القس يوحنا حنين من رواد مدارس أحد الأسكندرية – القمص أثناسيوس فهمي جورج

الرئيسية » مقالات » أدب مسيحي » سير قديسين وشخصيات » القس يوحنا حنين من رواد مدارس أحد الأسكندرية – القمص أثناسيوس فهمي جورج.

القس يوحنا حنين

(رواد مدارس احد الاسكندرية)

القمص اثناسيوس فهمي جورج

 

وُلد “زغلول” القس يوحنا حنين في ١٩٢٣/٦/٢٢م وصار مهندساً وطالباً بالجامعة الأمريكية قسم الاجتماع؛ ثم بدأت تلمذته في مدارس أحد الجيزة ضمن باكورة موكب تكريس الذين استرشدوا بتدبير القديس الراهب مينا البراموسي المتوحد في مغارته بالطاحونة بمصر القديمة ، حتى صار من أوائل الكهنة الجامعيين الذين أحنوا رؤوسهم على عتبة الهيكل لتقديم ذبيحة الحياة في خدمة الكهنوت المقدس . لم يكن معانداً ؛ لكنه أطاع لدعوة النعمة ودخل إلى العمق ؛ خاضعاً بتسليم ؛ وحاسباً بأن دعوة الله له لا تُوزَن كما تُوزَن مشاريع المهندسين ؛ فلا ميزانَ لها إلا خبرة الإيمان الحي الذي تستند على الثقة بما يُرجَى والإيقان بالأمور التي لا تُرىَ . فخرج وهو لا يعلم ماذا سيكون مستقبل ما أقدَمَ عليه … وولىَ ظهره للشهادات ولغرور الراحة ؛ متكلاً على مَنْ دعاه لخدمة كرمته المشتهاة ؛ وظل جائعاً إلى البر وإلى نصيب كنعان وقُرعة أورشليم ؛ لذلك أمَّنَ الله له طريقاً عجيباً وسط العالم الهالك بالعثرات والمحاصرات التافهة .

سِيمَ كاهناً ليخدم مسيحه وشعبه واسمه ؛ في يوليو ١٩٥٤م بيد المتنيح أنبا ثاؤفيلس أسقف ورئيس دير السريان العامر ، في عهد المتنيح البابا يوساب الثاني ، وقد عاصر ٣ من الآباء البطاركة (البابا يوساب الثاني ال١١٥ – البابا كيرلس السادس ال١١٦- البابا شنودة الثالث ال١١٧) ، وتُعَدّ رسامته بداية دخول خدام مدارس الأحد الجامعيين لخدمة الكهنوت ، والتي صارت برسامة القمص بولس بولس والقمص صليب سوريال والقس يوحنا حنين والقس مينا إسكندر ؛ كظاهرة ومبادرة جديدة ؛ شملت دعوات التكريس الكهنوتية والرهبانية .

هؤلاء المدعوون دَعَتْهم النعمة ليكونوا تلاميذ منهاج القديس الأرشيدياكون حبيب جرجس مؤسس النهضة الكنسية المعاصرة خلال رئتي الإكليريكية ومدارس الأحد ، التي شكَّلت الوُجدان الروحي لهؤلاء الرواد الحاملين للحلم باقتدار ؛ مستودِعين أنفسهم لتدبير عمل النعمة ، حتى يمتلئ البيت حسب إرادة صاحب الوليمة، حاسبين كل شيء تلفاً وخَسَارة ، ليقتنوا فضل معرفة المسيح ومواهبه لربح كل الربح . وقد ضمتهم الكنيسة المرتشدة بالروح القدس الرب المحيي ؛ وشَدَّت من أزرهم وربطت أرواحهم وصهرت أفكارهم آامالهم، ليكونوا الآلات لنهضة التكريس والرعاية الكهنوتية ؛ ولتزداد خدمتهم كل يوم نوراً على نور وإخلاصا على إخلاص ؛ وتجديداً على تجديد .

كان أبونا يوحنا حنين رمزاً وعلامة في جيله ، عندما تمت رسامته كاهناً مع أبينا القس مينا إسكندر في يوم واحد مشهود له في التاريخ الروحي لمدينة الإسكندرية بصفة خاصة . حيث نظروا إليهما كعمودين مُنيرين في فضاء الاستنارة والخدمة ونهضة الإصلاح والتعليم وسط تيارات معاكسة تمنع هذا النوع من الرسامات .
لكن يد الله تدخلت وكانت هي الأعلى في تزكيتهما وعلامة كهنوتهما ، وقد احتملا ألواناً من الشهادة التي زكت أعمالهما ؛ فبادرا بخدمة التعليم الغيور في المدينة وأحيائها العشوائية وفي قُراها المجاورة ، بالافتقاد والتعليم والتنمية ورعاية الشباب الجامعي ، وبتأسيس المباني والنفوس لخدمة المغتربين واتساع فروع مدارس الأحد وبدايات التكريس ؛ حيث تكون البدايات دائماً صعبة وتحتاج المبادرات إلى الكثير من الإقدام والإقناع واحتمال الذم والمعارضات وما يُصاحبها من أوجاع وإنهاك ؛ لكن الله أعطاهما نعمة الصبر والمثابرة ليواصلا دعوته لأكثر من نصف قرن . . محتفظين بذخيرة عمل الخير وضم البعيدين ؛ مُوقنين بشرعية التعب والجهاد قِبالة صورة هذا العالم وتفاهاته وحتمياته الوهمية ؛ أمينين لرسالته ؛ حاملين مع كل واحد هَمَّ حملِهِ .

أحدث أبونا يوحنا طفرة كبيرة في الخدمة التكوينية لبنية خدام مدارس أحد القطر كله ، فجميعنا استنار بما قدمته مؤتمرات التربية الكنسية بكنيسة مارمينا بفلمنج ، والتي وصفها المتنيح البابا شنودة الثالث بأنها “أنجح مؤتمرات في تاريخ مدارس الأحد” ؛ تلك التي كان يستضيفها ويديرها ويقوم بترتيبها ؛ ومعه صديق عمره المتنيح أنبا بيمن أسقف ملوي ، وسُميت “المؤتمر السنوي العام لخدام وخادمات التربية الكنسية في أنحاء البلاد” ، والتي كانت تدور حول :-

• في أغسطس ١٩٧٥(التربية القبطية من منظار حياة الشركة لاهوتياً وإنجيلاً وكنسياً وروحياً واجتماعياً وتربوياً) .
• في اغسطس ١٩٧٦(الروح القدس عقائدياً وروحياً) .
• في اغسطس ١٩٧٧(الخدمة وأهميتها وروحانية وخبرات الخادم) .

اقتحم أبونا يوحنا مجالات كثيرة لم تكن مطروقة ، مكرِّساً حياته ومتفرداً بأعمال أهمها ( معموديات الكبار – خدمة الأشابين – ابتكار الخدمات والأنشطة التنموية التي عارضها واختلف معه فيها المتفذلكون من أصحاب النظرة الأُحادية ؛ والتي تضيق وترفض كل ما هو جديد ومبتكَر ، لكنه وضع يده على المحراث ممتداً إلى ما هو قدام ، محتملاً بشكر الإهانات والجراحات والنَّدَبات الكثيرة ؛ التي سيحسبها له الله أوسِمَةَ مجدٍ وأكاليل فخار .

أحب خدمة المذبح وارتبط بالذبيحة ، لذلك خدم أعضاء المسيح المجروحة ؛ فعندما كان كاهناً للكنيسة المرقسية اهتم بالمساكن العشوائية والعشش بمنطقة الشلالات وسوتر ، وأسس فروع مدارس الأحد (ثمرة السلام) في مناطق المنشية واللبان وكرموز وعمود السواري ورأس التين والأنفوشي والجمرك ، وساند خدمة جمعية الرابطة المرقسية التي أسسها المستشار عادل عازر بسطوروس (زوج شقيقته) ؛ وأقام بيوت المغتربين لخدمتهم وتوظيفهم في حقل خدمة التربية الكنسية وقوافل الدياكونية الريفية ؛ وفي إنشاء مراكز وسائل الإيضاح والاهتمام بالنوادي والمعسكرات .

عندما أتى لخدمة كنيسة مارمينا بمنطقة فلمنج ؛ نهض بها معمارياً ورعوياً ؛ وامتد ليستوفي تعب لعازر المسكين. مهتماً بخدمة قرى الزوايدة والبكاتوشى وعزبة سكينة وزعربانة والظاهرية وخورشيد ، فلم تفتُر عزيمته مهما تصاعدت الأمواج أو هاجت الرياح ، لذلك اتسمت خدمته لا بفلسفة فارغة أو تأملات ناعسة ، يُعوزها الواقع العملي ؛ لكنه بادر بخدمة المهمشين والنازحين والمشردين والعاطلين ، والبحث عن الأماكن المتحجرة المجاورة؛. لتكون رسالته ممتدة في مدارس الأحد وموصولة بالتنمية والرعاية الشاملة الحاضرة بكل مقومات الروح والعمل “العضوية الكنسية – إعداد خدام قرويين محليين – معسكرات طفل القرية – القوافل – محو الأمية – التوعية الصحية – مكافحة الأمراض المتوطنة – المشروعات الصغيرة – … ” .

كان أبونا يوحنا حنين صورة وأيقونة لخدمة أسقفية الخدمات العامة بالإسكندرية ، والتي أسسها صديقه ورفيق جهاده المتنيح الطيب الذكر أنبا صموئيل ، فقد تشاركا في الحلم والفعل ، بل وانطبعت حياتهما وصورتهما وشبههما على أحدهما الآخر ، لأن المثيل يستريح إلى مثيله ، لذلك نجد أن أبانا يوحنا هو أول كاهن سكندري جامعي، وأول رائد للعمل الاجتماعي المسيحي التنموي في المدينة .. فأسس جمعية أم النور بفروعها للعمل في المناطق الشعبية لتقديم خدمات (محو الأمية – التطريز ومشاغل الخياطة – أعمال التدبير المنزلي وأصول التربية – التدريب والتأهيل المهني – خدمة المكفوفين – خدمة الصُّمّ والبُكم – خدمة ذَوِي الاحتياجات الخاصة – وِرَش النجارة ومصانع السجاد – المستوصفات – بيوت المغتربين) . لقد كان سابقاً لعصره ؛ مكابداً متذلالاً ، ولم يفتح فاه ، خاضعاً للذي يقضي بالعدل والمجازاة ؛ ناظراً إلى ما لايُرى حتى أكمل جهاده بالآلام .

اشتدت عليه آلامُ الجسد في أيامه الأخيرة ؛ وقد زاره بمستشفى فيكتوريا البابا شنودة الثالث فى ٢٠٠١/١٢/٢٠ وبقي معه وقتاً باكياً ومُودِّعاً ، وأخيراً استراح أبونا يوحنا من أتعاب الجسد في يوم الخميس ٢٠٠٢/١/١٠ و تبقى ذكراه أبدية ؛ في تعليمه وسيرته وإنجازاته ؛ في تلاميذه وأولاده د. ميشيل الطبيب النابغة العالمي والمرنم القيثارة العذب ؛ وفي الخادم الأمين جوزيف ومرقس..

إنه يتكلم في آلاف الخدام الذين استضافهم في المؤتمرات واللقاءات ؛ يتكلم في المغتربين الذين ضمهم ؛ يتكلم في المحتاجين الذين سد احتياجهم ووفر لهم الرزق ولقمة العيش ؛ يتكلم في علاقاته الواسعة مع المؤسسات الكنسية المسكونية ؛ يتكلم مصلياً وممجداً الله على كرازة مرقس الطاهر والشهيد الذي حظي بحمل رُفاته الكريمة عند رجوعها من الفاتيكان ؛ مع شريكي خدمته الأفاضل أبينا مينا إسكندر وأبينا فليمون لبيب ؛ وثلاثتهما من الآباء الرؤوس .