بولس الرسول – شخصيته – منهجه أفكاره – جزء 2 – الأستاذ شريف رمزي

[pt_view id=”aa2d703e20″ tag=”بولس الرسول – شخصيته – منهجه أفكاره – الأستاذ شريف رمزي” field=name]

نعود إلي بولس..

سجلَّ سفر أعمال الرسل العديد من الآيات التي أجراها الروح القدس على يدي بولس فيما كان يؤدي عمله ككارز..

ففي أيقونية حيث كان بولس وبرنابا يجاهران بكلمة الرب، كان الرب  ” يعطي أن تجري آيات وعجائب على أيديهما ” ( أع 3:14).

وفي لسترة تقابل مع مفلوج (مُقعد من بطن أمه)، “هذا كان يسمع بولس يتكلم فشخص إليه وإذ رأى أن له إيماناً ليشفى قال بصوت عظيم قم على رجليك منتصباً، فوثب وصار يمشي” ( أع 14: 8-10).

هذه المعجزة هزت المدينة كلها حتى أن الجموع صرخوا قائلين: “إن الألهة تشبهوا بالناس ونزلوا إلينا” ( أع 11:11).

وفي فيلبي إتبعت بولس جارية بها روح عرافة، “وصرخت قائلة هؤلاء الناس هم عبيد الله العلي الذين ينادون لكم بطريق الخلاص، وكانت تفعل هذا أياما كثيرة فضجر بولس وإلتفت إلي الروح وقال أنا آمرك بأسم يسوع المسيح أن تخرج منها، فخرج في تلك الساعة ” (أع 16: 18,17).

وفي أفسس “كان الله يصنع على يدي بولس قوات غير المعتادة، حتى كان يؤتي عن جسده بمناديل أومآزر إلي المرضى فتزول عنهم الأمراض وتخرج الأرواح الشريرة منهم” (أع 12,11:19).

أغلب الظن أن بولس كان يستخدم هذه المناديل لتمتص صديداً كان يخرج من جسده، حيث كان يعاني من مرض مزمن أشار إليه بقوله: “أعطيت شوكة فى الجسد” (2 كو 7:12).

وألمَح إليه أيضاً في رسالته إلي أهل غلاطية قائلاً لهم: “لكنكم تعلمون اني بضعف الجسد بشرتكم في الأول، وتجربتي التي في جسدي لم تزدروا بها ولا كرهتموها بل كملاك من الله قبلتموني كالمسيح يسوع” ( غل 14,13:4).

وفي جزيرة مالطة استضاف أهلها -وهم من البرابرة- بولس ومن معه وقدموا لهم إحساناً وأوقدوا لهم ناراً فجلس بولس يستدفيء، “فجمع بولس كثيراً من القضبان ووضعها على النار فخرجت من الحرارة أفعى ونشبت فى يده، فلما رأى البرابرة الوحش معلقاً بيده قال بعضهم لبعض لابد أن هذا الإنسان قاتل لم يدعه العدل يحيا ولو نجا من البحر، فنفض هو الوحش إلي النار ولم يتضرر بشيء رديء، وأما هم فكانوا ينتظرون أنه عتيد أن ينتفخ أو يسقط ميتاً، فلما إنتظروا كثيراً ورأوا انه لم يعرض له شيء مُضر تغيروا و قالوا هو إله” ( أع 3:28_6).

وفي نفس الجزيرة جرت على يدي بولس آيات كثيرة ومعجزات شفاء

” فحدث أن بابليوس (مقدم الجزيرة) كان مضطجعاً مُعترى بحمى وسحج، فدخل إليه بولس وصلي ووضع يديه عليه فشفاه، فلما صار هذا كان الباقون الذين بهم أمراض في الجزيرة يأتون ويشفون” (أع 28: 8-10)

ولم تقتصر المعجزات التي أجراها الرب على يدي بولس فقط على شفاء الأمراض وإخراج الأرواح الشريرة، لكن كرمه الله بإقامة ميت ليتحقق بذلك قول السيد المسيح له المجد لتلاميذه: “الحق الحق أقول لكم من يؤمن بي فالأعمال التي أنا أعملها يعملها هو أيضاً ويعمل أعم منها لأنى ماضٍ إلى أبي ومهما سألتم بأسمي فذلك أفعله ليتمجد الأب بالأبن، إن سألتم شيئاً بأسمي فإني أفعله” ( يو 12:14_14).

ولثقة بولس في هذا الوعد فإنه لم يستكثر على نفسه أن يجري الرب هذه المعجزة على يديه ولم يتردد لحظة واحدة..

“وفي أول الأسبوع إذ كان التلاميذ مجتمعين ليكسروا خبزاً خاطبهم بولس وهو مزمع أن يمضي في الغد و أطال الكلام إلى نصف الليل. وكانت مصابيح كثيرة في العلية التي كانوا مجتمعين فيها. وكان شاب أسمه أفتيخوس جالساً في الطاقة متثقلاً بنوم عميق وإذ كان بولس يخاطب خطاباً طويلاً غلب عليه النوم فسقط من الطبقة الثالثة الى أسفل و حمل ميتا. فنزل بولس ووقع عليه وإعتنقه قائلاً لا تضطربوا لأن نفسه فيه. ثم صعد وكسر خبزاً وأكل وتكلم كثيراً إلى الفجر وهكذا خرج. وأتوا بالفتى حياً و تعزوا تعزية ليست بقليلة” (أع 20: 7-12).

ما فعله بولس يُعيد إلي أذهاننا ما فعله إيليا قديماً إذ أقام إبن أرملة صرفة صيدا بنفس الطريقة، ولعله ليس التشابه الوحيد بينهما!

إحقاقاً للحق.. بولس مؤسس كنيسة روما

تُفاخر الكنيسة الكاثوليكية بأن مؤسسها هو القديس بطرس الرسول، ويزعم البعض أن ذلك يعطي كنيسة روما الحق فى رئاسة بقية الكنائس في العالم المسيحي باعتبار أن بطرس كان رئيساً للتلاميذ!

بَيد أن هذه المزاعم لا تستند إلي الواقع في شيء وليس هناك ما يؤيد صحتها من الكتاب المقدس، فلا بطرس اسس كنيسة روما ولا كان من الأصل رئيساً أو زعيماً بين التلاميذ، بل إن فكرة الزعامة نفسها وجدت معارضة شديدة من جانب السيد المسيح الذي صرح قائلاً:

“أنتم تعلمون أن رؤساء الأمم يسودونهم والعظماء يتسلطون عليهم. فلا يكون هكذا فيكم بل من أراد أن يكون فيكم عظيماً فليكن لكم خادماً. ومن أراد أن يكون فيكم أولاً فليكن لكم عبداً ” (مت 25:20_27).

هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فالقول بأن بطرس هو من أسس كنيسة روما يتعارض مع العديد من الحقائق الكتابية والتاريخية التي تنسب هذا الفتح الإيماني إلي بولس وليس بطرس..

أولاً: في رسالته إلي أهل غلاطية يُسجل بولس الرسول حقيقة هامة مفادها أنه أُتمن على إنجيل الغرلة (الكرازة للأمم) كما بطرس على إنجيل الختان (الكرازة لليهود).. ( غل 2: 7-9).

وهذا يُظهر بوضوح أن الكرازة للأمم هي من صميم عمل بولس، وعلى العكس من ذلك بطرس الذي تخرج الكرازة للأمم عن نطاق عمله.

ثانياً: يحوي الكتاب المقدس بين صفحاته رسالة هامة بعث بها بولس الرسول إلي أهل رومية، وهذه الرسالة في حد ذاتها تُعد نوعاً من إفتقاد الراعي لرعيته، وفيها يُعبر بولس عن إشتياقاته للمؤمنين في روما ويقطع على نفسه وعوداً بزيارتهم..

“فإن الله الذي أعبده بروحي في إنجيل إبنه شاهد لي كيف بلا إنقطاع أذكركم. متضرعاً دائماً في صلواتي عسى الأن أن يتيسر لي مرة بمشيئة الله أن أتي إليكم. لأني مشتاق أن آراكم لكي أمنحكم هبة روحية لثباتكم” (رو 9:1_11).

” ثم لست أريد أن تجهلوا أيها الأخوة انني مراراً كثيرة  قصدت أن اتي إليكم ومُنعت حتى الأن” (رو 13:1).

“لي اشتياق إلى المجيء إليكم منذ سنين كثيرة. فعندما أذهب إلى أسبانيا آتي إليكم” (رو 15: 23-24).

ثالثاً: من غير المعقول أن يتقاسم بولس الكرازة في روما مع بطرس، أو ينادي بالإيمان في مدينة بشَّر فيها رسول آخر، لأن ذلك ضد مباديء بولس، الأمر الذي ذكره صراحةً في نفس الرسالة..

“حتى أني من أورشليم وما حولها إلى الليريكون قد أكملت التبشير بإنجيل المسيح. ولكن كنت محترصاً أن أبشر هكذا ليس حيث سمي المسيح لئلا أبني على أساس لأخر” ( رو 15: 19، 20).

رابعاً: يختم بولس رسالته إلي اهل رومية بطلبة من أجل أن يثبتهم الله في الإيمان بحسب إنجيله (أي بولس) وكرازته بالسيد المسيح، وهذا يوضح بما لا يدع مجالاً للشك أن بولس هو الذي أرسىَّ قواعد الإيمان في روما وليس بطرس.

خامساً: تُعد كرازة بولس في روما امراً إلهياً تلقاه بولس من الرب يسوع المسيح نفسه، كما يشهد بذلك سفر أعمال الأباء الرسل..

” وفي الليلة التالية وقف به الرب و قال ثق يا بولس لأنك كما شهدت بما لي في أورشليم هكذا ينبغي أن تشهد في رومية أيضاً ” ( أع 11:23).

ويبدو أن تلك أيضاً كانت رغبة بولس نفسه، كما يظهر في الإصحاح التاسع عشر من سفر الأعمال..

“ولما كملت هذه الأمور وضع بولس في نفسه أنه بعدما يجتاز في مكدونية و أخائية يذهب إلى أورشليم قائلاً اني بعدما أصير هناك ينبغي أن أرى رومية أيضاً”   ( أع 21:19).

سادساً: يذكر سفر الأعمال صراحة أن بولس سافر إلي روما  ( أع 16,14:28)، وأنه أقام هناك سنتين كاملتين في بيت استأجره لنفسه، “وكان يقبل جميع الذين يدخلون إليه. كارزاً بملكوت الله ومعلماً بأمر الرب يسوع المسيح بكل مجاهرة بلا مانع”    ( أع 31,30:28).

وهي شهادة صريحة عن كرازة بولس في روما، ومن روما كتب بولس العديد من رسائله إلي المؤمنين.. في أفسس، وفي فيلبي، وفي كولوسي، وإلي تلميذه فيلمون.

وعلى النقيض تماماً لم يُسجل الكتاب عن بطرس أنه قام بأي نشاط كرازي في روما، ولم يذكر التاريخ أن بطرس سافر إلي روما إلا في نهاية حياته حيث أستشهد هناك على يد نيرون الطاغية.

هذه بعض ملاحظات تُثبت أن بولس هو الذي حمل راية الإيمان إلي روما وليس بطرس كما يدعي أخوتنا الكاثوليك سعياً خلف رئاسة مزعومة للكرسي الروماني على سائر الكنائس في العالم المسيحي، الأمر الذي لا يتفق مع الروح المسيحية ولا يستقيم مع الحقائق الكتابية الواردة في الإنجيل..

الإيمان أول شروط الخلاص.. لكن ليس أخرها

في رسائل بولس تتضح معالم الصورة كاملة، وليس من جانب واحد كما يحلو للبعض أن ينظر إليها..

­­­­­­­­­­فما من شك أن الإيمان بالمسيح هو أول شروط الخلاص، وقضية الإيمان بالمسيح (كإله) محسومة، وعقيدتنا كأرثوذكس أنه لا خلاص لغير المؤمنين تستند إلى كلام السيد المسيح نفسه الذي صرح مراراً أن:

” الذي يؤمن بالإبن له حياة أبدية والذي لا يؤمن بالإبن لن يرى حياة بل يمكث عليه غضب الله” ( يو 36:3)

لكن الإيمان بالمسيح هو بداية الطريق وليس أخره، وبصراحة شديدة فالإيمان بالمسيح وحده غير كافي للخلاص.

ليس هذا رأياً ذاتياً ولا إجتهاداً شخصياً، ولا حتى فكراً أبائياً أو قراراً مجمعياً، إنما هو فكر الكتاب المقدس ونصوصه الصريحة التي غفل البعض عنها أو تغافلوا!

ندخل في التفاصيل..

المعمودية ولزومها للخلاص

الطوائف التي تعتقد أن الخلاص يمكن أن يتحقق لشخص لمجرد أن هذا الشخص قد قَبِل المسيح مُخلصاً شخصياً له، إنما تعتمد على آيات محددة وفي مناسبات خاصة، أنهم حتى لا يتمسكون بالحرف دون الجوهر لأنهم يتجاهلون أغلب النصوص التي لا تتفق مع آرائهم أو يفسرونها وفقاً لأهوائهم، وهنا تكمُن الخطورة.

وهم يبرزون اعتقادهم بإمكانية الخلاص عن طريق الإيمان وحده بآيات (أو أنصاف آيات) دون أن أن يفطنوا للمواقف والأحداث التي وردت فيها هذه الآيات، ومنها ما ذُكر في سفر أعمال الرسل عن سجان فيلبي الذي آمن بواسطة بولس وسيلا:

“فطلب ضوءاً واندفع إلى داخل وخر لبولس وسيلا وهو مرتعد. ثم أخرجهما وقال يا سيديَّ ماذا ينبغي أن أفعل لكي أخلص.  فقالا آمن بالرب يسوع المسيح فتخلص أنت وأهل بيتك” ( أع 29:16_31).

من هذه الأعداد يتضح ان الرسولين كانا بصدد قبول إنسان وثني ليس لديه أي فكرة عن أسس الإيمان المسيحي، ومن ثم وجب عليهم تبسيط الموقف وليس تعقيده..

والذي يتأمل في الأعداد التالية لها مُباشرة يُدرك أبعاد القصة مُكتملة..

” وكلماه وجميع من في بيته بكلمة الرب. فأخذهما في تلك الساعة من الليل وغسلهما من الجراحات و اعتمد في الحال هو والذين له أجمعون” (أع 33,32:16).

فالرسولين لم يكتفيا بمجرد قبول سجان فيلبي للإيمان، لكنهما شرحا له حقائق هذا الإيمان وأبعاده وفي الحال إعتمد وكل من في بيته، الكبير والصغير..

ومن ثم تتضح أهمية المعمودية وإقترانها بالإيمان كشرط للخلاص.

بولس نفسه بعد ظهور السيد المسيح له في الطريق إلى دمشق، وإيمانه بالسيد المسيح، خاطبه حنانيا قائلاً: “والأن لماذا تتوانى، قم واعتمد واغسل خطاياك” (أع 22:16).

ولم يستطع بولس أن يؤجل عماده ساعة واحدة على الرغم من كونه لم يأكل أو يشرب لثلاثة أيام متوالية ( أع 19,18,9:9).

وتظهر ضرورة المعمودية ولزومها للخلاص ولسكني الروح القدس الدائم في المؤمنين من كلام بولس مع بعض المؤمنين في أفسس الذين لم يكونوا يعرفون إلا معمودية يوحنا..

” قال لهم هل قبلتم الروح القدس لما آمنتم قالوا له ولا سمعنا أنه يوجد الروح القدس. فقال لهم فبماذا اعتمدتم فقالوا بمعمودية يوحنا. فقال بولس إن يوحنا عمد بمعمودية التوبة قائلاً للشعب أن يؤمنوا بالذي يأتي بعده أي بالمسيح يسوع. فلما سمعوا اعتمدوا باسم الرب يسوع ” (أع 2:19- 5)

إذن حلول الروح القدس وسكنه الدائم في المؤمن مرهون بنواله سر العماد، هذا ما فهمه المؤمنون الجدد في أفسس من كلام بولس، ومعموديتهم كانت ترجمة عملية لإيمانهم بالمسيح..

وتتكرر القصة في كل مدينة يذهب إليها بولس ليكرز ببشارة الإنجيل، ليس في أفسس فقط ولكن في كورنثوس أيضاً..

“وكثيرون من الكورنثيين إذ سمعوا آمنوا واعتمدوا”    ( أع 18:8)

وهكذا كلما جاء ذكر الإيمان في مناسبة يأتي بالتبعية ذكر المعمودية..

فالمعمودية بحسب العقيدة الإرثوذكسية هي البوابة الرئيسية للمسيحية، ذلك لأننا جميعاً قد ورثنا حُكم الموت الذي هو أجرة الخطية، وفي سر العِماد وفاء لهذا الديِن، هذا الأمر يفسره لنا بولس نفسه قائلاً:

“أم تجهلون أننا كل من اعتمد ليسوع المسيح اعتمدنا لموته. فدفنا معه بالمعمودية للموت حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن أيضا في جدة الحياة. لانه إن كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته نصير أيضا بقيامته” ( رو 3:6_5).

إذن المعمودية هي موت ودفن وقيامة مع السيد المسيح..

“مدفونين معه في المعمودية التي فيها أُقمتم أيضاً معه” (كولوسي 12:2).

وهكذا يتطهر الإنسان من الخطية الجدية الأولى ويغتسل من خطاياه السالفة إذ قد وفيَّ دينه بموته مع المسيح (في المعمودية).

لكن بولس يرى في المعمودية ما هو أكثر من مجرد الإغتسال من الخطية، فالمعمودية هي إتحاد بالمسيح..

“لأن كلكلم الذين اعتمدتم بالمسيح قد لبستم المسيح” (غل 27:3).

“لأنه إن كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته نصير أيضاً بقيامته”  (رو 6: 5).

هكذا علَّم بولس بالروح القدس، بل أنه يوجه أنظارنا إلي ما هو أبعد من ذلك بكثير، ففي رسالته الأولي إلى أهل كورنثوس يلقي بولس الضوء على قصة خروج سعب إسرائيل من مصر وعبورهم البحر الأحمر، مُعتبراً المعمودية هي سر خلاصهم من جيوش فرعون
( إبليس وجنوده)، وهكذا نقرأ للمرة الأولى عن معمودية موسى في العهد القديم..

” فإني لست أريد أيها الأخوة أن تجهلوا أن أباءنا جميعهم كانوا تحت السحابة وجميعهم اجتازوا في البحر. وجميعهم اعتمدوا لموسى في السحابة و في البحر” ( 1كو 2,1:10).

وكما خلص الشعب قديماً بعبورهم البحر، هكذا أيضاً المؤمنين في حاجة إلي المعمودية ليخلصوا من سلطان إبليس وجنوده، وليتحدوا بالمسيح ويصيروا أعضاء في جسده (الكنيسة).

وختاماً، يقدم بولس المعمودية كضرورة حتمية للخلاص..

“بمقتضي رحمته خلصنا بغسل الميلاد الثاني وتجديد الروح القدس” (تي 5:3).

ومع كل ما قدمه بولس من تعاليم عن المعمودية ولزومها للخلاص جنباً إلي جنب مع الإيمان، يتغافل البعض عن عمدٍ أو عن جهل مُنادين بضرورة الإيمان وحده، وكفايته للخلاص.

وهم بذلك يرفضون المعمودية أو على الأقل ينكرون فعاليتها، ويسقطون من حساباتهم تعليم كتابي صريح لم يخلو موضع في العهد الجديد من الإشارة إليه، عدا ما جاء في العهد القديم من رموز وإشارات بداية من ماء الطوفان أيام نوح ومروراً بعبور شعب إسرائيل البحر الأحمر وصولاً إلى معمودية يوحنا.

والأدلة الكتابية على لزوم المعمودية للخلاص _في العهد الجديد_ كثيرة جداً، منها على سبيل المثال وليس الحصر ما جاء على لسان السيد المسيح نفسه:

“من أمن واعتمد خلص” ( مر 16:16).

“أجاب يسوع الحق الحق أقول لك إن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله” ( يو 5:3).

” فتقدم يسوع وكلمهم قائلاً دفع الي كل سلطان في السماء وعلى الأرض. فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم بأسم الآب و الإبن والروح القدس. وعلموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به” ( مت 18:28-20).

فهل حقاً الذين يرفضون الأسرار، يحفظون وصايا السيد المسيح وتعاليمه؟!

ومن الأدلة الصريحة أيضاً على لزوم المعمودية وضرورتها للخلاص ما ذكره بطرس الرسول في رسالته الأولى:

“إذ كان الفُلك يُبنى الذي فيه خلص قليلون أي ثماني أنفس بالماء، الذي مثاله يخلصنا نحن الأن أي المعمودية” (1بط 21,20:3).

هذه بعض الأدلة الكتابية التي تثبت بما لا يدع مجالاً للشك أهمية المعمودية ولزومها للخلاص، عدا ما ذكرنا من تعليم بولس في نفس الخصوص.. ومع ذلك يتمادى الرافضون في رفضهم وعنادهم..!!

لكن لماذا يرفض هؤلاء لزوم المعمودية للخلاص؟!

الكهنوت

في رأيىِ أن الطوائف التي ترفض المعمودية أو تعتبرها غير مُهمة للخلاص، بل وترفض الأسرار عموماً على الرغم من كل الأدلة الكتابية التي تؤيدها وتثبت نسبتها للسيد المسيح مؤسسها، إنما تهدف أساساً إلي الإلتفاف حول حقيقة وجود كهنوت مسيحي، هكذا بدأت القصة…

الزمان: القرن السابع عشر الميلادي.

مسرح الأحداث: الكنيسة الكاثوليكية.

حيث أدى فساد أغلب رجال الدين في ذلك العصر وارتباطهم بالقصر، وظهور ما يعرف بصكوك الغفران وذوائد القديسين وغيرها من البدع إلي موجة عارمة من السُخط بين العامة إستغلها مارتن لوثر ليشعل الفتيلة الأولى ضد الكنيسة الكاثوليكية ومن ثم أبدى تحفظه على العديد من مظاهر الفساد داخل الكنيسة، هكذا بدأ..

لكن سرعان ما كسر نذره وخلع ثياب الرهبنة ونادي بحرية التعليم وحق كل إنسان في تفسير الكتاب المقدس!

ومع كونه لم يجرؤ على إنكار أسراراً مهمة كالمعمودية والإفخارستيا، إلا أن أفكاره المتطرفة ومبدأ حرية التعليم الذي نادى به كانا النواة الأولى التي تسببت في ظهور العديد من البدع وقادت البعض إلى رفض الأسرار عموماً وسر الكهنوت خصوصاً، لكونه يعطي رجال الدين سلطاناً للحل والربط ومغفرة الخطايا، وبرفضهم للكهنوت سقطوا في هوة سحيقة من الرفض للعقيدة ومبادئ الإيمان القويم.

في رأيي أن مارتن لوثر ومن تبعه ينطبق عليهم كلام بولس عن الذين بدأوا بالروح وكملوا بالجسد (غل 3: 3).

على كلٍ فهذه الأفكار غريبة عن إيماننا الإرثوذكسي القويم الذي تسلمته الكنيسة من الآباء الرسل وحفظته من سموم الهراطقة في كل العصور وإلي يومنا هذا..

ندخل في صُلب الموضوع..

يُعتبر السيد المسيح نفسه هو مؤسس سر الكهنوت، وهذا واضح في الحديث الذي دار بين السيد المسيح وتلاميذه بعد القيامة مباشرة..

” فقال لهم يسوع أيضا سلام لكم كما أرسلني الآب أرسلكم أنا. ولما قال هذا نفخ وقال لهم اقبلوا الروح القدس. من غفرتم خطاياه تغفر له ومن أمسكتم خطاياه أمسكت” ( يو 21:20_23).

وكذلك حديث السيد المسيح مع بطرس (نيابة عن التلاميذ) ولا يختلف كثيراً في مضمونه عن حديثه السابق..

“وأنا أقول لك أيضا أنت بطرس وعلى هذه الصخرة أبني كنيستي وأبواب الجحيم لن تقوى عليها. وأعطيك مفاتيح ملكوت السماوات  فكل ما تربطه على الأرض يكون مربوطا في السماوات و كل ما تحله على الأرض يكون محلولاً في السماوات”   ( مت 19,18:16)

وعلى نفس الأساس بنى بولس تعليمه عن الكهنوت.

فهو إذ يتحدث عن السلطان الممنوح له من السيد المسيح يُخاطب المؤمنين في رومية قائلاً: “ولكن بأكثر جسارة كتبت إليكم جزئيا أيها الأخوة كمذكر لكم بسبب النعمة التي وهبت لي من الله. حتى أكون خادماً ليسوع المسيح لأجل الأمم مباشراً لإنجيل الله ككاهن ليكون قربان الأمم مقبولاً مقدساً بالروح القدس”ى (رو 16,15:15).

العجيب أن رافضي الكهنوت يبررون رفضهم بآيات (أو كما قلنا أنصاف آيات) من الكتاب المقدس، فهم يستندون إلي ما جاء في سفر الرؤيا  على لسان يوحنا الرسول:

“الذي أحبنا وقد غسلنا من خطايانا، وجعلنا ملوكاً وكهنة لله أبيه” (رؤ 6,6:1)

ويأخذ رافضي الكهنوت من هذه الآية أساساً لرفض الكهنوت الخاص في المسيحية، بزعم أن “كل المؤمنين كهنة”!

الغريب في الموضوع أنهم يفسرون كلمة “كهنة” بحرفية، ويقولون إنها تشمل كل المؤمنين بالمسيح، وبالتالي فلا يجب الخضوع لفئة معينة أو مُختارة لأن الجميع _ بحسب نظريتهم _ “كهنة لله”..

لكن لنفرض أن هذا هو التفسير الصحيح للآية، وقبلنا القول بأن جميع المؤمنين” كهنة” (حرفياً)، فهل جميع المؤمنين “ملوك”، وهل جميعهم يحكمون دولاً وشعوب.. إن كان الحال كذلك فلماذا يخضع هؤلاء للرؤساء والملوك والأمراء في الدول التي يعيشون فيها؟!

ما من شك أن هذه الأية وحدها لا تصلح كأساس لرفض الكهنوت الخاص، وكما سبق وأوضحنا خطورة التعليم المبني على الآية الواحدة التي ربما تخص مناسبة بعينها..

ففي الآية موضوع البحث، والتي يعتبرها رافضي الكهنوت الخاص أساس للكهنوت الجماعي، يظهر الخلط الواضح بين الأمور وبعضها، من خلال سوء فِهم ربما مُتعمد لمعني الآية.

واضح هنا أن المُتكلم هو يوحنا (عدد 4)، “يوحنا إلي السبع الكنائس التي في أسيا” ( رؤ 4:1).

وعليه فالضمير في “جعلنا” يُقصد به يوحنا مع أخرين، هذا الأمر لا يحتاج إلي تفسير..

لكن من هم هؤلاء الأخرين الذين عناهم يوحنا بقوله “جعلنا ملوكاً وكهنة” (عدد 3)..؟؟

من الواضح والمقبول منطقياً أن يوحنا يتحدث عن نفسه مع غيره من الرسل الذين أخذوا سلطاناً من السيد المسيح نفسه للحل والربط ومغفرة الخطايا، وطبعاً هذا السلطان لم يمنحه لجميع المؤمنين.

نفس الفكرة تتكرر على لسان بولس، الذي يستخدم الضمير (نا) مُشيراً إلي نفسه مع رفقائه الرسل، فيقول في رسالته الأولى لأهل كورنثوس:

“هكذا فليحسبنا الإنسان كخدام المسيح ووكلاء سرائر الله” (1كو 1:4).

فهل جميع المؤمنين خدام ومُبشرين؟! وهل جميعهم وكلاء ونواب عن المسيح ومُكلفون بخدمة الأسرار؟!

هل يملك كل مسيحي القدرة على منح الروح القدس لغيره من المؤمنين؟! وهل يملك الجميع سلطاناً لغفران الخطايا كما كان للرسل؟!

قطعاً كل ذلك ليس للجميع، لكن النفوس المُتكبرة ترفض الإنصياع للأمر الإلهي بالرغم مما يشكله ذلك من خطورة على مصيرهم الأبدي (عب 3:2)!

أما خصوصية الكهنوت واقتصاره على فئة مُختارة من المؤمنين فتظهر في تعليم بولس بوضوح.

ففي رسالته إلي العبرانين يؤكد على هذه الحقيقة صراحة: “لا يأخذ أحد هذه الوظيفة من نفسه بل المدعو من الله كما هرون أيضاً” (عب 4:5).

وفي رسالته الأولى إلي تلميذه تيموثاوس يتحدث بولس عن الدرجات الكهنوتية المختلفة والصفات الواجب توافرها في كل من الأساقفة والشمامسة كفئة مُختارة من بين المؤمنين                                ( 1تي 1:3_13)، وطبعاً هذه الصفات لا يمكن أن تتوافر في كل المؤمنين.  (راجع أيضاً: تي 7:1_9).

مما يدل على خصوصية الكهنوت أيضاً وعدم صلاحية كل شخص للقيام بهذه المهمة الدقيقة وثيقة الصلة بخلاص النفوس، ما أوصي به بولس تلميذه تيموثاوس من التأني والتدقيق عند إختيار الكهنة..

“لا تضع يداً على أحد بالعجلة” (1تي 22:5).

فالكهنوت مهمة تُسند إلي أشخاص بعينهم وليست مشاعًا، وهذا واضح أيضاً في كلام بولس لتلميذه تيطس..

“من أجل ذلك تركتك في كريت لكي تكمل ترتيب الأمور الناقصة وتقيم في كل مدينة قسوساً كما أوصيتك” ( تي 5:1).

نفس الفكرة تتكرر في سفر أعمال الرسل: “ثم رجعا إلى لسترة وأيقونية وأنطاكية. يشددان أنفس التلاميذ ويعظانهم أن يثبتوا في الإيمان وأنه بضيقات كثيرة ينبغي أن ندخل ملكوت الله. وانتخبا لهم قسوساً في كل كنيسة ثم صليا بأصوام واستودعاهم للرب الذي كانوا قد آمنوا به” (أع 21:23_23).

والخُلاصة أن رفض الكهنوت، أو قبوله شكلاً وإنكاره من حيث العمل والفاعلية، إنما يعكس مدى الإنحدار الروحي الذي وصل إليه البعض برفضهم وصايا الكتاب المقدس وتعاليم السيد المسيح..

عن أمثال هؤلاء يتحدث بطرس الرسول قائلاً: “كان خيراً لهم لو لم يعرفوا طريق البر من أنهم بعدما عرفوا يرتدون عن الوصية المقدسة المُسلمة لهم” ( 2بط 21:2).

الإفخارستيا

في حديثه عن سر الإفخارستيا يتساءل بولس: “كأس البركة التي نباركها أليست هي دم المسيح. الخب الذي نكسره أليس هو شركة جسد المسيح. فإننا نحن الكثيرين خبز واحد جسد واحد لأننا نشترك في الخبز الواحد” (1كو 17,16:10).

بولس هنا يقدم السر المقدس وإستحالة الخبز والخمر إلي جسد ودم المسيح كحقيقة عاشها الرسل واختبروها، وكان ذلك السر وراء وحدة الكنيسة في العصور الأولي للمسيحية.

ولمن ينظر إلي الإفخارستيا (التناول) كمجرد تذكار لعشاء السيد المسيح مع تلاميذه، مُنكراً بذلك فاعلية السر وقدسيته وحلول  روح الله وإستحالة الخبز والخمر إلي جسد ودم المسيح، يقدم بولس أدلته الخاصة مُعتبراً التناول بدون إستحقاق جُرم يستوجب الدينونة ويسقط الإنسان بسببه تحت وطأة الضعف والمرض بل والموت أيضاً..

“إذًا أي من أكل هذا الخبز أو شرب كأس الرب بدون إستحقاق يكون مجرماً في جسد الرب و دمه. ولكن ليمتحن الانسان نفسه وهكذا يأكل من الخبز ويشرب من الكاس. لأن الذي يأكل ويشرب بدون إستحقاق يأكل ويشرب دينونة لنفسه غير مميز جسد الرب. من أجل هذا فيكم كثيرون ضعفاء ومرضى وكثيرون يرقدون” (1كو 20:11_37).

وطبعاً كلمات الوحي الإلهي واضحة في هذا الصدد، فمنطقياً أن مجرد الأكل والشرب للتذكار لا يحتاجان لأن يمتحن الإنسان نفسه، وكذلك لا يشترط فيهما استحقاق خاص يترتب على مخالفته جريمة تستوجب الدينونة ويقع غير المستحق فريسة للضعف والمرض والموت..

لذلك فالذي يحرم نفسه من هذا السر فإنه يحرم نفسه من بركة لا يدانيها شيء من أمور هذا العالم بينما الملائكة تشتهي أن تتطلع إليه، يتساوى معه الذي ياكل ويشرب بدون إستحقاق..!!

التقليد

كتب بولس الرسول أربعة عشر رسالة لمدن وأشخاص كان سبباً  لدخولهم في الإيمان، ومن ثم كانت رسائله إليهم نوعاً من إفتقاد الخادم لمخدوميه يُفصح فيها عن مشاعره نحوهم ويوضح فيها بعض القضايا الإيمانية الهامة، أو يعطي رأياً في بعض الأمور بحسب ما أعطاه الله.

لكن لم يكن ممكناً أن تحمل الرسائل مهما بلغ عددها كل حقائق الإيمان المسيحي وتفاصيله، أو تلك الأمور المرتبطة به ولا تقل أهميتها عن الإيمان نفسه من حيث لزومها للخلاص.. وهنا يأتي دور “التقليد” .

ولقد أشار بولس إلي ذلك فى مناسبات عديدة وفي أكثر من رسالة، ومن ثم فرسائل البولس تحمل أدلة كتابية عديدة على وجود تسليم عيني أو شفاهي وصل إلينا فى صورة تقليد.

في رسالته الأولي إلى أهل كورنثوس يقول: “فأمدحكم أيها الأخوة على إنكم تذكرونني في كل شيء وتحفون التعاليم كما سلمتها إليكم ” (1كو 2:11).

ويقول أيضاً: “وأما الأمور الباقية فعندما أجيء أرتبها” (1كو 34:11)

وإلي أهل فيلبي كتب يقول: “وما تعلمتموه وسمعتموه ورأيتموه فيَّ فهذا أفعلوه وإله السلام يكون معكم” (في 9:4).

وكتب لأهل تسالونيكي: “فإثبتوا إذاً أيها الأخوة وتمسكوا بالتعاليم التي تعلمتموها سواء  كان بالكلام أم برسالتنا” (2تس 15:2).

وما يؤكد أهمية ما سلمه بولس لهذه الكنائس شفهياً، وأن من بين هذه الأمور ما هو ضروري للخلاص، حرص بولس نفسه على إنتقال هذه الأمور إلي معاونيه في الخدمة ومنهم إلي خدام أمناء وأكفاء قادرين أن يعلموا أخرين أيضاً، وهكذا دواليك.

فهو يقول لتيموثاوس: “وما سمعته مني بشهود كثيرين أودعه أناساً أمناء يكونون أكفاء أن يعلموا أخرين أيضاً” (2تي 2:2).

والأكثر من ذلك أن بولس نفسه استقي بعضاً مما دونه فى رسائله من التقليد الأبائي المتوارث، فهو يذكر لأول مرة في الكتاب المقدس بعهديه أسماء السحرة اللذان قاوما موسى قبيل خروج شعب إسرائيل من مصر، وذلك بعد موت موسى وموتهما بمئات السنين (2تي 8:3).

فهل بعد كل هذه البراهين من رسائل بولس وحدها يبقى مجالاً للشك فى صحة ما تسلمته الكنيسة الرسولية من عقائد وطقوس عن طريق التقليد المقدس؟!

التكلم بألسنة!

ناقش بولس قضية التكلم بألسنة، وأوضح في أكثر من رسالة أن: “الألسنة أية لا للمؤمنين بل لغير المؤمنين” (1كو 22:14).

وأنه يجب أن تُعطي الألسنة كلاماً يُفهم، وضرب مثلاً بالبوق إذا لم يُعطي صوتاً واضحاً، فمن يتهيأ للقتال؟!

“هكذا أنتم أيضاً إن لم تُعطوا باللسان كلاماً يُفهم فكيف يُعرف ما تكلم به، فإنكم تكونون تتكلمون في الهواء” (1كو 9:14).

ويؤكد بولس على ان العبرة ليست في التكلم بألسنة كمظهر في حد ذاته بل المهم أن يؤدي ذلك إلي البنيان ( 1كو 4:14) .

ويُظهر بولس أفضلية التعليم المُستنير الذي يُقدم للناس في بساطة على التكلم بألسنة، فيقول: “أشكر الله إني أتكلم بألسنة اكثر من جميعكم، ولكن في كنيسة أريد أن أتكلم خمس كلمات بذهني أُعلم أخرين أيضَا أكثر من عشرة آلاف كلمة بلسان” (1كو 19,18:14).

وأعقب بولس ذلك بقوله: “أيها الأخوة لا تكونوا أولاداً في اذهانكم بل كونوا أولاداً في الشر ” (1كو 20:14).

في صراحة تامة يعتبر بولس أن طلب المواهب الروحية -ومن بينها التكلم بألسنة-  نوعاً من السذاجة والطفولية، كما لو كان التكلم بألسنة لُعبة يتشبث بها طفل دون أن يفطن لها أو يفهم ما تعنيه، بينما الأفضل أن نتشبه بالأطفال فى براءتهم!

وكأن بولس كان ينظر بعين النبوة إلي المُستقبل فرأى ما يحدث الأن في بعض الإجتماعات الروحية لطوائف تنتسب إلي المسيحية فكتب يقول: “فإن إجتمعت الكنيسة كلها في مكان واحد وكان الجميع يتكلمون بالسنة فدخل عاميون أو غير مؤمنين أفلا يقولون أنكم تهذون” (1كو 23:14).

ويعود بولس فيؤكد ان المواهب الروحية ولاسيما التكلم بألسنة تهدف إلي البنيان وليست للتظاهر الخارجي ( 1كو 26:14)، ويتم ذلك بنظام وبترتيب ويشترط أن يكون هناك من يترجم..

“ولكن إن لم يكن مُترجم فليصمت في الكنيسة وليكلم نفسه والله ” (1كو 28:14).

هكذا كان الحال فى عصر الرسل على عكس ما يعتقد البعض، أما اليوم وبعد أن إنتشرت كلمة الخلاص في كل المسكونة وترجم الإنجيل لكل اللغات، وأصبح رجل الدين يتحدث بأكثر من لغة فلم تعد ثمة حاجة للتكلم بألسنة..

وخلاصة هذا الموضوع قدمها بولس في عبارة واحدة لكن للأسف فالبعض لا يفطن لها.. ” الألسنة ستنتهي” (1كو 8:13).

 



فهرس الكتاب

إضغط على إسم الفصل للذهاب لصفحة الفصل.

لا توجد نتائج