جولة فى لحن إفناف إم بى اسمو – 03 – موضع اللحن في الطقس – الدكتور مينا صفوت حليم

جولة فى لحن قبطى قديم - جزء 1 - إفناف إم بى اسمو - 03 - موضع اللحن في الطقس - الدكتور مينا صفوت حليم

ثانياً: موضعه فى الطقس

يصلى لحننا فى أكثر من مناسبة، فنجد فى أقدم نسخة([1]) لكتاب مصباح الظلمة لابن كبر وهى نسخة باريس قوله " وتقال بعد الإبركسيس آجيوس، وإذا كان عيداً سيدياً أو يوما حفلاً([2])تقرأ المرتلون قبلها قطعاً قبطياً وهى ⲫⲛⲁⲩ ⲙ̀ⲡⲓⲥⲙⲟⲩ إلى آخرها أو بعضها.." وفى النسخ الأحدث([3]) من الكتاب المذكور تمت إضافة " ويقال آجيوس بعد تفسير الإبركسيس،وإذا كان اليوم عيداً كبيراً أو يوماً حفلاً يقرا المرتلون قبلها واهم يليق بذلك العيد، وفى حدود كيهك وحدود الصوم([4]) يقال لحن للسيدة([5]) هذا أوله ⲭⲉⲣⲉ ⲙⲁⲣⲓⲁ ⲙ̀ⲇⲟⲗⲏ و بعدهايقال ⲫⲛⲁⲩ ⲙ̀ⲡⲓⲥⲙⲟⲩ ويصلى الكاهن صلاة الإنجيل.." تتفق جميع المخطوطات أن اللحن وحتى صورته الأحدث (المحيرات) كانت تصلى بعد الثلاث تقديسات وليس قبلها كما هو حادث الآن، هذه الحقيقة نجدها حتى عهد قريب جداً، فنجد مثلاً مخطوط رقم 117 طقوس بالدار البطريركية المنسوخ سنة 1911م أنه يورد المحيرات(الصورة الأحدث من اللحن) بعد الثلاث تقديسات فى عيد الميلاد مثلاً.

لكن يبدو أن التحول الذى حدث فى اللحن ليقال قبل الثلاث تقديسات لم يكن حديث العهد كما كنت أظن، هذاالتحول بدأ فى جهة معينة وربما كاد أن ينحسر فيها ولا يعمم، لكن عندما ظهرت الكتب المطبوعة حديثاً فى أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين ساعدت على تأييد وتثبيت هذا التحول، أقدم صورة معروفةعندى تحول فيها اللحن لما قبل الثلاث تقديسات هو مخطوط رقم 296 طقس بدير الأنبا أنطونيوس حيث كشط فيها القس أتناسيوس ناسخ المخطوط الموقوف على الراهب جرجس الأبيض جملة "بعد آجيوس" واستبدلها بـ"قبل آجيوس"، حدث هذا حوالى سنة 1782م ، ويبدو أن كتبنا المطبوعة قد وجدت طريقها لهذا المخطوط أو مخطوط منقول عنه، ومما يدعم الكلام السابق أن كثيراً من التغييرات الحادثة فى الطقوس فى ايامنا هذه والمختلفة عن المصادر القديمة قبل القرن الخامس عشر موجودة فى هذا المخطوط، لك أن تعرف أن المخطوط هذا قد أورد لحن البولس([6]) ⲛ̀ⲑⲟ ⲡⲉ ϯϣⲟⲩⲣⲏ على أنه لحن خاص بالصوم، ومرد الإبركسيس ϣⲁⲣⲉ ⲫϯ على أنه مرد خاص بالصوم أيضاً، وأورد أيضاً ϩⲓⲧⲉⲛ للسيدة العذراء، مخالفاً بذلك ما سبقه من مخطوطات والتى تغفل آخر لحن وتعتبر أن اللحنين الأولين هما لحنان سنويان وغير مختصين بالصوم فقط.

 تبقى مشكلة كيف كان اللحن يصلى بعد الثلاث تقديسات بلا حل نهائى، ففى طقسنا الحالى يصلى الكاهن بعد الثلاث تقديسات أوشية الإنجيل مباشرة، ولا يوجد فاصل بينهما، وفى باقى الطقوس يتم الأمر على نفس الشكل، حيث تقرأ الثلاث تقديسات ثم الأوشية الخاصة بالإنجيل فالإنجيل، أظن الفصل السابق الذى دخل فيه اللحن بين الثلاث تقديسات وأوشية الإنجيل له علاقة باحتمالية الأصل الصعيدى للحن، ففى الطقس الصعيدى كانت ألحان الثلاث تقديسات مثل لحن الصوم الكبير وشهر كيهك ⲙⲉⲅⲁⲗⲟⲩ وأيضاً لحن جمعة الصلبوت([7])ⲟ ⲙⲟⲛⲟⲅⲉⲛⲏⲥ تحتوى الثلاث تقديسات داخل أرباعها وليس خارجها كما نرى فى الطقس البحيرى اليوم، فلنفترض([8]) الطقس الصعيدى يسير على النظام الآتى:

  1. ألحان الثلاث تقديسات التى تحتوى الثلاث تقديسات بداخلها.
  2. لحن ⲫⲛⲁⲩ ⲙ̀ⲡⲓⲥⲙⲟⲩ .
  3. أوشية الإنجيل ثم الإنجيل.

ولما اندثرت ألحان الثلاث تقديسات الواردة من الصعيد، وانتقل ⲫⲛⲁⲩ ⲙ̀ⲡⲓⲥⲙⲟⲩ للطقس البحرى، ومع مراعاة أن الطقس البحرى لا يعرف ألحان الثلاث تقديسات بل يعرف الثلاث تقديسات كلحن مستقل بذاته، فاضطر اللحن أن ينتقل إلى أقرب مكان مشابه للمكان الذى كان يرتل فيه فى الطقس الصعيدى، وأصبح ترتيب الصلاة فى طقس بحرى كالآتى:

  1. الثلاث تقديسات "بدون أرباع اللحن".
  2. لحن ⲫⲛⲁⲩ ⲙ̀ⲡⲓⲥⲙⲟⲩ .
  3. أوشية الإنجيل ثم الإنجيل.

الاحتمالية السابقة هى أفضل تفسير يمكن تخيله للترتيب الغير منطقى الذى يحدث أثناء صلاة لحن ⲙⲉⲅⲁⲗⲟⲩ فى الصوم الكبير، حيث نصلى آجيوس فى ارباع اللحن نفسها ثم نعود نرتلها مجدداً بعد انتهاء اللحن، يتكرر هذا الأمر أيضاً فى آجيوسⲟ ⲙⲟⲛⲟⲅⲉⲛⲏⲥ فى يوم جمعة الصلبوت، حيث نصلى آجيوس فى أرباع اللحن نفسه ثم نعود نرتل آجيوس منفرداً بلحن الصلبوت بعد ذلك.

يصلى اللحن أيضاً فى طقس قراءة السيرة الذى كان يُعمل فى باكر، هنا اقتبس مما ورد فى مخطوط البطريركية 1444م فى يوم 7 هاتور تذكار تكريس كنيسة سيدى الملك جرجس " ويقولوا الألحان أيضاً كطقوسهم،أولاً ⲡⲓⲡⲛⲉⲩⲙⲁ وبرلكسها، وتلو ذلك ألحان العدرى والملايكة والرسل والشهداء والقديسين، هذا إن كان ثم مهل وإن كان ما ثم مهل يقولوا بعد كل فصل([9])ⲉⲣⲉ ⲡⲓⲥⲙⲟⲩ وإذا انتهوا إلى عند أخذ راس الشهيد يرفع الكاهن البخور ويقولواⲫⲛⲁⲩ ⲙ̀ⲡⲓⲥⲙⲟⲩ بعد ذلك يكملوا السيرة وإذا تكاملت السيرة ينهضوا قايمين، ويرفع الكاهن كتاب السيرة أمام باب الهيكل ويقولوا كيرياليسون بالكبير بالناقوس ثلاث دفوع، بعد ذلك تقبلها الكهنة، ويبتدوا بالقداس كجارى العادة" النص السابق فى رأيى هو أفضل مكان على الإطلاق يصلى فيه اللحن؛حيث تتوافق فيه ممارسة الكاهن مع ما يصليه الشعب؛ فبينما الكاهن يرفع البخور عند قراءة خبر قطع رأس الشهيد وصعود روحه يرتل المرتلون فى سيمفونية جميلة"وقت البركة هو هذا، هذا وقت البخور المختار، الوقت الذى نسبح فيه مخلصنا محب البشر الصالح"  إلى أن نصل للربع الذى يقول" السلام لك أيها الشهيد، السلام للشجاع المجاهد، السلام للملتحف بالجهاد سيدى الملك جرجس" .

يورد لنا ايضاً عدد لا بأس به من مخطوطات دير الأنبا أنطونيوس([10]) اللحن على أنه يقال أثناء "تطقيس" السيدة العذراءوالشهداء والقديسين، لا أدرى بالضبط ما المقصود من كلمة تطقيس تلك ، لكن أغلب الظن أنها تحوير لكلمة ⲁⲝⲓⲟⲥ التى تبدأ بها أرباع اللحن مع إضافة أداة التعريفⲧ لتصبح ⲧⲁⲝⲓⲟⲥ وربما تحور  نطقها من "طاقسيوس" لــ"تطقيس" ؟!!.. لا أدرى أيضاً أين بالضبط  كان يتم التطقيس هذا، هل هو فى باكر أم فى عشية؟، على العموم نحن لدينا تسجيل للحن السابق من المتنيح العريف توفيق يوسف عريف الدير المحرق، فيه يعنون لحننا بأنه"تطقيس للسيدة العذراء" ويصليه بين الصلوات الأخرى التى تصلى فى طقس التمجيد فى عشية، فلو  صح أنه أخذه عن المخطوطات المحفوظة بدير المحرق ،فيمكننا أن نعتبر أن اللحن كان يقال أيضاً فى طقس التمجيد فى عشية.

يصلى اللحن أيضاً فى طقس الإكليل، وقد ورد فى كتاب الترتيب الطقسى([11]) للبابا غبريال الخامس ، وورد أيضاً فى مخطوطاتنا القبطية القديمة وعنها مخطوط رقم 355 طقس([12]) بالمتحف القبطى ما نصه" فيجب عليكما أن يعرف بعضكما حق بعض، ويخضع كلاكما لصاحبه ⲫⲛⲁⲩ ⲙ̀ⲡⲓⲥⲙⲟⲩ ويجب عليك أيها الولد المبارك الحبيب المويد بنعمة الروح القدس أن تتسلم زوجتك فى هذه الساعة المباركة بنية خالصة ونفس طاهرة وقلب مستقيم.." هنا أيضاً يظهر مكان طقسى جميل يقال فيه اللحن، فبينما الكاهن يقول وصية العروسين ومباشرة قبل أن يأذن للعريس أن يتسلم إمرأته فى تلك الساعة المباركة يصلى المرتلون قائلين" هذا هو وقت البركة، هذا هو وقت البخور المختار".

يصلى أيضاً اللحن فى طقس تجليس الأسقف الذى يتم بعد تكريسه ، ونقرأ من البابا غبريال الخامس قوله

"ثم يأمروا أحد الشمامسة والكهنة الحداق بقراءة النبوات، فوق الإنبل قبطياً وعربياً، وهم نبوتان من أسفار الملوك، وهو دعوا داود والذى قبلها، ويأمروا الشعب بالجلوس، ثم بعد ذلك ينهضوا ويدخلوا الخورس وهم يرتلوا ⲫⲛⲁⲩ ⲙ̀ⲡⲓⲥⲙⲟⲩ  لآخرها وفى ضمن ذلك يصعد الأسقف الكبير إلى المذبح .. " وأيضاً يورد نفس الكتاب السابق اللحن فى موضعه الذى يصلى فيه فى القداس بعد الثلاث تقديسات فى طقس تكريس الهياكل الجدد.

جولة في لحن قديم - ج01 - د. مينا صفوت حلمي - 001

([13])

الصورة من مخطوط الأنبا أنطونيوس المذكور، لاحظ كشط جملة "بعد آجيوس" واستبدالها ب"قبل آجيوس" بنفس اليد.


[1] - وهو مخطوط 203 عربى بالمكتبة الأهلية بباريس، وتمت نساخته فى الفترة ما بين (1363-1369م).

[2] - المقصود هنا يوم احتفال بشهيد أو قديس.

[3] - على سبيل المثال نسخة المتحف القبطى رقم 375 لاهوت، وهى نسخ القمص يوحنا السبكى الأنطونى بجبل العربة عن نسخة أقدم يرجع تاريخها لعام 1546م بخط سلامة القصير لعلم الرياسة سيدى يوحنا الطحاوى.

[4] - هذا هو الموقع الذى لا تزال قرية الزينية بحرى بالاقصر تصلى فيه اللحن إلى يومنا هذا.

[5] - مكتوب خطأ، وصحة كتابته هى: ⲭⲉⲣⲉ ⲙⲁⲣⲓⲁ ⲇⲟⲗⲏ ⲕⲉ ⲙⲏⲧⲏⲣ "السلام لمريم أمة الرب والأم" هذا اللحن نادر الوجود فى المخطوطات، نجده فى مخطوط ترتيب بيعة البطريركية 1444م، ومخطوط رقم 89 قبطى بالمكتبة الأهلية بباريس المنسوخ سنة 1586 بكتابة إسطفانوس بن يوحنا العطار، وهو لحن يونانى أظنه منقول من طقس صعيد مصرضمن الألحان اليونانية التى كانت تصلى على الثلاث تقديسات فى طقس صعيد مصر مثل لحن ⲙⲉⲅⲁⲗⲟⲩ اندثر هذا اللحن  الآن ويبدو أنه اندثر من قرون بعيدة.

[6] - هذه هى الكتابة الصحيحة القديمة، حيث يؤتى بفعل الكينونة المفرد المذكر ⲡⲉ فى حالة اختلاف المبتدأ والخبر فى النوع.

[7] - اللحن السابق كان يصلى فى الأعياد السيدية مثل الميلاد والقيامة فى الطقس الصعيدى، وهذا منطقى فاللحن خرستولوجى فى المقام الأول وهو يتكلم عن حقائق إيمانية.

[8] - هذه افتراضات ليس لها دليل قاطع، لكنها تسير مع المنطق الذى ينتظر ذلك الدليل.

[9] - كانت السيرة قديماً تقرأ على مراحل، تقرأ جزء من السيرة ثم مرد البركة، ثم جزء آخر وهكذا.طبعاً لا يفوتنى هنا التنبيه هنا أن لحن ⲁⲡⲓⲛⲁⲩ ϣⲱⲡⲓ ومرده ⲉⲣⲉ ⲡⲓⲥⲙⲟⲩ هما لحنان خاصان بطقس قراءة السيرة، وليس لهما أى علاقة بارتداء ملابس الخدمة وأن المكان الذى يقال فيه أبيناف شوبى حالياً ليس له أى علاقة بمكانه الصحيح على الإطلاق.

 

[10] - نكتفى بذكر أمثلة هنا، مثل مخطوط 293 طقس المنسوخ سنة 1490 شهداء، ورقم 300 طقس المنسوخ سنة 1500 شهداء

[11] - الترتيب الطقسى للبابا غبريال، الأب ألفونس عبدالله الفرنسيسكانى، مطبوعات المركز الفرنسيسكانى القاهرة 1964م.

[12] - نسخ هذا المخطوط سنة 1706 م.

[13] -- الصورة من مخطوط الأنبا أنطونيوس المذكور، لاحظ كشط جملة "بعد آجيوس" واستبدالها ب"قبل آجيوس" بنفس اليد.