المسيح القائم الجزء 01 – القيامة – الأنبا بيشوي مطران دمياط و البراري

الرئيسية » كتب » طقوس الكنيسة القبطية - اللاهوت الطقسي » أعياد الكنيسة القبطية » الأعياد السيدية الكبرى » عيد القيامة المجيد » المسيح القائم الجزء 01 – القيامة – الأنبا بيشوي مطران دمياط و البراري

تحميل الكتاب

إنتبه: إضغط على زرار التحميل وانتظر ثوان ليبدأ التحميل.
الملفات الكبيرة تحتاج وقت طويل للتحميل.
رابط التحميلحجم الملف
إضغط هنا لتحميل الكتاب
2MB

كلمة تهنئة لنيافة الأنبا بيشوى

لراهبات الدير فى عيد القيامة المجيد سنة 2008م

لقد جاءت قيامة السيد المسيح فى عالم دَهَسَهُ الموت وصرعه وحبسه فى قبضته القاسية. فكانت هى القوة الهائلة، التى غيَّرت كل تاريخ البشرية وأنارت الخلود والحياة، وبعثت البهجة والسرور فى قلوب الذين آمنوا بها، وبددت كل مخاوف الجحيم والهاوية.

إنها انطلاقة نحو النور الذى لا تغيب شمسه .. نحو الضياء الذى يخطف العقول والأفهام ليتجول بها فى سماوات المجد .. نحو الحب الذى يتدفق من عند الآب ليجعل من الماضى الحزين فرحًا للغالبين، ومن الحاضر الثقيل أملاً فى مستقبل جليل. حتى أن الزمن قد تضاءل وتلاشى بحضور الأبدية فى شخص الفادى القائم من الأموات عندما كان يظهر ويتمشى فى ربوع أورشليم وحولها وعند بحر الجليل.

فهل نتمتع نحن بالحياة؟.. وهل أنيرت الحياة فى قلوبنا لتطرد كل ظلمة الموت؟.. نحن مدعوون لنحيا فى النور، فلا تطغى الظلمة على عقولنا وأفهامنا وأفكارنا.. بل نتطلع نحو أنوار القيامة والحياة لنفهم الحق والحق يحررنا. ليتنا نندفع بكل قوة لنعانق نور القيامة والأبدية، ونبقى هناك ونكون نورًا فى عالم ممتلئ بالظلمة.. لا موضع للظلمة فى قلوبنا؛ لأننا قد قبلنا الحق والحياة. لا نعرف معنى للكراهية والبغضة لأننا نحيا فى النور ونعرف القدوس الحق الذى “هُوَ بَهَاءُ مَجْدِ الآب وَرَسْمُ أقنومه” (انظرعب1: 3).

وعندما تلفحنا أنوار القيامة مع إشراقة فجر جديد على البشرية؛ نستطيع أن نسرع إلى كل ناحية فى قلوبنا لكى نبشر بالحياة والنور والأمل.. وفى يقين الإيمان بقيامة المخلص نراه بعين الإيمان جالسًا عن يمين العظمة فى الأعالى .. فنسجد له بفرح رافعين الأذرع فى قبول لعطيته الفائقة فى قلوبنا، إذ حقق وعد الآب الذى أرسل روح ابنه ليسكن فينا إلى الأبد، إن كنا ثابتين فى محبته.

الرب يمنحنا أن نحيا فى جدة الحياة بقوة قيامته وعطية روحه القدوس وليملأ الرب قلوبكم من فرح الروح.

الرب عجيب فى محبته، عجيب فى إخلائه لنفسه، عجيب فى ضعفه المنظور حينما تألم فى جسم بشريته، وعجيب فى قوته حينما قام منتصرًا من الأموات.

✞القبر الفارغ فيه رائحة الحياة يشهد للحياة.. يشهد أن الموت ليس له. إنما ترك فيه برهان موته وقبره وقيامته من الأموات.

✞أخفى السيد المسيح لاهوته (الحياة الفائقة) داخل حياته الإنسانية، وعندما ابتلع الموت حياته الإنسانية المتحدة باللاهوت؛ انتحر الموت فى حماقةٍ، لأنه ابتلع ما هو ضده وبهذا أمات المخلّص الموت ببرق لاهوته.

✞اجتمع الموت والحياة فى وقت واحد فى شخص السيد المسيح إذ كان هو الحي الميت؛ والميت الحي. بقيامته أعلن أنه رب الحياة وفاحت رائحة محبته بموته وقيامته.

✞القيامة نبعت من خلال موت الصليب. الحياة تدفقت من خلال الموت، فمن الموت تولد الحياة، ومن الألم يولد المجد، ومن الإتضاع تأتى الكرامة، ومن البذل والتضحية بالنفس يأتى امتلاك قلوب الآخرين.

✞موت السيد المسيح هو موتنا نحن وقبره هو قبرنا نحن وكفنه هو كفننا نحن؛ فقد استعار القبر والكفن مؤقتًا. وحينما قام من الأموات ترك القبر فارغًا وبداخله الكفن وعليه تذكار حبه وموته وقيامته.

✞لم يستطع الجحيم أن يقبض على الحياة ولا الموت أن يمسك الحياة بل ابتلعت الحياة الموت.

✞قيامة السيد المسيح محت خطايا المفديين؛ حيث أبطل الموت الثانى -الهلاك الأبدى- وأظهر حقيقة انتصار الحياة على الموت.. أنار الحياة وأبطل عز الموت.

✞كانت الحياة.. التى فى السيد المسيح أقوى من الموت الذى لنا؛ فاستطاع أن يدوسه ويحطمه وينتصر عليه.

✞القيامة هى الإعلان المنظور للغلبة غير المنظورة التى تمت على الصليب. انتصار السيد المسيح فى القيامة إعلان عن انتصاره على الصليب.

✞لم يكن السيد يملك قبرًا ولا كفنًا وقد ترك القبر فارغًا وترك الكفن وعليه تذكار آلامه وصلبه وقيامته، ليؤكّد لنا أن الموت لم يكن موته بل موتنا نحن، والخطية لم تكن خطيته بل خطيتنا نحن.

✞موت السيد المسيح ليس كأى موت آخر؛ لأن موته أبطل عز الموت وداسه وسحقه لأن موته محيى.

✞حمل السيد المسيح خطايا البشرية فى بشريته الخاصة ودفنها فى قبره، ثم قام حيًا من الأموات وأبطل الموت وأنار الحياة والخلود.

✞تجرّأ الموت وابتلع ثمرة الحياة التى لا تموت، ابتلع الموت الحياة؛ فابتُلع الموت إلى غلبة.

✞أخذ السيد المسيح جسدًا قابلاً للموت؛ والمسيح هو الحياة الحقيقية.. لكى يبتلعه الموت فيبطل سلطان الموت بموته. وحينما قام من الأموات منتصرًا على الموت تمت أقوال النبوات “أَيْنَ شَوْكَتُكَ يا مَوْتُ؟ أَيْنَ غَلَبَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟” (1كو15: 55).

✞أراد اليهود أن يُثبتوا على السيد المسيح أنه لم يكن بارًا فزادوا فى تنكيلهم به، وزادوا فى أذاهم لجسده.. وأصرَّوا أن يموت مصلوبًا. فكانت مقاييس اليهود فاشلة؛ لأن الله أقام يسوع من الأموات ماحيًا اللعنة، مظهرًا برِّه الذى بواسطته يتبرر الذين يؤمنون به.

✞السيد المسيح حينما ارتفع على الصليب ودفع ثمن خطايانا؛ منحنا الحياة جاذبًا إيانا نحو الحياة والقيامة بالخلاص الذى صنعه من أجلنا. إننا مدعوون لحياة البنوة لله ولميراث ملكوت السماوات.

✞قيامة السيد المسيح هى أعظم معجزة تثبت إلوهيته. لذلك قال لليهود: “مَتَى رَفَعْتُمُ ابْنَ الإِنْسَانِ (أى متى صلبتموه) فَحِينَئِذٍ تَفْهَمُونَ أَنِّي أَنَا هُوَ (أى إنى إله إبراهيم الذى قال لموسى فى سيناء إسمى “أنا هو”)” (يو8: 28).

✞بُشرى القيامة هى بُشرى الحياة وبُشرى انتصار الحق على الظلم.

✞قدّم السيد المسيح نفسه تقدمة حب كاملة. وفىَّ العدل الإلهى حقه وغُفرت خطية الإنسان وانتصر لنا ضد مملكة الظلمة الروحية؛ لأن الموت لم يستطع أن يمسكه.

✞إن قيامة المسيح هى بقدرته الإلهية التى هى نفسها قدرة الآب والروح القدس لأن للثالوث قدرة إلهية واحدة وطاقةً واحدة.

✞فى إخلائه لذاته سلّم روحه الطاهرة فى يدى الآب، واجتذب الآب نفسه لكى يقطع حبال الهاوية ويقطع أشواك الموت. وأعلن أن الدْيَن قد وفى وأن الغضب قد زال وسُحق سلطان الموت.

✞الكرمة القديمة حواء قَبِلَت أن تُهدم أسوارها بإرادتها وأصبح الموت يبتلع كل نسلها وتطبق الهاوية فاها عليه، وحينما أخذ السيد المسيح جسدًا وقدّم الكفارة ومات نيابة عن الإنسان نبت فى الكرمة غصن جديد به ثمرة الحياة وحاول الموت أن يبتلع هذه الثمرة فلم يستطع؛ لأنها هى ثمرة الحياة وفيها قوة الحياة.

✞السيد المسيح سلَّم نفسه للموت وانتصر على الموت بالقيامة، فموته الجسدى يساوى موت البشرية الأبدى؛ لأن ذبيحته قيمتها غير محدودة.

✞لقد مجد الآب ابنه بالقيامة من الأموات لكى يعلن أن اللعنة لم تكن لعنته الشخصية بل لعنتنا نحن التى حملها نيابةً عنا ومحاها بالصليب.

✞بعد ثلاثة أيام قام الرب من الأموات وصار باكورة الراقدين ورافقت قيامته قيامة القديسين الذين قاموا بعد قيامته، وبهذا نراهم مظاهرة تهتف للحياة جاءت من العالم الآخر لتعلن أن شمس البر قد أشرق عليهم بنور خلاصه العجيب.

✞قيامة السيد المسيح بالجسد هى البرهان المنظور لانتصاره غير المنظور على الموت والجحيم وهى الدليل أن الموت لم يمسكه.

✞القيامة هى التى جعلت الشهداء يستخفون بالموت؛ لأنهم آمنوا بأن هناك حياة أخرى أعلنها السيد المسيح فى قيامته من الأموات وانتصاره على الموت.

✞هذا هو مخلصنا يسوع المسيح الذى دخل إلى حلبة الصراع، إلى المعركة الفاصلة فى تاريخ البشرية، دخل لكى يواجه الموت وجهًا لوجه، ولكى يقهره.

✞السيد المسيح مات وقام لكى لا يسود علينا الموت فيما بعد، وانتصر على الموت وقام بسلطانه الإلهى وداس على الموت بقيامته.

✞فى وسط الضعف نستطيع أن نجد القوة حاضرة.. فى وسط الضياع وحروب الخطية نستطيع أن نجد المخلص يهزم كل شهوات العالم مخلِصًا النفس بصوته الآمن. ينقصنا فقط أن نؤمن أنه هو المخلص الوحيد، وننتظر الرب كما يقول: “انْتَظِرِ الرَّبَّ. لِيَتَشَدَّدْ وَلْيَتَشَجَّعْ قَلْبُكَ وَانْتَظِرِ الرَّبَّ” (مز27: 14).

✞اللعنة الخاصة بالصليب قد مُحيت لأنه حمل لعنة خطايانا، وبموته تصوَّر اليهود أنهم قد تخلصوا من حياته لكنه قام حيًا من الأموات.

✞عند ظهور السيد المسيح بعد القيامة أظهر جراحاته للتلاميذ  ليؤكّد أنه هو المصلوب المائت والقائم.

✞كانت الحياة التى فيه أقوى من الموت الذى لنا.. أخذ الموت المتسلط علينا ووهبنا الحياة الأبدية؛ لأن الحياة الإلهية التى فيه لا يمكن أن تموت.

✞فى حماقته انتحر الموت عندما ابتلع الحياة.. انهزم وضاعت هيبته، وانكسرت شوكته، وضاع سلطانه وتبددت قوته، وغابت غلبته وافتضحت أكاذيبه. وجردت أجناده وسلاطينه.. لأنه عندما ابتلع الحياة؛ ابتُلع الموت من الحياة.

✞عندما يكون الموت ثائرًا جدًا وعاتيًا وجبارًا.. نرى السيد المسيح ماشيًا دائسًا الموت، لكى يعلن لنا أن الحياة قد أُظهرت.

✞لم يكن الحجر أو الأختام بمانع لقيامة السيد المسيح من الأموات، فهو قد قام والحجر موجود، والأختام موضوعة. وإذا وضعوا كل جبال الدنيا عند القبر كان سوف يقوم أيضًا ويخرج من القبر لأن الحق لا يُقيّد ولا يُحبس.

✞كما جاء إلى تلاميذه ماشيًا على الماء فى الهزيع الرابع من الليل هكذا أتاهم ودخل والأبواب مغلَّقة بعد قيامته باكرًا جدًا فى أول الأسبوع. عندما كان البحر هائجًا ويريد أن يبتلع السفينة (كنيسته المحبوبة) جاء ماشيًا على الماء وأنقذها. هكذا أيضًا داس على الموت وغلبه “ابْتُلِعَ الْمَوْتُ إِلَى غَلَبَةٍ” (1كو15: 54).

✞ينبغى ألا نستسلم للضعف أو للهوان والخطية بل نعرف أنه سوف يأتى حتى ولو تأخر ولكنه لن يتركنا لكى نُبتلع فى اليم.. فى البحر الكبير. لكى نقدر أن نعبر محنة الصليب إلى أن تأتى أفراح القيامة المجيدة.

القيامة هى إعلان الحياة الأبدية، الحياة الجديدة، وهى العبور بطبيعتنا من الموت إلى الحياة.

القيامة هى إمكانية الانتصار على الموت وعلى سلطان المادة وسلطان العالم؛ وهى التحرر من كل معاناة هذا الزمان الحاضر.

القيامة هى انطلاق طبيعتنا من هبوطها ومعاناتها إلى مجدها وفرحها وانتصارها وتحررها من كل رباطات الخطية والموت.

فى القيامة انتصر الحق الذى فى السيد المسيح على مملكة الظلمة، سواء بسلطانها المنظور أو غير المنظور.

مسيحنا القدوس الغير زمنى بلاهوته، دخل إلى الزمن بتجسده من العذراء مريم؛ ثم أمسك بالزمن فى قبضته وبالأبدية فى القبضة الأخرى وجعل من الحاضر مستقبلاً، ومن المستقبل حاضرًا، فهو الحى الذى كان ميتًا ثم قام، وها هو حى إلى آبد الآبدين.

القيامة تخطت كل حدود الزمان لتُعلن أن الزمن سوف ينتهى، ولترفع الذين يئنون الآن تحت الزمان ليتطلعوا بأعينهم فى إشراقة الأبدية. وكأنهم قد اقتبلوا عربونها فى لقائهم المبهر مع الرب القائم، وقد وهب كنيسته هذا العربون فى تاج الأسرار فى إفخارستية الذبيح الحى الكائن والذى كان والذى يأتى القادر على كل شيء.

القيامة هى انطلاقة نحو الحب الذى يتدفق من عند الآب ليجعل من الماضى الحزين فرحًا للغالبين؛ ومن الحاضر الثقيل أملاً فى مستقبل جليل.

القيامة جعلت من الحاضر مستقبلاً، ومن المستقبل حاضرًا حتى تاهت عقول التلاميذ وهم يبصرون الحى الذى كان ميتًا وها هو حى إلى أبد الآبدين.

الملاك الذى ظهر ودحرج الحجر عن فم القبر وجلس عليه كان منظره كالبرق وثيابه بيضاء كالثلج، وهذا الظهور يعطينا فكرة عن أنوار السماء وأنوار الأبدية ليجذب انتباهنا للحياة الأبدية.

فى القيامة تتلامس البشرية مع حنان الله وحبه الذى يحررها من مخالب الموت. وتتلامس مع حقيقة الحياة الخالدة والأبدية التى يقدمها لها بكل سخاء ومحبة.. إشراق فجر جديد، إشراق حقيقة جديدة تلامست معها البشرية وعاشتها.

بالقيامة قد أشرق فجر جديد على البشرية… فالموت ظلمة والحياة نور، الجهل ظلمة والمعرفة نور، عدم الإيمان ظلمة والإيمان نور، الباطل ظلمة والحق نور، الخطية ظلمة والبر نور.

الحياة الأبدية التى كانت عند الآب وأُظهرت لنا هى حقيقة القيامة؛ فقد أشرق النور للبشرية.

القيامة تجعلنا نحيا بالفرحة التى ألهبت قلوب التلاميذ فكرزوا بقيامة السيد المسيح فى كل مكان. وكانت القيامة فى قلوبهم نورًا ساطعًا ينير طريقهم ويشرق فى حياتهم.

لقد جمع السيد المسيح العالم الآخر مع العالم الحاضر بقيامته المجيدة من الأموات، حيث كرز للأرواح التى فى السجن ليقودهم فى موكب نصرته إلى الفردوس، وبعضهم قاموا مؤقتًا ليشاركوه فى أفراح وبُشرى قيامته المجيدة.

عيد القيامة هو عيد الحياة الجديدة.. عيد النصرة.. عيد النور .. عيد الحقيقة.. عيد النجاح والفطنة. عيد العريس السمائى الذى اشترى عروسه المحبوبة بأغلى ثمن.

فى القيامة لم يعد الأمر مجرد أن يرى القديسون المواعيد من بعيد ويصدّقوها، بل صارت حقيقة يتلامسون معها ويتحِدون بها سرائريًا، وتُرى فى أعماقهم، وترتفع بهم فوق الزمان والمكان عندما يتناولون عربون الأبدية فى سر الشكر.

إن القديسين لن يدخلوا فقط إلى ملكوت السماوات، بل هم أنفسهم (بمُلك السيد المسيح عليهم)؛ سوف يشكلون جزءًا من هذا الملكوت. فلنسرع إذًا فى عناق الأبدية مع عريسنا السمائى بحياة الاستعداد الدائم.

فى كل صباح جديد نتذكر القيامة، ونتذكر مراحم الله فى إعلان المصالحة التى تمت على الصليب وأُظهرت بالقيامة.

قيامة السيد المسيح قد فجرت النور، وبددت الظلمة، ونزعت الحزن، وأرهبت الحراس بواسطة الملاك النورانى الذى دحرج الحجر”فَمِنْ خَوْفِهِ ارْتَعَدَ الْحُرَّاسُ وَصَارُوا كَأَمْوَاتٍ” (مت28: 4).

نحن نفرح بقيامة السيد المسيح من الأموات؛ لأنه هزم الموت وانتصر عليه، ولأنه رئيس السلام، ورسالة سلام من الله إلى العالم.

القيامة هى إعلان للقديسين عن انتصار الحق.

فى أول الأسبوع فجر الأحد قام الرب من الأموات قاهرًا الموت الذى قتل الجميع. وبهذا أكمل الرب عمله الذى عمل خالقًا وفاديًا إذ أنار الخلود والحياة مُظهرًا الحياة الأبدية التى كانت عند الآب.

بالقيامة أشرق فجر جديد على حياة البشرية. والكنيسة المحبوبة قد استراح قلبها حينما أبصرت مخلصها وقد قام من الأموات وفرح التلاميذ إذ رأوا الرب.

لقد استراح قلب الكنيسة فى يوم الأحد، واستراح قلب الله أيضًا عندما دبت الحياة فى جسم بشريتنا “وَصَار بَاكُورَةَ الرَّاقِدِين” (1كو15: 20). لهذا صار يوم الأحد هو اليوم الذى استراح فيه الرب.

الراحة الحقيقية هى فى المصالحة بين الله والإنسان. وهى المسألة التى أُعلنت بجلاء فى تحرر البشرية من سلطان الموت إلى الأبد. وبُشرى القيامة قد أنارت الحياة والخلود “أُظْهِرَتِ الآنَ بِظُهُورِ مُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، الَّذِي أبْطَلَ الْمَوْتَ وَأَنَارَ الْحَيَاةَ وَالْخُلُودَ بِوَاسِطَةِ الإِنْجِيلِ” (2تى1: 10).

سر قوة المسيحية أنها خرجت لتحمل بشرى عودة الحياة مرة أخرى بواسطة الخلاص الذى صنعه الابن الوحيد بموته المحيى وقيامته حيًا من الأموات.

القيامة أعلنت أن الآب قد منح الحياة الأبدية التى كانت فى قلبه وأُظهرت لنا فى ابنه.

“المسيح قام….حقًا قام”. ما أجمل هذا الهتاف الذى تردده الأجيال فى ثقة.. هذا هو الحق الذى أعلنه الله فى شخص ابنه الوحيد الذى قال عن نفسه: “أَنَا هُوَ الطَّرِيقُ والْحَقُّ وَالْحَيَاة” (يو14:  6).

القيامة أعلنت المصالحة غير المنظورة بين الله والإنسان التى أكملها الابن الوحيد بطاعته الكاملة على الصليب، وبتقديم ذبيحة نفسه كفارة عن خطايانا.

البشرية لم تتلامس مع مسامحة الله الآب إلاَّ عندما أقام ابنه المتجسد. وفرحت الكنيسة بقيامة عريسها وبرضا الآب عنها؛ لأن السيد المسيح هو باكورة الراقدين.

مجيء السيد المسيح هو رسالة السلام التى أرسلها الله إلى العالم حيث تمم المصالحة بين الله والإنسان. وعندما قدّم نفسه ذبيحة حُب للتكفير عن خطايا البشرية قام منتصرًا وصار باكورة الراقدين.

القيامة هى عربون الوارثين.. طريق المفديين.. تسبحة المرنمين.. وإشراقة المنيرين.

القيامة هى فرح القديسين.. خزى الشياطين.. وهى قوة المجاهدين.

القيامة بددت ظلام الظالمين، وأنارت العقول والقلوب.

القيامة هى برهان صدق تعليم السيد المسيح أنه هو ابن الله الوحيد الجنس بالولادة. أى إنه بنفس جوهر الآب وطبيعته من حيث لاهوته. كما أنها أثبتت قداسته من حيث ناسوته وأنه هو قدوس القديسين.

بُشرى القيامة هى النور الذى نشرته الكنيسة فى كل ربوع الأرض، وعاشت به وسط ظلمات هذا العالم..

الحق المرذول أشرق مع فجر جديد ليمسح كل دمعة من عيون القديسين؛ ويملأ عيونهم ببهائه وليزيح إلى الأبد أستار الظلام.

القيامة هى بُشرى الحياه، وبُشرى المصالحة، ودعوة إلى الحب من كل القلب.

القيامة هى ينبوع القوة فى حياة الإنسان المسيحى.

المولود من الله قبل كل الدهور، جاء فى ملء الزمان لكى ينتصر لنا على الموت، ولكى يعلن لنا فجر جديد فى حياة البشرية.

النور قد أشرق بالقيامة “اَلشَّعْبُ السَّالِكُ فِي الظُّلْمَةِ أَبْصَرَ نُورًا عَظِيمًا. الْجَالِسُونَ فِي أَرْضِ ظَلاَلِ الْمَوْتِ أَشْرَقَ عَلَيْهِمْ نُورٌ” (إش9: 2).

حينما تلامست الكنيسة مع حقيقة القيامة؛ استطاعت أن تخرج لكى تنشر الإنجيل بقوة الكلمة. وكانت الكلمة أقوى من كل الأسلحة الموجودة فى العالم وانهارت الوثنية أمام قوة الشهادة بقيامة المسيح.

فى صباح أحد القيامة أشرق النور الذى لن يغيب أبدًا.

القيامة هى الحياة الجديدة التى لا يغلبها الموت.

إن الرب لا بد أن يأتى إلينا مهما هاجت أمواج البحر، ومهما هددنا الموت ولكن رجاءنا لا يمكن أن يسقط أبدًا بل نكافح مع الأمواج، ونجاهد كما يقول الكتاب “لَمْ تُقَاوِمُوا بَعْدُ حَتَّى الدَّمِ مُجَاهِدِينَ ضِدَّ الْخَطِيَّةِ” (عب12: 4) إلى أن يأتى السيد ليُسكت الأمواج ونشعر بالسلام الذى لا يستطيع أحد أن ينزعه.

بالقيامة أشرق نور لم تستطع الشياطين أن تقف فى طريقه؛ بل تهرب الظلمة وتنهزم أمامه.

وعد القيامة كان هو مصدر العزاء. لأن الذى مات بحسب الجسد كان هو الحى الذى لا يموت الذى قهر الموت بسلطان لاهوته، وقام منتصرًا من الأموات. وهذا هو العزاء والفرح بالخلاص.

مَن يجتاز مع السيد المسيح رحلة آلامه من جثسيمانى.. إلى الجلجثة.. إلى جبل الصعود؛ تحيا أفكاره معه فى السماويات ويفرح بقيامته المجيدة.

السيد المسيح مات معنا ليشترك معنا فى موتنا ويشركنا معه فى قيامته ويعطينا حياه أبدية.

فى عمق آلام الصليب، يفجر الله فى داخلنا بهجة القيامة. ويتحول الموت إلى حياة.

المجد لا يراه من باعوا المجد. والوجود الحقيقى لا يراه من باعوا وجودهم للباطل الزائل. والرب القائم لا يراه من رفضوا قيام الحق فى حياتهم وأحكامهم.

مَن يعيش بمشاعر مَن صُلب مع المسيح ومات واشترك معه فى موته؛ يستطيع أن يتمتع بقيامته.

كل مَن يموت عن الخطية يبشر بموت السيد المسيح، ومَن ينتصر على الشر يبشر ويعترف بقيامته، ويكون نورًا للعالم، ويعلن قوة القيامة فى حياة شعب الله المفديين.

المحبة التى تبذل نفسها بلا حدود، والتى لا تستطيع أن تتجاهل الآخر هى شركتنا مع المسيح القائم؛ لأن الصليب هو منهجها المؤدى إلى مجد القيامة.

لا يستطيع أحد أن يعيش الفرح الروحى؛ إلاَّ إذا كان المصلوب الذى غلب الموت وأنار الحياة والخلود أمام عينيه دائمًا.

من يُقدِّم قلبه عطية حب للسيد المسيح، وحياته كرداء يلتف به السيد المسيح مثل الكفن.. يرتاح السيد المسيح فى داخله، ويعلن به صورة آلامه وقيامته المجيدة.. من خلال حياة تعلن طهارة وبر السيد المسيح الكامل وقيامته المجيدة من الأموات.

مجد القيامة وأفراحها سببه الصليب. فبينما نحن نسلك حاملين صليب ربنا يسوع المسيح نكرز بقوة قيامته المجيدة.

بالقيامة تغيرت صورة البشرية من صورة ممزقة ضائعة يسيطر عليها الموت؛ إلى صورة تنهض فيها البشرية لكى تسترد كرامتها مرة أخرى.

لولا الصليب لما ظهرت القيامة؛ فأفراح القيامة كان سببها الصليب والسياط والموت.

كل من يرفع عينيه إلى فوق وهو تحت الصليب يرى الدم المسفوك وجراحات الحبيب؛ فيعرف قيمة الحب الإلهى، فيبصر الحمل واقفًا على قدميه، فهو القائم المذبوح، فيدرك إنه هو المذبوح القائم ويرى القيامة من خلال الصليب.

السيد المسيح بصليبه وقيامته هو صخر الدهور الذى عنده تتحطم كل مؤامرات الشياطين وكل محارباتهم.

مَن يتخلى عن أفراح العالم الزائلة والباطلة؛ لابد أن يفرح ويتعزى فى الأبدية، حيث لا حزن ولا دموع لأن أفراح القيامة تعقب دائمًا أحزان الصليب.

ابن الله الوحيد الجنس بجسده المصلوب القائم من الأموات، جاء لكى يفتح لنا كنوز محبة الله ويعلنها لنا، وهذه هى الحياة الأبدية التى أُظهرت لنا.

إن الأبدية لن تكفى للتأمل فى عظم صنيعك معنا يا إلهى، وفى محبتك غير الموصوفة.

قيامة السيد المسيح تشفى الجراح، وتقيم البشرية من سقطتها ولكن ذلك لمن يقبل محبته وخلاصه.

اختطف آدم قضية الموت لنفسه ولجميع نسله. أما السيد المسيح فاختطف الحياة لآدم ولجميع أولاده المؤمنين، وصار قائدًا لمسيرة الحياة نحو المجد والملكوت لكل من يطيعه ويقبل عمله فيه ويقبل نعمته الإلهية المُخلِّصة.

السيد المسيح قدّم الحب فاستحق أن يُحَب.. وصار محبوبًا كعريس للكنيسة، تحبه العروس وتبذل نفسها من أجله فى فرح.

مَن يُقدِّم رداء حياته ومغارة قلبه لكى تصير فيها أنوار القيامة ومجدها؛ يفرح مع السيد المسيح فى مجد ملكوته.

كل إنسان يشترك مع السيد المسيح فى موته يشترك معه أيضًا فى قيامته. يموت معه فى المعمودية حيث يقطع الإنسان العتيق وتحيا النفس فى استنارة روحية على صورة الله ومثاله وفى هذا موت وقيامة.

الإفخارستيا تجعل ذبيحة الصليب حاضرة فوق الزمان وعبر الزمان، بل تجعل الأبدية كلها حاضرة عندما نتمتع بالاتحاد بالسيد المسيح حياتيًا كعربون للأبدية، ونعيش فى الإفخارستيا آلام الرب يسوع وموته وقيامته وصعوده ومجيئه الثانى.

القيامة هى فرحة الحياة التى لا يغلبها الموت فى المسيح يسوع.

الله يُعلن أسرار اللاهوت وسر الثالوث القدوس فى بساطة كاملة للقلوب الوديعة المتواضعة التى تحيا حقيقة القيامة وقوة الروح.

الأمور الفائقة للطبيعة تحتاج إلى إعلان فائق للطبيعة؛ لذلك سيعطينا الله فى القيامة من الأموات فى اليوم الأخير جسدًا فائقًا للطبيعة حتى نستطيع الدخول إلى الملكوت.

أعظم معجزة صنعها السيد المسيح فى خدمته على الأرض هى قيامته المجيدة من الأموات بسلطانه الإلهى. هذه هى القيامة التى قال عنها بولس الرسول: “لأَعْرِفَهُ وَقُوّة َقِيَامَتِهِ، وَشَرِكَة آلاَمِهِ مُتَشَبِّهًا بِمَوْتِه” (في 3: 10)

السيد المسيح هو ابن الله بالحق والمحبة، فلنعيّد حقًا بقيامته طارحين كل أحزان العالم الحاضر؛ لأن الحياة قد أُظهرت.

مَن يحفظ السبت الجديد، يوم الأحد، يوم الرب؛ فهو يعيّد مع السيد المسيح حافظًا كل أيام حياته عابرًا الزمن حيث عربون الأبدية.

فى القيامة صارت المواعيد حقيقة يتلامس معها القديسون ويتحّدون بها، وتسرى فى أعماقهم، وترتفع بهم فوق الزمان والمكان عندما يتناولون عربون الأبدية فى سر الشكر بقوة النعمة الفائقة للطبيعة العاملة فى السر والتى تجعل البشارة بالقيامة هى تسبحتهم المُعاشة.

القيامة هى الجانب الملموس لمجد الصليب.. ففى الصليب قوة المحبة الباذلة. أما فى القيامة فتظهر المحبة الحاضرة التى تمنح لقابليها فرصة التعبير عن فرحهم وتقديرهم وامتنانهم.

حينما قام السيد المسيح من الأموات حدثت زلزلة. وهذه الزلزلة هى ما تفعله قيامة السيد المسيح؛ باعثة فينا الحياة الجديدة مع إشراقة صبح جديد لتعلن عهد جديد.

حدث الزلزال مرتين.. المرة الأولى عندما سلّم السيد المسيح الروح فى يدى الآب، والثانية حينما قام من الأموات.

الزلزال الأول هو سحق الموت وإيفاء العدل. والزلزال الثانى هو انتصار الحياة والاغتناء بالخيرات.

فى المسيح الذى هو الحق القائم من الأموات. الأبدية قد صارت حقيقة يلمسها الأحباء ويشهدون لها غير مبالين بكل ما أحاطهم من أخطار، ومستهينين بالموت الذى اهتزَّ سلطانه وبَطُل عزَّه.

قيامة السيد المسيح رفعت بصيرة الإنسان نحو السماويات، وأعادت له الصورة التى خُلق عليها.

القيامة جعلت النفس قادرة أن تتنسم عبير الأبدية، وتتطلع نحو النور الذى لا يُدنى منه، وتتذوق حلاوة الملكوت.

بالمسيح القائم من الأموات نستطيع أن نغلب الموت ونتحرر من الخوف ونتغنى قائلين “أَيْنَ شَوْكَتُكَ يَا مَوْتُ؟ أَيْنَ غَلَبَتُكِ يَا هَاوِيَةُ؟”  (1كو15: 55).

قلبت القيامة حياة البشر من اليأس إلى الرجاء.. من الكآبة والحزن إلى الفرح والتهليل.. من الإحساس بالضياع إلى الإحساس بالخلود والاستمرار.

القيامة هى الانتصار على الشر، وهى انتصار الحق على الظلم. فمهما كان الظلم قويًا؛ لابد أن ينتصر الحق عليه؛ لأن الحق لا يُذبح أبدًا، ولا يُداس ولا يُقيّد. الحق الذى فى المسيح ظل حيَّا حتى عندما ذبحوا جسده، لهذا نسبحه ونقول: “قدوس الله قدوس القوى قدوس الحى الذى لا يموت: الذى صُلب عنا… الذى قام من الأموات: ارحمنا”.

القيامة هى هدية يقدّمها الرب للذين يؤمنون باسمه، أى الذين قبلوا محبته وآلامه على الصليب.

المسيح القائم الجزء 02 - القيامة - الأنبا بيشوي.jpg

المسيح القائم الجزء 02 - القيامة - الأنبا بيشوي مطران دمياط و البراري

القيامة والرد على الشكوك - القيامة - الأنبا بيشوي.jpg

القيامة والرد على الشكوك - القيامة - الأنبا بيشوي مطران دمياط و البراري

سلسلة القيامة - الأنبا بيشوي مطران دمياط و البراري
سلسلة القيامة - الأنبا بيشوي مطران دمياط و البراري