دياكونية العولمة الثقافية – القمص أثناسيوس فهمي جورج

الرئيسية » مقالات » عقيدة » اللاهوت الكرازي » دياكونية العولمة الثقافية – القمص أثناسيوس فهمي جورج.

آخر تحديث: 12 مايو 2020

دِيَاكُونِيَّةُ العَوْلَمَةِ الثَّقَافِيَّةِ

توصَّف الثقافة المعاصرة Modern culture؛ بأنها ثقافة ”ما بعد الإيمان“؛ التي أثرت في المحيط المعلوم؛ وأسفرت عن تطورات متلاحقة: أخلاقية واجتماعية وطبية، كالتلقيح الاصطناعي والاستنساخ وزرع الأعضاء وأطفال الأنابيب والهندسة الجينية؛ والذكاء الاصطناعي؛ وتلك الأنماط التي صارت واقعًا يومًا فيومًا، متفاعلة ومتشابكة، لتمرير الاتجاهات من بلد إلى آخر دون جواز سفر... الأمر الذﻱ استوجب ضرورة التعامل مع واقعها المستجد، بنزعاته البصرية Sewlasism والفردانية Individualism والإنسوية Humanism والاجتماعية Sociologism والتجديدية Neophilia والاستهلاكية Consumerism.

تلك النزعات التي تنتمي إلى مذهب المتعة Hedonism، مختزلة الحياة فقط في الأنانية والمجون والاستهلاك والتمركز حول النفعية والمصالح، وكل ما هو غريب وجديد؛ مادام يسعى لتضخيم الذات والأطماع الفردية، مؤديًا إلى تهميش الإيمان وتجريد الإنسان من الاتحاد الكياني بالله؛ بعيدًا عن عشرته وخلاصه، أو بحثًا عن ما يُعرف بإنجيل الرخاء والازدهار والصحة والغنَىThe prosperity gospel, or the health and wealth gospel.

لذلك تقف الكنيسة كأُمِّ الأولاد الفرحة؛ من أجل إلحاظ وتقديم حياة الإيمان دون تشوُّهه؛ معلنة المشيئة الإلهية كما في السماء كذلك على الأرض، بحضور ملكوت الله من غير إنزواء أو تقوقع، في كنيسة الرجاء والمحبة الراسخة؛ التي تتفاعل دون أن تذوب؛ لأن المسيحي لا يطمر رأسه في الأرض ليتجنب المخاطر؛ بل يلتزم بالوصية الإلهية؛ التي هي بُوصلة حياته لتحقيق المعنى والغاية من الحياة.

واجب الكنيسة أن تتعهد مسيرة الأخلاق؛ وتترجمه إلى واقع حي؛ لأن الأفعال هي التي تعطي للأقوال مصداقيتها، والدينامية الروحية هي التي تتعامل مع مصائب العالم؛ بروح صافية ليتورجية نسكية منتعشة بالروح القدس؛ عبر ترجمة الخبرة الروحية إلى مواقف حقيقية؛ تحتضن البعيد وتشهد للمسيح في العالم؛ من أجل إصلاحه والارتفاع به وانتشاله؛ كما عمَّد آباء الكنيسة ثقافات عصرهم؛ ومسحوها بمسحة الروح القدس.. وعلى خطاهم نحن نسلك؛ غير منغلقين على أنفسنا انغلاقًا أنانيًا، بل مجتهدين بسعي لتجديد ثقافة العالم وتغيير وجهه؛ لأن الله دعانا لنعمل ما دام نهار؛ حتى يؤمن الناس بالنور ويسلكوا فيه؛ فلا تدركهم الظلمة... معلنين دعوة تقديس العقل والروح في التواصل مع هذا العالم المعَلْمِن الثقافة.

علم اللاهوت الأرثوذكسي علم تطبيقي وليس علمًا نظريًا؛ لأنه يتناول حياة الإنسان كلها.. مثلما قال معلمنا القديس بطرس: ”يارب لمن نذهب وكلام الحياة الأبدية هو عندك“؟! (يو ٦: ٦٨).. فليس عندنا أهم من مرجعية إنجيلنا المقدس وتقليد كنيستنا الآبائي، في بوصلة تعاملنا مع العولمة والتكنولوجيا والتحديات التي دخلت إلى أدق تفاصيل حياتنا؛ من حيث ندرﻱ أو لا ندرﻱ؛ حتى نحافظ على إيماننا العملي وسلوكنا في المسيح يسوع (تعلموا مني)، (كونوا قديسين)، (كونوا كاملين)، لا بإنعزال انسحابي أو هروبي؛ لكن بعمل النور الذﻱ ينير، والملح الذﻱ يملِّح، والسفير الذﻱ يعظ... معتبرين أن التطور هو سُنَّة الحياة؛ وهو تدبير إلهي؛ نجتازه بالإيمان الحي وباستنشاق أكسجين الروح والحياة أنفاس الله؛ التي هي ليست رهينة التبديل أو الاختزال والمساومة؛ لأنها تخص خلاص الإنسان في مسلكها وطريقها؛ لا في أدواتها.

هذا الخلاص الثمين يستدعي صلواتنا وصومنا وتوبتنا وعقولنا الساجدة؛ لمساندة حياتنا وسط هذه التحولات المعاصرة والمتبدلة، حتى لا نفتر أو نعثر؛ وحتى لا يتحول الإنسان إلى حلقة سلبية في السلسلة الإبداعية، فيتعرَى من إنسانيته الفردوسية ولُباس العُرس، وبدلاً من أن يحلِّق عاليًا كالنسر؛ يزحف لاهثًا ضعيفًا وراء كل ربح وتشويش.

بدياكونية الثقافة نمتد إلى ما وراء الأشياء البشرية؛ نحو عناية وبركة الحضور الإلهي، متجهين إلى سيدنا وملكنا وربنا ورب كل أحد؛ الذﻱ يفتح يديه ويملأنا من الخيرات الكاملة لنتعقل؛ فنمجده وحده الحقيقي محب البشر؛ مرسلاً روحه ليفرِّح وجه الأرض؛ ويخلق ويجدد ويدوم مجده إلى الأبد، فلا نخشي شرًا؛ لأنه معنا؛ ولأننا في كل شيء نخضع لمشيئته؛ ونكرز بمجيئه واتضاعه وتطويباته وندائه، في صياغة مدروسة للموقف والفكرة اللاهوتية The intrinsic agenda of theology؛ التي تتعهد خلاص المجتمع والعالم بمعناه الواسع، ضمن إسهامات روحانية متفاعلة مع الثقافات التي تتعولم، بعد غربلتها... كي نصل إلى خدمة المؤمنيين بالاسم (المسيحية الاسمية) وإلي غير المؤمنيين (المتنصرين / المرتدّين)... وهو ما نسميه دياكونية الثقافة أو ليتورجيا ما بعد الليتورجيا؛ لأن العولمة الثقافية لا يمكن أن تحل محل رسالة الخلاص الأبدﻱ.

هذه الدياكونية هي عمل كنسي بإمتياز، وهي كُفء لتقدم إنجيل العقل الواعي.. إنجيل التسبيح والصلاة.. إنجيل الخلاص الشامل.. إنجيل المحسوبين نفاية والمنبوذين من العالم.. إنجيل الزناة والعشارين والخطاة والمرذولين.. إنجيل العقلانيين والمادّيين وأصحاب الذهنيات الأرستقراطية.. إنجيل الدرهم المفقود الذﻱ وجدته صاحبته، والغنيمة المفقودة التي عثر عليها راعيها وحملها فَرِحًا.. إنجيل السامرﻱ الصالح والابن الشاطر؛ إذ رجع إلى بيته تائبًا.. إنجيل التقوى والرحمة والغفران.. إنجيل النعمة والبشارة المفرحة للجالسين في الظلمة وظلال الموت.. إنجيل البشرية كلها من آدم إلى نهاية كل الخليقة. وهو بشارة نجاة وخلاص المنقذ الأزلي لكل المشغولين بمشاكل الإنسانية ومثاليتها وتعريفاتها الفلسفية... ينادﻱ عليهم من كل المنابر والأوعية الثقافية بأنه هو النور والحق والحياة.. بأنه هو ”الحامل كل الأشياء بكلمة قدرته“ (عب ١: ٣)؛ والكائن بذاته؛ صاحب الخيرات الكاملة الوفيرة؛ الذﻱ إرادته ومسرته أن يُغنينا بلاهوته؛ وأن نصون صورته الإلهية فينا؛ معطيًا البشر سلطان كلمته؛ حتى نكون ظلاً للكلمة؛ نحيا حياة حقة كحياة القديسين في الفردوس.

فلنذهب ولنُخبر الناس كم صنع الرب بنا؛ لأن الكنيسة هي منفذ العالم الوحيد التي يعمل الله بواسطتها لتجديد وجه الأرض، وهي رِئَةُ العالم كمصباح منير في موضع مظلم، يضم الأشرار والعصاة والملحدين والمضِلّين؛ مقدمين تزكية إيماننا أثمن من الذهب الفاني؛ فلا يقع العالم تحت حكم الفناء كسدوم وعمورة؛ بل نتحرك بالعالم نحو الله؛ ونكون خدام جذب لخلاصه الجديد في كل صباح.. منارة تتحاور مع الثقافات لتقديسها، وسط الارتباك والخلط؛ الذﻱ أدَّى إلى تَوْثِين الفكر وصنمية الثقافة، وتهميش كل ما هو إلهي وروحي.. مختبرين الإعلان الإلهي الذﻱ يُعيدنا إلى جمال صورتنا المخلوقة؛ وإلى علاقتنا الصحيحة بالخليقة في شخص ربنا ومخلصنا يسوع المسيح؛ فلا نتغرب عن أيقونتنا وجوهر كياننا الحقيقي الحر... نعلنه في المجتمع المعَوْلمَ؛ فيتجدد قوة؛ ويتجه إلى بَارُوسيَّا المجيء.

27 مايو 2014.