راغب مفتاح رائد الموسيقى القبطية (1898 – 2001م) – د ماجد عزت إسرائيل

الرئيسية » كتب » غير مصنف » راغب مفتاح رائد الموسيقى القبطية (1898 – 2001م) – د ماجد عزت إسرائيل

آخر تحديث: 7 نوفمبر 2018

البياناتالتفاصيل
إسم الكاتب
منصب/عمل الكتاب
تقييم الكتاب
5 من 5
Arabic
- مشروع الكنوز القبطية

تحميل الكتاب

إنتبه: إضغط على زرار التحميل وانتظر ثوان ليبدأ التحميل. الملفات الكبيرة تحتاج وقت طويل للتحميل
رابط التحميلحجم الملفمرات التحميل
3MB[download_count]

راغب مفتاح رائد الموسيقى القبطية

        (1898 – 2001م)

إن الموسيقى الروحية تسمو بالنفس من عالم الماديات إلى عالم الروحيات، وهي هبة كامنة في النفس البشرية، ومن الناس من يمتلك القوة على التعبير بها، ومنهم من يتحلى بقدرة ثروتها والحس والثائر بها، باعتبارها إحدى وسائل التعبير في المجتمع، فهي مرآة واضحة للتقاليد والأخلاق السائدة في حياة العصور، ومن ثم تكون على اتصال وثيق بغيرها من سائر الفنون ومتمشية معها، وقد تسلسلت التيارات الموسيقية منذ عهد الأسقف “بيروتان الأكبر” أسقف كنيسة نوتردام بباريس في أواخر القرن الثاني عشر، الذي كان يردد أناشيد المنشدون داخل الكنائس القوطية، إلى عصر “لوللي” الذي اتسمت موسيقاه بطابع فرساي في عهد لويس الرابع عشر.

أما عصر “بيتهوفن” فيمكن أن يعد الرمز الكامل للتحول نحو الحركة الرومانتيكية الكبيرة إلى أن نصل إلى “سترافنسكي” مؤلف الموسيقى الروسي وزعيم المدرسة المعاصرة، فإذا اعتبرنا هؤلاء هم رواد الموسيقى بشكل عام، فراغب مفتاح هو رائد الموسيقى والألحان الكنسية القبطية بشكل خاص، فهو أحد الرواد الذين حفظوا لنا بكل أمانة وإخلاص نهر الموسيقى منذ أن عرفها القدماء المصريون.

ولد راغب حبشي مفتاح في 21 ديسمبر 1898م بمدينة القاهرة، من أبوين كريمين شريفين، اشتهروا بالتقوى والصلاح وربياه على الفضيلة والتمسك بأهداب الاستقامة والثقافة القبطية، اشتهرت هذه الأسرة منذ أيام البابا بطرس الجاولي البطريرك رقم (109) (1809- 1852م)، منهم من تولى رئاسة المرقسية، ومن تلامذتها أقلاديوس الوجية , يوسف مفتاح  ، وعريان مفتاح (1826-1886) م ، وراغب مفتاح الذي أدخله والده المدرسة حتى حصل على درجة البكارلوريا سنة 1918م (الثانوية العامة)، ثم أرسلته الأسرة إلى ألمانيا لدراسة الزراعة بها، للوقوف على أحداث الدراسات والأساليب والأنظمة العلمية في هذا المجال حتى يكون عند عودته إلى مصر خبيراً في الزراعية ليتولى الإشراف على أراضيها وحاصلاتها الزراعية.

وبعد عودته من ألمانيا بدأ اهتمامه بالتاريخ القبطي والموسيقي والألحان القبطية، وفى سبيل المحافظة على سمات اللحن القبطي سافر إلى إنجلترا سنة 1927م ليستعين بخبراء الموسيقى، فتعرف على الأستاذ “أرنست نيولاند سميث” الأستاذ بالأكاديمية الموسيقية الملكية بلندن واتفقا – بعقد مكتوب – على أن يحضر سميث إلى مصر ويقيم بها لمدة سبعة شهور سنويا ما بين (أكتوبر – إبريل) على نفقته الخاصة لتدوين الموسيقى القبطية وتواصل هذا العمل ما بين (1928- 1936م).

وفى ثلاثينيات القرن العشرين اختار راغب مفتاح المرتل “ميخائيل جرجس البتانوني” كبير مرتلي الكاتدرائية المرقسية الكبرى (بالأزبكية) وذلك من بين كثير من المرتلين المشهورين في جميع أنحاء البلاد، وبحضور الأستاذ سميث لتسجيل طقوس وألحان الكنيسة القبطية لتسجيلها كنوتة موسيقية على ورق، فبلغ ما سجله راغب مفتاح ستة عشر مجلدًا.

وقد رأى راغب مفتاح بأن هذه الموسيقى القبطية تعكس تقاليد مصر الفرعونية، التي أثر منذ زمن طويل على تطور الموسيقى الغربية، وأكد ذلك في عام 1931م عندما سافر بصحبة أستاذه في الموسيقى أرنست سميث والذي دعاه لإلقاء مجموعة من المحاضرات بجامعات إنجلترا وOxford , Cambridge.

وبين عشية وضحاها ذاع صيت شهرة راغب مفتاح في الموسيقى القبطية لدرجة حثت علماء أوروبا في مختلف العلوم على حضور محاضراته، وعلى سبيل المثال حضر محاضرته التي ألقاها بجامعة إكسفورد عالم المصريات بلاكمان Blachman، وعالم القبطيات كرم Crum، وعالم الفيزياء الشهير Einstein.

وفى عام 1932م وجهت الحكومة المصرية الدعوة لكبار الموسيقيين من ألمانيا والنمسا وفرنسا وإنجلترا والمجر وغيرها من البلدان، إلى مؤتمر لدراسة الموسيقى الشرقية للنهوض بها علميًا، وقد بلغ عددهم 29 موسيقيًا، كما وجهت الدعوة للأستاذ راغب مفتاح ممثلاً للموسيقى القبطية وكان من بين هؤلاء العلماء “بيلا برتوك Bela  Bartock ” و”إيجون ولز. Egon Wellesz” الذي فك رموز الموسيقى البيزنطية القديمة، ومدام “هيرشر كليمنص Clemence” رئيسة الجمعية الموسيقية في باريس، وقد طالب هؤلاء العلماء الموسيقيون بزيارة إحدى الكنائس الأثرية، فوقع الاختيار على كنيسة السيدة العذراء الشهيرة بالمعلقة بمنطقة مارجرجس بمصر القديمة، حيث أدى القمص مرقس شنودة صلوات القداس واشترك معه في ترديد المردات والألحان المرتل ميخائيل جرجس، فتأثر الجميع تأثراً بالغًا حتى إن الأستاذ فلز قال: “إنه لم يتأثر في حياته بعذوبة ترديد الصلوات والألحان مثلما تأثر بها في هذا القداس” وقال آخر: “إذا كانت هناك موسيقى دينية تستحق الإبقاء عليها فإنها تكون الموسيقى القبطية”.

وفى عام 1940م قام راغب مفتاح بتكوين خورس بمهمشة (مكان بالقرب من القاهرة) ومن أجل ذلك قام بالبحث على أشخاص ذوي أصوات جميلة يستلمون اللحن من المعلم ميخائيل البتانوني ويؤدونه بإتقان بأصواتهم الجميلة واستغرق هذا الأمر منه بحثًا ووقتًا وجهدًا، حتى أصبحت لديه تسجيلات بصوت المعلم ميخائيل وبأصوات الذين استلموا منه.

وفى عام 1945م قام صاحبنا بتأسيس مركز لتسليم الألحان للمرتلين والشمامسة بمنطقة مصر القديمة “كنيسة العذارء قصرية الريحان” وآخر بالقرب من ميدان باب الحديد (ميدان رمسيس حاليًا) لكبار المرتلين لاستلام وتثبيت الألحان.

وعندما تأسس معهد الدراسات القبطية سنة 1954م كان راغب مفتاح أحد مؤسسيه. وصار رئيسا لقسم الألحان والموسيقى فيه، وتزامن ذلك مع تأسيس القسم العالي للكلية الإكليريكية بمنى الأنبا رويس وفيه مجموعة من صفوة الطلبة المثقفين فاعتمد عليهم في تطوير الخورس ليسجل لمجموعة من الطلبة بعد أن كان يسجل لأفراد، وليؤدي اللحن جماعة بصوت واحد، متفق ومنسجم، لا نشار فيه، وبذلك لم يعد صاحبنا يجول المدن والقرى يبحث عن ذوي المواهب والأصوات، بل أصبح طلبة القسم الداخلي بالإكليريكية يتلقون دروس الألحان يوميًا في مكتبه بمعهد الدراسات القبطية، ويتابعهم ليصقلهم من خلال الدراسة، وفى الإجازة الصيفية كان يقيم لهم دورات دراسية في الموسيقى بضاحية أبي قير بالإسكندرية.

وشارك في تدريس الخورس بالإلكيريكية والدورات التدربية أساتذة موهوبون، نذكر من بينهم المعلم توفيق من دير المحرق (أسيوط) وكان أستاذًا يتقن التسبحة، والمعلم صادق عطا الله من أشهر المعلمين الذين سلموا الخورس فيما بعد المعلم إبراهيم عياد الحالي.

على أية حال، كان الأستاذ راغب مفتاح يقوم بتسجيل الألحان بأسلوب علمي دقيق، فلو وجد هزة واحدة غير سليمة، يعيد تسجيله من أوله دون كلل ولو مرات عديدة، حتى يستقر في أدق وأروع صورة، ومن أجل ذلك اعتمد على التسجيل بالاستوديو الذي أسسه من قبل بمصر القديمة، ثم استكمله بمعهد الدراسات القبطية على يد صليب بسطروس ومهندس الصوت، وكان يتولى هو بنفسه الإشراف على الجماعة الموسيقية.

واعتمد الأستاذ راغب مفتاح على مجموعة من العلماء في سنة 1970م، ومن أجل ذلك وجه الدعوة للعلامة الموسيقية المجرية “مارجريت توت” رئيس قسم موسيقى الفولكور بالأكاديمية الموسيقية المجرية، لاستكمال القداس الباسيلي الذي كان قد بدأه الأستاذ سميث واستمر العمل حتى تم تسجيله بألحانه تامة بالنوتة الموسيقية الصوتية.

ومن بين عام (1984- 2001م)، استمر صاحبنا في مواصلة عمله الجاد في تسجيل الموسيقى القبطية فأتم تسجيلات تشمل: طقس الأكليل، طقس الصوم الأربعيني المقدس، طقس أحد الشعانين (أحد الزعف) طقس سبت الفرح، طقس صوم الرسل طقس صوم السيدة العذراء، ثم القداس الغريغوري.

ولفتت أعمال راغب مفتاح الموسيقية أنظار العالم، فبدأ بعض الدول الأوروبية توجه الدعوة لخورس ألحان معهد الدراسات القبطية بقيادة راغب مفتاح لزيارة مدن أوروبا، ففي سنة 1989م تلقى دعوة من إذاعة برلين، لباها فاستمع الشعب الألماني- لأول مرة- الموسيقى الكنيسة القبطية وتوالت بعد ذلك الزيارات المماثلة.

كما أشارت مجلة الكرازة في مارس 1989م إلى بدء قسم الموسيقى والألحان بمعهد الدراسات القبطية في إعداد نوتة موسيقية على أسس علمية لأول مرة في تاريخ الكنيسة القبطية، وفى سنة 1996م صدر قرار بابوي بتدريسها بالمعهد. وكان من مشروعاته المستقبلية رغم بلوغه سنة 102عام لتسجيل القداس الكيرلسي على النوتة.

ولمساندة مكتبة الكونجرس لأعماله الموسيقية والمساهمة في الحفاظ عليها ونشرها، قام في سنة 1995م بإهدائها مجموعة تسجيلات صوتية، موثقًا بها جميع الألحان القبطية لمكتبة الكونجرس الأمريكية ليتم حفظها كتراث هام من مجموعة التراث الموسيقي لهذه المكتبة العريقة.

ولإنجازاته في مجال الموسيقى والألحان القبطية، قام قداسة البابا شنودة الثالث البطريرك رقم (117) في 7 يناير 1984م، في ليلة عيد الميلاد المجيد، بمنحه الدكتوراه الفخرية.

وكرمه في حفل بهيج بالكاتدارئية بمناسبة عيد ميلاده المئوي في 21 ديسمبر 1998م، وأهداه صليبًا مذهبا تكريمًا لجهوده وما قدمه للكنيسة من أجل المحافظة على تراثها؛ وكان مما ذكره عنه قوله: “عمره قد شاخ، ولكن آماله لم تشخ مطلقا”، كما كرمته الجامعة الأمريكية بالقاهرة بهذه المناسبة، وصاحب ذلك صدور كتاب الموسيقى القبطية كأول تسجيل علمي متكامل لموسيقى ليتورجيه القديس باسيليوس الكبيرسنة 1998 م .

وفى 18 يونيو 2001م رحل راغب مفتاح عن عالمنا عن عمر يناهز 102 عامًا، وبذلك يكون قد عاصر ثلاثة قرون، كان له في موسيقاها دور مبرز ساهم في تطويرها بحيث فاق مجهوده عدة جهود، كانت كفيلة بأن تشغل جوقة من الموسيقيين، عوضه الله في فردوس النعيم عن كل ما بذله.

 

مذكرات راغب مفتاح(ذكريات اجتماعية واقتصادية فى الموسيقى القبطية)

   ترجع فكرة نشر هذه المذكرات ومحاولة تحقيقها، إلى أكثر من خمس سنوات، وبالتحديد عندما نشر صاحب التحقيق مقاله بعنوان” راغب مفتاح رائد الموسيقى القبطية” وقبل الشروع فى كتابة هذه المقالة ذهبت إلى معهد الموسيقى وقابلت الدكتور ماجد صبحى( ابونا باسليوس حاليا) الذى عرفنى على الدكتور مشيل بديع عبد الملك، ورفض وقتها  مساعدتى بإى شكل كان، بل أن المقابلة كانت فاتره، أو بشىء من الدقة على مقوله:” فوت علينا بكره يا سيد” ورفض اعطى صورة لصاحب المذكرات والكتيب الذى صدر بمناسبة تكريمة، وربما لم يدرك أن الباحث الجاد عليه البحث عن المعلومة( ضمير الباحث) فى شتى الوثائق للوصول للحقيقة لأن “راغب مفتاح” لم يكن ملكا للاقباط وحدهم بل للمصريين جميعاً بل للعالم أجمع لان ما فعله صاحب المذكرات يدرس الآن فى شتى المحافل العلمية المحلية والدولية.

وأيمانا منى بالبحث العلمى بدأت أبحث فى شتى الطرق لكتابه هذه المقالة وخروجها على أفضل وضع علمى، وبعدها وبطريق الصدفة تعرفت على السيدة الفاضلة”لورنس مفتاح” عن طريق أحد الأساقفة، ومنذ هذه اللحظة وسار هناك تعاون فيما بيننا فيما يخص صاحب المذكرات، حتى تقاربت الأفكار للشروع فى نشر مذكرات “راغب مفتاح” لكى ما تكون متاحة للباحثين بشتى طوائفهم من الأستفادة منها.

وتحقيق المذكرات ونشرها عمل شاق من الصعب أن يأخذه دارس على عاتقه منفردا،مما يجعله أحد الواجبات الأساسية للمراكز العلمية التى يتوافر لها من الباحثين والامكانات ما لا يتوفر لفرد بعينه.

وترجع أهمية هذه المذكرات لما تمتع به صاحبها وعائلته من مكانه فى الكنيسة القبطية الارثوذكسية، ولما له من أهتمامات اجتماعية واقتصادية وسياسية يمكن استنتاجها من خلال دراستها والوقوف على ما تحتويه بين جوانبها.

 

1- استدعاء الماضى

نشأتى : ولدت فى 21 ديسمبر 1898م فى بيت([1])  كان فى جميع أوضاعه مشابهاً لبيوت قدماء المصريين، وكانت الحياة فيه توحى إلى الماضى السحيق ، ولما كنت آخر أبناء أبى فكانت العادة أن الابن الأصغر ينال عناية زائدة فقد حظيت بكل عطف ورعاية زائدة.

كانت الحياة فى ذاك الوقت باقياً فيها الكثير من العادات والتقاليد المصرية القديمة، وكانت المدن الكبيرة أكثر هدوءاً وراحة، فما كانت توجد السيارات ولا الطائرات ولا الراديو ولا التليفزيون ولا الميكروفونات…إلخ ، تلك الأشياء التى تسبب الضجيج والإزعاج ولذلك كنا نعيش فى راحة نفسية مستقرة.

كنت منذ صباى مرهف الحس لى أذن موسيقية قوية ، لذلك فكنت أحب سماع الألحان الكنسية التى تردد فى الكنائس أو فى الحفلات ، كما كنت أصغى إلى صوت الموسيقى المبهجة عند إقامة الأفراح والموسيقى الحزينة عند تشييع الجنازات، وكان لوقع تلك الألحان وتلك الموسيقى تأثيره العميق على مشاعرى وأحاسيسى ، وجديراً بالذكر أن أذكر فى هذا المجال أن شقيقاً لجدى كان راهباً([2]) يمضى كل وقته فى الصلاة والتأليف وترديد الألحان وشقيقاً آخر([3])  كان عالماً لغوياً ولاهوتياً أحيا اللغة القبطية ووضع الكتب اللاهوتية وكتاب خدمة الشماس المستخدم حالياً All the responses of the liturgies and the hymns كان كل هذا له أكبر الأثر فى نشأتى، غرس فى الحب الفياض للقديسين والنساك والشهداء والكنيسة والموسيقى والألحان.

وفى شبابى المبكر كنت أول الحضور فى أوبرا القاهرة ، التى كانت تستضيف فرقاً كاملة أجنبية على مستوى عالى(عالمى) من الممثلين سنة من إيطاليا وأخرى من فرنسا ، وكنت دائماً أحجز مكاناً لى فى الصف الأول بجوار الأوركسترا؛ وكانت من أحب الأوبرات إلى نفسى هى “تاييس” وأحب مقطوعة موسيقية فيها “مقدمة تاييس” the meditation of Taise ونص هذه الأوبرا مأخوذة من التراث القبطى الذى يرجع إلى عصر الأنبا أنطونيوس(251 – 356م)أبو الرهبان فى جميع أنحاء العالم ، وكذلك شاهدت أوبرا عايدة Aida وهى  Bوصفاً خيالياً ممتعاً لحرب دارت بين المصريين والحبشة.

وعند سفرى إلى فرنسا كنت لا أذهب إلى أى مكان فى باريس سوى لدار الأوبرا بباريس والمكتبة الأهلية للإطلاع على المخطوطات التى تخص الكنيسة القبطية ، وعندما كنت أتواجد فى ألمانيا أتوجه إلى مشاهدة الأوبرات – ففى ميونخ( مدينة بالمانيا) أحضر أوبرا؛وهى أوبرا فلسفية دينية عميقة وأوبرات Rein Gold, Seigfried, Die Gother  وأوبرا Oberammergau وهى تمثيلية أسبوع الآلام التى كانت تؤدى مرة كل عشر سنوات وكان يؤمها الزائرون من جميع أنحاء العالم.

فى صباى دخلت المدرسة الناصرية الإبتدائية التى كانت مخصصة لأولاد الأعيان ويلتحق بها هؤلاء من شمال البلاد إلى جنوبها ، ولذلك قد تعرفت على أغلب أولاد الأعيان الأقباط(الاراخنة) فى كل أنحاء مصر ، وبعدها التحقت بالمدرسة التوفيقية الثانوية وبعد إنهائى(انتهاء) الدراسة فيها توجهت إلى ألمانيا ولميولى للزراعة التحقت بكلية الزراعة حتى أعود للعمل فى مزرعتى الخاصة التى اشتراها لى أبى بجوار ضيعته(القرية) ، وفعلاً عندما عدت من ألمانيا أشرفت على مزرعتى لفترة من الزمن ولكن سرعان ما تركت كل ما فى العالم وتفرغت فقط لخدمة كنيستى وأدركت أن فى الكنيسة القبطية كنوزاً روحية وفنية وثرية. فوهبت كل حياتى وثروتى لهذا الفن ، وظللت أجاهد وأكافح للنهوض به والحفاظ عليه.

كنت رياضياً أحب الرياضة إلى المشى والرحلات تعرف الآن باسم ( رياضة المشى)، ففى مصر كانت أحد رحلاتى أن قطعت المسافة بين رأس البر إلى بورسعيد (70 كم) مشياً على الأقدام،وأذكر أيضاً كان ضمن رحلاتى أن قمت مع رفاقى الطلبة الألمان برحلة من بون إلى نهاى بورج مشياً على الأقدام قطعناها فى 15 يوماً.

هذا وقد تتلمذت على يد الفنان العملاق الأستاذ “نيولاند سميث” لمدة ثمانى سنوات، حيث كنا نقضى معاً كل الوقت ليلاً ونهاراً فى عمل دؤوب، وكنت أحب أن أستمع إلى أحاديثه الفنية والفلسفية الكثيرة ، وكان رحمه الله بدوره يحب كذلك أن أناقشه بها.

 

أما حكاية مس “مارجريت توت” منذ سنة(1970- 1990) فى أواخر عام 1969 دعوت الآنسة “مارجريت توت” لتدوين القداس الباسيلى بالنوتة الموسيقية وذلك على حسابى الخاص وتكفلت بأجرة سفرها ذهاباً وإياباً من بودابست( المجر) إلى القاهرة على حسابى الخاص مع إقامة كاملة فى بيتى فى غرفى كبيرة بحمام خاص وتطل على الأهرامات وكان ذلك لمدة سبعة شهور، وأحضرت لها كل التسجيلات اللازمة التى هى نتيجة خبرتى فى هذا العمل منذ عام 1926م وأيضاً المعلمين المقتدرين ومنهم المعلم صادق عطاالله الذى يعتبر أحسن مرجع الآن للقداس الباسيلى فأنه كان مع المعلم ميخائيل جرجس البتانونى ما ينيف على العشرين سنة .

 

كان عملها بطيئاً جداً والساعات التى تشتغلها يومياً قليلة جداً، ولذا عند سفرها بعد المدة المذكورة زودتها بما يلزم لتدوين الباقى من القداس، وكان من ضمن العقد المبرم معها عند انتهاء العمل فى 1972 م وسافرت إلى بودابست على أن ينتهى هذا العمل فى عام 1972م،ولكن طالت المدة بغير نتيجة مرضية إطلاقاً فدعوتها مرة أخرى عام 1975م للحضور مرة ثانية لمدة ثمانية أشهر على نفقتى وبنفس الشروط السابقة كاملة فوصلت فى أكتوبر تقريباً وإستمرت حتى نهاية مايو 1976م حيث عادت إلى بلدها ولكن لم تكن قد أكملت التدوين الموسيقى المكلفة به.

وبعد سنتين وصلنى منها خطاب مؤرخ فى يونيو 1978م يفيد أنها منذ وصولها تعمل بصفة مستمرة مع بروفيسور “رايوتسكى” على التسجيلات اللازمة للتدوين الموسيقى ، وفى ديسمبر 79 19 م ،مررت لى خطاباً يفيد أنها أحيلت إلى المعاش ولذلك ستكون لديها الإمكانية أن تعمل بأقصى سرعة، ووعدت أنها ستحضر معها باقى ما أنجزته من التدوين وتأمل أن يكون قد وصلنى ما سبق أن أرسلته إلى من هذه التسجيلات، كما أعربت عن أملها أن ينتهى الكتاب بتمامه وأن يعد للنشر خلال إقامتها بالقاهرة، وإزاء ذلك توسطت لدى المركز الثقافى المجرى لكى تحضر مرة ثالثة عن طريق التبادل الثقافى بين مصر والمجر فوافق المركز وحضرت إلى مصر أوائل يونيو 1980م واستمرت منذ ذلك الحين فى القاهرة ، وفى عام 1983 أرسلنا التدوينات الموسيقية للقداس الباسيلى كلها إلى بودابست لخطاطين أخصائيين فى كتابة النوتة الموسيقية ومع أن عمل الخطاطين انتهى كله منذ أواخر 1984 م

فإنها أخذت طيلة هذه السنوات لكى تضع القبطى تحت النوتة – علماً بأننى طلبت من مس روى أن تضع اللفظ القبطى الذى تحته النوتة الموسيقية بالحروف الإنجليزية وكان ذلك فى يونيو 1989م.

وقد سافرت إلى ألمانيا والأسكندرية بعد ذلك ولما عدت إلى القاهرة فى سبتمبر أفادتنى مس” روى” أنها لم تكتب شيئاً على أساس أن هذا مسئولية مس “مارجريت توت” فأوضحت لها أن الواجب أن من يكتب لفظ هذه……….

 

2-  أضواء جديدة على رائد الموسيقي القبطية راغب مفتاح وسيرته الذاتية

ما دامت الأنا حاضرة، فلدى الإنسان ـ أى إنسان ـ ميل فطرى لأن يتحدث عن نفسه، وليس الكاتب بنجوة من هذا الميل الذى يصل به إلى أن يتقنع وراء شخصياته،على أن الكاتب ـ فى أحيان أخرى ـ يفارق قناعه ليتعرى أمام قارئه، فيما يعرف بالسيرة الذاتية، ومع أنها فن قديم فى تراثنا الإنسانى،إلا أن الأمثلة قليلة قبل عصرنا الحديث، ومن بين هذه الأمثلة”اعترافات القديس أوغسطين”

وبرغم   أن ذلك الأدب لا يزال شحيحاً فى مجتمعاعتنا العربية، وما زال أيضا محاصراً بتقلدية التناول والابتعاد عن الصراحة والحذر من الانزلاق إلى وقائع بشخصيات معروفة قد تبرز سلبياتها،إلا أن كتب السيرة الذاتية ينظرها القارى بفارغ الصبر ليرى الجانب الخفى من وجوه ساطعة فى مسرح الحياة، وليعشوا خبرات وتجارب عاشها الآخرون.

يبدو أن” السيرة الذاتية لراغب مفتاح” متميزه ومنفرده فى هذا السياق، فمن حس الطالع؛ وجد ضمن الأوراق الخاصه بصاحبنا هذا مقاله كتابها أحد أفراد آل مفتاح يدعى” عبدالله فهيم مفتاح”، تتناول سيرته الذاتية بشىء من الايجاز نوردها كما كتبها، فيقول فهيم:”اسمه راغب حبشى مفتاح، – نشأ فى بيت عائلة مفتاح بالفجالة التى لها تاريخ يمتد لقرابه خمس مائة عام فى خدمة الكنيسة والأمة القبطية، تأثر كثيراً بتاريخ اجداده فحذا حذوهم فأولى كل اهتمامه بموضوع الفن الموسيقى الكنسى – الأمر الذى دعاه بل دفعه إلى الاهتمام بالحفاظ على تراث الموسيقى الكنسى الصوتى، وذلك لقوة روحانيته اذا تردد بدقة وبصوت موهوب”.

وبعد دراسة مستفيضة للفنون الموسيقى القبطية، توجه إلى إنجلترا فى مايو1927م، ووفق فى مقابلة المؤلف الموسيقى العالمى Prof Ernest Newlandsmith الأستاذ بالأكاديمية الملكية للموسيقى بمدينة لندن، وتعاقد معه لتدوين ألحان وطقوس الكنيسة القبطية بالنوتة الموسيقية الصوتية، وتكفل بمصروفات السفر والإقامة والإعاشة لمدة تسع سنوات، كان يقضى سبعة أشهر كل سنة فى ذهبية(مركب) على النيل بجاردن سيتى – وقد دون 16 مجلداً بالنوتة الموسيقية لكل طقوس الكنيسة وقداساتها.

وخلال ذات الفترة،بدأ راغب مفتاح  العمل فى أول أكتوبر 1928 م، وكانت الخطوة الأولى قيام دكتور راغب مفتاح  بمسح شامل فى طول البلاد وعرضها بحثاً عن المعلمين المقتدرين وخاصة الموهوبين صوتا، وأحضرهم الواحد تلو الآخر، واختبرهم البرفيسر “فيولاند سميث” من حيث الأداء الموسيقى ، فوقع الاختيار على المعلم “ميخائيل جرجس البتانونى” معلم كاتدرائية مارمرقس بكلوت بك، الذى حاز تقدير فيولاند سميث من حيث الأداء المميز والوضح حتى اسماه The great master، وكان من بين المعلمين الممتازين المعلم “سلامـه “من المحله الكبرى والمعلم “مجلى” من دمنهور والمعلم “نوس “من بلده بوش والمعلم “توفيق” من الدير المحرق والمعلم “بشاى” بحاره زويله.

صاحبنا هذا أستطاع بعبقريته الموسيقة، وحبه الشديد للحفاظ على تراث الكنيسة القبطية كما هو، حيث جمع ما بين شمال مصر حيث أحضرمعلمين من وسط الدلتا مثل المعلم سلامة ومجلى- للحفاظ على اللهجة القبطية البحرى-  ومن جنوب مصر مثل نوس وتوفيق- للحفاظ على اللهجة القبطية القبلى، ومن الوسط من القاهرة وهى ما تجمع ما بين البحرى والقبلى مثل المعلم جرجس البتانونى والمعلم توفيق، وهذا ما يدل على أمناته العلمية وحبه لتراث كنيسته القبطية.

 

3– متفرقات ما بين جمع  الألحان القبطية والمؤتمرات الدولية والانتصار على دعاة التخلف

العثور على الالحان : – وجدير بالذكر أنه خلال هذه الأسفار واجراء البحث عن المعلمين وجدت بعض الألحان مثل ( تى شورى الكبير الحزاينى للمعلم توفيق وكذلك لحن ابتجيك ايفول ) وغيرها التى كانت اجمل واكثر تاثيرا من مثيلاتها فى القاهرة .

الانتصار على دعاة التخلف : وفى اثناء سير هذا العمل العظيم قامت فئه تدعى الاصلاح القبطى بمقاومته بابدال الألحان بأخرى هابطة فناً ونصاً ، فسافر د / راغب مع الاستاذ فيولاند سميث الى انجلترا فى عام 1932 م لالغاء محاضرات من هذا الفن القبطى فى جامعات اكسفود وكمبريدج ولندن – وفى محاضرة اكسفود التى قدم لها عالم المصريات ” Prof Griffith” (جرت العادة هنا فى اوكسفورد اذا شغلت ثلث مقاعد القاعة تعتبر المحاضرة الملقاة ناجحة ، اما الآن وقد شغلت مقاعد القاعه باكملها ووقفت الناس فى الردهه الخارجيه،فتكون المحاضرة اكثر من ناجحة ) – وقد حضر هذه المحاضرة عالم المصريات  Prof B——    عالم المصريات ومؤلف اكبر قاموس قبطى انجليزى Prof Gum  ورئيس الاباء اليسوعيين فى العالم كله – ودكتور ابنتشتين العالم الالحانى فى الفيزياء وغيرهم من كبار العلماء ، وقد نقل مراسلوا الصحافة الاجنبية والمصرية تعقيباتهم عن هذه المحاضرة الى انحاء العالم اعترافا، بهذا الفن العريق ، وبهذا قضى على كل محاولة لمقاومة هذا الفن المصرى الصميم.

 

الموتمر الدولى فى مصر للنهوض بالموسيقى الشرقية : – وفى عام 1932 م دعت الحكومة المصرية تسعة وعشرين من كبار الموسقيين من المانيا والنمسا وفرنسا وانجلترا والمجر وغيرها من البلدان الى مؤتمر لدراسة ، الموسيقى الشرقية للنهوض بها علميا ، كما وجهت الدعوة للدكتور راغب مفتاح ممثلا للموسيقى القبطية . وبعد عقد ست جلسات فى دراستها طلب هؤلاء الموسيقيون الكبار إقامة قداس باحدى الكنائس الأثرية، فوقع الاختيار على الكنيسة المعلقة بمصر القديمة، حيث قام بصلوات القداس المرحوم القمص مرقس شنودة وبصحبه المرحوم المعلم ميخائيل جرجس البتانونى فتأثر لجميع تأثراً بالغاً لدرجة ان قال Prof Egon Wellsley- الذى فك رموز الموسيقى البيزنطية (انه لم يتاثر فى حياته بعذوبه ترديد الصلوات والألحان مثلما تأثر بها فى هذا القداس ، وقال آخر (اذا كانت هناك موسيقى فى الشرق تستحق الابقاء عليها فانها تكون الموسيقى القبطية الكنسية)، وفى ختام المؤتمر تقرر تسجيل بعض الالحان وفقرات من القداس على اسطوانات تصورها شركة جرمافون كومبنى بلندن.

 

محاضرة لفيولند سميث : وفى عام 1933 أقام الدكتور مفتاح سرادقا فى فناء كلية البنات بالعباسية يتسع لألفى مقعد لالقاء محاضرة عن الفن القبطى الكنسى، دعى لسماعها شخصيات بارزه من جميع الجنسيات وامتلا السرادق باكمله وتحدث Prof Newlandsmith  وقام المرحوم عزيز حبشى مفتاح بترجمه فوريه – كما تحدث د . راغب مفتاح ايضا.

الانجازات :

(1) فى عام 1945 م كون خوارس choirs من طلبه الاكليريكية بمهمشة ومعه شمامسة موهوب الصوت وخورسين احدهما من طلبه الجامعات والثانى من طالبات الجامعات

(2) اهتم ببعض الكهنة وذلك بمساعدتهم فى تثبيت واستلام الالحان والقداس

(3) فى عام 1945 م اقام مركزاً فى وسط القاهرة يقوم بالتدريس فبه المعلم ميخائيل للمعلمين والشمامسة.

(4) فى عام 1950 ركز الدراسة السابقه على كبار المعلمين لاستكمال وتثبيت الألحان.

(5 ) فى عام 1954 قامت نخبه من كبار المهتمين بالقبطيان فى محاضرات فى مجالات قبطية وفى اتجاهات متعددة بالقاعة اليوسابية وكان هذا تمهيدا لتأسيس معهد الدراسات القبطية عام 1955 الذى اشترك فيه المرحوم د. عزيز سوريال / د. سامى جبره / د. مراد كامل / د. صابر جبره / د. راغب مفتاح. وغيرهم – وقد اعتاد فى كل صيف قبل الافتتاح للمعهد ان يخصص شهرا او أكثر لكى يتسلم بعض الخوارس والكهنة والمعلمين الالحان.

(6)تولى د. مفتاح رئاسة ضم الموسيقى والالحان وتقل نواه الاستوديو الذى اسسه من قبل فى كنيسه قصرية الريحان يمصر القديمة. واستكمل تجهيزاته فى معهد الدراسات – وبدا بتسجيل الالحان وكل طقوس الكنيسة بواسطه المرحوم المعلم ميخائيل ونشرها بعد ذلك باصوات موهوبة على أشرطه كاسيتات يبلغ عدد الذى انجزتها اربعون شريطا .

 

القداس الباسيلى :

 

كان قد دعا العلامة الموسيقية المجرية Dr. Margit Toth فى عام 1970 وعام 1975 للتعاون فى استكمال القداس الباسيلى الذى كان الاستاذ فيولاند سميث بدارفيه جزء من اول كل قطعه من نصوص القداس واستمر العمل حتى تم القداس بكل الحانه وذلك بالنوته الموسيقيه الصوتيه شاملا الذى باللغات القبطية والانجليزيه والعربيه، وننتظر نشره قريبا.

دعوه د. راغب والخورس بالمانيا : دعت الاذاعة الألمانية الخورس للتسجيل منذ عام 1989 ولسماع الفن الكنسى القبطى وقد اهتم الجانب الالمانى بهذا الفن وابدوا اعجابهم وتم اخذ حديث من الموسيقى القبطية من د . راغب

التعاون مع مكينه الكونجرس : يقوم بالعمل مع مكتبة الكونجرس وقد تم فعلا تنقيه تلك الاشرطة التى كانت فيما مضى تسجل على نوع من الورق- واعاد تسجيلها على الأشرطة الحالية.

كلمة أخيرة: وبعد هذا العرض السريع لنشاط د. راغب مفتاح فى مجال الفن الموسيقى الكنسى وجمع هذا التراث العريق.علينا يجب أن نتذكر دور راغب مفتاح فى تنقية التراث الموسيقى،ولابد أن نطلق اسمه على المؤسسات الكنسية.

([1]) يعود تاريخ عائلة آل مفتاح إلى أكثر من خمسة قرون مضت أو أكثر، ومن المعروف عنها أرتباطها القوى بالكنيسة القبطية الارثوذكسية، ولا يزال عطاها حتى كتابة هذه السطور.

([2]) لمزيد من التفصيل انظر:إيسوذورس ، الأسقف: الخريدة النفيسة فى تاريخ الكنيسةن جزءان، مكتبة المحبة، القاهرة 2002م، ص 401.

([3]) نفسه.

Broken Links Report - Arabic
مثال: رابط التحميل لا يعمل
Sending