جولة فى لحن إفناف إم بى اسمو – 02 – تاريخ اللحن- الدكتور مينا صفوت حليم

جولة فى لحن قبطى قديم - جزء 1 - إفناف إم بى اسمو - 02 - تاريخ اللحن- الدكتور مينا صفوت حليم

فى لحن ⲫⲛⲁⲩ ⲙ̀ⲡⲓⲥⲙⲟⲩ

أولاً: مبحث تاريخى

الكثير  ممن سيقرأون هذه الورقة البحثية ليس لديهم خلفية سابقة عن هذا اللحن، وهو أمر طبيعى؛ لأن اللحن  الآن لا يقال سوى فى بيعتين فقط من جميع بيع مصر الأخرى، المكان الأول الذى يصلى فيه اللحن هو الدير المحرق، لا سيما فى أعياد السيدة العذراء، المكان الآخر هو كنيسة الأنبا باخوم بقرية الزينية بحرى بالأقصر، وخلاف المكانين السابقين لا يرتل به فى أى كنيسة أخرى ، الدير المحرق حفظ لنا اللحن بصورة مختصرة أو لنقل مخلة، أما قرية الزينية فقد حفظت لنا اللحن كاملاً إلى حد ما، لكن إذا رجعنا قرنين فقط من الزمان سنجده لحناً أساسياً فى معظم كنائس مصر، لحننا هذا مذكور فى أقدم كتب الطقس، فهو مذكور مثلاً فى:

هذا يعنى أن اللحن موجود فى كتب الطقس من أقدم المصادر المعروفة لدينا وحتى آخر قرن سابق على يومنا هذا، كان لحن ⲫⲛⲁⲩ ⲙ̀ⲡⲓⲥⲙⲟⲩ هو اللحن الرئيسى الذى يرتل فى الأعياد السيدية الكبيرة وحدود كيهك وحدود الصوم  الكبير فى القرن الرابع عشر كما يعلمنا ابن كــبر فى باب ترتيب القـداس، يدعـمه  فـى ذلـك 

أيضاً مخطوط رقم 28 قبطى بمكتبة الفاتيكان([1]) وهو من القرن نفسه، فى الكتاب السابق لا يذكر لنا ابن كبر أى شىء عن المحيرات([2]) مما يعنى أنه حتى القرن الرابع عشر لم تعرف كنيستنا المحيرات فى كل بيعها، بل كان يقال مكانها فى الأعياد الكبيرة ⲫⲛⲁⲩ ⲙ̀ⲡⲓⲥⲙⲟⲩ ، وما كاد القرن التالى أن يحل؛أى القرن الخامس عشر حتى بدأ طوفان من المحيرات يدخل الكنيسة،وليس لنا أوضح من مخطوط ترتيب بيعة البطريركية 1444م الذى أورد محيراً مخصوصاً لكل عيد سيدى وغيره من المناسبات، عنون المخطوط السابق المحيرات بأنها تقال على نفس وزن لحن ⲫⲛⲁⲩ ⲙ̀ⲡⲓⲥⲙⲟⲩ بالإضافة أنه أورد أرباع اللحن كاملة فى أول ورقاته، هذا يعنى أن القرن الخامس عشر قد حفظ لنا اللحن والمحيرات بالتوازى مع بعضهما، وكان المحير يقتطع أول أرباع اللحن ثم يختم بنفس ختامه، هذا هو سبب أن اللحنين لهما نفس النغمة ومع مرور الوقت تم الفصل بينهما ، حيث صار ⲫⲛⲁⲩ ⲙ̀ⲡⲓⲥⲙⲟⲩ يصلى فى التمجيد فقط وخرج من الأعياد السيدية، وحلت المحيرات محله فى الأعياد، بالمصادر المتاحة لدى أستطيع القول بأن القرن الخامس عشر وما بعده قد شهد فصل اللحن عن الأعياد الكبيرة، ومن القرن السابع عشر فما أحدث كانت أغلب المخطوطات التى نسخ فيها لحننا تورده على أنه لحن خاص بالتمجيد فقط.

نص اللحن السابق كان له أثر كبير فى فصل اللحن عن الأعياد السيدية، فنص اللحن نص عام لا يتحدث عن مناسبة بعينها، فجاءت أرباع المحيرات لتحل محله ولتضيف خصوصية للحن بالمناسبة التى يصلى فيها، وانتخبت أرباع إبصالية يوم الخميس لتبدأ بها المحيرات؛حيث يعبر كل ربع من إبصالية الخميس عن حدث سيدى معين من الميلاد والغطاس والقيامة والصوم..إلخ، هذه الإضافة أضفت نوعاً من الخصوصية للحن كان يفتقدها فى صورته الأولية المبكرة.

لا شك أن طقس التمجيد قد أصابه ما أصابه فى القرنين الماضيين، فصار يبتعد شيئاً فشيئاً عن صورته

 الأصلية، اختفى الطقس الذى نذهب فيه حاملين الشموع إلى أيقونة صاحب العيد بعد تحليل الابن فى رفع بخور عشية إلى الاكتفاء بترديد الذكصولوجية الآدام العربى "المديح" فى ختام الصلاة بعيداً عن موضعها الطقسى، وتحول لحن الأيقونة  ⲭⲉⲣⲉ ⲑⲉⲟⲧⲟⲕⲉالذى يصلى أمام الايقونة فى العشية إلى لحن يقال فى توزيع القداس بعيداً عن موضعه الطقسى الصحيح، واختفى طقس قراءة "الميمر" من صلاة باكر فصار جزء كبير من الشمامسة لا يعرف حتى معنى هذه الكلمة، كل هذا أدى إلى بهتان طقس التمجيد فى الكنيسة، وبين هذا البهتان اختفى لحننا، فبعد أن كان هو اللحن الرئيسى للأعياد صار بعد ذلك لحناً للتمجيد، وحتى هذا الانحسار فى الاستخدام لم يدم طويلاً فاختفى اللحن من طقس التمجيد نفسه.

من المؤسف أن تحتفظ كنيسة إثيوبيا باللحن السابق الذى أخذته عن كنيستنا، بينما اللحن قد أضعناه من كنيستنا، يقول الأب هوجو زانيتى فى ورقته البحثية([3]) : Voici le temps de la benedection أن اللحن السابق ترتله كنيسة إثيوبيا تقريباً فى كل قداس، وهو مأخوذ من أصل قبطى يرجح الأب أنه منقول من طقس صعيد مصر، وفيه يورد قائمة بأهم المخطوطات القبطية التى ورد فيها اللحن ، والتى يعود أقدمها إلى القرن الثالث عشر حسب خولاجى هامبورج رقم12، لو صحت فرضية نقل اللحن من طقس صعيد مصر-وهو ما تفعله فعلاً كنيسة إثيوبيا([4])- إذا نحن أمام نص من القرن التاسع أو ربما قبله.

[1] - نسخ هذا المخطوط سنة 1307م على يد توما بن القس قزمان وهو راهب بدير الأنبا أنطونيوس خلال إقامته بالقاهرة كما يظهر من الكولوفون .

[2] -  المحير هى أرباع تبدأ بكلمة ⲡⲁⳓⲟⲓⲥ تقال قبل قراءة الثلاث تقديسات فى الأعياد والمناسبات الآن.

[3] - الورقة البحثية نشرت فى: Orientalia christiana periodica سنة 2009م بدءً من الصفحة 25.

[4] - مثلاً أرباع كيرياليسون الحزاينى التى تصليها كنيسة إثيوبيا فى أسبوع الآلام منقولة من بصخة الصعيد، ومخطوطات بصخة الزينية بحرى بالأقصر شاهد على ذلك.