مذكرات فى المرأة ووراثة الخطية – الجزء الاول – الشماس الاكليريكى مدحت عدلى الطحاوى

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”مذكرات فى المرأة ووراثة الخطية – الشماس الاكليريكى مدحت عدلى الطحاوى” field=name]

وراثة الخطيئة الأصلية بين الحقيقة والوهم

الفصل الأول

 هلما نتحاجج  يقول الرب (أش 1 : 19)

هنا نقف أمام موضوع من أخطر الموضوعات اللاهوتية التى تعتبر من أساسيات الإيمان المسيحى على الاطلاق ، فوراثة الخطيئة الأصلية تعتبر محور ترتكز عليه عقائد كثيرة فى المسيحية ومن أهمها عقيدة التجسد والفداء. فلو لم يكن للخطية الاصلية وراثة حقيقية فما كان من ضرورة لتدبير الله لسر الفداء .

– فإن كان لا توجد وراثة لخطية ادم وحواء فما كان من ضرورة لسر المعمودية التى تطهرنا من الخطيئة الأصلية والفعلية التى فعلناها ضد الله.

– فلو لم يكن يوجد خطية أصلية موروثة من ادم وحواء فما كان من الضرورى أن يأمر المسيح له المجد تلاميذه فى الكرازة قائلا : “فاذهبوا و تلمذوا جميع   الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس ” فكان يكتفى بعماد الجيل الأول فى المسيحية وتكون الخطيئة الأصلية نزعت تماما وبذلك يكون قد شفى منها المؤمنين جميعا. ويكونون بعد هذا الجيل الأول لا يحتاجون للمعمودية اساسا .

لنرى ما اكد عليه السيد المسيح له المجد حينما قال لتلاميذه عند صعوده للسماء بعد قيامته قائلا : “من امن واعتمد خلص ومن

لم يؤمن يدان” (مر 16 : 16) ويقول الانجيلى متى هكذا : (متى 28 : 19)

” فاذهبوا وتلمذوا جميع الامم وعمدوهم باسم الاب والابن والروح القدس ”

هكذا اكد المسيح على هذا الموضوع (المعمودية) التى لا يمكن بدونها الخلاص من الخطية الاصلية . عندما اكد على المعمودية التى بها نولد من فوق من الماء والروح فبدونها لا يمكننا أن ندخل ملكوت السموات ولا الايمان المسيحى من اساسه ، فكما قال السيد المسيح له المجد للمعلم اليهودى نيقوديموس قائلا : “اجاب يسوع وقال له الحق الحق اقول لك إن كان احد لا يولد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت الله … اجاب يسوع الحق الحق اقول لك إن كان احد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله ، المولود من الجسد جسد هو والمولود من الروح هو روح” ( يوحنا 3 : 3 – 6 ) .

– فإذا كان الامر هكذا كما أمر به المسيح إذن فالمعمودية اساسا نأخذها لكى تطهرنا من الخطيئة الأصلية والخطايا الفعلية ان وجدت . فلو كانت لا توجد خطية أصلية ورثناها , فلماذا اكد السيد المسيح له المجد على ضرورة المعمودية للدخول للمسيحية من الاساس  ؟!

هكذا ينجلى امامنا الضباب وتظهر الحقيقة جلية تمام الوضوح بان وراثة الخطيئة الأصلية هى مركز ومحور ارتكاز الديانة المسيحية فهى تعتمد عليها عقيدة التجسد والفداء الذى قام به المسيح له المجد ابن الله الكلمة اللوغوس ، وهو الذى اكد عليها فى الامر الالهى الذى قاله للتلاميذ عندما امرهم للذهاب لحقول الكرازة بانهم يعلموا ويتلمذوا الناس ويعمدوهم باسم الاب والابن والروح القدس .

– وهنا يقول بولس الرسول هكذا :

“لكى يقدسها مطهرا اياها بغسل الماء بالكملة” (اف 5 : 26) ويقول أيضا

” لا باعمال فى بر عملناها نحن بل بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميــــلاد الثانى وتجديد الروح القدس” (تى 3 : 5) .

– ويقول بطرس الرسول فى رسالته الاولى :”مولودين ثانية لا من زرع يفنى بل مما لا يفنى بكلمة الله الحية الباقية إلى الابد” (1بط 1 : 23) .

– ويقول الانجيلى يوحنا :

“الذين ولدوا ليس من دم ولا من مشيئة جسد ولا من مشيئة رجل بل من الله ولدوا” (يو 1 : 13) .

– هكذا إذن هنا نؤكد على وراثتنا للخطية الأصلية وراثة حقيقية بدون ادنى شك .التى ينجلى من أنه لو لم يكن يوجد وراثة لهذه الخطيئة فما الضرورى من المعمودية التى هى قمة فاعليتها هى محو هذه الخطيئة الأصلية (الجدية) التى نولد بها من جديد . لنرجع لحالتنا الأصلية قبل سقوط ابوينا الاولين ادم وحواء فى الخطيئة .

حينما كانا يحيان فى الجنة فى عشرة الهية متصلة .وبما أن بدون المعمودية لا نرى ملكوت الله كما قال المسيح له المجد فى انجيل يوحنا ( يو 3 :6 ) .هكذا يكون حقيقة وراثة تلك الخطيئة الأصلية اكيدة ومحققة .

– فنحن فى المعمودية نتطهر من تلك الآثار التى علقت بنا من خطية ابوينا الاولين التى وصلت الينا عن طريق الدم الملوث بتلك الخطيئة الأصلية ، فلو افترضنا أنه يوجد شخص ما يحتاج إلى نقل دم فلو اعطيناه دما ملوثا بميكروب معين فما النتيجة التى تحدث لهذا الشخص ؟ الا تكون النتيجة أنه تمت عدوى له بهذا الميكروب .

فلو استمر فى الحياة وتزوج وانجب ألا ينتقل هذا المرض بالوراثة عن طريق الدم إلى ابناءه الذىن ينجبهم .

– هكذا حدث مع ابوينا ادم وحواء فقد نقلت الينا خطيتهم التى وقعا فيها بتعديهما وتمردهما على الله كلى القداسة .

اذا فقد نقلت خطيتهما عن طريق الدم الملوث الذى سرى فى البشرية كلها ويستمر سريانه حتى نهاية الدهر ، والذى بموجبه فدانا المسيح له المجد بدمه الطاهر لكى يطهرنا من خطايانا الأصلية والفعلية . فدمه الطاهر يكفى العالم كله منذ ادم حتى نهاية الدهر والقيامة العامة  كما ذكر القديس يوحنا الانجيلى 1 يو2 :2 “وهو كفارة لخطايانا . ليس لخطايانا فقط بل لخطايا العالم أيضا “. لكن استحقاقات دم المسيح  تختلف فهى تعطى وتمنح كعطية مجانية عظمى للمؤمنين باسمه كما ذكر القديس مار مرقس الانجيلى “فمن امن واعتمد خلص ومن لم يؤمن يدن” مر 16 :16

– ولنأتى إلى النقطة الخطيرة والحاسمة فى موضوعنا التى تحسم لنا حقيقة الخطيئة الأصلية ووارثتها وهى كالاتى :

فلو تأملنا فى التاريخ ورجعنا بذاكرتنا إلى العصر الذهبى للاباء الذى هو أيضا عصر المجامع المسكونية العظيمة نجد ما يفند الاراء التى ظهرت فى السنوات الاخيرة مدعية انه لا يوجد وراثة للخطية الاصلية . نجد الرد  الذى يؤكد لنا حقيقة وراثة الخطيئة الأصلية بدون أدنى شئ ضئيل من الشك ، فلو راجعنا قرارات مجمع افسس المسكونى الثالث الذى حرم نسطور وبدعته .

وايضا من ضمن قراراته حرم بيلاجيوس وبدعته التى هى موضوعنا الذى نحن بصدده وهو الخطيئة الأصلية فقد نادى ذلك المبتدع بعدم وراثتنا للخطية الأصلية ، وان الإنسان يستطيع أن يصل إلى قمة القداسة بدون مساندة النعمة .

وهنا نجد أن المجمع المسكونى حرم بيلاجيوس  وتعاليمه الفاسدة واكد على الحرم بشدة البابا العظيم الذى ترأس المجمع البابا كيرلس عمود الدين والذى يشك فى هذا يرجع إلى التاريخ الذى يسجل لنا احداث المجمع وقرارته العظيمة وحرمانه لنسطوريوس وايضا حرمه لبيلاجيوس المبتدع وتعاليمه .

– من أقوال الاباء عن المعمودية وكيف تخلصنا من الخطيئة الأصلية نذكر الآتى :

– يقول القديس اثناسيوس الرسولى :

” مياه الراحة بلا شك تعنى المعمودية التى تزيل ثقل الخطيئة ” معلقا على المزمور (23) ” إلى مياه الراحة يوردنى ”

– ويقول القديس كيرلس الكبير على نفس المزمور السابق :

” المراعى هو الفردوس الذى سقطنا منه ، هذا الذى يقودنا المسيح اليه ويقيمنا فيه بواسطة مياه الراحة التى هى المعمودية ” (كتاب للقمص تادرس يعقوب مالطى – الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر ) .

– يقول الاربثيؤدور المؤبسستى (المصصيى) :

” اذ سقطنا وافسدتنا الخطيئة صار حكم الموت علة انحلالنا الكامل ، لكن بالتبعية شكلنا من جديد خالقنا وسيدنا وذلك بقدرته غير الموصوفة ” (تادرس المالطى نفس المرجع السابق)

– يقول ماريعقوب السروجى :

” المعمودية هى الكور العظيم الممتلئ نارا ، فيها يُسبك الناس ليصيروا غير اموات ” .

– المعمودية ليست ختانا للجسد كما فى العهد القديم حيث الرموز ، وانما ختان القلب بالروح ” ( فى 3 : 3 ) ، فيه يتم ليس نزع جزء من الجسد

( تك 17 : 10-14 ) بل نزع الطبيعة القديمة التى نولد بها بالخطيئة الأصلية .

– لذلك يقول القديس بولس الرسول :

” وبه ايضا ختنتم ختانا غير مصنوع بيد بخلع جسم خطايا البشرية بختان المسيح ، مدفونين معه فى المعمودية التى فيها اقمتم أيضا معه بايمان عمل الله الذى اقامه من الاموات .. ” (كو 2 : 11-12)

– يقول القديس ديديموس الضرير :

” الروح القدس سيمنا بعلامته الخلاصية لنعود إلى شبهنا الأول ، لان القطيع الذى لا يميز بعلامة يكون غنيمة سهلة للذئاب ، فلا يكون له عون الختم ولا يكون معروفا كالقطيع الاخر من الراعى الصالح “.

– يقول القديس باسيليوس الكبير على المعمودية أيضا :

” من اين نحن مسيحيون ، يجيب الكل : اننا مسيحيون بالايمان ، وبأى وجه نخلص ؟ واضح اننا نخلص بولادتنا بنعمة المعمودية ” .

– يقول ذهبى الفم :

” الذى يعتمد للمسيح لا يولد من الله فقط بل يلبس المسيح أيضا ، لا نأخذ هذا بالمعنى الادبى كأنه عمل من أعمال المحبة بل هو حقيقة ، فالتجسد جعل اتحادنا بالمسيح وشركتنا فى الالوهية امرا واقعا ” .

– يقول العلامة ترتليان :

” بالمعمودية يستعيد الإنسان تشبهه بالله ” .

– يقول يعقوب السروجى :

” صارت لنا المعمودية أما ، وصرنا نحن بها أبناء الآب ، ندعوه ابانا بمحبة , هذه البطن كونتنا روحيا ، لكى بالقداسة نكون أبناء الله . لو لم يهبنا الميلاد الثانى ، فمن اين لنا أن ندعو أبانا السماوى ” ؟!

عند حواء نحن تراب وابناء الموت ، اما عند هذه الأم الجديدة فنحن أبناء الله ، من أين لنا الاب السماوى ؟ ومتى ؟ ” .

هوذا ابونا ادم فى الهاوية بغباوة ، فان كان ميلادنا من حواء قائم فاننا ندعو ابانا ذاك الذى فى الهاوية .

ابونا الأول لدغته الحية وانحدرت به إلى الجحيم وها هو هناك داخل الهلاك مطروح فى مذلة يحيط به الوحل ، واصناف الدود . صار السوس لباسه ، والعنكبوت رداؤه .

الأرض من تحته والسوس فوقه ، لقد انحط فى التراب فاحتضن طينه وابتلى بالهاوية ، هذا هو ابونا الأول ، وهذه هى بلده فلم لم يتغير هذا الميلاد لكنا فى ذل عظيم .

اهربوا أيها السامعون من هذا الذل العظيم واطلبوا لكم ابا أخرا فى السماء ” .

– يقول القديس يوحنا ذهبى الفم :

” اذ دفنت خطايانا فى المعمودية لا تعود تظهر بل تختفى ما دمنا نود التوبة ”

– يقول القديس اغسطينوس :

” المعمودية تمحو جميع الخطايا : الخطيئة الأصلية والخطايا الفعلية وخطايا الفكر والقول والفعل ، الخطايا التى يتذكرها الإنسان والخطايا التى ينساها ، فان الذى خلق الإنسان يجدده ” .

” من فارق الحياة فى الحال بعد المعمودية لا يكون عليه شئ يكفر عنه بل كل شئ قد غفر له ” .

– يقول القديس غريغوريوس الثيؤلوغوس :

” نعمة المعمودية تنقى الإنسان من خطيته وتغسله بالكامل من الاوساخ والاقذار اللاحقة به من الرذيلة .. وهى من حيث انها نجده للولادة الاولى تجعلنا جددا من عتق ، والهيين بدلا مما نحن عليه ” .

– يقول القديس اكلمنضس الاسكندرى :

” تغسلنا المعمودية من كل عيب وتجعلنا هيكل الله المقدس ، وتردنا إلى شركة الطبيعة الإلهية بواسطة الروح القدس ” .

– يقول العلامة ترتليان :

” مغبوط هو سر الماء الذى لنا ، فبغسل خطايا العمى الذى اصابنا مبكرا نتحرر وندخل إلى الحياة الابدية ” .

– يقول القديس كبريانوس :

” انها المعمودية التى فيها يموت الإنسان القديم ويولد الإنسان الجديد كما يعلن الرسول مؤكدا أنه خلصنا بغسل التجديد فان كان التجديد يتحقق فى الغسل أى فى المعمودية فكيف يمكن للهراطقة …

وهم ليسوا عروسا للمسيح أن ينجبوا أبناء الله خلال المسيح !!! ” .

(عن كتاب الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر : للقمص يعقوب مالطى)

ـ من هذا يتجلى امامنا ضباب الوهم وتظهر امامنا الحقيقة واضحة وضوح الشمس بأننا ورثنا خطية ابوينا الاولين التي تزول عنا في ذاك الجرن الذهبي الذي يغطينا بمسحته الذهبية المقدسة المطهرة المحيية من اجران الموت التي كنا نعيش فيها فنولد في الجرن المقدس ( المعمودية ) ولادة جديدة لنصبح فيها وكأننا كابوينا الاولين ادم وحواء وهما في الفردوس قبل سقوطها في الخطيئة والتعدى على وصية الله . هكذا نتطهر من براثن هذه الخطيئة الي الابد لنحيا في المسيح وهو فينا.

– إذن فلنصحوا ولننتبه لكل ما هو يدعوا الي عدم وجود وراثة الخطيئة الأصلية . ففي السنوات الاخيرة زادت هذه الموجة التي تنادي بعدم وجود وراثة  للخطية الأصلية  وانه لا توجد هذه الوراثة  . لذا نصرخ مع بولس الرسول  قائلين “استيقظ أيها النائم ليضئ لك المسيح ” . وأيضا قائلا : ” الذي ننادي به منذرين كل إنسان ومعلمين كل إنسان بكل حكمة لكي نحضر كل إنسان كاملا في المسيح يسوع ” (كو 1 :28) ويقول أيضا ” لاني لم اؤخر أن اوخبركم بكل مشورة الله “. احترزوا إذا لانفسكم ولجميع الرعية التي اقامكم الروح القدس فيها اساقفة لترعوا كنيسة الله التي اقتناها بدمه . لاني اعلم هذا أنه بعد ذهابي سيدخل بينكم ذئاب خاطفة لا تشفق على الرعية . ومنكم انتم سيقوم رجال يتكلمون بامور ملتوية ليجتذبوا التلاميذ وراءهم . لذلك اسهروا متذكرين انى ثلاث سنين ليلا ونهارا لم افتر عن انذر بدموع كل واحد ” . (أع 20 : 27-31) .

إذن هكذا يوصينا الرسول بان نسهر على الرعية ونخلع كل العراقيب التى قد تكون امامهم كما فعل الرسول ويوصينا أن نفعل هكذا . فلنسهر على الرعية وعلى كل مؤمن بالمسيح ويكون تعليمنا تعليما صحيحا فى المسيح له المجد .

ولتكن لنا غيرة مقدسة على قطيع المسيح الهنا على غرار غيرة الرسول المتقدة هكذا : ” فانى اغار عليكم غيرة الله لانى خطيتكم لرجل واحد لاقدم عذراء عفيفة للمسيح ” (2كو 11 : 2) .

– وايضا كما احب المسيح الكنيسة واسلم نفسه فيقول الرسول : ” … كما احب المسيح الكنيسة واسلم نفسه لاجلها لكى يقدسها مطهرا اياها بغسل الماء بالكلمة ، لكى يحضرها لنفسه كنيسة مجيدة لا دنس فيها ولا غضن أو شئ من مثل ذلك بل تكون مقدسة وبلا عيب ” (أف 5 : 25-27) .

– لذلك فلنجاوب كل تعليم غريب عن كنيستنا من كنزنا الاعظم الا وهو كتابنا المقدس الذى صرخ فينا المسيح قائلا : ” فتشوا الكتب فانكم تجيدون فيها حياة”

– كما يقول لنا العظيم بولس تقووا فى الرب وفى شدة قوته  :

” أخيرا يا اخوتى تقووا فى الرب وفى شدة قوته . البسوا سلاح الله الكامل لكى تقدروا أن تثبتوا ضد مكايد ابليس ” (أف 6 : 10-11) .

إذن فلنلبس سلاح الله الكامل لنقاوم كل ما هو ضد عقائدنا وركائزنا التي تاسست عليها الكنيسة منذ نشأتها التي تاسست علي الرسل والانبياء ويسوع المسيح هو نفسه حجر الزاوية ، ولنصلي مع الرسول لكي نمتلئ من كل معرفة وحكمة روحية قائلين  :

” من اجل ذلك نحن أيضا منذ يوم سمعنا لم نزل مصلين وطالبين لاجلكم أن تمتلؤا من معرفة مشيئته في كل حكمة وفهم روحي لتسلكوا كما يحق للرب في كل رضي مثمرين في كل عمل صالح ونامين في معرفة الله . متقوين بكل قوة بحسب قدرة مجده لكل صبر وطول اناه بفرح ” ( كو 1 : 9 – 11 ) .

– ولنقول مع القديس بولس أيضا (رو 13 : 12 ) :

” قد تناهي الليل وتقارب النهار فلنخلع أعمال الظلمة ونلبس اسلحة النور ”

هكذا فلنخلع كل الأفكار والاراء التي هي في ظلام القتام لنجتهد ضد ما هو غريب عن كنيستنا وتقليدها المقدس وكل ما يدعون للتجديد بدون دراية منهم أن هذا التغيير لا يصلح أو يصح في الدين ، ففي الدين ثوابت لا يمكننا تغيرها لغرض التغيير علي غرار روح العصر والحرية والتجديد فقط لا غير ، فلنصحوا حتي لا نكون في مرارة المر ورباط الظلم كما كان سيمون الساحر (اع 8 :23) .

– ولنكون كما وصى الطوباوى بولس تلميذه تيموثاؤس هكذا :

” تمسك بصورة الكلام الصحيح الذي سمعته مني في الايمان والمحبة التي في المسيح يسوع ، احفظ الوديعة الصالحة بالروح القدس الساكن فينا ” (2 تيمو 1 : 13- 14 ) .

ويقول لنا أيضا ” وما سمعته مني بشهود كثيرين اودعه اناسا امناء يكونون اكفاء أن يعلموا اخرين أيضا ” (2 تيمو 2 : 2 ) .

– ويقول أيضا : ” أن كان احد يعلم تعليما أخر ولا يوافق كلمات ربنا يسوع المسيح الصحيحة والتعليم الذى هو حسب التقوى فقد تصلف وهو لا يفهم شيئا بل هو متعلل بمباحثات ومماحكات الكلام التى منها يحصل الحسد والخصام والافتراء والظنون الردية ” .( 1تيمو 6 :3ـ 5 )

– هكذا فلنمشى على التعليم الصحيح الذى لربنا ومخلصنا يسوع المسيح له المجد ولا نجرى وراء مباحثات هذا الدهر وحكمته الباطلة فلنحذر ان لا ننفرد براينا ونحتد به ونتعصب له حتى المنتهى . بل فلنراجع انفسنا أن كنا على الرأى السليم ام حدنا عنه ، والله قادر أن يصحح لنا كل احوالنا واحوال الكنيسة التى افتداها بدمه الكريم .

نقطة ثانية :  ماهية الخطية الاصلية  :ـ

هنا نريد أن نتحدث عن ماهية الخطيئة الأصلية ؟؟

إن الخطيئة الأصلية (الجدية) هى التى تجاسر عليها الإنسان الأول ادم وحواء حيث تعدى على وصية الله فوقع على وجهه أمام الله بهذا العصيان والتمرد على خالقه وجابله ، فنرى هذه الخطيئة فى سفر التكوين كانها حائط بنى وعلى وتعالى جدا بين الله الخالق والانسان فانفصل عن الله وعن عشرته الإلهية فصار بعيد عنه ومقفر وهائم على وجهه فى الأرض .

– لذلك يذكرها لنا الكتاب المقدس قائلا :

” فأخرجه الرب الإله من جنة عدن ليعمل الارض التى اخذ منها “. ( تك 3 : 23)

– هكذا كان عصياننا منذ البداية الذى قام به ابوينا الاولين ادم وحواء فكان هذا العصيان ورفض تنفيذ الوصية التمرد عليها وعلى مشرعها . وكانت هذه المعصية أو الخطيئة الأصلية (الجدية) كانت موجهه ضد الله نفسه ذاك الخالق العظيم  .

– فهذه الخطيئة سرت بالطبيعة فى بذرة البشرية كلها وتظل تسرى وستظل تسرى حتى نهاية الدهر لان اصلنا البشرى تلوث بهذه الخطيئة فاصبح كل الجنس الآتى من صلبه وفى صلبه ملوث بالخطيئة التى هى ضد الله  .

– هكذا اصبحت البشرية كلها تحت التعدى والعصيان لوراثتها لهذه الخطيئة الأصلية من ابوينا الاولين

– لذلك يقول  بولس الرسول :

” إذ أخضعت الخليقة للبطل – ليس طوعا، بل من أجل الذي أخضعها – على الرجاء .لأن الخليقة نفسها أيضا ستعتق من عبودية الفساد إلى حرية مجد أولاد الله فإننا نعلم أن كل الخليقة تئن وتتمخض معا إلى الآن وليس هكذا فقط ، بل نحن الذين لنا باكورة الروح ، نحن أنفسنا أيضا نئن في أنفسنا ، متوقعين التبني فداء أجسادنا ” ( رو 8 : 20 – 22 ) .

– هكذا قد سرت وانتشرت الخطيئة الأصلية فى عروق البشرية جمعاء ففسدت طبيعتنا لكنها فى المسيح يسوع تجددت الطبيعة من هذا الفساد لكننا لا زلنا وارثين للخطية الأصلية .

– وكما يقول القديس  بولس :

” وكما لبسنا صورة الترابي، سنلبس أيضا صورة السماوي فأقول هذا أيها الإخوة : إن لحما ودما لا يقدران أن يرثا ملكوت الله ، ولا يرث الفساد عدم الفساد هوذا سر أقوله لكم : لا نرقد كلنا ، ولكننا كلنا نتغير في لحظة في طرفة عين ، عند البوق الأخير . فإنه سيبوق ، فيقام الأموات عديمي فساد، ونحن نتغير لأن هذا الفاسد لابد أن يلبس عدم فساد، وهذا المائت يلبس عدم موت … ” ( 1كو 15 : 49 – 57 ) .

– إذن فنحن بالتأكيد وارثين هذه الخطيئة الأصلية لانه إذا كان الاصل ملوث فبالتأكيد سيكون الفروع الخارجة من الاصل هى أيضا ملوثة بنفس ما فى الاصل وذلك رغما عن ارادتها فنحن هنا نتحدث على الطبيعة التى تحكم هذه الامور ، فهنا ببساطة نقول أنه بالتبعية تلوث وفسد كل الجنس البشرى بتعدى ابوينا الاولين على وصية الله فكانت خطيتهم هذه غير محدودة لأنها موجهه ضد الله الخالق العظيم الغير محدود الذى لا يحده مكان أو زمان فهو يملأ الكل وفوق الكل وهو الكل فى الكل .

– وهنا نقوم بضرب مثل للتوضيح سيكون هذا المثل من الكتاب المقدس حتي تكون الحقيقة واضحة وجلية امامنا ، فعندما نقدم على صنع خطية ضد ملك ارضى فما يواجهنا نحن من عقاب من هذا الفعل ؟ ! بالطبع على قدر الفعل يكون العقاب فإذا كانت هذه الخطيئة ضد الملك ذاته فتكون العقوبة كبيرة تصل الي الهلاك له ولاهل بيته معه أو بمعنى اصح ابادة هذا الشخص هو وعائلته !

وعلى هذا المثال يذكرنا الكتاب المقدس بحادثة عجيبة وكبيرة ألا وهي التي حدثت مع دانيال النبى عندما حكم عليه بالقاؤه في جب الاسود فماذا حدث بعد أن صعد من هذا الجب بدون اذى من الاسود ؟!

فلنقرأ هذه الحادثة ولنتأمل فيها قليلا فيقول لنا الكتاب هكذا : ” حينئذ فرح الملك به ، وأمر بأن يصعد دانيال من الجب. فأصعد دانيال من الجب ولم يوجد فيه ضرر، لأنه آمن بإلهه فأمر الملك فأحضروا أولئك الرجال الذين اشتكوا على دانيال وطرحوهم في جب الأسود هم وأولادهم ونساءهم. ولم يصلوا إلى أسفل الجب حتى بطشت بهم الأسود وسحقت عظامهم ” ( دا 6 : 23- 24 )

والسؤال هنا يقول ما هو ذنب الاولاد والنساء لهؤلاء الرجال الاشرار ؟

هكذا يظهر امامنا عظم الذنب والخطيئة التى اقترفها ابوينا ادم وحواء . ففي قصة دانيال وجب الاسود يذكر لنا عقاب الملك لهؤلاء الذين تآمروا علي دانيال ليوقعوه تحت القانون فيلقي في جب الاسود لكنهم عندما نجى دانيال من الاسود اخرجه الملك وامر بأولئك المتآمرين بإلقائهم في جب الاسود هم واهل بيتهم من نساء واولاد .

هنا نري العقاب الجماعي مع أن الاولاد والنساء لم يصنعوا اي خطية تجاه الملك داريوس الفارسي لكنهم اخذوا بذنب خطية ابائهم هؤلاء الاشرار فنالوا هم العقاب الجماعي مع والديهم .

– ومن هذه القصة نري أنه عندما اقترف ادم حواء خطيتهم ضد الله خالقهم فاصبحنا نحن اولادهم ومن صلبهم وارثين للخطية نفسها فهم تعدوا وانتقلت  خطيتهم بالوراثة الينا بدون أن نكون نحن فاعلين لها لكننا اذ ولدنا في صلب ادم فقد صرنا وارثين لخطيته هذه التي سرت الينا في الدم البشري الى الان والى الدهر حتى يوم القيامة .

– وايضا يذكر لنا الكتاب المقدس بعضا من هذه الامثلة علي غرار قصة دانيال وجب الاسود وما حدث للمتآمرين عليه من هلاكهم هم ونساؤهم واولادهم

ومن هذه الامثلة القوية خيانة عخان بن كرمي فما كان حكم يشوع عليه ؟!

يقول الكتاب المقدس الحدث هكذا : ” فأخذ يشوع عخان بن زارح والفضة والرداء ولسان الذهب وبنيه وبناته وبقره وحميره وغنمه وخيمته وكل ما له، وجميع إسرائيل معه، وصعدوا بهم إلى وادي عخور فقال يشوع: كيف كدرتنا ؟ يكدرك الرب في هذا اليوم. فرجمه جميع إسرائيل بالحجارة وأحرقوهم بالنار ورموهم بالحجارة ” ( يش 7 : 24-25) .

– وايضا من الامثلة القوية التى جاءت فى الكتاب المقدس ما حدث من فتنة   قورح وداثان وابيرام وما حدث لهم من هذا التمرد من هلاك لهم ونساؤهم وأولادهم وكل عائلاتهم وانشقت الأرض وابتلعتهم احياء فنزلوا إلى الهاوية احياء فنالوا العقاب الابدى .

– فيقول الكتاب المقدس :

” فكلم الجماعة قائلا اعتزلوا عن خيام هؤلاء القوم البغاة ولا تمسوا شيئا مما لهم لئلا تهلكوا بجميع خطاياهم  فطلعوا من حوالي مسكن قورح وداثان وابيرام وخرج داثان وابيرام ووقفا في باب خيمتيهما مع نسائهما وبنيهما واطفالهما فقال موسى بهذا تعلمون ان الرب قد ارسلني لاعمل كل هذه الاعمال وانها ليست من نفسي ان مات هؤلاء كموت كل انسان واصابتهم مصيبة كل انسان فليس الرب قد ارسلني ولكن ان ابتدع الرب بدعة وفتحت الارض فاها وابتلعتهم وكل ما لهم فهبطوا احياء الى الهاوية تعلمون ان هؤلاء القوم قد ازدروا بالرب فلما فرغ من التكلم بكل هذا الكلام انشقت الارض التي تحتهم وفتحت الارض فاها وابتلعتهم وبيوتهم وكل من كان لقورح مع كل الاموال فنزلوا هم وكل ما كان لهم احياء الى الهاوية وانطبقت عليهم الارض فبادوا من بين الجماعة ” (عدد 16 : 25-34) .

– هذا ما اقترفه من يتعدى على كلام الرب ووصيته فيكون نصيبه الهلاك المحقق هو واهل بيته جميعا

هكذا يكون ايماننا الاصيل الراسخ رسوخ الجبال الشوامخ هو أن وراثة الخطيئة الأصلية هى شئ حقيقى وليس دربا من دروب الخيال والوهم كما يدعون اصحاب الاراء التى طالعتنا فى السنوات الاخيرة . بأنه لا توجد خطية أصلية لاننا نحن الان نحيا فى عهد النعمة فلا توجد خطية أصلية أو جدية من الاساس . فهؤلاء نقول ونسألهم ما ذنب النساء والاولاد الذين لقورح وداثان وابيرام ؟! فلماذا لم يهلكهم هم بمفردهم بدون هلاك اهل بيتهم معهم ؟؟

– إذن فهنا نؤكد على حقيقة وراثنا لخطية ادم وحواء ابوينا الاولين التى انتقلت لنا عن طريق الوراثة والتوالد . فكما تحدثنا سابقا أنه عندما يكون الاصل ملوث فانه بالتأكيد سينتقل لباقى فروعه واغصانه هذا التلوث حتى مهما بلغ عدد هذه الفروع والاغصان فانها تأخذ من اصل واحد فبذلك نكون قد ورثنا الخطيئة عن ابوينا الاولين مع اننا لم نقترف هذا الجرم فى حق الله لكننا بخطية ادم فقد اخطانا ونحن فى صلبه . بهذا نكون قد اخذناها بالوراثة الطبيعية التى تنتقل عن طريق الدم الذى تلوث بالخطيئة فسرت الخطيئة فى جميع عروق البشرية حتى الدهر أو القيامة العامة !

– ويقول القديس بولس الرسول :

” وان كانت الباكورة مقدسة فكذلك العجين ! وان كان الاصل مقدسا فكذلك الاغصان ! فان كان قد قطع بعض الاغصان ، وانت زيتونة برية طعمت فيها، فصرت شريكا في اصل الزيتونة ودسمها، فلا تفتخر على الاغصان.

وان افتخرت ، فانت لست تحمل الاصل، بل الاصل اياك يحمل !  (رو 11 : 16 – 18) .

الفصل الثانى

 الكتاب المقدس وآياته المقدسة المؤكدة لوراثتنا للخطية الأصلية

إن الكتاب المقدس يمتلئ بالآيات المؤكدة على وراثة الجنس البشرى لخطية ادم لكننا سنذكر بعضها .

وسنذكر الادلة الكتابية القوية التى وردت فى العهد القديم والجديد وسنعلق عليها تعليقا بسيطا وسندعمها باقوال الآباء على قدر الاستطاعة .

1) ما ورد فى مزمور التوبة ( مزمور 51 ) :

” هأنذا بالإثم صورت وبالخطيئة حبلت بى أمى ” ( مزمور 51 : 5 ) .

ومكتوبة فى ترجمة أخرى هكذا ” لانى هأنذا بالإثم حبل بى ، وبالخطايا ولدتنى أمى ” .

ترى لماذا ينسب النبى داود هذه التهمة الشنيعة لوالدته ؟!

أيضا لماذا يقول هذا على نفسه فهل هو أخطأ وهو لا يزال فى بطن امه ولم يوجد بعد ؟! فإذا كان هذا غير صحيح فلماذا يقول النبى العظيم داود على نفسه هكذا ؟!

اما عن امه فكانت امرأة تقية طاهرة تعيش فى حياة مقدسة ، فكيف يكون لها هذه التهمة التى يحكم الناموس عليها بالرجم . فإذاً هى لم تزنى كما يقول داود بروح النبوة بل هو يتحدث عن شئ أخر تماما سنتحدث عنه بعد ذلك ألا وهو الخطيئة الأصلية ووراثته  لها والبشرية كلها .

– وايضا لو رجعنا للمزمور 86 : 16 فهو يتحدث عن امه قائلا : ” التفت إلىّ وارحمنى اعط عبدك قوتك وخلص ابن أمتك ” ( مز 86 : 16 ) ويقول عنها أيضا فى المزمور 116 : 16 قائلا :

” آه يا رب لانى عبدك ، أنا عبدك ابن امتك ، حللت قيودى ” .

هكذا كان داود يذكر امه فى تواضعها فكانت امرأة طاهرة متواضعة تعبد الله فى خشوع عظيم ، لذا لو لم تكن هكذا ما كانت اخرجت لنا ثمرتها الطاهرة النبى العظيم داود الملك الذى قال عنه الله  فتشت قلب داود عبدى فوجدته حسب قلبى . إذن من هذا يتضح لنا أن امه كانت تقية جدا ومتواضعة اذ فهو لا يتحدث هنا عن امه بل عن شئ أخر .

وعلى هذا كيف يكون أيضا يتحدث عن خطيته وهو لم يولد بعد فكيف يكون هذا ؟ وهنا يقول عن أنه أخطا وهو فى بطن امه وليس وهو كبير ، لكنه يتحدث عن خطية مولود بها وبما أن امه كانت طاهرة ومتواضعة ومقدسة .

هكذا يتضح امامنا الامر هنا انه يتحدث عن الخطيئة الأصلية التى ورثها عن أبوينا ادم وحواء . فالخطيئة التى سيولد بها داود النبى من بطن امه هى الخطيئة الجدية التى نورثها جميعا عن ابوينا الاولين ، فالخطيئة اصبحت فى طبيعتنا ممتزجة بها لكننا نتخلص منها بالمعمودية المقدسة  .

* ومن أقوال الآباء على هذه النص الكتابى:

– يقول القديس امبروسيوس :

” ليس حبل بلا خطية حيث لا يوجد والدان لم يسقطا ”

– يقول القديس اغسطينوس :

” هل ولد داود من زنا ، وقد ولد من يسى ” ( 1 صم 16 : 18 ) الرجل البار ومن زوجته ؟! ماذا يعنى أنه ” بالآثام حبل بى ” إلا أن الإثم فد انحدر من ادم ؟!

لو كان الأطفال ابرار بكل طريقة ؟ فلماذا تجرى بهم امهاتهم إلى الكنيسة وهم مرضى ؟ ماذا تعني المعمودية ونوال المغفرة ؟!

ماذا تغسل المعمودية ؟! ماذا تحل النعمة ؟

انها تحل نتائج الخطيئة .فلو أن الطفل هذا قادر أن يتكلم معك لنطق ، ولو كان له مثل فهم داود لاجابك . لماذا تنتبه اليّ أنا الطفل ؟ انك بالحقيقة لاترى اعمالى لكن بالاثم قد حبل بي وبالخطايا اطعمتني امى في الرحم ” .

– يقول العلامة اوريجانوس :

الذين ينالون معرفة الله بوفرة ويتشربون تعاليمه الإلهية ، هؤلاء أن اخطأوا انما يفعلون ذلك في حضرة الله وقدامه ، كقول النبى ” الشر قدامك صنعت “واما من يهرب من وجه الله فلا يقدر أن يتوب ولا أن يتطهر من خطاياه .( عن تفسير للقمص تادرس يعقوب المالطي للمزمور 51 مزمور التوبة )

– هكذا توضح لنا هذه الآية بدون ملابسة أو تضليل على أن وراثتنا للخطية الأصلية التى اخذناها فى الدم عن ابوينا الاولين ادم وحواء هذه الخطيئة ورثناها منهما وستظل تورث إلى انقضاء الدهر حتى يوم القيامة العامة .

فلماذا نرى بعض الذين نشروا بعض الكتب والمقالات في السنوات الاخيرة قائلين أنه لا يوجد وراثة للخطية الأصلية ، فهذه الآية تقف لهم بالمرصاد وتحبط كل مساعيهم لهدم اساسيات في العقيدة المسيحية .

2- يقول داود النبى في المزمور الرابع عشر :

” قال الجاهل في قلبه: ليس إله. فسدوا ورجسوا بأفعالهم. ليس من يعمل صلاحا الرب من السماء أشرف على بني البشر لينظر: هل من فاهم طالب الله .الكل قد زاغوا معا فسدوا. ليس من يعمل صلاحا، ليس ولا واحد ” ( مز 14 : 1-3 ) .

– تري ما هذه الصورة المظلمة القاتمة التى يصورها لنا المرنم امامنا ؟!

وهل الي هذا الحد قد وصلت البشرية إلى هذا الظلام ؟!

وايضا ما هذا الفساد الذى استشرى وانتشر فى البشرية كلها ؟!

ومن يكون السبب فى هذه الصورة وهذا الفساد الذى انتشر فى بشريتنا المسكينة ؟!

– الإجابة على تلك التساؤلات واضحة وضوح الشمس فكل هذا الظلام والفساد الذى اصبحت عليه البشرية كلها وباتت تحيا فيه.

فقد كان لنا هذا الفساد من خطية أبوينا الأولين ادم وحواء فكل هذا حدث لنا من خطيتهما فصرنا نحن تحت التعدى مثلهما وايضا وارثين لخطيتهما في الدم البشرى الذى اخذناه من أبوينا الأولين فقد استشرى الفساد فى طبيعتنا هكذا …

ولتأكيد القديس بولس العظيم على حتمية وراثتنا للخطية عن أبوينا الأولين ادم وحواء فقد اخذ هذا الجزء من المزمور وذكره فى رسالته إلى اهل رومية فيقول فى ( رو 3 :10 – 12 ) : ” ليس بار ولا واحد ليس من يفهم ليس من يطلب الله الجميع زاغوا وفسدوا معا ليس من يعمل صلاحا ، ليس ولا واحد “هكذا بهذا الاقتباس الذى أخذه القديس بولس ما هو إلا تاكيد منه على أن السبب فى فساد طبيعتنا هو وراثتنا للخطية  الأصلية عن أبوينا الأولين ادم وحواء ، فقد جروا علي البشرية كل هذا الفساد فى الطبيعة .

يقول احد الاباء على هذا النص الاتي :

” هكذا صار الجهلاء رجسين فى طرقهم وافعالهم وانحرافاتهم ، ذبائحهم وبخورهم رجس عند الرب ، حتى اعيادهم واحتفالاتهم ” ( ام 15 : 8 ، اش 1 : 13 ) .

ربما يصنع الاشرار امورا صالحة لكن تبقى دوافعهم الداخلية شريرة

لا يصنعون شيئا يحسب فى عينى الله صالحا لان الله ينظر إلى القلب والمحبة هى تتميم الناموس إذ ليس للاشرار محبة . بدون ايمان لا يمكن ارضاء الله والاشرار ينحرفون عن الايمان . الخطيئة تدمر وتحطم كل أعمال الاشرار .

– يقول القديس اغسطينوس :

” فسدوا ورجسوا باعمالهم  بمعنى انهم بينما هم يحبون هذا العالم ولا يحبون الله . هذه الأفعال التى تفسد النفس وتعميها تؤدى بالجاهل أن يقول فى قلبه لا إله وكما لم يستحسنوا أن يبقوا الله فى معرفتهم ، اسلمهم الله إلى ذهن مرفوض ليفعلوا ما لا يليق ” ( رو 1 : 28 ) .

– يقول القديس اثناسيوس الرسول :

” اذ هم حمقى فى افكارهم تظهر اعمالهم الشريرة ، اذ يقول الرب : كيف تقدرون أن تتكلمون بالصالحات وانتم اشرار ” ( متى 12 : 3 – 4 ) .

كانوا اشرار لانهم فكروا بالشر . كيف يمكن لهؤلاء أن يأتوا باعمال بارة واذهانهم قائمة على الخداع والمكر؟!.

– ويقول القديس امبروسيوس :

” كيف يمكن أن يكون حكيما من لا يتطلع إلى صانعه ” .

– يقول القديس يوحنا ذهبى الفم :

” حينما يقول الرب اطلع من السماء يصف معرفتهم الكاملة بكل شئ بصورة استعارية مأخوذة عن البشر ” .

– يقول القديس اثناسيوس الرسول :

” خلق الله الإنسان واراد أن يبقى فى عدم فساد ولكن البشر باحتقارهم ورفضهم التأمل فى الله ابتكروا ودبروا الشر لانفسهم فنالوا حكم الموت الذى انذروا به ، ومن ذلك الحين لم يستمروا كما خلقوا بل فسدوا حسب تدابيرهم ، واذ رأى ( الكلمة ) أن فساد البشر لا يمكن إبطاله بأية وسيلة سوى الموت كشرط ضرورى فلهذه الغاية اخذ لنفسه جسدا قابلا للموت ، لكن باتحاد هذا الجسد بالكلمة الذى هو فوق الكل ، يكون جديرا بان يموت بالنيابة عن الكل ، ولان الكلمة اتى وسكن فيه ، يبقى فى غير فساد ، وبذلك ينزع الفساد من الكل بنعمة القيامة … ”

كان ضروريا ألا يتجسد احد أخر سوى الله الكلمة نفسه ، ” لانه لاق بذلك الذى من اجله الكل وبه الكل ، وهو اتى بابناء كثيرين إلى المجد أن يجعل خلاص رئيسهم كاملا بالآلام ” ( عب 2 : 10 ) .

( أقوال الاباء مأخوذة عن تفسير القمص تادرس يعقوب المالطى لسفر المزامير ) .

– ومن كل ما سبق يظهر امامنا أن هذا الفساد الذى انتشر فى عروق البشرية كلها اتى من خطية ابوينا الاولين ادم وحواء فقد ورثنا عنهما هذه الخطيئة فى الدم وورثنا مع الخطيئة نواتجها وقصاصها الذى كان عليها .

هكذا فصرنا تحت القصاص منها لولا أن الله الكلمة نزل وتجسد ومات وقام ورفع عنا هذه اللعنة التى تركتها فينا الخطيئة الأصلية .

3- يقول القديس بولس الرسول الى اهل رومية :ـ

” من أجل ذلك كأنما بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم ، وبالخطيئة الموت ، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس، إذ أخطأ الجميع ( أو الذى فيه الجميع قد خطئوا ) ” ( رو 5 : 12 ) .

هذه النص من اقوى النصوص التى توضح لنا كيفية ما حدث من تعدى ابوينا الاولين ادم وحواء ومن ثم تؤكد على وراثتنا لهذه الخطيئة على مثال تعديهم فقد ورثناها من ابوينا الاولين ادم وحواء بالوراثة الطبيعية فى الدم فقد انتشرت هذه الخطيئة فى دم البشرية كلها بدون انقطاع وحتى انقضاء الدهر ولا نستطيع أن نخلص منها الا بالايمان والمعمودية التى تطهرنا من كل خطية وتجعلنا خليقة جديدة فى المسيح يسوع كما يقول الرسول : ” اذ أن كان احد فى المسيح فهو خليقة جديدة ، الاشياء العتيقة قد مضت هوذا الكل قد صار جديدا”   ( 2 كو 5 : 17 ) .

ويقول أيضا : ” لأن ناموس روح الحياة في المسيح يسوع قد أعتقني من ناموس الخطيئة والموت لأنه ما كان الناموس عاجزا عنه، في ما كان ضعيفا بالجسد، فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطيئة، ولأجل الخطيئة، دان الخطيئة في الجسد ” ( رو 8 : 2 – 3 ) .

هكذا فى المسيح تحررنا من الخطيئة واصبحنا فى المعمودية نصير اطهارا على مثال ادم فى الجنة قبل السقوط . هكذا تسقط عنا براثن الخطيئة فى المعمودية التى بدونها لا يمكننا أن نرى ملكوت الله كما قال السيد المسيح لنيقوديموس ” ( يو 3 : 3 – 6)

– وهنا يقول القديس امبروسيوس معلقا على هذه النص الكتابى :

” فى ادم سقطت أنا ، وفيه طردت من الفردوس ، وفيه مت ، فكيف يردنى الرب إلا بأن يجدنى فى ادم مذنبا ، اذ كنت هكذا ، أما الان ففى المسيح اتبرر أنا ”

– يقول القديس غريغوريوس صناع العجائب :

لذلك يقول : ” افرحوا أنا قد غلبت العالم ” ( يو 16 : 33 )

هذا قاله كمصارع لائق ليس بكونه الله فحسب ، وانما بإظهار جسدنا الذي التحف به كغالب للألم والموت والفساد .

لقد دخلت الخطيئة إلى العالم بالجسد ، وملك الموت بالخطيئة على جميع الناس ، لكن دينت الخطيئة بذات الجسد فى شبه ( شبه جسد الخطيئة ) فقد غلبت الخطيئة : وطرد الموت من سلطانه ، نزع الفساد بدفن الجسد وظهور بكر القيامة ، وبدأ أساس البر فى العالم بالأيمان ، الكرازة بملكوت السموات بين البشر ، وقيام الصداقة بين الله والناس ”

– يقول القديس أوغسطينوس :

” حتى الأطفال الذين لا يخطئون فى حياتهم الشخصية انما حسب الجنس البشرى العالم يكسرون عهد الله إذا اخطأ الكل فى واحد ” .

ونود هنا أن نورد النص الذى قاله بولس الرسول فى رسالته لرومية   ( رو 5 : 12 – 19 ) الذى فيه يشرح كيفية انتشار وتأصيل الخطيئة الأصلية من ادم إلى جميع نسله من بعده فقد ورثوا خطيئته وتلوثوا بها وأصبحت أصيله فى تكوينهم .

– فيقول  بولس الرسول :

”  من اجل ذلك كانما بانسان واحد دخلت الخطيئة الى العالم ، وبالخطيئة الموت  وهكذا اجتاز الموت الى جميع الناس ، اذ اخطا الجميع فانه حتى الناموس كانت الخطيئة في العالم على ان الخطيئة لا تحسب ان لم يكن ناموس لكن قد ملك الموت من ادم الى موسى ، وذلك على الذين لم يخطئوا على شبه تعدي ادم ، الذي هو مثال الاتي ولكن ليس كالخطيئة هكذا ايضا الهبة لانه ان كان بخطية واحد مات الكثيرون ، فبالاولى كثيرا نعمة الله ، والعطية بالنعمة التي بالانسان الواحد يسوع المسيح ، قد ازدادت للكثيرين . وليس كما بواحد قد اخطا هكذا العطية . لان الحكم من واحد للدينونة . واما الهبة فمن جرى خطايا كثيرة للتبرير . لانه ان كان بخطية الواحد قد ملك الموت بالواحد فبالاولى كثيرا الذين ينالون فيض النعمة وعطية البر سيملكون في الحياة بالواحد يسوع المسيح . فاذا كما بخطية واحدة صار الحكم الى جميع الناس للدينونة  هكذا ببر واحد صارت الهبة الى جميع الناس . لتبرير الحياة لانه كما بمعصية الانسان الواحد جعل الكثيرون خطاة هكذا ايضا باطاعة الواحد سيجعل الكثيرون ابرارا .” (رو 5 : 12 – 19 ).

– هذا النص المقدس المأخوذ عن القديس بولس الرسول يوضح لنا مدى خطورة الخطيئة التى فعلها ادم فى الجنة التى تظهر وكأنها كانت كالعقوبة الجماعية التى جلبت على  جميع ذرية ادم من بعده . فقد ورثت الخطيئة بفسادها وكل نتائجها وقصاصها أيضا .

والرسول هنا يوضح أنه أن كنا ورثنا الخطيئة عن ادم هكذا قد ورثنا البرالذى فى المسيح يسوع . فقد خلصنا وطهرنا من الخطيئة بموته وقيامته ومنحنا الغفران بدمه المسفوك على الصليب  .

فعندما ننزل فى المعمودية نتطهر من الخطية الأصلية والفعلية أن وجدت.  فبالمعمودية نولد من جديد ونصير خليقة جديدة ونمنح البنوة من الله بالتبنى  وليس كما يقول الرسول أبناء الغضب كما كنا بخطية ادم تحت حكم الموت والهلاك .

– هكذا تكون خطية الواحد ادم الأول قد دبت ببراثنها فى جسد البشرية كلها لكن ببر المسيح وخلاصه على الصليب قد خلص البشرية من الموت واعطانا الحياة التى فيها نحيا من جديد  بالمعمودية التى تطهرنا من خطايانا ليفتح لنا الفردوس ثانية .

– ومن أقوال الاباء على هذا  النص المقدس ( رو 5 : 12 – 19 ) :

– يقول القديس جيروم على نعمة المسيح الذى يهدم موت الخطيئة :

” أما تحت المسيح أى تحت انجيله ففتح لنا باب الفردوس وصار الموت مصحوبا بالفرح لا بالغم ”

( عن تفسير تادرس يعقوب المالطى لرومية )

– يقول القديس يوحنا ذهبى الفم عن ( رو 5 : 19 ) :

” هنا الرسول يخلق مشكلة كبيرة وهذه المشكلة ستحل بسهولة اما المشكلة فهى فيقول الرسول بمعصية الإنسان الواحد جعل الكثيرون خطاة ” لانه أن يكون ذاك (اى ادم) قد اخطأ وصار فانيا وان كل من انحدر منه قد اخطاوا وصاروا فانيين فهذا لا يعد امرا غير طبيعى على الاطلاق ولكن أن يصير أخر (المسيح) خطية بسبب معصية ذاك (ادم) فاى علاقة طبيعية يمكن أن تقوم هنا ؟ لان هكذا سيعتبر هذا الإنسان خاطئا ، دون أن يكون مسئولا عن الحكم طالما أنه لم يصر من ذاته خاطئا .

إذا ماذا تعنى هنا كلمة خطاة ؟

من حيث أن يموت ادم قد صرنا جميعا فانيين فهذا يبينه الرسول بولس بوضوح لكن السؤال لاى سبب صار هذا أى الموت صار إلى جميع الناس ؟

لكن لو أن احدكم طلب أن يعرف السبب وهو فنحن قد ربحنا بكوننا قد صرنا فانيين أولا : لانه لو كان لنا جسدا غير قابل للموت فان هذا سيكون دافع للاستمرار فى ارتكاب الخطيئة ، ثانيا : لكى تكون لدينا دوافع غير محدودة فى جهادنا لتحقيق التقوى … فمن الافضل أن نقول أولا اننا ربحنا بالموت خيرات أخرى وفيرة … ” ( تفسير يوحنا ذهبى الفم لرومية – ترجمة دكتور سعيد حكيم )

– ويقول أيضا يوحنا ذهبى الفم :

” أن كان بخطية واحد مات الكل فبالاولى نعمة الواحد لها سلطان أن تخلص … عاد فأوضح أن النعمة ليست فقط تنزع الخطايا وانما تهب البر ، فالمسيح لم يقدم خيرا بقدر ما جلب ادم من أضرار ، وانما اكثر جدا بما لا يقاس “.

– فان كنا ورثنا عصيان ادم انما حملنا هذه الطبيعة فينا لذا جاء المسيح بنعمته يقدم طاعته لنحياها فنحمل طاعة المسيح فينا لا من الخارج بل داخل طبيعتنا .

– يضرب مثلا قائلا انسانا مدينا بعشر وزنات واذ لم يكن له ما يوفى الدين سجن هو وزوجته واولاده . فجاء أخر لا ليسدد الدين فحسب وانما ليهبه عشرة الاف وزنة ذهبية ويقوده من السجن إلى العرش ويهبه سلطانا عظيما ويجعله شريكا فى الامجاد العلوية معه ، حتى لم يعد بعد يذكر موضوع الدين هكذا يدفع لنا السيد اكثر مما علينا ، نعم قدر ما يتسع المحيط بلا حدود مقارنا بحفرة صغيرة لقد غطت هبات الله على الخطيئة والموت فصار يشعلنا عظم فيض نعمته الخاصة بالحياة الابدية ” .

( المرجع السابق )

(4) سالة كورنثوس الاولى ( 1 كو 15 : 22 ) :

” لانه كما فى ادم يموت الجميع هكذا فى المسيح سيحيا الجميع ” .

بخطية ادم وتعديه على وصية الله صار الحكم عليه وعلى ذريته من بعده بالموت والهلاك وصرنا وارثين للطبيعة الخاطئة , التى اخذناها من ابينا ادم فاصبحت طبيعتنا فاسدة . فقد تشوهت الطبيعة التى اصبحت خاطئة لكن الله لم يترك طبيعتنا هكذا بل ارسل ابنه الوحيد الحبيب لكى يجدد طبيعتنا ويمنحنا الحياة لنحيا فى المسيح له المجد فقد اعطانا الحياة وعتقنا من عبودية الخطيئة فجدد طبيعتنا وصرنا خليقة جديدة فى المسيح يسوع وصار لنا الموعد بالقيامة والحياة الابدية  .

– يقول العلامة ترتليان :

” أن كان ادم هو رمز للمسيح ، فان نوم ادم هو رمز لموت المسيح ، وبالجرح فى جنب المسيح يرمز للكنيسة ام كل حى الحقيقية ” .

– يقول القديس اغسطينوس :

” بالحقيقة جلب الإنسان الموت لنفسه كما لابن الإنسان ، اما ابن الإنسان فبموته وقيامته جلب الحياة للانسان ” .

ويقول أيضا : ” بهذه الطريقة نتجدد بخصوص ما فقده ادم ، أى فى روح عقولنا ، اما بخصوص الجسد الذى يزرع جسدا طبيعيا فسيقوم جسدا روحيا ، عندما نتجدد ننعم بحالة افضل لم ينلها ادم بعد ” .

– يقول احد الاباء :

” كما أن الذى يولد من الأول يموت ، هكذا من يؤمن بالمسيح يحيا ، بشرط أن يرتدى ثوب العرس ، ويدعى ليبقى لا أن يطرد ” .

– يقول امبروسياستر :

” مات ادم لانه أخطأ ، ومات المسيح الذى بلا خطية ، غالبا الموت الذى جاء من الخطيئة ، ويقوم كل احد البار والشرير على السواء فى المسيح ، لكن غير المؤمنين يسلمون للعقوبة ، بالرغم من ظهورهم انهم قاموا من الاموات اذ هم يقبلون اجسادهم لكى يتحملوا عقوبة ابدية بسبب عدم ايمانهم ” .

– يقول احد الاباء:

” لا يدخل بشرى إلى الموت الا خلال ادم ، ولا يدخل احد إلى الحياة الا خلال المسيح ، هذا هو معنى تكرار تعبير (الجميع) فانه كما أن كل البشر ينتسبون لادم خلال ميلادهم الأول أو الجسدى ، هكذا كل البشر الذين ينتمون للمسيح يأتون إلى الميلاد الثانى أى الروحى ، لهذا يقول (الجميع)

فى كلا الموضوعين فانه كما أن كل الذين يموتون يموتون فقط فى ادم ، هكذا كل الذين يحيون لن يحيوا الا فى المسيح ” .( عن تفسير تادرس يعقوب المالطى لرسالة كورنثوس الاولى )

– هكذا يتضح لنا ان خطية ادم اصبحت متخللة فى جميع اجزاء طبيعتنا التى فسدت لكن المسيح جدد هذه الطبيعة واصلحها وردها إلى حالتها الاولى قبل السقوط فصرنا نحيا فى المسيح له المجد الذى بموته أحيانا .

(5) رسالة افسس ( أف 2 : 3 ) :  ” وكنا بالطبيعة أبناء الغضب كالباقين أيضا ” .

هذه الآية تظهر لنا طبيعتنا التى اصبحت تنتمى إلى الفساد الذى صارت عليه فى السقوط الرهيب من قمة القداسة والروحانية والعيش مع الله باستمرار الحياه معه لكننا بغواية الحية خدعنا وصرنا مقفرين من كل صلاح فقد سقطت طبيعتنا من القداسة إلى الفساد الذى اضافته لنا الخطيئة الأصلية . فقد ازدرى عقلنا حتى ترك اللهج فى الالهيات على الدوام للنزول إلى حفرة عميقة وهى الذات (الانا) فقد تصورنا اننا نصير الهة كما خدعتنا الحية قائلة نصير كالله . هكذا سقطت طبيعتنا وصرنا بالحقيقة ابناء الغضب فصارت طبيعتنا فاسدة .

– يقول القديس يوحنا ذهبى الفم عن هذه النص:

” أى اننا لم نكن نفطن فى أمر روحانى فاغضبنا الله واسخطناه فكنا اولاد غضب ولنا شيئا أخر ، لانه كما أن الذى يكون بالطبع ابن الإنسان يكون انسانا هكذا ونحن أيضا اولاد غضب كالباقين اعنى أنه لم يكن احد حرا بل كنا نفعل الأفعال المستوجبة الغضب ” . ( تفسير يوحنا ذهبى الفم – اعداد القمص اغسطينوس البراموسى )

– يقول الاب دورثيؤس من غزة :

” بالخطيئة نطمس ما يخص شبهه فينا ، لذا صرنا تحت الموت كقول الرسول : كنتم امواتا بالذنوب والخطايا ( اف 2 : 1 ) . اذ خلقنا الله على شبهه :

وهو متحنن على خليقته وشبهه صار انسانا لاجلنا وقبل الموت عوضا عنا ليقودنا نحن الأموات . ويردنا إلى الحياة التى فقدناها ” .

– إذن فبالخطيئة انحدرنا إلى الاسفل وسقطنا و كان سقوطا عظيما . فقد اطعنا الحية وعصينا الله فصرنا بالحقيقة اولاد الغضب والمعصية .

– يقول القديس بفنوتيوس :

” انهم كانوا فى بيت ابيهم أى ابليس الذى سحبهم إلى الاسفل لذا ووجب على الكل أن يخرجوا منه مرتفعة انظارهم إلى بيت ابيهم الجديد أى اورشليم العليا فيقول ” نخرج من بيت ابينا القديم اذ كنا بالطبيعة أبناء غضب كالباقين أيضا ، مثبتين انظارنا تجاه العلويات ” . ( تادرس يعقوب المالطى تفسير افسس )

– وبما اننا أبناء الغضب بالطبيعة يجب علينا أن نخرج من طبيعتنا هذه الفاسدة  لنلبس الإنسان الجديد فى المعمودية ونخلع الإنسان العتيق وكل أعمال الظلمة معه لنذهب إلى بيت ابينا القدوس .

– يقول الأب دورثيئوس من غزة :

” إذن كيف يمكننا أن نقدم أجسادنا ذبيحة حية لله ” (رو 12 : 1) ؟ أن كنا لا نعود نتبع مشيئات الجسد وأفكارنا الذاتية ( اف 3 : 2 ) بل نسلك بالروح ولا نتمم شهوات الجسد ( غلا 5 :16) .

– يقول القديس يوحنا ذهبى الفم :

” ها انتم تلاحظون لطف الرسول ، كيف يشجع المستمع فى كل المناسبات ولا يثقل عليه . فمع أنه قال لهم : قد بلغتم إلى اقصى دراجات الشر( هذا هو معنى انهم صاروا امواتا  ) فلكى لا يفرطوا فى الحزن الشديد اذا يخجل الناس عندما تفضح أعمالهم الشريرة السابقة ، حتى وان كانت قد انتهت ولا تمثل خطرا ، اوضح لهم شريكا معهم فى الجريمة ، لكى لا يظنوا أن كل ما فعلوه هو من عندياتهم ، وانما يوجد شريك قوى معهم ، من هو ؟ أنه ابليس ” .

ويقول أيضا ” أن اقامنا  الله فذلك معلوم واما أنه اجلسنا معه فى السماويات بالمسيح يسوع فمن أين يثبت ذلك ؟ كما ثبت إنهاضه ايانا معه ولم ينهض بعد سوى اننا نهضنا بقيامة الراس ؟… لذلك يقول الرسول بالمسيح يسوع ” وان لم يكن هذا ( فيكون قد اقامنا بالمعمودية ) .

– يقول القديس اثناسيوس الرسول فى كتابه تجسد الكلمة الفصل العشرون :

” … أنه لم يكن ممكنا أن يحول الفاسد إلى عدم فساد إلا المخلص نفسه الذى خلق كل شئ من العدم فهو صورة الآب ، ولم يكن ممكنا أن يلبس المائت عدم الموت إلا ربنا يسوع المسيح الذى هو الحياة …. ”

ولكن لما كان ضروريا أيضا وفاء الدين المستحق على الجميع ، لانه كما بينت سابقا كان الجميع مستحقين الموت . الامر الذى من اجله كسب جوهرى حقيقى اتى المسيح بيننا لاجل هذه الغاية ، وبعد تقديم البراهين الكثيرة عن لاهوته بواسطة اعماله قدم ذبيحة نفسه أيضا عن الجميع اذ سلم هيكله للمــوت عوضا عن الجميع , اولا  لكى يحرر البشر من معصيتهم القديمة , ثانيا  لكى  يظهر انه اقوى من الموت , باظهاره أن جسده عديم الفساد كباكورة لقيامة الجميع ……. ، هكذا تم عملان عجيبان فى الحال : اولهما اتمام موت الجميع فى جسد الرب ، والثانى القضاء على الموت والفساد كلية بفضل اتحاد الكلمة بالجسد ، لانه كان لابد من الموت ، وكان لابد أن يتم الموت نيابة عن الجميع ، ولكى يوفى الدين المستحق على الجميع ” . ( تجسد الكلمة – ترجمة القمص مرقص داود )

(6) رسالة غلاطية ( غلا 3 : 22 )

” لكن الكتاب اغلق على الكل تحت الخطيئة ليعطى الموعد من ايمان يسوع المسيح للذين يؤمنون ” .

– هكذا يوضح لنا الرسول أن الكل تحت الخطيئة التى هى بعينها الخطيئة الأصلية الاولى التى هى الجدية لجدانا ادم وحواء فقد حفظنا جميعا تحت هذه الخطيئة لكى يأتى يسوع المسيح الذى اعطانا الحياة بموته على الصليب  . وبعموديته المقدسة نتطهر من خطايانا الأصلية والفعلية أيضا بقوة دمه المحى لجميع البشر .

– يقول القديس يوحنا ذهبى الفم :

” وحيث أن اليهود لم يكونوا يشعرون بخطاياهم ، والذين لا يشعرون بخطاياهم لا يشتاقون لغفرانها ، فاعطاهم الله الناموس ليكشف عن جراحاتهم وليبتغوا الطبيب. رأيت كيف أن الناموس لا يخالف مواعيد الله فقط بل ومن اجل المواعيد اعطيت ، فكيف يكون الناموس ضد مواعيد الله ، لانه لو لم يعط الناموس لتهور الكل فى الرذيلة ، اما الأن إذ أعطى الناموس ففعل امرين : علم الذين يصغون له فضيلة متساوية معتدلة ، وجعلهم أيضا أن يعرفوا زلاتهم ، الامر الذى يجعلهم خاصة يطلبون السيد المسيح باجتهاد “. (عن القمص أوغسطينوس البرموسى )

– يقول القديس غوريغوريوس النزنيزى :

” دعى لعنه من اجلى ، هذا الذى حطم لعنتى …. صار ادم الجديد ليحتل مكان ادم الأول ، وبهذا فقط يجعل عصيانى عصيانه هو بكونه رأس الجسد كله “.

– يقول القديس غوريغوريوس النيسى :

” صار مطيعا ذاك الذي اخذ أسقامنا وحمل أمراضنا ” ( راجع مت 8 : 17 )

فشفى عصياننا ، اذ بجلداته شفى جراحاتنا وبموته طرد الموت العام الذى سيطر على كل البشرية .

من أجلنا اطاع حتى صار ” خطية ولعنة ” بتدبيره لحسابنا ، لم يكن هكذا بالطبيعة ، انما صار كذلك من اجل حبه للانسان ” .

– يقول القديس اوغسطينوس :

” لم يعط الناموس لشفاء الضعفاء ، وانما للكشف عن ضعفهم واظهاره …

لقد تسلموا الناموس الذى لم يستطيعوا أن يتمموه ، لقد عرفوا داءهم ، والتمسوا عون الطبيب ، مشتاقين أن يبرأوا اذ عرفوا انهم فى كرب ، الامر الذى ما كانوا ليعرفوه لولا عجزهم على تتميم الناموس الذى تسلموه ” .  ( عن تادرس يعقوب المالطى تفسير غلاطية )

– يقول القديس غريغوريوس النيسى :

” أن خلقة طبيعتنا لها معنى ثنائي : طبيعة خلقت على مثال الله افسدتها الخطيئة وجددها ربنا ، وطبيعة تنقسم حسب تمايزنا ( ذكر وانثى ) ” .

– يقول البابا اثناسيوس الرسولى فى كتابه تجسد الكلمة :

” فالله اذ خلق الإنسان ، قصد أن يبقى فى عدم فساد ، أما البشر فإذا احتقروا ورفضوا التأمل فى الله ، واخترعوا ودبروا الشر لانفسهم فقد استحقوا حكم الموت الذى سبق تهديدهم به . ومن ذلك الحين لم يبقوا فى الصورة التى خلقوا عليها ، بل فسدوا حسبما أرادوا لانفسهم ( جامعة 7 : 29 ، رومية 1 : 21 – 22 ) وساد عليهم الموت كملك ( رومية 5 : 14 ) ” .

لان تعديهم الوصية اعادهم إلى حالتهم الطبيعية ، حتى انهم كما نشأوا من العدم ، كذلك يجب أن لا يتوقعوا إلا الفساد الذى يؤدى إلى العدم  مع توالى الزمن …. والنتيجة الطبيعية الحرمان إلى الابد من الوجود طالما كانوا يستمدون وجودهم من الله الموجود .

وبتعبير أخر يجب أن تكون النتيجة الانحلال ، وبالتالى البقاء فى حالة الموت والفساد .

لان الإنسان اذ خلق من العدم فانه فانٍ بطبيعته ، على أنه بفضل خلقته على صورة الله الكائن ، كان ممكنا أن ينجو من الفساد الطبيعى ، ويبقى فى عدم فساد لو أنه احتفظ بتلك الصورة بابقاء الله فى معرفته كما تقول الحكمة  “حفظ شرائعه تحقيق عدم البلى (الخلود) ” ( سفر الحكمة 6 : 19 ) .

ولكنه اذ كان فى عدم فساد ، كان ممكنا أن يعيش كالله منذ ذلك الوقت ، والى هذا يشير الكتاب المقدس على الارجح عندما يقول : ” أنا قلت انكم الهه وبنو العلى كلكم لكن مثل الناس تموتون وكاحد الرؤساء تسقطون ” ( مز 82 : 6 – 7 )

– يقول القديس باسيليوس الكبير معلقا على أن بالمعمودية لبسنا المسيح :

” لا تسمح لدنس أو غضن يدنس نقاوة ثوب الخلود ، بل احفظ قداسة كل اعضائك ، اذ تلبس المسيح ، اذ يقال لان كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح ( اف 3 : 27 ) لتكن اعضاؤكم جميعا مقدسة فتكون كمرتدية ثوبا من القداسة والنور ” .

– يقول القديس كيرلس الاورشليمى :

” اذ اعتمدتم فى المسيح ولبستم المسيح تصيرون على شكل ابن الله ” .

– يقول القديس اسحق السريانى :

” قد لبسنا المسيح بواسطة الماء والروح وان كنا لم ندرك مجده “هكذا فى المعمودية نلبس المسيح ونكون على شبه أبن الله وتتجدد خلقتنا من جديد ونتخلص من الخطيئة الأصلية ونتطهر بدمه الطاهر .

الفصل الثالث

أقوال الآباء التى تثبت حقيقة وراثتنا للخطية الأصلية (الجدية)

– يعلق القديس كيرلس الكبير ( عامود الدين ) على الذبيحة التى كانت تقدمها الكهنة هكذا فهو يحاور   شخص اسمه بلاديوس :

” بلاديوس : وكيف يمكن للمرء أن يؤمن بأن هذه الحياة التى أخذها المسيح هى لأجلنا ؟ ” .

يجاوبه كيرلس : سوف تفهم هذا بسهولة جدا عندما نتفكر فى اننا صرنا شركاء مخالفة ادم ومن جراء اخطائه عوقبنا ، اذ طالت اللعنة الجميع والغضب امتد على نسله ، لذلك تنازل وحيد الجنس واخضع ذاته لله الآب وصار انسانا وسكن بيننا لانه يقول :

” واطاع حتى الموت ” ( فى 2 : 8 ) ، ماحيا نتائج عصيان الكل ، وعصيان كل واحد على حدة ، وبهذا قد خلصنا .

– ويشهد على ذلك بولس الذى قال :

” اذا كما بخطية واحدة صار الحكم الى جميع الناس للدينونة، هكذا ببر واحد صارت الهبة الى جميع الناس، لتبرير الحياة.  لانه كما بمعصية الانسان الواحد جعل الكثيرون خطاة، هكذا أيضا باطاعة الواحد سيجعل الكثيرون أبرارا. ” ( رومية 5 : 18 – 19 )

هل رأيت إذن أنه خلصنا ، كما تشير إلى ذلك تقديم ذبيحة الثور ، اذ مات المسيح لاجلنا ، وارسل رائحتنا إلى الله الآب بطاعته ، حياته المقدسة ، لان دم الكبش قد سكب على المذبح المقدس ” .

( كتاب السجود والعبادة بالروح والحق – الجزء السادس المقالة الحادية عشر صــ 116 : 117 – ترجمة د . جورج عوض ، مراجعة د . نصحى عبد الشهيد يوليو 2007م ) .

( وايضا يوجد فى هامش صــ 58 رقم 103 من كتاب حوار حول تأنس الابن الوحيد لنفس المترجم د . جورج عوض ) .

– يقول أيضا القديس كيرلس :

” أرأيت كيف أن الإنسان الذى طرد بسبب عصيانه ، صار مقبولا بالتبنى عندما نال البركة من خلال المسيح بشركة الروح القدس الذى سمح أن ينسكب بغنى علينا ، والذى لم يمنحه للقديسين جزئيا ، بل وضعه داخلنا بكل كماله .. لذا يجب أن نكون رحماء ، لاننا خلصنا بالايمان وليس من أعمال البر التى نفعلها ، لكن بسبب رحمته العظيمة ( تى 3 : 5 ) القينا عن كاهلنا الفساد واخذنا شكلا جديدا مناسبا لحياة المسيح الجديدة ، بسبب رحمة الله ….

عندئذ ابطل العداوة التى فصلتنا عنه ، فاتحدنا فيما بيننا ووجدنا السلام باختيارنا مرة أخرى ، اذ قبلنا وصاياه وسلكنا حسب الروح ، بواسطته وبه صرنا شركاء الطبيعة الإلهية .   ( 2 بط 1 : 4 )

وفى هذه الوحدة ربطنا المسيح ، لانه قال مرة للآب ” ليكون الجميع واحدا ، كما انك انت أيها الآب فى وانا فيك ، ليكونوا هم أيضا واحدا فينا ” ( يو 17 : 21 ) ، انظر ( 1 كو 10 : 17 ) .

إذن فماء التطهير الممزوج برماد العجلة يشير بإشارة واضحة لما يقال عن موت المسيح .

مثلما يصير لنا نحن انفسنا هذا الامر بالايمان أثناء المعمودية المقدسة (أى الموت) ، لانه كما قال الرسول نفسه : ” فدفنا معه بالمعمودية للموت ، حتى كما اقيم المسيح من الاموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن أيضا فى جدة الحياة ” ( رو 6 : 4 ).

( كتاب السجود والعبادة بالروح والحق – المقالة الحادية عشر ، ترجمة

د . جورج عوض ، مراجعة د . نصحى عبد الشهيد صـــ 130 ، 131 ، 132 ، 133 ، 134 ) .

– هكذا يؤكد لنا القديس العظيم كيرلس الكبير عمود الدين :

على وراثتنا للخطية الأصلية التى خلصنا منها المسيح بموته على الصليب وقيامته فى اليوم الثالث (الأحد) هكذا نموت معه فى المعمودية حتى نتمتع بخلاصه المجانى العجيب .

– ومن أقوال القديس كيرلس على قيامة المسيح :

” لأنه كان من اللائق أن يردنا الرب إلى الفرح بهذه الطريقة لأنه بمعصية ادم – الذى هو باكورة الجنس البشرى سرى الحكم إلى العالم كله ” أنك تراب والى التراب تعود ” ( تك 3 : 19 ) . وقيل للمرأة بوجه خاص : ” بالحزن تلدين أولادا ” ( تك 3 : 16 ) .

فكان نصيب المرأة بواسطة العقوبة هو كثرة الحزن ، ولذلك كان من الضرورى أن ذات الفم الذى اصدر الحكم هو نفسه الذى يرفع ثقل اللعنة القديمة ، وهو المسيح مخلصنا ، الذى يمسح الآن الدموع من عيون المرأة بل بالحرى من كل النساء عن طريق مريم المجدلية التى هى كباكورة لهن .

وهى أولى النساء وكانت حزينة جدا على موت المخلص وكانت تنوح عليه ، فقد حسبت مستحقة أن تسمع الصوت الذى أوقف بكائها ، ولكن قوة الكلمة تمتد فى الحقيقة إلى كل جنس النساء اللائى يتألمن من كل عداوة تثور ضد المسيح واللائى يكرمن الإيمان به واللواتى يصدق عليهم قول المزمور ” ألا أبغض مبغضيك يا رب ، وأمقت مقاوميك بغضا تاما أبغضتهم. صاروا لي أعداء ”

( مزمور 139 : 21 – 22 ) .

ويكمل قائلا : ” ولكن جعلها تحت الحزن ، فى الفردوس عندما أصغت إلى صوت الحية وخدمت حيل الشيطان ، هكذا فانه الآن فى البستان أيضا يطلب منها أن تمتنع عن البكاء ”

– ويكمل أيضا قوله فى نفس الكتاب :

” والمسيح إذ قد مات مرة من اجل الجميع لكى يبطل الخطيئة لا يموت مرة أخرى ، اذ هو حى إلى الابد وهو بكل تأكيد سيحفظ أولئك الذين وضعوا رجاءهم فيه وسوف يحفظهم فى فرح لا ينقطع ”

– ويقول هكذا :

” …. ولكن عندما سقط الإنسان بعصيانه واستعبد لقوة الموت وفقد كرامته القديمة اعاده الله الآب وجدده إلى الحياة الجديدة بالأبن ، كما كان فى البدء ، وكيف جدده الأبن ؟ بموته بالجسد ذبح الموت واعاد الجنس البشرى إلى عدم الفساد عندما قام من الموت لاجلنا ، ولكى نعلم أنه هو هو الذى فى البدء خلقنا وختمنا بالروح القدس ، لذلك يمنح مخلصنا الروح القدس من خلال العلامة المنظورة أى نفخته للرسل القديسين لانهم باكورة الطبيعة البشرية المجددة .

وكما كتب موسى عن الخلق الأول أن الله نفخ فى انف الإنسان نسمة الحياة ، يحدث نفس الشئ الذى حدث فى البدء عندما يجدد الله الإنسان وهو ما يسجله يوحنا هنا . وكما خلق الإنسان فى البدء على صورة خالقه كذلك الان بالاشتراك فى الروح القدس يتغير إلى صورة خالقه ويصبح على مثاله “.

( كتاب قيامة المسيح للقديس كيرلس عمود الدين – ترجمة د. نصحى عبد الشهيد ابريل 2003م صــ 10 ، 15 ،20 ، 22 ، 27 ) .

–  يرد القديس كيرلس الكبير على تساؤل عن سبب مجئ المسيح وتجسده :

” أن كان كلمة الله لم يفد الطبيعة البشرية عندما صار انسانا فكيف إذن خلصنا من الدنس الجسدى ، كيف حقق لنا الهدف الذى اشرت إليه سابقا (اى تطهير الطبيعة البشرية) ….. ويكمل حديثه قائلا : دعنا نمضى فى حديثنا وليتك تصغى للكتب المقدسة ….

– يقول لنا الحكيم بولس الذى بواسطته يتحدث المسيح نفسه :

” فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضا كذلك فيهما ، لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت ، أي إبليس ويعتق أولئك الذين – خوفا من الموت – كانوا جميعا كل حياتهم تحت العبودية ” ( عب 2 : 14 – 15 ) .

وفى موضع آخر يقول : ” لأنه ما كان الناموس عاجزا عنه، في ما كان ضعيفا بالجسد ، فالله إذ أرسل ابنه في شبه جسد الخطيئة، ولأجل الخطيئة ، دان الخطيئة في الجسد لكي يتم حكم الناموس فينا ، نحن السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح ” ( رو 8 : 3 – 4 ) .

أليس واضحا تماما لكل الكائنات أن وحيد الجنس صار مثلنا ، بمعنى أنه صار انسانا كاملا لكى يخلص جسدنا الارضى من الفساد الذى تسلل إليه ؟

أليس واضحا أيضا أن الاتحاد جاء حسب التدبير – متطابقا مع ناموس الحياة ، اذ جعل النفس البشرية خاصة به لكى يظهرها على انها اسمى من الخطيئة صابغا اياها ، كما بصبغه بالثبات وعدم التغير ؟

ارميا : لا يبدو لى فيما قلت أن هناك ما هو غامض أو غير معلن ، بل هو الحق بالفعل .

كيرلس : حسنا ، وكما انتصر على قوة الموت والفساد ، لان الكلمة صار جسدا ومنح الحياة للكل ، وهكذا وبنفس الطريقة ، اتخذ الكلمة موقفا لا يتزعزع مؤسسا على كل ما هو صالح ، وبما له من قدرة فائقه على الخطيئة التى قهرتنا قديما كما أن النفس صارت فى ذاك الذى لم يعرف خطية – أى الإنسان الأول ” المسيح ” الذى لم يفعل خطية ولا وجد فى فمه غش ” ( 1 بط 2 : 22 – اش 53 : 9 ) بمثابة جذر وأصل (بداية) لاولئك الذين أُعيد تشكيلهم فى الروح لحياة جديدة – باتحاد حسب النعمة – فانه ينقل لكل الجنس البشرى عدم فساد الجسد والامان والثبات الالهى .

هذا هو ما نادى به بولس قائلا : ” وكما لبسنا صورة الترابى سنلبس أيضا صورة السماوى ” ( 1 كو 15 : 49 ) . وحين يقول ” صورة الإنسان الترابى ” فانه يعنى سهولة الميل تجاه الخطيئة وتجاه الموت الذى أتى بسببها ” ( كتاب حوار حول تأنس الابن الوحيد للقديس كيرلس الكبير ، ترجمة د. جورج عوض ابراهيم صـــ 74 – 75 انظر هامش صــ 75 )

من نفس الكتاب يقول : هكذا ابيد الفساد الذى فينا وضعف سلطان الموت نفسه لذلك يقول المسيح

” الحق الحق اقول لكم أن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه فليس

لكم حياة فيكم ” ( عن رسائل القديس كيرلس – الجزء الرابع رسالة 55 فقرة 38 صـــــ 40 ).

– يقول القديس ايرنيئوس شارحا المقابلة البديعة بين ادم والمسيح كما قال الرسول ( 1 كو 15 : 47 ) قائلا : ” استجمع ثانية فى نفسه كل تاريخ الإنسان ، مجملا الخلاص ومقدما اياه لنا حتى ننال ثانية فى المسيح يسوع ما فقدناه فى ادم (أى صورة الله ومثاله) ” ويكملا قائلا : ” الله جمع فى نفسه خليقته القديمة ، أى الإنسان لكى يبيد الخطيئة ويهلك الموت ويحمى الإنسان لذلك فان كل أعمال الله حق ”

( تث 32 : 4 ) الترجمة السبعينية .

– ويسرد قائلا : ” فالمسيح هو ادم الثانى قمة وتاج تاريخ البشرية منذ ادم الأول وقد اتخذ البشرية كلها جسدا له واستجمعها من جديد فى نفسه وخلصها وهكذا فان ميلاده وموته يستعيدان بطريقة ما تاريخ ادم والبشرية .

– ويكمل : أن ادم لم يفلت من تحت يدى الله ، حتى بعد السقوط كانت يد الله تمسكان به ، ومن خلال العهد القديم ” كان الكلمة حاضرا مع البشرية إلى اليوم الذى فيه اتحد هو نفسه بخليقته وصارا جسدا ”

– ويقول أن عصيان ادم الأول الغى بمقتضى الطاعة الكاملة لادم الثانى حتى يتبرر الكثير وينالوا الخلاص بطاعته .

– ويسهب فى القول هكذا :

” وهكذا صار الكلمة جسدا ، حتى تبطل الخطيئة تماما بواسطة هذا الجسد نفسه الذى سبق أن ملكت فيه الخطيئة ، لذلك اخذ الرب لتجسده نفس الشكل الأول حتى يشترك فى المعركة عن سلفائه ويغلب فى ادم ما صرنا نحن مغلوبين منه فى ادم .

لقد كان  المسيح مثالا للناس ، كما صار آدم مثالا للمسيح (أى لبس المسيح شبه جسد) ” واذ هو كلمة الله فإنه لم يصر فقط مثالا بل هو النموذج الأصلى والطابع لصورة الله التى عليها خلق الإنسان ، والتى عليها سيرجع أيضا ” .

– إن نسل المرأة الذى هو المسيح الغالب ، سحق رأس الحية وأباد آخر عدو الذى هو الموت واطلق سراح آدم ( وخلاص المسيح هو ابادة الموت ) .

” والمسيح بواسطة الامه أباد الموت والخطيئة ، والفساد والجهل ، وألبس المؤمنين عدم الفساد ” .

( كتاب الكرازة الرسولية ، دراسات فى اباء الكنيسة )

– ويكمل القديس أيرنيئوس هكذا :

” المسيح حارب وغلب لانه إنسانا خاض المعركة عن الاباء وبطاعته الغى العصيان تماما لانه ربط القوى وحرر الضعيف ، وبإبادته للخطية ألبس خليقته الخلاص ” .

” نزول المسيح إلى عالم الاموات (أى الجحيم) أدى أيضا إلى عتق لرؤساء اباء العهد القديم ” .

– ويسرد القديس ايرنيئوس دليلا على العلاقة بين الخلاص من الموت والخلاص من الخطيئة ، وهو معجزة شفاء المفلوج ( متى 9 : 2 – 8 ) فهذه المعجزة تعنى أن الله الوحيد قد أتى من عند الله لخلاص الإنسان والله وهب غفران الخطيئة فى ابنه .

ولان المرض كان احد نتائج الخطيئة فقد اصبح من الموافق أن الذى يأتى بالخلاص يصير هو الآتى بالشفاء أيضا .

– وفى مواجهة الغنوسيين يصر القديس ايرنيئوس على أن الذى اتى بالخلاص من الخطيئة هو الذى اتى بالخلاص من المرض هو المسيح نفسه ، لذلك فحينما غفر المسيح الخطيئة (فى معجزة المفلوج) ، ففى الوقت نفسه شفى المرض ، وبالتالى عتقه من الموت .

وهكذا اعلن عن نفسه من يكون حقا لا يستطيع أحد أن يغفر الخطايا إلا الله وحده ، فخلاص الشفاء وخلاص المغفرة . اللذين أتى بهما المسيح كشف عن أنه هو كلمة الله نفسه ، وانه بالرغم من أنه صار انسانا وتألم من اجل البشر كانسان لكنه هو الله الذى صنع رحمة بالانسان وغفر له خطيئته (كإله) .

( كتاب دراسات فى اباء الكنيسة لاحد رهبان دير أبو مقار )

– ويقول القديس ايرنيئوس :

أن الشركة فى الطبيعة الإلهية أو الثيؤس (التآليه ) هى اكتمال الخلاص ومنتهى غاية التجسد :

” إن الله فى محبته غير المحدودة صار على ما نحن عليه ، لكى يجعلنا نحن على ما هو عليه ” .

” لقد صار ابن الله انسانا ، كى يصير الإنسان ابن الله ”

– يقول أيضا هكذا :

” لقد شاء الله أن يولد ليكون معنا ، أن ينزل إلى مواضع الأرض السفلية ليجد الخروف الضال الذى هو خليقته الخاصة ، لقد شاء أن يصعد إلى السماء ليقدم لابيه هذا الإنسان الذى وجده ، وليقدم فى نفسه باكورة قيامة المسيح .

وهو باعتباره الرأس قد قام من بين الاموات ، وهكذا بقية الجسد ، أى كل الإنسان سوف يقوم ثانية حينما تستوفى عقوبة العصيان – هذا الجسد سوف يتحد ثانية بمفاصل وربط ، وسوف يتشدد بنمو الهى ، وكل عضو سيحتل مكانه المعين فى الجسد ” فى بيت ابى منازل كثيرة ” ذلك لان فى الجسد أعضاء كثيرين .

– ويقول أيضا : ” لقد فدانا الرب بدمه وبذل نفسه عن نفوسنا وجسده عن اجسادنا ، وارسل روح الاب ليحقق الوحدة والشركة بين الله والناس وبالروح وهب الله للناس ، اذ بتجسده رفع الإنسان إلى الله وبمجيئه اعطانا البقاء وعدم الموت بالشركة معه .

وهكذا فان كل تعليم الهراطقة ثبت زيفه فانه ليس فقط بالمظهر صار انسانا بل وبالجوهر والحق أيضا ، فلو لم يكن قد اخذ جسدا ودما حقيقيين ، فكيف كان يتسنى له أن يفتدينا مالم يكن قد جمع فى نفسه الخلقة الاولى لادم . ( نفس المرجع السابق )

– يذكر العلامة ديديموس السكندرى على المعمودية والتجديد :

” جرن الثالوث للمعمودية هو معمل الخلاص لكل من يؤمن فالمعمودية تبرئ من لدغة الحية  كل من  يغتسل فيها . وهى اذ تبقى بتولية ، تصير أمًا للكل بالروح القدس ” ( الثالوث 2 : 3 ) .

– ” إن سقطة الابوين الاولين هى الخطيئة الاولى القديمة التى طهرنا منها يسوع فى معمودية فى نهرالاردن ” ( الثالوث 2 : 12 ) .

– ويسهب فى القول عن الخلاص من الخطيئة الاولى بالمعمودية قائلا  :

” الروح القدس كاله يجددنا فى المعمودية ، وهو باتحاده مع الاب والابن يردنا من حال القباحة

( تشويه الخلقة الاولى ) ، إلى جمالنا الاصلى الذى خلقنا عليه ، ولهذا فهو يملأنا من نعمته حتى لا نعود نعطى مكانا لاى شئ لا يليق ومحبتنا. أنه يحررنا من الخطيئة والموت ومن الارضيات ويجعلنا روحيين شركاء فى المجد الالهى ، أبناء ورثة لله الآب .

أنه يشكلنا على صورة ابن الله ، جاعلا إيانا شركاء فى الميراث معه أى أخوة له نحن الذين نزمع أن نتمجد ونملك معه ، يهبنا السماء مقابل الأرض ، يسكب علينا الفردوس بايد سخية مفضاله .

” ويجعلنا فى حال اكثر كرامة من الملائكة وفى المياه الإلهية التى فى مغسل المعمودية هو يخمد نيران الجحيم التى لا تطفأ ” .   ويكمل قائلا : ” اذ حينما نغطس فى جرن المعمودية فاننا باحسان الله الاب وبنعمة الروح القدس نتعرى من خطايانا ونطرح عنا الإنسان العتيق ، فنولد من جديد ونختتم بقوته الملكية المقدسة ، ولكن حينما نخرج من الجرن نلبس المسيح مخلصنا ، كثوب لا يبلى ، مستأهل لذات الكرامة التى نلناها بتجديد الروح القدس الذى ختمنا بخاتمة .

اذ كما يقول الكتاب المقدس : ” لان كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح ” ( غل 3 : 37 ) .

– فاننا بنفخة الله قد قبلنا صورة الله ومثاله ، كما يقول الكتاب ولكننا بسبب الخطيئة فقدناها وها نحن الان قد صرنا معروفين من الله مرة أخرى ، كما كنا معروفين حينما خلقنا أولا ، بلا خطية وأسيادا على ذواتنا ” ( فى الثالوث 2 : 12 ) .

” بتجديد في المعمودية نتمتع بشركة وعشرة مع الله على قدر ما تسمح طاقة طبيعتنا، كما قال البعض : على قدر ما يستطيع الإنسان المائت أن يشابه الله غير المائت ” ( فى الثالوث 2 : 12 ) .

( عن كتاب دراسات فى أباء الكنيسة – لاحد رهبان دير أبو مقار ) صــ 199-200

– يشرح لنا القديس اثناسيوس الرسولى أسباب تجسد الكلمة قائلا :

” لما كان ضروريًا أيضًا وفاء الدين المستحق على الجميع ,لانه كما بينت سابقا ـ كان الجميع مستحقين الموت الامر الذى من اجله كسبب جوهرى حقيقى لمجئ المسيح بيننا ـ لأجل هذه الغاية ,بعد تقديم البراهين الكثيرة عن لاهوته بواسطة اعماله ـ قدم ذبيحة نفسه أيضًا عن الجميع، إذ سلم هيكله للموت عوضًا عن الجميع ,…

أولا : لكى يحرر البشر من معصيتهم القديمة .

وثانيًا : لكى يظهر أنه أقوى من الموت بإظهار أن جسده عديم الفساد كباكورة لقيامة الجميع .

– هكذا تم عملان عجيبان فى الحال :

” اولهما اتمام موت الجميع فى جسد الرب ، والثانى القضاء على الموت والفساد كلية بفضل اتحاد الكلمة بالجسد لانه كان لابد من الموت ، وكان لابد أن يتم الموت نيابة عن الجميع لكى يوفى الدين المستحق على الجميع ” .( تجسد الكلمة – الفصل العشرون رقم 2 ، 5 – ترجمة مرقص داود )

– ويقول أيضا فى الفصل الثانى والعشرون :

” على ان ذلك لم يبين ضعف الكلمة بل بالعكس اكد أنه هو المخلص وهو الحياة ، لانه أولا انتظر الموت ليبيده ، وثانيا عجل باتمام الموت المقدم إليه لاجل خلاص الجميع ” .

وفضلا عن ذلك فان المخلص لم يأت لكى يتمم موته هو ، بل موت البشر لذلك لم يضع جسده بموت اتى به من نفسه لانه هو الحياة ولم يكن قابلا للموت الذى أتاه من البشر لكى يبيده نهائيا عندما يلتقى به فى جسده . صــ 68 ، 69 رقم 2 ، 3 .

– ويقول هكذا فى الفصل السابع :

” لهذا كان أمام كلمة الله مرة أخرى أن يأتي بالفاسد إلى عدم فساد ، وفي نفس الوقت أن يوفي مطلب الآب العادل . المطالب به الجميع ، وحيث أنه هو كلمة الآب ويفوق الكل ، فكان هو وحده الذي يليق بطبيعته أن يجدد خلقة كل شيء وأن يتحمل الآلام عوضا عن الجميع، وأن يكون نائبا عن الجميع لدى الآب.” ( تجسد الكلمة  المرجع السابق )

– هكذا يوضح القديس اثناسيوس أن المسيح كلمة الله المتجسد جاء لكى يحررنا من معصيتنا القديمة أو المعصية الاولى أو الخطيئة الأصلية ، فكل هذه المعانى تعنى معنى واحد وهو الخلاص من الخطيئة الأصلية ( الجدية ) . هنا القديس يتكلم بكل وضوح عن الخطية الاصلية فالمعنى واضح وليس فيه أى شئ مبهم بل القديس يعلم ويؤكد عن وراثتنا للخطية الأصلية .

– يقول القديس غريغوريوس النيسى :

” لاننا نقول أن الله الذى هو فى جوهره خال من المادة لا يرى كما أنه غير جسدانى ، عندما اقترب زمن اتمام كل الاشياء ، وذلك بفعل تدبير خاص تدبير حب نحو الناس ، عندما بلغ الشر إلى اقصى مداه ، حينئذ لكى يحطم الخطيئة ، امتزج معه الانسانية .

مثله مثل الشمس إذا سكنت فى كهف مظلم ، فحضورها يبدد الظلام بفعل ضيائها لانه وان كان قد وضع قذارتنا على نفسه ، لكنه هو نفسه لم يتنجس بالدنس ، وانما هو ذاته يطهر القذر لانه قيل أن النور اضاء فى الظلمة ، لكن الظلمة لم تغلبه ( لم تدركه ) ” .

ويقول أيضا هكذا : ” أنه عظيم احتمالنا طول أناته فلم يمنع طبيعتنا من مشاركته ، مع انها قد سقطت كنتيجة للخطيئة ، ولكنه قبلها إليه ليعطيها حياه من جديد ” .

– يذكر العلامة ترتليان المقولة التى يدور حولها موضوعنا وهو الخطية الاصلية :

”  وهو أول من استخدم هذا المصطلح ليعطينا وصفا دقيقا للوصمة أو اللطخة أو الشائبة التى لحقت بطبيعة الإنسان منذ سقوطه الأول ، فبينما أن طبيعته الحقيقية أو الأصلية خيرة ، أمسى الشر له طبيعة ثانية ” . ( موسوعة الانبا غريغوريوس اللاهوت المقارن )

– ويقول القديس اغسطينوس على الخطيئة  :

” وأما فيما يتعلق بالخطيئة يعتقد أن الطبيعة البشرية عندما خلقت اصلا كانت بريئة من الخطيئة ، وانها خلقت لتكون فى شركة مع الله وقادرة على أن تتحقق بالغاية من وجودها ، ولو انها كانت قادرة أيضا على أن تخطئ أن الخطيئة تتعارض مع ناموس الطبيعة البشرية وقانونها ….

ولكن منذ أن اخطأ الإنسان للمرة الأولى أمست الخطيئة كائنة فى كل إنسان وانها مرض يلتهم ويفنى الحياة الحقيقية فى كل إنسان ، ولا سبيل إلى التغلب على هذا المرض الا بعلاج جوهرى يتناول الطبيعة البشرية نفسها ، وبعبارة أخرى لابد من أن يعطى الإنسان حياة جديدة تغرس فيه من جديد “.

(المرجع السابق )

– فى عظات الانبا مقاريوس الكبير ما يفيد كثيرا فى توضيح مدى ما صنعته الخطيئة الأصلية فى الجنس البشرى باكمله فيوضح القديس مقاريوس هكذا :

” ولكن ادم فقد بالسقوط هذه المواهب الاولى هذه الصورة السماوية ، حينما تعدى الوصية بقوة طاقة اختياره الشر وبإنصاته للشيطان .

” وهكذا انجرح ومات ” . وانحرف الإنسان إلى الشر بذنبه وباختياره الخاص واحتوى الشر الإنسان وتغلغل فيه ، لكن الإنسان نفسه لم يتحول إلى أى شئ شرير .

وظل الشر شيئا خارجيا ، شيئا غريبا على طبيعته ، لقد صرع الإنسان بالشر.

– وفى السقوط أيضا فقد الإنسان كلا صورتيه ” الطبيعية ” و ” السماوية ” فاول كل شئ فقد خصائص طبيعته ، التى كانت ظاهرة منيرة ، ومخلوقة على صورة الله . وثانيا فقد صورته التى يكمن فيها بالوعد الالهى ، كل ميراثه السماوى وهذا هو الموت .

( العظة العاشرة ) ( دراسات فى اباء الكنيسة  ,عظات القديس مقاريوس الكبير اصدار الانبا انطونيوس للابائيات ) – اما القيامة فهى استرجاع الصورة السماوية ، أى الشركة مع الله ، كمال ملئ الروح الذى سقط منه ادم ، أنه قبول ونوال جديد للروح .

– وان كانت شركة النفس مع الله هى نوع من الزيجة المسيحية مع العريس السماوى فان الانفصال عن الله بسبب الخطيئة هو نوع من ترمل النفس بسبب التعدى على الوصية التى تركها لنا العريس السماوى

ومنذ السقوط والانسان لم ير الاب السماوى ولم ير الرب ولم ير أحلى واشهى اخ تشتاق إليه النفس . ووجه الله لم يعد ينعكس على النفس بالرغم من أن الله لم يتوقف من أن يحدق فيها .

وهكذا واذ تجردت النفس من خاتم الملك ….. ( العظة الثانية عشر ) .

– الطبيعة اظلمت بالشر وبقتامة المكر : والنفس حين تسقط تخترقها قوى الخطيئة لقد اضيفت الخطيئة إلى النفس مثل خميرة ، والحية صارت بالنسبة للنفس ” نفسا ثانية ” ورئيس الشر غلق النفس ، فى حقده وخطيته ” كما برداء الظلمة الارجوانى لقد لوثها تماما وسجنها تماما فى سلطانه ، دون أن يترك فيها شيئا حرا ، لا النيات ولا الذهن ولا الجسد ” .

– ومن تلوث النفس بالخطيئة ، يصبح الجسد جسدا متألما ” أى شهوانيا ” وقابلا للفساد كلمات المكر تخترق القلب وتغزو كل التكوين البشرى ، والخطيئة تتدفق فى القلب مثل المياه فى القنوات .

وهذا ما حدث فى ادم ” ونحن كلنا أبناء هذا الجنس الذى اظلم ” .

– لقد تخمر كل جنس ادم ” بخميرة الشهوات الرذيلة ” التى نقلها ادم بتعديه الوصية ، إن فحص الإنسان لنفسه يظهر الحالة المريضة للنفس ، هذه الحالة المريضة تصبح نقطة الانطلاق فى الجهاد النسكى الذى به تتطهر النفس وتتحرر وتموت لحياة افضل . نعم ، تموت فالنفس الثانية ” يجب أن تهرب من كلمة المكر التى ضربت النفس ”

– ويقول أيضا فى سقوط المخلوق الأول سقطت البشرية بعيدا عن الله لكنه بموت المسيح وبصليبه نزل الجحيم ورجع ادم للحياة وكل ذريته .

– يقول القديس ايسيذورس البيلوزمى عن المعمودية :

” المعمودية ليست فقط تغسل النجاسة التى حدثت من خلال معصية ادم ، ولكنها توصل الولادة الثانية لله التى تفوق كل كلام ، وهى الفداء والتقديس والتبنى ….. الخ ”

والانسان المعمد بنواله الاسرار المقدسة (يقصد الافخارستيا) يصير جسدا واحدا مع الابن الوحيد .ويتحد بة كجسد يتحد مع رأسة.)

– يقول القديس كيرلس الكبير هكذا عن الآم المسيح وموته :

” ما كان يمكن أن توجد طريقة أخرى لابادة الموت ، ما لم يكن المسيح قد مات ، وبهذا أيضا ابيدت كل شهوة من شهوات الجسد ” .

ويتحدث أيضا : ” لقد صار موت المسيح بمثابة اصل الحياة وابطال الفساد ، ومحو الخطيئة ونهاية الغضب (أى الغضب الالهى) .

– يقول أيضا مفسرا اجزاء من رسالة رومية هكذا :

” قد صار الكلمة جسداً وسكن بيننا ، لغرض واحد فقط هو أن يعانى موت الجسد وبهذا ينتصر على الرئاسات والسلاطين ولكى يبيد ذاك الذى كان له سلطان الموت ، أى إبليس ، ثم لكى يرفع الفساد ، ويقتنص معه أيضاً الخطيئة التى طالما ذلتنا ، ويُبطل مفعول اللعنة القديمة التى قاست منها الطبيعة الإنسانية فى آدم – باكورة جنسنا والجذع الأول لشجرة البشرية ”

( كتاب دراسات فى اباء الكنيسة لاحد رهبان دير أبو مقار ) صــ 610 ، 611

– يتحدث الانبا ساويرس ابن المقفع اسقف الاشمونين :

(من اباء الجيل العاشر) فى كتابه ذبيحة الاعتراف وايضا فى الدر الثمين المقالة الثانية صــ 48 – 52 .

” ….. اعلم أن الامر الذى سألت عنه هو الذى بسببه صلب المسيح ومات ، ولولاه لكان صلب المسيح وموته باطلا ، وذلك أنه لما كان قد أوجب على كل خطية ميتة وكان الناس يخطئون خطايا كثيرة يستحقون بسببها ميتات كثيرة على قدر خطاياهم . واذ لا يمكن لانسان أن يموت فى هذه الدنيا سوى مرة واحدة عن المرات الكثيرة التى اخطأها فلذلك كانت تنحدر نفسه إلى الجحيم ، مطالبا ومدانا عن بقية ما يجب عليه من الخطايا التى يستحق عن كل واحدة منها ميتة ، فيكون فى الجحيم خالدا إلى ابد الابد ولهذا السبب مضى ادم ، وجميع نسله إلى الجحيم صديق أو خاطئ جيلا بعد جيلا خمسة الاف وخمسمائة سنة …. من اجل ذلك احدر الله انفس جميع الناس إلى الجحيم بسبب مخالفاتهم كما فعل ادم لما خالف فى الفردوس لكن الله دبر الخلاص فارسل ابنه الوحيد الجنس لكى يموت ويقوم ويخلص البشرية كلها وكمل الطاعة المفروضة على بنى ادم ونزل الجحيم واسرهم بروحه واصعدهم معه ” .

– يوستينوس المدافع :

” الإنسان خلق على صورة الله كائنا غير مائت ….  ” .

– يقول  اوريجينوس :

قال داود ” انى فى الاثم ولدت وبالخطيئة حبلت بى امى ” وهكذا فانه ليس احد طاهرا ولو كانت حياته يوم واحد ونعمة المعمودية ضرورية حتى الأطفال الذين لم يقعوا فى الخطيئة وقد تسلمت الكنيسة تقليدا بمعمودية الأطفال ( الاب ميشال نجم : مدخل إلى الاباء ج1 منشورات معهد القديس يوحنا الدمشقى – التلمذة سنة 1980 صــ 32 ) .

– يقول القديس ديديموس :

” يجددنا الروح القدس بكونه الله فى المعمودية وفى وحدانيته مع الاب والابن وينتشلنا من تشوهنا إلى جمالنا الاصلى بذلك يملئنا بنعمته حتى لا نعمل شيئا ما لا يليق بحبنا ونحن ننقل صورة الله  التى فقدناها بالخطيئة ونعود إلى حالتنا الأصلية .”

– القديس مارافرام السريانى :

” نحن نتقدس بجسد المسيح ودمه ونصير هياكل الروح القدس إذا اردنا ذلك فالله عند الخلق صنع كل الاشياء حسنا ولكن الإنسان أوجد الشر بارادته  .عرفوا حق المعرفة أن الجميع ملطخون بالخطيئة الأصلية وانه لابد غسل الخطيئة بالماء والروح ” .

– القديس امبروسيوس :

” فى ادم سقط انا وفيه طردت من الفردوس و فيه مت فكيف يردنى الرب الا بأن يجدنى فى ادم مذنباُ واذ كنت هكذا أما الان ففى المسيح اتبرر أنا اذ كان هو مطيعا ، ليتهم يقبلون تدبير الطاعة الامر الذى لم نلتصق به قائلين للذين يثيرون الشر ضدنا من جهة الامبراطور ونحن نعطى ما لقيصر لقيصر وما لله لله نقدم الجزية لقيصر ولا ننكرها ونتمنى للكنيسة التى لا تخص قيصر فهيكل الله لا يمكن أن يكون من حق قيصر ” .

– القديس كيرلس السكندرى :

” إذن فنحن ، كنا ملعونين ومدانين ، بحكم الله ، بسبب تعدي آدم ، وبسبب كسر الناموس الذي وُضِعَ ، ولكن المُخلص محا الصك الذي كان ضدًا ، بأن سمره على الصليب ، وهو ما يُشير بوضوح تام إلى الموت على الصليب الذي تحمله لأجل خلاص البشر الذين تحت الدينونة “( تفسير القديس كيرلس   يوحنا 19 : 19 )

– ادم اصل جنسنا مات بواسطة لعنة الهية بسبب كسره الوصية التى اعطيت له مدانا من نفسه وفى الحقيقة أنه عانى هذا بسبب معقول حيث أن حكم العقاب يتعقب الذين اخطأوا بسبب التراخى والاهمال

( المرجع السابق يو 14 : 3 )

– حولوا اذهانكم إلى ادم القديم وفى الأول واصل الجنس احسبوا البشرية كلها كأنها فيه .    (العبادة بالروح والحق : الكتاب الثانى صـــ 244 ، 68 )

– وهكذا صرنا نحن أيضا وراثين للعنة فى ادم لاننا بالتأكيد لم نعاقب كأننا عصينا معه الوصية الإلهية التى استلمها ولكن لانه صار مائتا فقد نقل اللعنة إلى البذرة التى ولدها نحن اموات لاننا نبعنا ممن هو مائت .لانه قد هرب الروح منا بسبب الخطيئة ، غير أن ذاك الذى لم يعرف خطية وصار كواحد منا يعتاد الروح البقاء فينا لا يجد سببا للمفارقة أو الانسحاب منه وعلى هذا فانه خلال نفسه يستلم الروح لاجلنا ويرد لطبيعتنا الصلاح القديم ( القمص تادرس يعقوب مالطى – عطية الروح القدس 1961م ص 19)

– القديس اغسطينوس :

” حتى الأطفال الذين لا يخطئون فى حياتهم الشخصية إنما حسب الجنس البشري  يكسرون عهد الله ، إذ أخطأ الكل في واحد ” .

” لان الحكم من واحد للدينونة واما الهبه فمن جرى خطايا كثيرة للتبرير ” ( رو 5 : 16 ) ، ذلك فى دفاعه عن أهمية المعمودية للاطفال فيقول :

” من هذا نستخلص اننا من ادم الذى فيه اخطأنا جميعا ، ليس كل خطايانا الفعلية انما الخطيئة الأصلية فقط ، اما من المسيح الذى فيه تبررنا جميعا فقد نلنا الغفران ليس فقط الخاص بالخطيئة الأصلية ولكن الخاص ببقية خطايانا التى اضفناها أيضا .

مرجع ) : Treatise on the merits and forgiveness of sins and

on baptism of children

الفصل الرابع

ما هى طبيعة الإنسان ؟

ما هى الخطيئة الأصلية,أصلها ونواتجها ؟

– طبيعة الإنسان :

خلق الله الإنسان على صورته ومثاله كشبهه كما ذكر الوحى قائلا :

” فخلق الله الانسان على صورته ومثاله على صورة الله خلقه ذكر وانثى خلقهم ”  ( تك 1 : 27 ) .

ويشرح كيفية خلقته فى الاصحاح الثانى فيقول :

” وجبل الرب الاله ادم ترابا من الأرض . ونفخ فى انفه نسمة حياة فصار ادم نفسا حية ” ( تك 2 : 7 ) ، هكذا خلق الإنسان فقد خلقه الله على صورته  ومثاله أو على صورة ابنه الوحيد الجنس الذى سيجئ فى ملء الزمان لكى يتجسد ليخلص الإنسان من خطيئته . فالله بعلمه السابق يعلم بسقوط الإنسان فدبر له فى عقله الأزلي خلاصه .

– هكذا خلق الانسان أخر المخلوقات وخاتمها فقد تميز عنها جميعا بطبيعته المكون منها فهو يتكون من الجسد والروح  فالجسد من الأرض التراب الذى يعود إليه انك تراب والى تراب تعود ( تك 3: 19 ) . اما الروح فهى معطاه من الله فقد نفخ فى ادم فصار ادم نفسا حية  ( تك 2 : 7 ).

إذن الإنسان مرتبط ارتباطا قوى بالله لان الله أراد له الخلود باعطائه هذه الروح منه لكى يحيا الإنسان معه إلى الابد .

إذن فالانسان يتكون من الجسد أو البدن والروح وهذين مختلفين تماما عن بعضهما البعض فكما يقول الرسول ” الروح تشتهى ضد الجسد والجسد ضد الروح وكلاهما يضاد الاخر “.

– ولكى نتعرف على كيفية انتشار خطية ادم إلى جميع الجنس البشرى يجب علينا أن ندرس موضوع اصل ونشوء النفس (الروح) لكى نثبت قضية وراثة خطيئة ادم لأولاده من بعده ، لذلك يذكر الانبا غريغوريوس اسقف البحث العلمى لنظريات نشوء أو اصل النفس قائلا :

– كانت الكنيسة الأولى فيها ثلاث نظريات فى اصل النفس :

1) النظرية الأولى :  وجود النفس وجودا سابقا قبل حلولها فى البدن .

2) النظرية الثانية :  نظرية الخلق .

3) النظرية الثالثة :  ولادة النفس مع البدن (الجسد) .

النظرية الاولى وجود النفس قبل حلولها فى البدن :

قد علم بها اوريجانوس اذ قال : ” أن جميع النفوس خلقت فى بدء الخليقة قبل خليقة العوالم ، شأنها فى ذلك شأن الارواح الملائكية ثم أخطأت هذه النفوس إلا نفسا واحدة هى النفس التى اتخذها الكلمة المتجسد ، فقد ظلت بريئة من الخطأ .

ولذلك هبطت إلى الاجسام المادية عقابا لها على ضلالها ، وعلى ذلك فهذا الوجود عملية تأديبية ، إذا أتمتها النفس وعاشت متنقلة بين اجسام مادية كثيرة عادت إلى حالتها الأصلية ، اما الاجسام فتظهر فى الوجود عن طريق التكاثر الطبيعى الذى يجرى فى الطبيعة بالاسلوب العادى المألوف .

ويبدو أن هذه النظرية تحمل معها نظرية التناسخ أو التقمص ( انتقال النفس من موجود إلى موجود أخر بعد الموت ) ، ولكن دائرة الكائنات البشرية .

كما تحمل معها نظرية التذكر ، ولكن اوريجانوس لم يستخدم اى نظرية من النظريتين الآخرتين ومهما يكن من أمر فمما لا شك فيه أنه اخذ نظريته الاساسية ، نظرية وجود النفس وجودا سابقا على البدن من افلاطون .

مع أنه لا يقول هذا لكنه يسوق امثلة من الكتاب المقدس مثل ( يو 9 : 3 ) ، ( رو 8 : 19 ) ويفسر اختيار يعقوب على عيسو وتفضيله عنه نتيجة استحقاقه فى مرحلة وجود سابق

– فإذا اردنا أن نقيم هذه النظرية “وجود النفس وجودا سابقا على وجود البدن” قلنا حقا انها نظرية تكفل المسئولية الفردية ، كما انها تشرح سبب الخطيئة الأصلية غير انها يعاب عليها انها تجعل القيمة كلها فى النفس .

فالنفس فيها هو الإنسان الحقيقى ، اما الجسد فهو مجرد سجن مؤقت وليس عنصرا جوهريا من عنصرى بشريتنا .

ثم اننا نرى فى هذه النظرية صورة فردية فكل نفس وحدة بذاتها ، خلقت بأمر الهى خاص وليس لها علاقة بالنفوس الاخرى .

واذن فليس ثمة خلق للجنس البشرى بأكمله ، وليس هناك طبيعة بشرية مشتركة بين جميع الناس ولا تماسك فى النوع الانسانى .

– ويقول نيافته أن اوريجانوس فى قيصرية فى مؤخرة حياته عدل عن هذه النظرية واعتنق نظرية الكنيسة الجامعة فى الخطيئة الأصلية واقتنع بوجوب عماد الأطفال وايضا فقد حكم مجمع القسطنطينية عام 540 م برفض نظرية اوريجانوس وشجبها .

2) النظرية الثانية : نظرية الخلق

وهذه النظرية كانت سائدة بين الاباء الشرقيين وخصوصا ايرونيموس وايلارى ، ومفادها أن كل نفس تخلق من الله خلقا جديدا مباشرا من العدم وذلك فى وقت الولادة أو عندما يبدأ وجود الفرد ، ثم تتحد النفس بجسم ينحدر من الوالدين بعملية التوالد الطبيعى .

لذلك يقول القديس ايرونيموس (جيروم ):

” أن الله يخلق فى كل يوم نفوسا ” أخذا رأيه ومؤكده على قول المسيح ” ابى يعمل حتى الان وانا اعمل ” ( يو 5 : 17 ) .وفى المزامير (المصور قلوبهم جميعهم) ( مزمور 33 : 15 ) .

وزكريا النبى الذى قال ” يقول الرب باسط السموات والارض وحامل روح الإنسان فى داخله ”

( زكريا 12 : 1 ) .وأورد هذه النظرية ايلارى فى مقال له على مزمور (90 ، 91 ) وطبقا لهذه النظرية يولد العنصر المادى من كل إنسان ، عن طريق الاخصاب والتكاثر من طبيعة الإنسان الأول المادية ، التى خلقت منذ بدء الخليقة ، وعلى ذلك فان طبيعة الإنسان الجسمانية واحدة فى جميع الناس وهى تمتد أو ترتد إلى فعل الخلق الأول .

اما العنصر الروحى أو النفسى فخلق الهى جديد ومن ثم لابد أن يكون طاهرا ، وعلى ذلك فمركز الشر هو فى الجسم وحده .

3) النظرية الثالثة : نظرية ولادة النفس مع البدن

وكانت هذه النظرية المقبولة شرقا وغربا ومن اهم القائلين بها القديس غريغوريوس النيسى ، كما دافع عنها ترتليان بحماس شديد ، ومؤداها أن الإنسان الأول كان يحمل معه جرثومة  الجنس البشرى كله .وكانت نفسه هى المصدر الاصلى لجميع النفس البشرية وليست ضروب الاختلاف بين طبائع الناس الفردية غير تكيفات مختلفة لذلك الجوهر الواحد واعنى به الجوهر الروحى أو النفسى ، فقد تم عمل الخلق كاملا ونهائيا فى اليوم السادس للخليقة .

– وكما يولد الجسم من اجسام الوالدين كذلك تولد النفس من نفوس الوالدين ، فالجسد والنفس يتكونان بالتوالد الطبيعى .

وتبنى هذه النظرية صرحها على أساس تعليم القديس بولس الرسول عن صلة الجنس البشرى بادم الأول ، وعن اصل الخطيئة كما قال فى رسالته لرومية ( رو 5 : 12 – 19 ) ، وايضا رسالته الاولى لكورنثوس ” لانه كما فى ادم يموت الجميع هكذا فى المسيح سيحيا الجميع ” ( 1 كو 10 : 12 )

ورسالة افسس ” كنا بالطبيعة اولاد الغضب ” ( أف 2 : 3 ) ، والمزمور الخمسين ” هأنذا بالاثم صورت ، وبالخطيئة ولدتنى امى ” ( مز 50 : 51 )

– وهذه النظرية تفسر وحدة الجنس البشرى وانتقال الخطيئة عن طريق الوالدين ، لقد فسدت الطبيعة البشرية باسرها بفساد ادم الأول اذ هو أبو الجنس البشرى كله وورثت الميل إلى الشر ، وهذه هى الخطيئة الأصلية وهى الوصمة أو الشائبة التى نزلت بالاصل ، والتى بالضرورة تؤثر فى الذرية اذ الكل يولدون وقد تلطخوا بها …. .

– والمعروف أن القديس اغسطينوس كان اكبر من ساعد على انتشار هذه النظرية فكان تعليمه عن الخطيئة واصلها وانتقالها كان يختص بانتقالها إلى النفس التى تخطئ فيقول فى كتابه النفس الجزء الأول ردا على كتاب فينسيتوس فيكتور عن هذه النظرية الخلقية أنه ليس ثمة نصوص تؤيد

النظرية الخلقية .

وكان يلح على القول بأنه ينبغى على كل من يعتقد بهذه النظرية ( نظرية الخلق ) أن يتجنب الاخطاء الاربعة :

1- أن النفوس عندما تخلص ، تصبح خاطئة لا بفعل منها بل بانبثاق ميل خاطئ فيها فى اللحظة التى يولد الإنسان فيها .

2- أن الأطفال مجردون من الخطيئة الأصلية ولا حاجة لهم إلى المعمودية .

3- أن النفوس قد أخطأت من قبل ، وبهذا تحبس فى جسم خاطئ .

4- أن نفوس الذين يموتون فى طفولتهم لا تعاقب الا عن الخطايا التى كانت سترتكبها فيما بعد لو انها عاشت .

– يقول نيافته أن هذه النظريات الثلاثة تنطوى على مفاهيم مختلفة لعمل الكفارة والفداء … .

وان النظرية الثالثة نظرية ولادة النفس مع ولادة البدن …. فالشر وراثى فى الجسم والنفس على السواء والكفارة فى هذه الحالة عمل خارق ، وهو الخلق من جديد .

– ومما هو جدير بالملاحظة أن النظرية الولادية ، هى النظرية الوحيدة التى تؤيدها معلوماتنا الحديثة فى علم البيولوجيا اذ يبدو مستحيلا أن نقسم الإنسان فى أى مرحلة من مراحل وجوده إلى جسم ونفس ، كما أنه يستحيل أيضا ، أن نحدد اللحظة التى تبدأ فيها النفس وجودها …

انهما واحد منذ ابتداء الحياة ، وكلاهما مولود من الوالدين ، وبعبارة أخرى أن الإنسان كله يولد من الوالدين .( موسوعة اللاهوت المقارن للأنبا غريغوريوس اسقف البحث العلمى صــ 37 – 14 ) .

– ويرجح الدكتور موريس تاوضروس هذه النظرية الثالثة قائلا :

1- هذه النظرية تؤكد وحدة الجنس البشرى ويكون ادم وحواء اصل للجنس البشرى وعلى هذا الاساس تقوم نظرية الخلاص .

2- هذه النظرية تفسر منشأ الخطيئة الأصلية وانتقالها من ادم إلى نسله .

3- تتفق هذه النظرية مع ناموس الولادة للموجودات الطبيعية الاخرى ، والذى بحسبه كل كائن يلد كائنا من نفس جنسه .

4- كذلك تتفق هذه النظرية مع ناموس النمو البشرى فالروح تنمو فى تواز مع الجسد .

5- الكتاب المقدس يؤيد هذه النظرية حيث جاء فى سفر التكوين :

” عاش ادم مائة وثلاثين سنة وولد ولدا على شبهه كصورته ودعا اسمه شيثا ” ( تك 5 : 3 ) .

6- تعبر هذه النظرية عن حكمة الله ، فلقد خلق الموجودات مرة واحدة ، فلا يحتاج الأمر لخلق جديد ، بل إلى النعمة الإلهية تتعاون وتحفظ الخليقة . ( عن كتابه الخطيئة الأصلية والخطايا الفعلية صـــ 29 – 66 )

– ومن هذا يتضح لنا اننا سقطنا فى ادم كلنا بسقوطه هو وتعديه على وصية الله التى اوصاه بها . وبهذه الخطيئة الأصلية كان فى فكر الله أن يرسل ابنه الوحيد الجنس حتى يخلصنا من هذه الخطيئة واللعنة التى اصابتنا منها ويقضى لنا على الموت الذى سيطر علينا ورئيسه الذى هو ابليس .

– هكذا صارت لنا خطيئة ادم ابونا الأول وانتشرت فى كل الجنس البشرى حتى ساد الفساد وفى طبيعة البشر اجمعين فنحن ورثنا الخطيئة الاولى هى ونتائجها أيضا .

– فالخطيئة الأصلية صنعت فينا الانفصال عن الله والابتعاد عنه ومن ذلك فسدت طبيعتنا الانسانية الروحية واصبح فى ذواتنا يوجد الميل إلى الشر والشهوة الذى يمتلكنا هكذا دائما .

سقوط الإنسان ونتائج هذا السقوط والتعدى ونتائج الخطيئة الأصلية التى صنعها الإنسان ضد الله :

– لقد خلق الله الإنسان على صورته ومثاله على الاخص فى القداسة ومع ذلك اعطاه الحرية الشاملة فقد كان الإنسان حر مريد فقد اعطاه الحرية الكاملة والاختيار الحر فى أنه يبقى فى القداسة والطهر أو ينحرف إلى هاوية السقوط على حسب ارادته الحرة المريدة .

فقد اعطاه الله الوصية ليمتحن هل الإنسان سيثبت أو يسقط فكانت الوصية كامتحان لمدى ثبات الإنسان فى الشركة مع الله  .

هكذا كان للإنسان الحرية فى الثبات فى القداسة والعيش مع الله إلى الابد ، لكنه انخدع وانجرف ناحية ابليس والحية التى خدعته بمكرها فسقط وكان ايضا سقوطه عظيما من قمة السماء إلى اسفل إلى الأرض الذى هو منها .

– فكما يقول القديس اثناسيوس فى تجسد الكلمة لقد سمح الإنسان للفساد أن ينفذ إلى طبيعته ووجوده ، وقد انتقل إلى حالة الموت الادبى أو الاخلاقى ، فكان من الضرورى إذن أن يتحد عدم الفساد والحياة بتلك الطبيعة حتى يمكنها أن تشفى .

– ويسهب فى القول  : ” لانهم أن كانوا بحضور (الكلمة) وتعطفه قد دعوا إلى الوجود من الحالة الطبيعية الاولى ، وهى عدم الوجود ، فانهم بطبيعة الحال متى تجردوا من معرفة الله عادوا إلى العدم : ” لان كل ما هو شر فهو عدم ، وكل ما خير فهو كائن وموجود ” ، ويجب أن تكون النتيجة بطبيعة الحال الحرمان إلى الابد من الوجود ، طالما كانوا يستمدون وجودهم من الله الموجود ، وبتعبير أخر يجب أن تكون النتيجة الانحلال ، وبالتالى البقاء فى حالة الموت والفساد .

– ويتحدث القديس اثناسيوس :

” ولأن ( الكلمة ) حل معهم ، فحتى فسادهم الطبيعي لم يجسر أن يقترب منهم ، كما تقول الحكمة أيضا ، لأن الله خلق الإنسان في عدم البلي وصنعه على صورة أزليته ، لكن الموت دخل إلى العالم بسبب إبليس ( الحكمة 2 : 23 : 24 ) ” . ” وعندما تم ذلك بدأ البشر يموتون ، وساد عليهم الفساد من ذلك الوقت فصاعدا ، وصار له سلطان على كل الجنس البشري أكثر من سلطانه الطبيعي ، لأنه أتى نتيجة تهديد الله في حال عصيان الوصية

– وعلى هذا سقط الإنسان فى العصيان والتعدى على وصية الله فانفصل عن الله وساد عليه الموت وفسدت طبيعته وصار إلى الموت وساد عليه الموت ورئيسه الذى هو ابليس .

– قصة السقوط الواردة فى التكوين أول اسفار موسى النبى هى الاساس التاريخى الذى نأخذه كقاعدة فى موضوع الخطيئة والفداء ، فنجد بعض الاباء يفسرونها تفسير حرفى مثل ترتليان واخرين يفسرونها تفسري رمزى مثل اوريجانوس وايرنياؤس .

لكن القديس اغسطينوس يفسرها تفسير حرفى ورمزى معا ، ومع ذلك فاتفقوا جميعا على أن هذه الحادثة هى تجربة حقيقية وكان سقوط من حالة البراءة والطهارة ترتبت عليها نكبات حاقت سقوط بالجنس البشرى كله نتيجتها الموت وسائر الشرور الطبيعية ( ايريناوس الرد على الهراطقة ) .

ولوا أن المعنى الروحى كان مقدما ومفضلا على المعنى الحرفى عند المفسرين مثل اوريجانوس الذى قال : ” انفصال النفس عن الله الذى نتج عن الخطيئة ، يسمى الموت ” .

– ومع أن الخطيئة الفردية أو الشخصية تعد عملا من أعمال الإنسان وقد صدرت عن ارادة حرة أو انها اعادة وتكرار للخطيئة الادمية الاولى ، وليست نتيجة حتمية لها أو مجرد نتيجة لميل وراثى .

ولا يعتبر الإنسان الأول نافيا لحرية الارادة الانسانية فقدرة الإنسان على تقرير مصيره وهى على ما كان ولا يزال يعتقد انها فطرية فى النفس الانسانية ، كانت عند الاباء للدليل على أن الإنسان صورة الله ، وكل اباء الكنيسة حتى زمن ترتليان يشهدون بالاجماع على حرية الإنسان فى اختيار الخير أو الشر .

– ويقول يوستينوس الشهيد :

” إذا كان مقدرا على إنسان أن يكون خيرا ، وعلى أخر أن يكون شريرا ، فلا يكون الأول مستحقا للمديح ولا يكون الثانى مستحقا للوم . ثم إذا لم يكن فى مقدور الجنس البشرى بمحض اختياره ، أن يجانب الشر ويختار الخير ، فلا يكون مسئولا عن نتائج افعاله مهما كانت ”  الدفاع 1 : 43 ) .

– ويقول اثبناغوراس :

” أن الله لم يخلقنا كالاغنام أو العجماوات ” وعلى ذلك فليس من الطبيعى أن نريد الشر ” ( الدفاع ف / 3 ) .

– ويقول اوريجانوس :

” إذا انتفى الاختيار فى الفضيلة انتفت الفضيلة نفسها ” (الردعلى كلسس ف 4 ، ف 3 ) .

وهكذا أيضا فى الفداء لابد للانسان أن يمارس دوره فى الاختيار فى حرية تامة .

– فيقول القديس اكليمنضس السكندرى :

” وكما يقدم الطبيب الصحة لمن يعملون معه من اجل صحتهم هكذا الله يعطى الخلاص الابدى لمن يعملون معه من اجل المعرفة والسلوك القويم ” ( المتنوعات جزء 7 ف 7 )

– ويقولون هؤلاء الغنوسيون :

” إذا كان الإنسان الأول خلق كاملا فكيف امكنه أن يخطئ ؟ واذ كان قد خلق ناقصا فالله نفسه مصدر الخطيئة ”

واجاب اكليمنضس السكندرى عليهم قائلا :

” الإنسان الأول لم يخلق كاملا ، وانما خلق وله مقدرة على أن يفعل الخطيئة لكن تهذيب هذه المقدرة يعتمد على الإنسان نفسه ” ( المتنوعات جز 6 : ف 2 )

– ويقول بعض الاباء يجب أن نميز بين الصورة التى خلق الإنسان عليها على صورة الله وهى القدرات والامكانيات الاصلية التى منحت لادم وهى لا تفنى ، وبين شبه الله والذى يمكن أن يتحقق للانسان إذا استخدم تلك الامكانيات والقدرات استخداما صحيحا واحسن تنميتها .

فالكمال إذن هو المثل الاعلى الذى يسعى الإنسان الصالح إلى اللحاق به ، الإنسان الذى يتمتع بحرية الارادة فأصل الشر مرجعه إذن إلى ارادة الإنسان .

ونجد أن العلامة ترتليان هو أول من عالج مشكلة الخطيئة من خلال استخدامه النظرية الولادية (الثالثة) أى ولادة النفس مع الجسد (البدن) .

وهو أيضا أول من استخدم هذا اللفظ (الخطيئة الاصلية) ليصف بها الوصمة أو اللطخة أو الشائبة التى لحقت بطبيعة الإنسان منذ سقوطه الأول .

فبينما أن طبيعته الحقيقية خيره ، امسى الشر له طبيعة ثانية ، ولا يرى أن الخطيئة تنطوى على اثم أو ذنب .

– وقد يكون أن قوى الإنسان وقدراته الاخلاقية قد وهنت ، ولكن جميع الاباء والى زمن القديس اغسطينوس اتفقوا على أن هذه القوى أو القدرات لم تفن ، وبهذا علم أيضا القديس يوحنا ذهبى الفم .

– ويرى القديس غريغوريوس النيسى :

” أن نعمة الايمان لا تحل على جميع الناس بالسواء ، وذلك رده إلى حرية الارادة فى الانسان ، فهى وحدها التى تفسر لنا هذه الحقيقة الواقعة أن دعوة الله توجه إلى جميع الناس بدلالة واحدة ،

ولا تفرق بينهم كما حصل مثلا – بالنسبة إلى موهبة الالسنة – لكن ضابط الكل بسبب فرط عنايته بالانسان سمح بان يجعل امرا تحت سلطتنا ، بحيث فى مقدور كل واحد منا أن يسيطر عليه وهو الارادة وهو شئ لا يمكن أن يستعبد , له القدرة على تقرير المصير من حيث هى متربعة فى حرية الفكر والعقل ، فإذا استخدمت القوة انعدم الاستحقاق واذا ظلت الارادة بغير مقدرة على الفعل ، اختفت الفضيلة بالضرورة اذ تكون قد تكبلت بشلل الارادة … ”

– يقول القديس اغسطينوس :

” أن كنيسة المسيح كانت تعلم دائما بالتعاليم التى علم بها ، فإذا كان هناك قول من أقوال الاباء يبدو أنه يؤيد مفاهيم البدعة البيلاجية فلابد أن يكون قولا عابرا ومن ثم يجب أن يرفض على التو النتائج التى يستخلصها البيلاجيون منها …… ” ( عن موسوعة اللاهوت المقارن للأنبا غريغوريوس اسقف البح

العلمى صـــ 141 – 144 ) .

 

الفصل الخامس

قوانين مجمع قرطاجنة التى تؤكد دون أدنى شك على وراثة الخطيئة الأصلية

تأكيد مجمع افسس المسكونى الثالث على قوانين مجمع قرطاجنة وخصوصا الخاصة بالخطيئة الأصلية

– أهمية ومكانة مجمع قرطاجنة فى الكنيسة الجامعة

– أن لمجمع قرطاجنة المكانى المقدس مكانة رفيعة جدا بين كل المجامع سواء المسكونية اوالمكانية فهو يعد من اهم المجامع التى عقدت ، فهو له مكانته فى الكنيسة كلها شرقا وغربا . يضعونه فى المرتبة الثانية بعد المجامع المسكونية المقدسة الثلاثة .

فنحن لا نعتبره مجمعا مكانيا فقط بل هذا المجمع له قيمته العظيمة فى الكنيسة عموما وكنيستنا المصرية القبطية الأرثوذكسية على وجه الخصوص . فهى تقر جميع قوانينه وتسير عليها أيضا .

– وقد استمر هذا المجمع منعقدا خمسة سنوات 419م – 424م لمناقشة امورا كثيرا ومن اهمها وضع حدا أو حكم ضد بيلاجيوس وكلسيتوس تلميذه (هذا الذى كان ينادى بان لا يوجد وراثة خطيئة أصلية )

– أيضا من اهم اعماله هو تثبيت قوانين مجمع نيقيه المسكونى 325م

فقد عرض فى افتتاح المجمع وقرأت الصحيفة التى اتى بها مندوبى اسقف رومية والتى كانت بها .” أنه لابد أن الحكم الذى يصدر عن المجامع الافريقية لابد أن يعرض على اسقف رومية ليعطى حكمه فيه “.

– هكذا عندما تم التعرض لهذا الموضوع ثار الأساقفة المجتمعون على الصحيفة التى ارسلها اسقف رومية . فما كان منهم إلا انهم ارسلوا إلى أساقفة القسطنطينية والاسكندرية وانطاكية واورشليم مندوبين عن المجمع ليتأكدوا من هذا الادعاء وليأخذوا قوانين نيقيه الاصلية التى عندهم ويأتوا بها إلى المجمع ليتأكدوا من عددها المعروف بالعشرين ، فى حين ان اسقف رومية اكد ان القوانين  الصادره عن مجمع نيقيه 84 قانون .

– هكذا كان لهذا المجمع المقدس قرطاجنة أنه ثبت واكد على قوانين مجمع نيقيه انها عشرين قانون وانه لا يحق لأسقف رومية أن يتدخل فى أحكام ابروشيات أخرى .

– هكذا يتضح لنا مدى أهمية هذا المجمع المقدس فلا نستطيع أن نشكك أو نقلل من مكانته وأهميته لما قدمه لنا من أعمال جليلة فقد حكم على بيلاجيوس وتلميذه كليستيوس وايضا ثبت قوانين مجمع نيقيه المسكونى واكد على أنها عشرين قانون وليست كما ادعت رومية انها 84 قانون لما ضافوه من قوانين مزورة تخدم زعمهم بأنهم لهم السلطة الاولى فى الكنيسة الجامعة وان كل القضايا الكنسية فى المعمورة لابد أن يحكموا فيها !

– ويقص الأنبا كيرلس مقار فى كتابه الوضع الإلهي ما حدث فى المجمع قائلا  :” أمر رئيس المجمع أن يبدأ المجمع اعماله بقراءة قوانين المجمع النيقاوى المسكونى فاعترضه فوستينوس نائب اسقف رومية قائلا ” ان المجمع يجب أن يبدا أعماله بما يحمله هو من التعليمات البابوية ” . وبعد مناقشات مستفيضة استقر رأى على الاباء على الاطلاع على رسالة اسقف رومية التى تحوى تعليماته وانما اصروا على ذلك لان نائب الاسقف كان قد أبى أن يبلغهم تلك التعليمات إلا شفويا .

اطلع المجمع على  تلك الرسالة فلقيها منطوية على ما يأتى :

أولا : حق البابوات فى قبول استئناف قضايا الاساقفة وذلك بمقتضى القوانين 3 ، 4 ، 5 من مجمع نيقيه .

ثانيا : وجوب استئناف قضايا الكهنة والشمامسة أمام مجمع الاساقفة المجاورين وذلك بمقتضى قوانين مجمع نيقيه أيضا واقرب الاساقفة لكنيسة أفريقيا هم أساقفة إيطاليا ولا سيما اسقف رومية .

اذهلت المجمع هذه الادعاءات وصرخوا كلهم بصوت واحد قائلين ” أن نسخ مجمع نيقيه التى بين ايدينا ليس بها مثل هذه القوانين “.

وقرر اباء المجمع إرسال القس اينيوثنيسيوس إلى الإسكندرية والشماس مرسيل إلى القسطنطينية ليطلعا هناك على النسخ الاصلية لقوانين مجمع نيقيه وقد بلغ هذا القرار إلى زوسيموس اسقف رومية الذى مات فى نفس السنة .

– إذا هكذا يتضح أهمية هذا المجمع المقدس القرطاجنى أيضا . فقد وضع قوانين لترتيب الكثير من الأمور استفادت به الكنائس فى المسكونة ومشت عليه  ونحن الأقباط نمشى علية أيضا .

وكان من اهم الحاضرين القديس أوغسطينوس اسقف هيبو الذى قاوم بدعة بيلاجيوس مقاومة شديدة حتى حرمه المجمع القرطاجنى وأيضا اكد على هذا الحرم المجمع المسكونى الثالث ( افسس ) الذى كان يترأسه البابا كيرلس عمود الدين فقد اكد على حرم بيلاجيوس وبدعته التى تنكر وراثة الخطيئة الأصلية من ادم وان الأطفال يولدون اطهار كأدم قبل السقوط ( عصر المجامع كيرلس الأنطوني )

ومن هذا يتضح امامنا انه تم حرم بيلاجيوس وتعاليمه الفاسدة من مجمعين  احدهما مكانى الذى هو مجمع قرطاجنة والثانى مجمع افسس المسكونى الثالث بقيادة كيرلس عمود الدين  . حرم بيلاجيوس واكد على صحة ما قرره الآباء فى مجمع قرطاجنة ضمنيا . هكذا اكد على قدسية قوانين مجمع قرطاجنة .

– أما عن القوانين التى وضعها هذا المجمع ( قرطاجنة ) 136 قانون تنافش وتضع حلولا  لكثير من القضايا الكنسية وقد أقرها كل الأساقفة الحاضرين المجمع الذى كان عددهم 217 اسقف وعلى رأسهم القديس أوغسطينوس ورئيس المجمع اوريليوس رئيس أساقفة قرطاجنة وفالنيتوس اسقف ( نوميدية ) .

– وكان أول قانون وضعوه فى وجوب حفظ ما سنه مجمع نيقيه المسكونى الأول وينص على ” قال الأسقف اوريليوس : هذه هى قوانين مجمع نيقيه . طبقا للنسخ الصحيحة الموجودة لدينا وقد احضرها أباؤنا معهم فى مجمع نيقيه ، وإذ إننا نحفظ هذه النسخة وثبتناها فلتبقى ثابتة .”

– وهكذا سنذكر القوانين التى تخص موضوعنا الخطيئة الأصلية ( عن كتاب القوانين فى عصر المجامع المسكونية للقمص صليب سوريال )

1- القانون الثانى عشر بعد المائة :

” كل من يقول ان الإنسان الأول كان معرضا للموت بحسب خصائص طبيعته ولو لم يخطئ فليكن محروما ” .( فليكن محروما كل من يقول أن ادم الإنسان الأول خلق إنسانا مائتا أى أنه معرض للموت بالجسد سواء أخطأ أو لم يخطأ ، وانه كان مزمعا أن يفارق الجسد لا قصاصا على خطيئته بل لان ذلك من خصائص الطبيعة نفسها ) .

تعليق : ينبذ هذا القانون بدعة بيلاجيوس وتلميذه كيلسيتوس وقد حكم بفساد هذا التعليم .

2- القانون الثالث عشر بعد المائة :

” ضرورة عماد الأطفال ليتطهروا من الخطيئة الجدية ( أو الأصلية ) ”

( قرر المجمع أن كل من ينكر ضرورة عماد الأطفال المولودين حديثا ، وكل من يقول أن المعمودية هى لغفران الخطايا ، وان الأطفال لا يرثون من ادم الخطيئة الجدية ( الأصلية ) التى تحتاج إلى غفران بحميم الولادة الثانية ، ويستنتج من ذلك إجراء المعمودية لغفران الخطايا للأطفال هو إجراء باطل فليكن محروما ، لان ما يقوله معلمنا بولس الرسول ) .

” من اجل ذلك كما أنه بإنسان واحد دخلت الخطيئة إلى العالم ، وبالخطيئة الموت وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس اذ اخطأ الجميع ” ( رو 5 : 12 )

لا يمكن أن يفهم بمعنى أخر غير الذى فهمته وعلمته الكنيسة الجامعة فى كل مكان وبموجب هذا الايمان يكون عماد الأطفال الذين لم يرتكبوا بعد ، هم انفسهم خطيئة لغفران الخطايا أيضا ، فان ما ورثوه من الخطيئة من ابائهم يطهر بالولادة الثانية ” .

تعليق : ليكن محروما كل من يؤكد أن الأطفال المولودين حديثا لا يصلهم شئ من خطيئة ادم ولا يحتاجون إلى الغسل بالمعمودية لانه بانسان واحد دخل الموت والخطيئة إلى العالم كله .

– يتحدث القمص بولس عبد المسيح فى كتابه القوانين الكنسية فى اطار الموضوعية عن المعمودية قائلا :

– من اجل هذه الأهمية التى تتعلق بخلاص الإنسان من الخطيئة الجدية الموروثة عن أبوينا ادم وحواء لا تؤخر الكنيسة نوال نعمة المعمودية بل تمنحها للأطفال بإيمان الأشابين الأوصياء الذين يرددون عنهم نطق الإيمان فى طقس المعمودية . والقوانين الكنسية امرت بعماد الأطفال وناقشت أهميتها ، وسنعرض القوانين هكذا :

– معمودية الأطفال :

يربط القانون 113 لمجمع قرطاجنة سنة 419م بين توريث الخطيئة الجدية (أو الأصلية) من ادم لذريته وبين الخلاص قائلا :

” ليكن محروما كل من يؤكد أن الأطفال المولودين حديثا لا يصلهم شئ من خطيئة ادم ولا يحتاجون إلى الغسل بالمعمودية لأنه بإنسان واحد دخل الموت والخطيئة إلى العالم كله ” .

وهذا الربط هو نفس ما يعبر عنه القديس بولس الرسول فى عبارة حاسمة وفى غاية الوضوح حيث يقول : ” لانه كما فى ادم يموت الجميع هكذا فى المسيح سيحيا الجميع ” ( 1 كو 15 : 22 ) .

وبهذا الربط يمكننا أن نقول كما اننا نؤمن أن الطفل يرث الخطيئة الأصلية عن ادم لابد أن نؤمن أن له أيضا أن ينال الخلاص منها بالمسيح وبعمله على الصليب ، فلماذا نقبل أن يتحمل الطفل الخطيئة الجدية ويحكم عليه بعقوبتها ” فى ادم يموت الجميع ” ولا نقبل له الخلاص منها ” فى المسيح سيحيا الجميع ” بدون أن يصل إلى مرحلة الإدراك ومعرفة الإيمان .

وهل الطفل ما لم يدرك خطيئة ادم لا يناله منها ضرر أى لو مات وهو صغير يكون مبررا منها أمام الله ؟! ولو كان هذا لانتظرت الكنيسة على عماده إلى أن يدرك ويصل إلى سن المعرفة ولكن لانه يرثها من صغره فلابد أن تقبل الكنيسة معمودية الأطفال مع الكبار منذ طفولتهم .

– أمر أخر يجب النظر إليه وهو اننا نؤمن أن المعمودية هى الموت مع المسيح والدفن معه ليتم الخلاص من الخطيئة التى ورثناها ، ومن الخطايا الفعلية أن وجدت فهل السيد المسيح عندما مات عن العالم كان العالم مدركا أو مستحقا أو مستأهلا للخلاص ؟! الإجابة لا حيث يشهد بولس الرسول ( رو 5 : 6 ) .

– القوانين الكنسية تؤكد لنا معمودية الأطفال وصحتها ، ففى القانون 34 للآباء الرسل الكتاب الأولين .

” ليقرأوا ويبتدئوا أن يعمدوا الأطفال الصغار ومن قدر أن يتكلم عن نفسه وحلف فليتكلم ومن لا يقدر فليقل اباؤهم عنهم أو واحد من جنسهم ، وبعد أن يعمدوا الرجال الكبار يعمدون النساء أخيرا ” .

– والقانون هنا يصف وصفا دقيقا لما تفعله الكنيسة الآن وهى انها تكلف اشبينا يكون وصيا على الطفل بل ويصف القانون أن الأطفال مكرمون ويعمدون أولا قبل الكبار .

– ويقول القديس باسيليوس الكبير فى القانون المائة والخمسة :

” و لا يعمد احد من الناس الا بعد هذا الاعتراف فان كان هو كبيرا فيجيب عن نفسه وان كان هو طفلا فيتكلم عنه أهله فان لم يكن له رجل من جنسه وما يتكلم عنه غريب فلتتكفل به الكنيسة ويكون لها ولدا

وهنا القديس يقبل معمودية الأطفال  . (صــ 50 ، 51 من الكتاب المذكور أعلاه)

– يذكر لنا الارشيدياكون حبيب جرجس عن ضرورية العمودية للخلاص من الخطيئة الأصلية والخطايا الفعلية أيضا فيقول أن هذا هو تعليم الآباء فى العصور الأولى ، ويذكر أقوال بعض الآباء منهم :

– يقول القديس يوستينوس الشهيد والفيلسوف المدافع عن المسيحية :

” يجب أن نفتش ونعرف من أى طريق يمكننا أن ننال صفح الخطايا ونمتلك رجاء ميراث الخيرات الموعود بها ، ولنا فى ذلك طريق واحد فقط وهو أن نعرف يسوع ونغتسل بالمعمودية لغفران الخطايا وهكذا نبتدى أن نعيش بالقداسة ” ( خطابه لترفين فصل 44 ) .

– وقال القديس كيرلس الاورشليمى :

” عظيمة هى المعمودية المعدة فداء عن المأسورين وصفحاً للأوزار وموتا للخطيئة وولادة ثانية للنفس وثوبا منيرا وختما مقدسا لا ينفك ، ومركبة إلى السماء ، وتعليم الفردوس وعلة الملكوت ومسحة التبنى ” . ( تعليم ابتدائى للموعوظين فصل 16 ) .

– ويقول اغريغوريوس :

” فالمعمودية إذا هى تنقية من الخطايا وترك المآثم وعلة التجديد والولادة الثانية ” ( فى معمودية المسيح ) .

– يقول القديس اغسطينوس :

” اننا بميلادنا من الماء والروح القدس نتطهر من كل خطيئة سواء كانت من ادم الذى فيه اخطأ الجميع وبفعلنا وقولنا لاننا نغسل فيها بالمعمودية “( رسالة 178 : 28 ) ، ( عن كتاب الصخرة الأرثوذكسية للارشيدياكون حبيب جرجس ) .

– قال القديس برنابا فى رسالته فصل 11 :

” تتمم المعمودية لغفران الخطايا فننزل فى الماء موعبين من الخطايا والوسخ ونصعد مسمرين الخوف فى قلوبنا ، ومالكين الرجاء بيسوع فى روحنا

– يقول القديس اغسطينوس فى خطاب 176 :

” بان المعمودية تقليد رسولى وان الكنيسة دائما تتمسك بتعميد الأطفال متسلمة إياه من السلف ، ولم تزل حافظة إياه إلى الأبد وسوف تحفظه إلى الانقضاء أيضا ” .

– أن مجمع قرطاجنة له أهمية كبيرة فى الكنيسة الجامعة بشرقها وغربها يعد هذا المجمع فى المرتبة الثانية بعد المجامع المسكونية الثلاثة .

وقد عالج هذا المجمع بقوانينه الكثير من القضايا الكنسية ووضعت لها حلولا وقوانين تضبط النظام الكنسى العام .

فقد حل مشكلتين هامتين : الأولى هى أنه اكد على صحة قوانين نيقيه المسكونى الأول واكد على عددها العشرين قانون ونفى ادعاء بابا رومية ورغبته فى الزعامة الكنسية المزعومة لرئاسته للكنيسة الجامعة

على مختلف كراسيها .

أما الثانية : فقد وضع حدا لقضية وراثة الخطيئة الجدية ( الأصلية ) واننا نرث هذه الخطيئة عن ادم كوراثتنا فى الدم الذى انتشر إلى جميع أجيال ادم من بعده .

وهكذا حرم هذا المبتدع بيلاجيوس وتعاليمه هو وتلميذه كليستيوس أيضا وحكم بفساد معتقده ، واكد على معمودية الأطفال وانهم يرثون خطيئة ادم هذه الخطيئة الأصلية .

– كما يقول الرسول بولس فى ( رو 5 : 12 ) ، وقد اكد على هذا الحرم الذى حرمه المجمع قرطاجنة اكد عليه مجمع افسس المسكونى الثالث المقدس ورئيسه البابا كيرلس عمود الدين وحرم بيلاجيوس .

–  وبذلك اكد البابا العظيم كيرلس عمود الدين على اننا بالحقيقة نرث الخطيئة الأصلية عن ادم وحواء .

– وهكذا يقضى لنا التاريخ هذه البدعة التى تقضى تماما على عقيدة الفداء والتجسد الذى قام به المسيح له المجد .

– ولاهمية هذا المجمع القرطاجنى نود ان ترجع ايها القارئ العزيز الى ما قاله الانبا غريغوريوس اسقف الدراسات والبحث العلمى المتنيح عن موسوعته فى اللاهوت المقارن (ص  145: 162 ) .

الفصل  السادس

المعمودية وعلاقتها الأصيلة بوراثة الخطيئة الأصلية

– المعمودية هى باب الدخول للمسيحية فهى التى تضع علينا سمات المسيح فى جسدنا كما قال الطوباوى بولس الرسول قائلا :

” فى ما بعد لا يجلب احد على اتعابا لانى حامل فى جسدى سمات الرب يسوع ” ( غل 6 : 17 ) .

– ففى المعمودية يتغير ذاك الجسد الفاسد إلى عدم الفساد لنكون حاملين بالحقيقة سمات الرب يسوع .

– إذن فالمعمودية هى عبارة عن الجسر الموصل بين الأرض والسماء فهى توصلنا نحن الأرضيين لنصير سمائيين ، هكذا نحمل سمات الرب يسوع لنكون على مثاله .   يقول الرسول  :

” وبه أيضا ختنتم ختانا غير مصنوع بيد بخلع جسم (خطايا) البشرية بختان المسيح ، مدفونين معه فى المعمودية التى فيها اقمتم أيضا معه بايمان عمل الله الذى اقامه من الاموات .

– واذ كنتم امواتا فى الخطايا وغلف احياكم معه مسامحا لكم بجميع الخطايا .  ( 2 كو 11 : 13 ) .

– هكذا المعمودية موت مع المسيح وقيامه معه هكذا نموت فيها عن الخطايا الاصلية والفعلية أن وجدت ونقوم منها اشخاصا لهم طبيعة جديدة طاهرة مقدسة فى المسيح  يسوع الهنا له المجد .

فنصبح خليقة جديدة كما يقول الرسول أيضا . فلهذا المعمودية بالنسبة لنا هى الحياة التى يمنحها لنا المسيح  لنكون فى المسيح خليقة جديدة .

– كما قال القديس العظيم بولس :

” لان محبة المسيح تحصرنا اذ نحن نحسب هذا انه ان كان واحد قد مات لاجل الجميع فالجميع اذا ماتوا ،  وهو مات لاجل الجميع كي يعيش الاحياء فيما بعد لا لانفسهم بل للذي مات لاجلهم و قام . اذا نحن من الان لا نعرف احدا حسب الجسد و ان كنا قد عرفنا المسيح حسب الجسد لكن الان لا نعرفه بعد . اذا ان كان احد في المسيح فهو خليقة جديدة . الاشياء العتيقة قد مضت ,هوذا الكل قد صار جديدا ” ( 2 كو 5 : 14 – 17 ) .

– هكذا تمنحنا المعمودية المقدسة تلك الخليقة الجديدة التى نحيا بها فى المسيح الهنا له المجد . ونأخذ منها أيضا  الحياة المقدسة الطاهرة فقد نلنا المغفرة من جميع خطايانا التى لحقت بنا سواء كانت الخطيئة الاصلية أو الخطايا الفعلية .  فقد تطهرنا فى المعمودية المقدسة من كل الشوائب التى لحقت بنا من الخطية الاصلية .

– هكذا تطهرنا وتقدسنا فى المعمودية وصرنا للمسيح وبالمسيح خليقة جديدة له وبه وفيه لذلك يقول الرسول :

” وهكذا كان اناس منكم لكن اغتسلتم بل تقدستهم بل تبررتم باسم الرب يسوع وبروح الهنا ” ( 1 كو 6 : 14 ) .

– ويقول القديس بولس الرسول أيضا :

” لنتقدم بقلب صادق فى يقين الايمان مرشوشة قلوبنا من ضمير شرير ومغتسلة اجسادنا بماء نقى ” ( عب 10 : 22 ) .

– هكذا تكون المعمودية المقدسة هى بداية الاسرار وقمة عالية من قممها الشامخة ففيها ننتقل من الحياة التى نعيشها كما لقوم عادة إلى الحياة الجديدة فى المسيح يسوع .

– لذا يتحدث بولس الرسول قائلا :

” …. المحبوبين من الرب أن الله اختاركم من البدء للخلاص بتقديس الروح وتصديق الحق ” ( 2 تس 2 : 13 ) .

– ويقول لنا القديس بطرس الرسول :

” مبارك الله أبو ربنا يسوع المسيح الذى حسب رحمته الكثيرة ولدنا ثانية لرجاء حى بقيامة يسوع المسيح من الاموات ” ( 1 بط 1 : 3 ) .

– فالمعمودية كما اكد عليها المسيح له المجد عند صعوده لتلاميذه قائلا :

” من آمن واعتمد خلص ، ومن لم يؤمن يدن ” ( مر 16 : 16 ) .

– وقوله لنيقوديموس عن الولادة الجديدة من فوق من الروح القدس فى ( يوحنا  3 : 1 –  6 ) ، كل هذا يجعلنا نرهب هذا السر العظيم ( المعمودية ) وايضا يجب ان نسرع لنواله حتى نحيا هذه الحياة المجيدة فى المسيح يسوع لنكون اطهارا من الخطيئة الاصلية والفعلية لنصبح كمثال ادم فى الجنة قبل السقوط .

– فالمعمودية هى المطهرة لنا لنكون مولودين من فوق ومن الله الذى تبنانا بالمسيح يسوع لنكون ورثة مع المسيح وورثة للمسيح .

– المعمودية تطهرنا بنار الهية تحرق كل ما هو خطأ أو خطيئة فى الإنسان على الاطلاق .

– المعمودية لها قوة هائلة وجبارة التى تحول الإنسان الخاطئ  إلى القداسة الحقيقية ولا تبخل عليه بهذا على الاطلاق بل يصير متقدم فى النعمة عند الله والناس كالمسيح له المجد وبهذا نكون مثل سيدنا

ومعلمنا المسيح .

– فالتطهير الذى نأخذه فى مياه المعمودية ليس تطهر من الاوساخ بل هو تطهير وتقديس للروح القدس العامل فيها هو الذى يغيرنا ويحولنا من اقصى اليمين إلى اقصى الشمال فتصير لنا حياة جديدة فى المسيح له المجد .

– والمعمودية هى التى تمنحنا الثوب الجديد الذى هو ثوب العرس الذى سنحضر به العرس السمائى الابدى مع المسيح يسوع لنتمجد معه فى ملكوته السماوى الابدى .

– إذن فلنسرع للمعمودية ولنعمد الأطفال فى اسرع وقت فيمكن أن نعمدهم من عمر يوم فلا نتأخر البتة فى ادخالهم للمسيح يسوع ليحيون فيه وهو فيهم .

– إذن فالمعمودية تخلصنا  من الخطيئة الاصلية (أو الجدية) وايضا لو كان فعل خطايا جديدة فعلية تمحى كلها فى المعمودية فهى تطهرنا من كل هذه الاوزار وتقدسنا وتجعلنا بالحقيقة أن نكون هيكلا للروح القدس الذى يسكن فينا إلى الابد

– فيقول الرسول بولس :

” ألا تعلمون أنكم هياكل الله وروح الله يسكن فيكم ” ( 1 كو 6 :19 ـ20) وكأن المعمودية كاستمارة العضوية للمسيح أو فى المسيح فنكون فيها أعضاء فيه من لحمه وعظامه كما قال الرسول : ” لأننا أعضاء جسمه من لحمه ومن عظامه ” ( أف 5 : 30 )

ويقول أيضا : ” هكذا نحن الكثيرين جسد واحد فى المسيح وأعضاء كثيرة وأعضاء بعضا لبعض كل واحد للآخر ” ( رو 12 : 5 ) .

– ” وأما أنتم فجسد المسيح وأعضاؤه أفرادا ” ( 1 كو 12 : 27 ) .

– وبذات العضوية التى اعطتها لنا المعمودية المقدسة فى المسيح يسوع نكون ليس أعضاء بعيدين منفردين بل نصير أعضاء فى جسد المسيح ونشترك فى جسده ونأكله فى سر الافخارستيا فنتحد به وهو بنا .

– يقول القديس كبريانوس عن فاعلية المعمودية :

” هذا ما كنت اردده كثيرا فى نفسى وأنا أيضا كنت مأسورا فعلا معوقا فى ألف متاهه فى حياتى السابقة ؟ الأمر الذى كنت اعتقد باستحالة التحرر منه هكذا اطلعت الرذيلة تجسمت فىّ ، لماذا كنت يائسا من تحسن كنت استحث شرورى كما لو كنت هى صلاحى الخاص ورفاق مولدى ، ولكن بعد أن غسلت أوزار حياتى القديمة بفضل المياه التى تلد من جديد ، وبعد ما اضاء النور الفوقانى فى نفسى التى تحررت وتطهرت ، وبعدما قبلت الروح القدس الآتى من السماء وغيرنى الميلاد الثانى إلى إنسان جديد ،كان عجبا ان رايت للتو اليقين ينتزع شكوكى , وأزيلت الحواجز وأضيئت الظلمات وصار لى سهلا ما كان يبدو سابقا ، وصار لى ممكنا ممارسته ما كنت اعتقده مستحيلا حتى بلغت إلى مثل هذا التعليم الذى تلقيته أى الاقرار بأن من كان سابقا منحاز للخطيئة كمولود من الجسد انما هو ارضى ؟ وبأن ما كان ينعش الروح القدس انما هو روحى منذ الان فصاعدا ، وانت تعلم يقينا وتقر تماما بما نزعه منا موت الخطايا هذا أو بما جهلته علينا حياة الفضائل هذه ….. .

فى حين أن الخطايا السابقة انما قد نتجت من الشرود عن الله ، نعم أنه من الله تتأتى كل قوتنا ، ومنه تقوم حياتنا ومنه القوة ومنه نقبل كل قوة فوق الطبيعة ومع كوننا لا نزال هنا فى هذا العالم الحاضر ، فان لدينا بمعرفة سابقة استعلان الحقائق المستقبلية .

فقط لعل المخافة حارسة لبرائتنا ، حتى ما يبقى الرب الذى صنع ينبوعا فى نفوسنا بحلول النعمة السمائية فى النفس التى ترضيه ، وحتى لا تؤدى الأمان الكاذب إلى الاهمال وحتى لا يتسلل العدو القديم ثانية خلسة .

( أبائيات من روائع تراث الكنيسة – أبو مقار – امبابة ) .

– يقول القديس كيرلس الاورشليمى عن المعمودية :

” عظيمة هى المعمودية المعدة فداء عن المأسورين ، وصفحاً للأوزار ، وموتا للخطيئة وولادة ثانية للنفس ، وثوبا نيرا ، وختما مقدسا لا ينفك ، ومركبة إلى السماء ، وتعليم الفردوس وعلة الملكوت ومسحة التبنى ” . ( تعليم ابتدائى للموعوظين فصل 16 ) .

– ويقول القديس غريغوريوس النيسى :

” فالمعمودية إذن تنقية من الخطايا وترك المآثم وعلة التجديد والولادة الثانية ” ( فى معمودية المسيح )

– ويذكر لنا القديس حبيب جرجس الارشيدياكون فى كتابة أسرار الكنيسة السبعة عن المعمودية وضروريتها للخلاص التى بدونها لا يستطيع أحد أن يدخل ملكوت السموات فهى بداية الطريق المسيحى الحقيقى .

– فيعدد لنا أدلته عن ضرورة المعمودية للخلاص قائلا :

أولا : من قول يوحنا المعمدان :

” أنا أعمدكم بماء للتوبة ولكن الذى يأتى بعدى هو أقوى منى ، هو سيعمدكم بالروح القدس ونار ” ( مت 3 : 11 ) .

فمعمودية يوحنا كانت للتوبة ، أما معمودية المسيح فللتوبة وغفران وعطيه الروح ” ( أع 2 : 38 ) الأولى تمارس بالماء فقط ، وأما هذه فباسم الآب والابن والروح القدس ” ( مت 28 : 19 ) .

ثانيا : من أقوال السيد المسيح منها : قال له المجد :

” إن كان احد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله ”

( يو 3 : 5 ) . ” من آمن واعتمد خلص ومن لم يؤمن يدن ” ( مر 6 : 16 ) فواضح هنا أن من لا يعتمد يدان ولا يستحق الدخول إلى ملكوت الله .

ثالثا : من أقوال الرسل الاطهار :

قال بطرس الرسول : ” توبوا وليعتمد كل منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا فتقبلوا عطية الروح القدس ” ( أع 2 : 37 ، 38 )

– وقال بولس الرسول :

” لا بأعمال فى بر عملناها نحن ، بل بمقتضى رحمته خلصنا ، بغسل الميلاد الثانى وتجديد الروح القدس ” ( تى 3 : 5 ) .

” لان كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح ” ( غل 3 : 27 )

لذلك يقول حبيب جرجس أن هذه النصوص الصريحة ناطقة بأن المعمودية لازمة للخلاص وبدونها لا يمكن للانسان أن يخلص .

رابعا : هذا التعليم كان ولا يزال تعليم الكنيسة فى جميع العصور :

فقد قال القديس يوسينوس الشهيد ” يجب أن نفتش ونعرف من أى طريق يمكننا أن ننال صفح الخطايا ، ونمتلك رجاء ميراث الخيرات الموعود بها ، ولنا فى ذلك طريق واحد فقط ، وهو أن نعرف يسوع ونغتسل بالمعمودية لغفران الخطايا ، وهكذا نبتدئ أن نعيش بالقداسة ( خطابه إلى تريفون فصل 44 )

– قال القديس يوحنا ذهبى الفم فى المعمودية :

” أن الذين كانوا قبل عمادهم اسرى ، فانهم يتمتعون الان ببهاء الحرية ، وصاروا أعضاء الكنيسة سالكين فى نور البر البهى ، بعدما كانوا سائرين فى فيافى الضلال الحالك وظلام الخطيئة القاتم ، حقا انهم الآن محررون ، وليس ذلك فقط بل قديسون فأبرار فأبناء فورثة فأخوة المسيح وارثون معه فاعضاء لجسده الطاهر ، فهياكل الروح القدس ، فتأمل فى العطايا الجزيلة والمواهب الثمينة التى يمنحها سر المعمودية .

أن كثيرين يظنون أنه يغفر الخطيئة فقط ، وأما نحن فقد أحصينا له عشرة مفاعيل تجعل النفس فى مركز سام ومقام جليل لا يوصف .

– ويقول القديس حبيب جرجس فى كتابه ذاك ويؤكد عن وجوب المعمودية للأطفال ويقدم لنا بعض الأدلة منها :

أولا : أن المعمودية ضرورية ولازمة للخلاص وبدونها لا يمكن الدخول للملكوت ففى منعها عن الأطفال بهذا تمنعهم من الدخول للملكوت ، بينما لا يوجد مانع يمنعهم للاشتراك فى هذه النعمة وبالأخص لطهارة نفوسهم .

ثانيا : أن الأطفال مشتركون فى الخطيئة الجدية (الأصلية) مثل الكبار ، ولا يمكنهم التطهير منها والدخول إلى ملكوت النعمة إلا من هذا الباب بشهادة الرب نفسه :

” أن كان احد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله ، المولود من الجسد جسد هو والمولود من الروح هو روح ” ( يو 3 : 5 ، 6 ) .

فيجب أن يولد الأطفال هذه الولادة الثانية الروحية ، ليكونوا مستحقين الدخول إلى ملكوت الله .

ثالثا : من تعليم الرسل وقدوتهم فى ذلك فانهم اتبعوا هذه القاعدة وسلكوا هذا المبدأ ، كما فعل بطرس الرسول قائلا :

” توبوا ليعتمد كل واحد منكم على اسم يسوع المسيح لغفران الخطايا، فتقبلوا عطية الروح القدس لأن الموعد هو لكم ولأولادكم ” ( أع 2 : 38 ) .

ففى قوله ” لكم ولأولادكم ” تصريح واضح بقبول الاولاد فى الايمان والمعمودية ، وحيثما كرز الرسل بالانجيل قبلوا عائلات وعمدوهم مع اهالى بيوتهم مثل ليديا بائعة الارجوان  ” ( أع 16 : 14 ، 15 ) ، وبيت اسطفانوس ( 1 كو 1 : 16 )

رابعا : إن معلمى الكنيسة استلموا التعليم من الرسل الاطهار هكذا سلكوا وهكذا علموا بوجوب منح المعمودية للاطفال ويذكرون صريحا أن ذلك تقليد رسولى فنذكر بعض اقوالهم لتأكيد ذلك :

– يقول القديس ايريناؤس :

” أن يسوع المسيح أتى لكى يخلص جميع البشر اعنى الذين به ولدوا ثانية لله ، سواء كانوا اطفالا أو شبابا أو شيوخا ” ( ضد الهراطقة – فصل 5 : 15 ) .

– يقول العلامة اوريجانوس :

” أن الكنيسة تسملت من الرسل تقليد عماد الأطفال أيضا ، فالاطفال يعمدون لمغفرة الخطايا ليغتسلوا من الوسخ الجسدى بسر المعمودية ” .

– يقول القديس غريغوريوس الثيؤلوغوس :

” هل عندك طفل فلا يأخذن فيه الشر فرصة ، بل ليقدس وهو رضيع وليكرس للروح منذ نعومة أظافره ، انك تخافين ايتها الأم من الختم بسبب ضعف الطبيعة بما انك ضعيفة النفس وقليلة الايمان ، لكن حنة قبل أن تلد صموئيل وعدت الله به وبعد ولادته حالا كرسته وبالحلة الكهنوتية رتبة , لم تخف من الضعف البشرى بل آمنت بالله ” ( خطاب فى المعمودية ) .

– إذن يتضح لنا مدى أهمية هذا االسر العظيم الذى بدونه لا نأخذ الخلاص من خطايانا أو اثامنا وبدونه أيضا لا يمكننا الدخول لملكوت السماوات التى وعدنا بها المسيح له المجد قائلا :

” من امن واعتمد خلص ومن لا يؤمن يدن ” ( مر 16 : 16 )

– هكذا بدون المعمودية لا يوجد لنا خلاص ولن نأخذه من دم ذاك المصلوب على الصليب المسيح يسوع له المجد ، إذن فكيف يصل الينا الخلاص بدم المسيح ؟! وكيف نحصل على الخلاص ؟وهنا يجاوب على هذه الأسئلة الأنبا غريغوريوس اسقف البحث العلمى والدراسات فى كتابه القيم الروحية فى سر المعمودية قائلا :

” …. الخلاص لا يناله إلا من آمن بالمسيح وتعمد باسم الثالوث القدوس الآب والابن والروح القدس ” ( مت 28 : 19 ) .

ففى سر المعمودية ينقل إليه الروح القدس استحقاقات المسيح الكفارية فى الصليب ، قال المسيح له المجد فى ( مر 16 : 16 ) ” فمن لا يؤمن بالمسيح لا ينال الخلاص بالمسيح ” .

– إن الايمان هو الخطوة الاولى التى تفتح القلب لقبول الخلاص , لكن ليس الايمان هو الذى يخلص الإنسان ، انما يؤهله وهو البرهان على أن الإنسان يطلب الخلاص بارادته الحرة .

لكن الخلاص بيد يتم فى المعمودية ، إذ ان الروح القدس ينقل بها وفيها استحقاقات الخلاص الذى حققه المسيح بموته وفدائه عن الإنسان .

– ويقول الانبا غريغوريوس أيضا :

” أن المعمودية هو الواسطة التى عن طريقها يتم الخلاص للمؤمن الذى يطلبها ، فهى القناة الموصلة بين بحر الخلاص الذى تفجر فى الصليب وبين المؤمن الذى يطلب الخلاص ويسعى إليه .

” على أن الروح القدس هو الذى يقوم بهذا العمل ويأخذ مما للمسيح الفادى ويعطى المؤمن ” ( يو 16 : 15 )

– فالمعتمد لا ينزل فى جرن المعمودية إلى ماء عادى على بسيط الحال ، وإنما إلى ماء حل عليه الروح القدس بناء على استدعاء الكاهن .

– ففى المعمودية تتم عملية نزع واستئصال وخلع الإنسان القديم ، وخلق الإنسان الجديد وهى عملية سرية باطنية غير منظورة ، لكنها مع ذلك عملية خلق حقيقية ولولا أن الروح القدس ينقل إلى الإنسان فى المعمودية استحقاقات المسيح الكفارية لما كان يمكن للانسان أن يخلص .

– فالمعمودية إذن هى التى تخلص الإنسان من الخطيئة الجدية ، ومن الخطايا الفعلية السابقة على المعمودية ، أن وجدت كما هو الحال للكبار البالغين .

– ويقول الانبا غريغوريوس اسقف البحث العلمى فى كتابه السابق ذكره أيضا :

” على أن المعمودية هى الطريق الوحيد لخلاصنا من الخطيئة الجدية قائلا يتم الخلاص من الخطيئة الجدية فى المعمودية التى رسمها المسيح له المجد بشخصه المبارك لتكون واسطة الروح القدس لمنح الخلاص للذين يطلبونه … فالمعمودية هى الطريق البديل الذى رسمه المسيح له المجد ليتم به الحكم علينا بالموت ، ان الموت يتم فعلا فى المعمودية بطريقة سرية روحانية غير منظورة بفعل الروح القدس الذى ينحدر على مياه المعمودية .

– إذن المعمودية المسيحية هى موت مع المسيح ودفن معه فى الماء بدلا من القبر وقيامه معه وهى موت حقيقى لطبيعتنا الاولى أو انساننا القديم ، وقيامة حقيقية بطبيعة جديدة .

وكل من الموت والقيامة يتم بطريقة روحانية خفية غير خاضعة لحواسنا الظاهرة ، يتم بعمل الروح القدس التى ينحدر من السماء الذى يستدعيه الكاهن ليحل على الماء والشخص المعمد .

– وهنا يقول القديس كيرلس الأورشليمى :

” الماء يغمر المعمد من الخارج ، واما الروح فانه يعمد النفس داخليا بلا انقطاع ” ( عظة 3 : 2 )

– يقول القديس يوحنا ذهبى الفم :

” حين نغطس الرأس تحت الماء كأنه قبر وتدفن وتغطس كل إنسانيتنا القديمة واذ تخرج بعدئذ فانما يطفو ويخرج إنسان جديد ، وكما أنه يسهل علينا أن نغطس ذواتنا ثم نطفو ، هكذا يسهل على الله أن يدفن الإنسانية القديمة ويلبسنا الإنسان الجديد ” ( الميمر 25 على الإنجيل للقديس يوحنا الرقم 2 ) .

– يقول القديس امبروسيوس :

” كل خطيئة تغفر فى المعمودية ويقول أن لم يتعمد الموعوظ باسم الاب والابن والروح القدس فلا يستطيع أن ينال غفران الخطايا ، ولا منحة النعمة الروحية ” ( فى الاسرار 3 : 17 ، فصل 4 ) .

– إذن المعمودية هى الباب الذى به وفيه ندخل إلى المسيحية فبدونها

لا نستطيع أن نعبر فهى أيضا تعتبر الجسر الذى نعبر عليه لنصل ونأخذ استحقاقات دم المسيح المسفوك على عود الصليب .

فالمعمودية تطهرنا من خطايانا سواء الخطية الاصلية أو الخطايا الفعلية فنصبح اطهارا مخلصين إلى التمام .

فالمعمودية تطهر المؤمن المعمد من خطاياه وتحرقها بنار الهية ، فيخرج المؤمن المعتمد من جرن المعمودية نقيا طاهرا ومصفى بالنار .

– يقول القديس يوستينوس الشهيد :

” إننا نحصل بالماء على مغفرة الخطايا السالفة ” ( كتاب الدفاع ليوسينوس كتاب 1 فصل 61 ) .

– يقول القديس اكليمنضس الاسكندرى :

” ويدعى فعل المعمودية باسماء كثيرة اعنى نعمة واستنارة وكمالا وحميما فهو حميم لاننا به نغسل خطايانا ونعمة اذ به نترك عقوبات خطايانا ” ( كتاب المربى كتاب 1 فصل 6 : 26 )

– يقول القديس غريغوريوس الثيؤلوغوس :

” أن نعمة المعمودية تنقى الإنسان من كل خطيئة ، وتغسله غسلا كاملا من الأوساخ والأقذار اللاحقة به من الرذيلة وهى حيث انها نجده للولادة

الاولى تجعلنا جددا من عتق ، وإلهيين بدلا مما نحن فيه ” ( المعمودية المقدسة ف 7 ، 8 ) .

– يقول القديس يوحنا ذهبى الفم :

” أن معمودية النعمة تطهر كل إنسان سواء كان فاسدا أو زانيا ، عابدا للاصنام أو غير ذلك لانه مهما كان غارقا فى الخطيئة ، فلما يدخل مياه المعمودية يخرج من هذه المياه الإلهية انقى من اشعة الشمس عينها ، وليس نقيا فقط بل قديسا بل بارا أيضا لان الرسول بولس لم يقل واغتسلتم فقط

بل قال : ” بل تقدستم ، بل تبررتم باسم ربنا يسوع المسيح وبروح الهنا ، ثم أنه فضلا عن نيلنا المعمودية صفح الخطايا والتنقية من الاثام والمظالم فاننا نولد بعد المعمودية ولادة ثانية ونخلق ونصور بها ” ( العظة الثالثة ) .

– يقول القديس اغسطينوس :

” أن المعمودية تمحو جميع الخطايا ، الخطيئة الاصلية ، والخطايا الفعلية ، خطايا الفكر والقول والعمل ، والخطايا التى يتذكرها الإنسان والخطايا المنسية فالذى صنع الإنسان يجدد الإنسان ، من ترك هذه الحياة حالا بعد المعمودية لم يبق عليه شئ ليكفر عنه فكل شئ غفر له ” .

– ويقول أيضا : ” اننا بميلادنا من الماء والروح القدس نتطهر من كل خطيئة سواء كانت من ادم الذى به خطئ الجميع أو بفعلنا وقولنا لاننا نغسل منها بالمعمودية ” ( رسالة 178 : 28 ) .

– يقول القديس ديديموس الضرير :

” أن الروح القدس من حيث هو الله يجددنا فى المعمودية ويوائم بيننا وبين صورة ابن الله ويجعلنا وارثين معه ، واخوة له ، نحن الذين سنمجد معه وسنملك معه وهو يعطينا السماء مقابل الأرض ، ويمنحنا الفردوس بيد سخية ويجعلنا اكثر كرامة من الملائكة ، وهو يطفئ نار جهنم التى لا تطفأ فى المياه المقدسة ، مياه جرن المعمودية ” ( فى الثالوث 2 : 12 ) .

– يقول العلامة ترتليانوس :

” لقد تقرر بشريعة أن لا خلاص لاحد بدون عماد ” ( فى المعمودية فصل 12)

– يقول أيضا الانبا غريغوريوس اسقف البحث العلمى فى كتابه السابق ذكره:

أن الكنيسة الأرثوذكسية علمت دائما بان المعمودية ضرورية لخلاص

الناس جميعا ، كبارا كانوا أو اطفالا وتنادى بصوت مخلصها :

” دعوا الأطفال يأتون إلى ولا تمنعوهم ” ( متى 19 : 14 ) ( مر 10 : 14 ) ، ( لو 18 : 16 ) .

ويقول أيضا : ” أن من يعلم بعدم حاجة الأطفال إلى المعمودية بحجة أن الأطفال الصغار ابرياء وانهم لم يخطئوا خطيئة فعلية ، يهدم عمل الفداء الذى قام به المسيح الفادى وينكر ضروريته لخلاص الإنسان ، وفى آن واحد ينكر حقيقة سريان وصمة الخطيئة وانتشارها فى الجنس البشرى كله من ادم .

– لذلك يقول القديس غريغوريوس :

” فيلزم المؤمنين المبادرة بعماد أولادهم لئلا يدهمهم الموت ويهلكهم الرب بسببهم … من توانى فى عماد ولده إلى أن منعه الدخول إلى ملكوت السماوات يجب أن يمنع من تناول القربان المقدس الذى هو عربون الحياة الابدية ” .

– يقول العلامة يوحنا بن زكريا الشهير ابن السباع :

” رتبت الآباء أن كل طفل ذكر يولد فبعد تطهير والدته من ايام نفاسها أى

بعد أربعين يوما بلا تأخير ، وكل طفلة أنثى بعد ثمانين يوما مدة تطهير

والدتها تعمد أيضا ، وهذا لئلا يفوتهم ملكوت الله ” . ( كتاب الجوهرة الثمينة فى علوم الكنيسة ) .

– ومن كل هذا يتضح أمامنا عظمة وجلال هذا السر العظيم الذى بدونه

لا يمكننا أن نرى الفردوس حتى لو كنا لم نفعل خطيئة مثال الأطفال الذين يموتون بدون معمودية فالبتأكيد لا ذنب لهم لكنهم لعدم نوالهم المعمودية يتشكك كثير من الآباء عن مصيرهم المجهول الذى لا نعلم ولا نستطيع نحن أن نحدده بالضبط .

– لكننا نقول أنه بدون معمودية لا ننال الخلاص والموعد بالملكوت السماوى الأبدي مهما صنعنا من بر ومحبة واعمالا صالحة .

– كما قال القديس بولس فى رسالته لأهل كورنثوس الأولى :

” إن كنت أتكلم بألسنة الناس والملائكة ولكن ليس لي محبة ، فقد صرت نحاسا يطن أو صنجا يرن وإن كانت لي نبوة ، وأعلم جميع الأسرار وكل علم ، وإن كان لي كل الإيمان حتى أنقل الجبال، ولكن ليس لي محبة ، فلست شيئا وإن أطعمت كل أموالي ، وإن سلمت جسدي حتى أحترق ، ولكن ليس لي محبة ، فلا أنتفع شيئا ” ( 1 كو 13 : 1 – 3 ) .

– هكذا يكون للذين يصنعون الأعمال الصالحة ولكنهم لم ينالوا سر المعمودية فلن تقدم لهم هذه الأعمال الصالحة أى شئ لدخول ملكوت الله بل الطريق الوحيد هو نوال هذا السر العظيم الذى فيه ندفن بالمعمودية لنقوم معه فى المجد ، الذى يجدد طبيعتنا الفانية إلى طبيعة جديدة روحانية تحيا جدة الحياة ونصير أبناء الله ونتحد بالمسيح لنصير أعضاء جسده .

– ويقول stone على المعمودية المقدسة :

” ضخمة وغنية ، غير أن كمال معانيها لا يزيد عن أن يعبر ويوضح التعليم الوارد فى العهد الجديد بطريقة واضحة أو ضمنية ، جاءت هذه التعاليم بقوة عظيمة واجماع كامل يصف المعمودية كوسيلة تجديد القلب والتبنى كأولاد الله والاتحاد مع المسيح وشركة الروح القدس وتقبل غفران الخطايا والحياة الابدية ” ( D. stone : Hdy Baptism p.41 ) .

– هكذا يتضح أمامنا مكانة المعمودية العظيمة فى المسيحية التى بدونها

لا نستطيع أن ندخل المسيحية أولا وثانيا لملكوت السماوات لذلك اكد عليها المسيح فى تعاليمه التى تركها للرسل كمنهج يمشون عليه وبذاك المنهج لهجوا الرسل ومن بعدهم الآباء ومن جيل الى جيل حتى يومنا هذا وسيستمر إلى منتهى الدهر .

وقد اكد المسيح على المعمودية فى حديثه مع معلم الناموس نيقوديموس فقال له : ” إن كان احد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت السموات ” ( يو 3 : 5 ) .

وبهذا لا نستطيع أن ندخل ملكوت الله بدونها فهى التى فتحت لنا الطريق الذى هو المسيح له المجد الذى قال : ” أنا هو الطريق والحق والحياة ” .

– فالمعمودية هى الزوفا التى تنضح علينا نحن المؤمنين بالمسيح فتطهرنا مع جميع خطايانا وتغسلنا وتنقينا من شوائب هذه الخطيئة الجدية والفعلية أن وجدت .

– كما يقول المرنم بالمزمور :

” طهرنى بالزوفا فاطهر اغسلنى فابيض اكثر من الثلج ” ( مز 51 : 7 ) .

– وكما يقول اشعياء النبى :

” هلم نتحاجج يقول الرب : إن كانت خطاياكم كالقرمز تبيض كالثلج ، إن كانت حمراء كالدودى تصير كالصوف ” ( اشعياء 1 : 18 ) .

– نذكر الان بعض أقوال الاباء مأخوذة عن كتاب القمص تادرس يعقوب الملطى ”  الروح القدس بين الميلاد الجديد والتجديد المستمر ” .

– يقول القديس برناباس :

” حقا اننا ننزل فى المياه مملوئين من الخطايا والدنس ، ونصعد حاملين ثمرا فى قلوبنا حاملين فى أرواحنا خوف الله والرجاء بيسوع ” .

– يقول العلامة ترتليان :

” مغبوط هو سر الماء الذى لنا ، فبغسل خطايا العمى الذى اصابنا مبكرا نتحرر وندخل إلى الحياة الابدية ” ، ” حقا ، يغتسل الجسد لكى تتطهر النفس ، يدهن الجسد لكى تتقدس النفس ، يرشم الجسد بعلامة الصليب لكى تتقوى النفس ، يظلل الجسد بوضع الايادى لكى تستنير النفس بالروح القدس”.

– من قوانين القديس هيبولتيس :

” إلى الذين يمنح لهم الان غفران الخطايا ” ، ” بعد التجديد لا توجد حاجة للجرن مرة أخرى انما يكفى غسل الايدى ، لان الروح القدس يعطر جسد المؤمن ويطهره بالكامل ” .

– يقول القديس كبريانوس على المعمودية :

” انها المعمودية التى فيها يموت الإنسان القديم ويولد الإنسان الجديد كما يعلن  الرسول مؤكدا أنه خلصنا بغسل التجديد فان كان التجديد يتحقق فى الغسل أى فى المعمودية ، فكيف يمكن للهراطقة وهم ليسوا عروسا للمسيح أن ينجبوا أبناء لله خلال المسيح ؟! ” .

– القديس يوحنا ذهبى الفم :

” اذ دفنت خطايانا فى المعمودية لا تعود تظهر بل تختفى ما دمنا نود التوبة ”

– يقول الانبا ساويرس اسقف الاشمونين :

” بالمعمودية المقدسة يعتق الإنسان من سلطان ابليس ، ويصير مولودا من غير نطفة مثل ناسوت المسيح ، لان الروح القدس يقدسه من ميلاد النطفة ، فلا يبقى للشيطان عليه سلطان ما دام روح المسيح فيه ” . ( كتاب الدر الثمين فى ايضاح الدين ) .

– يقول القديس يوحنا ذهبى الفم :

” اريد أن يموت هذا الجسد عن الخطيئة لست اسأل أن يموت الجسد بل ألا يخطئ مرة أخرى ، وكما أن الميت يكون جثمانه فوق امكانية الخطيئة هكذا الذى يصعد من مياه المعمودية يخلص من الخطيئة ، فان كنت قد مت فى هذه المياه يلزمك أن تبقى ميتا عن الخطيئة ” .

– يقول القديس مقاريوس الكبير فى عظاته :

” هذه النفس التي انعكست بالأهواء الدنيئة بالمعصية، يجعلها شريكة لروحه الإلهي، وقد أتى ليصنع عقلًا جديدًا ونفسًا جديدة وأعينًا جديدة، وآذانًا جديدة، ولسانًا جديدًا روحانيًا، وباختصار يصير المؤمنون به بشرًا جُددًا وآنية جديدة بعد أن يمسحهم بنوره، ليصب فيهم الخمر الجديدة أي روحه القدوس، فقد قال بأن الخمر الجديدة توضع في زقاق جديد ” .

– يقول مار اسحاق السريانى :

” إن صنعت صلاحًا، علنًا أو خفية ، فتأكد أن المعمودية والإيمان هما الوسيطان لهذا الصلاح ، إذ بهما قد دُعيتَ إلى الأعمال الصالحة في المسيح يسوع ” .

– يقول مار يعقوب السروجى عن المعمودية :

” المعمودية هى الكور العظيم الممتلئ نارا ، فيها يسبك الناس ليصيروا غير اموات ” .

– هكذا تصنع بنا المعمودية تصيرنا أحياء بدلا مما كنا عليه امواتا بالخطيئة وتغير طبيعتنا الفاسدة إلى طبيعة جديدة متجددة فى المسيح يسوع .

– يقول القديس غريغوريوس النيسى :

” انكم خارج الفردوس أيها الموعوظون . إنكم تشاركون آدم أباكم الأول في نفيه. والآن يُفتح الباب وتعودون من حيث خرجتم ” اخلع الإنسان القديم كثوب بال وتقبل رداء عدم الفساد الذى يقدمه لك المسيح ” .

– يقول القديس كيرلس الاورشليمى :

” الان قد خلعت ثيابكم وصرتم عراة فى هذا تقتدنا بالمسيح الذى عرى على الصليب ، هذا الذى بعريه عرى السلاطين والقوات وغلبهم بالصليب بغير خوف ” ( كو 2 : 15 ) .

لقد ملكت القوات الشريرة على أعضاءكم مرة ، لهذا يلزم ألا تلبسوا هذا الثوب القديم ، لست أكلمكم عن طبيعتكم الملموسة بل عن الإنسان القديم وشهواته المخادعة .

” يا للعجب ! لقد كنتم عراة أمام أعين الكل ولا تشعروا بأى خجل ، لانكم بالحقيقة حملتم فى داخلكم صورة ادم الأول الذى كان فى الفردوس عريانا ولم يشعر بالخجل ” .

– وأخيرا وليس أخرا لا أريد أن أضيف وأكثر عليكم القول فالكلام والاقوال التى ذكرناها هذه نكتفى بها ، ونريد أن تكون الفكرة واضحة امامنا تمام الوضوح عن المعمودية ، ولا نكون مشتتين الفكر والرؤيا فنحن أبناء الله وورثة المسيح يسوع لا يجب أن ننخدع بأى أقوال أو افكار كمثل الأفكار التى انتشرت فى السنوات الاخيرة التى تحثنا على ترك تقليدنا المقدس الذى اخذناه عن المسيح والرسل الاطهار ونجرى وراء ارائهم الخاطئة التى منها يقولون انه لا توجد وراثة للخطية الاصلية ، فبعدما فندنا آرائهم عن طريق الكتاب المقدس واقوال الاباء ماذا نقول لهؤلاء الذين يبعدوننا نحن المؤمنين عن حظيرة الايمان بالمسيح ؟

– وهكذا كما اوضحنا سابقا على عدم صحة هذه الأفكار مرارا وتكرارا نؤكد على اننا نتخلص من الخطيئة الاصلية ( الجدية ) عن طريق المعمودية المقدسة التى تطهرنا وتقدسنا لنكون للمسيح وهيكلا لروحه القدوس الذى ينمينا فى المسيح ويثبتنا فيه لنحيا فيه وهو فينا .

– إذن فلنكون ساهرين متيقظين لحراسة الليل وحراسة قطيع المسيح لئلا تخطفه منا الذئاب الخاطفة التى لا تشفق على الرعية .

– وكثيرا ما أكد الكتاب المقدس عن المعمودية المقدسة وفاعليتها للخلاص الذى نأخذه من دم المسيح المصلوب الذى يطهرنا من كل خطية .

– فيقول القديس بولس الرسول :

” لا بأعمال فى بر عملناها نحن بل بمقتضى رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثانى وتجديد الروح القدس ” ( تى 3 : 5 ) .

فنحن نغسل فى جرن المعمودية من خطايانا الجدية والفعلية ونخرج منها لحالتنا الأولى قبل السقوط .

– ويقول أيضا : ” ونحن اموات بالخطايا احيانا مع المسيح بالنعمة انتم مخلصون ، واقامنا معه واجلسنا معه فى السماويات فى المسيح يسوع “( أف 2 : 5 ، 6 ) .

– وهكذا بعد موتنا بخطيئة ابونا ادم هكذا جاء المســــيح لكـــى يخلصــنا منهــا ويمنحنا الغفران حتى نستحق أن نحيا مع المسيح يسوع فى السماويات فاخذنا الموعد وورثنا الملكوت بواسطة المعمودية المقدسة .

– ويقول أيضا الطوباوى بطرس الرسول ( 1 بط 3 : 20 ، 21 ) :

” اذ كان الفلك يبنى ، الذي فيه خلص قليلون ، اي ثماني انفس بالماء الذي مثاله يخلصنا نحن الان اي المعمودية لإزالة وسخ الجسد ، بل سؤال ضمير صالح عن الله ، بقيامة يسوع المسيح ” .

فكما نجا نوح وبنيه وزوجاتهم من الطوفان بالفلك والذى كان يرمز لمياه المعمودية هكذا ننجو نحن الان بالمعمودية من الخطايا سواء كانت الجدية أو الفعلية . فهى تمحو كل ما هو تعلق بنا من هذه الخطيئة الجدية التى تجرأ عليها ابونا ادم فى الفردوس ونكون بعد خروجنا منها أنقياء كما كان ادم قبل السقوط فى الخطيئة والعصيان .

– فالمعمودية إذن هى بكل تأكيد هى الولادة الثانية للانسان التى بدونها لا يستطيع أى بشرى أن يدخل أو يعاين ملكوت الله . فهى المؤهلة لهذه النعمة والنعيم الابدى الذى سنحياه مع المسيح فى ملكوته لنتمتع به وبعشرته الإلهية العجيبة ، فلنسرع إذن لنوالها حتى ننضم لقطيع المسيح أو لجيشه الالهى العظيم لنكون فى اثر موكبه الالهى العجيب .

– فلنفرح ونسر لأن عرس الخروف قد جاء هكذا نحيا ونعيش حياة الاستعداد الدائم لملاقاة الهنا ومخلصنا الصالح يسوع المسيح له المجد لنستحق سماع صوته الحلو قائلا لنا : ” تعالوا إلى يا مباركى أبى رثوا الملك المعد لكم من قبل  تأسيس العالم ” .