مذكرات فى المرأة ووراثة الخطية – الجزء الثاني – الشماس الاكليريكى مدحت عدلى الطحاوى

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”مذكرات فى المرأة ووراثة الخطية – الشماس الاكليريكى مدحت عدلى الطحاوى” field=name]

التطهيــــــرات

الفصل الاول

 المرأة والشريعة

إن موضوع التطهيرات الجسدية الخاصة بالمرأة الحائض والنفساء موضوع خطير ومهم فى الكنيسة القبطية الارثوذكسية . فالكثير من ابناء الكنيسة يتسائلون عن هل نستمر على هذه التطهيرات كما فى شريعة العهد القديم

أم أن المسيح له المجد قد أنهاها بمجيئه ؟ وأيضا يستفسرون عن ذنب المرأة فى هذه الحالة عندما تحرمها الكنيسة من التناول من الافخارستيا مدة أربعين يوما أو ثمانين يوما  فما ذنب المرأة لتعامل هكذا ؟  فالبعض يرون فى ذلك تقليل من شأن وكرامة المرأة فى المسيحية .

وهنا نرد على كل هذه التساؤلات قائلين :ـ

إن الله ذاك الخالق العظيم يعرف كل شئ عنا نحن خليقته , فهو خالقنا وجابلنا من العدم . إذن فهو يعرف طبيعة المرأة الضعيفة .إن الله قد وضع شريعته بالنسبة للمرأة الحائض والنفساء ( لاويين 12 ) لمعرفته الدقيقة بطبيعتها التى خُلقت عليها . ففى ذلك الحرمان من الذهاب للكنيسة ليس هذا عقوبة من الله للمرأة بل لانه يعرف طبيعتها وضعف بنيانها التى لا يمكنها من الذهاب و الإياب . فما يحدث لها فى هذه الفترة من نزيف مستمر مضنى ومستهلك لقواها الجسدية وأيضا حالتها النفسية فى تلك الفترة تكون سيئة جدا .فالله بهذا يمنحها الوقت الكافى لتسترد صحتها الجسدية والنفسية . لكى تكون عندما تذهب للكنيسة قد أصبحت فى كامل صحتها ومفعمة بالنشاط والقوة الجسدية والروحية . حتى تستقبل التناول ( الافخارستيا ) وتأخذ المسيح فى هذا السر العظيم . الذى لابد أن تكون مستعدة له استعدادا كاملا سواء بالطهارة الجسدية والطهارة الروحية . لتكون كما قال السيد المسيح فى الموعظة على الجبل ” كونوا كاملين كما أن اباكم الذى فى السموات هو كامل ” متى 5 : 48

إذن هل الله فى حرمانه للمرأة الطامث والنفساء ظالم ؟ بالتاكيد حاشا أن نقول هكذا لكن الله يريدنا ان نكون كاملين فى كل شئ لكى نستحق الاتحاد به فى سر الافخارستيا وننمو فيه وهو فينا .

فمثلا نتذكر ما حدث مع ابراهيم عندما حاور الله على أهل سدوم وعمورة لكى لا يهلكهم . فيقول الكتاب ” فتقدم ابراهيم وقال أفتهلك البار مع الاثيم . عسى أن يكون خمسون بارا فى المدينة . أفتهلك المكان ولا تصفح عنه من اجل الخمسين بارا الذين فيه . حاشا لك ان تفعل مثل هذا الامر أن تميت البار مع الاثيم فيكون البار كالاثيم . حاشا لك .أديان كل الارض لا يصنع عدلا ” تك 18: 23 ـ 25

فهل الله لا يعرف عدد الابرار الذين فى سدوم وعموره بالضبط حتى يترك ابراهيم ليحاوره طويلا هكذا ؟ بالتأكيد يعرف لكنه ترك ابراهيم يحاوره ويطلب منه لمحبته الجزيلة له . وعلى هذا فالله يعرف طبيعة المرأة ولها وضع شريعته الخاصة بها فى لاويين 12 . لكن الله لمحبته لها رفع جنسها  فتجسد من إمرأة (العذراء مريم ) فقد وضع الله لها شريعتها الخاصة بها التى تناسب طبيعتها  .

اذن مادام الامر هكذا لما هذا الجدل الحادث الذى يثيرونه بعض الكُتاب على موضوع تطهيرات المرأة وعلاقتها بالافخارستيا . وبكتاباتهم تلك يقلقلون كنيسة الله التى أفتداها بدمه الطاهر . فلنترك الامر كله فى يدى الله العارف قلوب البشر . فكما قلنا سابقا إن الله يعرف طبيعة المرأة وعلى هذا الاساس وضع لها شريعتها ( لا 12 ) فكيف يريدون البعض أن يلغوها الان ويشتتون فكر المومنون من جهة ممارسة الاسرار الكنسية السبعة وخاصة سر الافخارستيا ؟ فكيف نتقدم لهذا السر معصوبين العينين ألا نرى من يكون الموجودعلى المذبح لنستبيح وناخذه بدون احتراس او استعداد كما لقوم عادة ؟  . فكيف نتهاون ونتجرأ ونستبيح القدسات ؟ فيصرخ فينا الكاهن فى القداس الالهى” القدسات للقديسين ” .

نقطة أخرى :ـ

–  إذا كان الكتاب المقدس يوصينا على الطاعة للسلطان الارضى واعطائه كل الاكرام والاحترام (رو 13 : 7)

لاننا فى تقديمنا هذا الاكرام كاننا نقدمه للرب نفسه فالهنا اله نظام وليس اله تشويش . فكم بالحرى تكون طاعتنا للسلطان السماوى فى الكتاب المقدس.

فإذا كان الامر هكذا فلنضرب لكم هذا المثل على موضوعنا  “التطهيرات الجسدية للمرأة “.

– ( عندما يكون لدينا مقابلة مع رجل مسئول كبير فى الدولة فلنتسائل معا على ما هو الذى نقوم به لانفسنا و لاجسادنا ؟! فهل نذهب إليه كمن يقابل أى شخص عادى ؟! أم ماذا يجب أن نكون عليه سواء من مظهرنا الخارج من الملابس الرسمية وبالطبع لابد أن نكون على مدى كبير من الاهتمام الجسدى والنفسى ؟!!

بل ونقول أنه يوجد نظام فى المقابلة أى البرتوكول . فليس الامر بالسهولة بل الامر بالصعوبة التى تجعلنا نقول كما قال بولس الرسول “الاكرام لمن له الاكرام “.

وعلى نفس الطريقة وبنفس المنطق الذى تناولنا هذا ومع الفارق الكبير كعلو السماء عن الأرض . فإننا عندما نذهب لمقابلة وملاقاة  الذى فى يده كل الاشياء وبه وله كل الاشياء رب الارباب وملك الملوك الهنا المجيد يسوع المسيح ، فكم يكون علينا من الاهتمام والاستعداد الجسدى والروحى والنفسى الواجب ، فالعقل يكون منشغلا انشغالا كاملا بالمقابلة نفسها ومن سأقابل فيجب علينا ان نحترس لكل خطوة نخطوها عند ذهابنا لمقابلة ملكنا ومخلصنا المسيح له المجد وليس فقط مقابلته مقابلة عابرة بل للاتحاد به فى الافخارستيا   !!

ولنضرب مثالا من واقع احداث الكتاب المقدس وهو اختيار الملكة استير لتكون زوجة الملك احشويروس ملك فارس ومادى ماذا صنعوه معها لكى يسمحوا لها أن تدخل عند الملك ؟

– فيذكر لنا الكتاب المقدس فى سفر استير فى الاصحاح الثانى هذا الحدث قائلا هكذا :

” ولما بلغت نوبة فتاة ففتاة للدخول إلى الملك أحشويروش بعد أن يكون لها حسب سنة النساء اثنا عشر شهرا ، لأنه هكذا كانت تكمل أيام تعطرهن ، ستة أشهر بزيت المر وستة أشهر بالأطياب وأدهان تعطر النساء ” ( اس 2 : 12 )

– هكذا كان يحدث لمقابلة الملك الارضى فحدث مع استير هذا كله ، فإذا كان هذا الحال مع الملك الارضى .

فبالحقيقة لا اجد من الكلام ما يتفق مع مقابلة الملك السماوى ملك الملوك ورب الارباب الهنا يسوع المسيح هذا الحمل المذبوح الموجود على المذبح فلكى نتقدم للاتحاد به فى الافخارستيا ألا يجب علينا أن نكون على درجة عالية من الاحتراس والاستعداد لكى ليس لنقابله فقط بل لكى نأخذه فى سر الافخارستيا ونتحد به اتحادا كاملا .

فكم يكون علينا أن نفعله فان كان الملك الارضى نصنع له كما صنع مع استير الملكة فما يكون حالنا عندما نذهب لذاك الذى حياتنا كلها فى يديه .

فلنقول مع الرسول لانفسنا ” استيقظ ايها النائم فيضئ لك المسيح ” .

– لهذا لنكون على درجة عالية من الاستعداد روحيا وجسديا الإنسان ككل وليس روحيا فقط بل بالحرى جسديا أيضا . ولنحترس حتى لا نتهاون ونستبيح كما صنع شاول الملك الذى قدم الذبيحة

بدلا عن صموئيل النبى عندما تأخر عليه صموئيل فى المجئ فقدمها هو واستباح .

هكذا صنع ما لم يحق له صنعه وهو تقديم الذبيحة التى لا يقدمها إلا الكهنة فقط فكانت النتيجة ترك الله له الى الابد ورفضه من المُلك . ( 1 صمو 13 : 8 ـ 14 )

– هكذا يكون جزاء كل من لا يحفظ وصايا الرب وأوامره فكيف نفعل كما فعل شاول فى تقديم الذبيحة ونذهب نحن الان بدون استعداد لأخذ الذبيح الأعظم المسيح له المجد فى الأفخارستيا فكيف يكون  هذا الامر العجيب جدا ؟

المسيح وتنفيذ الشريعة

دخول السيد المسيح الهيكل بعد إتمامه أربعين يوما :

– يذكر لنا الكتاب المقدس هذه الحادثة أيضا :

” ولما تمت أيام تطهيرها ، حسب شريعة موسى ، صعدوا به إلى أورشليم ليقدموه للرب كما هو مكتوب في ناموس الرب : إن كل ذكر فاتح رحم يدعى قدوسا للرب ولكي يقدموا ذبيحة كما قيل في ناموس الرب : زوج يمام

أو فرخى حمام … فأتى بالروح إلى الهيكل وعندما دخل بالصبي يسوع أبواه، ليصنعا له حسب عادة الناموس ” ( لو 2 : 22 – 27 ) .

– من ذلك يوضح لنا الكتاب المقدس أن المسيح له المجد قد قام بتطبيق وتنفيذ الشريعة بكل ما فيها ولم يستثنى نفسه من أن تطبق عليه مع أنه غير محتاج فهو واضعها ومشرعها لكنه حتى لا يعثرنا نحن فقد قام بتنفيذها كلها حتى  يشجعنا على أن نقوم على اثره بتطبيق الشريعة القديمة لأنها مقدسة وصالحة وعادلة .

وكما قال السيد المسيح ليوحنا المعمدان عندما ذهب له ليعتمد منه قال له ” اسمح الان لانه هكذا يليق بنا أن نكمل كل بر حينئذ سمح له ” ( مت 3 : 15 ) .

فهل المسيح كان يحتاج ليكمل بره أو كان محتاج لتكميل الناموس ليكمل بره ؟

بالحقيقة المسيح له المجد إنسان كامل وإله كامل متحدين فى طبيعة واحد لشخص المسيح له المجد ، فالمسيح الذى لم يكن فى فمه غش ولا مكر وكان بدون خطيئة ولم يفعل خطيئة لم يكن محتاج لتكميل بره بل صنع ذلك ليعطينا مثالا لكى نتبع خطواته فى تكميلنا كل ما صنعه هو خصوصا الشريعة التى اكملها ووضعها لنا فى سياق انجيله وصية واضحة بمعانيها القوية العميقة فى عمقها الاصيل فقد دخل إلى عمق الوصية القديمة ليعطيها لنا وصية ناموسية إنجيليه متكاملة وكاملة فى شخصه الالهى العظيم

– وكما يقول لنا بطرس الرسول  :

” لأنكم لهذا دعيتم فإن المسيح أيضا تألم لأجلنا، تاركا لنا مثالا لكي تتبعوا خطواته الذي لم يفعل خطيئة ، ولا وجد في فمه مكر الذي إذ شتم لم يكن يشتم عوضا ، وإذ تألم لم يكن يهدد بل كان يسلم لمن يقضي بعدل ” .

( 1 بط 2 : 21 ، 22 ، 23 )

– فالمسيح له المجد اكمل الناموس والشريعة فى نفسه بالنيابة عن البشرية كلها وايضا لكى نمشى نحن كما فعل وصنع من تتميم الوصية أن نتبع خطواته ونمشى فى اثره ونكون فى طريقه الذى رسمه هو لنا لنمشى على شريعته القديمة الناموس والمكملة لها التى فى الانجيل لنمشى إذن فى تنفيذ كل شريعته الناموسية والانجيلية لانهما الاثنان واحد ومكملان لبعضهما البعض ولا يوجد تناقض بين الاثنين على الاطلاق .فالمطلوب منا نحن المسيحيين أن نتبع خطوات مسيحنا كما صنع هو نصنع نحن لنتبع معلمنا وسيدنا الاعظم وابونا السماوى المسيح يسوع له المجد إلى الابد .

فنحن إذن ملتزمون بتطبيق شريعة المرأة الطامث والنفساء كما جاء فى (لا 12) لانها أوامر الله نفسه . فكيف نعصى أوامره وشريعته اليوم كما يرغبون هؤلاء المحدثين الذين يريدون أن يلغوا الشريعة ؟ ويطالبوننا اليوم بعدم الأكتراث لهذه الشريعة ويشجعون المرأة على الذهاب للتناول من الأفخارستيا بكل بساطة وأستهانة بهذا السر المقدس الذى نأخذ فيه المسيح نفسه . فأين كرامة ومهابة هذا السر ؟ أجيبونى إن كان لديكم اجابة !

وكما يقول الرسول المحبوب الذى كان يسوع يحبه :

” من قال : انه ثابت فيه ينبغي انه كما سلك ذاك هكذا يسلك هو ايضا ايها الاخوة ، لست اكتب اليكم وصية جديدة ، بل وصية قديمة كانت عندكم من البدء الوصية القديمة هي الكلمة التي سمعتموها من البدء ….  ( 1 يو 2 : 6 – 11 ، ومن 3 – 6 ) .

– هكذا  يؤكد لنا القديس يوحنا الحبيب على أن المسيح لم يأتى بوصية جديدة تلغى الوصية القديمة بل الذى قدمه لنا المسيح هو توضيح لمعانى الوصية القديمة حتى لا نحيد عن الطريق كما حاد رؤساء اليهود

والكتبة والفريسيون عن معنى الوصية واستخدموها حرفيا دون الدخول إلى معانيها الحقيقية .

لذلك وضح المسيح الوصية ودخل بنا إلى اعماقها الروحية السامية وقال أن بهاتين الوصيتين يعلق الناموس والانبياء ألا وهما تحب الرب الهك من كل قلبك وقريبك كنفسك لذلك يؤكد الرسول هنا على أنه لا توجد وصية جديدة بل هى وصية قديمة لنمشى على وصايا الكتاب المقدس التى فى الناموس والذى اكمله المسيح فى انجيله إذن لنمشى على وصايا المسيح الناموسية الانجيلية .

– هكذا ينبغى كما سلك ذاك نسلك نحن أيضا فى اثر خطواته حتى نجده فى نهاية الطريق واقفا وصارخا تعالوا إلى يا مباركى ابى رثوا الملك المعد لكم من قبل تأسيس العالم .

– فلا نتخاذل ونتهاون ونمشى وراء ما هو جديد وراء الذين يطلقون تلك الصيحات المدوية فى خلد الكنيسة هذه الصيحات التى ترفض كل ما هو قديم وتنطلق إلى ما يسمى دواعى التجديد المزعومة بان القديم لابد من تركه لاننا فى عهدا جديدا .

– نقطة ثانية :ـ

إن المسيح الهنا له المجد الذى بلا خطيئة مولود من العذراء مريم بدون أن تلتصق به خطيئة ادم الاصلية ( لان الروح القدس طهر أحشاء العذراء مريم حتى تستطيع ان تحمل فى بطنها ذاك الذى بيدية حامل كل الاكوان ) ، فهذا قد قام بتنفيذ الشريعة مع أنه بلا خطيئة ولا يحتاج لتطهير الناموس وغير ذلك لكنه نفذها ليس لانه محتاج إلى شئ من قبيل هذا أو ذاك بل نفذها من اجلنا حتى نكون نحن على مستوى البنوة التى اخذناها به ومنه فصرنا أبناء الله وورثة مع المسيح  كما يقول العظيم بولس , فيجب علينا نحن ابناءه أن ننفذ وصاياه القديمة (الناموس) الجديدة (الانجيلية)

– هكذا نستحق قوله الحلو نعما أيها العبد الصالح والامين كنت امينا فى القليل سأقيمك على الكثير ادخل إلى فرح سيدك .

– لذلك يقول معلمنا بولس الرسول هكذا : ( عب 4 : 14 ، 15 ، 16 ) :

” فإذ لنا رئيس كهنة عظيم قد اجتاز السماوات ، يسوع ابن الله ، فلنتمسك بالإقرار لأن ليس لنا رئيس كهنة غير قادر أن يرثي لضعفاتنا ، بل مجرب في كل شيء مثلنا ، بلا خطيئة فلنتقدم بثقة إلى عرش النعمة لكي ننال رحمة ونجد نعمة عونا في حينه ” .

– وكثيرا كان المسيح يحثنا على أن نكون نامين ومثمرين فيه وتابعين الحق الذى هو هو الحق والحياة والطريق فلنمشى فيه لنجده  .

– فيقول المسيح لليهود  :

” فقال يسوع لليهود الذين آمنوا به : إنكم إن ثبتم في كلامي فبالحقيقة تكونون تلاميذي وتعرفون الحق ، والحق يحرركم …. فان حرركم الابن فبالحقيقة تكونون أحرارا ” ( يو 8 : 31 ، 32 ، 36 ) .

إذن فلنثبت فى كلامه ونحفظ وصاياه وشريعته عموما القديمة الجديدة . فنجد أولئك المستحدثون الذين لم يقبلوا موازين وقواعد الكنيسة السائرة عليها منذ تأسست على ايدى المسيح ورسله الاطهار وهى فى الحقيقة وصية واحدة وليست قديمة وجديدة بل هى شريعة واحدة اكد عليها المسيح بقوله أنه لم يأت لكى ينقض الشريعة بل ليكملها ويعمق المعنى ليصل إلى عمقها العميق حتى نحيا نحن المسيحيون فى جدة الحياة فى المسيح يسوع .

– وعندما يقول المسيح من يبكتنى على خطيئة فهل كان يلزمه أن يقوم بتطبيق الناموس على نفسه ؟! بالطبع لا لكنه طبقه كما قلنا سابقا لكى نكون نحن متبعينه وسائرين وراءه حتى الصليب خارج المحلة حاملين عاره لنكون له تلاميذه المخلصين له حتى الدم  .

إستطراد اخر

لنتذكر كلام السيد المسيح له المجد لتلاميذه فى العشاء الاخير قائلا :ـ

” فلما كان قد غسل أرجلهم وأخذ ثيابه واتكأ أيضا ، قال لهم : أتفهمون ما قد صنعت بكم أنتم تدعونني معلما وسيدا ، وحسنا تقولون ، لأني أنا كذلك فإن كنت أنا السيد والمعلم قد غسلت أرجلكم ، فأنتم يجب عليكم أن يغسل بعضكم أرجل بعض لأني أعطيتكم مثالا ، حتى كما صنعت أنا بكم تصنعون أنتم أيضا

( يو 13 : 12 – 15 ) .

– من هذا نأخذ المسيح الهنا له المجد مثالا كما فعل ذاك لابد علينا أن نفعل ونصنع متبعين خطواته التى صار بها على الأرض منفذين كل ما قام به من تتميم الوصايا الناموسية الذى لم ينقض أى واحدة منها فيجب علينا أن نمشى على آثاره وطريقه الذى هو هو الطريق والحق والحياة إذن لنحيا فيه وفى وصاياه المقدسة ولا نبرر أنفسنا بأننا فى عهد النعمة .

وإن الناموس إنتفى بنعمة المسيح فكيف ذلك يكون ؟ فالمسيح نفسه نفذ كل الناموس فكيف لا يرضيه منا أن نقوم على مثاله بصنع كل ما هو جميل وصيت حسن كما يقول الرسول وايضا كما يقول الانجيلى متى :

” احملوا نيرى عليكم وتعلموا منى لانى وديع ومتواضع القلب فتجدوا راحة لنفوسكم ” ( مت 11 : 29

إذن فالمسيح هو معلمنا الاعظم فلنتعلم منه ولا نسعى بعدم احتراس لافعالنا أو لاتكالنا على ذواتنا بل نسعى نحو الهدف لعل تدركنا رحمة المسيح . فلا نكون فخورين بانفسنا لكننا نعطى العظمة للرب الذى به ومنه وله كل الاشياء.

لذلك لنتعلم من معلمنا الاعظم المسيح له المجد حتى ننال فى الاخر الجعالة التى سيعطينا اياها المسيح .

– ويقول القديس بولس الرسول أيضا :

” فليكن فيكم هذا الفكر الذى فى المسيح يسوع أيضا ، الذى اذ كان فى صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلا لله ” ( فى 2 : 5 ، 6 ) .

هكذا فليكون لنا هذا الفكر الالهى الصحيح القويم حتى نحيا فيه كما هو يحيا فينا .

– وعلى هذا فليكون فينا فكر المسيح الهنا فى كل شئ وخصوصا فى موضوعنا الذى نتحدث عليه وهو التطهيرات فلابد أن ننفذ كل ما جاء فى الناموس من وصايا تمنع الحائض و النافث من التناول من الافخارستيا حتى تتطهر. فلم ينقض المسيح هذه الشريعة ( لاويين 12 )

بل نفذها وذهب مع امه بعد اربعين يوما للهيكل .

– هنا نورد ما جاء فى موسوعة اللاهوت الطقسى للانبا غريغوريوس فى اجابته عن السؤال 101 صــ 350 – 360

إن قوانين الكنيسة تأمر أن لا تدخل امرأة حائض إلى الكنيسة ( لكنها لا تمتنع عن الصلاة والتسبيح فى البيت ) .

ويستطرد الانبا غريغوريوس قائلا :

– فان السيد المسيح له المجد قال صراحة أنه لم يبطل بمجيئه شريعة العهد القديم السابقة على مجيئه ، لسبب واضح وبسيط هو أن الله هو واضع الشريعة فكيف ينقضها أو يبطلها ؟!!

” أفنبطل الشريعة بالايمان حاشا ، بل نثبت الشريعة ” ( رومية 3 : 31 )

– وقال السيد المسيح له المجد :

” لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء ما جئت لأنقض بل لأكمل فإني الحق أقول لكم : إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس  ” ( مت 5 : 17 ، 18 ، لوقا 16 : 17 )

– وقال السيد المسيح له المجد للرجل الابرص بعد أن شفاه من برصه :

” إذهب إلى الكاهن اره نفسك وقدم عن تطهيرك القربان الذى أمر به موسى ” ( مر 1 : 44 ) ، ( مت 8 : 4 ) ، ( لو 5 : 4 ) .

– هكذا صنعت العذراء مريم ، صعدت إلى الهيكل بعد اربعين يوما من ولادتها ليسوع المسيح ، حملته على ذراعيها وذهبت به ومعها يوسف النجار لتقدمه للرب ، ولتقدم عن نفسها ما أمرت به الشريعة لتطهير الأم النفساء ، بعد اتمام ايام تطهيرها ، وهى اربعون يوما أن كان ولدها ذكرا ، وثمانون يوما أن كان مولودها انثى . ( اللاويين 12 : 2 – 5 ) .

– وقال الانجيل عن هذا الحدث انظر فى ( لوقا 2 : 22 – 24 ، 27 ، 39 )

– وهنا نقف لنتسأل : لماذا ذهبت العذراء إلى الهيكل تحمل المسيح على ذراعيها بعد اربعين يوما من ولادتها له ؟ ولماذا قدمت زوجى اليمام

أو فرخى حمام عنها وهى العذراء الطاهرة التى حبلت بالمسيح من غير زرع بشر , وعن ابنها وهو قدوس القديسين ؟

– ليس هناك تفسير غير واحد : هو أن العذراء صنعت ذلك خضوعا منها للشريعة الإلهية حتى وهى تعلم انها ولدت المسيح يسوع من غير دنس الخطيئة إن الله الذى وضع الشريعة كيف يهدمها ؟ واذا كان هو الذى أمر بها فكيف ينقضها ؟

إن شريعة العهد الجديد لم تهدم شريعة العهد القديم ؟ انما تتممها ، والتتميم قد يقتضى احداث تغيير فى الشكل لا فى الجوهر ، بمعنى أن شريعة العهد القديم امرت بتقديم ذبيحة من الحيوان والطير للتكفير عن الخطيئة .

ولكن ذبيحة الحيوان لم تكن مقصودة إليها لذاتها ، لان الحيوان – وهو اقل مرتبة من الإنسان ، لا يكفر فى الواقع عن خطيئة الإنسان ، انما كل قيمة الذبيحة الحيوانية انها إشارة ورمز إلى الفادى الحقيقى الذى لم يكن قد اتى بعد ، فقيمتها إذن مؤقتة ، وموقوتة بمجئ الفادى والمخلص .

– من هذا فما كان يرمز إلى ذبيحة المسيح قد تم ابداله بذبيحة المسيح ، وذبيحة المسيح ننال استحقاقاتها فى المعمودية للتكفير عن الخطيئة الاصلية التى نولد بها وننال استحقاقاتها فى سر القربان للتكفير عن الخطايا الفعلية اليومية وفيما عدا هذا تغيير فى التزامنا نحن أبناء العهد الجديد بشريعة العهد القديم .

– نقول هذا توكيدا على أن المرأة فى العهد الجديد كانت لا تزال ملتزمة بشريعة الله بان تظل بعيدة عن الاقداس والمقادس طوال مدة نفاسها ،فإذا تمت ايام تطهيرها تأتى إلى الكاهن فيقرأ على رأسها التحليل الخاص بذلك ، والمدون بكتاب التعميد ، وبعد ذلك تدخل إلى الكنيسة وتتقرب من المائدة الربانية .

على أنه مما يجدر التنبيه إليه هو أن شريعة التطهير بالنسبة للمرأة النفساء أو الحائض ، ترتبط جوهريا بالخطيئة الاصلية ، التى تنتقل لوثتها إلى كل الجنس البشرى بالتوالد ( بالاثم حبل بى وبالخطايا اشتهتنى امى ) ” مزمور 50 : 5 ” ، وإلا فلماذا كانت المعمودية ضرورية لكل طفل حديث على الرغم من أنه لم يخطأ بعد خطيئة فعلية ؟

– ويقول القديس اغسطينوس ( 354 : 430 ) م :

تعليقا على الآية ( بالاثم حبل بى ، وبالخطيئة اشتهتنى امى ) ” مزمور50 : 5 ” قائـــلا : ” هل ولد داود من زنى ، إذن فلا يمكن أن تكون هذه الاثام التى حبل به فيها سوى الاثام التى انحدرت إليه من ادم …. !( انظر المرجع السابق صـ 356  )

– ويفرق الأنبا غريغوريوس بين الرجل والمرأة فى الإفرازات قائلا :

” الفرق بين الرجل والمرأة فى هذا الصدد هو أن جسم المرأة يظل يفرز افرازات كثيرة من مخاط ودم واخلاط أخرى تتعفن ، فتجعل جسمها غير طاهر أى غير نظيف طوال مدة نفاسها ، ومن ثم فلا يليق بها أن تدخل المقادس ، وإلا حسب اقتحامها استهتارا بالاقداس والمواضع المقدسة ، وعدم مبالاة بالقداسة الإلهية .

” ما جئت لانقض بل لأكمل ”

فلنتأمل قليلا ولو لبرهة , هل المسيحية كديانة الهية مقدسة ألغت أو محت كل ما يتعلق بالقديم أو الديانة اليهودية عموماً ؟!

– أيضا فلنسأل انفسنا ونجد فى السؤال هل المسيحية أنهت على اليهودية على حجر عثرتها ألا وهو المسيح يسوع مؤسسها وبانيها ؟!

– أيضا لو كانت المسيحية محت كل القديم والديانة اليهودية فالسؤال هنا لماذا احتفظت فى كتابها المقدس بذاك القديم أو ( العهد القديم ) بين محتويات كتابها المقدس ؟!

فهل يعقل ذلك انها تلغى وفى نفس الوقت تحتفظ بالعهد القديم وهى معتبراه من أسفارها المقدسة التى أوحى بها الله لأنبيائه القديسين ؟!

– وهل نحن أمام قضية ناسخ ومنسوخ أو من يقول وصايا  ثم يأتى من بعده ويلغيها ؟! فلتعطونى عقولكم بعض الدقائق لكى ننطلق فى عالم العقل والروح معا لنتفهم عن ماهية هذا الامر الذى نحن بصدده الآن ألا وهو هل المسيح جاء لكى يلغى ويمحى العهد القديم برمته أم ماذا ؟!

-وهل يعقل ذلك أن يكون المسيح الهنا الصالح ومخلص نفوسنا مثل ملوك مصر الفراعنة الذين كانوا كل من يأتى بعد ملك يمحى أثر الملك السابق له حاشا أن يكون مسيحنا هكذا !

– بالتأكيد أن مسيحنا كما قال العظيم بولس الرسول : ” المسيح هو هو أمس واليوم والى الأبد ”

( عبرانيين 13 : 8 ) .

– فكيف سيأمر بوصايا فى العهد القديم وهو بالطبع يعلم أنه سينزل ويتجسد ويأمرنا فى عهده الجديد بوصايا تخالف ما أوصى به فى العهد القديم فهل هذا يعقل وأى عقل يقول ذلك !!

– وهنا نقول أن المسيح بالطبع يعلم كل شئ بعلمه السابق فلديه كل شئ واضح وليس به غموض فليس لديه ماضى وحاضر ومستقبل بل كل شئ أمامه حاضر فهو يعلم الماضى والحاضر والمستقبل للجميع

– وهل نقول أنه يقسم ثم يحنث أو أنه يكذب ؟ فيجاوبنا بولس الرسول قائلا : ” أنقول أن الله كاذب حاشاً

لنبدأ هنا بالقول الذى قاله السيد المسيح له المجد فى موعظته الشهيرة على الجبل قائلا :

” لا تظنوا أني جئت لأنقض الناموس أو الأنبياء . ما جئت لأنقض بل لأكمل فإني الحق أقول لكم : إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل فمن نقض إحدى هذه الوصايا الصغرى وعلم الناس هكذا ، يدعى أصغر في ملكوت السماوات وأما من عمل وعلم ، فهذا يدعى عظيما في ملكوت السماوات فإني أقول لكم : إنكم إن لم يزد بركم على الكتبة والفريسيين لن تدخلوا ملكوت السماوات ”

( مت 5 : 17 – 20 ) .

– وهنا يتضح لنا من قول المسيح له المجد هذا أنه لم يبطل أو يلغى الناموس بل بمجيئه كمل الناموس فيه ، فكيف ينقض ما قد وضعه هو فى العهد القديم وسلمه فى لوحى الشريعة لموسى النبى هل هذا يعقل أن يضع شريعة ثم يأتى فى العهد الجديد ويقوم بوضع شريعة جديدة تلغى وتنقض الشريعة القديمة ؟  فمسيحنا هو هو الامس واليوم والى الابد ، فلماذا إذن هذا الاتلاف فى الكلام والتبحر فى امور غريبة تشتت وتبلبل افكار المؤمنين ؟ فالمعنى واضح وضوح الشمس بان المسيح لم يأت لينقــض ويهــدم الناموس الذى وضعه هو فى العهد القديم بل جاء ليكمله فيه  .

ومن هذا يتضح لنا أن المسيح له المجد لم ينقض الناموس أو الشريعة بل كملها وقومها وصحح مسارها الذى قد عوجه اليهود ورؤسائهم الكتبة والفريسيين . وبهذا يؤكد لنا أن شريعة المرأة الحائض أو النفساء الموجودة فى العهد القديم (لاويين 12) أن السيد المسيح لم ينقضها أو يلغيها بل ثبتها وأكد عليها  فنجد ان السيدة العذراء نفذتها عندما ذهبت للهيكل بعد تمام تطهيرها بعد أربعين يوما لتنفيذ شريعة التطهير . فكيف هنا يترك والدته تذهب للهيكل لتنفيذ الشريعة وهو كان قد ألغى الشريعة هذه أو كاد أن يلغيها كما يدعون البعض اليوم ؟!

فكيف يسمح البعض اليوم بتناول المرأة الحائض و النفساء بحجة أن هذه الافرازات من طبيعة الجسد مثلها مثل العرق ؟!

وهنا نتسائل أين مهابة السر المقدس (الافخارستيا ) ؟

فكيف يعقل هذا الأمر بيننا نحن أولاد القديسين وورثة الملكوت ؟!

– ولنرى ما يقوله بولس الرسول أيضا :

” افنبطل الناموس بالايمان حاشا ، بل نثبت الناموس ” ( رو 3 : 31 )

إذن فالمسيح الهنا لم يهدم الناموس بالايمان به بل ثبت الناموس ونفذه هو أيضا بكل شرائعه وفرائضه التى اوصى بها موسى والانبياء ، فالمسيح الله هو هو امس واليوم والى الابد .

فهو اله العهد القديم وواضع ناموسه واله العهد الجديد وواضع شريعته الجديدة التى هى مكملة للقديم وليس تلغيه أو تهدمه .

– لهذا يكتب لنا بولس الرسول قائلا :

” واما غاية الوصية فهي المحبة من قلب طاهر و ضمير صالح و ايمان بلا رياء الامور التي اذا زاغ قوم عنها انحرفوا الى كلام باطل يريدون ان يكونوا معلمي الناموس و هم لا يفهمون ما يقولون و لا ما يقررونه ولكننا نعلم ان الناموس صالح ان كان احد يستعمله ناموسيا ” ( 1 تى 1 : 5 – 8 )

– ويقول أيضا الرسول فى موضع أخر :

” إذا الناموس مقدس والوصية مقدسة وعادلة وصالحة ” . ( رو 7 : 12 )

هكذا يؤكد لنا الوحى الالهى على لسان بولس الرسول على قدسية الناموس وصلاحه فكيف إذا نقرأ هذه الاراء التى تؤكد على أن الناموس انتهى بمجئ المسيح له المجد فكيف يكون هذا بإن واضع الشئ هو نفسه الذى ينقضه ويهدمه ؟  وكيف هذا أيضا ونحن نقرأ على لسان المسيح فى الانجيل أنه قال ما جئت لانقض بل لاكمل ؟

فهل يستصاغ هذا الكلام فى عقولنا استصاغة سليمة ، أو هل تقبل عقولنا هذا التناقض الذى جاءت به هذه الاراء والافكار التى تدعوا للتحرر من ما هو قديم ؟ هذه الأراء الهدامة البعيدة كل البعد عن ما جاء فى الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد وايضا كل قوانين الكنيسة والتقليد الكنسى فلنحذر من كل ما نقرأ وكما يقول الكتاب من هو قائم فلينظر لئلا يسقط .

– ويقول أيضا المرنم داود فى مزاميره هكذا :

” ناموس الرب كامل يرد النفس ، شهادات الرب صادقة تصير الجاهل حكيما وصايا الرب مستقيمة تفرح القلب ، أمر الرب طاهر ينير العينين ” ( مز 19 : 7 ، 8 )

ويقول أيضا فى المزمور الكبير 119 : ” ازل عارى الذى حذرت منه لان احكامك طيبة ، هانذا قد اشتهيت وصاياك بعدلك احينى ” ( عدد 39 ، 40 ) ، ” وخير لى أن تذللت لكى اتعلم فرائضك شريعة فمك خير لى من ألوف ذهب وفضة ” ( 71 ، 72 )

” بار انت يا رب وأحكامه مستقيمة ، عادله شهادتك إلى الدهر فهمنى فأحيا ” ( 137 ، 144 ) .

– وقول السيد المسيح: ” الحق اقول لكم انكم أن لم يزد بركم على الكتبة والفريسيين لن تدخلوا ملكوت السموات ” ، فكان الكتبة والفريسين ينفذون الناموس بحرفيه شديدة لكنهم كانوا يناقضون هذا بحياتهم واعمالهم الشريرة التى فى الخفاء فيظهرون ابرارا وهم كما قال السيد يصفون عن البعوضة ويبلعون الجمل هكذا كانت حياتهم .

لذلك السيد المسيح حض على تتميم كل ما هو فى الناموس الذى هو البر ويحضنا أن يزيد برنا عن بر الكتبة والفريسين ليكون كما قال الكتاب الايمان العامل بالمحبة .

– ولذلك يقول السيد المسيح عن الكتبة هكذا :

” على كرسي موسى جلس الكتبة والفريسيون فكل ما قالوا لكم ان تحفظوه فاحفظوه وافعلوه ولكن حسب اعمالهم لا تعملوا لانهم يقولون ولا يفعلون ” ( مت 23 : 2 – 3 ) .

هكذا كان السيد المسيح يحض ويشجع الناس على حفظ الوصايا واحترام الناموس وتنفيذه فكيف ننقض ذلك ونسير على طريق الأراء والأفكار الحديثة ” أن الناموس قد نقض بمجئ المسيح وتجسده وفدائه الذى قدمه للبشرية كلها ” ، فكيف نلغى ما قد وضعه المشرع الاعظم المسيح الهنا الذى هو هو امس واليوم إلى الابد.

– وايضا كثيرا ما كان السيد المسيح يثبت الناموس ويشجع على حفظه وتنفيذه فمثلا عندما سأله الشاب الغنى قائلا :

” أيها المعلم الصالح أي صلاح أعمل لتكون لي الحياة الأبدية فقال له :

لماذا تدعوني صالحا ؟ ليس أحد صالحا إلا واحد وهو الله ولكن إن أردت أن تدخل الحياة فاحفظ الوصايا قال له : أية الوصايا ؟ فقال يسوع : لا تقتل لا تزن لا تسرق لا تشهد بالزور أكرم أباك وأمك، وأحب قريبك كنفسك … “( مت 19 : 16 – 19 ) .

– وهكذا يكتب لنا بولس الرسول قائلا :

” لان غاية الناموس هى المسيح للبر لكل من يؤمن ، لان موسى يكتب فى البر الذى بالناموس أن الإنسان الذى يفعلها سيحيا بها ” ( رو 10 : 4 ، 5 )

– ومن كل ما سبق يتضح لنا جليا أن المسيح الهنا لم  ينقض الناموس والانبياء بل قام بتوضيح المعانى الخفية وراء الوصايا وذلك واضحا فى موعظته على الجبل فقد كمل المعانى السامية للناموس ولم يقم بالغاءه بل اكد عليه وثبته حتى نحيا فى المسيح بناموس الحرية الذى اكمله لنا لاخذ حرية مجد اولاد الله

– فمثلا وصية لا تقتل لم يقل المسيح أو سمح بالقتل بل قال من يغضب على اخيه باطلا يكون مستوجب الحكم … فهنا عالج قضية القتل من جذورها .

فاقتلعها من اصلها ألا وهو الغضب الذى ينمو وينمو حتى يجعل الإنسان يقتل اخيه ، إذن فالمسيح لم يلغى وصيته التى وضعها فى الناموس . وهكذا على نفس المقياس لا تسرق لا تشهد بالزور وغيرها .

– وهنا نقول أن السيد المسيح لتأكيده على الناموس قام بتنفيذه كاملا دون أن ينقض فيه شئ فقد قال ليوحنا المعمدان عندما ذهب إليه ليعتمد ” اسمح الان لانه هكذا يليق بنا ان نكمل كل بر “.   متى 3 : 15

أى أنه اكمل كل وصايا الناموس ولم ينقض منها أى وصية فلو كان الناموس ناقصا أو غير نافعا فهل يعقل أن يقوم المسيح له المجد بتنفيذه بالكامل .

وايضا هل يمكن لمشرع الناموس أن ينقضه ويلغيه ويضع غيره وصايا جديدة ؟!

فمن باب اولى أن يكمل عليه وليس يهدمه ويبنى من جديد بل يبنى على القائم بالفعل ليكمل البناء ويعلوا إلى اعلى السماء .

حينئذ تبدأ المسيحية كديانة مبنية على الانبياء والرسل والمسيح نفسه حجر الزاوية .

– كما يقول بولس الرسول :

“مبنيين على أساس الرسل والانبياء ويسوع المسيح نفسه حجر الزاوية الذى فيه كل البناء مركبا معا ينمو هيكلا مقدسا فى الرب ” ( أف 2 : 20 ، 21 )

– يقول القديس يوحنا ذهبى الفم معلقا على هذه الآية ” ( متى 5 : 17-22) :

” هذا هو العجب ليس أنه هو حقق الناموس بل وهبنا نحن أيضا أن نكون مثله ، الامر الذى اعلنه بولس بقوله : ” لان غاية الناموس هى المسيح للبر لكل من يؤمن ” ( رو 10 : 4 ) .

كما قال : ” دان الخطيئة فى الجسد لكى يتم حكم الناموس فينا نحن السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح ” ( رو 8 : 3 ، 4 ) ، وايضا : ” افنبطل الناموس بالايمان حاشا ، بل نثبت الناموس ” ( رو 3 : 31 ) .

فانه مادام الناموس كان عاملا لكى يبرر الإنسان لكنه عجز عن تحقيق ذلك جاء المسيح ودخل بالانسان إلى طريق البر بالايمان مثبتا غاية الناموس ما لم يستطع الناموس أن يتممه بالحروف تحقق بالايمان ، لهذا يقول ” ما جئت لانقض بل لاكمل ”

– يقول القديس اغسطينوس على قول السيد المسيح :

” فإني الحق أقول لكم : إلى أن تزول السماء والأرض لا يزول حرف واحد أو نقطة واحدة من الناموس حتى يكون الكل ” ( مت 5 : 18 ) .

” أن كانت الاضافة كاملة فبالاولى تكون البداءة كاملة ، لذلك يفهم قوله ” لا يزول حرف ” ( i ) واحد أو نقطة واحدة من الناموس ” على أنه تعبير عن كمال الناموس ، لقد اشار بحرف صغير ، لان حرف ( i ) اصغر الحروف يتكون من خط صغير ، ثم اشار إلى النقطة التى توضع على الحرف مظهرا بذلك أن لاصغر الاجزاء فى الناموس قيمة ” .

– يقول القديس يوحنا ذهبى الفم :

” القول (اقتل) يضاد الوصية (لا تقتل) ، اما أن المسيح لا يسمح بالغضب فهذا يثبت فكر الناموس بصورة اكثر كمالا ، فان من يطلب تجنب القتل لا يوقفه مثل من يستبعد حتى الغضب ، فان الاخير يبعد بالاكثر عن الجريمة ” .

( أقوال الاباء الاساقفة مأخوذة من تفسير الاباء الاولين لابونا تادرس يعقوب المالطى فى كتابه تفسير انجيل متى على الآية “ماجئت لانقض بل لاكمل” ) .

– هكذا يتضح لنا من كل هذه الاقوال التى قالها الاباء القديسين فى تفسيرهم لهذه الآية “ما جئت لانقض بل لاكمل” أن المسيح له المجد بالحقيقة لم ينقض الناموس ولم يهدمه أو يلغيه بل ثبته وبنى عليه المسيحية الجديدة فمسيحنا هو هو مسيح العهد القديم وهو هو مسيح العهد الجديد فهو واضع ومشرع الناموس فى القديم ومكمله وموضحه فى عهده الجديد .

– هكذا تسير الامور فليس الجديد يأتى لكى يمحى وينسخ القديم بل ليبنى عليه ويكمل ما قد نقص أو ضعف فيه  لتكون المسيحية بالمسيح يسوع هو الجبل العظيم الذى ملأ الأرض كلها الذى رآه دانيال النبى ذاك الحجر الذى قطع وملأ الأرض كلها فيكون المسيح الهنا هو حجر زاويتنا العظيم لنستند عليه وعلى تعاليمه المقدسة القديمة التى هى الناموس والجديدة التى هى تكميل لهذا الناموس وتوضيح للمعانى الخفية داخل وصايا الناموس فقد اكمله المسيح لنا واعطانا لب الناموس ، وفحواه وهو المحبة .

فلو تأملنا فى تعاليم السيد المسيح له المجد لوجدنا أنها تؤكد بوضوح على وجوب تكميل الناموس وتنفيذه .

فكيف نسعى وراء الادعاءات الحديثة التى يؤكد أصحابها على أن الناموس قد أبطل فى المسيح ومن بعد المسيح ليس من الضرورة الاحتكام بالناموس وتنفيذ وصاياه.

إذن فهل يليق هذا الأمر بنا نحن أولاد الله ؟ّ!

فالسيد المسيح له المجد لم ينقض الناموس على الاطلاق بل ثبته بكلامه الالهى عندما قال ” ما جئت لانقض بل لاكمل “.

فبأى مبرر نصدق على هذه الادعاءات المغرضة التى هدفها هدم الناموس ونقضه . فلو طبقنا هذا الكلام على موضوعنا الذى نحن بصدده الا وهو هل نسمح للمرأة الحائض والنفساء للتناول من الأفخارستيا وننقض شريعتها المنصوص عليها فى ( لاويين 12 ) أم ماذا ؟

بالتأكيد أن شريعة المرأة الطامث والنفساء هى شريعة قد وضعها المسيح فى العهد القديم ولا يمكن نقضها اليوم بحجة أن المسيح بمجيئه أكمل الناموس فيه , ولا نحتاج نحن اليوم للسير على هذه الشريعة وهذا لا يليق بنا نحن أولاد القديسين أن نلغى شريعة قد وضعها المسيح وهو الذى قال ما جئت لأنقض بل لأكمل .

وأيضا لنسأل أنفسنا أين مهابة وقداسة السر ( الافخارستيا ) ؟

فكيف أكون غير مستعد روحيا وأيضا جسديا وأذهب لأتناول بكل استهانة

– وهنا نقتطف جزءا من المقالة الاولى من كتاب السجود والعبادة بالروح والحق للقديس كيرلس عمود الدين ( هنا يتحدث أيضا عن الآية نفسها ” ما جئت لانقض بل لاكمل ” )

” لكنك يا صديقى ، قد ابتعدت كثيرًا عما يليق . لأنك تعتقد أن الناموس قد تغير ، لدرجة أنه لم يعد لدينا أى منفعة منه ، وأنه على أية حال ليست هناك أى منفعة من الأمور التى وضعها . ألا تعتقد أن الناموس قد تحول بالأحرى إلى إشارة نحو الحقيقة، مع أنه بالتأكيد قد كتب الطوباوى بولس ” أفنبطل الناموس بالإيمان حاشا. بل نثبت الناموس” .

لأن الناموس هو مُربى ويقود بطريقة حسنة إلى سر المسيح . ونقول إن كل ما شرّعه موسى للأقدمين ، ما هو إلا أساسيات بداءة أقوال الله . لكن لو أهملنا المربى ، فمَن سيقودنا عندئذ إلى سر المسيح ؟ ولو رفضنا أن نتعلم أساسيات بداءة أقوال الله ، فكيف سيمكننا الاستمرار؟ أو كيف سنصل إلى الغاية ؟ أفليس المسيح هو الذى يُكمل الناموس والأنبياء كما تقول الكتب ؟ نعم

– بالفعل فإنه مكتوب أنه هو مكمل الناموس والأنبياء لأن كل كلمة نبوية وناموسية تخصه وتشير إليه.

لقد قال (المسيح) وهو يتوسل إلى اليهود لأجل عصيانهم : ” لا تظنوا إنى أشكوكم إلى الآب. يوجد الذى يشكوكم وهو موسى الذى عليه رجاؤكم . لأنكم لو كنتم تصدقون موسى لكنتم تصدقوننى لأنه قد كتب عنى. فإن كنتم لستم تصدقون كتب ذاك فكيف تصدقون كلامى ” ( يو 5 : 45 )

– إذن يقول إنه لم يأتِ إطلاقًا لكى يشكو الناموس ، بل بالحرى لكى يُكَمله ، فلا تُفكر أنه قد تمّ تغيير كامل للشرائع القديمة ، بل على الأرجح قد تم تجديدها بطريقة ما . وأستطيع أن أقول هكذا ، إنه حدث نقل لنماذج أو أمثلة (من العهد القديم) إلى الحقيقة أى من الظلال إلى الحقيقة ….

إذا الى اى شئ يشير هذا ؟

– يشير هنا أنه بسبب افكار اليهود الغليظة لم يفهموا إلا ظاهر الناموس الحرفى فقط ، ولذا كان من المستحيل تماما أن يفهموا ويميزوا كل ما كان مستترا داخل الناموس ، أى الوجه الحقيقى لمعانى كلمات الناموس…..

( المقالة الاولى من كتاب السجود والعبادة لكيرلس الكبير )

– حديث القديس كيرلس يوضح لنا أن الناموس مقدس والوصية مقدسة وطاهرة وهى التى قادتنا إلى الوصول إلى سر المسيح له المجد ، فالمسيح لم يلغى الناموس بل قام بتوضيح نصوصه التى كان اليهود يفهموها بحرفيه وبطريقة خطأ فهو لم يقم بهدم الناموس بل وضح معانيه السامية

– يقول القديس كيرلس فى المقالة العاشرة من نفس الكتاب العبادة بالروح الحق:

” تميز الكتاب المقدس بالدقة ولا يوجد فيه شئ بلا فائدة بل لعلك تلاحظ كيف أن الرمز يظهر لنا أن الناموس انما هو يعمل كمربى يقودنا إلى المسيح . ويتضح لنا هذا من أن مذبح العبادة الناموسية قد وضع بالقرب من المداخل التى تؤدى إلى قدس الاقداس .

أى أن الناموس يقودنا إلى بداية اسرار المسيح ، والى مبادئ الدخول لمعرفته الدقيقة . لكن لا يقودنا أبدا إلى قدس الأقداس ، أى الخيمة الداخلية حيث يوجد المسيح الفائق الجمال كلمة الله والنور والخبز الحى والرائحة الذكية لله الاب “.

– هكذا تنجلى امامنا  الحقيقية بأن المسيح جاء لكى يكمل ما كان الناموس لم يكمل فيه فقد جاء ليختم على الشريعة ليعطيها لنا نحن المؤمنين به شريعة كاملة لا يشوبها أى بهتان أو معانى مخفية تحت ظلال أو رموز بل جعلها لنا واضحة جلية حتى لا نعثر فى أى شئ يعترينا فى مستقبلنا الروحى ليقودنا المسيح الهنا فى موكب نصرته .

– هكذا إذن كما قال معلمنا بولس الرسول الناموس مقدس والوصية مقدسة وصالحة فلا يكون فكرنا هكذا بأن المسيح بمجيئه هدم الناموس والوصية بل كما قال ما جئت لأنقض بل لأكمل فبتوضيحه للمعانى السامية التى فى الناموس اكمل الناموس ووضح ناموس المسيح القديم الجديد ناموس المحبة التى هى جوهر الناموس ولبه .

– يشرح لنا الاب متى المسكين الآية التى ذكرها القديس لوقا فى انجيله :

” كان الناموس والأنبياء إلى يوحنا ومن ذلك الوقت يبشر بملكوت الله ، وكل واحد يغتصب نفسه إليه ولكن زوال السماء والأرض أيسر من أن تسقط نقطة واحدة من الناموس ” ( لو 16 : 16 ، 17 ) .

قائلا على هذه الآية :

” هذا الجزء من الاصحاح يتعرض لموقف المسيح من الناموس ، اذ يقرر المسيح أن الناموس والانبياء إلى يوحنا ، ومن ذلك الوقت ابتدأ المعمدان يبشر بملكوت الله … ولكن عاد المسيح يرفع من شأن كلمة الله فى الناموس كما نطقها الوحى واعطى مثلا لذلك بالطلاق ، مؤكدا أن الناموس لن يزول حرف واحد منه حتى ولو زالت السماء والارض ، وذلك ردا على الفريسيين الذين كانوا يهاجمون ملكوت الله مدافعين عن الناموس ….

أما الآية (17) فهى موازية لما جاء فى ( مت 5 : 18 )  بخصوص الناموس وزوال السماء والارض

” فدوام كلمة الله أمر مقطوع به على أساس أن المسيح فسر الناموس بتعاليمه واكمله بصليبه . فالناموس قائم قيام كلمة الله إلى الابد ، ولكن من واقع الكرازة بالانجيل وتكميله بالخلاص ” .

(  تفسير انجيل لوقا للاب متى المسكين صــ 587 )

– إذن نؤكد على هذه الحقيقة الواضحة ألا وهى ثبات الناموس إلى الابد فالسماء والارض تزولان ونقطة من الناموس لا تزول بل هو كلام الله الذى يثبت إلى الابد .

– هكذا يكون هذا الوعد الالهى الذى قاله المسيح فكيف نقول اننا فى عصر النعمة الذى فيه ألغى الناموس وانتهى تماما ؟! هكذا لا يصح الامر ولا يسير الموكب فى طريقه الصحيح بل يعوج الطريق فى الاستباحة والاستهانة والاتكالية على اننا فى عصرا جديدا فيه كل شئ سهل وميسر من قبل المسيح الذى اعطانا النعمة .

– لكنه فى نفس الوقت لم يلغى العقاب ولم يهدم الناموس الذى حدد وقيم لنا الخطيئة ومقدارها وشناعتها

– إذن فلنجاهد قانونيا كما قال لنا الطوباوى بولس حتى نستحق ذلك الصوت الممتلئ فرحا “نعما أيها العبد الصالح والامين كنت امينا فى القليل سأقيمك على الكثير ادخل إلى فرح سيدك “.

فلنتبع المسيح ونمشى فى اثر خطواته فهو نفذ الناموس ولم ينقض أى شئ فيه ولا نقوم بتوسيع الباب الذى نسير فيه الذى هو مؤدى إلى الهلاك .

– يعلق الانبا غريغوريوس اسقف البحث العلمى والدراسات العليا على نفس الآية ” ما جئت لانقض بل لاكمل ” عن كتابه موسوعة اللاهوت الادبى :

” إن المسيح له المجد قال صراحة انى لم آت لانقض أو لأهدم الشريعة والانبياء أو أقوال الانبياء ، لم آت لأنقض بل لأكمل ، لم آت لأنقض واعمل شريعة جديدة ، بل إنما أتيت لا لأنقض بل لأتمم .

وهنــــا التتميـــم لــــــه معنيــــــان :

أولا : بمعنى التنفيذ :

أولا : فى شخصــــــــه :

المسيح نفذ ما امرت به الشريعة فى نفسه أولا ، لانه هو كانسان وكصورة ادم الثانى لم يجعل نفسه فوق الشريعة ، انمــا جعـل نفسـه تحــت الشريعـــة ، فى كل شئ خضع المسيح تماما للشريعة ، وما دام هو خاضع للشريعة فكيف ينقضها ؟ فهو نفذها فى كل شئ فى الصلاة فى الصوم .

كما ذهب إلى درس الكتاب المقدس وهو صغير وكان يذهب كل سنة فى عيد الفصح مع ابويه للهيكل ، ولا يوجد شئ فى الشريعة إلا ونفذها المسيح .

حتى الاضافات فى عملية الفصح التى اضافوها الانبياء من بعد موسى بوحى من الله مثل تلاوة بعض المزامير وايضا شرب أربعة كؤوس من الخمر هذه الاضافات احترمها المسيح تماما ومارسها ……

إذن المسيح احترم ليس فقط الشريعة فى عهد موسى ، ولكن حتى الاضافات الاخرى التى اضافها الانبياء من امثال داود النبى وغيره أيضا .

– وايضا الكنيسة ككائن حى متطور يمكن أن تحصل فيها اضافات بشروط أن تكون هذه الاضافة بمعرفة اشخاص موكلين من الله وهذا ما نسميه بالتقليد الرسولى .

ولذلك نحن نحترم هذه التقاليد والتعاليم التى وضعها اباء متأخرون على الرسل مثل القديس باسيليوس والقديس غريغوريوس والقديس يوحنا ذهبى الفم والقديس اثناسيوس الرسولى والقديس كيرلس عمود الدين .

– فمثلا قانون الايمان لم يكن موجود فى الكتاب المقدس بل وضعه اباء مجمع نيقيه وعلى الخصوص اثناسيوس الرسولى لكن قانون الايمان كل حرف فيه يستند على نصوص من الكتاب المقدس وهو معترف به فى الكنيسة شرقا وغربا .

– السيد المسيح له المجد احترم كانسان الشريعة ما قاله موسى احترمه وما جاء بعد موسى احترمه أيضا وقال : ” وعلى كرسى موسى جلس الكتبة والفريسيون فكل ما قالوه لكم افعلوه ولكن حسب اعمالهم لا تعملوا ” وبهذا أعطى المسيح له المجد الشرعية للاضافات التى حدثت بعد موسى ولكن فى التطبيق كان المسيح يصحح بعض الاشياء مثل ما اخترعوه الكتبة والفريسيون فان الإنسان محلل من احترام والديه وغير ذلك .

فقال لهم المسيح ابطلتم وصية الله ، وكانت هذه النقاط السبب فى تدخل المسيح لتصحيح المفاهيم أو لتصحيح تطبيق الشريعة ، لان الشريعة فى حد ذاتها احترمها المسيح له المجد .

ثانيا : فى تعليمــــــــه :

وايضا فى تعليمه بالنسبة للآخرين كان ينادى وكان يحض على احترام الشريعة فلما شفى الإنسان الابرص ، مع العلم بأنه هو الذى اجرى له الشفاء ، قال له : اذهب ار نفسك للكاهن وقدم عن تطهيرك ما أمر به موسى ، لم يقل بحسب ما أمر الله به ولكنه قال ما أمر به موسى اذهب ار نفسك للكاهن , أى كاهن ؟! انت رئيس الكهنوت كله ، لا لم يسمح المسيح لنفسه ابدا أن ينقض ، لا بالنسبة له ، ولا بالنسبة للآخرين أيضا . لم يشجع احدا على أن يخالف الشريعة أو ينقضها أو يتساهل أو يتسيب فى احترام الشريعة .

– يقول أيضا على خطأ الفصل بين العهد القديم والعهد الجديد :

اننا فى العهد الجديد ملتزمون بشريعة العهد القديم وان التفرقة بين عهد قديم وعهد جديد تفرقة خاطئة لان واضع الشريعة هو الله .والله هو رب العهدين القديم والجديد ، والله لا يتعارض ولا يتناقض مع نفسه العهد القديم مع العهد الجديد تضمهما الكنيسة الأرثوذكسية فى كتاب واحد – الحقيقة أن هذا الفهم ناتج من عملية الفصل بين العهد القديم والعهد الجديد ، والحقيقة أن مرجعه إلى التعليم البروتستانتى الذى يلح باستمرار على العهد الجديد وعدم الالتزام بالعهد القديم وحتى فى المناقشات والاحاديث عندما نقول له شئ يقول لك لا … هذا كلام فى العهد القديم ، الحقيقة غير المسيحيون معذورون إذا نفذوا الشريعة المسيحية من هذه الوجهة ، هذه فكرة تسربت اليهم أن كتاب المسيحيين هو العهد الجديد فقط ، … فكرة تقول أن العهد القديم هو كتاب اليهود وهذا خطأ …… .

– فى كنيستنا الأرثوذكسية باستمرار العهد القديم والعهد الجديد معا ليس فقط بالطبع وانما فى صلواتها وفى طقوسها ….. .

ثانيا : التتميم بمعنى مد المعنى إلى ابعاده كلها :

من ناحية اللاهوت التشريعات التى قالها السيد المسيح تبدو ظاهريا كأن المسيح أتى بتعليم جديد والواقع أن السيد المسيح وسع المفهوم لنفس الشريعـة القديمة ومد افاقها التى كانت مخفية أو غير معروفة فى العهد القديم ، وظنوا أن مفهوم الشريعة قاصر على هذا المفهوم الضيق المحدود ، فالمسيح من دون أن يغير الشريعة ، بين ابعادها التى لم يكن اليهود يفهمونها ، من دون أن يكون فى هذا اضافة لشريعة جديدة . ( للمزيد ارجع لموسوعة الاهوت الادبى ص 220:ص 230 )

أقوال الاباء عن الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد المكملان لبعضهما البعض  :

1) القديس ايبوليتس

” فى الفردوس كانت توجد شجرة المعرفة وشجرة الحياة ، واليوم أيضا

قد نصبت شجرتان فى الكنيسة : الناموس والكلمة ، لان معرفة الخطيئة قد اتت بالناموس ، اما الكلمة فقد اعطيت الحياة ومنح غفران الخطايا ” .

2) العلامة اوريجانوس :

” علينا أن نحيط علما بان البواكير والثمار الاولى ليست الشئ نفسه ، اذ تقدم البواكير بعد الحصاد ، وأما الثمار الاولى فقبله ، وعليه فليس من الخطأ القول بأن بين الاسفار المنقولة الينا عبر التقليد والمعتبرة الهية فى كنائس الله كافة ، يشكل ناموس موسى الثمار الاولى والانجيــــل البواكيـــر ،

اذ بعد كل ثمار الانبياء الذين تعاقبوا إلى الرب يسوع بزغ الكلمة الكامل ، فالعهد القديم كله انما يشكل بداية للانجيل ، بل أن الكتاب المقدس كله انجيل ، فان كان الانجيل تبشيرا بالخيرات وان كان جميع من سبقوا حضور المسيح بالجسد قد بشروا بالمسيح الذى هو كل الخيرات ، فاقوالهم جميعا تشكل إذا قسما من الانجيل بطريقة ما ، وإن كان المخلص يعيدنا إلى الكتب (انظر يو 5 : 19) ، لأنها تشهد له فهو لا يعيدنا إلى هذا دون ذاك ، بل إلى كل الكتب التى تبشر به ، ذلك أن كل التعليم الذى وصلنا فى شأنه قد اجمل فى كل واحد ” .

3) القديس باسيليوس الكبير :

” القول بان ثمة عبارة باطلة فى الكتاب هو تجديف رهيب ”

4) القديس اثناسيوس الرسولى :

” الاسفار الملهمة كانت كافية لبسط الحقيقة ، من أراد أن يفهم فكر كتاب الوحى (الالهى) عليه أولا أن يرحض نفسه ويطهرها بقداسة السيرة ، وان يقتدى من ثم بالقديسين انفسهم وذلك فى سلوك مماثل لسلوكهم ” .

5) القديس مرقس الناسك :

” إن من لا يعتبرون انفسهم مدينين بالنسبة إلى كل وصية من وصايا المسيح انما يقرؤون شريعة الله بطريقة جسدية دونما فهم ، لا لما يقولون ولا لما يؤكدون بشدة ” ( انظر 1 تيموثاؤس 1 : 7 ) .

– هكذا يتضح من كل الذى ذكرناه على أن الناموس لم ينقضه المسيح بل هو ثبته وأوضح معانيه الخفية التى كان اليهود يفهموها بطريقة خطأ ، إذن فلا نجرح فى كلام الله ووعوده فى كتابه المقدس ولا نقول هذا عهد قديم وهذا جديد بل نقول هذا كتابنا المقدس !!

القوانين الكنسية والتقليد يمنعون منعا باتا على تناول المرأة الحائض والنافث حتى يتم أيام تطهيرها :ـ

– جاء فى القوانين الكنسية :

” إلا انهن لا ينبغى أن يتركن التسبيح فى بيوتهن ، وذكر الله ، وان كن حائضات ، لكى لا يختلى العدو بهن ويلهمهن المعصية ، ويميلن إلى طريق الباطل” ( عن كتاب الطب الروحانى للانبا ميخائيل اسقف اتريب ومليج )

– ولو كان للرجل ظروف المرأة لكان فى هذه الحالة قانونه قانون المرأة سواء بسواء ، لانه فى المسيح ( لا فرق بين رجل وامرأة )

غلاطية 3 : 28 ” كما جاء فى ( لا 15 : 1 – 15 )

– هذا هو التعليم الذى تعلم به الكنيسة الارثوذكسية منذ الابتداء ، فقد جاء فى القوانين الرسولية كما نقلها الينا هيبوليتوس ( 170 – 235 ) :

” المرأة التى تلد ، لتقم خارجا عن الموضع المقدس ، أن كان الذى ولدته ذكرا اربعين يوما ، وان كانت انثى فثمانين يوما ” ( قانون 18 ) .

– وجاء فى كتاب (مجموع القوانين) الذى جمعه الصفى بن العسال :

” إن المولود إذا خيف عليه من الموت قبل طهر امه من دم نفاسها ، فليدخل الكنيسة مع غيرها ويعمد لان المرأة التى تلد تبقى بعيدة عن الموضع المقدس أربعين يوما أن ولدت ذكرا ، وثمانين يوما أن ولدت أنثى ” .

( القوانين للصفى بن العسال – الباب الثالث – طبعة جرجس فيلوثاؤس صـ 10 )

– وقد جاء هذا التعليم واضحا فى جميع مصادرنا الكنسية عبر كل العصور مستندة كلها إلى شريعة الله كما جاءت فى سفر اللاويين ( 12 :1 ـ 5 )

– وجاء فى مقال للانبا اثناسيوس اسقف قوص فى القرن الثانى عشر :

” أيها الحبر المؤتمن على الشريعة …. إن احضروا اليك طفلا يقصدون عماده قبل طهر امه ، فعمده عاجلا ، ولو كان ابن يومه ، ومرهم يا إمام

ألا ترضعه امه … إلى ثلاث ايام ” ( اللآلى النفيسة فى شرح طقوس ومعتقدات الكنيسة للقمص يوحنا سلامة ، الجزء الثانى الفصل السادس صـ 51 ، كتاب بن العسال للقوانين الباب الثالث صـ 16 ، 17 )

– ويقول العلامة يوحنا بن زكريا الشهير بابن السباع :

” رتبت الاباء أن كل طفل ذكر يولد ، فبعد تطهير والدته من ايام نفاسها أى بعد مدة أربعين يوما ، يعمد بلا تأخير ، وكل طفلة انثى بعد ثمانين يوما ، مدة تطهير والدتها تعمد أيضا ، وهذا لئلا يفوتهم ملكوت الله ” .

( الجوهرة النفيسة فى علوم الكنيسة صـ 50 ) .

– وجاء فى كتاب ( قانون الكنيسة القبطية أى كتاب الخلاصة القانونية فى الاحوال الشخصية لكنيسة الاقباط الارثوذكسيين للايغومينوس فيلوثاؤس ابراهيم ) .

– ” أن يمتنع الرجل عن زوجته ايام نفاسها ، اعنى الاربعين يوما إن كان المولود ذكرا ، ثمانون إن كان انثى ، بحيث لا تدخل المرأة الكنيسة إلا بعد تمام ايام النفاس وحينئذ تمضى للكنيسة بعد ايام نفاسها ليبارك عليها الكاهن ، ويمسحها بالزيت المقدس ، وكذا فى ايام حيضها لا تدخل الكنيسة ”

( لاحظ لاويين 12 : 1 – 5 ) .

– وجاء فى كتاب (المعمودية المقدسة) المستخدمة فى كنيستنا القبطية الارثوذكسية ما يقوله الكاهن فى صلاة التحليل على ام الطفل حتى يسمح لها بدخول الكنيسة والمواضع المقدسة بعد اتمام مدة نفاسها المنصوص عليها

لو كان المولود ذكر أو انثى :

” أيها السيد الرب الاله القادر على كل شئ الذى أمر عبده موسى فى الشريعة وعرفه حدود الطهارة الواجبة على كل النساء اللواتى يلدن ، أن يلبثن اياما قلائل كما رسمت لهن … لا يلمسن شيئا من قدسك … كذلك أيضا يا سيدنا نطلب ونتضرع إلى صلاحك عن أمتك هذه التى حفظت شريعتك وأكملــــت

وصاياك ، واشتهت أن تدخل إلى موضع قدسك ، وتسجد أمام هيكلك ، مشتاقة إلى التناول من اسرارك المحيية ، بارك عبدتك وطهرها ، وحاللها من كل نجاسة غريبة من طهرك ، ولتستحق شركة اسرارك المقدسة بغير وقوع فى دينونة .

” وبعد قراءة التحليل والبركة يدهنها الكاهن بالزيت وتدخل للبيعة وتتناول من الاسرار المقدسة . ”

– وجاء فى القانون الثانى للبابا ديونيسيوس المعترف البابا الرابع عشر للكرسى المرقسى :

” فى ما يتعلق بالنساء الحائضات ، فيما إذا كان يجب أن يدخلن بيت الله

ما دمن فى تلك الحالة ، اظن أنه ليس من الضرورى حتى أن يطرح هذا السؤال فانى اعتقد انهن انفسهن ، إذا كن مؤمنات وتقيات لا يجرؤن حينما يكن فى هذه الحالة ، على أن يقتربون من المائدة المقدسة أو يلمسن جسد المسيح ودمه .

لانه حتى المرأة النازفة الدم لاثنى عشر سنة لم تلمسه فعلا لكى تشفى ولكنها لمست فقط هدب ثوبه ، ليس ثمة اعتراض على أن يصلى الواحد مهما يكن من امره ، أو على أن يذكر الرب فى أى وقت وفى ايه حال ، ويلتمس أن يجد عونا ، ولكن إذا لم يكن طاهرا كله فى النفس والجسد يجب أن يمنع من أن يتقدم إلى أقداس الاقداس ” .

– ويقول أيضا البابا ديونسيوس :

” إن على الكاهن أن يمنع من دخول الكنيسة المرأة الواجب عليها أن تطهر ”

– ويقول الانبا ميخائيل اسقف اتريب ومليج :

” وأما الشريعة الحديثة فان الاباء يقولون فى المحارم : ولله على جميع النساء المؤمنات النصرانيات الامتناع عن دخول الكنيسة وهن حائضات وعليهن الامتناع عن اخذ القربان وهن فى علة الطمث حتى تنقضى عدة ايامهن ، إلا انهن لا يتركن التسبيح فى بيوتهن وذكر الله وان كن حائضات ”

( كتاب الطب الروحانى الجزء الأول الباب العاشر ) .

– ومن قوانين المجمع الاكليريكى فى عهد البابا كيرلس الثالث :

” ويحرم دخول الحائضات إلى الكنائس فى وقت حيضهن ” ( كتاب المجموع الصفوى لابن العسال ) .

– يقول مار اسطفان الدويهى :

” وهكذا حرم الله أيضا على النساء دخول الكنائس وهن حائضات ، واوجب عليهن الامتناع عن القربان فى حالة الطمث إلى أن تنقضى مدة ايامهن ، لكن لا ينبغى أن يتركن التسبيح فى بيوتهن “.

(موسوعة الانبا غريغوريوس اللاهوت  الطقسى )

– يقول القانون الثامن عشر من قوانين القديس أبوليدس هكذا :

” ومن بعدما يفرغ المعلم مما يعلم كل يوم فليصلوا وهم مفترقون من الرجال والنساء والقوابل لاينلن من السرائر إلا بعد أن يتطهرن أولا وطهارتهن تكون هكذا :

إن كان المولود ذكرا فعشرين يوما ، وان كانت انثى فاربعين يوما ، واذا مضت إلى بيت الله من قبل ان تتطهر فتصلى مع الموعوظين . النساء يكن منعزلات فى موضع لا يقبلن ذكرا بالجملة .

ويضع المعلم يده على الموعوظين من قبل أن يصرفهم ، والنساء اللواتى يلدن ، فالمرأة التى تلد فلتقم خارجا عن الموضع المقدس إن كان الذى ولدته ذكرا  اربعين يوما وإن كانت انثى ثمانون يوما .

واذا دخلت الكنيسة فتصلى مع الموعوظين والقوابل فليكن كثيرات لئلا يكن خارجا كل ايام حياتهن ” .

( عن كتاب للقمص صليب سوريال – الكتاب الأول فى قوانين الرسل وقوانين اكليمنضس وأبوليدس وعلاقتها بقوانين الاباء الرسل ) .

– ويقول أيضا فى القانون التاسع عشر للقديس أبوليدس :

” والذين يعدون للعماد فليستحموا بالماء يوم الخميس ويأكلون ويصومون الجمعة واذا لحق امرأة طمث فلا تتعمد فى تلك الدفعة بل تتأخر إلى أن تتطهر ” .

وبما اننا كنيسة مقدسة تمشى على التقليد المقدس وقوانين الاباء فنحن لا نسير من هوى انفسنا بل نحن كنيسة أرثوذكسية قويمة الرأى تسير على اثر الغنم كما تقول عروس النشيد .

– وردت عدة تساؤلات عن هل يمكن أن يخالط جسد المسيح المتناول اللحم البشرى ؟

وهنا نجاوب عليه بما قاله القديس يوحنا ذهبى الفم فى الافخارستيا قائلا الآتى :

” من اهم الامور أن نتعرف على المعجزة الحادثة فى اسرارنا ، ونعرف ما يتم فيها ، ولماذا منحت لنا ؟ ، وما الربح الروحى الذى نستمده منها ؟

– اننا نصير بها جسدا واحدا مع الرب و “أعضاء جسمه ، من لحمه ، ومن عظامه ” ( أف 5 : 3 ) .

فلينصت جيدا كل من يتقدم إلى الاسرار إلى ما اقول ، لقد قصد الرب أن يجعلنا واحدا معه ليس فقط بمشاعر المحبة ، بل وبالفعل الواقعى أيضا ، حتى نصير ممتزجين به فى جسد واحد .

وقد حقق ذلك بالمأكل الحق الذى وهبه لنا مجانا ، معبرا بذلك عن مقدار محبته التى احبنا بها .

– وهكذا فقد مزج نفسه بنا حتى جعل جسده يمتزج باجسادنا لكى نصير معه كيانا واحدا ، بمثل ما نكون أعضاء الجسد متصلة بالرأس فان هذه هى سمة المحبة الشديدة .

لقد عبر ايوب عن ذلك مشيرا إلى عبيده الذين احبوه لدرجة انهم كانوا يشتهون أن يصيروا ملتحمين بجسده ، فقد كانوا يقولون بسبب شدة محبتهم من نحوه ” من يأتى بأحد لم يشبع من طعامه ” ( أى 31 : 31 ) .

فالذى كانوا يشتهونه من جهة سيدهم هذا قد حققه لنا المسيح ، لكى يظهر لنا محبته من نحونا ولكى يدخلنا فى علاقة اوثق به ، فهو لم يجعلنا فقط نراه بل اعطانا أيضا أن نلمسه ، بل ونأكله ونستقبله داخلنا بالتمام ، فنشبع من حبه على قدر ما اشتهينا .

– فلنعد ، إذن من المائدة المقدسة كمثل الاسود المملوئين غيره ، ولنصر مُرهبين للشيطان ، اذ نذكر باستمرار ذاك الذى فينا الذى هو رأسنا ، ونذكر الحب الفائق الذى اظهره من نحونا ، أن الامهات كثيرا ما دفعن اطفالهن إلى مرضعات ، واما أنا يقول الرب . فانى اغذيكم بجسدى الخاص لكى اجعلكم جنسا كريما ، وأعطيكم من الان رجاء الخيرات العتيدة .

فالذى يعطيكم ذاته فى الحياة الحاضرة ، فكم بالأحرى فى الأخرى ؟

لقد ارتضيت بان اصير اخا لكم ، ومن اجلكم اشتركت معكم فى اللحم والدم والان هوذا أنا اسلم اليكم مرة أخرى جسدى ودمى الذين بهما صرت شريكا فى جنسكم .

– هذا هو يا احبائى الدم الالهى الذى يجلى فينا صورة المسيح ملكنا ، ويعطى نفوسنا بهاء فائقا لا يزال طالما هو يرويها ويغذيها متواترا ، فهذا الدم يروى نفوسنا وينعشها ويمنحها اعظم قوة .

حينما نتناوله باستحقاق ، فهو يجعل الشياطين تهرب منا ، ويستدعى فينا الملائكة والله نفسه رب الملائكة ، وان الشياطين تهرب خائرة أول ما ترى فينا الدم الالهى واما الملائكة تقترب وتسجد .

– فبالحقيقة ما ارهب اسرار الكنيسة وما ارهب مذبحها المقدس من الفردوس الارضى كانت تنبع عين مياه تتفرع إلى عدة انهار مادية ، والان من هذه المائدة يخرج ينبوع مياه روحية تندفع منه انهار نعم روحية .

لو استطاع احد أن يغمر يده أو لسانه فى الذهب المنصهر لكان يستردها وكلها مكسوة بالذهب ، هكذا بل وبطريقة اعظم من هذه ، يكون الاثر الحادث فى النفس التى تشترك فى هذه الاسرار ….

– إن هذا الدم صار ثمنا لافتداء العالم به اقتنى المسيح كنيسته ، به قد زينها بكل موهبة أن الذين يتناولون من هذا الدم يصيرون ملازمين للملائكة ورؤساء الملائكة والقوات السمائية .

بل يكونون لابسين ثوب المسيح نفسه ملكهم وحاملين اسلحة الروح ، بل انى بقولى ذلك لم اعبر عن الحقيقة العظمى ، انهم يصيرون لابسين المسيح نفسه ملكهم .

– أنه لم يكتف بان يصير انسانا وان يضرب ويقتل ولكنه أراد أيضا أن يمزج نفسه بنا ، وذلك ليس فقط بالايمان ، بل وبالفعل الواقعى أيضا فقد جعلنا جسدا له …. فبأى طهارة فائقة ينبغى أن يتقدم ذلك الذى ينال من مثل هذه الذبيحة ؟ ، وألا ينبغى أن تكون تلك اليد التى تقسم مثل هذا الجسد اكثر نقاوة من اشعة الشمس ؟

– وذلك الفم الذى يمتلئ بالنار الإلهية ، وذلك اللسان الذى يصطبغ بهذا الدم الرهيب ؟ فانظر إلى مقدار الكرامة التى دعيت إليها والى سمو المائدة التى ستشترك فيها ، فالشئ الذى ترتجف الملائكة من مجرد رؤيته .

ولا تجسر أن تنظر إليه بدون رعدة ، بسبب شدة الضوء المنبعث منه ، هذا الشئ بعينه هو الذى نأكله وبه هو نفسه نحن نمتزج لنصير به جسدا واحدا ولحما واحدا مع المسيح .

– إذن ، فهو يمزج نفسه فى الاسرار مع كل واحد من المؤمنين والذين ولدهم اولئك يطعمهم من ذاته ولا يدفعهم لاخر .

وبهذا أيضا هو يقنعك أنه قد اخذ جسدك فلا نكن إذن جاحدين لاحسانه بعدما استؤهلنا لمثل هذا الحب ولمثل هذه الكرامة ألا ترون الرضعان كم يشتهون ثدى امهاتهم وبكم من الاشتياق يثبتون شفاههم فى الثدى فبنفس الاشتياق ليتنا نقترب إلى هذه المائدة ، ونرتشف من كأس الحياة .

– ليتنا نجتذب منها لانفسنا نعمة الروح ، وليكن حزننا الوحيد هو أن نحرم من هذا القوت السماوى …..

ليس أن المسيح أقام تلك والانسان يقيم هذه الان ، ولكن المسيح هو بنفسه الذى يقيم هذه أيضا بالسوية فنحن الان فى العلية حيث كانوا مجتمعين فى ذلك الزمان .

– إذن من هذا يوضح لنا القديس يوحنا ذهبى الفم :

” أن المسيح يتحد بنا تماما فى الافخارستيا وليس معنى ذلك أنه كالطعام الذى نأكله بل هو طعامنا الحى الذى يمنحنا الحياة فيه وبه إلى الابد .

والمتنيح البابا شنودة الثالث يرد كثيرا على هذه التساؤلات الخاصة بالشخص الذى ينزف أو الذى يقوم بعملية جراحية  مثلا فلابد أن يتناول قبل العملية بيوم أو يومين على الاقل .

فى الافخارستيا نتحد بالمسيح اتحادا كاملا لنصير معا واحدا لاننا من لحمه ومن عظامه .

كما قال الرسولى ويقول أيضا :

” الأطعمة للجوف والجوف للأطعمة ، والله سيبيد هذا وتلك ولكن الجسد ليس للزنا بل للرب ، والرب للجسد والله قد أقام الرب ، وسيقيمنا نحن أيضا بقوته ألستم تعلمون أن أجسادكم هي أعضاء المسيح . أفآخذ أعضاء المسيح وأجعلها أعضاء زانية . حاشا ” ( 1 كو 6 : 13 – 15 ) .

– ويقول أيضا بولس الرسول فى موضع أخر :

” هكذا نحن الكثيرين : جسد واحد في المسيح، واعضاء بعضا لبعض ، كل واحد للأخر. ” ( رو 12 : 5 ) .

– إذا  يتضح امامنا اننا فى الافخارستيا نتحد بالمسيح بجسده ودمه الطاهرين اتحادا كاملا ، وأيضا نؤكد على أن هذا الطعام الروحى الخبز الحى هو الذى يعطينا الحياة فيه وبدونه نكون مظلمين .

وايضا هذا الخبز الحى لا يدخل تحت جهاز الهضم بالانسان بل هو له قنواته السرية التى يأخذ فيه الرب بكامله ليتحد بنا اتحادا لنكون واحدا أعضاء من لحمه ومن عظامه بالحقيقة نكون هكذا فهو غذاء لروحنا ، فهو لا يتأثر بأنزيمات الهضم بالمعدة والامعاء لكنه هو له قنواته السرية التى يجرى فيها ليكون اتحادنا بالمسيح اتحادا كاملا فى الافخارستيا .

خلاصة الامر

هل يليق بالمرأة الطامث أو النفساء بالتقدم للتناول من الاسرار المقدسة ؟ فالكتاب المقدس وقوانين الاباء منعت منعا باتا لتناولها حتى تتطهر كما ذكرنا سابقا .

– ولذا يقول بولس الرسول :ـ

” لكى تسلكوا بلياقة عند الذين هم من خارج ولا تكون لكم حاجة إلى احد ”  ( تس 4 : 12 )

– هكذا ليكون كل شئ بلياقة وحسب ترتيب فكيف يكون هذا الامر الذى امامنا من تلك الاراء التى انتشرت خلال السنوات الاخيرة التى تنادى بالسماح للمرأة الطامث والنفساء بالتناول دون التقيد بشريعة تطهيرها التى وضعها الله فى العهد القديم فى ( لاويين 12 ) ؟

فكيف ننقض ما قد وضعه الله بسهولة هكذا . فهل نحن فى عهد النعمة كما يقولون ؟ بالطبع نحن فى عهد النعمة لكننا ملتزمون بالشريعة كما انزلها الله على موسى النبى فى الجبل .

أو هل نحن فى عصر التحرر من كل قيود الناموس ؟ أم كما يقولون اننا فى عصر الحرية ؟

فهل ننقض ونهدم كل الطقوس والشرائع التى ورثناهــا مــن أباءنــا بالتقليد ومن شرائع الكتاب المقدس ؟!

– هل نهدم الشريعة بحجة اننا فى عصر التجديد والتغيير (الحرية) ؟!

إذن فهكذا لا ينبغى أن نجرى وراء كل ما هو جديد بل ليكون كل شئ بتريث ليدرس كل فكر جيدا اهل هو موافق للكتاب المقدس وشريعته القديمة الجديدة ام لا ؟ فكما يقول المتنيح البابا شنودة الثالث على التقليد يجب أن يكون موافق لما جاء من الكتاب المقدس .

إذن لابد من موافقة كل قوانينا لما جاء فى الكتاب المقدس دون تحريف أو القول أن الكتاب المقدس وخصوصا العهد القديم كان كله رمزا للعهد الجديد هنا نتسائل عن رمزية هذه المسألة التى نحن بصددها الان وهى شريعة الطامث ( لا 12 ) .

فاين الرمز هنا ؟  فكيف يمكن أن تذهب لكى تتناول من الاسرار وهى فى ّ هذه الحالة المرضية غير الطاهرة ؟ بالاضافة الى سوء حالتها النفسية لما ينزف منها . فكيف ستتجرأ وتقتحم المقادس للتناول من الافخارستيا وهى بهذا الوضع ؟

الى جانب ان جسم المرأة يفرز افرازات كثيرة من مخاط ودم واخلاط اخرى تتعفن فتجعل جسمها غير طاهر اى غير نظيف طوال مدة نفاسها ومن ثم فلا يليق بها ان تدخل المقادس والا حسب اقتحامها استهتارا بالاقداس . (موسوعة الانبا غريغوريوس اللاهوت الطقسى )

– وايضا من ضمن الحجج والبراهين التى قدموها هؤلاء المحدثون هى انهم يحتجون بان المسيحية بهذا الوضع تنادى بتميز الرجل على المرأة .

فكيف يكون هذا أيضا فهل المسيحية التى حررت العبيد هى التى تميز الرجل عن المرأة .

– فالمسيحية منذ بدايتها حررت كل العبيد وحررت المرأة أيضا التى كانت قديما مستعبدة فكانت عند الرومان مجرد أداة للمتعة الجسدية ليس غير ذلك فكانت الرذيلة منتشرة فى الشوارع وكانت المرأة فى منزلة دنيا جدا مرذوله ليس لها استخدام غير المتعة الجسدية للرجال .

فكيف يقولون أن المسيحية تميز بين المرأة والرجل وتضع المرأة فى مرتبة دنيا عن الرجل ؟

فالمسيحية جاءت حررت العبيد جميعا وحررت المرأة من حالتها التى كانت مزرية جدا فى العصور السابقة للمسيحية .

فمثلا يقول القديس بولس الرسول فى رسائله هكذا :

” لأن كلكم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح ليس يهودي ولا يوناني ليس عبد ولا حر ليس ذكر وأنثى ، لأنكم جميعا واحد في المسيح يسوع ” ( غلا 3 : 27 ، 28 ) .

هكذا ساوى الرب بين الرجل والمرأة فهى مثله تم لها الخلاص مثل الرجل بل أن المسيح نفسه رفع من المرأة جدا حينما جاء مولودا من امرأة .

– كما قال بولس الرسول :

” ولكن لما جاء ملء الزمان ، أرسل الله ابنه مولودا من امرأة، مولودا تحت الناموس ليفتدي الذين تحت الناموس ، لننال التبني ” ( غلا 4 : 4 ، 5 ) .

هكذا رفع المسيح له المجد بميلاده من العذراء مريم كل النساء حتى صاروا على المستوى الواحد مع الرجال وليس فيهم افضل من الاخر.

– ونجد أن المسيح أيضا فى امثاله شبه نفسه بامرأة التى فقدت الدرهم كما جاء فى الانجيل لوقا :

” أو أية امرأة لها عشرة دراهم ، إن أضاعت درهما واحدا ، ألا توقد سراجا وتكنس البيت وتفتش باجتهاد حتى تجده وإذا وجدته تدعو الصديقات والجارات قائلة : افرحن معي لأني وجدت الدرهم الذي أضعته هكذا  أقول لكم : يكون فرح قدام ملائكة الله بخاطئ واحد يتوب ” ( لو 15 : 8 – 10 )

– فكيف يكون هذا إذا فالمسيحية لم تدنى من المرأة بل رفعتها إلى اعلى الدرجات حتى صارت مثلها مثل الرجل  تماما فهى أخذت ونالت الخلاص كما هو أيضا .

ونجد أيضا من النساء من كانوا يتنبأن مثل بنات فيلبس المبشر كان له أربعة بنات يتنبأن فهل حرم المسيح النساء من النبوءة ؟ هكذا لم يحرمهن من أى شئ فقد صاروا مثلهم مثل الرجال حتى فى النبوءة

– أيضا كان كثيرا من النساء يتبعن المسيح فى ايام كرازته وكانوا يأخذون بركة مثل المجدلية ويوأنا امرأة خوزى وغيرهن من النساء اللاتى تبعاه وكانوا يصرفن من اموالهن أيضا على التلاميذ .

– أيضا يدعون أن فى معجزة اشباع الجموع الخمسة الاف كان بها نساء عليهن الحيض الشهرى ؟

فكيف يكون هذا الامر ونحن لازلنا تحت الشريعة ؟

– وكيف ستخرج امرأة يهودية تحت الناموس وهى عليها عادة النساء أو الدورة الشهرية ؟ وهى شريعتها تنص على “واذا كانت امرأة عليها سيل , وكان سيلها دما فى لحمها , فسبعة أيام تكون فى طمثها وكل من مسها يكون نجسا الى المساء ….   لا 15 : 19 ـ 25

– هكذا يكون الامر أن ذلك لا يمكن للمرأة اليهودية وهى فى حالة الطمث هذه أن تخرج من بيتها لاى امر كان هكذا يكون المبدأ أنه من المستحيل ان يكون هذا الوضع الذى يحكون عنه هؤلاء المحدثين بالنسبة للمرأة اليهودية .

وايضا نقول لو افترضنا أن كان بعضهن عليهن عادة النساء فكيف ستتحمل هذه المرأة هذه المدة الطويلة الثلاثة ايام وهى بهذه الحالة ؟!

– فهل يستصاغ هذا المبدأ بان يكون بينهم نساء عليهن عادة النساء (الحيض )هذا لا يليق من حيث الشريعة وايضا من حيث التعب الجسدى من حالة النزف المستمر المضنى الذى يجعلها أيضا فى حالة جسدية ونفسية سيئة .

– إذن لنقول مع بولس الرسول :ـ

” فانظروا كيف تسلكون بالتدقيق ، لا كجهلاء بل كحكماء مفتدين الوقت لأن الأيام شريرة من أجل ذلك لا تكونوا أغبياء بل فاهمين ما هي مشيئة الرب ” ( أف 5 : 15 – 17 ) .

– ويقول أيضا هكذا : ” مختبرين ما هو مرضى عند الرب ، ولا تشتركوا فى أعمال الظلمة غير المثمرة بل بالحرى وبخوها ” ( أف 5 : 10 ، 11 ) .

هكذا إذن فلنستيقظ لكل شئ يحدث من حولنا ولا نشترك فى هذه الاعمال غير المثمرة بل نوبخه

– اما عن المرأة النازفة الدم التى لمست المسيح فيقول عنها الانجيلى متى هكذا :

” واذا امراة نازفة دم منذ اثنتي عشرة سنة قد جاءت من ورائه ومست هدب ثوبه لانها قالت في نفسها : ان مسست ثوبه فقط شفيت فالتفت يسوع وابصرها فقال: « ثقي يا ابنة ايمانك قد شفاك » فشفيت المرأة من تلك الساعة ” ( مت 9 :20 – 22 ) ( انظر مر 5 : 25 ، لو 8 : 43 ) .

– وهنا نقول رأى القديس البابا ديونيسيوس (14) على الكرسى المرقسى الذى قال انها لمست هدب ثوبه (المسيح) ولم تلمس المسيح نفسه .

– فهذا البابا العظيم ديونيسيوس (14) هذا الذى كان يلقب فى الكنيسة الجامعة كلها أنه معلم مسكونى كيف لنا نحن أن نفند اراءه وقوانينه التى كانت المسكونة كلها مفتونة بتعاليمه التى قدروها واجلوها جدا حتى من حبهم له اعطوه لقب المعلم المسكونى .

فقد تفوق على معلمه العظيم اوريجانوس أو على الاقل يبقى التلميذ كمعلمه كما قال السيد المسيح له المجد .

والمعترضين على أخطاء اوريجانوس يرد عليهم البابا شنودة الثالث المتنيح  ” اعطونى ورقة بخط اوريجانوس وانا احكم عليها “.

– كان نزيف هذه المرأة هو مرضها فالمسيح الهنا المتحنن الذى كان يجول يصنع خيرا ويشفى كل مرض وضعف فى الشعب فلم يتأخر على شفاء الامراض التى تعتبر نجسة فى الشريعة القديمة امثال نازفة الدم والابرص لهذا فالمعجزة هنا معجزة شفاء مرض من ضمن الامراض الكثيرة التى شفاها السيد المسيح له المجد .

– هل نأخذ هذه المعجزة ” شفاء نازفة الدم ” أساس لهدم شريعة المرأة الطامث والنفساء ؟!

الفصل الثانى : كرامة الزواج فى المسيحية

القسم الأول : الكتاب المقدس وإثباتاته

– عندما نبدأ الحديث عن الزواج المسيحى وكيفية اتحاد الزوجين اتحادا كاملا جسديا وايضا روحيا فى المسيح فالذى يقدسهم هو الروح القدس الذى يوحد بينهم ويجعلهم واحدا فى المسيح .

– وكما قال الكتاب المقدس فى حديثه عن مباركة المسيح له المجد لعرس قانا الجليل وحضوره الالهى فيه وعمل أول معجزاته على الأرض بتحويل الماء إلى خمر , فقد قدس المسيح ماء العرس ليحول اتحاد العروسين معا كمثل الخمر الجيد الذى لا يفسد على الاطلاق حينما يوضع فى آنية الزواج المقدسة ليكونان واحدا فى خمر الحياة . الذى هو خمرنا الذى سكبه دمه على الصليب ليعطينا اياه فى سر الافخارستيا جسده ودمه ليكون لنا الحياة الأبدية به  . وهكذا يكون اتحادنا بالمسيح من خلال الاسرار السبعة المقدسة .

– ويذكر يوحنا الحبيب فى انجيله هذه الاحداث قائلا :

” وفي اليوم الثالث كان عرس في قانا الجليل وكانت أم يسوع هناك . ودعي أيضًا يسوع وتلاميذه إلى العرس.  ولما فرغت الخمر قالت أم يسوع له ليس لهم خمر . قال لها يسوع ما لي ولك يا امرأة لم تأت ساعتي بعد.  قالت أمه للخدام مهما قال لكم فافعلوه . وكانت ستة أجران من حجارة موضوعة هناك حسب تطهير اليهود …… هذه بداية الآيات فعلها يسوع في قانا الجليل واظهر مجده فآمن به تلاميذه . ” ( يو 2 : 1 – 11 )

– إذن فالزواج مقدس وطاهر بما فيه العلاقة الزوجية التى فيه طاهرة بل هى قدس الحياة الزوجية التى من خلالها أيضا نشترك فى الخلق مع الله كما قال احد الاباء هكذا اننا نشترك فى الخلق مع الله .

– فنحن نؤكد على حقيقة  طهارة هذه العلاقة الزوجية طهارة مطلقة , ولو لم تكن طاهرة لما سمح بها الله للانسان لكى يعطيه بها البركة الإلهية منذ البدء  “اثمروا واكثروا واملأوا الأرض ”  فلو لم تكن طاهرة ومقدسة فى الرب لما اعطاها الله لنا وسمح لنا بها .

– ولو لم تكن الحياة الزوجية طاهرة فى عين الرب لم يكن قد سمح بها من الاصل ولم يكن أيضا قد ابتدأ حياته العملية فى خدمته التى قام بها على الأرض بقيامه بأول معجزة فى العرس الذى قدسه بالحضور فيه وايضا قدسه بصنع أول معجزة له فيه . فبذلك يتضح لنا قداسة الحياة الزوجية فى عينى المسيح الهنا وطهارتها .

– ويؤكد لنا الكتاب المقدس مرارا وتكرارا على قداسة الزواج فيقول على لسان رب المجد يسوع عندما سأله الفريسيون ليجربوه وهكذا :

” وجاء إليه الفريسيون ليجربوه قائلين له : هل يحل للرجل أن يطلق امرأته لكل سبب فأجاب وقال لهم : أما قرأتم أن الذي خلق من البدء خلقهما ذكرا وأنثى وقال : من أجل هذا يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ، ويكون الاثنان جسدا واحدا إذا ليسا بعد اثنين بل جسد واحد . فالذي جمعه الله لا يفرقه إنسان قالوا له : فلماذا أوصى موسى أن يعطى كتاب طلاق فتطلق قال لهم : إن موسى من أجل قساوة قلوبكم أذن لكم أن تطلقوا نساءكم .

ولكن من البدء لم يكن هكذا وأقول لكم : إن من طلق امرأته إلا بسبب الزنا وتزوج بأخرى يزني ، والذي يتزوج بمطلقة يزني قال له تلاميذه :

إن كان هكذا أمر الرجل مع المرأة، فلا يوافق أن يتزوج فقال لهم : ليس الجميع يقبلون هذا الكلام بل الذين أعطي لهم لأنه يوجد خصيان ولدوا هكذا من بطون أمهاتهم ، ويوجد خصيان خصاهم الناس ، ويوجد خصيان خصوا أنفسهم لأجل ملكوت السماوات . من استطاع أن يقبل فليقبل . ”

( متى 19 : 3 – 12 )

– هنا المسيح له المجد يؤكد على قدسية الحياة الزوجية وبما فيها العلاقة الزوجية وايضا يحزم فى أمر الخطيئة التى هى هادمة للحياة الزوجية التى هى الزنا فيأمرنا أن نضبط الشهوة حتى نكبح جناح سطوتها علينا فلا نقع فى الزنا فتنهدم الحياة الزوجية . بل يحثنا هنا فى المعنى المستتر على الترفع عن أى شئ يجعلنا نقع فى الشهوة خارج الزواج بل نكون أمناء مع الطرف الثانى ، وايضا يحثنا هنا على كبح جماح الشهوة حتى فى الزواج فهو فى نهاية حديثه يتحدث عن البتولية ففى ذلك أيضا يحثنا على تقنين العلاقة الزوجية .

لكى نكون فى اوقات محددة وليس باستمرار للتفرغ للهج فى وصاياه والتأمل فى الله ناظرين باستمرار للسماء والحياة الابدية مع المسيح يسوع فهو يريدنا أن نكون كاملين فى كل شئ كما هو كامل . لذلك فربنا يسوع هو يريد منا أن نجرى إليه ويجتذبنا هو بجاذبيته الكبيرة حتى نكون له العروس وهو العريس لنتحد معا فى علاقة مقدسة أبدية ليس كالزواج الجسدى بل كأننا فى زواج روحى مرتفع عن الارضيات لنعلو به وفيه وله إلى السماويات التى نحل فيها متحدين به لنحيا معه إلى الابد فى نعيمه السماوى المجيد .

– لكنه مع ذلك أعطانا الحرية فى قبول حياة البتولية أو عدم قبولها فحتى المتزوجون كان بينهم بتوليين  فالتاريخ يحدثنا عن البابا ديمتريوس الكرم (12) هو وزوجته وايضا فى العصر الحديث ابونا بيشوى كامل وغيرهم الكثير .

– إذن فالزواج مقدس فى المسيح بروحه القدوس الذى يحل على الرجل والمرأة ليوحدهم معا ليصيروا الاثنين جسدا واحدا والعلاقة الجسدية مقدسة هذا الأمر لا يختلف عليه اثنين لان هذا أمر به الرب يسوع وقدسه بحضوره الالهى لعرس قانا الجليل .

من أقوال الاباء عن قداسة الزواج

1)-  يقول القديس اغسطينوس :

” هكذا بحضور الرب العرس الذى دعى إليه أراد بطريقة رمزية أن يؤكد لنا أنه مؤسس ( سر ) الزواج ، لانه يظهر قوم قال عنهم الرسول انهم مانعون من الزواج ( 1تى 4 : 3 ) حاسبين الزواج شرا من صنع الشيطان ” .

( تفسير متى لأبونا تادرس المالطى – موسوعة الأنبا غريغوريوس اللاهوت العقيدى فى الأسرار السبعة عن سر الزواج والكهنوت الجزء الثانى ) .

2) يقول القديس اكليمنضس السكندرى ( 150م – 210م ) :

” إذا كان الزواج الذى امرت به الشريعة يعد خطيئة فانى اسأل كيف يجرؤ إنسان يزعم أنه يعرف الله ومع ذلك يقول إن الله يأمر بالخطيئة ؟! … ”

3) أما القديس كيرلس الاورشليمى :

” إذا كنت تلتزم العفة التامة (أى البتولية) فلا تنتفخ فى غرور باطل على الذين يسلكون بزواجهم طريقا اكثر تواضعا ، لانه يقول الرسول وليكن الزواج مكرما فى كل شئ وليكن فراش الزوجية طاهرا غير نجس ”

فانت ذاتك الذى تحفظ عفتك ، ألم تولد من متزوجين ؟ فإذا كنت تمتلك الذهب (البتولية) فلا تحتقر من يمتلك الفضة (الزواج) ، فليطلب نفسا اولئك المتزوجين الذين يستخدمون الزواج كما ينبغى ، اعنى الذين يتزوجون وفقا للشريعة الإلهية لا من اجل المتعة الجنسية واشباع الشهوة ، الذين يراعون فترات للتعفف عن العلاقات الجنسية حتى يتفرغوا للصوم والصلاة ، فيأتون إلى الكنيسة بأبدان طاهرة كما يأتون بملابس نظيفة ” . ( محاضرات فى التعليم المسيحى )

4) يقول القديس اثناسيوس الرسولى :

” فالزواج غير نجس بل هو طاهر وان كانت البتولية (وهى فضيلة ملائكية لا يمكن أن يسمو عليها شئ) تفضل على الزواج ” ( اثناسيوس فى رسالته إلى الراهب عمون ) .

5) يقول القديس اغناطيوس الانطاكى الشهيد سنة 110م :

” يجب على الرجال والنساء الذين يرغبون فى الزواج أن يعقدوا اتحادهم بموافقة الاسقف ، حتى يكون زواجهم وفقا لارادة الرب ، وليس بدافع الشهوة وليعمل كل شئ لأجل مجد الله ” . ( رسالته إلى بوليكابوس فصل 2 : 5 )

6) القديس يوحنا ذهبى الفم ( 347م – 407م ) :

” لماذا تهتك اسرار الزيجة الموقرة ، فانه ينبغى أن … تدعوا الكهنة ، وتعقد اتحاد الازواج بالصلوات والبركات لكى ينمو شوق العريس وتزداد عفة العروس ، ويدخل عمل الفضيلة فيما بينهما بكل وجه ” 7) يقول القديس امبروسيوس :

” اننا نعترف بان الله هو سيد الزواج وحارسه وهو لا يطيق أن يدنس فراش الزوجية فمن يخطئ خطيئة كهذه يخطئ ضد الله ، واذ يخالف شريعته ويسئ استغلال نعمته ، ومتى أخطأ ضد الله لا يستطيع أن يشترك فى السر الالهى ” ( كتاب الانبا غريغوريوس فى سر الزيجة ص 19 ، 20 ، 24 )

8) يقول القديس ايرونيموس :

” فان كل المسيح يحب الكنيسة فى قداسة وعفة ومن دون دنس ، فليحب الرجال زوجاتهم فى عفة ، وان يعرف كل واحد منكم أن يصون اناءه فى القداسة والكرامة ، لا فى فجور الشهوة كالوثنين الذين لا يعرفون الله لان الله لم يدعنا إلى النجاسة بل إلى القداسة ” .

– ويقول العلامة اثيناغوراس فى كتابه ( الدفاع عن المسيحيين ) شارحا طهارة المسيحيين فى نظرتهم إلى الزواج وانه لغاية الانسال أو انجاب الأطفال :

” لهذا ، ونحن نترجى الحياة الابدية نزدرى شئون هذه الحياة الحاضرة ، بل ومسرات النفس البشرية فكل منا – نحن المسيحيين – ينظر إلى زوجته التى ارتبط بها ارتباطا شرعيا .

وغايته من الزواج هى انجاب الأطفال فقط ، وكما أن الفلاح يلقى البذار فى الأرض وينتظر الحصاد ، فلا يبذر من جديد ، هكذا نحن المسيحيين نضبط شهوتنا فلا نسمح لها إلا من اجل انجاب الاولاد”

– هكذا يتضح من هذا القول للعلامة اثيناغوراس فى دفاعه عن المسيحيين وعقائدهم اننا لاننقاد تجاه الشهوة الجسدية بل نقمع جسدنا ونستعبده كما قال الرسول فلا نستخدم العلاقة الجسدية إلا فى انجاب الأطفال .

ومع ذلك فلا نستطيع أن نأمر بهذا لكننا على الاقل فى الامور الكنسية وخصوصا الاسرار المقدسة وخصوصا أيضا الافخارستيا فيجب أن نكف

عن المعاشرة الزوجية قبل التناول ولا نكون مستبحين السر كأننا نذهب للكنيسة للتناول كما يقول الرسول كما لقوما عادة ، فلنحظر من الدينونة العظيمة التى تنتظرنا !!

– ويقول أيضا عن هذا القديس كيرلس الاورشليمى ( 315 – 386م ) :

” فليطلب نفسا اولئك المتزوجون الذين يمارسون الزواج كما ينبغى اعنى الذين يتزوجون وفقا للشريعة  الذين يدخلون الحياة الزوجية من اجل انجاب الأطفال ، لا من اجل الانغماس فى المتعة الحسية واطلاق العنان للشهوة ” .

– يقول القديس اغسطينوس فى مزايا الزواج وفوائده :

” لقد ثبت الرب أن الزواج طاهر … ليس فقط بمنع الطلاق ، إلا لعلة الزنا ، بل أيضا بحضوره الزواج ( فى قانا الجليل ) عندما دعى إليه ضيفا ، ويجدر بنا أن نبحث لماذا كان الزواج طاهرا … أنه كذلك ليس فقط لانجاب الأطفال ولكن لانه رفقة طبيعية بين الجنسين …. أن للزواج هذه الميزة ، فالرغبة الجنسية الجسدية أو الشبابية حتى ولو كانت نجسة لكنها تتحول إلى مهمة جليلة بإنجاب الذرية ، ولذلك فان المعاشرة الزوجية تخرج من الشهوة الشريرة شيئا صالحا …” ( كتاب ميزة الزواج ) .

ويكمل اغسطينوس القول فى نفس الكتاب السابق :

” الزيجة ليست فقط من اجل انجاب الأطفال ، وانما أيضا بسبب الضعف البشرى وعدم ضبط النفس ”

ويضيف قائلا : ” أن المعاشرة الجنسية بين الزوجين من اجل انجاب الأطفال ليس فيها خطيئة ، اما التى من اجل اشباع الشهوة وان كانت بين الزوج وزوجته وبأمانة لفراش الزوجية ففيها خطيئة عرضية ، اما الزنا والنجاسة فهى خطيئة مميتة ” ، ويقول أيضا ميزة الزيجة هى انها من اجل انجاب الذرية ، وحفظ العفة ” ( سر الزيجة للأنبا غريغوريوس ) .

– هكذا اكد لنا الرب على طهارة وقداسة الحياة الزوجية بما فيها العلاقة الجسدية لكنه يؤكد على شئ هنا ألا وهو أن يكون المضجع طاهرا كما يقول الكتاب على لسان بولس الرسول  “يكون مضجع غير دنس ” . هكذا لابد أن تسير مركب الحياة الزوجية أو سفينته فى قداسة وطهارة بعيدا عن الشهوة الجسدية لكى نعيش فى المسيح يسوع بلا لوم .

– هكذا بلا جدال أو مجادلة نتفق كل الاتفاق فى هذه النقطة التى لا يوجد خلاف معها على الاطلاق وهى طهاره وقداسة الحياة الزوجية والعلاقة الجسدية  فلا يوجد خلاف على هذا المبدأ لأنه مأخوذ من قاعدة التشريع فى الكنيسة وهو الكتاب المقدس بما فيه من وصايا وأوامر رب المجد يسوع المسيح فى شان الزواج عموما .

– لكننا هنا أيضا لا نخالف رأى لأنبا ساويرس بن المقفع اسقف الاشمونين الذى ذكره فى كتابه ( الدر الثمين فى ايضاح الدين ) الذى يقول عن أن العلاقة الجسدية التى يقوم بها الزوجين هى ليست نجسة بل يجب أن نحترس عندما نتقدم إلى التناول فهو يعتبرها فطر وليس نجاسة أو دناسة .

فأين الخطأ فى هذا الراى فهو له جانب كبير من الصحة فكيف نكون  صائمين عن الاكل والشرب ونقوم بهذه العلاقة  قبل التناول . فيجب أن نحترس من تلك العلاقة حتى نذهب إلى التناول ونحن مستعدين صائمين وايضا زاهدين من كل شئ له جانب من المتعة الجسدية مثل العلاقة الجسدية فيجب أن نكون حريصين فى هذا الأمر لأننا سوف نأخذ المسيح الهنا الذى هو نار اكله فلنتحرس حتى

لا يحرقنا اللاهوت .

– هلم نتحاجج يقول الرب إن كانت خطاياكم كالقرمز تبيض كالثلج … ( أش : 1 ـ19 ) .

وهنا فى محاجتنا ضد  الآراء ( التى تسمح بإقامة علاقة زوجية فى الليلة التى تسبق حضورنا للتناول من الافخارستيا ) هذه الآراء المخالفة لتعاليم كنيستنا القبطية الارثوذكسية سوف نستند على مصدرين لنقد وتفنيد هذه الاراء البعيدة كل البعد عن تعاليم كنيستنا التى ورثناها عن الآباء الاولين التى رسخت إيماننا القويم السليم فى عقيدتنا الأرثوذكسية . فنحن لا نجرى وراء كل من يدعو إلى التجديد المخل فى الكنيسة الذى يتخلل فى عقائدنا مثل السوس الذى ينخر فيها لكى ينهار المبنى . حاشا ان يحدث مثل هذا فإيماننا وكنيستنا القبطية الارثوذكسية مبنية على صخر الدهور مسيحنا القدوس الذى هو هو امس واليوم والى الأبد. والذى اعطانا ذلك الوعد الالهى من فمه الطاهر قائلا ابواب الجحيم لن تقوى عليها .

فنحن تسلمنا عقائدنا وتقاليد عبادتنا منذ الفين سنة تسلمناها من الاباء الرسل الذين تعلموا على يد المسيح له المجد وقد اخذوها منه شفاهية , وايضا ورثناها من التقليد ومن الكتاب المقدس الذى هو ماء الحياة الذى نستقى منه لنحيا بالروح فى المسيح يسوع !

– إذن فالمصدرين الذين سنقوم بالإستناد عليهما هما :ـ

المصدر الأول هو الكتاب المقدس ، والمصدر الثانى هو التقليد سواء كان قوانين الرسل أو الدسقولية ، قوانين الاباء والكبار امثال باسيليوس الكبير وغيره ، فهذه الأفكار التى ظهرت فى السنوات الاخيرة هى ليست دعوة للاصلاح بل هو دعوة لنسف وتدمير كل ما هو متوارث وموروث من السلف الى الخلف فى الكنيسة المحافظة على تقاليدها ضد كل الاراء التى تبدو ظاهرها انها للتجديد والاصلاح لكنها كالقبور المبيضة من الخارج لكن داخلها عظام وكل نجاسة هكذا كما قال المسيح له المجد .

1) الاثبات الأول : قيادة الروح القدس للكنيسة :

– لنبدأ إذن بمحاجة الاراء والافكار المغالطة والهدامة لتعاليم كنيستنا القبطية الحجة بالحجة ولنترك لك أيها القارئ الباحث عن الحقيقة والحق أن تكون الحقيقة نصب أعينك لتنجلى من عليها ظلام الخداع الذى يجليه ويظهره شمس البر التى فى اجنحتها الشفاء . ( ملا 3 : 6 )

– فهذه الأفكار المخالفة لتعاليم المسيح فى التقليد المقدس الذى ورثته الكنيسة المقدسة الارثوذكسية عن المسيح الذى علمه للرسل والرسل علموه للجيل التالى وهكذا من جيل إلى جيل حتى وصل الينا هكذا بالتقليد والتسليم سواء شفاهيا أو مكتوب .

– إذن فهكذا وصلتنا هذه التقاليد المقدسة عن طريق الاباء القديسين .فالروح القدس الذى هو يقود الكنيسة بعد صعود المسيح إلى السماء هو الذى ثبت هذه التقاليد إذن فكل شئ تصنعه مؤيد بالروح القدس وليس من قبل انفسنا منذ القديم منذ بداية المسيحية وهو الذى بنى الكنيسة وقادها إلى ما نحن عليه .

– وهذا يتضح جليا فى سفر أعمال الرسل الذى فيه الروح القدس كان يقود الكنيسة وينميها ، فكيف نقول أن هذه التقاليد المقدسة 1التى تمشى عليها الكنيسة هى عادات قديمة وليس لها صحة للوجود سواء فى الكتاب المقدس أو التقليد ، فنرد على هذا بمثال بسيط على ما حدث عند اختيار شاول وبرنابا للعمل الكرازى فيذكر ما قاله الكتاب المقدس قائلا :

” وبينما هم يخدمون الرب ويصومون، قال الروح القدس افرزوا لي برنابا وشاول للعمل الذي دعوتهما الي فصاموا حينئذ وصلوا ووضعوا عليهما الايادي ، ثم اطلقوهما. ” ( أع 13 : 2 ، 3 ) .

– هذا المثال من الكتاب المقدس يظهر لنا مدى قيادة الروح القدس الحقيقية للكنيسة وللرسل ولخفائهم الآباء الرسوليين وما تلوهم من بطاركة فى العالم كله حتى يومنا هذا .

– إذن هنا السؤال يلح علينا إذا كان هكذا الامر فى الكنيسة فكيف يترك الروح القدس الكنيسة لكى تخطأ كل هذه الاخطاء التى يذكرها بعض الكتاب الكنسيين المؤلفين لافكارهم الهدامة الخاصة بالتناول والعلاقة الزوجية .

– لذلك نقول أنه من ضمن الحوادث التاريخية التى تؤكد على قيادة الروح القدس للكنيسة هى عندما اجتمع المجمع المسكونى المقدس الأول مجمع نيقيه قالوا انهم عندما احصوا عدد الاساقفة كانوا يجدونهم 319 وليس 318 عددهم الحقيقى فكان رقم 319 كان الروح القدس الذى يحضر معهم المجمع ليقوده لخير الكنيسة وهكذا كان إلى يومنا هذا !

– ونقرأ الكثير عن قيادة الروح القدس للكنيسة فى سفر الاعمال ، ومن ضمن هذا أيضا نذكر ما ذكره الكتاب المقدس فى قصة إيمان الخصى الحبشى على يدى فيلبس الرسول فقال هكذا :

” وكان راجعا وجالسا على مركبته وهو يقرأ النبي اشعياء فقال الروح لفيلبس تقدم ورافق هذه المركبة  فبادر اليه فيلبس ، وسمعه يقرا النبي اشعياء ، فقال العلك تفهم ما انت تقرأ ………. فاجاب الخصي فيلبس وقال اطلب اليك عن من يقول النبي هذا ؟ عن نفسه ام عن واحد اخر  ففتح فيلبس فاه وابتدا من هذا الكتاب فبشره بيسوع  ……….ولما صعدا من الماء ، خطف روح الرب فيلبس ، فلم يبصره الخصي أيضا ، وذهب في طريقه فرحا واما فيلبس فوجد في اشدود وبينما هو مجتاز ، كان يبشر جميع المدن حتى جاء الى قيصرية.” ( أع 8 : 28 – 31 ، 34 ، 35 ، 39 ، 40 ) .

– هكذا يتضح أمامنا قصور الاراء والتعاليم التى يتحدث عنها بعض المؤلفين الكنسيين من حيث التطهيرات وغيرها من تعاليم غريبة عن الكنيسة القبطية الارثوذكسية ذات الطابع التعليمى القويم السليم التى اخذته عن الاباء القديسين الاوائل الذين انقادوا بالروح القدس حتى تصل لنا الكنيسة المقدسة التى نحيا فى رحابها طاهرة مقدسة سليمة من كل عيب أو غضن كما اسسها الرب يسوع الهنا له المجد هكذا تسلمناها من أب إلى أب حتى وصلت الينا .

فمن يشكك فى قيادة الروح القدس للكنيسة التى هى عروس المسيح كما يقول القديس بولس الرسول ” خطبتكم لأقدم عذراء عفيفة للمسيح ” . هكذا صارت كنيستنا القبطية على اثار الغنم كما يقول النشيد وبقيادة الروح القدس لنجدها نحن اولادها الان كنيسة مقدسة سليمة طاهرة مجيدة عروسة للمسيح .

فلا يصح أن نشكك فى تعاليمنا التى ورثناها من المسيح رأسا وبتعضيد وقيادة الروح القدس على مر الاجيال والعصور السابقة .

– فلنوجه انظارنا وعيوننا إلى السماء التى فيها القديسين ولا نسير متساهلين فى حياتنا على الأرض بالتساهل والاستباحة لاى عمل نعمله ونتحجج بحجة أن هذه تعاليم قديمة ودخيلة ولا يمكن أن تستمر مع تطور العصر والكنيسة هذا لا يليق بنا نحن اولاد القديسين المدافعين عن الجوهرة النفيسة التى هى الايمان الأرثوذكسي القويم . فلنحيا إذن حياة الاستعداد الدائم للشهادة للحق والحقيقة لنظهرها لاولئك الباحثين عنها فى كل مكان وزمان . هذا هو الاثبات الأول .

2)      الاثبات الثانى : ( مثل عرس ابن الملك ) :

نستخدم فى الاثبات الثانى من امثال السيد المسيح لاثبات عدم صحة هذه الاراء المخالفة التى انتشرت فى السنوات الاخيرة .

– وهذا هو المثل ” عرس ابن الملك ” : ( مت 22: 1ـ 14 )

وجعل يسوع يكلمهم ايضا بامثال قائلا يشبه ملكوت السماوات انسانا ملكا صنع عرسا لابنه فامتلا العرس من المتكئين  فلما دخل الملك لينظر المتكئين راى هناك انسانا لم يكن لابسا لباس العرس فقال له يا صاحب كيف دخلت الى هنا وليس عليك لباس العرس؟ فسكت حينئذ قال الملك للخدام اربطوا رجليه ويديه وخذوه واطرحوه في الظلمة الخارجية هناك يكون البكاء وصرير الاسنان لان كثيرين يدعون وقليلين ينتخبون ” .

– عندما نتسأل معا عن سبب اختيار هذا المثل وما فيه لنقد هذه الأفكار الهدامة التى انتشرت فى السنوات الاخيرة .

– نجيب هكذا عندما نتأمل قول الملك لذلك الإنسان الذى كان ليس عليه لباس العرس وتسلل ودخل هكذا للعرس ، فلو تطلعنا إلى هذا اللباس الذى يجب ارتدائه عندما نذهب لعرس المسيح بالمعنى الحرفى .

فنجد أنه هو أن نكون طاهرين روحيا وجسديا أيضا فعندما نذهب لوليمة المسيح (العرس) الذى اعددها لنا والتى هى الافخارستيا لكى نتناول من جسده  ودمه الاقدسين .

هكذا يجب علينا أن نكون طاهرين من الداخل وبالطبع ومن الخارج أيضا فكيف نذهب لهذه الوليمة السمائية ونحن يشوبنا بعض العطب البسيط الذى هو الطهارة الجسدية التى هى بالتأكيد ابسط من الطهارة الروحية التى تستلزم الزمن الطويل والمحاربات الشرسة مع الأفكار والشياطين .

فلو فرضنا اننا ملكنا الطهارة الروحية فما يعيب لو امتلكنا الطهارة الجسدية أيضا لكى نكون طاهرين للروح وللجسد أيضا هكذا نكون قد امتلكنا ثوب العرس .

– فلو تمعنا فى هذا المثل نجده يركز على لباس العرس أو الثوب الذى يرتديه المدعوين للعرس ووليمته التى هى التناول (الافخارستيا) فهو ينظر لكل واحد هل يلبسه بالفعل ام لا .

هنا ننطلق إلى معرفة هذا الثوب العجيب ووجوب امتلاكه حتى لا يكون مصيرنا مثل ذلك الشخص الذى دخل بدونه فوجب عليه الحكم بالطرد والهلاك الابدى ، فلنمتلك هذا الثوب الذى بدونه نهلك ويكون مصيرنا الظلمة الخارجية ، وكما تحدثنا سابقا أن هذا الثوب ما هو الا الطهارة الداخلية وايضا الطهارة الخارجية الجسدية التى يزهو بها الإنسان أن يكون طاهر من داخل ومن خارج .

– فعندما نذهب للتناول ألا نكون حريصين على امتلاك هذا الثوب لدخولنا لهذه الوليمة السمائية المعطاه لنا على الأرض ، ونكون حريصين كل الحرص على عدم التفريط فى طهارة الجسد والروح لدخولنا فى هذه الملحمة الإلهية العظيمة التى فيها يعطينا المسيح جسده ودمه الاقدسين لنتحد فيه وهو فينا لنكون على متهيئين لهذا السر العظيم .

– كما يقول لنا بعض الكتاب الكنسيين بان العلاقة الزوجية لا تحرمنا من التناول هكذا نضل انفسنا بعبارات منمقة لنذهب كل البعد عن المسيح الهنا ونسير فى موكبة المتهاونين فى ابسط الامور كمن يقولون أنه توجد خطايا كبيرة وصغيرة كل الخطيئة هى خطيئة وعقابها واحدا .

– فلذلك يجب أن نكون على المسئولية التى بها نلتحف بزى العرس الالهى الطاهر النقى من أى شائبة .

هكذا فلنحترس ونمتنع عن العلاقة الزوجية عند ذهابنا لهذه الوليمة السمائية    ( التناول ) حتى يكون انشغالنا وفكرنا بعيدا عن افكار الجسد التى تبتعد كل البعد عن الروح ، فلنجتهد حتى تصحو الروح لتستقبل عريسها وهى عليها لباس العرس الطاهر النقى جسديا وروحيا أيضا هكذا نعيش فى المسيح والمسيح يعتش فينا .

– ولنرى ما يقوله لنا العملاق بولس الرسول فى رسالته إلى اهل رومية :

” هذا وإنكم عارفون الوقت ، أنها الآن ساعة لنستيقظ من النوم ، فإن خلاصنا الآن أقرب مما كان حين آمنا قد تناهى الليل وتقارب النهار ، فلنخلع أعمال الظلمة ونلبس أسلحة النور لنسلك بلياقة كما في النهار : لا بالبطر والسكر ، لا بالمضاجع والعهر ، لا بالخصام والحسد بل البسوا الرب يسوع المسيح ، ولا تصنعوا تدبيرا للجسد لأجل الشهوات ” .

– إذن هكذا كما يقول معلمنا بولس الرسول لنسلك بلياقة كما فى النهار لنسلك لابسين ثوب الطهارة بمعناها العميق حتى نكون ماشيين فى طريق الملكوت وليس يشوبنا أى شائبة قد تعكر صفوة حياتنا الابدية مع المسيح فلنكون على قدر المسئولية عندما نذهب لهذا السر العظيم فلا يحق لنا أن نقوم بمثل هذه الاعمال مثل العلاقة الزوجية لقدسيه السر العظيم جدا فأنت تأخذ فى جوفك جسد المسيح ودمه ، الهنا الذى سفك على الصليب ليطهرنا من كل خطيئة .

– إذن كما يقول بولس الرسول أيضا فلندخل إلى عرش النعمة واثقين اننا سنجد نعمة ورحمة فى حينه ، إذن فلنكون على قدر المسئولية المعطاه لنا فلا نذهب لاخذ هذا السر كما لقوم عادة بل نكون مستعدين لاخذه والاتحاد به كما كانت امنا العذراء الطاهرة المقدسة التى فاقت كل الملائكة فى كرامتها .

– إذن فلا نجرى وراء الادعاءات التى يروجها بعض الكتاب بل نكون واعين لكل شئ نقرأه ونحكم العقل فى عقلانية هذا الكلام هل يصح فعله أم لا ، هكذا نسعى وهكذا نسير فى هذه الحياة القليلة بحرص وامتثال لاوامر المسيح اطيعوا مرشديكم فى الرب .

– وكما يقول بولس الرسول أيضا :

”  لا تخرج كلمة ردية من افواهكم ، بل كل ما كان صالحا للبنيان ، حسب الحاجة ، كي يعطي نعمة للسامعين ولا تحزنوا روح الله القدوس الذي به ختمتم ليوم الفداء ” ( أف 4 : 29 ، 30 ) .

– هكذا وجب علينا أن لا نحزن الروح أو نطفأه بافعالنا هذه التى بها نتهاون فى اخذ السر العظيم

( التناول ) بدون اعطاء هذا السر مهابته الواجبة

بقيامنا بالعلاقة الزوجية وذهابنا للتناول بكل بساطة فى اليوم التالى لذلك فهل هذا يليق ؟!

فكما يقول الرسول يجب فى كل شئ أن نسلك بلياقة لنظهر أمام المسيح لابسين ثوب الطهارة والقداسة لنستحق صوته الحلو ينادينا تعالوا إلى يا مباركى ابى رثوا الملك المعد لكم من قبل تأسيس العالم .

وهنا نذكر معجزة للقديس العظيم الشهيد الانبا بضابا أسقف قفط  عن شفافية القديس وروحانياته :ـ

كان إذ قدم  القداس الالهى ورفع الاسرار الالهية المقدسة ما كان يكمل القداس الا ويظهر له رؤيا الهية  لان الطوبانى وقت ان يصلى طلبة يعاين الروح القدس على المذبح . وفى أحد الايام صلى الصلاة التى جرت عادته يصلى بها ثلاث مرات لم يعاين الرؤيا المخوف العجيب الذى للروح القدس فحزن لذلك جدا وطلب من الله أن يعلمه السبب . ثم ان القديس تطلع الى الشماس الواقف عن يساره الممسك بمروحة الخدمة قرأ فى جبهته علامة برص وكان الشماس عند كل أحد بغير لوم ولا وجع وان الاسقف مد يده وأخذ منه آنية الخدمة قائلا له بوجه باش ( امض يا ابنى الى بيتك ومن الان لا تقرب الى السرائر المقدسة الالهية ) . فخرج لوقته وذهب الى بيته وان الأب الاسقف أعطى المروحة لشماس اخر وبدأ يصلى ذلك الكلام الالهى كعادته بمخافة ودموع . فلما كملت صلاته للوقت رأى الروح القدس حالا على المذبح , وبعد تسريح الكنيسة استدعى القديس ذلك الشماس وسأله عما فعله ليعلم السبب فى امتناع استعلان الروح القدس وقت القربان فأقر ذلك الشماس وقال انه لم يكن طاهرا فى هذه الليلة . فأحضر الأب الاسقف جميع الكهنة والشمامسة وبقية الخدام وقال لهم بوجه باش ” يا اولادى قد استحققتم الدخول الى بيت الله وتريدوا ان تتقربوا , حلوا أحذيتكم من أرجلكم وكونوا أطهارا فالحذر ثم الحذر ان احدا يدخل الى المذبح وهو غير مستحق “.

( كتاب سيرة القديس العظيم الاسقف الشهيد الانبا بضابا أسقف قفط  ص 28 ,29 .اعداد دير القديس الانبا بضابا )

3) الاثبات الثالث : ( قصة ادم وحواء )

– سنتراجع قليلا قليلا إلى الوراء حتى نصل إلى بداية خلق الإنسان أى إلى ادم وحواء ابوينا الاولين . فلنتسائل هنا عن كيفية معيشتهم فى الجنة وما اصبحوا عليه وبقوا عليه ؟!

وما هى علاقتهما مع الله خالقهما فلنبحث معا ونجد فى البحث حتى نجيب على هذه التساؤلات التى تضعنا أمام حياة ابوينا الاولين فى الجنة مع الله خالقهم ؟!

– ولكى نتعرف على كل هذا بوضوح ويقين نعود إلى سفر التكوين وما كتبه عنهما وعن حياتهم هكذا فيذكر لنا التكوين هكذا :

” وأخذ الرب الإله آدم ووضعه في جنة عدن ليعملها ويحفظها وأوصى الرب الإله آدم قائلا : من جميع شجر الجنة تأكل أكلا وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها ، لأنك يوم تأكل منها موتا تموت وقال الرب الإله :

ليس جيدا أن يكون آدم وحده ، فأصنع له معينا نظيره …….. هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي هذه تدعى امرأة لأنها من امرء أخذت لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونان جسدا واحدا وكانا كلاهما عريانين ، آدم وامرأته ، وهما لا يخجلان ” ( تك 2 : 15 – 25 ) .

– عندما نتأمل فى حياة ادم وحواء فى جنة عدن نجد انهم كانوا يحيون مع الله فى عشرة الهية عجيبة لا ينطق بها ولا يمكننا نحن بضعفنا وضعف اللغة عموما التعبير عن هذه العلاقة السارية بينهما وبين الله الذى خلقهما كشبهه ومثاله ، هكذا كانت عيشتهم فى الهذيذ فى الالهيات ومن منا يكون له هذه الفرصة الجليلة فى الوجود مع الله ومصاحبته على الدوام ومن يكون له هذا الوضع وينشغل بامر أخر من ماديات هذا العالم الزائل .

– فهذه الحياة التى عاشها ابوينا الاولين ادم وحواء كانت حياة فريدة من نوعها لم تتكرر إلا بعدما نزل المسيح له المجد وتجسد وقام بالفداء على الصليب وقيامته المجيدة من الاموات وصعوده إلى السموات فنجد على مثال هذه الحياة هؤلاء الاباء الذين تشتتوا وتفرقوا فى البرارى وقفار وصحار العالم ليعيشوا مع الله زاهدين فى المتع الدنياوية ليحيون مع المسيح فى حياة كحياة ابويهما ادم وحواء قبل السقوط فى الجنة امثال الانبا بولا أول السواح وغيره الكثيرين .

– هؤلاء القديسين الذين احبوا المسيح حتى المنتهى وبذلوا انفسهم واجسادهم حتى وصلوا الى حالة من التجرد والتحرر حتى من أى شئ يعيقهم فى حياة الكمال مع المسيح . فقد كانوا يلهجون فى محبتهم للمسيح حتى نسوا الجسد وشهواته ولهجوا فى الالهيات والتأمل المستمر فى المسيح الههم وصفاته واعماله الفريدة فنسوا كل شئ الاهل والاقارب وحتى انفسهم واجسادهم بذلوها لكى يلتصقوا بالواحد الذى هو المسيح الهنا له المجد ، وكما قال العظيم بولس :

” لى اشتهاء أن انطلق واكون مع المسيح ذاك افضل جدا ” ( 2 تى 4 : 7 )

وقال أيضا ” حسبت كل الاشياء نفاية لكى اربح المسيح ” ( فى 3 : 7 )

– هكذا كان حال هؤلاء السواح والرهبان المتجردين من كل ملذات العالم لكى يلتصقوا بالمسيح فذاك افضل جدا . والامثال كثيرة جدا مثل الانبا انطونيوس أبو الرهبان والانبا بولا أول السواح والانبا كاراس السائح والانبا مقاريوس الكبير وغيرهم الكثيرين  .

– وهنا نقول أن ابوينا الاولين ادم وحواء كان حالهم مثل اولادهم السواح الذين عاشوا على نفس حياتهم الاولى فى الجنة مع الله فمن هو ذاك الذى يستطيع أن يرى الله جل جلاله امامهم وهو معه فى كل وقت مثلما كان فى الجنة مع ادم وحواء فكيف ننشغل باى شئ أخر سواء المتع الجسدية أو الشهوات الارضية عموما .

هل يعقل هذا الامر أن ينشغل ادم وحواء عن عشرتهم مع الله وينصرفوا  إلى الشهوات الجسدية من العلاقة الزوجية أو غير ذلك من التمتع بكل شهوة العين وغيرها ؟!

بالطبع لا يكون هذا كما بقديسين فكيف اعيش مع الله واعيش فى نفس الوقــت مع شهوات الجسد والمتع عموما ؟! فكيف يكون هذا ؟ فكيف احيا مع الله وانصرف عنه لاقامة علاقة زوجية ؟ حتى لو كانت العلاقة الزوجية قدسها الله نفسه لكننا كيف نكون ونوجد معه فى مكان واحد وننصرف عنه لهذه العلاقة حتى لو كانت قد قدسها الله ؟

– هكذا إذن كان ادم وحواء يحيون وهما عريانين وهما لا يخجلان . معا فى علاقة متحدة بالله نفسه فكانوا متحدين به ولهما علاقة فريدة من نوعها لا يمكن أن نتعرف عليها اليوم إلا من ابوينا الاولين نفسيهما ادم وحواء لنسألهم وهما يجيبون عن هذه العشرة الإلهية العجيبة التى قضاها مع الله فى الجنة قبل سقوطهما فى الخطيئة وطردهم من الجنة !

فانه لموقف غريب وعجيب لا يمكننا أن نجيب عليه إلا من خلالهما فقط .

لكننا نخمن أن مثل هذه العلاقة الإلهية التى عاشها ادم وحواء فى الجنة مع الله فكانا الاثنين بالتأكيد منجذبين لإلههم الذى خلقهما وابدع فى خلقهما اذ قال بعد خلقهما أنه حسن جدا .

– إذن فهل اترك الله وانصرف لاشياء جسدية بحته ؟! فهل يعقل هذا فلنتحاور ونتجادل ، وارجوا أن تجيبونى عن هذا السؤال الاستفسارى ؟

هل اترك الله وانصرف لاى شئ من الرغبات الجسدية حتى لو كانت مقدسة ؟!

– هل ترك ادم وحواء أو هل يعقل أن ادم وحواء يتركوا مصاحبة الله ليذهبوا ليقيمون علاقة جسدية

( العلاقة الزوجية ) وحتى لو كانت مقدسة وقد قدسها الله نفسه ؟!

باى منطق نقول هذا فالمنطق يقول والعقل أيضا انهما لا يستطيعا ترك التأمل والهذيذ فى الالهيات لاى شئ جسدانى لان الإنسان ولد بفطرته بمحبته لله  فهو بالطبيعة منجذب إليه وبفطرته يسرع إليه هكذا جُبل الإنسان على هذا الامر .

– هكذا إذن كانا ادم وحواء يعيشان حياة البتولية الكاملة فى الجنة مع الله ومما يؤكد لنا هذا الامر أى بتوليتهما هو انهما كانا عريانين وهما لا يخجلان وانهما بعد السقوط فى الخطيئة قال الكتاب المقدس أن ادم عرفا حواء فولدت ولم يقول هذا الامر قبل السقوط أى انهما فى الجنة كانا يعيشان بتوليين لان الكتاب لم يقول عليهما كما قال عنهما بعد السقوط بخصوص أنه عرف زوجته حواء فولدت إذن هكذا يؤكد لنا الكتاب المقدس هذه الحقيقة .

– وعلى نفس مثال ادم وحواء فى الجنة وحياتهما مع الله فى عشرة الهية فريدة فكانا يحيان فى بتولية مقدسة يلهجون فى التمتع بالله وبصفاته الإلهية فكانا منجذبين إليه على الدوام .

– فكما نحن اولاد ادم وحواء الاولين هكذا نحن ابناء  ادم الثانى الذى هو المسيح وحواء الثانية التى هى الكنيسة فيجب أن نكون على المستوى نفسه الذى كانا يعيشانه ادم وحواء الاولين فى عشرتهم مع الله فيجب علينا ألا نقيم علاقة زوجية ونذهب مباشرة لكى نأخذ الجسد والدم الاقدسين فكيف يكون هذا الامر الذى لا يليق بالقديسين فلنكون على شبه مثال ادم وحواء وهما فى الجنة يحيان فى حياة مقدسة مع الله .

– إذن فلنحترس من التهاون والاستهانة بهذا السر العظيم الذى نأخذه فى الافخارستيا فكيف نكون منصرفين لعمل مثل هذه العلافة الزوجية التى مرارا أو تكرارا نؤكد على قداستها وطهارتها التى قدسها الله نفسه بحلول روحه القدوس على العروسين واتحادهما معا ليكونا جسدا واحدا .

– لكننا هنا نقول أن هذا الامر لا يليق بالقديسين ، فالقداس الالهى يصرخ الكاهن قائلا القدسات للقديسين ، فأجيبونى كيف لا نستعد لهذا السر العظيم وننصرف للقيام بالعلاقة الزوجية أو للتمتع الجسدية عموما ؟! فلنحترس إذن لنحيا كما كانا ابوينا الاولين يحيان فى الجنة مع الله قبل السقوط فى الخطيئة . إذن فلنترفع عن العلاقة الزوجية قبيل الذهاب للتناول لنحيا مع المسيح وفيه وله لنتحد به الاتحاد الحقيقى .

– وهنا يعلق القديس يعقوب السروجى على بتولية ادم وحواء التى صارا بها وهما متزوجين فى الجنة فى حضرة الله ( والتى يجب أن تكون حالتنا نحن المتزوجين قبيل الذهاب لنوال الافخارستيا لنتحد بالرب يسوع بالحقيقة ) .

– فيقول القديس يعقوب السروجى عنهما هكذا :

” نزل بيت ادم من قمة البتولية إلى الزواج ، الذى هو جميل أيضا ودخل المتحدان بدون زواج مثل الملائكة إلى عدن بطريق البتولية السامية عندما كانا قائمين على القمة العالية ، دخلت الحية التى حسدتهما وتقيأت السم لتقتلهما ” وعندما وعد بالتأله سقط الجميلان وفقد منهما بهجة الوجه التى يملكانها بالطبيعة وبعدما سقطا تقدما إلى الزواج ليس لأنه مرذول لكنه متواضع ومملوء أوجاعا ”

( تك 3 : 16 ) .

” إذن طريق الزواج الطاهر جميل ، وهو مملوء جمالا عندما يكون بعيدا عن الزنا وإذ هو جميل فالقداسة اسمى منه ، لان بدونها لا يقترب احد من الله ، البتولية سامية وبهية ومملوءة نورا ، ودرجتها الاسمى من جمال الشركة الروحية …. تشهد على جمال البتولية مريم البتول التى اشرق عليها ابن الله بدون زواج ” ويكمل القول أيضا :

” والعذراء مريم شاهد لجمال البتولية فقد ولدت ابن الله دون زواج وبقيت بتولا ، فبطرس الرسول عرف قيمة البتولية فلجأ إليها فقد اشار إلى يوحنا أن يدنو منه ، وطلب منه أن يسال الرب عن اسم من الذى سيسلمه ” .( الميمر 53 ب على الصليب ، الميمر 52 على الام مخلصنا وصلبه ودفنه وقيامته ، انظر كتاب البتولية عند القديس يعقوب السروجى للقمص تادرس يعقوب المالطى ) .

– القديس يوحنا ذهبى الفم يؤكد على قدسية الزواج ، غير أنه يوضح بأن البتول يدخل فى معركة مع شهوات الجسد ، وبالنعمة الإلهية يتمتع بالإكليل السماوى لكل كيانة ، أى للنفس والجسد ، اذ اشتركا معا فى الجهاد الروحى . اما المتزوج فيدخل فى معركة داخلية بين شهوات الروح وشهوات جسده وجسد شريكه ، فالمقاومة مزدوجة ، لانه ملتزم بإرضاء الطرف الاخر ومتطلباته فى الرب .

( نفس الكتاب السابق البتولية للسروجى لتادرس يعقوب المالطى )

– يقول أيضا عن العريسان البتوليين ادم وحواء : ” ……. زين حواء العروس البتول واعطاها لادم ، وبمهرها طرح البحر واليابسة والهواء اجتمعت جميع العوالم للعرس العظيم الذى صنعه ، وتباهى العروسان بإكليلها وثيابها وكساهما بنور بهي وضياء لائق ، وتركهما يتنعما بين الأشجار اعطاهما الهدية جميع الأشجار وفاكهتها ، وابتهجت الحية بالعروس والعريس لانهما كانا محبوبين كانت شجرة الحياة مخفية فى خدر عدن العظيم ، لتصير عيدا لعريسى النور حين يكملان ” ( تك 2 : 8 – 9 )

( يعقوب السروجى ليعقوب المالطى المرجع السابق )

4) الإثبات الرابع : أبونا نوح وأولاده فى الفلك :

سوف نسرد فى هذا الأثبات عن حال أبونا نوح البار وأولاده الثلاثة وزوجاتهم فى الفلك الذى يرمز للكنيسة .

فماذا كان حالهم فى الفلك وماذا كانوا يفعلون فيه ؟! وماذا عن حياتهم الزوجية  ؟

هل كانوا يمارسونها ام ماذا ؟ هل كانوا يتعبدون لله ويمارسون طقوس العبادة له والصلاه والتأمل فى عجائبه وما صنعه معهم بأنقاذهم من الهلاك ام ماذا ؟! إذن فلنفتش وبالتدقيق عن هذا جميعا لنخرج الحقيقة من الكتاب المقدس هكذا .

– فيذكر الكتاب المقدس عن نوح والطوفان :

” وقال الرب لنوح : ادخل أنت وجميع بيتك إلى الفلك ، لأني إياك رأيت بارا لدي في هذا الجيل ومن جميع البهائم الطاهرة تأخذ معك سبعة سبعة ذكرا وأنثى ومن البهائم التي ليست طاهرة اثنين ذكرا وأنثى ………. ففعل نوح حسب كل ما أمره به الرب ولما كان نوح ابن ست مئة سنة صار طوفان الماء على الأرض فدخل نوح وبنوه وامرأته ونساء بنيه معه إلى الفلك من وجه مياه الطوفان ………. والداخلات دخلت ذكرا وأنثى ، من كل ذي جسد ، كما أمره الله وأغلق الرب عليه “. ( تك 7 : 1  ـ 7 ، 16 )

– وعندما نتأمل فى حياة نوح وأولاده فى الفلك لا نستطيع أن نتخيل غير انهم  كانوا يعيشون فى هذا الفلك حياة ملائكية فى تسبيح دائم لله العظيم الذى انقذهم من الهلاك المحقق بالطوفان .

فمن يقول أو يفتكر غير ذلك ؟! فالكتاب المقدس يقول ادعونى فى وقت الضيق انقذك فتمجدنى . إذن فاى ضيق يكون مثل هذه الضيقة التى وقع فيها نوح واولاده ونساءهم لولا الفلك الذى انقذهم من الهلاك بالطوفان .

– إذن فاى شئ سوف تقوم به هذه العائلة غير تمجيد وتسبيح الله على الدوام حتى يخرجون من هذه المحنة بسلام الله الذى يفوق كل عقل  كما يقول القديس بولس . فكانت حياتهم فى الفلك كانهم فى السماء ، فالفلك الذى يرمز للكنيسة التى لا يوجد بها  غير الصلاة والابتهال لله والتسبيح له والتمجيد وايضا النوال من الاسرار المقدسة .

فكانوا إذن يحيون حياة البتولية الكاملة طوال فترة بقائهم فى الفلك وحتى خروجهم منه فكانوا يلهجون فى محبة الله وفضله الجزيل عليهم لإبقائهم احياء ليعطيهم بعد خروجهم البركة ليثمروا ويكثروا ويملاؤا الأرض كما اعطاه لادم .

– فكان الله يحوط عليهم ويطمئنهم على الدوام وعندما نتأمل فى قول الكتاب : ” واغلق الرب عليه ” نجد أنه وكأن الكتـاب يقــول لنـا أن الـرب دخـل معهـم

الفلك واغلق الباب وهو معهم ليحيون فى هذه العشرة الإلهية العجيبة طوال فترة الطوفان وبقائهم فى الفلك .

إذن فالفلك كان الكنيسة التى نحيا نحن فيها الان أو رمزا لها ففيه رموز للمعمودية ويرمز أيضا بابه فى الجنب لجنب المسيح المطعون .

– هكذا يتضح لنا كيف أنه يجب علينا عندما نذهب لكنيسة المسيح لنأخذ من الاسرار المقدسة وخصوصا التناول من جسده ودمه الاقدسين أن نكون كما كان نوح وزوجته واولاده الثلاثة وزوجاتهم حينما كانوا فى الفلك يحيون حياة البتولية الكاملة مع الله فى صلوات وتسابيح روحية فيجب علينا أن نتعفف فى العلاقة الزوجية فى الليلة السابقة للتناول حتى نستحق أن نأخذ البركة الروحية كما اخذها ابونا نوح البار واولاده التى قالها الله لهم اثمروا واكثروا واملاؤا الأرض واخضوعها ليعطينا الرب هذه البركة لننجب له اولادا يكونون اولاد الله ” ( يو 1 : 12 ) .

– يعلق القديس يعقوب السروجى على نوح قائلا عنه : ” أنه ظل فى البتولية متساميا على الطبيعة ، وحين تزوج أراد تحقيق هدف سام ” صار هو واولاده ونساؤهم البقية القليلة المقدسة للرب ، ففى كل جيل توجد بقية للرب “( 1 ش : 20 ، 28 ، ار31 : 7 ، رو 11 : 5 ) .

– ويقول هكذا : ” احتفل نوح البار مدة خمسمائة سنة ، وحمل البتولية التى منها اشرق ابن الله ” .

( كتاب تادرس يعقوب المالطى : البتولية عند السروجى )

ويقول أيضا : ” قام أيضا نوح ورأى اثم الجيل الشرير ، ونسج البر جسميا ولبسه وتسلح بالاستقامة والوداعة ، لئلا تلطخ الخطيئة جسمه فيما لو صادفته ، وراى كيف أن زنى بنى جيله قد تكاثر ، فصف ازاءه البتولية ليغلبه بها وجد أن كل واحد افسد طريقة بالزنا الدنس ، فخاف المتميز من الاقتراب من الزواج وجد أن الطبيعة زلت وسقطت من الواجب ، فقام ليثبت فى البتولية متساميا على الطبيعة ” ( تك 5 : 32 ) .

ابتعد عن الزواج خمسمائة سنة ، لانه وجد بان الزنا كان مخلوطا بالزواج ومكث فى درجة البتولية خمسمائة سنة ، ثم زوجه التجلى لينجب لاجل هدف ” ( تك 9 : 1 ) .

صار حسنا وحده ، وببره عزى الأرض وبعد أن خرب العالم كله صار عامرا باستقامته ، ميز الذبائح وانشأ مذبحا بمحرقات كاملة ، وصار فى جيله البقية للعالم الذى هلك ” ( نفس المرجع السابق )

– هكذا إذن نؤكد على أن ما يهمنا هنا أن نوح كان فى الفلك هو وعائلته يعيشون حياة البتولية والتسبيح واللهج بمحبة الله فيجب علينا أن نتمثل به عندما نذهب للكنيسة للافخارستيا فلا ننجرف إلى الشهوات الجسدية بقيامنا بعلاقة زوجية قبله حتى نكون على مستعدين لهذا السر الذى نأخذه “الافخارستيا “.

5) الاثبات الخامس : ابونا ابراهيم وتقديم ابنه اسحق ذبيحة :

– نتذكر هنا ما حدث مع ابونا ابراهيم وامتحان الله له ليقدم اسحق ابنه محرقة على جبل المريا ، فلنرى هذه الحادثة كيف ستفيدنا فى موضوعنا الذى نحن بصدده ولنعتبره الاثبات الخامس .

– يقول الكتاب المقدس عن هذه الحادثة هكذا :

” وحدث بعد هذه الأمور أن الله امتحن إبراهيم ، فقال له : يا إبراهيم فقال : هأنذا فقال: خذ ابنك وحيدك ، الذي تحبه ، إسحاق ، واذهب إلى أرض المريا ، وأصعده هناك محرقة على أحد الجبال الذي أقول لك فبكر إبراهيم صباحا وشد على حماره ، وأخذ اثنين من غلمانه معه ، وإسحاق ابنه ، وشقق حطبا لمحرقة ، وقام وذهب إلى الموضع الذي قال له الله وفي اليوم الثالث رفع إبراهيم عينيه وأبصر الموضع من بعيد ……….. فذهب إبراهيم وأخذ الكبش وأصعده محرقة عوضا عن ابنه فدعا إبراهيم اسم ذلك الموضع يهوه يرأه حتى إنه يقال اليوم : “في جبل الرب يرى ” ( تك 22 : 1 – 14 ) .

– هنا نرى طاعة إبراهيم الكاملة حتى إلى حد تقديم ابنه إسحاق الذى يحبه محرقة لله هكذا كان يسير ابراهيم فى عشرته لله فى طاعة لما يوصيه به فكان يسرع لتنفيذ أوامر الهه وخالقه الذى صاحبه ونجد الكتاب يطلق عليه خليل الله (يع 2 : 23 ) . هكذا يجب علينا أن نطيع الله على الدوام وننفذ كل وصاياه لنسير زمان غربتنا بخوف لكى نكمل لليوم الأخير .

– هكذا فيجب علينا أن لا نكون معترضين على وصايا الله بحجة أننا نرى هذا مخالف أو ضد مصالحنا فكيف يأمرنا الله  بما يضرنا  فهو يرى ما يحلو ويصلح لنا اكثر منا فالذى نعتقد أنه لصالحنا الأن يمكن أن يكون ضدنا أو سيضرنا فى المستقبل هكذا فلنسلم أرادتنا لله كما إبراهيم .

– هكذا اخذ ابراهيم البركة على طاعته لله بدون تفكير أو تمحيص بل كان ينفذ مباشرة فاستحق البركة التى قالها له الرب ” بذاتي أقسمت ، يقول الرب ،

أني من أجل أنك فعلت هذا الأمر ، ولم تمسك ابنك وحيدك ، أباركك مباركة

، وأكثر نسلك تكثيرا كنجوم السماء وكالرمل الذي على شاطئ البحر، ويرث نسلك باب أعدائه ” (تك 22 : 16 – 17 ) .

– نعود إذن لفكرتنا الاساسية التى اخذنا هذا الفصل المقدس لإثباتها وهى هكذا عندما أمر الرب بتقديم ابراهيم إسحاق حدد له الجبل المريا فبكر ابراهيم صباحا وذهب ومشى ثلاثة ايام حتى وصل لجبل المريا. هكذا كانت مسيرته هذه المسافة ثلاثة ايام كاملة لكى يقدم ابنه ذبيحة على الجبل هذا الذبيح الذى مثال للسيد المسيح له المجد.  فنعلق على هذا قائلين وكأن ابراهيم اخذ الذبيحة ليقدمها على المذبح بعد مسيرة ثلاثة ايام فقد قدمها ابونا ابراهيم وذبح

ابنه اسحاق كما يقول أنه ذبحه بالنيه لكنه رجع واسحاق معه وبجانبه وبيده وفى حضنه الابوى فلم يتركه مذبوح بل رجع به حى ( هكذا قام المسيح حيا بعد ثلاثة ايام ) .

– وكأننا ننظر امامنا ذبيحة العهد الجديد على المذبح ” الافخارستيا ” يقوم بها ابونا ابراهيم فقد ذبح اسحاق بالنية وايضا فى نفس الوقت اتى به واخذه فى حضنه راجعا به إلى البيت وكأنه اخذ المسيح فى الافخارستيا بعد مسيرته ثلاث ايام ليصل للمكان الذى حدده له الله ليقدم ابنه .

– إذن لكى نأخذ هذا السر العظيم الافخارستيا وجب علينا الاستعداد القويم كما صنع ابونا ابراهيم أنه بكر صباحا بجد واجتهاد مع أنه سيقوم بمهمة صعبة جدا على أى أب لكنه اجتهد فى جهاده هذا لكى يستحق أن يرجع ومعه المسيح متحدا به شماله تحت راسى ويمينه تعانقنى ، ففى رجوعه باسحاق الذى هو مثال المسيح له المجد .

– هكذا رجع ابراهيم وهو الذى يقوم بالكهنوت بتقديم الذبيحة هكذا امتلأ ابراهيم بالمسيح الهه .

– هكذا يجب علينا أن نجتهد لكى نصير مثل ابراهيم الذى جاهد وصابر حتى ربح البركة من المسيح ذاته ، فلنصير على شبه خطاه حتى عندما نذهب للتناول من الافخارستيا نكون مثله نجاهد ونصابر ونمشى هذه الثلاثة ايام فى طهارة وبر وقداسة وجهاد روحى وجسدى ولا نذهب وراء ما يأمرنا به الجسد من التمتع حتى لو كانت على هذه العلاقة الزوجية التى قدسها المسيح بذاته أيضا .

-لكننا أن كنا لا نستطيع أن نسير هذه الثلاثة ايام كما صارها ابونا ابراهيم فى جهاد واخضاع للجسد عن كل هذه الاستمتاعات الجسدية حتى المقدسة منها  لكننا يمكننا أن نخضع الجسد ليلة واحدة السابقة للافخارستيا فلنقول مع بولس الرسول اخضع جسدى واستبعده حتى ما بعد كرزت لاخرين لا اصير أنا مرفوضا .

6) الاثبات السادس : هروب داود النبى واخذه سيف جليات :

سنستمر فى سرد بعض المواقف التى حدثت مع شخصيات الكتاب المقدس وفى هذا الاثبات سنأتى بالموقف الذى حدث مع داود النبى والملك عندما كان هارب من وجه شاول وذهب إلى الكاهن اخيمالك فأخذ سيف جليات وأكل خبز الوجوه الذى لا يحل إلا للكهنة فقط فيقول الكتاب هكذا :

” فجاء داود إلى نوب إلى أخيمالك الكاهن ………فأجاب الكاهن داود وقال : لا يوجد خبز محلل تحت يدي ، ولكن يوجد خبز مقدس إذا كان الغلمان قد حفظوا أنفسهم لا سيما من النساء فأجاب داود الكاهن وقال له :

إن النساء قد منعت عنا منذ أمس وما قبله عند خروجي ….فأعطاه الكاهن المقدس ، لأنه لم يكن هناك خبز إلا خبز الوجوه المرفوع من أمام الرب لكي يوضع خبز سخن في يوم أخذه ” ( صموئيل الأول 21 : 1 – 6 ) .

– هكذا كان خبز الوجوه المقدس لا يحق أكله لغير الكهنة فقط بل لا يحق أن يلمسه احد غير الكهنة . فهذا الخبز كان يرمز إلى الافخارستيا هذا السر العظيم الذى سمح لنا الرب أن نأكل فيه جسده ودمه الاقدسين .

– إذن لنتبع هذا أن نتحفظ من المعاشرات الزوجية قبيل الذهاب لاخذ هذا السر كما قال الكاهن هنا لداود النبى أنه لابد لابد أن تكون بعيدا عن النساء وحتى يحق لك أكله هكذا فلا نمشى على هوى انفسنا فى القيام باسلوب اللامبالاة وعدم اعطاء هذا السر العظيم  حقه واحترامه لنأخذه بكرامة وخوف . ففى القداس الالهى يصرخ الشماس اسجدوا لله بخوف ورعدة هكذا فلنحيا بالاحتراس فى كل امورنا مع اسرار الكنيسة وخصوصا سر الافخارستيا لانه كما قال المسيح لنا فى انجيل يوحنا :

” أنا هو الخبز الحي الذي نزل من السماء إن أكل أحد من هذا الخبز يحيا إلى الأبد والخبز الذي أنا أعطي هو جسدي الذي أبذله من أجل حياة العالم ”

( يو 6 : 51 ) .

– هكذا اعطانا المسيح جسده فى الافخارستيا حتى نأكله ونحيا به إلى الابد فلنحترس  لنكون  مستعدين  لهذا السر العظيم .

– ويكمل أيضا المسيح له المجد :

” فقال لهم يسوع : الحق الحق أقول لكم : إن لم تأكلوا جسد ابن الإنسان وتشربوا دمه ، فليس لكم حياة فيكم من يأكل جسدي ويشرب دمي فله حياة أبدية ، وأنا أقيمه في اليوم الأخير لأن جسدي مأكل حق ودمي مشرب حق من يأكل جسدي ويشرب دمي يثبت في وأنا فيه ” ( يو 6 : 53 – 56 )

– إذن فمن يستطيع أن يتراخى أو يتأخر عن التقدم لهذا السر المقدس الذى فيه نأخذ المسيح نفسه ليثبت فينا ونحن فيه ولتكون لنا حياة ابدية هكذا لابد أن نكون مستعدين ومتهيئين لهذا السر الذى نحن ذاهبون لاخذه . فلنتحفظ لانفسنا من أن نأكله ونحن لاهيين فى الدنيا ومتهاونين فى أمر السر نفسه . فلنحترس حتى لا نحترق بنار اللاهوت التى به وبتهاوننا نحترق فى النار الابدية .

– إذن فلنتحفظ من المعاشرات الزوجية قبيل التناول مثلما فعل داود عندما اكل خبز الوجوه الذى هو الافخارستيا فى عهدنا الجديد ، هكذا فلنحفظ أرجلنا حتى لا تزل فى هوة الهلاك الابدى .

– ونذكر أيضا حادثة أخرى مع داود النبى حدثت معه  فعندما رفض الرب شاول الملك أمر صموئيل النبى أن يذهب إلى بيت لحم ليمسح له داود بن يسى ملكا عوضا عن شاول فماذا فعل صموئيل يقول الكتاب المقدس هكذا :

” وادع يسى إلى الذبيحة ، وانا اعلمك ماذا تصنع . وامسح لى الذى اقول لك عنه ففعل صموئيل كما تكلم الرب وجاء إلى بيت لحم . فارتعد شيوخ المدينة عند استقباله وقالوا : ” أسلام مجيئك ؟ ” فقال ” سلام قد جئت لأذبح للرب تقدسوا وتعالوا معى إلى الذبيحة وقدس يسى وبنيه ودعاهم إلى الذبيحة “.

( صموئيل الأول 16 : 3 – 6 ) .

– فإذا كانوا يتقدسون قديما لكى يقدمون الذبيحة الدموية سواء كانت ثور أو كبش أو معزى كانوا يتقدسون كل الذين يتقدمون إليها أفلا يجب أن نتقدس ونتنقى من كل شئ ونترفع عن المتع الدنياوية وبما فيها المعاشرات الزوجية التى هى مقدسة لكننا لنرفع عنا كل المعوقات التى تبعدنا عن الاستعداد للتناول بل لنقضى الليلة التى تسبقه فى مناجاة وتوبة صادقة لله واستجلاب مراحم الله لكى يجعلنا أن ندنو من هذا السر المهوب الذى فيه نتحد به ونكون فيه وهو فينا ليعطينا حياة ابدية وننعم بالميراث الابدى . فلتكن اعيننا شاخصة للمسيح وكل تركيزنا على أن نكون غير منشغلين بأى أمر إلا السر الذى سنأخذه فى اليوم التالى لنكون مجاهدين حقيقيين حتى الدم ضد ملاهى العالم وغروره وملذاته التى هى وقتية وزائلة  لنطلب المدينة العتيدة التى بانيها وبارئها الله .

7) الإثبــــات السابـــــع :

هنا نورد ما قاله الأنبا غريغوريوس اسقف البحث العلمى فى موسوعته الكنيسة القبطية علامتها وطقوسها وعقائدها  .

– فيقول الانبا غريغوريوس ويستطرد فى الحديث قائلا إن المعاشرة فطرا فى الصوم ككل ” المعاشرة الزوجية فطر ” .

– تعتبر المعاشرة فطرا ، والفطر يحل الصوم ، واذا كان الصائم يمتنع عن الطعام وهو ضرورى لقيام الحياة ، ليحقق لنفسه فوائد الصوم الروحية يمتنع عن هذه المعاشرة وهى غير ضرورية لقيام الحياة !

– والحق أن الامتناع عن الاتصالات الجنسية يتمشى مع منطق الصوم ، ويطابق روح الزهد والتذلل اللائقة به ، ويساير حالة الصائم النفسية وليس نفهم من ذلك أن المعاشرة الزوجية فعل نجس ، وانما هى فطر كما قلنا ، شأنها فى ذلك الامتناع عن الطعام لا على أنه نجس بل تعففا وزهدا .

– ولقد نرى فى الكتاب المقدس ادلة على أن الامتناع عن المعاشرة الزوجية مسألة طبيعية تتمشى مع مشاعر الحزن والتذلل ، فمثلا اوريا الحثى بعد أن عاد من الحرب بأمر الملك داود : ” وقال داود لأوريا : انزل إلى بيتك واغسل رجليك فخرج أوريا من بيت الملك، وخرجت وراءه حصة من عند الملك ونام أوريا على باب بيت الملك مع جميع عبيد سيده ، ولم ينزل إلى بيته فأخبروا داود ….. فقال داود لأوريا: أما جئت من السفر ؟ فلماذا لم تنزل إلى بيتك ؟ فقال أوريا لداود : إن التابوت وإسرائيل ويهوذا ساكنون في الخيام ، وسيدي يوآب وعبيد سيدي نازلون على وجه الصحراء ، وأنا آتي إلى بيتي لآكل وأشرب وأضطجع مع امرأتي ؟! وحياتك وحياة نفسك ، لا أفعل هذا الأمر ….. وخرج عند المساء ليضطجع في مضجعه مع عبيد سيده ، وإلى بيته لم ينزل ” ( 2 صموئيل 11 : 8 – 12 ) .

– وقد فعل ذلك اوريا شعورا منه بعدم لياقة هذا الفعل فى مناسبة أليمة حزينة ، واعنى بها الظروف المريرة التى يعانيها الشعب فى زمن الحرب .

– ويقول أيضا الانبا غريغوريوس ويأتى بمثال أخر من الكتاب المقدس هكذا : ” إن الملك الوثنى داريوس الفارسى أنه عندما ادخل عليه ، وحكم بغير رضاه على دانيال أن يطرح فى جب الأسود : ” حينئذ مضى الملك إلى قصره ، وبات صائما ولم يؤت قدامه بسراريه … ” ( دانيال 6 : 18 )

وهكذا يظهر لنا أن المعاشرات الجنسية لا تتلاءم مع الصوم ومع المناسبات الحزينة .

– من ذلك يتضح لنا أنه بالاولى ينبغى علينا أن نتعفف عن المعاشرة الزوجية عند ذهابنا للتناول من الافخارستيا كما يوضح لنا الانبا غريغوريوس أنه ينبغى ان تمنع فى الصوم عموما والذى يفعلها يكون فاطرا .

– ويذكر الأنبا غريغوريوس ادلته من الكتاب المقدس ومن القوانين قائلا :

1- الكتب المقدس والقوانين تمنع وعلاوة على ذلك لدينا نصوص صريحة تأمر بالامتناع عن المعاشرات الجنسية فى أوقات الصوم .

يقول الوحى ” اضربوا بالبوق فى صهيون ، قدسوا صوما ، نادوا بإعتكاف …… ليخرج العريس من مخدعه ، والعروس من حجلتها “. (يوئيل 2 : 15 : 16 ).

2- يقول من القوانين التى تمنع مثل ما قاله القديس باسيليوس فى قوانينه :

– القانون السابع عشر ” ولا يقرب الرجل زوجته فى ايام الصوم “.

– وفى القانون الثلاثين ” فلا يتزين فى تلك الايام ، والنساء يضعن حليهن “.

كما ينص القانون الحادى عشر على الايام التى ينبغى فيها الامتناع المعاشرة الزوجية وهى ” الايام المقدسة التى للصوم ، وايام الحيض والنفاس بالنسبة للمرأة “.

3- وفى بعض المصادر الأخرى ” وأما الامتناع  فى ايام الأصوام فلكى يتم الغرض بالصوم ، وهو منع النفس الحيوانية من شهواتها البهيمية لتتوفر للنفس الناطقة المتحدة بها ، على ما يخص طبيعتها الروحانية ……..

وفى جمعة الآلام لأنها ايام حزن وصوم وصلوات ……… واما باقى الاصوام فمن غلب عليه توقد الشهوة غلبة لا يقتدر على مجاهداتها ،

فله أن يخمدها ويدفع محذور ضررها ……… ” قوانين الشيخ الصفى  ابن العسال باب 24  .

4- يذكر لنا الانبا غريغوريوس بعض فصول من شريعة موسى التى تنهى عن المعاشرة فيقول :

ثم اننا نلتقى بعد ذلك بنصوص كثيرة فى شريعة موسى توجب على الإنسان أن يمتنع عن الاتصال الجنسى الزواجى عندما يقترب من الله أو من مسكنه ، أو من الخبز المقدس بل وقد نص الوحى على اعتبار هذا الاتصال نجسا من ذلك قوله  ” واذا حدث من رجل اضطجاع زرع ، يرحض كل جسده بماء ، ويكون نجسا الى المساء . وكل ثوب وكل جلد يكون عليه اضطجاع زرع ، يستحمان بماء ، ويكونان نجسين الى المساء . ” ( اللاويين 15 : 16 -18 ) . ويقول مرة أخرى ” إذا خرجت في جيش على اعدائك فاحذر من كل شيء رديء . أن كان فيك رجل غير طاهر من عارض الليل يخرج إلى خارج المحلة ، لا يدخل إلى داخل المحلة . ونحو اقبال المساء يغتسل بماء ،وعند غروب الشمس يدخل إلى داخل المحلة ” ( التثنية 23 : 9 – 11 ) .

– يقول القديس تيموثاؤس بابا الإسكندرية (22) :

” أن الرجل وزوجته إذا تجامعا (إذا اجتمعا) فليس واجبا أن يتناولا الاسرار المقدسة فى ذلك اليوم ” .

– ويروى ماراسطفان الدويهى بطريرك انطاكية ما ذكر فى كتاب الامثال

عن رجل غنى أنه عاشر زوجته فى ليلة عيد القيامة المقدسة قبل أن يتقرب

من الاسرار الإلهية ” ولكنه ما تناول الجوهرة حتى طارت من فيه (فمه) وعادت إلى الكأس ، فندم على اجترائه واعترف بذنبه وتناول الجسد

بغير مانع ” .

– ويقول الانبا غريغوريوس متسائلا :

” فإذا تساءلنا عن سر ذلك كان الجواب أنه يليق بالسر المقدس أن نتقرب منه بتهيب واجلال وتكريس الذهن والجسم ، كما يجب أن نتقدم إليه باشواق حارة ، ومما يشرق هذه الاشواق أن تتجه إلى الله جميعا فلا يشاركه فيما بشر أخر.

ويذكر لنا بعض حوادث التى جاء ذكرها فى الكتاب المقدس ومنها حادثة داود عندما ذهب لأخيمالك ليطلب منه خبزا فاعطاه خبز الوجوه المذكور فى

( 1 صموئيل 21 : 4 – 6 ) .

ونحن قمنا بذكرها سابقا من الاثباتات لكنه هنا يذكر قول القديس ايرونيموس (جيروم) عليها قائلا : ” أن داود والذين كانوا معه ما استطاعوا أن يأكلوا من خبز الوجوه حتى قالوا انهم من ثلاثة ايام لم يباشروا نساؤهم ، كما يقول فى موضع أخر : ” إن كان خبز الوجوه لم يكن يحل أكله لمن ضاجع زوجته فكم بالحرى الخبز الذى نزل من السماء ، لا يجوز الدنو منه للذين يباشرون نساءهم ” ، واخيرا يشرح القديس ايرونيموس قول القديس للمتزوجين :

” لا يمنع احدكما الاخر عن نفسه إلا على اتفاق بينكما والى حين حتى تتفرغا للصوم والصلاة ” ( 1 كو 7 : 5 ) .

ثم يعقب على التفسير قائلا : ” أن كانت مضاجعة الزوجة تمنع عن الشئ الادنى ، فكم بالحرى عما هو افضل واعز ” .ويعنى بذلك انها أن كانت تمنع من الصلاة والصوم فبالحرى تمنع عن تناول الاسرار الإلهية .

– يقول القديس اغسطينوس :

” كلما اقبل عيد الميلاد أو غيره من الاعياد كما اوصيتكم مرارا كثيرة ، امتنعوا قبل ذلك بأيام لا عن مضاجعة البغايا التى هى اثم مرذول ، بل أيضا عن نساءكم ” .

– ويقول الانبا ميخائيل اسقف اتريب ومليج :

” يجب على المؤمنين الامتناع عن نساءهم فى ليالى الاحاد والاعياد السيدية ”

– وفى صلوات اخوننا السوريين الأرثوذكسيينبهذا الخصوص يقولون هكذا :

” هب للمتزوجين أن يحفظوا الفرائض اليومية فى الاعياد والاحاد وفرائض الجمعة والاصوام ، ولا يقتربوا فى هذه الايام إلى المضاجع لانهم يشتركون بها فى الاسرار الإلهية ” .

وايضا للمزيد اقرأ موسوعة الانبا غريغوريوس الكنيسة القبطية وعلاماتها وطقوسها وعقائدها من صــ 390 – 400 .

القسم الثانى

القوانين الكنسية

ثانيا : المصدر الثانى لاثبات عدم صحة هذه التعاليم الهدامة التى انتشرت فى السنوات الاخيرة ، هنا نذكر ما اكدت عليه بعض القوانين الكنسية :

– القانون الكنسى يمنع قطعيا  المعاشرات الزوجية قبل التناول من الاسرار فهو يمنعها فى الصوم عموما ما بالك يكون الامر عند الذهاب للتناول من الافخارستيا ألا يكون بالاولى أن تمنع منعا باتا لمهابة السر وجلاله وقدسيته العظيمة .

– فنجد بعض القوانين تمنع من الكلام أو الضحك فى القداس الالهى فما بالنا الذى يتهاون ويذهب للتناول من الاسرار بدون لياقة واجبة وبدون استعداد جسدى .

– ففى القانون التاسع والسبعون يقول القديس باسيليوس فى ذلك :

” من ضحك فى القداس إن كان كاهنا فعقوبته اسبوع ، وإن كان علمانيا فليخرج فى تلك الدفعة ولا يتناول من الاسرار ” . ( المجموع الصفوى لابن العسال – الباب الثانى عشر فى القداس ، فى كتاب دراسات فى القانون الكنسى للقمص صليب سوريال ) .

– ونذكر أيضا بعض قوانين القديس باسيليوس الكبير عن نفس المرجع السابق المتعلقة بنفس الموضوع الذى نحن بصدده الان :

1- لا يشرب احد الكهنة نبيذا فى الاربعين ولا الصومين ولا يدخل احد فيهما حماما ” ( بس 79 ) القانون التاسع والسبعون لباسيليوس .

2- ويقول القانون السابع عشر من قوانينه : ” لا يقرب احد زوجته فى ايام الصوم ” .

3-  فى القانون الثلاثون يقول القديس باسيليوس :

” وفى الاربعين المقدس فى الاسبوع الأول فليصم إلى أن تغيب الشمس فإذا جاز فليصم إلى الساعة الحادية عشرة ، وفى البصخة إلى النجم فلا يتزين فى تلك الايام والنساء يضعن حليهن ، وكل واحد يجب عليه أن يتحفظ فى كل الاربعين يوما والبصخة فان غفراننا وخلاصنا فيها وهو شئ خارج عن الزيجة أن يلتصق بزوجته فى الاربعين يوما كلها والويل لمن يفعل هذه الخطيئة فى البصخة المقدسة ” ويكمل أيضا هذا القانون هكذا :

” إذا كنا نفعل إرادتنا فى الاربعين يوما المقدسة بلذة فأين فرحنا إذا ابصرنا القيامة ” ؟

” الصوم ليس هو عن الخبز والماء بل الصوم المقبول أمام الرب هو القلب الطاهر واذا كان الجسد جائعا وعطشانا والنفس تأكل فى الاعراض والقلب يتنجس باللذات فماذا تربح من صومك ؟ ” ( القانون الثلاثون لباسيليوس الكبير – عن المجموع الصفوى عن كتاب للقمص صليب سوريال ) .

– هكذا إذا تحرم القوانين الكنسية كل من ينحرف ويجرى فى ملذات الحياة ومتعها ويتهاون فى نفس الوقت بالصوم والاسرار المقدسة وخصوصا الافخارستيا .

– يذكر القديس باسيليوس فى قانونه الثالث مبدأ الاتفاق بيــن الزوجــين علـى اوقات يمتنعا فيها عن المعاشرات الزوجية ليتفرغا للعبادة فيقول :

” أن يكون هناك اتفاق بين الزوجين بالنسبة للاوقات التى يجب الامتناع فيها عن العلاقات الزوجية لاجل العبادة والايام التى يجب حفظها ” وهذا المبدأ يتفق مع كلام القديس بولس الرسول تماما حيث يقول :

” لا يسلب أحدكم الآخر ، إلا أن يكون على موافقة ، إلى حين ، لكي تتفرغوا للصوم والصلاة ، ثم تجتمعوا أيضا معا لكي لا يجربكم الشيطان لسبب عدم نزاهتكم ” ( 1 كو 7 : 5 )

– وقد شرح القديس باسيليوس هذه الأوقات التى يجب فيها الامتناع عن المعاشرات الزوجية فى القانون السابع عشر : ” الايام المقدسة التى للصوم لا تدنسها وايام نفاسها ونجاستها لا تقربها لئلا تصير بما لا يجب ” .(عن كتاب القوانين الكنسية فى اطار الموضوعية للقمص بولس عبد المسيح)

– ويقول المؤلف فى الكتاب السابق هكذا :

” لا يمكن النظر إلى العلاقات الزوجية انها خطيئة ونجسه فالمضجع غير نجس ” . ( عب 13 : 4 )

ولكن كما أن الطعام غير نجس ولكننا نمتنع عنه ايام الصوم لنخلى ارادة الجسد لارادة الروح هكذا فالامتناع عن المعاشرات الزوجية فى ايام الصوم أمر يليق بهدف الصوم الذى يضبط فيه الجسد لاعطاء الفرصة لسمو الروح والانطلاق فى الامور السماوية من اجل هذا نجد أن القوانين الكنسية تنهى عن المعاشرات الزوجية فى ايام الصوم وان كانت لا تسقط القانون العام الذى وضعه القديس بولس بقوله :

” على أن يكون على اتفاق حتى لا تعاق صلواتهما ”  ( 1 كو 7 : 5 )

– ويكمل الحديث أيضا قائلا :

وهكذا تسلك القوانين الكنسية نفس المسلك فيقول القديس باسيليوس ” وهى خارج عن الزيجة أن يلتصق واحد يعاشر زوجته معاشرة الفراش فى الاربعين يوما كلها من اولها إلى اخرها ، والويل لمن يفعل هذه الخطيئة فى البصخة المقدسة ” .

وبالطبع الخطيئة ليست خطيئة المعاشرة فهى ليست خطيئة وانما الخطيئة عدم النسك فى الصوم والانصراف إلى الامور الجسدية فى ايام الصوم .

– ويذكر لنا أيضا قانون القديس ديونسيوس البابا (14) القانون الثالث له الذى قال فيه : ” أن الذين يستطيعون أن يحتملوا وقد بلغوا السن الذين يمكنهم أن يحكموا انفسهم ، فقد سمعوا ما قاله القديس بولس ” لا يمنع احد الزوجين الاخر عن ذاته إلا على موافقة والى حين لكى يتفرغا للصلاة والصوم

ثم يعودا إلى ما كانا عليه لئلا يجربا من الشيطان لعدم عفتهما ” ( 1 كو 7 : 5 )

( كتاب القوانين الكنسية فى اطار الموضوعية للقمص بولس عبد المسيح )

– يقول القديس باسيليوس فى قانونه السابع والتسعين ويؤكد على طهارة المتقدم للتناول فيقول على فم أول الشمامسة :

” من كان طاهرا فليدن من السرائر ومن ليس طاهرا فلا يدن لئلا يحترق بنار اللاهوت من كان له عثرة مع صاحبه من كان به فكر زنا ومن كان به سكر نبيذ ولا ينضبط فليعودوا عن التناول فليستعد الشعب للتناول ولا يراه إنسان ” .

– ونجد فى قوانين الآباء الرسل فى الكتاب الثانى ففى القانون الخامس والثلاثون يقول :

” أى اسقف أو قسيس أو شماس أو واحد من الاكليروس يمتنع عن الزيجة أو اكل اللحم ، أو شرب الخمر ، ليس لاجل النسك بل على انها نجسة مع أن الذى فى الكتب يشير إلى انها كلها حسنة جدا .

وان الله خلق الإنسان ذكرا وانثى فهو يجدف ، فأما أن يمتنع وإلا فليقطع ويخرج من الكنيسة .

– ” وهكذا أيضا بالنسبة للعلمانى ، إلا إذا كان امتناعه على سبيل العبادة والزهد فليبح له . ”

هكذا يتضح أنه فى الزواج يجب أن يكون به فترة الامتناع عن المعاشرات الزوجية للتفرغ للعبادة والصلاة والصوم ويكون بالاتفاق لكلا الطرفين حتى لا يسلب احدكم الاخر كما قال الرسول .

– ويقول أيضا فى الكتاب الأول الذى به 71 قانون للاباء الرسل ففى القانون الثالث والاربعون :

” كل مؤمن فليجعل دأبه أن يتناول من الاسرار من قبل أن يذوق شيئا أن كان فيه امانة فليتناوله ، واذا دفع له واحد سما للموت فانه لا يؤذيه ” .

هنا يوضح على أن نكون صائمين قبل التناول وهى فترة الاحتراس 9 ساعات حتى نكون مستعدين لنوال هذا السر العظيم فان كنا يجب أن نكون صائمين عن الطعام الاكل والشرب فكان بالاولى علينا أن نصوم عن المعاشرات الزوجية قبل نوال هذا السر فلنتعفف عنها على الاقل الليلة التى ننال فى صباحها الافخارستيا .

وفى القانون الرابع والستون يقول أيضا : ( عن كتاب الأول فى قوانين الرسل للقمص صليب سوريال )

” كل مؤمن أو مؤمنة إذا قام باكر من النوم فليغسل يديه ويصلى قبل أن يعمل شيئا من الاشغال ، واذا جرى حديث أو مفاوضة فى التعليم فليجتازوا لهم كلام التعليم قبل العمل ” .

– هنا يحثنا عن الطهارة الجسدية قبل الصلاة فمن الارجح لنا أن نقوم بها فى الايام السابقة للتناول أيضا فلا نتهاون بالسر ونتقدم ونحن لا يشوبنا أى شائبة فلا نفرح بشهوة الجسد كما فرح بلعام بن بعور بأجرة الأثم وجعل اسرائيل يقع فى مصيدته التى نصبها له بحيلته الاثيمة التى جعل اسرائيسل يقع فى الزنا.

– يقول البابا شنودة الثالث عن الاستعداد للتناول الآتى :

” يلزم للتناول استعداد للجسد وكيف ؟

نستعد للتناول بطهارة الجسد وصومه ونظافته … ولنتذكر كمال استعداد الشعب لتقبل كلام الله فى العهد القديم اعنى استلام الوصايا العشر :

” قال الرب لموسى .. اذهب إلى الشعب وقدسهم اليوم وغدا وليغسلوا ثيابهم ويكونوا مستعدين لليوم الثالث ” ( خر 19 : 10 – 15 ) .

– لذلك فالاتصال الجنسى والاحتلام ونزيف الدم وما اشبه امور تمنع من التناول ، ينبغى أن يكون المتقدم للتناول طاهرا جسدا وروحا .

– وهكذا أيضا يحسن الاستحمام فى اليوم السابق للتناول أو على الاقل الاغتسال لمن يتناول باستمرار ومجرد هذا الامر إلى جوار نظافة الجسد الذى يستقبل التناول يعطى الإنسان احساسا بأنه يستعد يلزمه لون من اللياقة .

– ويسرد البابا شنودة عواقب من يتناول بغير استحقاق هكذا :

فيقول بولس الرسول عن التناول : ” إذا أي من أكل هذا الخبز ، أو شرب كأس الرب ، بدون استحقاق ، يكون مجرما في جسد الرب ودمه ولكن ليمتحن الإنسان نفسه ، وهكذا يأكل من الخبز ويشرب من الكأس لأن الذي يأكل ويشرب بدون استحقاق يأكل ويشرب دينونة لنفسه ، غير مميز جسد الرب من أجل هذا فيكم كثيرون ضعفاء ومرضى ، وكثيرون يرقدون لأننا

لو كنا حكمنا على أنفسنا لما حكم علينا ” . ( 1 كو 11 : 27 – 31 ) .

عبارات خطيرة ومحذرة ، لذلك اعتدت أن أقوال قبل التناول وأنصح من يتناولون أن يقولوا : ” ليس يا رب من أجل أستحقاقى أتناول إنما من أجل أحتياجى بل لعلاجى ليست لى القداسة التى أتناول بها إنما أنا أتناول ليساعدنى التناول على حياة القداسة إذ أنال به قوة روحية ودفعه إلى قدام ”

– فالذى يتناول يشعر بهيبة هذا السر ويخجل من إرتكاب الخطيئة بسبب قداسة التناول . إن كان يتناول كل اسبوع مثلا يظل الايام التالية لتناوله مبتعدا عن الخطيئة بسبب قداسة السر .

وكذلك فى الايام السابقة للتناول التالى يكون محترسا مستعدا للتناول فى الاسبوع المقبل فيتعود الحرص !

– ومن أهمية التناول فان الكنيسة تشعرك أنه يوم غير عاد بوسائل كثيرة : الاستعداد له بالصوم وطهارة الجسد وبالاعتراف والتوبة والمصالحة مع الناس والدخول إليه بانسحاق والصلاة قبل التناول وبعده , والكنيسة تعد الشخص المتناول باكثر من تحليل للمغفرة تحليل فى رفع بخور عشية وباكر وتحليل الخدام وتحليل سرى فى نهاية القداس وكل طقوس وقراءات القداس تعد لهذا وأيضا بعد التناول تجعله يحترس من أن يبصق إكراما للتناول . اتذكر اننى ذات يوم فى بدء رهبنتى كتبت فى مذكراتى يوم تناولى :

هذا الفم الذى تقدس بتناول جسد الرب ودمه كلمة زائدة لا تخرج منه ولقمة زائدة لا تدخل فيه ” .          ( الوسائط الروحية لقداسة البابا شنودة الثالث

من أقوال الأباء عن وجوب الطهارة الجسدية قبل التناول :ـ

– يقول القديس ثيئوفيلس الانطاكى (181م ) : فى كتابه إلى اوتوليكوس :

” أن المسحيين – يلتزمون بالاعتدال ، يمارسون ضبط النفس يراعون وحدانية الزيجة (الزواج بقرين واحد) ويحافظون على العفة …… ”

– يقول الانبا غريغوريوس اسقف البحث العلمى والدراسات العليا فى كتابه الرأى المسيحى فى تحديد النسل هكذا :

” ولذلك فان الكنيسة المسيحية تأمر أبنائها من المتزوجين أن يمتنعوا عن الوصال الجنسى الجسدى الشرعى ، قبل وبعد أن يتناولوا من القربان المقدس ، وقبل أن يدخلوا المقادس ، وقبل أن يعمدوا اطفالهم ” .

– ومن قوانين البابا كيرلس الثالث المشهور ( ابن لقلق ) فصل فيما بعد الزواج :

” لا يجوز للزوجين امتناع احدهما عن الاجتماع بالاخر بلا ضرورة قاطعة فى غير الأوقات الممنوع فيها ذلك وهى ايام الصوم المفروض ، ولا سيما جمعة البصخة ” .

– وهنا نذهب لما قاله يوحنا ذهبى الفم عن هذا الموضوع :

” لانه إذا كان المتزوجون حديثا الذين لهم رغبة قوية وشباب فتى وشهوة عنيفة ، يجب أن يمتنعوا عن المباشرة الجنسية ، فكم بالاحرى يصدق هذا على المتزوجين الآخرين ، وهم اقل عنفا فى ميلهم لشهوات الجسد ، أن يمتنعوا عن المباشرات الجنسية ” ( خطابه عن البتولية ) .

– يقول البابا ثيموثاوس البابا السكندرى فى القانون الثالث عشر من قوانينه :

” يجب أن يمتنع الزوجان عن المعاشرات الجنسية فى يومى السبت والاحد لان فيهما ترفع للرب الذبيحة الروحية ” .( انظر كتاب القوانين الكنسية فى اطار الموضوعية للقمص عبد المسيح ، الانبا غريغوريوس – سر الزيجة ) .

– يقول القديس اغسطينوس :

” كلما اقبل عيد الميلاد أو غيره من الاعياد كما اوصيتكم مرارا كثيرة ، امتنعوا قبل ذلك بايام عن نسائكم ” .

– يقول الانبا ميخائيل اسقف اتريب ومليج ( من اباء القرن الثالث عشر ) :

” يجب على المؤمنين الامتناع عن نسائهم فى ليالى الاحاد والاعياد السيدية ”

– فى قوانين القديس باسيليوس الكبير القانون الحادى عشر :

” الايام المقدسة التى للصوم لا تدنسها ، وايام حيضها ونفاسها لا تغر بها لئلا تصير زيجتك بما لا يجب أو لئلا تتضرر وتضر زوجتك ” .