاءً ويعتبرونها صانعة الخيرات.

3- البخور

عندما كان رئيس الكهنة يدخل ليقدم البخور مرة واحدة فى السنة داخل قدس الأقداس، كان يدور حول تابوت العهد بالشورية، وكذلك حينما كان يبخر عند مذبح البخور على مدار السنة، مثلما بخّر زكريا الكاهن أبو يوحنا المعمدان عندما أصابته القرعة فوجد الملاك واقفًا عن يمين مذبح البخور أثناء قيامه بالتبخير فى القدس. وبالطبع كانت صور الملائكة وتابوت العهد بتمثالى الكروبين بالداخل… فهل يعتبر البخور الذى قدَّمه زكريا الكاهن هو عبادة للملائكة؟ بالطبع لا.. بل إن هذا البخور هو عبادة لله الساكن فى هذا البيت.

لقد رفض أباؤنا الشهداء القديسون التبخير للأصنام، لكنهم لم يرفضوا التبخير داخل الكنيسة. لأن هذا التبخير يُقدَّم لله، كما كان يقدّم فى الهيكل وفى خيمة الاجتماع.

كذلك أيضًا ذُكر فى سفر الرؤيا أن الأربعة والعشرون قسيسًا الذين هم حول العرش يرفعون بخورًا هو صلوات القديسين!!

إن القديس يصلى وهو على الأرض أو فى الفردوس، بينما عند العرش فى الملكوت فى سماء السماوات هناك بخور يرتفع حول العرش. فكيف تصبح صلاة الذين على الأرض بخورًا هناك عند العرش السماوى؟ كيف تكون هنا صلاة، وهناك تصير بخورًا هو صلوات القديسين، مع وجود مجامر حول العرش؟ وحتى إن قيل إن هذا المنظر يشير إلى معنى، لكن أيضًا معناه أنه يوجد شخص صلى فى مكان، والآخر يرفع هذه الصلاة، وهذه طبعًا تعتبر شفاعة.. هذه نقطة، والنقطة الأخرى أن التبخير هو شركة صلاة.

للتبخير معنيان

الأول: التبيخر بمعنى العبادة وهذا نحن لا نستخدمه مطلقًا لا مع البشر الأحياء ولا مع أيقونات القديسين. إلا عند التبخير ناحية الشرق ونحن نقول أمام باب الهيكل: “نسجد لك أيها المسيح إلهنا مع أبيك الصالح والروح القدس…” والمقصود هنا أننا نعبد الله المثلث الأقانيم الذى مجده ملء كل الأرض وخاصة فى هيكله المقدس.

الثانى: التبخير بمعنى شركة الصلاة.

إن الكاهن يبخر للشعب عند مروره فى وسطهم فهل معنى ذلك أن الشعب صار آلهة؟! أم أنه يبخر وكأن لسان حاله يقول إن هذا البخور المتصاعد هو صلوات الشعب التى يرفعها الكاهن أمام الله، وأيضًا صلوات الكاهن من أجل الشعب، فهو شركة الصلاة. ففى سفر الرؤيا يحمل الأربعة وعشرون قسيسًا “جَامَاتٌ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوَّةٌ بَخُورًا هِيَ صَلَوَاتُ الْقِدِّيسِينَ” (رؤ5: 8).

كما يبخر الكاهن فى الكنيسة للشعب، يبخر أيضًا للكاهن شريكة فى الخدمة عن طريق المصافحة باليد ويقول له: {أسألك يا أبى القس أن تذكرنى فى صلاتك…} فيجيبه {الرب يحفظ كهنوتك مثل ملكى صادق وهارون وزكريا كهنة الله العلى}. ويبخّر للأب الأسقف مثل الشعب وليس مثل الكاهن شريكه، لأنه لا يوجد يمين شركة بينهم من جهة المساواة فى الدرجة الكهنوتية، فيقول له {الرب يحفظ حياة وقيام أبينا الأسقف… حفظًا احفظه لنا سنين كثيرة.. أسألك يا أبى الأسقف أن تذكرنى فى صلواتك}، فيرد {الرب يحفظ كهنوتك مثل ملكى صادق وهارون وزكريا كهنة الله العلى}. إذًا التبخير هو عبارة عن شركة صلاة. كما قال المرنم فى المزمور “لِتَسْتَقِمْ صَلاَتِي كَالْبَخُورِ قُدَّامَكَ. لِيَكُنْ رَفْعُ يَدَيَّ كَذَبِيحَةٍ مَسَائِيَّةٍ” (مز140 (141): 2).

إن التبخير للأيقونات ليس عبادة ولكنه شركة للصلاة بيننا وبين السيدة العذراء مريم، أو بيننا وبين القديس بولس الرسول وغيره… وشركة الصلاة التى بيننا هذه نعبّر عنها بهذا التبخير.

القديسون يُصلّون لنا فى الفردوس وصلواتهم تصل إلى عند الأربعة والعشرين قسيسًا، الذين يرفعون البخور أمام عرش الله الآب، حيث الخروف قائم كأنه مذبوح فى وسط العرش، وهذا البخور هو صلوات القديسين، هذا فى سماء السموات وليس فى الفردوس…

هذا يؤكد أن البخور ليس مهملاً فى العهد الجديد. فيقول الكتاب “وَلَمَّا أَخَذَ السِّفْرَ خَرَّتِ الأَرْبَعَةُ الْحَيَوَانَاتُ وَالأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ قسيسًا أَمَامَ الْحَمَلِ وَلَهُمْ كُلِّ وَاحِدٍ قِيثَارَاتٌ وَجَامَاتٌ مِنْ ذَهَبٍ مَمْلُوَّةٌ بَخُورًا هِيَ صَلَوَاتُ الْقِدِّيسِينَ” (رؤ5: 8).

فبما أن الأيقونة لها مفعول نعمة خاصة إذ يقول الأب الأسقف عن الأيقونة وهو يدشنها بالميرون فى صلاة التدشين: “لتكون ميناء خلاص لكل مَن يلجأ إليها بإيمان”، ولأن الصلوات تصل نتيجة التدشين بالميرون (مثل خط الموبيل كما قلنا)، هكذا، فإن البخور يُصعِد الصلوات أمام الأيقونة.. فهل هذه الصلاة تعتبر عبادة؟! بالطبع لا… الصلاة هنا هى مجرد طلب لصاحب الأيقونة أن يذكر المصلى، فما الخطأ فى ذلك؟

إن معلمنا يعقوب الرسول يقول: “صَلُّوا بَعْضُكُمْ لأَجْلِ بَعْضٍ” (يع5: 16) فإذا كنا نحن الخطاة نصلى لأجل بعضنا البعض أفلا نطلب صلوات القديسين لأجلنا؟!

أما بخصوص تبخير العبادة فهذا كان يمارسه عبدة الأصنام، لكن ليس كل تبخير هو عبادة..

رد ضمنى على عبادة القديسين

عندما نقول أن هناك شركة صلاة بيننا وبين القديسين ليس معنى ذلك أننا نعبد القديسين.

لذلك عندما نبخر فى الكنيسة ناحية الشرق ونقول:

Tenouw]t       `mmok        `w         Pxc?        nem  pekiwt     `n`agaqoc   nem   pi“pneuma   `eqouab

je   ak`i    akcw;   `mmon   nai    nan

“تين أوؤشت إمموك أو بخريستوس نيم بيك يوت إن آغاثوس نيم بى إبنفما إثوؤاب جى أك إى أكسوتى إممون ناى نان”. الترجمة : “نسجد لك أيها المسيح مع أبيك الصالح والروح القدس لأنك أتيت وخلصتنا”.

هذه العبارة يقولها الكاهن وهو يبخر ثلاث مرات ناحية الشرق، وفى كل مرة يحرك الشورية ثلاث مرات، أى ثلاثة مثلثة.. ثم يتجه ناحية بحرى.. نقول “نسجد لك”، هنا سجود للعبادة، وهذا أثناء التبخير بثلاثة أيادى للشرق لأننا نقدم العبادة للثالوث القدوس. هذا نسميه بخور العبادة.

وأثناء تقديم التبخير لأيقونة الصلبوت أو القيامة نقدّم ثلاثة أيادى بخور للتأكيد على أن الابن هو الواحد من الثالوث القدوس وليس قديسًا عاديًا، والبخور المقدّم له ليس شركة صلاة بل عبادة للمسيح. هنا يتضح التمييز..

نحن الآن نتكلم عن التبخير ناحية المذبح أو ناحية أيقونة البانطوكراطور وهى أيقونة السيد المسيح جالسًا على العرش فى السماء وحوله الأربعة وعشرون قسيسًا والأربع أحياء غير المتجسدين؛ أى المشهد السماوى. فعندما نفتح باب الهيكل نقدّم البخور ونحن أمام المذبح المدشن وتكون أمامنا أيقونة البانطوكراطور المدشنة ونقول: “نسجد لك أيها المسيح إلهنا…” ونحن لا نقول نسجد لك يا رخام المذبح أو نسجد لك أيها الحائط المرسوم أو المعلق عليه الأيقونة، لكننا نعتبر أن المسيح حاضر لأنه قال: “هَا أَنَا مَعَكُمْ كُلَّ الأَيَّامِ” (مت28 :20)، وقال: “لأَنَّهُ حَيْثُمَا اجْتَمَعَ اثْنَانِ أَوْ ثَلاَثَةٌ بِاسْمِي فَهُنَاكَ أَكُونُ فِي وَسَطِهِمْ” (مت18 :20)، فكم بالأكثر فى القداس والليتورجية ورفع بخور العشية.. فهو حاضر، لذلك نقول “نسجد لك أيها  المسيح…”.

تمامًا كما قال الله لموسى: “وَأَنَا أَجْتَمِعُ بِكَ هُنَاكَ وَأَتَكَلَّمُ مَعَكَ مِنْ عَلَى الْغِطَاءِ مِنْ بَيْنِ الْكَرُوبَيْنِ” (خر25 :22). ومجد الله كان يظهر لموسى من بين الكروبين، ومجد الله ملأ الخيمة وملأ الهيكل. فحضور الله فى وسطنا هو أمر لا نشك فيه.

إننا نقدّم سجود العبادة للمسيح إلهنا وليس لأيقونة البانطوكراطور ولا لمذبح الرخام. كما أننا نقدم سجود واحد فقط أمام المذبح للجسد والدم بعد التحول، هذا هو سجود العبادة لما فوق المذبح. أما قبل حدوث التحول فيكون السجود للمسيح المالئ الوجود كله بلاهوته، الذى تجسد وصلب وقام وهو جالس عن يمين الآب يشفع فينا كل حين بدمه، ويكون حاضرًا فى الهيكل ثم حاضرًا على المذبح بعد تحول القرابين.

هنا ويجب أن يكون الأمر واضحًا إننا حينما نقول “نسجد لك أيها المسيح إلهنا..” نحن لا نعتبر أن المسيح الذى نخاطبه هنا هو أيقونة الشرقية بل هو المسيح الحاضر فى كل مكان.

الذين يقولون أننا نسجد للحائط والأيقونة والرخام عندهم خلط واضح. نحن نقول: “نسجد لك أيها المسيح إلهنا..” بمعنى أن المسيح حاضر فى بيته المقدس كما أنه حاضر أيضًا فى كل مكان.

ثم نبخر ناحية بحرى ونقول:

Ten;   ne    `mpixereticmoc   nem    Gabrihl  piaggeloc   je    xere     ke     xaritwmenh

`o   Kurioc    meta    cou

“تين تى نى امبى شيرى تيسموس نيم غبرييل بى أنجليوس جى شيرى كى خاريتومينى أو كيريوس ميتاسو” بمعنى “نحن نعطيك السلام مع غبريال الملاك قائلين السلام لكِ أيتها الممتلئة نعمة الرب معكِ”.  ثم نبخر ناحية قبلى عن يسار فتحة الهيكل أو عن يمين الكاهن وهو متجه للشرق ونقول: “السلام ليوحنا ابن زكريا السلام للكاهن ابن الكاهن”، لأنه توجد أيقونة للقديس يوحنا المعمدان عن يسار فتحة الهيكل وهو يعمّد السيد المسيح. فيوحنا هذا هو السابق الصابغ، هو الذى عمّد السيد المسيح وشهد له فهو نبى العهدين.

فى الوسط السيد المسيح لأننا عندما نفتح ستر الهيكل، يظهر فى أيقونة ضابط الكل المسيح جالسًا على العرش فى حضن الآب، وهو الباب لأنه قال: “أَنَا هُوَ الْبَابُ” (يو 10: 9)، وهو حاضر على المذبح. ثم نجد أيقونة السيدة العذراء عن اليمين وأيقونة القديس يوحنا المعمدان عن يسار السيد المسيح. هى عملية إسقاط من الفردوس للدهر الآتى حيث تكون العذراء عن اليمين “جلَستِ الْمَلِكَةُ عَنْ يَمِينِكَ” (مز45 :9) ويوحنا المعمدان عن اليسار، هذه عقيدة الكنيسة.

ثم يبخر الكاهن للغرب ناحية الشعب فى الوسط وهو يقول السلام لمصاف الملائكة ولمصاف الشهداء وللآباء الرسل ولجميع القديسين جملة، هذا يتضمن الشعب نفسه لأن كل واحد من الشعب هو أيقونة مدشنة بالميرون. فبولس الرسول يقول: “إِلَى الْقِدِّيسِينَ الَّذِينَ فِي أَفَسُسَ” (أف1 :1) لذلك يشترط أن يكون الشعب كله قديسين “الْقَدَاسَةَ الَّتِي بِدُونِهَا لَنْ يَرَى أَحَدٌ الرَّبَّ” (عب12 :14). طالما الإنسان يعيش فى حياة التوبة وفى شركة مع الله ويعترف ويتناول وهو مدقق فى حياته الروحية؛ فإنه يكون أيقونة ويكون قديس لكن على رجاء أن يكمل جهاده بسلام. وهذه شركة بيننا وبين القديسين.

ثم يرجع الكاهن إلى الشرق وهو يقول “فلنسجد لمخلصنا محب البشر الصالح”.

رفات القديسين

إن كنت أستطيع ضرب الميطانيات أمام شخص عادى للاعتذار مثلاً أو أمام قداسة البابا للاحترام، أفلا نضرب ميطانية أمام عظام الشهيد مارجرجس احترامًا لهذه العظام التى سوف تكون منيرة جدًا فى ملكوت السموات؟!

بالطبع لا يستطيع أحد أن يربط عظمة من عظام مار جرجس فى عظامه ظانًا منه أنه بذلك يدخل معه إلى الملكوت، لأن كل شخص سوف يقوم بجسد قيامة خاص به هو وحده.

هناك بركة ينالها الشخص من أجساد القديسين، والذين يرفضون القديسين هم الخاسرين. فنحن حينما نحضر أنبوبة بها عظام أحد القديسين ونضعها على من عليه روح شرير يصرخ الشيطان نفسه ويحترق، ويصرخ أيضًا من الأيقونة المدشنة حتى يخرج من الشخص.

تكريم الأب الأسقف

الكاهن يبخّر للشعب.. والكاهن مع زميله الكاهن الشريك أثناء التبخير يقول: “أسألك يا أبى القس أن تذكرنى فى صلاتك الرب يحفظ كهنوتك”، فهى صلاة مشتركة. هكذا أيضًا يفعل الأسقف مع زميله الأسقف. لكن هذا لا يحدث مع الشعب لأن الشعب ليس له نفس الدرجة الكهنوتية. ومع الأب الأسقف يبخر الكاهن كما يبخر للشعب لأنهما ليسا بنفس الدرجة الكهنوتية. وأثناء تبخير الكاهن للأسقف يقول الكاهن: “أسألك يا أبى الأسقف أن تذكرنى فى صلاتك لكى المسيح إلهنا يغفر لى خطاياى الكثيرة.. الرب يحفظ حياة أبينا الأسقف الأنبا (فلان).. حفظًا احفظه لنا سنين كثيرة..”، فيرد الأسقف وهو يرشم بالصليب بقوله: “الرب يحفظ كهنوتك مثل ملكى صادق وهارون وزكريا كهنة الله العلى”.

كل يصلى للآخر أثناء صعود البخور.. هذا هو معنى البخور..

الكاهن يبخر للأسقف كما يبخر للشعب فما الخطأ فى ذلك؟ هل الأسقف أقل من الشعب حتى يقولون أنها عبادة أصنام؟

قصة من النوادر: كان القمص جبرائيل السريانى يخدم فى إيبارشية الزقازيق فى أيام المتنيح الأنبا متاؤس مطران الشرقية والقناة، وكان جميل الصوت وكان يحب المزاح.. فطلب منه الأنبا متاؤس ذات يوم أن يقوم بتسليم القداس لأحد الكهنة الجدد، فعمل ذلك وفى أثناء تسليمه قال للكاهن الجديد أنه عندما يقوم بالتبخير للأب الأسقف أو المطران يقول له: “عبادة الأصنام بالكمال إقلعها من العالم، الشيطان وكل قواته الشريرة إسحقهم وأذلهم تحت أقدامنا سريعًا”. فصدقه الكاهن وبعد مدة الأربعين يومًا عاد إلى إيبارشيته، وبينما هو يصلى القداس فى حضور المطران جاء ليبخر أمام المطران فقال له ما استلمه من أبونا جبرائيل، فغضب الأب المطران وانتهره قائلاً: “هل أنا وثن؟!” فأجابه الكاهن أن هذا ما سلمه إياه أبونا جبرائيل. فاستدعى الأب المطران أبونا جبرائيل وسأله عما إذا كان قد سلّم الكاهن ما قاله فأجاب أنه كان يمزح. فذهب الأب المطران إلى البابا كيرلس السادس ليشتكى أبونا جبرائيل فاستدعاه وسأله فأجاب أنه كان يمزح فرد قداسة البابا كيرلس إن القداس ليس فيه مزاح وأوقفه عن الخدمة والصلاة لمدة ستة أشهر فى دير السريان كعقوبة (كان ذلك أيام دخول نيافة الأنبا بيشوى إلى دير السريان للرهبنة). وتنيح أبونا جبرائيل وجاء اليوم البروتستانت يقولون أن التبخير للأب الأسقف هو عبادة أصنام؟

4- السجود لجسد المسيح ودمه

عندما قدّم السيد المسيح الخبز والخمر لتلاميذه فى ليلة الصلب قال: “هَذَا هُوَ جَسَدِي هَذَا هُوَ دَمِي” (مت26: 27، 28) أفلا نصدق السيد المسيح؟! كما قال أيضًا: “لأَنَّ جَسَدِي مَأْكَلٌ حَقٌّ (حقيقى) وَدَمِي مَشْرَبٌ حَقٌّ” (يو6:  55).

يهزأ البروتستانت بنا ويقولون أننا نعجن إلهنا ونخبزه، ثم بعد ذلك نسجد له. هم بذلك يشبهون غير المسيحيين الذين يقولون إن سجود المولود أعمى للسيد المسيح يُعتبر شرك، لأنه كيف يسجد لإنسان مثله؟ هم لا يفهمون أنه ليس إنسانًا لكنه الإله المتجسد. إن البروتستانت يوافقون على السجود للسيد المسيح، أما الخبز والخمر فيقولون أنه رمز وتذكار.

السيد المسيح الكلمة حينما تجسد كان خلية واحدة فى بطن السيدة العذراء، ثم كبرت هذه الخلية عن طريق التغذية من العذراء. ثم ولد ورضع وكبر وأكل خبزًا وصار هذا الخبز الذى أكله فى جسده، وبه كبر.. وعندما صُلِب كان وزنه حوالى سبعون كيلوجرام بعد أن كان خلية واحدة.. هذا الفارق فى الوزن هو نتيجة للخبز الذى خبزته العذراء فأكله وكبر جسده به. بحلول الروح القدس فى القداس يتحوّل الخبز ليصر كالخبز الذى أكله السيد المسيح وأصبح فى جسده متحدًا باللاهوت، وصُلب به ثم قام به فصعد به إلى السماء.

مثال: إن كان هناك فحم مشتعل فى الشورية ثم زيد عليه فحم منطفئ فإننا لا نحتاج إلى إشعال النار فى الفحم المضاف لأنه سوف يتقد من ذاته. كذلك فإن كل ما أُضيف إلى جسد السيد المسيح ليس تجسدًا جديدًا للكلمة لكنه امتداد للاتحاد الأقنومى بين اللاهوت والناسوت.

هكذا أيضًا فإن الخبز فى القداس الإلهى هو امتداد لذبيحة الصليب. ولذلك قال السيد المسيح: “هَذَا هُوَ جَسَدِي” (مت26: 26)

يقول القديس بولس الرسول: “أَيُّ مَنْ أَكَلَ هَذَا الْخُبْزَ أَوْ شَرِبَ كَأْسَ الرَّبِّ بِدُونِ اسْتِحْقَاقٍ يَكُونُ مُجْرِمًا فِي جَسَدِ الرَّبِّ وَدَمِه، ِغَيْرَ مُمَيِّزٍ جَسَدَ الرَّبِّ” (1كو11: 27،29). فلماذا يكون مجرمًا؟ ذلك لأنه جسد حقيقى.. إذًا فإننا حينما نسجد لجسد السيد المسيح فنحن نسجد للمسيح مخلصنا وفادينا.

البروتستانت لا يعجبهم هذا الكلام ويتطاولون علينا ويتهموننا على القنوات الفضائية أننا نعبد الأصنام.

وكما قلنا، فإن ما ورد فى الأصحاح الخامس والعشرون من سفر الخروج فيما يخص صناعة الكروبين على غطاء التابوت وأن الله كان يتكلم من بين الكروبين ويسجد الشعب أمام الهيكل فى وجود التمثالين هذا ليس عبادة للتمثالين الذهب، لذلك فهذا لا يعتبر عكس قوله: “لاَ تَصْنَعْ لَكَ تِمْثَالاً… وَلاَ تسجد لهن ولا تَعْبُدْهُنَّ” (خر 20: 4، 5) لأنه قال: “لا تَعْبُدْهُنَّ”. فليس من يصنع صورة أو تمثال يكون بذلك قد خالف الوصية الثانية من الوصايا العشر وهو لا يعبدها.

حينما كان تابوت العهد محمولاً على عربة تجرها ثيران وكان داود يرقص أمام التابوت الذى بداخله لوحى الشريعة وعلى غطاءه الملاكان، (بعد أن كان موسى قد قام بتدشين كل هذه الأشياء يوم إفتتاح خيمة الإجتماع) انشمصت الثيران أى قزحت وأرادت أن تفك، وكاد التابوت أن يقع فسنده عُزة، وهو ليس من الكهنة، فمات فى الحال (انظر 2صم6: 6- 15). لأنه كيف للذى ليس من الكهنوت أن يمسك تابوت العهد فى الوقت الذى فيه قال الرب ألا يلمس أحدًا التابوت إلا الكهنة حامليه؟

حدثت هذه الحادثة أمام داود النبى فإرتعب ويقول الكتاب: “وَخَافَ دَاوُدُ مِنَ الرَّبِّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَقَالَ كَيْفَ يَأْتِي إِلَيَّ تَابُوتُ الرَّبِّ؟ وَلَمْ يَشَأْ دَاوُدُ أَنْ يَنْقُلَ تَابُوتَ الرَّبِّ إِلَيْهِ إِلَى مَدِينَةِ دَاوُدَ” (2صم6: 9، 10).

ثم لماذا عندما ظهرت نار متقدة فى العليقة قال الله لموسى “اخْلَعْ حِذَاءَكَ مِنْ رِجْلَيْكَ لأَنَّ الْمَوْضِعَ الَّذِي أَنْتَ وَاقِفٌ عَلَيْهِ أَرْضٌ مُقَدَّسَةٌ” (خر 3: 5)؟

هل عندما يكون جسد ودم السيد المسيح على المذبح فى الكنيسة لا يكون هذا مكانًا مقدسًا؟!

أو عند تدشين الأيقونة بالميرون ألا تكون مقدسة كما كان تابوت العهد مقدسًا حتى أن من كان يمسه كان يموت إن لم يكن من الكهنة؟!

فإن قالوا هذا فى العهد القديم نرد بقولنا لهم أنهم أوردوا الوصية الثانية فى العهد القديم كحجة ضد عقيدتنا.

ما الذى يؤكد صحة العقيدة الأرثوذكسية فى استحالة الخبز والخمر إلى جسد الرب ودمه؟

التحول هو تحت أعراض الخبز والخمر. بمعنى أن الخبز لا يتحول إلى لحم، والخمر الممزوج بالماء لا يتحول إلى هيموجلوبين وبلازما. الخبز يظل فى جوهره خبزًا لكنه جوهريًا يتحد باللاهوت، وهو جسد الرب المصلوب والقائم من الأموات والصاعد إلى السماء والذى سيأتى فى المجيء الثانى.

يقول الكتاب “وَفِيمَا هُمْ يَأْكُلُونَ أَخَذَ يَسُوعُ الْخُبْزَ وَبَارَكَ وَكَسَّرَ وَأَعْطَى التَّلاَمِيذَ وَقَالَ: خُذُوا كُلُوا. هَذَا هُوَ جَسَدِي” (مت26: 26). فهو عندما بارك وشكر تمت الاستحالة أى التحول من خبز عادى إلى خبز متحد باللاهوت، وامتداد لذبيحة الصليب الذى هو جسد الرب المصلوب القائم من الأموات.

وبما أننا نُتهم أننا نسجد لخبز وخمر وأن هذه عبادة وثنية، فعلينا بالرجوع إلى ما قاله معلمنا بولس الرسول فى مقارنته بين العبادة الوثنية وبين القداس الإلهى الذى فيه جسد الرب ودمه، ليتضح أن من يُهاجمنا فى هذه القضية فإنه ضمنًا يهاجم بولس الرسول الذى وضع هذه المقارنة.

يقول معلمنا بولس الرسول:

“لِذَلِكَ يَا أَحِبَّائِي اهْرُبُوا مِنْ عِبَادَةِ الأَوْثَانِ (من يهاجموننا يقولون أن القداس هو عبادة أوثان، فلنرى ما سيقوله معلمنا بولس الرسول هنا). أَقُولُ كَمَا لِلْحُكَمَاءِ: احْكُمُوا أَنْتُمْ فِي مَا أَقُولُ (ونحن هنا نطالب القارئ أيضًا أن يحكم). كَأْسُ الْبَرَكَةِ الَّتِي نُبَارِكُهَا أَلَيْسَتْ هِيَ شَرِكَةَ دَمِ الْمَسِيحِ؟ (هنا ويبدأ معلمنا بولس الرسول المقارنة بين العبادة الوثنية وبين الإفخارستيا بشجاعة نادرة بالروح القدس الذى أوحى إليه بكتابة هذه الكلمات) الْخُبْزُ الَّذِي نَكْسِرُهُ أَلَيْسَ هُوَ شَرِكَةَ جَسَدِ الْمَسِيحِ؟ فَإِنَّنَا نَحْنُ الْكَثِيرِينَ خُبْزٌ وَاحِدٌ جَسَدٌ وَاحِدٌ لأَنَّنَا جَمِيعَنَا نَشْتَرِكُ فِي الْخُبْزِ الْوَاحِدِ. انْظُرُوا إِسْرَائِيلَ حَسَبَ الْجَسَدِ. أَلَيْسَ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الذَّبَائِحَ هُمْ شُرَكَاءَ الْمَذْبَحِ؟ (هنا بدأ يربط بين كأس البركة وجسد الرب فى القداس، بمفهوم آخر وهو إسرائيل والمذبح اليهودى وشركة المذبح. أى أنه يضع مسلك مسيحى ومسلك يهودى فى تناظر مع بعضهما. وسوف نربط ذلك بإشعياء 19) فَمَاذَا أَقُولُ؟ أَإِنَّ الْوَثَنَ شَيْءٌ أَوْ إِنَّ مَا ذُبِحَ لِلْوَثَنِ شَيْءٌ؟ (هنا وحَّد بولس الرسول بين الذبيحة ومن تقدّم له. وهو هنا انتقل من الذبائح التى كان يقدمها اليهود وكانت مقبولة من الله لأن الله هو الذى أمر بها، إلى أن جاء السيد المسيح وقدّم الذبيحة الحقيقية الكاملة التى كانت ترمز إليها ذبائح العهد القديم، انتقل من ذبيحة العهد القديم إلى ذبائح الأوثان) بَلْ إِنَّ مَا يَذْبَحُهُ الأُمَمُ فَإِنَّمَا يَذْبَحُونَهُ لِلشَّيَاطِينِ لاَ لِلَّهِ. فَلَسْتُ أُرِيدُ أَنْ تَكُونُوا أَنْتُمْ شُرَكَاءَ الشَّيَاطِينِ (وهو هنا لا يريدهم أن يحضروا ذبائح الأوثان أو أن يشتركوا فى أكل ذبيحة لوثن) لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَشْرَبُوا كَأْسَ الرَّبِّ وَكَأْسَ شَيَاطِينَ (هنا هو وحّد بين الذبيحة ومن تقدم له الذبيحة ووضعها بالتناظر، وقال لهم إما أن تختاورا ذبيحة الرب أو تختاروا ذبيحة الشياطين. ولكن لا تأكلوا من هذه وتلك). لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَشْتَرِكُوا فِي مَائِدَةِ الرَّبِّ وَفِي مَائِدَةِ شَيَاطِينَ أَمْ نُغِيرُ الرَّبَّ؟ أَلَعَلَّنَا أَقْوَى مِنْهُ؟” (1كو10: 14-22).

هذه العبارات تبين أنه فى فكر بولس الرسول مائدة الإفخارستيا هى مذبح لأنه وضع ثلاثة أمور:

أولاً: شركة جسد ودم المسيح، ثانيًا: ذبائح اليهود فقال: “أَلَيْسَ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الذَّبَائِحَ هُمْ شُرَكَاءَ الْمَذْبَحِ؟”، ثالثًا: ذكر المذبح الوثنى، وأخيرًا قال لهم اختاروا أنتم ماذا تأكلون هل من مائدة الرب أم مائدة شياطين؟

السيد المسيح قال: “خُذُوا كُلُوا. هَذَا هُوَ جَسَدِي”، وكلام معلمنا بولس الرسول يؤكد أن الذى قاله السيد المسيح لم يكن كلامًا رمزيًا.

فى الأصحاح الحادى عشر من الرسالة إلى أهل كورنثوس يقول معلمنا بولس الرسول: “فَإِنَّكُمْ كُلَّمَا أَكَلْتُمْ هَذَا الْخُبْزَ وَشَرِبْتُمْ هَذِهِ الْكَأْسَ تُخْبِرُونَ بِمَوْتِ الرَّبِّ إِلَى أَنْ يَجِيءَ” (1كو11: 26)، فالمسألة ليست أن الرب صنع هذا الأمر فى ليلة آلامه لذكرى.

يقول معلمنا بولس الرسول: “لأَنَّنِي تَسَلَّمْتُ مِنَ الرَّبِّ مَا سَلَّمْتُكُمْ أَيْضًا إِنَّ الرَّبَّ يَسُوعَ فِي اللَّيْلَةِ الَّتِي أُسْلِمَ فِيهَا أَخَذَ خُبْزًا. وَشَكَرَ فَكَسَّرَ وَقَالَ: خُذُوا كُلُوا هَذَا هُوَ جَسَدِي الْمَكْسُورُ لأَجْلِكُمُ. اصْنَعُوا هَذَا لِذِكْرِي كَذَلِكَ الْكَأْسَ أَيْضًا بَعْدَمَا تَعَشَّوْا قَائِلاً: هَذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي اصْنَعُوا هَذَا كُلَّمَا شَرِبْتُمْ لِذِكْرِي فَإِنَّكُمْ كُلَّمَا أَكَلْتُمْ هَذَا الْخُبْزَ وَشَرِبْتُمْ هَذِهِ الْكَأْسَ تُخْبِرُونَ بِمَوْتِ الرَّبِّ إِلَى أَنْ يَجِيءَ. إِذًا أَيُّ مَنْ أَكَلَ هَذَا الْخُبْزَ أَوْ شَرِبَ كَأْسَ الرَّبِّ بِدُونِ اسْتِحْقَاقٍ يَكُونُ مُجْرِمًا فِي جَسَدِ الرَّبِّ وَدَمِهِ” (1كو11: 23-27).

إن العهد الجديد ارتبط بالكأس وليس بذبيحة الجلجثة فقط. فدمه المسفوك يكون حاضرًا فى الكنيسة فى الإفخارستيا.

لماذا يكون من يأكل هذا الخبز ويشرب هذه الكأس بدون استحقاق مجرمًا فى جسد الرب ودمه إلا إذا كان هذا جسد حقيقى ودم حقيقى؟!

نحن نقول فى القداس الإلهى: “هذا هو دمى الذى للعهد الجديد” وهذا صحيح وقد قاله السيد المسيح نفسه. إلا أن كل من معلمنا بولس الرسول ولوقا الإنجيلى قد ركّزا على هذه العبارة بأكثر وضوح فقالا: “هَذِهِ الْكَأْسُ هِيَ الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي” (1كو11: 25). الكأس هى العهد الجديد بدمه.. فإذا كانت الإفخارستيا مجرد رمز كما يدّعى البعض، فهل يكون العهد الجديد أيضًا رمزًا؟!!

أين العهد الجديد فى كنيسة لا يوجد بها دم المسيح داخل الكأس؟!!

إن لم يكن دم المسيح فى كأس الإفخارستيا فأين ستجده؟!! إن السيد المسيح وهب حياته لأجلنا على الصليب وأعطاها لنا لكى نحيا بها، وقال: “مَنْ يَأْكُلْنِي فَهُوَ يَحْيَا بِي” (يو6: 57)، وقال: “أَنَا هُوَ الْخُبْزُ الْحَيُّ الَّذِي نَزَلَ مِنَ السَّمَاءِ. إِنْ أَكَلَ أَحَدٌ مِنْ هَذَا الْخُبْزِ يَحْيَا إِلَى الأَبَدِ. وَالْخُبْزُ الَّذِي أَنَا أُعْطِي هُوَ جَسَدِي الَّذِي أَبْذِلُهُ مِنْ أَجْلِ حَيَاةِ الْعَالَمِ” (يو6: 51).

إن السيد المسيح قد أعطانا حياته. فكيف تصل لنا حياته هذه، إذا لم يكن دم المسيح تحت أعراض الخمر هو دم حقيقى؟!

الآن سوف نربط هذا الكلام بما جاء فى سفر إشعياء فى الأصحاح التاسع عشر: “فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ يَكُونُ مَذْبَحٌ لِلرَّبِّ فِي وَسَطِ أَرْضِ مِصْرَ وَعَمُودٌ لِلرَّبِّ عِنْدَ تُخُمِهَا” (إش19: 19). أين ذلك المذبح إن لم يكن هو مذبح الإفخارستيا؟

وإن لم يكن هناك مذبح فى الكنيسة، فما هو المذبح الذى تكلم عنه إشعياء؟ هل هو مذبح الأوثان؟! بالطبع لا.. لأنه قال: “مَذْبَحٌ لِلرَّبِّ”. فهل هو مذبح اليهود؟! قطعًا لا.. لأن اليهود ليس لهم مذبح إلا فى أورشليم فقط، لأن الرب قال: “قَدِ اخْتَرْتُ وَقَدَّسْتُ هَذَا الْبَيْتَ لِيَكُونَ اسْمِي فِيهِ إِلَى الأَبَدِ” (2اخ7: 16)،

بعد أن اختار موقعه حيث بيدر أرنان اليبوسى، ومنعهم من تقديم ذبائح خارج هذا الإطار، وإلى يومنا هذا.

معلمنا بولس الرسول فى رسالة العبرانيين يقول: “لَنَا مَذْبَحٌ لاَ سُلْطَانَ للَّذِينَ يَخْدِمُونَ الْمَسْكَنَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهُ” (عب13: 10). أى ليس لليهود سلطان أن يأكلوا منه، فما هو هذا المذبح إلا مذبح العهد الجديد؟!

ثم يكمل إشعياء النبى فيقول: “فَيُعْرَفُ الرَّبُّ فِي مِصْرَ وَيَعْرِفُ الْمِصْريُّونَ الرَّبَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَيُقَدِّمُونَ ذَبِيحَةً وَتَقْدِمَةً وَيَنْذُرُونَ لِلرَّبِّ نَذْرًا وَيُوفُونَ بِهِ” (إش19: 21). يعرف الرب فى مصر ويعرف المصريون الرب هى رد على من يدعون أننا نعبد أوثان.. أم أن إشعياء النبى كان مخطئاً حينما تنبأ بذلك؟!!

يقول إشعياء النبى: “َيَعْرِفُ الْمِصْريُّونَ الرَّبَّ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَيُقَدِّمُونَ ذَبِيحَةً وَتَقْدِمَةً وَيَنْذُرُونَ لِلرَّبِّ نَذْرًا وَيُوفُونَ بِهِ” هل كل المصريين يقدمون ذبيحة واحدة فقط؟!! كيف؟ كيف يقدم كل المصريون ذبيحة واحدة؟!!

لا يمكن أن تكون ذبيحة واحدة إلا ذبيحة الصليب. وهذا يرد على من يدّعون أن الإفخارستيا هى تكرار للصلب. إن ذبيحة الإفخارستيا هى امتداد للصلب، وهى فوق الزمن بدليل أن السيد المسيح قبل أن يسفك دمه على الصليب ببضعة ساعات وبعد خروج يهوذا قال: “الآنَ تَمَجَّدَ ابْنُ الإِنْسَانِ وَتَمَجَّدَ اللَّهُ فِيهِ” (يو13: 31). ثم بارك الكأس وقدّم لتلاميذه وقال: “هَذَا هُوَ دَمِي الَّذِي لِلْعَهْدِ الْجَدِيدِ الَّذِي يُسْفَكُ مِنْ أَجْلِ كَثِيرِينَ” (مر14: 24). فالإفخارستيا هى فوق الزمن، لذلك نقول فى القداس الإلهى {نصنع ذكرى آلامه المقدسة، وقيامته من الأموات، وصعوده إلى السموات، وجلوسه عن يمين الآب، ومجيئه الثانى} إذن الذبيحة التى ذكرها إشعياء النبى هى ذبيحة الإفخارستيا. والإفخارستيا والصليب هما ذبيحة واحدة فى كل الكنائس المتحدة الإيمان.

نحن لا نسجد للخبز والخمر لكننا نسجد لجسد الرب ودمه، بعد حلول الروح القدس وتحول الخبز والخمر، إلى جسد ودم حقيقى للسيد المسيح متحدًا باللاهوت. لكن بدون أن يتحول الخبز إلى لحم، ولا الخمر إلى بلازما وهيموجلوبين. إن الخبز الذى كان السيد المسيح يأكله، كان جسده ينمو به ووزنه يزيد. هكذا التجسد الإلهى واتحاد اللاهوت بالناسوت لا يتكرر، إن التجسد سر “وَبِالإِجْمَاعِ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ” (1تى3: 16). كما أن الفحمة فى الشورية إذ تكن متقدة بالنار، فإن وضعنا فحم آخر مطفأ معها يلتقط النار من الفحمة المتقدة، هكذا أيضًا كل ما أضيف إلى جسد يسوع فى نموه. فلا نحتاج إلى تكرار التجسد الإلهى، بل ما يحدث هو امتداد.

وكما نقبل فكرة امتداد التجسد الإلهى، نقبل فكرة امتداد ذبيحة الصليب. فالخبز يصبح جسد يسوع الذى نمى. وكما سجد له المولود أعمى، بكل ما أضيف إلى وزنه بعد الحبل به فى بطن العذراء، هكذا أيضًا بقدرة إلهية فائقة يحوّل الروح القدس الخبز إلى جسد السيد المسيح المتحد باللاهوت عبر آلاف السنين. لأن ذبيحة الإفخارستيا كما ذكرنا هى فوق الزمن، لأنها سر إلهى.

إذن السجود هو لجسد حقيقى للسيد المسيح، كما سجد له المولود أعمى بالضبط. من أقوال القديس أثناسيوس: ليس للسيد المسيح طبيعتان، إحداهما مسجود لها والأخرى غير مسجود لها، بل نحن نسجد للمسيح بسجدة واحدة باعتبار أنه هو الله الكلمة المتجسد.

رئيس كهنة على رتبة ملكى صادق

يقول الكتاب عن رئاسة كهنوت السيد المسيح “حَيْثُ دَخَلَ يَسُوعُ كَسَابِقٍ لأَجْلِنَا، صَائِرًا عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادَقَ، رَئِيسَ كَهَنَةٍ إِلَى الأَبَدِ” (عب6: 20).

لماذا قال على رتبة ملكى صادق؟ أليس لأن ملكى صادق قدّم خبزًا وخمرًا؟؟

وكيف يكون رئيس كهنة على رتبة ملكى صادق إلا إذا كان هناك كهنة يقدّمون ذبيحة الخبز والخمر؟

إذن كهنوت السيد المسيح ينقض لو لم تكن هناك ذبيحة خبز وخمر أى إفخارستيا.

إن رئاسة كهنوت السيد المسيح هى على رتبة ملكى صادق. وملكى صادق قدّم خبزًا وخمرًا. فعندما يقال عن الكهنوت أنه على طقس ملكى صادق أو على رتبة ملكى صادق، يكون المقصود هو أن كهنوت السيد المسيح مرتبط بالإفخارستيا التى هى تقدمة الخبز والخمر، التى كان قد بدأها فى ليلة آلامه، وأمر أن تصنع بواسطة رؤساء الكهنة أى الرسل الذين كانوا حاضرين بعد خروج يهوذا. فقال: “اِصْنَعُوا هَذَا لِذِكْرِي” (لو22: 19).

والدليل على أن يهوذا لم يتناول أننا نقول فى القداس الإلهى {أعطاها لتلاميذه الأطهار ورسله المكرمين قائلاً خذوا كلوا منها كلكم}. بينما السيد المسيح عندما تكلم عن يهوذا قال لبطرس: “وَأَنْتُمْ طَاهِرُونَ وَلَكِنْ لَيْسَ كُلُّكُمْ” (يو13: 10)، إذن التلاميذه الأطهار هم التلاميذ دون أن يكون يهوذا فى وسطهم.

أما عن الكهنوت ففى رسالة بولس الرسول إلى العبرانيين هناك ثلاث آيات هامة:

“حَيْثُ دَخَلَ يَسُوعُ كَسَابِقٍ لأَجْلِنَا، صَائِرًا عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادَقَ، رَئِيسَ كَهَنَةٍ إِلَى الأَبَدِ” (عب6: 20). هنا هو يربط كهنوت السيد المسيح برتبة ملكى صادق، ليس كهنوته فقط، بل رئاسة كهنوته.

ثم عاد وأكد ذلك الكلام فى الأصحاح السابع فقال: “لأَنَّهُ يَشْهَدُ أَنَّكَ كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ” (عب7: 17).

ثم يقول “لأَنَّ أُولَئِكَ بِدُونِ قَسَمٍ قَدْ صَارُوا كَهَنَةً، وَأَمَّا هَذَا فَبِقَسَمٍ مِنَ الْقَائِلِ لَهُ: أَقْسَمَ الرَّبُّ وَلَنْ يَنْدَمَ، أَنْتَ كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ” (عب7: 21).

إذن النتيجة أن السيد المسيح “صَائِرًا عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادَقَ، رَئِيسَ كَهَنَةٍ إِلَى الأَبَدِ”، وأيضًا “كَاهِنٌ إِلَى الأَبَدِ عَلَى رُتْبَةِ مَلْكِي صَادِقَ”. لماذا على رتبة ملكى صادق؟ لأن كهنوت السيد المسيح مرتبط بتقدمة الخبز والخمر. فإن لم تكن الإفخارستيا (القداس) هى ذبيحة الصليب، كيف يكون كهنوت السيد المسيح على رتبة ملكى صادق؟

إن ذبيحة الصليب على الجلجثة لم تكن خبزًا وخمرًا، فكيف يرتبط كهنوته برتبة ملكى صادق؟

الإجابة هى أنه لابد أن تكون ذبيحة الصليب هى نفسها ذبيحة الإفخارستيا، وبذلك يكون حل المفارقة.

ثم نضيف إلى ذلك أنه رئيس كهنة على رتبة ملكى صادق، فيجب أن يكون هناك كهنة على رتبة ملكى صادق، وإلا لا يكون هو رئيس كهنة بل كاهن فقط. والكهنة الذين على رتبة ملكى صادق هم كهنة العهد الجديد الذين يقدمون ذبيحة الصليب بالخبز والخمر (ذبيحة الإفخارستيا). فإذا ألغينا كهنوت العهد الجديد أو ذبيحة الإفخارستيا، نكون قد ألغينا رئاسة كهنوت السيد المسيح. وليس رئاسة كهنوته فقط بل أيضًا كهنوته. لأن كهنوته على رتبة ملكى صادق الذى قدّم خبز وخمر.

تفسير عبارات فى الأصحاح السادس من إنجيل يوحنا:

فى كتاب لأحد مهاجمى الكنيسة، عمل معادلة بين آيتين فى إنجيل يوحنا الأصحاح السادس: الآية الأولى “أَنَّ كُلَّ مَنْ يَرَى الاِبْنَ وَيُؤْمِنُ بِهِ تَكُونُ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ” (يو6: 40). والآية الثانية “مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي فَلَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ وَأَنَا أُقِيمُهُ فِي الْيَوْمِ الأَخِيرِ” (يو6: 54). فيقول بما أن هذه الآية تساوى الأخرى والنتيجة واحدة إذن “كُلَّ مَنْ يَرَى الاِبْنَ وَيُؤْمِنُ بِهِ” تساوى “مَنْ يَأْكُلُ جَسَدِي وَيَشْرَبُ دَمِي”. إذن أكل الجسد والدم يساوى رؤية الابن والإيمان به.

هنا ولابد أن نوضّح أن الأكل من الجسد والدم ليس هو الإيمان بالابن، والإيمان بالابن فقط لا يكفى. فالسيد المسيح قال عن يوم الدينونة: “وَيَجْتَمِعُ أَمَامَهُ جَمِيعُ الشُّعُوبِ فَيُمَيِّزُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ كَمَا يُمَيِّزُ الرَّاعِي الْخِرَافَ مِنَ الْجِدَاءِ فَيُقِيمُ الْخِرَافَ عَنْ يَمِينِهِ وَالْجِدَاءَ عَنِ الْيَسَارِ” (مت25: 32، 33). ثم قال أنه سيقول للذين عن اليسار: “لأَنِّي جُعْتُ فَلَمْ تُطْعِمُونِي. عَطِشْتُ فَلَمْ تَسْقُونِي” (مت25: 42) فيقولون له: “يَارَبُّ مَتَى رَأَيْنَاكَ جَائِعًا أَوْ عَطْشَانًا أَوْ غَرِيبًا أَوْ عُرْيَانًا أَوْ مَرِيضًا أَوْ مَحْبُوسًا وَلَمْ نَخْدِمْكَ؟” (مت25: 44)، وقولهم “يا رب” هنا يدل على أنهم من المؤمنين به.. فيقول لهم: “الْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ: بِمَا أَنَّكُمْ لَمْ تَفْعَلُوهُ بِأَحَدِ هَؤُلاَءِ الأَصَاغِرِ فَبِي لَمْ تَفْعَلُوا” (مت25: 45). “اذْهَبُوا عَنِّي يَا مَلاَعِينُ إِلَى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ الْمُعَدَّةِ لإِبْلِيسَ وَمَلاَئِكَتِهِ” (مت25: 41).

هؤلاء أناس قد آمنوا بالسيد المسيح لكنهم لم ينفذوا الوصية، وبما أنهم لم ينفذوا الوصية ينطبق عليهم القول الآتى: “الإِيمَانَ بِدُونِ أَعْمَالٍ مَيِّتٌ؟” (يع2: 20). إذن عبارة “كل من يرى الابن ويؤمن به” تحتاج معرفة هل هذا الإيمان هو إيمان حى عامل بالمحبة مع تنفيذ الوصية بما فى ذلك “اِصْنَعُوا هَذَا لِذِكْرِي” (لو22: 19)، أم أنه إيمان نظرى فقط؟

والسؤال بطريقة أخرى: هل عبارة “كُلَّ مَنْ يَرَى الاِبْنَ وَيُؤْمِنُ بِهِ تَكُونُ لَهُ حَيَاةٌ أَبَدِيَّةٌ”، تمنع تنفيذ وصايا السيد المسيح؟! مثل تنفيذ وصيته التى تقول “إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُولَدُ مِنَ الْمَاءِ وَالرُّوحِ لاَ يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللَّهِ (يو3: 5)؟!

إذن، يترتب على الإيمان أن يطيع الإنسان الوصية، والسيد المسيح يقول: “الَّذِي عِنْدَهُ وَصَايَايَ وَيَحْفَظُهَا فَهُوَ الَّذِي يُحِبُّنِي والَّذِي يُحِبُّنِي يُحِبُّهُ أَبِي وَأَنَا أُحِبُّهُ وَأُظْهِرُ لَهُ ذَاتِي” (يو14: 21). فإن الذى لا يحفظ الوصية يضيع إيمانه..

الإيمان هو المدخل أى بداية الطريق، وقد قال السيد المسيح “أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ وَالْحَقُّ وَالْحَيَاةُ” (يو14: 6). وأثناء هذا الطريق “علمنا طرق الخلاص منعمًا لنا بالميلاد الفوقانى بواسطة الماء والروح”، وأيضًا الإفخارستيا وكل أسرار الكنيسة، وتنفيذ وصايا الله. فلا يستطيع أحد أن يقول إن الإيمان وحده كافى.

5- تكريم خشبة الصليب

عندما اُكتشِفت خشبة الصليب كانوا يبخرون أمامها لأن عليها دم السيد المسيح، فما الخطأ فى ذلك؟!

وما الخطأ فى أن نقول: “نسجد لصليب مخلصنا الصالح”؟

يقوم البروتستانت بحملة ضد تكريم خشبة الصليب.

أما الصليب العادى الذى ليس خشبة الصليب الأصلية فما الخطأ فى تقبيله أفلا يقبّل الشخص صورة والده؟

كما أن علامة الصليب تحرق الشيطان، وقال السيد المسيح أنه فى مجيئه الثانى تظهر علامة الصليب فى السماء: “وَحِينَئِذٍ تَظْهَرُ عَلاَمَةُ ابْنِ الإِنْسَانِ (أى الصليب) فِي السَّمَاءِ” (مت24: 30). ويقول معلمنا بولس الرسول: “فَإِنَّ كَلِمَةَ الصَّلِيبِ عِنْدَ الْهَالِكِينَ جَهَالَةٌ وَأَمَّا عِنْدَنَا نَحْنُ الْمُخَلَّصِينَ فَهِيَ قُوَّةُ اللهِ” (1كو1: 18).

الذى يهاجم تكريم الصليب هل نسى أن الصليب هو علامة الغلبة والنصرة، كما أنه علامة الخلاص، وأنه العلامة التى ستظهر فى السماء عند المجيء الثانى للسيد المسيح؟

لكن هل نحن نعبد الصليب العادى الذى ليس عليه دم السيد المسيح؟ بالطبع لا..

اتهامنا بالمغالاة فى وصف العذراء

يقول بعض المهاجمين فى شفاعة العذراء مريم ويستشهدون بكتابات وشهادة من داخل الكنيسة فيقولون إن الناس تغالى فى مدح العذراء لدرجة قريبة من العبادة، وليس هذا فقط ولكننا ننسب لها ألقاب وأوصاف وأفعال تخص الله إلى حد تبادل الألقاب والأفعال لدرجة [يشمئز له الذوق اللاهوتى السليم] هذا بحسب تعبير أحد الكتّاب من داخل الكنيسة القبطية الأرثوذكسية، ويستشهد بها بعض المهاجمين للأرثوذكسية. كمثال لذلك قولنا فى قطع صلاة الغروب: [لأبواب الجحيم إغلقى] وفى قطع صلاة الستار: [إذ وضعنا الثقة فيك لا نخزى بل نخلص].

أبواب الجحيم إغلقى

هذه العبارة وردت فى القطعة الثالثة من قطع صلاة الغروب التى تخاطب السيدة العذراء فلنأخذها من بدايتها: [عند مفارقة نفسى من جسدى إحضرى عندى، ولمؤامرة الأعداء إهزمى، ولأبواب الجحيم إغلقى لئلا يبتلعوا نفسى يا عروس بلا عيب للختن الحقيقى].

سل الكثير من الأسر التقية المتدينة ستجد أن كثيرون من الذين كانوا يصلون صلاة نصف الليل على ضوء الشموع شاهدوا السيدة العذراء مريم فى وقت انتقالهم، ومن أمثلة هؤلاء الشهيد سيدهم بشاى. ففى مخطوطة سيرة الشهيد سيدهم بشاى كتب أنه قال لمن حوله (هاتوا لها كرسى تقعد عليه، أهى جاية ولابسة أبيض، هاتوا كرسى للست) وقتها كانوا يصبون الزيت المغلى على رأسه، فقد رأى العذراء أثناء تعذيبه قبل استشهاده، ويقول (هاتولها كرسى تقعد عليه). وهذا المكان بالتحديد الذى استشهد فيه الشهيد سيدهم بشاى صار مقر كرسى إيبارشية دمياط حيث يوجد جسد الشهيد سيدهم بشاى فى كاتدرائية على اسم السيدة العذراء والقديس سيدهم بشاى.

حضور العذراء عند مفارقة نفس أى إنسان قديس

هى تأتى كأم حنونة لمن يصلى هذه الطلبة يطلب منها أن تأتى ويقول أيضًا [لمؤامرة الأعداء إهزمى].

يقول الكتاب عن الملاك ميخائيل “وَأَمَّا مِيخَائِيلُ رَئِيسُ الْمَلاَئِكَةِ، فَلَمَّا خَاصَمَ إِبْلِيسَ مُحَاجّاً عَنْ جَسَدِ مُوسَى، لَمْ يَجْسُرْ أَنْ يُورِدَ حُكْمَ افْتِرَاءٍ، بَلْ قَالَ: لِيَنْتَهِرْكَ الرَّبُّ” (يه1: 9). ما الذى أتى بالملاك ميخائيل عند جسد موسى؟ السبب هو وجود خطة شيطانية لإظهار جسد موسى حتى يعبده شعب إسرائيل فى ذلك الوقت.

هكذا الأمر مع المنتقل من هذا العالم فإن الشياطين تأتى لتقبض روحه فيستنجد بالعذراء لكى تقف بجانبه وكأنه يقول: “إلحقينى يا عذراء.. تعالى أقفى معايا.. الشياطين ترتعب لما تشوفك موجودة جنبى.. لمؤامرة الأعداء إهزمى..” وهكذا بوجودك وطردك للشياطين القادمين لمحاربة نفسى بهذا تكونين قد أغلقتى أبواب الجحيم بالنسبة لروحى.

هل كان خطأً أن يصارع الملاك ميخائيل إبليس من أجل جسد موسى؟! هل كان لابد أن يأتى المسيح شخصيًا لهذا الأمر؟! وفى سفر الرؤيا يذكر: “وَحَدَثَتْ حَرْبٌ فِي السَّمَاءِ: مِيخَائِيلُ وَمَلاَئِكَتُهُ حَارَبُوا التِّنِّينَ. وَحَارَبَ التِّنِّينُ وَمَلاَئِكَتُهُ. وَلَمْ يَقْوُوا، فَلَمْ يُوجَدْ مَكَانُهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي السَّمَاءِ… وَسَمِعْتُ صَوْتًا عَظِيمًا قَائِلاً فِي السَّمَاءِ: الآنَ صَارَ خَلاَصُ إِلَهِنَا وَقُدْرَتُهُ وَمُلْكُهُ وَسُلْطَانُ مَسِيحِهِ…” (رؤ12: 7 و8 و10).

قوله “صَارَ خَلاَصُ إِلَهِنَا”: هل هذا الخلاص هو الذى يصنعه ميخائيل؟ أليس السيد المسيح هو الذى يتمم الخلاص؟

بالطبع السيد المسيح هو الذى يتمم الخلاص لكن هذه معركة مرحلية حينما طُرح إبليس إلى الأرض حينما حُلّ من سجنه “عَالِمًا أَنَّ لَهُ زَمَانًا قَلِيلاً” (رؤ12: 12)، فخرج ليضل الأمم. ولكن المعركة الفاصلة قال عنها معلمنا بولس الرسول فى رسالته الثانية إلى أهل تسالونيكى: “الرَّبُّ يُبِيدُهُ بِنَفْخَةِ فَمِهِ، وَيُبْطِلُهُ بِظُهُورِ مَجِيئِهِ” (2تس2: 8)، أما الحرب المرحلية فى الوسط فهذه يمكن أن يرسل له فيها ميخائيل وجيشه.

هل لابد أن يدخل المسيح فى كل معركة بنفسه؟!!

المعركة الفاصلة الأخيرة مثل معركة الصليب ومجيئه الثانى. فقد ورد عن إنسان الخطية ابن الهلاك الوحش أن “مَجِيئُهُ بِعَمَلِ الشَّيْطَانِ، بِكُلِّ قُوَّةٍ، وَبِآيَاتٍ وَعَجَائِبَ كَاذِبَةٍ، وَبِكُلِّ خَدِيعَةِ الإِثْمِ، فِي الْهَالِكِينَ” (2تس2: 9-10) “الَّذِي الرَّبُّ يُبِيدُهُ بِنَفْخَةِ فَمِهِ، وَيُبْطِلُهُ بِظُهُورِ مَجِيئِهِ” (2تس2 : 8).

من الذى سيبطل الشيطان نهائيًا وإلى الأبد؟ هو السيد المسيح… ولكن هناك معركة مرحلية عندما حُلَ الشيطان من سجنه وحاول أن يخترق السماء.

كان الشيطان قديمًا قد وقف أمام الله ليشتكى أيوب كما ورد فى الأصحاح الأول من سفر أيوب “جَاءَ بَنُو اللهِ لِيَمْثُلُوا أَمَامَ الرَّبِّ وَجَاءَ الشَّيْطَانُ أَيْضًَا فِي وَسَطِهِمْ. فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟ فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ: مِنْ الْجَوَلاَنِ فِي الأَرْضِ وَمِنَ التَّمَشِّي فِيهَا. فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟ لأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الأَرْضِ. رَجُلٌ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ. فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ: هَلْ مَجَّانًا يَتَّقِي أَيُّوبُ اللهَ؟” (أى1: 6- 9).

هكذا بعدما حُلَ إبليس من سجنه طلع بجيشه إلى السماء فأمر السيد المسيح الملاك ميخائيل أن يصارعه، فحدثت حرب فى السماء. هذا مشهد من ضمن مشاهد عدة فى سفر الرؤيا. وهذه الحرب هى بعدما حُل الشيطان من سجنه، ولذلك فى نهاية هذا الأصحاح من سفر الرؤيا يقول “وَيْلٌ لِسَاكِنِي الأَرْضِ وَالْبَحْرِ، لأَنَّ إِبْلِيسَ نَزَلَ إِلَيْكُمْ وَبِهِ غَضَبٌ عَظِيمٌ، عَالِمًا أَنَّ لَهُ زَمَانًا قَلِيلاً” (رؤ12: 12).

إذاً هذه الصلاة هى طلبة من أجل طلب مساندة العذراء والقديسون والملائكة للإنسان حتى لحظة موته لكى تبعد عنه ضغوط الشيطان.

ألم يقل السيد المسيح عن لعازر المسكين أنه بعدما مات “حَمَلَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ إِلَى حِضْنِ إِبْرَاهِيمَ” (لو16: 22)؟ ومع أن هذا مثل وليس قصة حقيقية، لكن هل يقول السيد المسيح إن الملائكة حملت روح لعازر بينما لا يكون للملائكة دور فى ذلك؟! والسيد المسيح وهو يفسّر للتلاميذ مثل القمح والزوان قال: “وَالْحَصَّادُونَ هُمُ الْمَلاَئِكَةُ” (مت13: 39) وأنهم سيجمعون الحصاد من أقصاء الأرض.. إذن ما الخطأ فى أن أطلب أن يكون الملائكة والقديسين معى فى لحظات انتقالى عند مفارقة نفسى من جسدى؟! ستأتى العذراء ومعها الملائكة ليحاربوا من أجل تلك النفس التى تصرخ مستغيثة بهم طالبة مساعدتهم.

أقتبس مثالاً من التكنولوجيا الحديثة: هل من يحاربوننا فى موضوع شفاعة القديسين لا يستخدمون ميكروفون فى الوعظ فى كنائسهم؟ طبعًا يستخدمون.. فلماذا لا يخجلون لكونهم يصلون أحيانًا بالميكروفون؟

أما أنا فميكروفونى هو السيدة العذراء، وصلاتى أنا لا ترتفع حتى إلى مجرد سقف الحجرة، ولكننى عندما أستخدم العذراء ميكروفونًا لى تصل الصلاة إلى الله.

هل ممكن للشيطان أن يصنع معجزات؟

نعم، يصنع معجزات ويقلد المعجزات الحقيقية… ولكن لابد أن نعرف ونفحص الظروف التى تحيط بالمعجزة وما تؤدى إليه فى النهاية.

الديانة الحقيقية لها أربعة شروط :

1-      وجود كم كبير من النبوات التى استمرت على مدى آلاف السنين والتى تؤيد صحة الرسالة.

2-      قداسة التعاليم التى تحملها هذه الرسالة، أى كونها تعاليم سامية ومقدسة.

3-      قداسة صاحب الرسالة.

4-      المعجزات.

هذه أربعة أركان أساسية لصحة الرسالة أو الديانة ونحن ندرسها فى اللاهوت النظرى.

فالمعجزة لا تكون وحدها دليل على صحة الديانة، ولذلك لو كان السيد المسيح نفسه قد صنع معجزات فقط، لما كان ذلك كافيًا لإثبات أنه هو المسيا، مشتهى الأجيال، ابن الله، كلمة الله المتجسد المرسل إلى العالم. لقد تحققت فيه كل النبوات حتى قيل إن “شَهَادَةَ يَسُوعَ هِيَ رُوحُ النُّبُوَّةِ” (رؤ19: 10)، وحتى ما فعله أعداؤه وليس أصدقاؤه حقق النبوات، فمثلاً عندما استقبله الشعب عند دخوله أورشليم بسعف النخيل قيل عن التلاميذ: “حِينَئِذٍ تَذَكَّرُوا أَنَّ هَذِهِ كَانَتْ مَكْتُوبَةً عَنْهُ وَأَنَّهُمْ صَنَعُوا هَذِهِ لَهُ” (يو12: 16)، لكن الذين فعلوا ذلك كانوا أحباؤه، بينما هناك أمور أخرى لم يصنعها أحباؤه مثل صلبه مثلاً. بعض النبوات تحققت عن طريق أصدقائه وبعضها تحقق عن طريق أعدائه، وأخرى تداخلت فيها الأحداث من شتى الاتجاهات، لكن فى النهاية كل النبوات قد تحققت.

إن المعجزة كانت من العلامات التى تؤيد إرسالية السيد المسيح.. فمثلاً يقول: “وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ مَجْداً كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقّاً” (يو1: 14)، ولم يقل مجرد أننا رأيناه يصنع معجزات، ولكن بلا شك كان هناك من آمنوا بسبب قيامة لعازر من الأموات وهناك من آمنوا عن طريق معجزات السيد المسيح، ولكن هذه المعجزات كانت تدعمها وتسندها سيرته المقدسة وتعاليمه السامية جدًا ويسندها تحقيق النبوات.

وهكذا أيضًا تقييم المعجزات فى كنيستنا، لأنه حتى داخل كنيستنا هناك أدعياء يدّعون أنهم يصنعون معجزات وقد يكونوا رهبانًا أو كهنة ونحن نقاومهم وننصح الشعب ونقوم بتوعيتهم.

كمثال: فى أحد المرات سمعت أن صورة للعذراء مريم من النتيجة السنوية المصنوعة من الورق المقوى موضوعة فى مطبخ إحدى البيوت بأحد أحياء القاهرة يخرج منها زيت. وكان الناس يتركون الكنائس ليتقاطروا على ذلك البيت ويأخذون زيتًا من الصورة التى فى هذا المطبخ، خالعين أحذيتهم خارج المطبخ. فلما سمعت ذلك قلت أن هذا وضع لا يصح. ثم كان هناك شخصًا زكيًا قام بالمرور على باعة الزيت فى هذا الحى سائلاً واحدًا فواحدٍ عما إذا كان يحدث أمر غريب فى الزيت، إلى أن قال له أحد هؤلاء البائعين أنه كلما ملأ الأوعية زيتًا يجدها ناقصة. ومن هنا فهم وأعلن للناس من أين يأتى الزيت الذى يخرج من الصورة.. الزيت ينقص بفعل شيطانى روحانى غير منظور.

ولذلك عندما تحدث أى ظاهرة معجزة وتأخذ وضعًا كبيرًا فى الكنيسة، تشكّل الكنيسة لجنة لتَقَصى الحقائق، ولفحص المعجزة. وإننا لا نقبل أى من يدّعى أنه يصنع معجزة لأنه قد يكون مستخدمًا السحر مثلاً، هذا نقف ضده ونتصدى له، وأحيانًا يغضب الناس منا، لكن هذا هو دورنا ويجب أن نؤديه.

من شروط المعجزة الحقيقية أنها تؤدى إلى تمجيد الله..

الشخص الذى يعظمه الناس نتيجة المعجزات نبحث فى مدى صدق عقيدته، لأن “السَّاجِدُونَ الْحَقِيقِيُّونَ يَسْجُدُونَ لِلآبِ بِالرُّوحِ وَالْحَقِّ” (يو4: 23)، هل يستخدم هذا الإنسان السحر؟ أم أنه يستخدم الصلاة؟ وهل هو يسير فى الإطار الأرثوذكسى السليم أم لا؟

ولذلك لابد أن يعرف من يهاجمون المعجزات أننا نحن أنفسنا نتصدى لأى معجزة لا يكون مصدرها الروح القدس ونعمة المسيح..

لابد أن تؤدى المعجزة إلى تمجيد الله، ولابد أن تكون مقترنة بالإيمان السليم المطابق لوصايا السيد المسيح المكتوبة فى الإنجيل. وإن هؤلاء الذين يهاجمون العقيدة الأرثوذكسية لو ادعوا القيام بعمل معجزات، فسوف أقول لهم: بما أن إيمانكم ليس سليمًا، إذًا معجزاتكم تكون غير صادقة.

هل شعبنا القبطى لديه هوس بالمعجزات؟

نعم، ولكن ليس كل الشعب، إن كثير من شعبنا القبطى بسطاء ولكن فى نفس الوقت هؤلاء البسطاء يحترمون الكهنوت، وهذا ما يحمى.. فإن رفضت رئاسة الكنيسة أمرًا ما يخضعون. فلدينا توازنًا بين أمرين: الهلع والهرع وراء المعجزات مثلاً ظهور السيدة العذراء أو الشهيد مار جرجس فى مكان ما.. إلخ، وبين احترام الشعب للكهنوت..

يقول معلمنا بولس الرسول: “الشَّيْطَانَ نَفْسَهُ يُغَيِّرُ شَكْلَهُ إِلَى شِبْهِ مَلاَكِ نُورٍ!” (2كو11: 14) فبالدراسة، وبالتحقق، وبالصلاة يتضح الصح من الخطأ.

الثالوث المسيحى

يتهم البعض عبادتنا فى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية أنها امتداد للعبادة الفرعونية الوثنية. بل يوجد كتاب موجود حاليًا ومنتشر، يقول إن الثالوث المسيحى هو إيزيس وأوزوريس وحورس. وإن البابا ألكسندروس حارب أريوس الذى كان يحاول أن يمنع دخول الثالوث الوثنى، إيزيس وأوزوريس وحورس، إلى المسيحية. أى أن البابا ألكسندروس حرم أريوس لأن أريوس كان مخلصًا للعقيدة المسيحية فى أنه يرفض عقيدة الثالوث!

هناك إتهام فعلاً أن عبادتنا هى امتداد للعبادة الفرعونية الوثنية. وللرد نقول:

إن أول من ذكر تعبير الثالوث  (تريادوس) باللغة اليونانية، هو الشهيد الأسقف ثاؤفيلوس الأنطاكى (167م). كما ورد ذكر الآب والابن والروح القدس فى الكتاب المقدس مثلاً عندما قال السيد المسيح “اذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآبِ وَالاِبْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ” (مت28: 19)، نلاحظ هنا أنه قال “باسم” وليس بأسماء. كما ورد ذكر الآب والابن والروح القدس كثيرًا فى الكتاب المقدس فى العهد القديم والعهد الجديد، لكن تجميعهم هم الثلاثة تحت تعبير الثالوث كان بواسطة الشهيد الأسقف ثاؤفيلوس الأنطاكى. فأول من ذكر هذا التعبير كان فى أنطاكيا فى جنوب شرق تركيا، وليس من المصريين المسيحيين. ثم بعد ذلك انتقل هذا التعبير إلى مصر من أنطاكيا، فلا علاقة لها بالفراعنة.

إن الفراعنة لم يكن لديهم الآلهة إيزيس وأوزوريس وحورس فقط بل كان لديهم آلهه أخرى كثيرة مثل الإله أمون وغيره. والدليل على ذلك أنه عندما قال الله لموسى عند الضربة الأخيرة من الضربات العشر “فَإِنِّي أَجْتَازُ فِي أَرْضِ مِصْرَ هَذِهِ اللَّيْلَةَ وَأَضْرِبُ كُلَّ بِكْرٍ فِي أَرْضِ مِصْرَ مِنَ النَّاسِ وَالْبَهَائِمِ وَأَصْنَعُ أَحْكَامًا بِكُلِّ آلِهَةِ الْمِصْرِيِّينَ. أَنَا الرَّبُّ” (خر12 : 12). هذا يدل على أن المصريين كان لديهم آلهه كثيرة. مثل العجل أبيس مثلاً الذى لم يكن مجرد تمثال، ولكنه كان ثور حقيقى موجود فى طيبة، هذا الثور يتم اختياره من أحسن السلالات، يطعمونه ويهتمون به ويصير هو الإله أبيس. وعندما يموت كان يتم اختيار آخر بدلاً منه. وكذلك إله الموتى أنوبيس ذو الأنف طويل، الذى يهتم بدفن الموتى.

عندما ذهبت لزيارة معبد فيلا فى صعيد مصر وجدت داخل المعبد كنيسة بها أيقونة مرسومة على الحائط ومذبح صغير. وعند دخولى إلى المعبد وجدت أن أغلب وجوه التماثيل محطمة. فحزنت على هذا التراث الفرعونى الجميل. لكن عندما دخلت إلى الداخل ورأيت المذبح المسيحى فهمت. فقد كان هناك رفض حاد بين المسيحيين للعبادة الوثنية. لكن لأن العبادة الوثنية انتهت حاليًا لذلك أحيانا نقول ليتهم لم يحطموا هذه التماثيل لأنها تراثنا .. هذا من ناحية التراث والاعتزاز بالتاريخ. أما عملية التكسير فمع أنها مؤسفة إلا أنها تعبّر عن غيرة المسيحيين المصريين الذين يُعتبرون امتدادًا لقدماء المصريين.

فى اللغة أيضًا تعتبر اللغة القبطية هى امتداد للغة الديموطيقية المتصلة باللغة الهيراطيقية واللغة المصرية القديمة، لكنها كتبت بحروف يونانية لتسهيل القراءة لصعوبة الرسومات التى تعبر عن حروف قدماء المصريين.

لذلك تارة يتهمونا بأننا امتداد للعبادات الوثنية الخاصة بقدماء المصريين. وتارة أخرى يتهموننا أننا اضطهدنا الوثنيين، عندما تحول أباؤنا إلى المسيحية.

وراثة الخطية الأصلية - الأنبا بيشوي.jpg

وراثة الخطية الأصلية - رد على الهرطقات - الأنبا بيشوي مطران دمياط و البراري

هل المسيح خلص الذين غرقوا فى الطوفان - الأنبا بيشوي.jpg

هل المسيح خلص الذين غرقوا فى الطوفان - رد على الهرطقات - الأنبا بيشوي مطران دمياط و البراري

سلسلة الرد على الهرطقات - الأنبا بيشوي مطران دمياط و البراري
سلسلة الرد على الهرطقات - الأنبا بيشوي مطران دمياط و البراري