بولس الرسول – شخصيته – منهجه أفكاره – الأستاذ شريف رمزي

الرئيسية » كتب » أدب مسيحي » سير قديسين وشخصيات » بولس الرسول – شخصيته – منهجه أفكاره – الأستاذ شريف رمزي

الأسفار: العهد الجديد
آخر تحديث: 20 نوفمبر 2018

البياناتالتفاصيل
إسم الكاتب
منصب/عمل الكتاب
تقييم الكتاب
Arabic
- مشروع الكنوز القبطية

تحميل الكتاب

إنتبه: إضغط على زرار التحميل وانتظر ثوان ليبدأ التحميل. الملفات الكبيرة تحتاج وقت طويل للتحميل
رابط التحميل حجم الملف مرات التحميل
2MB
[pt_view id="aa2d703e20" tag="بولس الرسول - شخصيته - منهجه أفكاره - الأستاذ شريف رمزي" field=name]

تقديم

هذه الدراسة لهذا الكاتب الفاضل.. إنها ثمرة انفعاله بالآيات الكتابية، وتفاعله مع شخص كاتبها، دونها بقلمه على هامش كتابه المقدس، فكانت مدخلاً معبراً عن رؤية ثاقبة مصاحبة لشخص القديس “بولس” الكارز العملاق، شهيد أوستيا..

لقد جال الكاتب في كتابات الرسول العظيم “بولس” (رسائله الأربعة عشر)، أو ما كتبه عنه القديس لوقا (في سفر الأعمال)، ورصد منهجه الكرازي ببرهان الروح والقوة (1كو2: 4، 5)، ومنهجه التقليدي السرائري، ومنهجه الإسخاتولوجي (الآخروي) الممتع الذي حبت به النعمة الإلهية “بولس”، فأصعدته إلى السماء الثالثة ليسمع ويرى ما لا يسوغ لإنسان أن يتكلم به (2كو12: 2- 7).

ولم يفت المؤلف “الإنسان” أن يرصد بولس “الإنسان” ومحبته الفياضة، ومشاعره تجاه تلاميذه الذين يتمخض بهم (غل4: 19)، وتجاه بني جلدته.. فلم يكن بولس فقط الرسول والكارز، لكنه كان أيضاً الخيام الكادح، الذي لا يأكل خبزاً مجاناً من أحد، بل يشتغل بتعب وكد ليلاً ونهاراً لكي لا يثقل على أحد (2تس3: 6- 13)، ليس من أجل نفسه فقط، بل كان يستوف بعمل يديه أيضاً حاجات الذين معه (أع34: 20)، مرسياً مبدأ “إِنْ كَانَ أَحَدٌ لاَ يُرِيدُ أَنْ يَشْتَغِلَ فَلاَ يَأْكُلْ أَيْضاً” (2تس3: 10، 1تس4: 11)..

إنه الرسول الإنسان الذي يشعر بتلاميذه (فل 17) ويشتاق إليهم (رو 11: 1، في1: 8)، ويكاتبهم بدموعه (2كو2: 4)، ويشاركهم أتعابهم وآلامهم (1تي5: 23) فيبدو أن ثمة حبل سري-لم ينقطع أبداً- يربطه بهم (1تس2: 7، فل10)، فينساب عبره فيض من الحب إليهم (1كو13)، بل إلى كل شخص فيهم على حِدة، لأنه إليه “حبيبي”، كذلك فهي “المحبوبة” (رو16: 15).

إنه بولس الذي يكرم “المرأة” (1كو11: 11، 12)، ويدرك سيكولوجية “المُسن”، ويفهم طبيعة “الشاب”، واحتياج “الأرملة”، ومعاناة “العبد” (1كو5: 1- 16) إنه الرسول “الإنسان”..

وفي حيادٍ تام قدَّم لنا الكاتب بولس الـ”شجاع” في المطالبة بالحق المسلوب (أع22: 25- 28)، “حتى لا يظن البعض أن  المسيحية ضعف وسلبية”، فـ”إن كان الله معنا فمن علينا؟!” (رو8: 21)..

وقدم لنا المؤلف البارع أيضاً في روعة العرض، وحسن التقديم، المفارقات التي تصادفنا في حياتنا: “الحرم والحلال”، “الزواج والبتولية”، الخلاص بـ”الإيمان ووسائط أخرى”، مُستكملاً أنصاف الآيات التي يستخدمها البعض في سياق مبتور “وفقاً لأهوائهم”.. في بسالة المدافع عن وحدة النص القدسي كله كوحدة واحدة.

وها هو كاتبنا الكنسي ينشر الصفحات الكاملة في كتابات بولس -رجل الإيمان القويم- التي تحض على ضرورة ممارسة أسرار التنشئة (المعمودية، الإفخارستيا) بحضور “سر الأسرار” (الكهنوت)، وتقليد التسليم الكامل، في فن العبادة -المبني على القيم العقائدية العظمى كالـ”قيامة” التي هي عماد الكرازة (1كو15: 12- 20)- وتذوقها، مُحذراً من الانحراف نحو الظواهر الروحية – كالتكلم بألسنة (1كو14) – التي قد تحيد بالفرد عن المنهج الخلاصي المتكامل التام (في2: 12).

إنه منهجٌ متكاملٌ في سطور قليلة.. نهنئ كاتبها على نجاحه في تقديم عرض يتسم بسهولة العرض، وينسجم مع طبيعة قارئ العصر.. الرب يقوده في مزيد من الإنجازات.. وإلى المزيد من النجاحات..

القمص/ متياس نصر منقريوس

مدخل

بين يديك _عزيزي القاريء_ دراسة تأملية بسيطة لشخصية أحد أهم وأعظم الشخصيات التي إستخدمها الروح القدس فى توصيل كلمة الخلاص لأمم وبلدان كانت غارقة فى ظُلمة الجهل والوثنية ومن ثم إستنارت بنور معرفة الرب يسوع المسيح.

هو “بولس” رسول الأمم والكارز بأسم المسيح وفيلسوف المسيحية العظيم، والمدافع عن الحق، صاحب الأربعة عشر رسالة وأربع حلات تبشيرية في  أسيا وأوربا.

هذه الدراسة : وضعت أولاً فى صورة خواطر شخصية موجزة ومختصرة جداً على هامش صفحات الكتاب المقدس لمنفعة واضعها فقط (الكاتب)، لكنها لم تفي بالغرض ولم تروي ظمأ واضعها، ومن ثم كانت السطور التي بين يديك _عزيزي القاريء _ هى المرحلة الثانية لسلسة من البحث والدراسة فى رسائل البولس.

وإنني موقن أن هذه الدراسة البسيطة لا تزيد عن كونها نقطة فى بحر، ولا تليق بشخص القديس بولس الذي يحتاج لمجلدات عديدة حتى يقف المرء على سيرته وأفكاره وإنجازاته التى تفوق الحصر..

حسبى فقط إننى -بنعمة المسيح- قد وقفت على ما دونه هذا الكارز العملاق من رسائل للمؤمنين فى شتى بقاع الأرض، هذه وحدها بركة لم أكن أستحقها وهى ما أتمنى لكل مسيحي نوالها، وليست هذه السطور سوى مدخلاً إلي هذه الرسائل التي تحوي خُلاصة فكر وتعليم هذا الرسول.

بركة هذا القديس العظيم بولس الرسول فلتكن معي ومعكم يا أبائي وأخوتي جميعاً أمين.

فى “بولس” نرى مثالاً واضحاً للخادم الواعي ذو المواهب المتعددة.

فالخلاص هو رسالته، والإيمان غايته، والمحبة سبيله،والإتضاع فضيلته.

كان بولس بالحقيقة نموذج للخادم الذي يقدم ذاته قدوة ومثال للمؤمنين دون أن يعثرهم فى شيء، ذلك لأنه بدوره تمثَّل بالسيد المسيح له المجد..

“كونوا متمثلين بي كما أنا أيضاً بالمسيح”  (1كو 1:11 )

بولس الإنسان

في كل مواقفه يظهر بولس كخادم قوي وكارز جريء،
لا يخشى شيئاً فى الحق ولا يهاب إنسان..

“وبينما هو يتكلم عن البر والتعفف والدينونة العتيدة أن تكون إرتعب فيلكس (الوالي)” (أع 24: 25).

” فقال أغريباس (الملك) لبولس بقليل تقنعني أن أصير مسيحياً” (أع 26: 28).

بولس هذا الذي حارب وحوشاً فى أفسس (1كو 15: 32)، نجده يُفصح عن مشاعره الإنسانية التي جعلته يُحجم عن الكرازة فى مدينة لمجرد أنه لم يجد تيطس تلميذه فيها..

“ولكن لما جئت إلى تراوس لأجل إنجيل المسيح وإنفتح لي باب في الرب لم تكن لي راحة في روحي لأني لم أجد تيطس أخي. لكني ودعتهم فخرجت إلى مكدونية” (2كو 13,12:2).

وأبلغ من ذلك موقفه العجيب من أقرباؤه بالجسد الذين لم يؤمنوا برسالة الإنجيل..

“إن لي حزناً عظيماً ووجعاً في قلبي لا ينقطع، فإني كنت أود أن أكون أنا نفسي محروماً من المسيح لأجل أخوتي وأنسبائي حسب الجسد”    (رو3,2:9 )

محبته

المحبة في حياة بولس كانت سبيله إلي قلوب المؤمنين، فهو يدعو الجميع أحباء له، ليس ذلك فقط إنما يُقدم لهم المحبة فى صورتها العملية، فهو يعطف ويتأنى ويترفق بالجميع ويقدم ذاته مبذولة كل يوم من أجلهم، فكل من عرف الإيمان عن طريق بولس صار ابناً روحياً له.

أولاً، تلاميذه..

تيموثاوس “الإبن الصريح في الإيمان” (1تي 1:2)

وأيضاً: “الإبن الحبيب” (2تي2:1).

تيطس “الإبن الصريح حسب الإيمان” (تيطس 4:1).

أنسيمس “إبني الذي ولدته في قيودي” (فليمون 10).

فليمون “المحبوب والعامل معنا” (فليمون 1).

وجمهور المؤمنين يدعوهم بولس أولاد له..

“يا أولادي الذين أتمخض بكم إلي أن يتصور المسيح فيكم” (غل 19:4)

إنها بنوة روحية حقيقية فيها مشاعر الأب الذي يشتاق إلي أولاده، ويقطع ألاف الأميال في البحر والبر ليطمئن أنهم أصحاء في الإيمان.

ويكتب الرسالة تلو الأخرى تحمل شُحنات الحب الأبوي للمؤمنين، وتحمل أيضاً أفراحه وأحزانه لأجلهم..

“لأني من حزن كثير وكآبة قلب كتبت إليكم بدموع كثيرة لا لكي تحزنوا بل لكي تعرفوا المحبة التي عندي ولاسيما من نحوكم” (2كو 4:2).

وهكذا فلا عجب أن نسمع بولس وهو يترنَم بأنشودة المحبة في كل رسائله، وبالأخص فى رسالته الأولى لأهل كورنثوس، في إصحاح كامل سُميَّ بإصحاح المحبة..

“إن كنت اتكلم بالسنة الناس والملائكة ولكن ليس لي محبة فقد صرت نحاسا يطن أو صنجا يرن.. المحبة تتانى وترفق المحبة لا تحسد المحبة لا تتفاخر ولا تنتفخ. ولا تقبح ولا تطلب ما لنفسها ولا تحتد ولا تظن السوء. ولا تفرح بالاثم بل تفرح بالحق. وتحتمل كل شيء وتصدق كل شيء  وترجو كل شيء وتصبر على كل شيء. المحبة لا تسقط أبداً.. أما الأن فيثبت الإيمان والرجاء والمحبة هذه الثلاثة ولكن أعظمهن المحبة” (1كو 13).

إنه يتعمد في كل رسائله أن يظهر محبته نحو كل أحد، الجميع في فكره وفي وجدانه، المسافات البعيدة لم تكن تفصله عنهم فهو حاضر بينهم بفكره وبروحه يزداد شوقه إليهم ومحبته لهم كلما زادت المسافة التي تفصله عنهم..

فهو يكتب لأهل رومية قائلاً: “مُشتاق أن أراكم” (رو 11: 1).

ولأهل فيلبي: “إني حافظكم في قلبي في وثقي وفي المحاماة عن الإنجيل وتثبيته، أنتم الذين جميعكم شركائي فى النعمة، فإن الله شاهد كيف أشتاق إلي جميعكم في أحشاء يسوع المسيح” (في 8,7:1).

ويعود فيعبر أكثر عن محبته لهم -كأنما يتغزل فيهم- قائلاً:

“إذاً يا أخوتى الأحباء والمُشتاق إليهم، يا سروري وإكليلي إثبتوا هكذا في الرب أيها الأحباء” (في 1:4).

وإلي أهل تسالونيكى:  ” كنا مترفقين في وسطكم كما تربي المرضعة أولادها، هكذا إذ كنا حانين إليكم كنا نرضى أن نعطيكم لا إنجيل الله فقط بل أنفسنا أيضاً لأنكم صرتم محبوبين إلينا” (1تس 8,7:2).

ويتمادى بولس في وصف مشاعره تجاه المؤمنين في كنيسة تسالونيكي، فيقول لهم:

“وأما نحن أيها الأخوة فإذ قد فقدناكم زمان ساعة بالوجه لا بالقلب إجتهدنا أكث بإشتهاء كثير أن نرى وجوهكم لأن هذا هو رجائنا وفرحنا وإكليل إفتخارنا.. لأنكم أنتم مجدنا وفرحنا” (1تس 2: 17 – 20).

ولتلاميذ أيضاً يكتب بنفس الروح ونفس مشاعر الحب الأبوي ونفس الإشتياق، فإذ يكتب لتيموثاوس يقول له:

“مشتاق أن أراك ذاكراً دموعك لكي أمتليء فرحاً ” (2تي4:1).

وفي رسائله للكنائس يرسل بتحيات للخدام وللمؤمنين مقترنة بمشاعر الحب نحوهم:

“سلموا على أبينتوس حبيبي، سلموا على امبلياس حبيبي في الرب.. وعلى استاخيس حبيبي.. سلموا على برسيس المحبوبة التي تعبت كثيراً في الرب ”  (رو 15:16)

هذه الروح المُحبة يحتاجها كثيراً الخدام فى عصرنا الحاضر.

بولس رجل التضحيات

لم يلاقي أحدًا من الرسل مقدار ما لاقاه بولس من آلام وأتعاب من أجل الشهادة للمسيح، ولم يُقدم أيًا منهم مثل ما قدمه بولس من تضحيات فى الخدمة.

باتضاع شديد يتحدث عن نفسه وعن رفقائه مقدماً المثل والقدوة للمؤمنين في كورنثوس، فيقول:

” نحن جهال من أجل المسيح وأما أنتم فحكماء في المسيح نحن ضعفاء وأما أنتم فأقوياء أنتم مكرمون وأما نحن فبلا كرامة. إلى هذه الساعة نجوع ونعطش ونعرى ونلكم وليس لنا إقامة. ونتعب عاملين بأيدينا نشتم فنبارك نضطهد فنحتمل. يفترى علينا فنعظ صرنا كأقذار العالم ووسخ كل شيء الى الأن” (1كو 4_14:10).

ويقارن بولس بين حاله قبل الإيمان حينما كان يضطهد كنيسة الله وحاله بعد أن آمن وأصبح من زمرة الرسل، ثم فى اتضاعٍ شديد وبساطة يذكر تعبه ناسباً إياه لعمل نعمة الله..

“ونعمة الله المُعطاة لي لم تكن باطلة بل أنا تعبت أكثر من جميعهم”

(1 كو 10:15).ويعود فيسرد بعض مما لاقاه من عذابات في سبيل توصيل رسالة الخلاص لكل إنسان، لكنه لا يفعل ذلك على سبيل الإفتخار لأنه يعلم علم اليقين أن:

“ليس من مدح نفسه هو المُذكى بل من يمدحه الرب” (2كو 18:10).

بل دفاعاً عن إرساليته فى مواجهة الأصوات التي عكفت على التشكيك فى مكانته ككارز مقارنة بغيره من الرسل..

“من اليهود خمس مرات قبلت أربعين جلدة إلا واحدة. ثلاث مرات ضربت بالعصي مرة رجمت ثلاث مرات إنكسرت بي السفينة ليلا ونهارا قضيت في العمق. بأسفار مرارا كثيرة بأخطار سيول بأخطار لصوص بأخطار من جنسي بأخطار من الأمم بأخطار في المدينة بأخطار في البرية بأخطار في البحر بأخطار من أخوة كذبة. في تعب وكد في أسهار مرارا كثيرة في جوع وعطش في أصوام مرارا كثيرة في برد وعري … في دمشق والي الحارث الملك كان يحرس مدينة الدمشقيين يريد أن يمسكني. فتدليت من طاقة في زنبيل من السور ونجوت من يديه” (2 كو 11: 24- 33).

رجل يُقدس العمل

على الرغم من كونه خادم للإنجيل ويملك الحق فى العيش على نفقة الإنجيل (أي عطايا المؤمنين)، لكن بولس لم يستخدم يوماً هذا الحق لئلا يُعثر أحداً بسببه..

” هكذا أيضاً أم الله أن الذين ينادون بالإنجيل من الإنجيل يعيشون، أما أنا فلم أستعمل شيئاً من هذا ” (1كو 9: 14- 15).

بولس هذا الذي تعب أكثر من جميع الرسل وقام بأربع رحلات تبشيرية وكتب أربعة عشر رسالة وأسس كنائس بالجملة، كان يعمل أيضاً فى صُنع الخيام! (أع 3:18).

كل ذلك ليقدم ذاته كقدوة للمؤمنين ليس في القول فقط لكن فى الفعل أيضاً..

“كنا نشتغل ليلاً ونهاراً لكي لا نُثقل على أحد منكم، ليس أن لا سلطان لنا بل لكي نعطيكم أنفسنا قدوة حتى تتمثلوا بنا” (2تس 9,8:3).

ولأنه يؤمن بفائدة العمل ليس كمصدر للعيش فقط لكن روحياً أيضاً، يطلب من المؤمنين فى تسالونيكى قائلاً :

“وتشتغلوا بأيديكم أنتم كما أوصيناكم” (1ت 11:4).

ويُشدد مرة أخرى: “أوصيناكم بهذا أنه إن كان أحد لا يريد أن يشتغل فلا يأكل أيضاً” (2تس 10:3).

يؤمن بقيمة عمله ككارز

ويشعر أن الخدمة هي خياره الوحيد، وخلاص النفوس هو غايته الآسمى..

“لأنه إن كنت لا أبشر فليس لي فخر إذ الضروررة موضوعة عليَّ. فويل لي إن كنت لا أُبشر” (1كو 16:9).

وهكذا يعتبر بولس نفسه مسئول شخصياً عن توصيل سالة المسيح لكل نفس..

“لأن كل من يدعو باسم الرب يخلص. فكيف يدعون بمن لم يؤمنوا به وكيف يؤمنون بمن لم يسمعوا به وكيف يسمعون بلا كارز ؟!”    (رو 14:13)

هذه هي الغيرة المقدسة التي تحتاجها الخدمة، وهذا هو بولس رجل المستحيلات.

الحزم وقت اللزوم

شابه بولس سيده في أنه كان يعلم بسلطان، حتى رسائله كانت تحمل هذه الروح .. في التعليم، وكذلك فى الإنذار والتوبيخ، حتى أنه حكم على خاطيء كورنثوس بأن يتسلط عليه الشيطان لهلاك الجسد لكي تخلص الروح فى يوم الرب ( 1كو 5: 2- 5).

لكن في حُنو وعطف لا ينسي كونه خادم لهذه النفس فيعود ويذكره فى رسالته التالية لكورنثوس، ويطلب من المؤمنين هناك أن يسامحوه ويظهروا له محبتهم..

“مثل هذا يكفيه القصاص الذي من الأكثرين حتى تكونوا بالعكس تسامحونه بالحري وتعزونه لئلا يبتلع مثل هذا من الحزن المفرط، لذلك أطلب أن تمكنوا له المحبة ” (2كو 2_8:5).

وهكذا في كل رسائل بولس نجد الحب ممزوجاً بالحزم، والتعليم بالتهذيب وإن لزم الأم بالإنذار والتوبيخ..

“فهوذا لطف الله وصرامته، أما الصرامة  فعلى الذين سقطوا وأما اللطف فلك إن ثبت فى اللطف وإلا فأنت أيضاً ستقطع” (رو 22:11).

الثقة فى مواجهة الشر

يُعتبر بولس نموذج فـريد من نوعه، نموذج للخادم الشجاع الذي لا يعرف الخوف أو التراجع فى مواجهة الشر.. يقف أمام الملوك والولاة ويشهد بكل ثقة ورباطة جأش.

لم نسمع عن بولس بعد أن صار تلميذاً للمسيح أنه شك فيه يوماً أو أنكره كما فعل أخرون قبله فى ضعفٍ وتابوا.. إنه لا يتخلي عن إتضاعه، وفي نفس الوقت لا يتخلي عن مبادئه.

اتسم بولس في سلوكياته بالإيجابية الشديدة، وهذا ظاهر جداً فى تعاليمه ونصائحه للمؤمنين.

بولس هذا الذي قاسي من الآلام والأتعاب ما لم يقاسيه إنسان قبله، وقف في لحظة يحتج ويدافع لأجل نفسه في إيجابية..

“فلما مدوه للسياط قال بولس لقائد المئة الواقف أيجوز لكم أن تجلدوا إنساناً رومانياً غير مقضي عليه.. وللوقت تنحى عنه الذين كانوا مزمعين أن يفحصوه واختشى الأمير لما علم أنه رومانى ولأنه قيده”  (أع22: 25- 29).

هذه الصورة يقدمها بولس للمؤمنين ولغير المؤمنين على السواء.. لهؤلاء حتى يتعلموا من إيجابيته ويتمثلوا به فى شجاعته، ولأولئك حتى لا يظن أحد أن المسيحية ضعف وسلبية.

وبنفس الروح يشد آزر المؤمنين:

“إن كان الله معنا فمن علينا” (رو 31:8).

ويؤكد في إصرارٍ:

“قد أُشتريتم بثمن فلا تصيروا عبيدا للناس” (1كو 23:7).

فالمسيحي بحسب تعليم بولس بإمكانه أن يغضب لنفسه فى الحق ويدافع عن نفسه بالحق ودون أن يخطئ..

“أغضبوا ولا تخطئوا، لا تغرب الشمس على غيظكم ولا تعطوا لأبليس مكاناً” (أف 27,26:4).

وإن لم يكن في إمكانه دفع الشر عن نفسه، فيوجد من هو قادر أن يدافع عنه ويجازي الأشرا ر عن شرهم..”إذ هو عادل عند الله أن الذين يضايقونكم يجازيهم ضيقاً وإياكم الذيت تتضايقون راحة معنا” (2تس 6:4،7).

وهـو كراعٍ لا يحتمل أن يرى المؤمنين تحت نيـر أو ضيق من الذين هم من خارج، ويَود لو أن الأرض تنشق وتبتلع كل من يمد يده بالأذى إلي أولاد الله..

“ولكن الذي يزعجكم سيحمل الدينونة أى من كان.. يا ليت الذين يزعجونكم يقطعون أيضًا” (غل 10:5_12).

الشجاعة والإيجابية في مواجهة الشر -في نظر بولس- لا يتعارضان مع روح الوداعة التي يجب أن يتحلى بها المسيحي، وبولس نفسه خير دليل، ومن هنا كانت وصيته للمؤمنين..

“لا تجازوا أحداً عن شرٍ بشر.. إن كان ممكناً فحسب طاقتكم سالموا جميع الناس، لا تنتقموا لأنفسكم أيها الأحباء.. فإن جاع عدوك فأطعمه وإن عطش فأسقه..ولا  يغلبنك الشر بل أغلب الشر بالخير”

( رو 12: 17- 21).

أمين فى توصيل الرسالة

لم يكن بولس صاحب فكر شخصي أو مذهب خاص كما يدعي البعض، ولم يقدم أبدًا شيئًا من عندياته، إنما كان ينادي في كل وقتٍ:”وأما نحن فلنا فكر المسيح” (1كو 16:2).

وبإتضاعٍ شديد كان حريص على أن يوجه أنظار المؤمنين تجاه المسيح مباشرة مُعتبراً أن دوره ثانوياً..

“أنا غرست وأبلوس سقي لكن الله كان ينمي، إذاً ليس الغارس شيئاً ولا الساقي بل الله الذي ينمي” (1كو 7,6:3).

لم يأتِ بولس بفلسفة جديدة ولا كلاماً عقلانياً مجرداً، لكنه قدم الروح ظاهراً في أعماله وأقواله..

“وكلامي وكرازتي لم يكونا بكلام الحكمة الإنسانية المُُقنع بل ببرهان الروح والقوة، لكي لا يكون إيمانكم بحكمة الناس بل بقوة الله ” (1كو 5,4:2).

مفهوم الآلم كما يراه بولس

الآلم فى مفهوم بولس هو جسر يقربنا إلي المسيح فى العالم الحاضر وينتهب بنا إليه في الأبدية.

بولس نفسه كان يفرح بالضيقات شاعرًا بالقوة التي يهبها له المسيح في أوقات الضعف، وكانت ضيقاته وآلامه سبب فخره وإكليل مجده..

“فبكل سرور أفتخر بالحري في ضعفاتي لكي تحل علي قوة المسيح. لذلك أُسر بالضعفات والشتائم و الضرورات والاضطهادات والضيقات لأجل المسيح لاني حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قوي” (2كو10,9:12).

ويقدم بولس خبرته هذه للمؤمنين قائلاً:

“لأنه قد وهب لكم لأجل المسيح لا أن تؤمنوا به فقط بل أيضاً أن تتألموا لأجله إذ لكم الجهاد عينه الذي رأيتموه فيَّ” ( في 30,29:1).

وفي كل رسائله يتغنى بولس بالفوائد الروحية للضيقات والآلام التى يتعرض لها المؤمن.

الألم وقتي:

“فإني أحسب أن آلام هذا الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد أن يستعلن   فينا” (رو 18:8).

الآلام تُكسبنا الفضائل:

“نفتخر أيضاً في الضيقات عالمين أن الضيق ينشئ صبراً. والصبر تزكية والتزكية رجاء” ( رو 4,3:5)

الألم يقابله تعزية :

“لأنه كما تكثر آلام المسيح فينا كذلك بالمسيح تكثر تعزيتنا أيضاً”    (2كو 5:1).

  • الألم يقابله مجد:

 “إن كنا نتألم معه لكي نتمجد أيضاً معه” (رو17:8).

الحرام والحلال

في رأى بولس لا توجد قائمة بمحرمات ومحللات فى المسيحية كما كان الحال عند اليهود، الذين وضعوا فرائض ثقيلة على الناس تتعلق بأمورٍ شكلية لا علاقة لها بالروح..

في رأى بولس: ” كل الأشياء طاهرة ” (رو 20:14).

“إني عالم ومُتيقن بالرب يسوع أن ليس شيئاً نجساً بذاته” (رو 14:14)

فالنجاسة هي “سوء إستخدام”، أو إستخدام شيء طاهر فى غير محله..

وقد صرح بولس بذلك مراراً: ” كل شيء طاهر للطاهرين، وأما للنجسين وغير المؤمنين فليس شيء طاهر بل قد تنجس ذهنهم أيضاً وضميرهم”    (تي 15:1)

ومرة أخرى يكتب بولس مؤكداً على وجهة نظره أو بالأحرى عقيدته فى الحرام والحلال فيقول: ” كل الأشياء تحل لي لكن ليس كل الأشياء توافق. كل الأشياء تحل لي لكن لا يتسلط عليَّ شيء ” ( 1كو 12:6).

كلمة الأن، والكرازة باليوم الأخير

كلمة “الأن” من الكلمات التى تحمل دلالات خاصة فى منهج بولس، فهو كثيرًا ما يستخدم هذه الكلمة في رسائله بهدف تشجيع المؤمنين وحثهم على الجهاد والسهر الروحي، وليدعو المتكاسلين إلي اليقظة الروحية والتوبة دون تأخير أو تأجيل..

“هوذا الأن وقت مقبول هوذا الأن يوم خلاص” ( 2كو 2:6).

“إنها الأن ساعة لنستيقظ من النوم، فإن خلاصنا الأن أقرب مما كان حين آمنا” ( رو11:13).

هو إذ يؤكد: “إنه لابد اننا جميعاً نظهر أمام كسي المسيح لينال كل واحد ما كان بالجسد بحسب ما صنع خيراً كان أم شرًا” (2كو 10:5).

فهو أيضاً يضع هذه الحقيقة أمامنا أنه ليس من وقت لنضيعه، فيجدر بنا أن نُحسن إستغلال الفرصة..

“فأقول أيها الأخوة الوقت منذ الأن مُقصر.. لأن هيئة هذا العالم تزول” (1كو 29:7_31).

ويعود فيؤكد: ” اليوم إن سمعتم صوته فلا تقسوا قلوبكم” (عب 7:3).

إنها وإن كانت كرازة باليوم الأخير، لكنها أيضاً دعوة صيحة لتوبة عاجلة، الأن وبلا تأجيل.

فبولس لا يتحدث هنا عن موعد للدينونة، فهو يدرك تماماً أن الأزمنة والأوقات ليست من إختصاصه، إنما هو يُكرز بالتوبة.. وقد أوضح ذلك مراراً قائلاً:

“وأما الأزمنة والأوقات فلا حاجة لكم أيها الأخوة لأكتب إليكم عنها، لأنكم أنتم تعلمون بالتحقيق أن يوم الرب كلص فى الليل هكذا يجيء” (1تس 2,1:5).

بل ويحذر أيضاً من الرسل الكذبة ومحاولاتهم تشكيك المؤمنين وخداعهم بمواعيد وأخبار كاذبة لزعزعة إيمانهم.

“ثم نسألكم أيها الأخوة من جهة مجيء ربنا يسوع المسيح واجتماعنا إليه أن لا تتزعزعوا سريعاً عن ذهنكم ولا تتاعوا بكلمة كأنها منا أى أن يوم المسيح قد حضر، لا يخدعنكم احد على طريقة ما” (2 تس 2,1:2).

وبنفس الأسلوب الذي تحدث به السيد المسيح مع تلاميذه حينما سألوه عن نهاية العالم وموعد مجيئه، يعطي بولس للمؤمنين علامات لأبد وأن تتحقق أولاً ومن ثم يأتي المسيح وتكون القيامة العامة فالدينونة (راجع   2 تس 2: 3-12).

صورة حية للأبدية

الذي يقرأ رسائل بولس بفهم ويطلع على منهجه الكرازي، يمكنه بحق أن يستشعر الأبدية ويتلامس معها وهو بعد فى الجسد.. لقد قدم بولس صورة واضحة للأبدية، هذه الصورة من أين حصل عليها؟!

أولاً: كونه رسول قد أُعلن له من الله بالروح القدس أموراً غير ظاهرة لغيره من الناس..

” كما هو مكتوب ما لم تري عين ولم تسمع به أذن ولم يخطر على بال إنسان ما أعد الله للذين يحبونه، فأعلنه الله لنا بروحه.. ونحن لم نأخذ روح العالم بل الروح الذي من الله لنعرف الأشياء الموهوبة لنا من الله” (1كو 9:2_12).

وثانياً : كونه يحمل خبرات وانطباعات شخصية إكتسبها في سنين خدمته منذ بدايتها نتيجة لعلاقته المباشرة بالرب يسوع ولرؤى سماوية عديدة وإعلانات بلا حدود..

وكيف لا، وبولس هو الشخص الوحيد الذي ذكر عنه أنه صعد إلي السماء الثالثة..

“أعرف إنساناً في المسيح قبل أربع عشرة سنة أفي الجسد لست أعلم أم خارج الجسد لست أعلم الله يعلم أختطف هذا إلى السماء الثالثة. وأعرف هذا الانسان أفي الجسد أم خارج الجسد لست أعلم الله يعلم. أنه أختطف الى الفردوس وسمع كلمات لا ينطق بها ولا يسوغ لانسان أن يتكلم بها.. و لئلا أرتفع بفرط الاعلانات اعطيت شوكة في الجسد ” (2 كو 12: 2-7)

وهكذا لا يُفوت بولس فرصة لجَذب أنظار المؤمنين نحو الأبدية، في أوقات الفرح كما فى أوقات الضيق .. “غير ناظرين إلي الأشياء التي تُرى بل إلي التي لا تُرى، لأن التي تُرى وقتية أما التي لا تُرى فأبدية” ( 2كو 18:4).

ولقد تبنى بولس نفس فكر الأباء الأوائل الذين  نظروا إلي الحياة الحاضرة على إعتبار أنها  فترة إغتراب عن الوطن الحقيقي في السماء..

إبراهيم أب الأباء عاش في خيمة إشارة إلي غربته في هذا العالم.

وداود النبي يقول فى المزمور: “غريب أنا في الأرض، لا تخفي عني وصاياك ”    (مز 19:119).

وبولس في رسالته الثانية إلي أهل كورنثوس يقول: “نحن واثقون كل حين وعالمون إننا ونحن مستوطنون فى الجسد فنحن متغربون عن الرب” ( 2كو 6:5).

يقدم بولس إنجيله (بشارته) للمؤمنين مُعاشاً فى شخصه، فهو لا يلزمهم بشيء إن لم يكن هو قد إختبره أولاً.

فإن كان في رسائله يركز على توجيه أنظارهم نحو الأبدية، فقد سبقهم إلي ذلك وأنشد يقول: ” ليَّ الحياة هي المسيح والموت ربح.. لي إشتهاء أن أنطلق وأكون مع المسيح ذاك أفضل جداً” (فيلبي 23,21:1).

بين البتولية والزواج

عاش بولس بتولاً واختبر لذَّة البتولية وعفتها وفضائلها، وتمنىَ لو أن الجميع مثله يحيون البتولية، وقدم هذه الرغبة للمؤمنين على سبيل النصيحة لا الأمر الواجب لئلا يعثر الضعفاء وغير القادرين على التبُتل..

” لأني أريد أن يكون الجميع كما أنا، لكن لكل واحد موهبته الخاصة من الله الواحد هكذا والأخر هكذا ولكن  أقول لغير المتزوجين وللأرامل أنه حسن لهم إن لبثوا كما أنا.. إذا من زوج فحسناً يفعل ومن لا يزوج يفعل أحسن” (1كو 7: 38,8,7).

وبرغم عشقه الشديد للبتولية إلا أنه يقدس الزواج ويوضح في أكثر من رسالة أن “التزوج خير من التحرق” (1كو 38:7)، أي الإلتهاب بالشهوة.

“وأما المتزوجون فأوصيهم لا أنا بل الرب أن لا تفارق المرأة رجلها.. ولا يترك الرجل إمرأته” (1كو 11,10:7).

ويوضح العلاقة الجديدة بين الرجل والمراة في الزواج مُشيراً إلي الإتحاد بينهما، فيقول:

“من يحب إمرأته يحب نفسه.. من أجل هذا يترك الرجل آباه وأمه ويلتصق بإمرأته ويكون الإثنان جسداً واحداً، هذا السر عظيم” (أف 5:  28-32).

وهكذا يذكر بولس بوضوح أن الزواج سر مقدس، وكما أن للبتولية مكانتها كذلك الزواج في المسيحية هو مُكرم.

تكريمه للمراة

وضَّع بولس المرأة في مكانتها الصحيحة وساوي بها وبين الرجل، رافضًا أن يقلل أحد من شأنها أو أن تُعامل كجسد.

فبولس هو بحق صاحب نظرية تحرير المراة حتى قبل ان يُنادي بها “قاسم أمين” بما يقرب من ألفي عام..

“غير أن الرجل ليس من دون المرأة ولا المراة من دون الرجل في الرب. لأنه كما أن المراة هي من الرجل كذلك الرجل هو بالمراة” (1كو 12,11:11).

هذه النظرية نادي بها بولس في وقتٍ كان يُنظر للمراة باعتبارها فى درجة أدني من الرجل، حتى أن اليهودي كان يشكر الله في كل صباح لكونه خُلق رجلاً وليس إمرأة ! (بحسب التلمود).

تعاليم بولس ساعدت كثيراً المؤمنين الجدد في الأوساط اليهودية والوثنية على تغيير تلك النظرة الدونية للمرأة، ومساواتها بالرجل.

والجسد أيضاً مُكرم

دافع بولس عن كرامة الجسد باعتباره مسكن للروح القدس بعكس النظريات التي تنادي بأن الجسد في حد ذاته نجس..

“آما تعلمون أنكم  هيكل الله وروح الله يسكن فيكم، إن كان أحد يفسد هيكل الله فسيفسده الله لأن هيكل الله مقدس الذي انتم هو” (1كو 17,16:3).

“فإنه لم يبغض أحد جسده قط بل يقوته ويربيه” (أف 29:5).

“أم لستم تعلمون أن جسدكم هو هيكل للروح القدس الذي فيكم الذي لكم من الله وأنكم لستم لأنفسكم.  لأنكم قد أُشتريتم بثمن فمجدوا الله في أجسادكم وفي أرواحكم التي هي لله” (1كو  19:6_20).

“أم لستم تعلمون أن أجسادكم هي أعضاء المسيح” (1كو 15:6).

وفي الوقت نفسه يستخدم  بولس تعبير” الجسد” أحياناً للإشارة إلي الشهوات الجسدية والميول الأرضية وإهتمامات الجسد، فيقول:

“لأن إهتمام الجسد هو  موت لكن إهتمام الروح هو حياة وسلام، لأن إهتمام الجسد هو عداوة لله” (رو  7,6:8).

رفضه لفكرة التهود

قاوم بولس بكل ما أوتي من قوة فكرة أن المسيحية مجرد مذهب داخل الديانة اليهودية، ورفض المزج بين تقاليد اليهود وسلوكياتهم ومفاهيمهم الخاطئة وبين المسيحية، وأوصي أن:

“لا يحكم أحد عليكم في أكل أو شرب أو من جهة عيد أو هلال أو سبت التي هي ظل الأمور العتيدة” ( كولوسي 17,16:2).

وهو بذلك لا يقصد الصوم الجماعي الذي يشترك فيه المؤمنين كأعضاء فى الجسد الواحد (الكنيسة) -كما يحلو لأصحاب الأية الواحدة أو أنصاف الأيات أن يفسروا قوله- إنما مجموعة الأوامر والنواهي التي وضعها اليهود من جهة أنواع من الأطعمة مُعتبرين إياها نجسة، وذلك واضح من قوله فى نفس الإصحاح:

“إذاً إن كنتم قد مُتم مع المسيح عن أركان العالم فلماذا كأنكم عائشون عن العالم تُفرض عليكم فرائض، لا تمس ولا تذق ولا تجسالتي هي جميعها للفناء في الإستعمال حسب وصايا وتعاليم الناس” (كولوسي 21,20:2).

وهنا يبرز المبدأ الذي نادي به بولس: “لكن الطعام لا يقدمنا إلي الله لأننا إن أكلنا لا نزيد وإن لم نأكل لا ننقص” (1كو 8:8).

ويوصي أيضاً: “فإذا كنتم تأكلون أو تشربون أو تفعلون شيئاً فافعلوا كل شيء لمجد الله” (1كو 31:10)

ولم يقف الأمر عند مجرد فرائض تخص الأكل والشرب، لكن موضوع التهود والختان قبل الدخول فى المسيحية أثار بلبلة شديدة بسبب بعض المتزمتين، لكن بولس لم يُذعن لهم حتى حُسمت القضية لصالحه في مجمع أورشليم (أع 15).

قيامة المسيح هي عماد الكرازة

بموت المسيح صار خلاص البشرية وبقيامته صارت لنا الغَلبة علي الموت والخطية، وقيامة المسيح عند بولس هي أساس الدعوة للخلاص والتوبة ومغفرة الخطايا، وهي نقطة الإنطلاق التي إنطلق منها إلي كل أرجاء المعمورة لينادي ببشارة الإنجيل..

“ولكن إن كان المسيح يكرز به إنه قام من الأموات فكيف يقول قوم بينكم أن ليس قيامة أموات. فان لم تكن قيامة أموات فلا يكون المسيح قد قام وإن لم يكن المسيح قد قام فباطلة كرازتنا و باطل أيضا إيمانكم.أانتم بعد في خطاياكم. ولكن الأن قد قام المسيح من الأموات وصار باكورة الراقدين” ( 1كو 12:15_20).

بولس .. صانع العجائب

في كل عصر وفي كل جيل يسمح الله بحدوث بعض المعجزات الخارقة للطبيعة ليبطل حجج المعاندين ويقوي إيمان أولاده.

وحتى يومنا هذا لايزال أصبع الله يعمل من خلال معجزات الشفاء لأمراض مستعصية، وحل المشكلات الصعبة والأزمات المُزمنة التي تواجه الكنيسة من آنٍ لأخر..

والطريقة التي يتدخل بها الله لحل هذه الأزمات قد لا تقل فى أهميتها عن معجزة نقل الجبل المقطم، عدا ما نسمع عنه وما نراه من ظهورات للعذراء مريم وبعض القديسين وما يصاحب هذه الظهورات من معجزات تفوق قدرة البشر وتعلو فوق التفسيرات المنطقية والحسابات العقلية.

هكذا كان الحال في العصور الأولي للمسيحية ولاسيما عصر الأباء الرسل، ولكن في صورة سيل من العجائب والمعجزات للمساعدة في نشر الكرازة ولتسهيل قبول الإيمان بالنسبة لغير المؤمنين، فالمعجزات هي إحدي الأدوات التي منحها الروح القدس للرسل لتسهيل مُهمتهم.

والسيد المسيح له المجد حينما أرسل تلاميذه للكرازة “أعطاهم سلطاناً على ارواح نجسة حتى يخرجوها ويشفوا كل مرض وكل ضعف” (مت 10: 1).

وأوصاهم قائلاً: “وفيما أنتم ذاهبون أكرزوا قائلين أنه قد أقترب ملكوت السموات، أشفوا مرضى، طهروا برصاً، أقيموا موتى، أخرجوا شياطين” ( مت 8,7:1).

وإلي جانب كونها أداة من أدوات المساعدة التي يستخدمها الرسول لخدمة الغرض الأساسي وهو نشر الإيمان بالمسيح، وخدمة النفوس المحتاجة التي عجزت الوسائل الطبيعية عن تلبية مطالبها، تُعد المعجزات بمثابة بطاقة هوية للرسول تُبين مدى صدقه وإرتباطه بالله الذي أرسله، وبرهاناً حياً على صدق رسالته..

وهذا يظهر من كلام بولس إلي أهل كورنثوس: “إن علامات الرسول صنعت بينكم فى صبر بآيات وعجائب وقوات” (2كو 12:12).

بعكس الأنبياء الكذبة الذين ظهر عجزهم عن القيام بمثل هذه الأعمال فتلكأوا بتكذيب الناس لها عندما جرت على أيدي الرسل السابقين، وطبعاً هذه الحُجة يظهر بطلانها جلياً واضحاً، لأن المنطق يقول أنه إذا مُنعت المعجزات لتكذيب الناس لها فبالأولى تُمنع الرسالة ذاتها لنفس السبب..!!

Broken Links Report - Arabic
مثال: رابط التحميل لا يعمل
Sending