الأبعاد الروحية للصور الجدارية بدير السيدة العذراء – براموس – الدكتور بولا ساويرس

الرئيسية » مقالات » الآثار والفنون المسيحية » الآثار والفنون والعمارة القبطية » فن الأيقونات القبطية و الزخارف » الأبعاد الروحية للصور الجدارية بدير السيدة العذراء – براموس – الدكتور بولا ساويرس
رابط التحميل حجم الملف
إضغط هنا لتحميل المقال 1MB
الرئيسية » مقالات » الآثار والفنون المسيحية » الآثار والفنون والعمارة القبطية » فن الأيقونات القبطية و الزخارف » الأبعاد الروحية للصور الجدارية بدير السيدة العذراء – براموس – الدكتور بولا ساويرس

كارت التعريف بالمقال

البيانات التفاصيل
إسم الكاتب الدكتور بولا ساويرس
التصنيفات الآثار والفنون المسيحية, الآثار والفنون والعمارة القبطية, فن الأيقونات القبطية و الزخارف
الأماكن دير السيدة العذراء - البرموس - البراموس - وادي النطرون
آخر تحديث 30 نوفمبر 2020
تقييم الكتاب من 5 بواسطة إدارة الكنوز القبطية

تحميل المقال

إنتبه: إضغط على زرار التحميل وانتظر ثوان ليبدأ التحميل.
الملفات الكبيرة تحتاج وقت طويل للتحميل.
رابط التحميل حجم الملف
إضغط هنا لتحميل المقال
1MB

من التراث المصرى المسيحى.

الأبعاد الروحية للصور الجدارية.

بدير السيدة العذراء - براموس.

الإكتشاف.

فى عام 1986 كانت الكنيسة الأثرية بالدير قد تداعت بشدة لدرجة أن "المحارة" كانت تتساقط من قبابها وأقبيتها أثناء صلوات القداسات الإلهية فوق السرائر المُقدَّسَة. وكان من المتوقع سقوط بعض أجزاء أقبيتها فى أى وقت. لذلك رأت إدارة الدير سرعة ترميم هذه الأجزاء حفاظا على تراثنا القديم وعلى سَلامة المُصَلين.

وفى أثناء كشط طبقة "المحارة" السميكة من على جدران صَحن الكنيسة، لاحظ الرهبان المُكلَّفون بالاشراف الهندسَى على العمَل وجود لون أحمر ببعض الأجزاء. وبسرعة، قاموا بأنفسهم بتتبع هذا اللون بطريقة متأنية ورفع طبقات المحارة العليا، حتى بَرَزَت إحدى الصور الجدارية. وعندئذ تحققوا من وجود صور جدارية بهذه الكنيسة الأثرية، بعد طُول تساؤلهم عن سبب غيابها بهذه الكنيسة على عكس الكنائس الأثرية بالأديرة الأخرى.

وعلى الفور، تَمَّ تعديل أسلوب العمل، والسعى إلى انقاذ ما قد يكون قد تبقى من صُور جدارية، خاصة وأنه قد وُجِدَ أن المحارة القديمة كانت مُكَوَّنة من أربع طبقات فوق بعضها البعض، وكل منها بسُمك حوالى نِصف سنتيمتر.

واستطاع الرهبان أن يَكشِفون بأسلوب عِلمى سليم - وبعضهم كانوا مُهندسين وأثريين - عن الصور الجدارية على الجِدارين الشرقى والجنوبى بالهيكل الجنوبى للكنيسة، والحنية الشرقية بالهيكل الشمالى بذات الكنيسة. والجدار الشمالى بصحن الكنيسة. وكانت صور الجدار الجنوبى بالهيكل الجنوبى فى حالة تداعى شديد.

وفى هذه الأثناء تصادف أن كان السيد بُول ڤان مورسيل فى زيارة للدير، وهو من جامعة ليدن بهولندا ورأى حالة الصور المُشار إليها عاليه، فَعرَض على الدير المساعدة فى سرعة ترميمها وتثبيتها، فوافق الدير. وبالفعل قام من جانبه بالاتصال بالمعهد الفرنسى للأثار الشرقية بالقاهرة الذى انتدب أحد الكيميائيين ليقوم بتثبيت هذه الصور الجدارية، ففعل ذلك بصفة عاجلة فى عام 1987م.

ولكنَّ اكتشاف هذه الصور الجدارية لَفَت أنظار المهتمين بالرسومات القبطية[1] فبادر المعهد الفرنسى للآثار الشرقية بالقاهرة إلى اتخاذ الإجراءات الرسمية مع هيئة الآثار المصرية، لترميم الصور الجدارية بدير براموس خلال المواسم 1988م، 1989م، 1990م. وفى خلال هذه المواسم قامت البعثة الفرنسية بالاضافة إلى الترميم بعملية "تنقيب" أو بالأحرى محاولة الكشف عن صور أخرى بالكنيسة. لكن هذه العملية لم تُسفِر عن أى كشف إضافى إذ لم يتم العثور إلا على جزء صغير من صورة العَنصرة فى أقصى الطرف الشرقى للجدار الشمالى للصحن. وقد قامت البعثة الفرنسية برسم الصور الجدارية المُكتشفة بالكنيسة الأثرية بالدير وحِفظها لدى المعهَد الفرنسي بالقاهرة.

وما يهمنى هنا هو الإشارة إلى أن الصور الجدارية القيَّمة المكتشفة بالكنيسة الأثرية بدير براموس فى عام 1987م تقع على الطبقة الأولى السفلية من طبقات "المحارة" الأربعة السابق الإشارة إليها، وكانت تعلوها طبقة ثانية من المحارة خالية من أية رسومات، ثم طبقة ثالثة وُجِد عليها بعض رسومات بلون أحمر باهت للغاية لِمناظر غير واضحة، ومِن ثم تم التضحية بهذه الطبقة فى سبيل الوصول إلى الرسومات الأقدم. أما الطبقة الرابعة من أسفل، أى الأُولَى من أعلى، فكانت آخر طبقة محارة لجدران الكنيسة الأثرية بدير براموس حتى سنة 1986م، ويرجع تاريخها إلى حوالى سبعين سنة مضت ([2]).

الوصـف.

من الناحية الفنية نلاحظ أن الطبقة الأكثر قِدَمًا، وهى الأُولَى من أسفل، هى التى بها الصور الأدق صُنعًا والأروع فنًا عن رسومات الطبقة الثالثة من أسفل والتى هى الأحدث زمنيا فى طبقات المحارة عن الأُولَى من أسفل. ومعنى ذلك أن هذه الطبقات الأربعة تكشف لنا عن تدهور فنى رغم التحسن المالى الذى شاهده الدير فى القرن السابع عشر الميلادى فصاعدا ([3]) سواء من ناحية التكنيك أو من ناحية الأسلوب والدقة.

1 - رسومات الهيكل الجنوبى للكنيسة الأثرية.

تُوجَد الصور الجدارية المكتشفة هنا على الجدارين الجنوبى والشرقى للهيكل فى مستوى فوق الحنية الشرقية. أما الحنية ذاتها فلم يتم العثور على صور بداخلها، غير أنه من المؤكد أنه كانت مزخرفة بصور ما ذات يومٍ.

وتُمَثل الصور الجدارية التى على الحائط الجنوبى لهذا الهيكل مجموعة من قديسى الرهبنة وعددها سبعة أشكال، أمكن التعرف منها على ثلاثة منها فقط حيث عُثِر عليها كاملة، أما الباقى فمُهشَّم ولا يَظهَر منه سِوى الأجزاء السفلية فقط.

أما الأشكال التى ظهرت كاملة فتُمَثِل القديس آبا نوفر السائح، والقديس بفنوتيوس أو ببنودة الصعيدى وهُما من قديسى التوحد فى القرن الرابع الميلادى. ويُرَجح أن يكون الأول قد تنيح فى زمن الامبراطور ڤالنس الرومانى. أما الشكل الثالث فقد عُثِر أيضا على اسمه باللغة القبطية إلى جوار الرسم وهو برسوما. ولكن الشكل المرسوم هنا يَظهَر بملابس كاملة، وبَدينًا بعض الشىء على عكس الشكل الفنى المُتعارف عليه للقديس برسوم المُلَقَّب بالعريان، والذى تنيح فى أوائل القرن الرابع عشر الميلادى. وقد وُجِدَ أيضا إلى جانب هذا الشكل ثُعبان مرسومٌ مُنتصِبًا من أعلى لأسفل. وأيضا على عكس التصوير القبطى التقليدى لشخصية هذا القديس المصرى الناسِك، حيث يُصَوَّر الثعبان فى الرسومات الخاصة بهذا القديس قابعا ملتفا حول نفسه فى سكونٍ تام.

وقد دفع هذا الرسم بالبعض إلى محاولة تفسيره بأنه القديس برسوم السريانى وهو من رجال القرن الخامس الميلادى.

ولكن بالرجوع إلى سيرته، وَجدتُ أنه لم يرتبط قَط لا بوادى النطرون ولا برهبنة مصر عموما من الناحية الجغرافية، إذ لا يُوجَد أى دليل على أنه قد حَضر إلى مصر أو عاش فيها. فضلا عن أنه ليس هناك ارتباط بينه وبين أى ثعبان فى سيرته الذاتية.

ومن ثم يُثير هذا الشكل صعوبة فى التفسير حاليا، ومن المُستبعَد أن يكون هو القديس برسوم المُلَقَّب بالعريان لأن الأخير من رجال القرن الرابع عشر الميلادى ويرجع تاريخ هذه الرسومات كما سنرى حالا حسب اكثر التقديرات تأخرا إلى القرن الثالث عشر الميلادى.

أما صور الجدار الشرقى لهذا الهيكل، فقد وصلتنا كاملة. وهى غاية فى الروعة والجمال. ويَشعُـر المرء من النظرة الأُولَى بالتماثُل "السيميترية" فى توزيع شخصيات هذا الجدار. وهى تُمَثِل أيضا مجموعة من قديسى الرهبنة المصرية المسيحية، وعددهم هنا سبعة أشخاص هُم من الشمال إلى الجنوب: القديس بولا أول السواح، ثم الانبا انطونيوس أب الرهبان، ثم الأنبا مقاره الكبير والكاروب المُرافق له، ثم الأنبا يحنس القصير. ثم القديسان الروميان مكسيموس ودوماديوس.

وواضح من مجموعة صور هذا الهيكل أنها تُمَثِل "سحابة شهود" من القديسين الرهبان المذكورين فى "صلوات" المجمع بكتاب الأبصلمودية التى تُتـلَى يوميا فى تسبحة نصف الليل بالأديرة. ومما هو جديرٌ بالملاحظة هنا أن التقليد الشَفَاهى للدير يحتفظ لهذا الهيكل باسم "هيكل مكسيموس ودوماديوس" وهما أحد الأشكال المرسومة بالفعِل فى هذا الهيكل، كما ظَهَر حديثا.

أما بالنسبة للهيكل الشمالى لهذه الكنيسة، فإنه يُمكننا أن نفترض - على الرغم من اندثار الصور المرسومة به - أنه كان مُزخرَفًا أيضا بمجموعة أُخرى من قديسى مَجمع التسبحة اليومية.

على أية حالٍ نُلاحِظ هنا أن الصور الجدارية لهذا الهيكل الجنوبى كانت ذات أجسام مُعتدَلة الحجم فهى ليست نحيفة للغاية، ولا بدينة بافراط بل تتصف بالرشاقة وحُسن المَظهر والأناقة. وجميعها ترفع اليدين فى وضع نسميه "بالإكتفاء" (اُنظر اللوحة المرفقة) على نحو يَعكس فى المُشاهِد مضمون الآية التى تقول "ومعك لا أُريدُ شيئا فى الأرض" (مز25: 73) أى لستُ أُريد شيئا من العالَم، حيث يَظهر الكَفان هنا للخارِج بالنسبة للمُشاهِد. والأشكال بصفة عامة فى غاية الرقة والرشاقة وتتسِم بدقة التناسب بين الرأس والجسم على نحوٍ يَبعُـد تماما - فى نظرى - عن العبارة التى يحلو للبعض تكرارها آليا عن الفن المصرى المسيحى المشهور بنعت "القبطى" من أنه فنٌ يميل إلى التحوير والتجريد والبُعد عن الواقع.

كما نلاحِظ فى هذه المجموعة أيضا غياب الرمزية المُفرطة فى سائر صورها على نحوٍ تبدو فيه أقرب إلى الرسم الواقعى منه إلى الرسم التجريدى أو التحويرى كما يَظن البعض عن الفن القبطى.

وفضلا عن السيمترية، أى التماثل فى توزيع الشخصيات، والتى كانت سِمة واضحة جدا فى سائر رسومات هذه الكنيسة كما سنرى حالا، مما ينفى ما قاله البعض عن الفن القبطى، أى الفن المصرى المسيحى.. فإننا نلاحِظ أيضا هنا، على سبيل المِثال لا الحصر، كيف رَتَّب فنان دير براموس شخصيات الجدار الشرقى للهيكل الجنوبى من الشمال للجنوب على نحوٍ يعكس تطور النُسك والرهبنة المصرية، فتدرَجَ من الأنبا بولا أول السُواح إلى الأنبا أنطونيوس أب الرهبنة المصرية فالآنبا مقار أب رهبنة وادى النطرون، فالأنبا يحنس القصير أحد مُؤسسى التجمعات الرهبانية الأُولَى فى اسقيط مقاريوس فى القرن الرابع، ثم مكسيموس ودوماديوس اللذان بسببهما حَمَلَ هذا الدير لقب "براموس" ([4]).

ويُرَجِح الكاتب هنا أن تكون الصور المُهَشَمة على الجدار الجنوبى لهذا الهيكل تكملة لباقى قديسى الرهبنة مِثل الانبا بيشوى والانبا باخوميوس أب رهبنة الشركة وغيرهما.

2 - الهيكل الأوسط.

توجد الصور المُكتشَفة بهذا الهيكل أساسا بداخل الحنية الشرقية، وعلى جانبىّ هذه الحنية على الجدار الشرقى للهيكل.. أما المناظر التى تُصورها فهى: السيد المسيح جالسا على العرش كملك الملوك ورب الارباب، مُمسِكًا طرف ردائه القُرمزى بيده اليُسرِى، ومُشيرًا بإشارة البَرَكة بيده اليُمنَى. وهذا المنظر فى النِصف الأعلى من باطن الحنية الشرقية لهذا الهيكل.

أما فى النصف السُفلى لهذه الحنية فيوجد منظر للسيدة العذراء وهى جالسة وتحمل الطفل الإلهى فى حِجرها، وعلى كلٍ من جانبيها يقف ملاك.

وفى الجانب الأيمن لهذه الحنية، بالنسبة للناظر إلى الشرق، يوجد على الجدار الشرقى لهذا الهيكل منظران: العلوى منهما يُمَثِل ذبيحة ملكى صادق. وهو منظر فريد ونادر حيث يَظهَر فيه ملكى صادق وهو يُناوِل ابراهيم الدمَ "بماستير"، أى بمِلعقة من الكأس الذى يُمسكه بيده اليُسرِى. أما المنظر السُفلى فهو ثلاثة رؤوس هى بلا شك لبعض التلاميذ.

وهنا نُلاحِظ كيف أن الفنان القبطى القديم قد اقتصر فى رسومات الحنية الشرقية للهيكل على صورة السيد المسيح له المجد فقط ([5]). ,انه عندما رَسَمَ السيدة العذراء فى الحنية، رَسَمها وهى تحمل الطِفل الإلهى فى حِجرها، حسب الطقس القبطى الأصيل كما يَظهر فى لَحن "افرحى يامريم" فى القداس الباسيلى القبطى، حيث نقول "افرحى يا مريم لأن الذى فى حِجركِ تُسَبحه الملائكة". أى أن فنان البراموس قد عكسَ بريشته عقيدة التجسد الإلهى. فالذى يجلس فى حِجر مريم وتُسَبِحه الملائكة هو هو نفسه الجالس على العرش السمائى ومن حوله الشاروبيم والكاروبيم. وهذا المنظر فى هذه الحنية الشرقية اشارة فنية رائعة وعميقة إلى لاهوت وناسوت السيد المسيح له المجد.

ولأن الهيكل فى الكنيسة القبطية هو موضع الذبيحة الإلهية المُقَدَسة، لذلك اختار فنان البراموس بعض المناظر التى تُشير إلى الذبيحة الإلهية من أحداث العهد القديم وهى: تقدمة مَلكى صادق، وذبيحة اسحق مُوَضِحًا لنا أن سِرَّ الافخارستيا المقدس، بل سِر التجسد الإلهى والفداء، هو محور موضوعات العهدين القديم والجديد.

ولَمَّا كان السيد المسيح له المجد فى عرشه الإلهى، كملك الملوك ورب الأرباب، يُحيط به رُسُله القديسون والأبرار الشهداء.. لذلك وَضَع فنان البراموس على جانبىَّ الحنية الشرقية للهيكل الأوسط صور التلاميذ. وعلى جدارى الهيكل الجنوبى مجموعة من القديسين والأبرار.

فإذا ما افترضنا وجود صور لمجموعة أخرى من القديسين على جدران الهيكل الشمالى.. فإذا ما تصورنا إزالة الحواجز الفاصلة بين هذه الهياكل فإن المناظر المُصَوَّرَة هنا تعكس لنا السيد المسيح له المجد جالسٌ على عرشه الإلهى، وحوله الملائكة والرسل والقديسون، والآباء البطاركة (ويُمَثلهم هنا ابراهيم النبى) وسائر ابرار البرية المُقدسة.

3 - صـحـن الـكـنيسـة.

أما المناظر التى اُكتُشِفَت بصحن الكنيسة الأثرية فهى تُمَثِّـل حياة وآلام السيد المسيح له المجد على الأرض. ونلاحظ هنا أيضا نوعا من السيمترية الرائعة. فالصور التى أمكن تمييزها بوضوح على الجدار الجنوبى للصحن عددها ستة. وهى من الشرق إلى الغرب ما يلى: البشارة، زيارة العذراء مريم لأليصابات، الميلاد، العماد، عُرس قانا الجليل، الدخول الانتصارى لأورشليم.

ونلاحظ هنا إلى جانب أناقة ورشاقة الأجسام المُصوَّرة، أن فنان البراموس قد رَسَم منظر البشارة طِبقا للتقليد القبطى الصميم حيث تظهر السيدة العذراء جالسة على كرسى فى وضع المواجهة، وملاك البشارة واقف إلى جوارها.

وليس من العسير علينا أن نعرف المناظر الأخرى التى كانت على الجدار الشمالى لهذا الصحن. فاستنادًا إلى السيمترية أى التماثل الملحوظ فى رسومات هذا الفنان هنا، وإلى الجزء الصغير الواضح الباقى من منظر العنصرة، أى حلول الروح القُدُس على التلاميذ فى العُلية فى يوم الخمسين، والموجود فى أقصى الطرف الشرقى للجدار الشمالى لهذا الصحن.. فإن الكاتِب هنا يَرى أنه كانت هناك أيضا ستة مناظر أخرَى على هذا الجدار آخرها هو منظر العنصرة المودود حاليا، وهى من الغرب إلى الشرق كما يلى: المحاكمة والجلد (أو إقامة اليعازر. أى منهما) ثم الصلب، فالتكفين والدفن (أو ما يُعرَف بإنزال السيد المسيح من على الصليب)، ثم القيامة فالصعود فالعنصرة.

وجديرٌ بالذكر أن هذه السيمترية فى توزيع مناظر حياة السيد المسيح له المجد على الأرض قد وُجِدَت أيضا على مجمرة برونزية ترجع إلى القرن الثالث عشر الميلادى حيث عُثِر بها على اثنى عشر منظرا.

أما المنظر الوحيد الذى عُثِر عليه كاملا على إحدى دُعامات هذه الكنيسة، وهو للملام ميخائيل فيُوضِح لنا أن الدعامات الأربعة بالصحن كانت مزخرَفة بصور الملائكة. وقد عُثِرَ أيضا على رسمٍ لصليب كبير (129× 284 سم) على الجدار الشرقى للصحن على يمين الداخل ال الخورس الأول للكنيسة.

وهنا نلاحظ على الصعيد السرائرى أن فنان البراموس قد احتفظ بمناظر حياة السيد المسيح له المجد على الأرض لصحن الكنيسة لتكون كِتابًا سهل القراءة من غير المتعلمين كما قال الآباء عن الفن المسيحى، وفى نفس الوقت تُشحِذ هِمم المتعلمين. ولأن الملائكة هُم جنود الرب الذين يَسندون الكنيسة مِثلما تسند الدُعامات الاسقُف، لذا رسمهم الفنان هنا على دُعامات الكنيسة. ولأنه بالصليب الانتصارى - أى الذى لا يُرسَم عليه السيد المسيح مصلوبا - يَعظُم انتصارنا، وبه وحده نَدخُل إلى حياة الشركة الإلهية بالتناول من السرائر الإلهية المُقَدَّسَة، لذلك رسمه فنان البراموس على يمين الداخل إلى الخورس الأول (ومن ثم إلى الهيكل) تذكيرا للمؤمنين بهذه الحقيقة. حتى أنه عندما تَداعى الرسم فى زمن ما عاد رسام آخر فرسَمه على الطبقة الثالثة بنفس المقاس تقريبا تأكيدا لحقيقة أن الدخول إلى خورس المُؤمنين والتناول من الأسرار الإلهية لا يكون إلا بالصليب المُقَدَّس.

وهكذا اتفق الفن التصويرى فى كنيسة السيدة العذراء - براموس مع جوهر التقليد القبطى الذى يَقصِر رسومات الحنيات الشرقية للهياكل على منظر السيد المسيح له المجد فقط. سواء فى منظر الجالس على البكرات السمائية المملوءة أعينًا الواردة فى سِفر حزقيال كما هو الحال فى منظر باويط.. أو منظر الصعود كما هو الحال فى حنية هيكل كنيسة الانبا مقار بوادى النطرون.. أو فى منظر البانطوكراطور أى ضابط الكُل، وهو المنظر الأكثر تداولا الآن. وجعَلَ مناظر حياة وآلام السيد المسيح له المجد قاصرة على صحن الكنيسة لتعليم غير المتعلمين بالعقائد المسيحية.

تاريخ هذه الرسومات.

استنادًا إلى المعلومات الأثرية الخاصة بهذه الكنيسة، وإلى درجة اتقان ورشاقة وأناقة الصور المُكتشَفَة على الطبقة الأُولَى من أسفل من طبقات المحارة فى هذه الكنيسة، وإلى ملاحظة ألفرِد بطلر التى يذهب فيها إلى أن الفن القبطى قد أصابه التدهور فى الأسلوب والتكنيك منذ القرن الثامن عشر الميلادى فصاعِدًا، وبالمقارنة مع صور جدارية أخرى ثابتة التاريخ فى جِهات أُخرَى.. قام الكاتب فى رسالته للماجستر بتقدير الفترة الزمنية للرسومات التى تقع على الطبقة الأُولَى من أسفل لطبقات المحارة الأربعة بالكنيسة الأثرية بدير السيدة العذراء براموس، ورَجَّح أنها لا تتعدَى بحال من الأحوال النصف الأول من القرن الثالث عشر الميلادى. ورأى أنها ترجع على الأرجح فى نظره الى أوائل القرن الحادى عشر الميلادى أو أواخر القرن العاشر الميلادى وخاصة عندما كانت الكنيسة القبطية تنعم بفترة سلام نِسبى أيام الخليفة الفاطمى المُعِز لدين الله، وربما من فترة أواخر عَهد الحاكِم بأمر الله.


[1] - كلمة "قبطية" تعنى على الصعيد اللُغوى "مصرية" ولكنها صارت تُطلَق منذ العصر العربى لِمصر على المصريين جنسا المسيحيين دينا. وأرى أنه إذا جاز استخدامها فى السنوات الأُولى لدخول العرب مصر باعتبار أن المصريين جنسًا كانوا مسيحيين، فإنه لا يصح استخدامها الآن باعتبار أن سائر المصريين هُم الآن مصريون.

[2] - اُنظر: بولا البراموسى، دير السيدة العذراء براموس، أثريا وتاريخيا وفنيا. رسالة ماجستير، يونيو 1991م.

[3] - اُنظر: رسالة الماجستير السابق الإشارة إليها، باب التاريخ.

[4] - عن معناه وتاريخه. اُنظُر مقدمة الرسالة سابقة الذِكر.

[5] - هذا هو الوضع الأصلى لرسومات الحنيات الشرقية للهياكل فى الكنيسة القبطية الارثوذكسية اللاخلقيدنية منذ القِدَم وحتى الآن. ولكن للأسف الشديد حدث أن استغل "أمين" أحد الأديرة بوادى النطرون، فى ثمانينات القرن العشرين، سلطاته الادارية فى ادارة الدير والتى خوَّلَها له رئيس الدير وكان أُسقُفًا، فى رسم القديس الذى تسمَّى على اسمه فى الحنية الشرقية لأحد الهياكل بإحدى كنائس الدير. وللأسف الأشد أن الأسقف التالى لهذا الدير لم يستطع ازالة هذا الرسم غير الطقسى!!.