الهروب-إلى-الله – الأستاذ شريف رمزي

آخر تحديث: 20 نوفمبر 2018

البياناتالتفاصيل
إسم الكاتب
منصب/عمل الكتاب
تقييم الكتاب
Arabic
- مشروع الكنوز القبطية

تحميل الكتاب

إنتبه: إضغط على زرار التحميل وانتظر ثوان ليبدأ التحميل. الملفات الكبيرة تحتاج وقت طويل للتحميل
رابط التحميل حجم الملف مرات التحميل
2MB

 

تقديم

القمص/ برسوم زاخر أرشللة

إهداء

إلى كل نفس تائبة، وكل قلب يشتاق إلى التحرر من قيود الخطيئة والمادة والعالم..

إلى كل إنسان يحلُم بالحرية والانطلاق الروحى والهروب

إلى الله..

إلى البسطاء والودعاء وأنقياء القلب..
وإلى الضعفاء الذين هم بالحقيقة أقوياء..
وإليك عزيزى القارئ..

أُهدي هذه السطور

تقديم

يقدم لنا كاتب هذا الكتاب نماذج من الهروب السلبى والإيجابى والتى ربما تكون موجودة فى حياة البعض مِّنا، ومنها:

الهروب السلبى:

هروب أدم من وجه الله ليستر عُريه مادياً بأوراق التين بدلاً من أن يستر خطاياه بالتوبة كعمل روحى إيجابى.

هروب قايين بعد قتله لأخيه دون الاعتراف بخطيئته، فحرم من سلامه الداخلى وصارت اللعنة تطارده أينما حل.

توان لوط فى خروجه من أرض سدوم لتعلُق قلبه بخيراتها فخرج منها مجبراً إلى لا هدف ولا مقصد، وتحولت إمراته إلى عمود ملح لأنها خرجت من سدوم بجسدها لا بقلبها وروحها.

الهروب الايجابى:

هروب يوسف من الخطيئة تاركاً ثوب وبيت سيده، وخروجه إلى خارج دائرة الخطيئة فكان له ذلك طوق نجاة ونجاح وصار أباً لفرعون ومتسلطاً على كل أرض مصر.

هروب بنو إسرائيل من أرض مصر _أرض العبودية_ ليعبدوا الرب ففتح لهم فى البحر طريقاً وصارت اللجة أرضاً يابسة، وكان الرب يقاتل عنهم.

وشتان بين هروب يونان من أداء العمل الذى كُلف به، وثبات نحميا وغيرته وإصراره على البقاء ليبنى أسوار أورشليم المتهدمة.

هروب السيد المسيح له المجد وهو طفل من وجه الشر لهو درس نافع فى الإتضاع، ويتشابه معه هروب يعقوب من وجه عيسو وهروب موسى من وجه فرعون وهروب داود من وجه شاول، وهكذا هروبنا من مغريات هذا العالم ليكون مركز الدائرة فى حياتنا الروحية هو الله وحده فيكون لنا ذلك طوق نجاة من غرقنا فى طوفان بحر هذا العالم.

أخيراً -عزيزي القارئ- بين يديك هذا الكتاب الذى قدمنا لك عنه فكرة بسيطة عما يدور فيه، والذى نرجو له من الله قبولاً حسناً لدىَ جميع قارئيه، راجين من الله أن يبارك فى هذا الجهد ويعطى لكاتبه نعمة وفيضاً من الروح القدس ليقدم لنا الكثير والكثير فى موضوعات أخرى مفيدة لبنائنا الروحي.

بصلوات وشفاعات أمنا العذراء القديسة مريم وبصلوات صاحب الغبطة والقداسة أبينا الطوباوى المكرم البابا الأنبا شنودة الثالث، ولإلهنا كل مجد وكرامة من الأن وإلى الأبد أمين

القمص/ برسوم زاخر أرشللة

كاهن كنيسة العذراء مريم بالقصيرين

تمهيد

أهرب لحياتك، لا تنظر إلى ورائك.. لئلا تهلك (تك 19 : 17).

هذه الكلمات سطرها لنا الوحى الالهى فى سفر التكوين، وهى بحق وصية مقدسة وأمر إلهى لكل نفس تريد أن تحيا الملكوت على الأرض ومن ثم ترث الأبدية السعيدة..

أهرب لحياتك .. دعوة يقدمها الله لكل إنسان يحيا حياة الجسد ويسلك وفقاً لرغباته الأرضية دون مبالاة بالمصير الذى ينتظره..

دعوة لك أنت شخصياً – عزيزى القارئ – لكى تغير مسارك فى الحياة.. دعوة للتوبة والتغيير ولتجديد الذهن (رو 12 : 2) .

ولقد أدرك الأباء المختبرين قيمة هذه الدعوة فسجلوا لنا خبراتهم لكى ننتفع بها فى طريقنا للهروب إلى الله.

ونحن نردد فى كل ليلة _ فى صلوات نصف الليل _ “إذا ما تفطنت فى كثرة أعمالى الرديئة، ويأتى على قلبى فكر تلك الدينونة الرهيبة، تأخذنى رعدة فأهرب إليك يا الله محب البشر”.

بل إن أحد هؤلاء المختبرين يوصينا قائلاً:  “خَف من الخطية خوفك من السم، وأهرب من الآثم هروبك من الافعى ، وإن سقطت فقم سريعاً ولا تدع الشر يجعل له مكانا فى قلبك”[1].

الهروب إلى الله.. هو سبيل النفس التائبة للإنطلاق من قيود الخطئية المميتة، والتحرر من أغلال الشهوات الأرضية والرغبات الدنيوية إلى مجد الحياة مع الله.

الهروب إلى الله هو حالة من السمو الروحى، يتوق أولاد الله الحقيقيون إلى بلوغها لكى ما يطرحوا عنهم نير العبودية المُرة للمادة وللخطيئة.

والهروب إلى الله يتحقق عندما ينشغل الإنسان بالله عن كل ما هو أرضى..

“من لى فى السماء ومعك لا أريد شيئاً على الارض”  (مز 73: 25)

عندما يترك الإنسان كل ما يشغله عن الله غير ناظر إلى الوراء “لأنه ليس أحد يضع يده على المحراث وينظر إلى الوراء يصلح لملكوت الله” ( لو 9 : 62 ).

ففى أحيان كثيرة يكون الهروب إلى الله هو البديل الوحيد فى مقابل الهلاك.. والموت.. والضياع، وعلى النقيض تماماً، يكون الهروب من الله برهاناً حياً على تمسك الإنسان بالخطية وتفضيله للَّذة الوقتية على الحياة مع الله.

وهروب الإنسان من الله هو حالة إنحدار روحى، يصاحبها جهل بحقائق إيمانية هامة سجلها الوحى الإلهى فى معظم الأسفار المقدسة..

“إذا إختبأ الإنسان فى أماكن مستترة أفما أراه أنا يقول الرب، أما أملأ أنا السموات والأرض” ( أر 23: 24 )

هذه الحقيقة إختبرها داود النبى فأنشد يقول:  “أين أذهب من روحك ومن وجهك أين أهرب، إن صعدت إلى السموات فأنت هناك وإن فرشت فى الهاوية فها أنت، إن أخذت جناحى الصبح وسكنت فى أقاصى البحر فهناك أيضاً تهدينى يدك وتمسكنى يمينك ” ( مز 139: 7-10 ).

بين يديك – عزيزى القاريء – دراسة تأملية لبعض المواقف الكتابية التى تتحدث عن أشخاص بعضهم هرب إلى الله فنجا من الهلاك، والبعض الأخر تمسك بالخطية وهرب من الله فضاعت حياته.

إلهنا القدوس قادر أن يبارك فى هذا المجهود المتواضع ليأتى بالثمار المطلوبة ويعين ضعفى على إستكمال السلسلة، بشفاعة أمنا كلنا العذراء القديسة مريم ورئيس الملائكة الطاهر ميخائيل، وبصلوات صاحب الغبطة والقداسة البابا المعظم الأنبا شنودة الثالث، ولإلهنا كل مجد وكرامة إلى الأبد، أمين.

المؤلف

أول هروب

 

فى تصورى أن أول هروب عرفته البشرية كان قبل السقوط، قبل أن يعرف أدم وإمراته الخطيئة

فقد تعلم الإنسان الأول _ وبطريقة تلقائية _  أن يلجأ إلى الله ليُشبع حاجته إلى الراحة والطمأنينة، ولينعم بالدفء  الروحى فى علاقته بالله.

كانت لأدم نفس مشاعر الأبن تجاه أبيه.. وكان أدم يعلم أن الله يحبه، ولم يكن يشك لحظة فى حب الله له.

أما بعد السقوط فالأمر إختلف، فقد تلاعب الشيطان بعقل الإنسان وعواطفه مستخدماً سلاح المكر والحيلة ليكسب المعركة ( تك 3: 1).

وكانت النتيجة أن خرج الإنسان من المعركة مهزوماً وعريان، وبدلاً من اللجوء إلى الله ليستر جسديهما (أدم وأمراته)..

“خاطا أوراق تين وصنعا لأنفسهما مأزر ” ( تك 3:7 )

بدأ الأهتمام بما للجسد يتخذ شكلاً واضحاً فى حياة الإنسان، بينما الله روح ( يو 4 : 24 ) والإنسان كصورة الله كان يجب أن يسلك بحسب الروح لأن “الروح هو الذى يحي، أما الجسد فلا يفيد شيئاً ” ( يو 6 : 63 ).

وبهذا أظهر الإنسان عدم محبته لله حيث أن قلبه بدأ يميل الى الخطيئة والى المادة.

أين أنت؟

عاد الله ليتدخل معلناً إرادته فى أن يدرك الإنسان حيث هو كمحاولة لإعادة العلاقة إلى وضعها الأول، بينما الإنسان كان قد شعر بالحالة السيئة التى وصل إليها وبدا له أن بإمكانه أن يهرب من الله..

بدأ إرتباط الأنسان بالمادة ينعكس حتى على علاقته بالله، وظن أنه ربما يستطيع أن يهرب من مواجهة الله إذا إختبأ فى وسط أشجار الجنة.. وهنا نادى الرب الأله أدم وقال له:  “أين أنت”  ( تك 3 : 9).

كان السؤال يحمل فى طياته معان الحب، إلا أن أدم لم يكن قد استوعب الدرس فلم يعترف بذنبه صراحة،   لكنه حاول الهروب.. وكانت إجابته تعبر عن الحالة التى وصل إليها فقال:

“سمعت صوتك فى الجنة فخشيت لأنى عرياناً فإختبات” ( تك 3 :10 ).

قبل الخطية ما كان أدم يعرف الخوف، لأنه كان داخل دائرة الحب، ولم يكن الخوف ضمن بنود العلاقة التى تربطه بالله حيث “لا خوف فى المحبة بل المحبة الكاملة تطرح الخوف الى خارج”  ( 1 يو 4 : 18 ).

ولكن بعد السقوط تغيرت الصورة التى رسمها لله فى خياله، وبدأ إحساس الخوف يتملكه وشبح الموت يطارده أينما ذهب..

الهروب من المسئولية

عندما وجد الرب أن آدم لم يشعر بعد بخطورة موقفه، وأنه لا يريد أن يقر بخطيئته وجه إليه سؤالاً أخر، “فقال من أعلمك أنك عريان، هل أكلت من الشجرة التى أوصيتك أن لاتأكل منها ” (تك 3 : 11).

كان السؤال هذه المرة مباشراً، وكانت كلمة “نعم” وحدها كافية لأن تجعل أدم فى موقف المعترف والنادم على فعلته، إلا أنه لم يشأ أن ينطق بهذه الكلمة بل سلك إتجاها أخر كان قد تعلمه من خلال تجربته مع الحية، وهكذا فعلت حواء..

أما أدم فقد ألقى باللوم على حواء، ولم يكتفى بذلك بل لقد تجرأ وألقى بالمسئولية على الله قائلاً له : “المرأة التى جعلتها معى هى أعطتنى من الشجرة فأكلت” ( تك 3 : 13 ).

فسأل الرب الإله المرأة قائلاً : “ما هذا الذى فعلت؟”

وكان الرب يأمل أن يجد لسؤاله هذا إجابة شافية.. ولكن حواء تمادت فى تزييفها للحقائق أملا فى الخروج من المأزق..

“فقالت المرأة. الحية أغرتنى فأكلت” ( تك 3 : 13 ).

محاولة بذلك أن تلقى بالمسئولية على الحية لكونها المحرض على الخطية ..

وهكذا كان الهروب إلى الله _قبل السقوط _ سبيلاً للسمو الروحى والإرتقاء فوق الخليقة كلها، ولكن بعد أن تعرى الإنسان من ثوب البر الذى ألبسه الله إياه، وخالف الوصية التى أعطاها الله له، عرف الخوف..

بدأ يخاف من الله ظناً منه أنه يترقب الفرصة لعقابه، فلم يعد الله بالنسبة للإنسان هو الأب الحنون بل القاضى الذى يأمر بالعقاب..

كذلك بدأ يشعر بتمرد الطبيعة عليه وأصبح يخشى حتى المخلوقات التى هى دونه..

لماذا هربت يا أدم؟!

ولماذا لم تهرب؟!

لماذا هربت من الله؟!

ولماذا لم تهرب من الخطيئة؟!

وحين سقطت..

لماذا هربت وأختبأت؟!

لماذا لم تتجه إلى الله بضعفك؟

ولماذا لم تُقر صراحةً بذنبك؟

لماذا المراوغة.. والهروب؟

لمـاذا؟

قايين.. القاتل الهارب

فى كبريائه كان متشامخًا على الله حاسبًا أنه لن يدينه، وفى شره يستبد بأخيه الذى من دمه! حقاً من لا يحب الله لا يقدر أن يحب أخاه[2].

هذا هو قايين الذى لم يشفق على أخيه، وقد هربت منه كل مشاعر الحب والرحمة.. بل هرب هو منها ناسياً أنه ليس رحمة فى الدينونة لمن لم يستعمل الرحمة.

غريب جداً أمر قايين، لقد دفعه حقده على أخيه إلى قتله.. قتله عمداً رغم إنذار الله له ( تك 4 : 7 ).

والأغرب من ذلك أن قايين لم يهرب بعد قتله لأخيه ولم يختبئ.. وكأن شيئاً لم يكن..

بل وحينما سأله الرب عن أخيه، أجاب فى تهكم قائلاً: “لا أعلم. أحارس أنا لأخى؟ ” ( تك 4 : 9 )

لقد نسى _ أو تناسى _ أن الله هو مدبر هذا الكون، وأنه ضابط الكل.. تماماً مثلما فعل أبواه من قبل، عندما تجاهلا أبسط الحقائق الإيمانية عن الله إذ “ليست خليقة غير ظاهرة قدامه بل كل شئ عريان ومكشوف لعينى ذاك الذى معه أمرنا” (عب 4 : 13).

وهنا واجه الرب قايين ببشاعة الخطيئة التى سعىَ إليها بإقدام، وفى مقابل السلام الذى كان ينعم به فى كنف الرب، كان الحكم الصادر ضد قايين يتضمن حرمانه من السلام الداخلى، لعل الإتضاع يعرف طريقه الى قلب قايين..

” فقال (الرب) ماذا فعلت.. ملعون أنت من الأرض.. تائهاً وهارباً تكون فى الارض” ( ك 4 : 10 _ 12 )

وعندما واجه الرب قايين بفعلته، وبالمصير الذى آل إليه، لم يجد قايين سبيلاً إلى الهروب من فعلته أو إلصاق المسئولية بشخص أخر ولم يجد مبرراً لموقفه..

وهنا اعترف قايين بذنبه صراحة .. لقد أكتشف أن أمره قد أفتضح وخابت أماله فى أن ينجو بخطيئته فلم يرواغ ..

ولكن اعترافه لم يكن ندماً وتوبه، وليته كان كذلك.. بل إن رهبة العقاب أزعجته، وبشاعة المصير أفزعته..

” فقال قايين للرب ذنبى أعظم من أن يحتمل، أنك قد طردتنى اليوم عن وجه الارض، ومن وجهك أختفى وأكون تائهاً وهارباً فى الأرض ”  ( تك 42 : 13 – 14 )

وهروب قايين بأمر من الله كان من أجل حكمة إلهية.. فقايين  _الخاطئ المتعجرف_  كان بحاجة إلى تأديب.

والهروب بما فيه من إذلال وفقدان للسلام الداخلى، كان كفيلاً بأن يحطم كبرياء قايين ويقوده إلى الإنسحاق والندم، وإعادة تقييم سلوكه من جديد.

ولم يفهم قايين ذلك.. وصارت اللعنة تطارده أينما حل.

سامحنى يا إلهى..

لقد أحزنتك بأفعالى..

وانحرفت بإرادتى عن الطريق

الذى رسمته لخلاصى..

ففى جهلى تصورت أنك بعيداً لا ترانى..

وفى كبريائى لم أدرك خطورة موقفى..

ولم أشعر بمرارة الخطئية..

أتجهت ببصرى نحو الأرض

فلم أبصر سوى التراب الذى منه جُبلت..

ولم أعد أراك..

صارت الخطيئة حائلاً يفصل بينى وبينك..

فتسرب الخوف الى قلبى وإنهار كبريائى..

وصرت تائهاً.. وهارباً..

اهرب لحياتك

بدأت القصة بمخاصمة بين رعاة  مواشى إبرآم و رعاة  مواشى لوط، فاعتزل لوط بعد أن إختار لنفسه الأرض الجيدة..

“وكان أهل سدوم أشرارًا وخطاة لدى الرب جدًا” (تك 13 : 10 – 13).

ولشفقة الرب على لوط من أن يهلك وسط الخطاة أرسل له ملاكين ليخرجاه من المدينة..

ولكن يبدو أن قلب لوط كان متعلقاً بالمدينة وماله فيها من أملاك ومقتنيات، فلم يسارع بالهروب من سدوم _أرض الخطية ­_ معرضاً نفسه للهلاك..

“ولما طلع الفجر كان الملاكان يعجلان لوطاً قائلين قم خذ إمرأتك وإبنتيك الموجودتين لئلا تهلك بإثم المدينة ”  ( تك 19 : 15 ).

عندما وجد الرب أن قلب لوط مازال مشغولاً _ حتى عن خلاص نفسه _ واجهه الرب واضعاً إياه أمام الخيار الصعب.. إما الهروب أو الهلاك فى أرض الخطية.

وبرغم ذلك كان لوط يتباطأ فى الخروج من سدوم.. لم يكن يرغب فى مفارقة الخيرات الأرضية التى أحبها.. ودون أن يدرى كاد يضيع فرصته فى الهروب.

” ولما توانى أمسك الرجلان بيده وبيد إمراته وبيد إبنتيه لشفقة الرب عليه وأخرجاه ووضعاه خارج المدينة ”  (تك 19 : 16).

لقد تدخل الله فى الوقت المناسب، وقبل أن تضيع الفرصة لينقذ لوط وأسرته..

وشتان ما بين موقف لوط، وموقف إبرام العبرانى عندما دعاه الرب للخروج من أرضه ومن عشيرته ومن بيت أبيه..

“فذهب إبرام كما قال له الرب وذهب معه لوط ” (تك 12 : 4).

إبرأم خرج بناء على دعوة من الله.. ولوط خرج دون دعوة..

فكان خيراً للوط أن يخرج إلى هدف واضح، من أن يخرج دون هدف ودون مساندة السماء له فيهلك بين الخطاة..

وكان صوت الرب يدوى فى آذان لوط عند خروجه  من سدوم:

“أهرب لحياتك، لا تنظر إلى ورائك ولا تقف فى كل الدائرة.. أهرب إلى الجبل لئلا تهلك ” (تك 19 : 17).

كان أمر الرب للوط واضحاً، وكان الهدف هذه المرة محدداً.. والأكثر من ذلك أن الرب كان إلى جوار لوط واقفاً، مسانداً له ومعضداً..

أما لوط فبدا كما لو كان معانداً، ولمشورة الرب مقاوماً، ولحكمته الإلهية متجاهلاً، فلم يقنع بالطريق التى رسمها له الله إذ لم تكن ثقته فى الرب كاملة، وفى ضعف وتخاذل صرخ الى الرب قائلاً:

“لا ياسيد.. أنا لا اقدر أن أهرب إلى الجبل لعل الشر يدركنى فأموت.. هوذا المدينة هذه قريبة للهرب إليها وهى صغيرة. أهرب إلى هناك.. فتحيا نفسى” (تك 19 : 19 ، 20).

ولم يشأ الرب أن يدخل مع لوط فى مهاترات، بل فى حنو وعطف تأنى عليه مشفقاً.. وإذ وجده متكاسلاً وفى طريق خلاصه متباطئاً، وفى وعد الرب له ليس واثقاً.. قال له الرب مجاوباً..

“أسرع أهرب إلى هناك، لأنى لا أستطيع أن أفعل شيئاً حتى تجيء إلى هناك ” (تك 19 : 22).

عجيب أمر الرب مع لوط ، وعجيب بالأكثر أمر لوط وزوجته وبنتيه.. كان الرب حريصاً على خلاصه أكثر من حرصه على خلاص نفسه وخلاص النفوس التى معه!

وأخيراً.. أخيراً خرج لوط تاركاً سدوم (أرض الخطية)، وتاركاً أملاكه ومواشيه ومقتنياته الأرضية.

وخرجت معه إمرأته تاركةٍ قلبها هناك حيث يوجد الأهل والأصحاب وحيث الأرض والأملاك، وحيث توجد الخطية.

ونسيت _أو تناست_ كلام الرب والوصية.. ونظرت إلى حيث تعلق قلبها.. حائرة ونادمة..

كانت نظرة واحدة تكفى لتعلن عن إرتباطها بأرض سدوم _أرض الخطيئة_ وتفضيلها للموت فى سدوم عن الحياة مع الله بعيداً عن الغنى واللّذة الوقتية..

“ونظرت إمراته من ورائه فصارت عمود ملح” ( تك 19 : 26 ).

إنه الخيار الصعب، لا عنف فيه ولا قهر.. فالله لا يتدخل ليفرض إرادته، إنما يترك للإنسان الفرصة كاملة.. والإنسان بدوره يختار ما بين الحياة مع الله أو الحياة بعيداً عنه.. فى أرض الخطية.. حيث لا توجد حياة..

إمرأة لوط اشتهت أن تعود إلى سدوم _ مدينة الأشرار _ وفى الحال لاقت نفس مصيرهم.. الموت.. والضياع..

والغريب أن لوط اكتشف بعد ذلك أن الرب كان محقاً إذ أمره بالهروب إلى الجبل.. وندم إذ فضل الإختبار الشخصى على طاعة الرب، فأطاع أخيراً..

“وصعد لوط من صوغر وسكن فى الجبل وابنتاه معه..”  (تك 19 : 30) .

إنها نظرة واحدة جرت على لوط كل هذا العَناء.. زين له عدو الخير السكن وسط الخطاة، فكانت أرض سدوم فى عينيه كجنة الرب كأرض مصر.. ونظرة واحدة أيضاً من زوجته كانت سبباً فى هلاكها.

فالهروب إلى الله يجب أن يسبقه تكريس قلبى، لكى تسمو الروح فوق مستوى المادة..

ما فائدة الخروج إلى البرية بالجسد بينما القلب  لا يزال فى العالم..

إن هلاك سدوم بهذه الطريقة، كان من أجل حكمة إلهية..

فإذا ما أهلك الرب الأشرار وحدهم وأبقىَ على خيرات المدينة، فلربما فكر لوط فى الرجوع ثانية إلى سدوم _ أرض الخطية_ مثلما فعل بنو إسرائيل بعد هروبهم من مصر وقد عاودهم الحنين إلى أرض العبودية.

أعترف لك يارب

أعترف لك بأنى مُقصر ومُتكاسل من جهة خلاصى..

أعترف أننى كثيراً ما تجاهلت صوتك يدعونى

إلى الخروج من أرض الخطية..

أمور تافهة ومُتع وقتية شغلتنى

عن التفكير فى الأبدية..

وفى جهلٍ وعناد كدت أُضيع فرصتى فى النجاة..

آه.. آه يا سيدى

الأن فقط أدركت حقيقة الأشياء..

أن جميعها نفاية إذ ما قورنت

بمجد الحياة مع الله.

ترك ثوبه.. وهرب

نزل إلى مصر فقيرًا معدمًا، بعد أن باعه أخوته بثمن بخس.. ولم يكد يلتقط أنفاسه فى بيت سيده المصرى حتى هاجمته الخطيئة فى أعنف صورها..

منطقيًا.. يكون يوسف معذورًا إذا انساق وراء شهوته، أو سعى إلى الخطية بكل قوته.. وبالأكثر يكون معذوراً إذا ما كانت الخطية هى التى سعت إليه وألحت فى ذلك..

لقد تغرب فى أرض لا يعرفها وبيع كعبد، بعد أن تخلى عنه أقرب الناس إليه.. فحرم من عطف الأم ومن حنو الأب فى أحرج مراحل حياته بينما عمره لم يتجاوز السابعة عشر (تك 37 : 2)

ولكن الغريب أن يوسف لم يفعل.. بل أنه حتى لم يتفاوض مع الخطية، بل فى حزم وإصرار قال لإمرأة سيده..

“كيف أصنع هذا الشر العظيم وأخطيء إلى الله”  (تك 39 : 9).

كان الهدف الذى ينشده يوسف أمام عينيه ماثلاً، فلما هاجت عليه عواصف الشر لم يتراجع، بل فى إصرارٍ وثبات وقف أمام الخطية متحدياً ورافضاً..

ولم ينحنى يوسف أمام كل الصعوبات والتحديات التى واجهته، ولم ينحنى أمام ضغط المرأة وإلحاحها عليه..

بل إنه حتى لم ينحنى أمام تهديدها له وهى من هى، وزوجها خصياً لفرعون ورئيساً للشرط.

فعلى الرغم من ذلك كله نجد الشاب يجاهد من أجل الإحتفاظ بطهاراته ونقاوته، فلم تُغريه الشهوة ولا رياح الخوف إستطاعت أن تعصف بإيمانه.. بل كان لسان حاله يقول:

“وضعت قدمى على قمة هذا العالم عندما صرت لا أخاف شيئاً ولا اشتهى شيئاً”

ثم جاءت اللحظة الحرجة.. اللحظة الفاصلة.. مسرح الأحداث خالٍ تماماً، إلا من يوسف.. يوسف وحده.. وفى مقابله الشيطان فى صورة إمرأة.. اقتربت منه وأمسكته..

وبدا كما لو كان المسكين قد وقع فى حبائلها حيث لا مهرب.. فخُا نصبه عدو الخير ليدحر يوسف فى عفته، ثم يعود فيوقعه فى اليأس ويبعده عن الله نهائياً وبغير رجعة.. ولكن عجيب جيداً قول الكتاب:

“فترك ثوبه فى يدها وهرب وخرج إلى الخارج” ( تك 39 : 12).

عجيب جداً أمر يوسف

هل إلى هذا الحد يغار على عفته.. هل يهرب إلى الخارج عارياً لكى يظل محتفظاً بنقاوته.. ألم يخجل.. ولكن لماذا يخجل؟

الخطيئة وحدها تشعر الإنسان بالخجل.. كان أدم وحواء عريانين فى الجنة وهما لا يخجلان (تك 2 : 25).

كان يوسف عظيماً حين هرب من وجه الشر، فكان هروبه سبباً فى نجاته، وفى كل النجاح الذى حققه بعد ذلك حتى صار أباً لفرعون ومتسلطاً على كل أرض مصر (تك 45 : 8 ).

ولو لم يهرب يوسف من الخطية لظل عبداً فى بيت فوطيفار، ولصار عبداً للخطية.. لأن كل من يعمل الخطية هو عبد للخطية (يو 8 : 34).

يارب أغرس حبك فى قلبى، فلا يشغلنى عنك حب أخر.

أعطنى يارب هذه الغيرة المقدسة، أن أهرب من الخطية.

فلا أندفع خلف مشاعر وهمية، أو تخدعنى أحلام وردية.

فأبنى قصوراً على الرمال..

وأفيق أخيراً وبعد أن يفوت الأوان..

عندما تسقط القصور..

ويكون سقوطها عظيماً..

الخروج من بيت العبودية

أربعمائة عام قضاها بنو إسرائيل فى أرض مصر، فأستعبد المصريون بنى إسرائيل بعنف ومرروا حياتهم بعبودية قاسية (خر 1 : 13 – 14).

ونظر الرب إلى مذلة شعبه فى مصر ونزل ليخلصهم، فظهر لموسى فى العليقة وقال له..

“إنى قد رأيت مذلة شعبى الذى فى مصر.. سمعت صراخهم..علمت أوجاعهم فنزلت لأنقذهم من أيدى المصريين وأصعدهم من تلك الأرض إلى أرض جيدة وواسعة إلى أرض تفيض لبناً وعسلاً ”  (خر 3 : 7 – 8).

كانت هذه خطة الله التى أعدها لشعبه.. فأرسل عبده موسى ليخرجهم من مصر _أرض العبودية_ حيث يقيم الرب علاقة مع شعبه فى البرية..

“فقال (الرب) إنى أكون معك وهذه تكون لك العلامة أنى أرسلتك، حينما تُخرج الشعب من مصر تعبدون الله على هذا الجبل”  (خر 3 : 12).

وكان الرب أميناً فى وعده لشعب إسرائيل فأخرجهم من مصر بيد عزيزة، بقوات وعجائب أذابت قلب فرعون وقلوب عبيده..

“فدعا موسى وهرون ليلاً وقال قوموا أخرجوا من بين شعبى أنتما وبنو إسرائيل جميعاً، وأذهبوا أعبدوا الرب كما تكلمتم”  (خر 12 : 31).

لقد إنكسر المصريين جبابرة الحرب أمام قوة إله إسرائيل ، فألحَّ المصريين على الشعب ليطلقوهم عاجلاً من الأرض (خر 12 : 33).

خرج بنو إسرائيل من مصر _بيت العبودية_ مُستندين على ذراع الرب، وكان الرب يسير أمامهم نهاراً فى عمود سحاب ليهديهم فى الطريق وليلاً فى عمود نار ليضى لهم.   (خر 13 : 21).

“فلما أُخبر ملك مصر أن الشعب قد هرب تغير قلب فرعون وعبيده على الشعب، فقالوا ماذا فعلنا حتى أطلقنا إسرائيل من خدمتنا.. وشدد الرب قلب فرعون حتى سعى وراء بنى إسرائيل” (خر 14 : 5 ، 8).

لقد تصور إسرائيل إن خروجه من بيت العبودية هو نهاية المطاف، وبدا له أن المعركة قد حُسمت لصالحه..

ونسى الشعب أن عدو الخير لا ييأس، وفى كبرياؤه لا يعترف بالهزيمة، وإنما يجاهد من أجل استرداد نفوذه وسلطانه على النفوس الضعيفة ليمرر حياتهم فى عبودية مُرة.

“فلما اقترب فرعون رفع بنو إسرائيل عيونهم وإذا المصريون راحلون وراءهم.. ففزعوا جداً وصرخ بنوا إسرائيل إلى الرب، وقالوا لموسى هل لأنه ليست قبور فى مصر أخذتنا لنموت فى البرية ” (خر 14 : 10 ، 11).

إنه الشعب الهارب من أرض العبودية، ما أن بدأت التجارب حتى خارت قواه فبدأ يصرخ ويستغيث.. ويتذمر على الله.

“فقال موسى للشعب لا تخافوا.. الرب يقاتل عنكم وأنتم تصمتون ” (خر 14 : 13 ، 14).

إنها الحصانة التى يتمتع بها أولاد الله، فى مواجهة أجناد الشر فعندما نقاوم الشر بنفس الأسلوب لا نعطى الفرصة لله لكى يتدخل.. الله له أسلوبه الخاص فى حل المشاكل.

“فقال الرب لموسى ما لك تصرخ إلىَّ، قل لبنى إسرائيل أن يرحلوا وأرفع أنت عصاك ومد يدك على البحر وشقه فيدخل بنو اسرائيل فى وسط البحر على اليابسة ” (خر 14 : 15 – 16).

ما جدوى الصراخ والنحيب، بينما النجاة تحتاج إلى خطوات ايجابية وحلول عملية..

عندما تستحيل علينا مقاومة الشر لضعف الإمكانيات أو نقص الخبرة فالأفضل ألا نقف مكتوفى الأيدى..

الخنوع والتراخى والسلبية لا تصلح حلولا للمشاكل.

أحيانا يكون الهروب من وجه الشر هو الحل الوحيد.

كثيرون ممن صرعتم الخطيئة كانوا ضحية للغرور والإتكال على الذات، والوقوف فى مواجهة الشر دون مساندة السماء بينما الخطيئة طرحت كثيرين جرحى وكل قتلاها أقوياء (أم 7 : 26).

وإذ سمع الشعب لصوت الرب، جعل لهم البحر يابسة وانشق الماء ودخل بنو إسرائيل فى وسط البحر والماء سور لهم عن يمينهم وعن يسارهم (خر 14 : 21 – 22).

وتشدد فرعون وتبع الشعب بجميع جنوده ومركباته فى إصرار معتزا بقوته، ولكن سرعان ما شعر بوجود الله الى جوار شعبه..

“فقال المصريين نهرب من إسرائيل لأن الرب يقاتل المصريين عنهم ” (خر 14 : 25).

يا للعجب..

من يطارد من !

ومن يهرب أمام الأخر؟!

بدأت المعركة بمحاولات عنيفة من إسرائيل للخروج من مصر _بيت العبودية_ بينما انتهت بمحاولة فاشلة من المصريين للهروب من إسرائيل.

“فمد موسى يده على البحر فرجع البحر عند إقبال الصبح إلى حاله الدائمة والمصريين هاربون إلى لقائه، فدفع الرب المصريين فى وسط البحر” (خر 14 : 27).

عجباً..

كيف استطاع إسرائيل الضعيف، الهارب من العبودية المرة أن يقهر جيش فرعون.. أية قوة كانت تصاحب إسرائيل عند هروبه من بيت العبودية؟!

لا شك أن إسرائيل لم يكن وحده.. وإلا لما استطاع أن يصمد أمام قوة أعداؤه وظلمهم وبطشهم.. والسر يكمُن فى مَعية الرب لشعبه، هذا ما أدركه المصريين بعد فوات الأوان فقالوا:

“نهرب من إسرائيل، لأن الرب يقاتل عنهم ”  (خر 14 : 25).

الهارب إلى الله يحتاج إلى قوة تسنده، يحتاج إلى معية الرب له.. ويحتاج إلى الثقة فى وعوده الإلهية، لكى يتمكن من الهروب.. والخروج من بيت العبودية .

آه.. آه يا سيدى

لقد تزاحمت الأفكار فى رأسى

وتعددت الأهداف أمام عينى

حتى أننى نسيتك!

نعم يا إلهى، لقد إنشغلت عنك ونسيت

انه لا معنى للحياة بدونك.

وفيما كنت تبحث عنى

وتقاسى الأهوال من أجلى..

كنت أنا أهرب منك!

عندما يهرب الكارز!

قد يحدث أن يهرب إنسان، فيكون هروبه سبباً فى هلاكه.. ولكن ماذا لو كان هروب إنسان سيعوق وصول رسالة الخلاص إلى الأخرين..

لا شك أن عمل الرب سيتوقف حتى يتحرك شخص أخر بدافع الغيرة المقدسة فيحمل الرسالة.. أو يعود هذا الخادم الهارب يوماً ما ليمارس عمله..

يونان النبى .. أشهر هارب عرفه التاريخ

المفروض أن الكرازة هى عمله الأساسى، ولكن يبدو أن يونان كان مبهوراً بمركزه كنبى وصاحب كلمة نافذة.. بهرته القشرة الخارجية للخدمة فلما جاءته الدعوة ليدخل إلى العمق هرب..

“فقام يونان ليهرب إلى ترشيش من وجه الرب”  (يونان 1 : 3).

غيرة يونان على نفسه كانت أقوى بكثير من غيرته على النفوس المحتاجة للخدمة.. فالمهم أن يظل محتفظاً بكرامته وبهيبته كنبى وكارز.

كان يونان فى حاجة إلى الحب ليتمكن من أداء رسالته.. الحب لله وللقريب.. حباً حقيقاً قادراً على البذل والعطاء بلا حدود.

كذلك كان فى حاجة إلى الإحساس بالمسئولية تجاه النفوس البعيدة عن الله، فيشعر أن العمل هو مسئوليته شخصـياً وأنه كـراعٍ مُكلف من الله بخـدمة هذه النفوس.

ولكن ما فعله يونان يتماشى تماماً مع قــول الكـتاب:  “وأما الذى هو أجير وليس راعياً الذى ليست الخراف له فيرى الذئب مقبلاً ويترك الخراف ويهرب.. والأجير يهرب لأنه أجير ولا يبالى بالخراف ” (يو 10 : 12، 13).

لم يكن يونان يشعر بالقيمة الحقيقة للعمل الذى أُسند إليه ولا بالتأثير الإيجابى للخدمة فى حياته، فبادر بالهروب.

هرب يونان من الخدمة متجاهلاً دعوة الله له، بينما تقدم اخرون إلى الخدمة حتى دون دعوة.

من هؤلاء نحميا.. القائد الغيور.

كانت غيرته على أورشليم عظيمة ومحبته لإخوته تفوق محبته لنفسه، فكان بإستمرار يهتم بالسؤال عنهم ومعرفة أخبارهم، ولما سمع بالحالة السيئة التى وصلوا إليها تأثر لدرجة أنه بكى.

“فلما سمعت هذا الكلام جلست وبكيت ونحت أياماً وصمت وصليت” (نح 1: 4).

كان قلب نحميا مشحوناً بالعواطف الصادقة تجاه أورشليم وتجاه أخوته، ولكن هذه العواطف لم تقوده إلى التهور.. بل أنه جلس ينتظر حتى يتلمس مشورة الرب بالصلاة والصوم وإنسحاق القلب.

كانت ظروف نحميا كأسير يعمل فى خدمة الملك، وبُعده عن أورشليم، وحياته الجديدة فى مجتمع وثنى تشير إلى صعوبة حملة للرسالة بحيث يبدو خروجه للخدمة مستحيلاً.

ولكن نحميا -الخادم الشجاع- لم يستسلم للأمر الواقع واثقاً فى يد الله القوية.. فلما سأله الملك عن سبب كآبته، أجاب بغيرته المعهودة: “كيف لا يكمد وجهى والمدينة بيت مقابر أبائى خراب وأبوابها قد أكلتها النار ” (نح 2: 3).

إنها الغيرة المقدسة، تفتح الأبواب المغلقة.. الغيرة المقدسة التى لا تعرف المستحيلات.

كانت أُمنية نحميا فى مجلس الملك، ومن قبل ذلك فى صلاته أن يخرج إلى الخدمة..

“تُرسلنى إلى يهوذا إلى مدينة قبور أبائى فأبنيها ” (نح 2 : 5).

خرج نحميا والهدف ماثلاً أمام عينه، فلم ترهبه جسامة الخدمة.. بل إنه لم يرهب من أعدائه الذين تكاثروا حوله ليعوقوا إستمرار العمل ومسيرة البناء..

إحساس نحميا بالمسئولية كان دافعًا قويًا للخروج إلى الخدمة وكانت رسالته:  “هلم فنبنى سور أورشليم ولا نكون بعد عارًا” (نح 2 : 17).

وما أن بدأ العمل حتى بدأت التجارب، وبدأ الأعداء المتربصون له فى تدبير المؤامرات..

هزأوا به واحتقروه (نح 2 : 19).

أرسلوا له رسائل تهديد (نح 6 : 19).

غضبوا جداً، وتأمروا جميعاً معا أن يأتوا ويحاربوه (نح 4 : 8).

أرسلوا إلى نحميا يدعونه للتشاور معهم بهدف إيذائه (نح 6 : 2).

وفى كل ذلك كان نحميا ثابتاً، وفى قوة إله السماء واثقاً وبقيمة العمل والدور الذى يلعبه شاعراً.. فكان رده على أعداؤه حازماً وقاطعًا:

“إنى أنا عامل عملاً عظيماً لا أقدر أن أنزل، لماذا يبطل العمل بينما أتركه وأنزل إليكما ” (نح 6 : 3).

العجيب أن نحميا لم يترك العمل حتى عندما نصحه بذلك بعض رجال الدين.

وبدا أن الله نفسه يأمره بالهروب من الخدمة.. وبدا أن الهروب أمراً مشروعاً لأنه داخل أورشليم نفسها.. بل داخل الهيكل.. ولكن النتيجة واحدة ، سيتوقف العمل.

كان التحدى صعباً، والثمن فى حالة البقاء يبدو باهظاً، وصوت الأنبياء الكذبة فى أُذني نحميا مدويًا:   “لأنهم يأتون ليقتلوك، فى الليل يأتون ليقتلوك”  (نح 6 : 10).

عجيب جداً ثبات نحميا وإصراره على البقاء.. وعجيب بالأكثر إيمانه بالخدمة وإخلاصه للعمل الذى تطوع لأدائه.. ففى حزم وثقة وثباتٍ جَم وقف يقول:  “أرجل مثلي يهرب ومن مثلي يدخل الهيكل فيحيا، لا أدخل” (نح 6 : 11).

شتان ما بين يونان ونحميا..

يونان دعاه الله للخدمة، وكان الطريق إلى نينوى مفتوحاً أمامه.. بينما تقدم نحميا إلى الخدمة متطوعاً بدافع من غيرته، وكانت العقبات كثيرة ومتنوعة، والأعداء متربصون به من كل ناحية.

مهمة يونان لم تكن تستغرق أكثر من ثلاثة أيام.. بينما مهمة نحميا كانت صعبة وتحتاج لأسابيع وشهور.

خدمة نحميا كانت مليئة بالتنازلات والتضحيات، بينما يونان هرب لأنه لم يكن مستعداً لتقديم أى تنازل.

نحميا عانى كثيراً فى خدمته من احتقار الأعداء له واستهزائهم به، ومن صعوبة العمل ومشقته ومع ذلك أصر على البقاء ولم يتراجع.. بينما هروب يونان كان سبباً فى كل المتاعب التى تعرض لها أثناء رحلته.

نحميا بدأ خدمته بالصلاة، ولم يكف عن الصلاة طوال مدة خدمته ( نح 1 : 6)، بينما لم يلجأ يونان إلى الصلاة إلا عندما وقع فى ضيق (يونان 2 : 7).

كان نحميا يترجى فى كل حين نجاح العمل (نح 2 : 20)، وصار يوم اكتمال السور يومًا مقدسًا وعيدًا له ولكل الشعب (نح 8 : 9،10).

بينما يونان حزن لرجوع أهل نينوى وتوبتهم واغتاظ لدرجة جعلته يتمرد على الحياة ويطلب الموت لنفسه (يونان 4 :1،3).

ترى ماذا سيحدث إذا تخلى كل خادم عن رسالته من أجل الصعوبات التى ستواجهه فى الخدمة..

صحيح أن الله قادر أن يقيم من الحجارة أولادًا لإبراهيم (مت 3 : 9)، ولكن ليس على حساب أولاده، فخلاص نفس الخادم، لا يقل أهمية عن نجاح الخدمة.

فماذا لو هرب الكارز؟!

أطلب إليك يارب

أطلب إليك أن ترسل فعلة إلى كرمك

فإن الحصاد كثير ولكن الفعلة قليلون (مت 9: 37).

حتى هؤلاء (القليلون) يوجد بينهم من لايصلح للخدمة

ومن ليس اهلأ للرسالة.

كان يهوذا من بين تلاميذك

ومع ذلك لم يتورع عن خيانتك!

خدامك يا رب

فى حاجة إلى تغيير يلمس القلب من الداخل.

تغيير فى الفكر، وفى المفاهيم.

حتى يدرك أولادك قيمة الرسالة

وقيمة حمل الصليب.

الإله المتجسد هاربًا!

عجباً.. ثم عجباً..

أن يهرب المخلوق فهذا أمرا قد يقبله العقل.. أما أن يهرب الخالق فهذا هو العجب..

تُرى.. ماذا دعاك أيها المخلص لتهرب وأنت بعد صغير.. هل هو ضعفك أمام قوة وبطش هيرودس.. فان لم يكن، فماذا إذن.. ماذا حملك على الهروب وأنت مدبر هذه الخليقة والضابط الكل.

لا شك أنه الإتضاع.

كان ممكنا أن يهلك هيرودس بكلمة تقولها.. ولكنك لم تفعل لأن رسالتك هى الخلاص، فإنك لم تات لتهلك أنفس الناس بل لتخلصها (لو 9 : 56).

وكان هروبك من وجه الشر هو منتهى القوة..

فلم يكن هروبك ضعفاً أو إنهزامية، وبالطبع لم يكن خوفاً، بل هو الإتضاع.. فما أكثر أن يكون الخوف دافعاً للهروب، عندما يستشعر الإنسان خطراً.. وبخاصة إذا كان الخطر يهدد حياة الإنسان نفسه، فالحكمة هنا تقتضى أن يهرب الإنسان لينجو بحياته.. والكتاب المقدس حافل بالأمثلة التى تؤيد ذلك.

يعقوب أب الأباء خرج على وجهه هائماً، ومن وجه عيسو أخيه هارباً وفى طريقه إلى حاران مهرولاً، ولصوت رفقه أمه مُصغياً حين قالت له:

“يا أبنى أسمع لصوتى وقم أهرب إلى أخى لابان إلى حاران، وأقم عنده أيام قليلة حتى يرتد سخط أخيك” ( تك 27 : 43 ، 44).

وموسى هرب لينجو بنفسه من سيف فرعون ملك مصر..

“فهرب موسى من وجه فرعون وسكن فى ارض مديان”  (خر 2 : 15).

وداود قضى سنوات شبابه هارباً من وجه شاول الملك (صم 19: 12، 18/20: 1/ 21: 10)، وهرب كذلك من وجه أبشالوم أبنه الطامع فى الملك.

فقال داود لجميع عبيده الذين معه فى أورشليم قوموا بنا نهرب لأنه ليس لنا نجاه من وجه أبشالوم” (2 صم 15 : 14).

وعلى هذا النحو لا يمكن القول بأن هذا الهروب هو ضد الإرادة الإلهية، فالنفس وديعة يجب المحافظة عليها.

ولكن قد يحدث أن يختص الله إنسانا برسالة معينة، تكون تضحية الإنسان بنفسه ركنًا أساسيًا فيها، فالأمر آنذاك يختلف، ويكون  “الهروب من الضيقة، هروبًا من الله “[3].

السيد المسيح كانت له رسالة مقدسة وهدف واضح، فلما جاء وقت التضحية والفداء لم يهرب..

“وحين تمت الايام لإرتفاعه ثبت وجهه لينطلق الى أورشليم” (لو 9 : 51).

لم يكن شئ يشغله عن الرسالة التى جاء لأجلها.. كان زاهداً فى كل شئ، فلم يغريه المجد الأرضى ولم ينخدع بمديح الناس.

“وأما يسوع فإذ علم إنهم مزمعون أن يأتوا ويختطفوه ليجعلوه ملكاً إنصرف أيضاً إلى الجبل وحده ” (يو 6 : 15).

كان الرب يسوع عجيباً فى إتضاعه إذ هرب من المجد الباطل وعجيباً بالأكثر فى ثباته وصموده وفى إحتماله للتجارب.

كان إصراره قوياً، فلم يضعف أمام تيار السلبية متمثلاً فى تلاميذه ( مت 16 : 21 ، 23 )، ولم ينحنى كذلك أمام تهديد الفريسيين (لو 13 : 31 ، 33).

كان يسوع عجيباً فى محبته لنا، ولم تكن محبته نظرية.. ولكنها محبة عملية بازلة، محبة الراعى للقطيع.

“أنا هو الراعى الصالح، والراعى الصالح يبذل نفسه عن الخراف” (يو 10 : 11).

وفى بستان جثسيمانى وقف يسوع وحده فى مواجهة الكتبة والفريسيين وجمع كثير بسيوف وعصى.

“حينئذ تركه التلاميذ كلهم وهربوا”  (مت 26 : 56).

هرب التلاميذ لأن رسالتهم لم تكن قد بدأت، وبقى يسوع وحده ليتمم رسالته، تاركاً لتلاميذه المثل والقدوة فى التضحية وبذل الذات.

فيقول القديس غريغوريوس الكبير:   “يسوع أتى فى الجسد ليس فقط لكى يخلصنا بألامه بل ليعلمنا أيضًا بحياته مقدمًا مثالًا للذين يتبعونه، لذلك رفض الملك وارتضى أن يذهب بإرادته إلى خشبة الصليب، هكذا هرب من المجد العظيم الذى قُدم له واختار ألم الموت وذله لكى يشترك معه أعضاء جسده فى الهروب من مجد العالم”[4].

رسالة يسوع الخلاصية كانت مثالاً وعبرة لتلاميذه وأتباعه فى كل الأجيال ..

فليس عجيباً أن يترك شاب كل غناه ويبيع ممتلكاته ويهرب إلى البرية تاركاً العالم، متأثراً بأية واحدة من الكتاب المقدس ..

ولعل الشاب أنطونيوس كان يردد كلمات بولس الرسول لتلميذه تيموثاوس:  “لأننا لم ندخل العالم بشيء، وواضح إننا لا نقدر أن نخرج منه بشئ ” (1 تى 6: 7).

ولعله أيضا كان ينشد مع داود قائلاً:  “ليت لى جناحاً كالحمامة فاًطير وأستريح، هآنذا كنت أبعد هارباً وأبيت فى البرية” (مز 55 : 6 ، 7).

وربما كانت كلمات بولس الرسول القوية تحمل تشجيعاً للمؤمنين فى عصور الإستشهاد حتى أقبلوا على الموت بفرح واندفعوا كالسيل إلى ساحات العذاب غير مُبالين بالإغراءات المادية والمناصب العالمية:

“لأن محبة المال أصل لكل الشرور .. وأما أنت يا إنسان الله فاهرب من هذا .. ” (1 تى 10: 11).

” لذلك يا أحبائى أهربوا من عبادة الأوثان ” (1 كو 10 : 14).

“واما الشهوات الشبابية فإهرب منها” (2 تى 2 : 22).

وأنت _ عزيزى القارئ.. يمكنك بسهولة أن تتخذ قرارك بالهروب إلى الله.

الأن .. الأن يمكنك أن تبدأ فى عشرة حقيقة مع الله .. فقط إذا تركت محبة الخطية وارتفعت فوق مستوى المادة واللَّذة الوقتية ..

عندما تستطيع أن تتخلى عن الكبرياء والإعتزاز بالنفس وتتحلى بالإتضاع متشبهاً بسيدك.

عندما تحب الأخرين وتشعر بمسئوليتك نحوهم وتسعى فى إيجابية لخدمتهم.

عندما يصبح المسيح هو هدفك الأول والأخير، الألف والياء فى حياتك.

وحينئذ لن تقف الخطية حائلا بينك وبين إلهك، ولن يقف ماضيك عقبة فى طريق خلاصك.

لتفهم يا صديقى، أن الله دائماً ينتظر رجوعك ( لو 15 : 20 )، وأن باب التوبة دائماً مفتوح، “فالله لا يحاسبنا على كثرة لكن يحاسبنا على عدم توبتنا”[5]

[3] قول منسوب للقديس الأنبا بولا أول السواح، لكن البعض يرى أن قائله هو القديس بولا (بولس) البسيط تلميذ القديس الأنبا أنطونيوس _ وهذا الرأى يؤيده نيافة الانبا يوأنس أسقف الغربية (المتنيح).

[4] القديس غريغريوس الكبير _ كتاب الرعاية ص14 _ ك. مارجرس أسبورتنج

[5] القمص بيشوى كامل – نبذات روحية هادفة جـ 2

Broken Links Report - Arabic
مثال: رابط التحميل لا يعمل
Sending