الكَنِيسَةُ وقانُونُ دُوَرِ العِبَادَةِ – القمص أثناسيوس فهمي جورج

الرئيسية » مقالات » الخدمة الكنسية - اللاهوت الرعوي » قضايا مسيحية عامة » تعليقات على الأحداث » الكَنِيسَةُ وقانُونُ دُوَرِ العِبَادَةِ – القمص أثناسيوس فهمي جورج.

الكَنِيسَةُ وقانُونُ دُوَرِ العِبَادَةِ

أماكن العبادة هي أماكن للسلام والمصالحة وتعليم الخير، لا أماكن للحقد والخراب والتحريض... هي أماكن للتعليم الإلهي والتقرب إلى الله، فهي ليست منابر للسياسة ولترويج الاجتهادات والأيدولوجيات المختلفة... هي أماكن يُعبد فيها الله، ولا مجال عند الله القدوس للشر ولا لشبه الشر... أماكن للبنيان وليست للدمار والحرائق، أماكن لصنع الخير والرحمة وليست للأحقاد والضغائن، فهي التي تعمِّر قلوب المؤمنين بالإيمان والسكينة ومعرفة طقوسهم وعقيدتهم، ومن منابرها تنطلق دعوات التعايش والتسامح والكمال.

من المحرَّم أن تكون أماكن العبادة مسرحًا للمآسي والصراعات والتخريب، ومن غير المعقول أن ما خُصِّص لله يكون مجالاً لأعمال إبليس الظلامية التي تجرف المجتمعات إلى نزاعات لا نهاية لها، فلا يمكن أن يُعقل بأن أي دين من السماء يحض على العداوة والكراهية والقتل وإرهاب خليقة الله. كذلك ليست قضية دور العبادة أن تفتش في الضمائر أو أن تستجدي أحدًا للانضمام إليها لأن الله لا يُعبد بالقهر، ولأن الإيمان يُقبل ويُعاش طواعية وعن قناعة، لا عن اضطرار ولا بتحايل ولا لقضاء حاجة. ومن غير المقبول أيضًا أن تقيم دور العبادة من نفسها شارحًا ومفسرًا لمعتقدات غيرها على هواها وكما يروق لها، لأن الله يدعونا إلى التفكير لا التكفير، وهو وحده الذي لا يشاء موت الخاطئ مثلما يرجع ويحيا، كذلك الله الضابط الكل لا يحتاج من البشر أن يُرغموا أحدًا أو يقمعوا أحدًا كي يقبله وكي يحبه ويعيش حسب وصاياه.

ماذا لو أراد عالم في الاجتماع أو في التاريخ أو في السياسة أن يصف مجتمعنا المصري الآن؟؟! كيف سيصفه ويرصد واقعه المعاصر كما نعيشه؟! كيف سيصف تفجيرات ليلة رأس السنة في كنيسة القديسن بالأسكندرية والأرواح التي أُزهقت فيها، والأجساد التي تفجرت وتناثرت من حولها، والمئات التي أُصيبت وشُوِّهت جراء هذه المذبحة؟؟! كيف سيصف الهدم التدريجي والحرق الذي حدث في كنيسة أطفيح، والبيوت التي سُلبت ونُهبت؟؟! وعشرات الذين قُتلوا في المقطم عقب هذه العملية الإجرامية؟؟! ماذا سيكتب عن الكنيسة التي تفحمت وأُحرقت في إمبابة؟؟! بينما كان من المفترض أن الذي يدخل إلى الكنيسة يكون آمنًا؟؟! ماذا سيكتب عن الفزع والإرهاب الديني والتحرشات التي تحدث أمام الكنائس؟؟! ماذا سيكتب التاريخ عن الكنائس المغلقة من عشرات السنين والتي تمررت نفوسنا وبُحَّت حنجرتنا من أجلها؟؟! ماذا سيكتب التاريخ عن الأرواح التي نزفت وأُزهقت وأُحرقت في إمبابة؟؟! ثم ماذا سيكتب التاريخ عن موقعة عين شمس وعدم قدرة الدولة في تنفيذ قرار فتح الكنيسة.

ففي الكنيسة تنغرس فينا بذور الغفران والمصالحة والتسامح وعقيدتنا هي عقيدة المحبة والمسالمة، نحب المبغضين ونُحسن إلى المسيئين ونصلي من أجل الذي يضطهدوننا... لأنه لو اتَّبعنا طريقة العين بالعين لصار العالم كله عميانًا، هذا ليس خنوعًا ولا ضعفًا، لأنه ما الذي سيجري لنا أكثر من الذي يجري؟؟! كذلك إننا ندفع ضريبة الدم ونقبل كأس الآلام مادامت بسماح من الله، بل ونرى أنها آلة في يد الله لتطهيرنا وشفائنا وثباتنا ورسوخنا. أما الذين يضطهدوننا هم الذين اختاروا بأنفسهم أن يكونوا أعداءنا، وهم الذين يأتون إلينا بشرِّهم ويوفرون له المعقولات الكاذبة، بينما نحن لن نسمح لأنفسنا بأن تتسلل إلينا روح البغضة والعداوة، لأننا لو استسلمنا إلى مثل هذه الغواية سنخسر خلاصنا، ويكون انكسارنا الروحي، ونكون قد صرنا بسبب هذه البغضة على نفس المستوى مع مضطهِّدينا.

فلنبنِ كنيستنا لكي يعود الله ويرضى، كنيستنا التي هي نحن... التي هي الحجارة الحية كمختاري الله القديسين الذين تجمعوا في الكنيسة كما في المعصرة، معصرة الخيرات الأبدية التي تفيض بعصير الكرمة، والتي تُسفر عن رؤية روحية صافية، وعن معرفة سماوية عبر الألم والاحتمال واختبار الإيمان الذي هو بمثابة فرك الزهور وعصر العنب ذات الطعم والرائحة الطيبة الذي ينمّي الكنيسة ويثبتها في معصرة الاضطهاد، وليجعل الله أبواب الكنيسة مفتوحة للمؤمنين بلا عائق ولا مانع.