تفسير سفر صموئيل الأول – الأصحاح الثاني والعشرون – الأرشيذياكون نجيب جرجس

هذا الفصل هو جزء من كتاب: . إضغط هنا للذهاب لصفحة تحميل الكتاب.

فى هذا الأصحاح:

(1) مجىء داود إلى عدلام ومجئ إخوته إليه والتفاف بعض الرجال حوله (ع1، 2).

(2) مجيئه إلى مصفاة موآب وإيداع أبويه لدى ملوك موآب (ع3، 4).

(3) جاد النبى يشير عليه بالذهاب إلى أرض يهوذا (ع5).

(4) حديث شاول إلى رجاله (ع6-8).

(5) نميمة دواغ الأدومى (ع9، 10).

(6) شاول يستدعى أخيمالك ويستجوبه (ع11-15).

(7) شاول يأمر بقتل أخيمالك والكهنة وتدمير مدينتهم (ع16-19).

(8) هروب أبياثار ومجيئه إلى داود (ع20-23).

مجىء داود إلى عدلام ومجئ إخوته إليه والتفاف بعض الرجال حوله (ع1، 2)

1- فذهب داود من هناك ونجا إلى مغارة عدلام. فلما سمع إخوته وجميع بيت أبيه نزلوا إليه إلى هناك.

( أ ) ترك داود بلدة نوب ولجأ إلى إحدى مغاير بلدة عدلام (الشيخ مدكور الآن)، وكانت فى أرض يهوذا وبالقرب من بيت لحم، وبالمنطقة عدة مغاير واسعة جداً تسمى مغاير عين الماء أو مغاير وادى قريطون، وموقعها جنوبى غربى بيت لحم بنحو تسعة عشر كيلومتراً وربع.

(ب) سمع (إخوته وجميع بيت أبيه) والمقصود (بإخوته) جميع أقاربه، وسمعوا بمجيئه إلى هناك فجاءوا جميعاً إليه، ليحميهم من شاول ومن هجمات الفلسطينيين المتوالية على الأرض ويتولى أمرهم.

2- واجتمع إليه كل رجل متضايق وكل من كان عليه دين وكل رجل مر النفس فكان عليهم رئيساً وكان معه نحو أربع مئة رجل. يظهر أن أحوال إسرائيل السياسية والاجتماعية والاقتصادية قد ساءت جداً فى هذه الفترة من حكم شاول لأن الرب قد فارقه ولأنه لم يعد يفكر فى شئ يخص الشعب إلا فى مطاردة داود وقتله، وكان الناس المظلومون أو المتضايقون فى مثل هذه الظروف ينتهزون فرصة أى زعيم يثقون فيه فيلتجئون إليه وينضوون تحت لوائه مثلما اجتمع بعض الرجال البطالين والعاطلين حول يفتاح قديماً (قض11: 3).وفى هذه الفترة من حكم شاول زادت مضايقات الفلسطينيين لبنى إسرائيل، وعم الفقر بعض الناس وساءت حالتهم واستدانوا، فلجأ إلى داود نحو أربعمائة من هؤلاء المتضايقين وأصحاب النفوس المرة (المتألمة) فكون منهم جيشاً لنفسه وكان هو رئيساً عليهم. ولم يكن قصده عمل انقلاب فى الحكم أو خيانة شاول وإنما كان قصده حماية حياته من شاول الغادر ومساعدة أصحابه الملتفين حوله على التغلب على الضيقات التى يشتكون منها.

مجيئه إلى مصفاة موآب وإيداع أبويه عند ملك موآب (ع3، 4)

3- وذهب داود من هناك إلى مصفاة موآب وقال لملك موآب ليخرج أبى وأمى إليكم حتى أعلم ماذا يصنع لى الله.

وفى ارتحالات داود فى هروبه من شاول عبر الأردن وجاء إلى أرض موآب شرقى الأردن إلى البلدة التى كانت تدعى (مصفاة موآب) حيث كان ملك موآب يقيم، ويرى البعض أن مكانها الآن رجم المشرفة إلى الغرب من ماديا.

وجاء داود إلى ملك موآب وطلب إليه أن يقبل أبويه المسنين فى أرضه، وقال بلغة التسليم لله والإيمان: (حتى أعلم ماذا يصنع لى الله) ولقد كان داود حكيماً فى إيواء أبويه بعيداً عن شاول، لأنه من يدرى، ربما يجن جنون ذلك الرجل، فيستجوبهم عن مكان داود، أو يقتلهما انتقاماً من ابنهما وأحسن فى اللجوء إلى ملك موآب لأن بيت يسى تربطه بموآب صلة قرابة لأن راعوث الجدة ليسى كانت موآبية (را 4: 17)، فضلاً عن العداء الذى كان بين موآب وشاول لأن موآب كانت من بين الشعوب التى حاربها شاول فى قوته وانتصر عليها (ص14: 47)، ولذلك قبل ملك موآب داود وأبويه إغاظة فى شاول نفسه.

4- فودعهما عند ملك موآب فأقاما عنده كل أيام إقامة داود فى الحصن.

تركهما وديعة عند ملك موآب، بينما هو ورجاله لجأوا إلى إحدى القلاع أو الأماكن المحصنة فى أرض موآب وأقاموا بها حينا، وكان هذا الموضع يسمى (الحصن).

جاد النبى يشير عليه بالذهاب إلى أرض يهوذا (ع5)

5- فقال جاد النبى لداود لا تقم فى الحصن. اذهب وادخل أرض يهوذا. فذهب داود وجاء إلى وعر حارث.

( أ ) كان (جاد) أحد أنبياء بنى إسرائيل وصديقاً لداود، وربما كان من تلاميذ صموئيل النبى، وجاء إلى داود حصن موآب وأمره – بناء على أمر الرب له –  إلا يقيم فى هذا المكان بل يقوم ويرجع إلى أرض يهوذا وبالرغم من أن داود كان نبياً أيضاً فإنه خضع لقول جاد وعلم أن الرب كشف له أمراً خاصاً لأن (أرواح الأنبياء تخضع للأنبياء 1 كو14: 32)، فترك داود الحصن وجاء مع رجاله وأبويه إلى مكان فى أرض يهوذا يدعى (وعر حارث) وهو غابة يرجح أنها بالقرب من قرية (خرس) الحالية إلى الشمال من وادى أرنبة.

(ب) نقرأ فيما بعد عن لقاء أخر لجاد النبى مع داود بعد أن أخطأ وأحصى الشعب (2صم24).

حديث شاول إلى رجاله (ع6-8)

6- وسمع شاول أنه قد اشتهر داود والرجال الذين معه. وكان شاول مقيماً فى جبعة تحت الأثلة فى الرامة ورمحه بيده. وجميع عبيده وقوفاً لديه.

( أ ) وصلت الأنباء إلى شاول بأن داود أصبح له جيش يتبعه، وأنه أصبح مشهوراً هو وجيشه، ينتقل به من مكان إلى مكان، فازداد حقداً وغيظاً ولعل غيظه ازداد عندما سمع بأنه قد عاد من أرض موآب وأقام فى أرض يهوذا كأنه غير مبال بالملك ولا خائف منه.

(ب) وفى يوم جلس الملك تحت شجرة أثل لكى يعقد اجتماعاً مع رجاله، واختار للاجتماع هذا المكان الظليل الذى اعتاد أن يجلس فيه،  ووقف لديه رجاله بينما جلس هو (ورمحه بيده)، حيث كان الرمح يستخدم كصولجان علامة على الملك والسلطة.

(ج) كانت شجرة الأثل فى بلدته جبعة، وكلمة (الرامة) بوجه عام تعنى أكمة أى مكاناًُ مرتفعاً. و(الرامة) هنا:

1- إما أن تكون علماً لمنطقة تقع بلدة بها بخلاف الرامة بلدة صموئيل، ويكون المقصود أن شاول جلس تحت شجرة الأثل التى فى جبعة الواقعة فى الرامة.

2- وإما أن تكون العبارة هكذا أنه جلس (تحت الأثلة التى على الأكمة). ولعل هذا هو الأرجح.

7- فقال شاول لعبيده الواقفين لديه اسمعوا يا بنيامينيون هل يعطيكم جميعكم ابن يسى حقولاً وكروما. وهل يجعلكم جميعكم رؤساء ألوف ورؤساء مئات.

( أ ) استهل شاول حديثه إلى رجاله بقوله (اسمعوا يا بنيامينيون) ورأى أن يذكرهم بأنهم من نفس سبطه، لأنه بنيامينى مثلهم، فهم من لحمه ودمه، وهو يحبهم كنفسه، وعليهم أن يخلصوا له كل الإخلاص.

(ب) ثم يبين خطأهم إذا كانوا يثقون فى داود وينتظرون منه خيراً، وقد عاد ودعاه (ابن يسى) إمعاناً فى تحقيره، وقال لرجاله: (هل يعطيكم جميعكم ابن يسى حقولاً وكروماً) كما أعطيتكم أنا وصرتم أغنياء؟، وهل يقيمهم فى مراكز عظيمة و(يجعلكم جميعكم رؤساء ألوف ورؤساء مئات) كما فعلت أنا معكم؟ إنه لن يستطيع ذلك، لأنه شاب فقير وحقير لا يملك شيئاً، بينما أنا الملك وفى يدى كل السلطة، وحتى إذا أصبح ملكاً فلن يكرمكم مثلما أكرمتكم أنا لأنكم من سبط بنيامين، بينما داود من سبط يهوذا، وسوف يجردكم من غناكم ويحرمكم من مناصبكم، ويفضل عليكم بنى سبطه.

8- حتى فتنتم كلكم علىَّ وليس من يخبرنى بعهد ابنى مع ابن يسى وليس منكم من يحزن علىَّ أو يخبرنى بأن ابنى قد أقام عبدى علىَّ كميناً كهذا اليوم.

1- هل رجوتم نفعاً أو خيراً من ابن يسى حتى فتنتم (فتآمرتم) على فلم تخبرونى بالعهد الذى قطعه ابنى معه؟

2- (وليس منكم من يحزن على أو يخبرنى بأن ابنى قد أقام على كمينا كهذا اليوم): وليس فيكم من يرثى لحالى ويحيطنى علماً بأن ابنى يكمن ضدى هو وداود ليخلعانى من عرشى أو يقتلانى كما هو حاصل اليوم.

(ب) كان شاول كذاباً فى إدعاءاته ضد يوناثان ابنه وضد داود، ولعله أراد بكلامه أن يستدر عطف رجاله عليه ويشوه أمامهم صورة داود لكى يقوموا عليه ويقتلوه. أو ربما عملت الوساوس والهواجس فى عقله فجعلته يتوهم أن داود ويوناثان متآمران عليه، مع أنهما بريئان من كل ما يدعى أو يتصور.

نميمة دواغ الأدومى (ع9، 10)

9- فأجاب دواغ الأدومى الذى كان موكلاً على عبيد شاول وقال قد رأيت ابن يسى آتياً إلى نوب إلى أخيمالك بن أخيطوب.  10- فسأل له من الرب وأعطاه زاداً وسيف جليات الفلسطينى أعطاه إياه.

كان دواغ الأدومى (موكلا على عبيد شاول) يقصد أنه رئيس لرعاة مواشيه وأغنامه، وهو الذى كان فى بيت الرب عندما جاء داود إلى أخيمالك رئيس الكهنة (ص21: 7)، وانتهز هذا الخسيس الفرصة وأراد أن يتمسح فى الملك، فأبلغه خبر هذه المقابلة بشئ من التحريف والتشويه. وفى نميمته لم يتورع أن يدعو داود (ابن يسى) بدلاً من أن يذكر اسمه وفى هذا منتهى الوقاحة لأن داود صهر الملك وهو الذى خلص إسرائيل من أعدائه فى كثير من المواقع الحربية، ولم ينم فى داود وحده بل وفى أخيمالك أيضاً، فادعى أنه (سأل له من الرب) أى صلى إلى الرب عن داود واستشاره تعالى ليرشده فى طريقه، مع أننا لم نقرأ شيئاً عن هذا فى لقاء داود لأخيمالك، وحتى إن كان قد صلى لأجله، فربما دعى له بعض الدعوات العادية التى يطلبها كاهن الله لأى شخص من أبنائه، ثم أضاف بأنه أعطاه زاداً للطريق وسيف جليات. وحديثه يصور داود وأخيمالك فى موقف مشتبه فيه ويدعو إلى الشك وكثيرون من الناس لكى يتقربوا إلى رؤسائهم، ينمون فى حق زملائهم، وقد يجسمون الأمور الصغيرة لتظهر كبيرة، ليرتفعوا على حساب غيرهم، وفى هذا مخالفة لناموس المحبة التى تعلم المؤمنين أن يحبوا الخير للجميع وأن يكونوا مهتمين ليسوا بأنفسهم فقط بل ما هو للآخرين أيضاً، وأن يحب كل واحد قريبه كما يحب نفسه.

شاول يستدعى أخيمالك ويستجوبه (ع11-15)

11- فأرسل الملك واستدعى أخيمالك بن أخيطوب الكاهن وجميع بيت أبيه الكهنة الذين فى نوب فجاءوا كلهم إلى الملك.

أرسل شاول إلى نوب واستدعى أخيمالك رئيس الكهنة واستدعى جميع أفراد أسرته من الكهنة فجاءوا ليمثلوا أمامه.

12- فقال شاول اسمع يا ابن أخيطوب. فقال هأنذا يا سيدى.

ابتدر كلامه بقوله: (اسمع يا ابن أخيطوب) ولم يشأ أن يدعوه باسمه ولا حتى بوظيفته كرئيس كهنة، لأن ضميره قد مات تماماً، ولم يعد فى قلبه أثر من مخافة الرب، ومع ذلك فقد أجاب أخيمالك بكل أدب: (هأنذا يا سيدى) وهى العبارة المعتادة التى كان يقولها كل من لديه الاستعداد للإصغاء والطاعة الكاملين.

13- فقال له شاول لماذا فتنتم علىَّ أنت وابن يسى بإعطائك إياه خبزاً وسيفاً وسألت له من الله ليقوم كامناً كهذا اليوم. كان هذا السؤال الاستنكارى مفاجأة لم يتوقعها أخيمالك ولم تخطر له ببال، فقد سأله شاول كيف يسوغ له أن يتآمر مع داود ويعطيه زاداً للطريق وسيفاً، بل طلب من الله من أجله، لكى يكمن للملك كما هو حاصل.

والواقع أن كلا من أخيمالك وداود برئ من كل ما يتهمهما به شاول، فداود كان هارباً طلباً للنجاة، وابن أخيطوب أعطاه الخبز والسيف بحسن النية ولم يكمن فى قلبه ولا فى قلب داود أى فكر ردئ للتآمر على الملك.

14- فأجاب أخيمالك الملك وقال ومَن مِن جميع عبيدك مثل داود أمين وصهر الملك وصاحب سرك ومكرم فى بيتك.

( أ ) كان جواب أخيمالك جواباً سديداً حكيماً من شطرين.

1- ففى أولهما كما نرى هذا العدد امتدح داود للملك وكان قصده أن يجدد ثقة الملك فى داود، ويكون صانع صلح وسلام بينهما كما قصد أيضاً أن يبرر عمله فى إعطاء داود الخبز والسيف.

2- أما الشق الثانى فقد دافع فيه عن نفسه من التهمة التى وجهها إليه الملك وقد كان أخيمالك مثالاً للكاهن المثالى، ولكل مؤمن حقيقى، لأنه قدم الحديث عن داود عن حديثه عن نفسه.

(ب) وفى حديثه عن داود يقول:

1- (مَن مِن جميع عبيدك مثل داود؟) والمعنى أنه ليس إنسان مثله فى جميع رجالك.

2- (أمين) فلا يتسرع الملك وينسب إليه الخيانة.

3- (وصهر الملك) وعليك أيها الملك أن تعامله كابن لك وكفرد فى أسرتك لأنه أصبح الآن من لحمك ودمك.

4- (وصاحب سرك) أى المؤتمن على أسرارك وكاتمها، وتعنى هذه الفقرة أيضاً (ورئيس على حرسك).

5- (ومكرم فى بيتك) أى يحترمه الصغير والكبير هذا هو داود أيها الملك، فلا تحنق عليه، ولا تظن به سوءاً، اعذرنى إذا كنت قد قدمت إليه بعض المساعدة لأنى لو لم أفعل هذا لكنت مقصراً فى واجبى نحوه ليس فقط بل ونحو الملك أيضاً.

15- فهل اليوم ابتدأت أسأل له من الله. حاشا لى. لا ينسب الملك شيئاً لعبده ولا لجميع بيت أبى لأن عبدك لم يعلم شيئاً من كل هذا صغيراً أو كبيراً.

( أ ) (فهل اليوم ابتدأت أسأل له من الله؟): هل هذه أول مرة أصلى فيها من أجل داود؟ كلا فأننى أصلى من أجله ومن أجل الملك ومن جميع بيت الملك والذين هم فى أى منصب فى خدمة شعب الله.

(ب) (حاشا لى) أى حاشا أن أكون قد قصرت فى الصلاة من أجل الملك ومن أجل داود ومن أجل جميع بيت الملك، وحاشا لى أيضاً أن أكون متآمراً ضد الملك مع أحد ما (حاشا) تعنى أنزه نفسى.

(ج) (لا ينسب الملك شيئاً لعبده ولا لجميع بيت أبى): أرجو ألا يظن فى سوءاً ولا فى أحد أفراد أسرتى فليس من المعقول مطلقاً أن تحالف ضد الملك أو نخونه.

(د) (لأن عبدك لم يعلم شيئاً من كل هذا صغيراً أو كبيراً) يؤكد أخيمالك أنه لا يعلم مطلقاً أن هناك فتنة أو تآمر ضد الملك كما يتضح من كلام الملك، ولكنه خالى الذهن عن كل هذا هو وجميع إخوته الكهنة.

شاول يأمر بقتل أخيمالك والكهنة وتدمير مدينتهم (ع16-19)

16- فقال الملك موتاً تموت يا أخيمالك أنت وكل بيت أبيك.

أعلن ذلك الملك المستبد الظالم الحكم بالموت على رئيس الكهنة وعلى أفراد أسرته مع أن الحجج التى نطق بها أخيمالك حجج قوية ولا يوجد أى وجه لإدانته، وحتى إذا كان أخيمالك فى عينى شاول مداناً، فما ذنب كل بيت أبيه حتى يحكم عليهم بالموت؟

17- وقال الملك للسعاة الواقفين لديه. دوروا واقتلوا كهنة الرب لأن يدهم أيضاً مع داود ولأنهم علموا أنه هارب ولم يخبرونى. فلم يرض عبيد الملك أن يمدوا أيديهم ليقعوا بكهنة الرب.

( أ ) تهور الملك الشرير فأمر سعاته أن يقتلوا كهنة الرب جميعاً وادعى زوراً أنهم متواطئون مع داود ضده وأنهم علموا بهروبه منه ولم يخبروه، ومن المدهش أنه فى أمره لهم يقول: (دوروا واقتلوا كهنة الرب)، يا للعجب، وإذا كنت تعترف بأنهم كهنة الرب، يهوه العظيم، فكيف تجرؤ على قتلهم، وأين محبتك للرب، لو كنت تحبه لما قتلت خدامه وكهنته.

إن الرب فى كل زمان ومكان يأمر باحترام كهنته وخدامه، وفى العهد القديم قال (لا تمسوا مسحائى ولا تؤذوا أنبيائى 1 أى16: 22)، وأوصى فى العهد الجديد وقال: (من يقبلكم يقبلنى ومن يقبلنى يقبل الذى أرسلنى مت10: 40).

(ب) لكن السعاه كانوا أبر منه لأنهم لم يتجاسروا أن يمدوا أيديهم ويقتلوا كهنة الرب، خالفوا أمر الملك لكى يرضوا الرب وإن كان فى مخالفة أمره أشد الخطر على أنفسهم لأنه (ينبغى أن يطاع الله أكثر من الناس أع5: 29).

(السعاة) فى الغالب جماعة من الجنود المشاة، مدربون على المشى بسرعة ولمسافات طويلة ولوقت طويل، كان منهم الحرس الملكى، كما كانوا يحملون رسائل الملك أو أوامره ويسيرون على أقدامهم ليوصلوها إلى أصحابها، وكانوا فى الغالب يقفون أمام الملك لتلقى أوامرهم، ويقيمون فى حجرة قريبة من الملك ليكونوا على استعداد لتنفيذ أوامره وتعرف الحجرة بغرفة السعاة (1مل14: 28).

(دوروا) أى مروا واحداً فواحداً واقتلوهم.

18- فقال الملك لدواغ در أنت وقع بالكهنة. فدار دواغ الأدومى ووقع هو بالكهنة وقتل فى ذلك اليوم خمسة وثمانين رجلاً لابسى أفود كتان.

لم يتجاسر الملك على تعنيف السعاة لأنه شعر أن أمره شرير وظالم، فطلب إلى دواغ الأدومى عدو شعب الله أن يقتلهم، فرحب ذلك النذل بأمر الملك وقتل كهنة الرب جميعاً، وكان عددهم خمسة وثمانين يرتدى كل منهم الأفود الأبيض المصنوع من الكتان النقى فمات جميع هؤلاء الشهداء بينما تلطخت حياة الملك المستبد ودواغ الأثيم وأيديهما بدمائهم الذكية.

(الأفود): ثوب قصير مثل (الصديرى) كان يلبسه الكهنة وأحياناً الصديقون من الشعب عند القيام بالأعمال الدينية.

19- وضرب نوب مدينة الكهنة بحد السيف. الرجال والنساء والأطفال والرضعان والثيران والحمير والغنم بحد السيف.

لم يكتف هذا الملك الشرير بقتل الكهنة بل قتل كل من فيها من الناس رجالاً ونساءً وأطفالاً، وقتل حتى الحيوانات التى فيها، وبالجملة عاملها مثل مدينة وثنية محرمة.

هروب أبياثار ومجيئه إلى داود (ع20-23)

20- فنجا ولد واحد لأخيمالك بن أخيطوب اسمه أبياثار وهرب إلى داود.

يظهر أن أبياثار بن أخيمالك لم يذهب إلى شاول مع الكهنة وربما كان مشغولاً فى الخدمة فى بيت الرب، ولابد أن أخبار مذبحة الكهنة قد وصلته من بعض أفرد الشعب، فهرب لحياته وجاء إلى داود فى أرض يهوذا ويظهر من أصحاح (23: 2) أنه جاء إليه وهو فى بلدة قعيلة. وربما كان هروبه بعد مذبحة الكهنة أو عندما شعر أن بعض الجبناء من رجال شاول قد هجموا على مدينة نوب ليقتلوا من فيها.

21- وأخبر أبياثار داود بأن  شاول قد قتل كهنة الرب. أعلم داود بالعمل الفظيع الذى عمله شاول بقتله كهنة الرب.

22- فقال داود لأبياثار علمت فى ذلك اليوم الذى فيه كان دواغ الأدومى هناك أنه يخبر شاول. أنا سببت لجميع أنفس بيت أبيك.

( أ ) أعلمه داود بأنه توقع عندما رأى دواغ الأدومى عند أخيمالك أنه سيشى إلى شاول ويعرفه بأنه عاون داود بإعطائه الزاد والسيف. ويظهر أن داود كان قد طلب معاونة أخيمالك قبل أن يكتشف وجود دواغ، وحتى لو كان قد عرف بوجوده كان مضطراً إلى ذلك بالنسبة للخطر الذى كان يحيط به.

(ب) وتأسف داود لأبياثار معترفاً بأنه هو الذى سبب المأساة الأليمة التى حدثت لجميع أفراد أسرته. ولم يكن له قصد فى هذا ولكن مجيئه إلى نوب وطلب الطعام والسلاح من أخيمالك هو الذى هيج قلب شاول عليهم.

23- أقم معى. لا تخف لأن الذى يطلب نفسى يطلب نفسك ولكنك عندى محفوظ.

( أ ) طلب إليه داود أن يقيم معه فى حمايته وتحت رعايته وألا يخاف من شاول أو من غيره، وقال له: (لأن الذى يطلب نفسى يطلب نفسك) أى أن كليهما سيكونان فى موقع واحد من الخطر وكما يدافع داود عن نفسه سيدافع أيضاً عن أبياثار.

(ولكنك عندى محفوظ) أى فى مأمن من جميع الأخطار لأنى من الآن مسئول عنك.

(ب) وقد لازم أبياثار داود فى جميع ظروف حياته، وكان رئيس الكهنة كل أيام داود إلى أن انتقلت رئاسة الكهنوت إلى صادوق الكاهن فى أول حكم سليمان (1مل2: 35).

(ج) كان قتل الكهنة تحقيقاً لإعلان الرب لعالى الكاهن بانقراض نسله (ص2: 31-36)، ولكن قتلهم لن يعفى شاول الملك من المسئولية والدينونة لأن قتلهم كان بدون وجه حق ولا يتفق مع العدل وإنما عمل هذا انتقاماً وتشفياً من داود، والرب كان يستطيع أن يجرى قضاءه على بيت عالى بتدبيره الخاص وبطريقة أخرى معهم وليس بالطريقة الجائرة التى ظهرت فى عمل شاول.



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.