القديس المطوب الانبا انطونيوس ابو الرهبان -الشماس الاكليريكى مدحت عدلى الطحاوى

الرئيسية » كتب » أدب مسيحي » سير قديسين وشخصيات » القديس المطوب الانبا انطونيوس ابو الرهبان -الشماس الاكليريكى مدحت عدلى الطحاوى

آخر تحديث: 20 نوفمبر 2018

البياناتالتفاصيل
إسم الكاتب
تقييم الكتاب
Arabic
- مشروع الكنوز القبطية

تحميل الكتاب

إنتبه: إضغط على زرار التحميل وانتظر ثوان ليبدأ التحميل. الملفات الكبيرة تحتاج وقت طويل للتحميل
رابط التحميلحجم الملفمرات التحميل
0.41MB[download_count]

 

1 – مقدمة :

حقا وبدون مبالغة او مغالطة كان هذا الرجل العظيم العملاق فى الروحيات والنسكيات كان كوكبا للبرية التى استضاءت به برية مصر بل كان كوكبا لجميع براري وصحارى العالم فقد حول الصحارى القاحلة المظلمة الى فردوس متوهج بالنور فكان يعيش فى البرية كأنه احد الملائكة نزل وعاش فى البرية فكانت البرية لا تستحق وطأة قدميه لعظم شأنه وقدره وكان القديس العظيم الانبا انطونيوس ( او انطونى هو الاسم القبطى له ) هو نبراس هذا العصر وهو أغنى الكنيسة بتعاليمه الدسمة فقد أسس الرهبنة التى كانت وستظل حضن امان للكنيسة كلها فى مدها دائما بأعظم القديسين والتعاليم المقدسة والمدافعة عن الإيمان المسيحى فهيا حصنا عظيما فى الكنيسة الجامعة وليس فى مصر فقط .

– فقد كان ابا للرهبان فى مصر والعالم او بمعنى اخر ابو الرهبنة فقد ذكر عنه فى دائرة المعارف البريطانية ( أول راهب مسيحى , وأنه اب الرهبنة المسيحية )

ويقال عنه ايضا ( ان هذه السيرة قد بعثت تأثيرا قويا فى كل ارجاء العالم وهى التى أشعلت شعله الرغبة النسكية فى روما وفى كل الغرب ) فقد تأثر بها جيروم الى حد بعيد , وهى التى أيقظت فى اوغسطينوس فكرة ترك العالم وتكريس نفسه كلية لله مع الفرق فى حياة اوغسطينوس فلم يعش فى الصحارى مثل الانبا انطونيوس العظيم لكن يمكن ان نجزم هنا ان حياة الانبا انطونيوس كانت هى الباعث على حياة الرهبنة النسكية . واقتفى اغسطينوس اثره فى إخضاع الارادة الانسانية للارادة الالهية وقد اخذ صفارة من كلام انطونيوس ” لا يتوهم انسان ان بلوغ الكمال بعيد المنال او غريب من طبيعته البشرية . فالناس يركبون البحار ليتمكنوا من دراسة الفلسفة اليونانية . اما مدينة الله فهى داخل القلب البشرى والعلاج الذى يتطلبه الله كائن داخل كل فرد منا ولا يتطلب ان تخضع إرادتنا للارادة الإلهية .

وفى سيرته يقال عنه انه منذ صغره كان محبا للعزلة ولم يصاحب احد من الأطفال فيمكننا ان نقول هنا ان الله قد استغل هذه الانعزالية فيه ليخلق فيه هذا الشخص الملائكى العظيم كما فى الاية ” قصبة مرضوضة لا يقصف وفتيلة مدخنة لا يطفأ ) فاستغل الفتيلة المدخنة وهى انعزاله منذ صغره فى اختياره كان مختارا للرب , فأشعل الله هذه الفتيلة لكى تصبح شعله ومصباح لينير للبشرية كلها .

2- كاتب سيرة حياة القديس العظيم الانبا انطونيوس

هو القديس العظيم المبجل البابا اثناسيوس الذى اطلقت عليه الكنيسة لقب الرسولى لقوة حجته ومكافحته الشديدة ضد الاريوسيين فلم ياخذ هذا اللقب احد قبله او بعده الا بالطبع الرسل . اذن هذين العظيمين قد سما بهما الى اوج العظمة والرفعة والكرامة هو عامل واحد وهو الروح القدس المعزى ( الباراقليط) وكان البابا اثناسيوس يعاصر الانبا انطونيوس وكان يفتخر بانه تتلمذ على يديه الطاهرتين منذ حداثته .

فكتب سيرته فى منفاه فى تريف ونشرها فى الغرب وكانت هى التى اشعلت هناك فى الغرب وأوربا كلها حب الرهبنة والوحدة وايضا كل الشرق وكل العالم اجمع

3- ميلاده ونشأته

قد ولد الانبا انطونيوس فى سنة 251 م وكان مصريا . وولد فى كوما , كوما هى ألان بلدة قيمن العروس قرب بوش تابعة لمركز الواسطة محافظة بنى سويف . وهى تقع فى منطقة غنية بالاثار الفرعونية فشمالها هرم سقارة وجنوبها هرم دهشور . ويقال ان دير الميمون واقع فى الضفة المقابلة ضفة النيل المقابلة لقمن العروس .( وقد ذكر هذا الكلام المؤرخ الكنسى سوزمين فى تاريخه 1 : 13 )

ولد لوالدين مسيحيين فاضلين مؤمنين فربياه على الايمان القوى ( ذكر فى احدى المراجع ان اسم ابيه يحنس وامه جيوش) وعلى مبادئ الانجيل فشب على ذلك وأحب الفضيلة والعزلة ولم يدخل اى مدارس للتعلم فقد انعزل واحب العزلة عن الناس وقد تعود ان يذهب مع والديه الى الكنيسة وكان مطيعا لوالديه . وكانت اسرته غنية فكانت تمتلك ثلاثمائة فدان من اجود الاراضى . ورغم انه لم يتعلم فى مدارس الا انه ترك لنا الكثير من الكتابات والاقوال تشهد له على مقدرته وتضلعه فى القداسة فكان يعلمه فى البرية الملائكة الاطهار .

4- وفاة والديه  وزهده فى العالم :ـ

وعندما توفى والديه ابيه وامه كان عمره حينئذ من 18 الى عشرين عام . فتركوا له ثروتهم الكبيرة . وكان له اخت صغيرة فتركوا عليه مسئولية ادارة الاملاك وتدبير البيت ورعاية اخته وتربيتها تربية صالحة . وكان يفكر كثيرا فى حياة الرسل وكيف تركوا كل شئ وتبعوا المخلص المسيح وكيف كان المؤمنين فى عهد الرسل يبيعون كل ممتلكاتهم ويأتون بأثمانها ويضعونها عند أرجل (أقدام) الرسل لكى يوزعوها على المحتاجين .

وحدث فى يوم الاحد بعد وفاة والديه بستة اشهر كان ذاهبا هو وأخته لبيت الرب ( الكنيسة ) وكان فكره مشغول بالافكار السابقة وكان الإنجيل يقرا حينما دخلوا فسمع الشماس يقرا (ان أردت ان تكون كاملا فاذهب بع كل ما لك واعطه للفقراء وتعال اتبعنى فيكون لك كنزا فى السماء  (مت 19 :20 ) فحسبها انطونيوس انها صوت الله له هو خصيصا فللحال خرج من الكنيسة وعزم فى نفسه ان ينفذ هذه الاية وقد دخل مرة اخرى فسمع الانجيل يقول ( لا تهتموا للغد ) ( مت 6 : 34 )

هذه الوصية السيدية التى أرسلها له المسيح الذى يختار لنا الصالح . فعندما ذهب للمنزل اتفق مع اخته على ذلك أعطاها جزءا من الميراث ووضعها فى بيت للعذارى التى كانت فى هذا العصر منتشرة بعض الشئ وأوصى عليها رئيسة هذا البيت وكانت هذه البيوت للعذارى كان من العصر الرسولى الى ذلك العصر يجتمعن فى بيت واحد ويعشنا للعبادة والانفراد ومنعزلات عن سواهم للتأملات . فاطمئن على أخته اما انطونيوس فاخذ يبيع كل ممتلكاته ويوزعها على الفقراء والمعوزين وعندما فرغ من هذا خرج وذهب خارج المدينة وسكن بمنزل تظلله شجرة جميز كما فى بستان الرهبان الذى يحوى قصة تختلف بعض الشئ من قصة البابا اثناسيوس على انه خرج من بيته بعد موت ابيه مباشرا وليس كما هذا انه بعد ستة اشهر ولم نذكرها حتى لا يتشتت فكرنا هذا ).

وقال اثناسيوس انه تفرغ اولا للعبادة خارج بيته ثم بعد ذلك ابعد نفسه عن اقاربه ومعارفه وخرج خارج المدينة وكان قد علم ان الذى لا يعمل لا ياكل ايضا كان يقتات اكله من عمل يديه فكان يعمل قففا وحصرا ويقتات بثمنها وان فاض منه يوزعه على الفقراء وكان فى هذه الايام لا يوجد اديرة او رهبان فانفرد وانعزل فى مكان ليس ببعيد كما سبق ذكره وصار يقمع جسده وشهواته وروض جسده للنمو فى حياة الفضيلة والطهارة واخذ ينموا يوما بعد يوم

ولم تكن معروفة الاديرة فى هذا الزمن بل كان الأتقياء الذين يريدون العزلة والزهد فى العالم كانوا يبتعدون قليلا عن المدن والقرى ويسكنون بعيدا عن الناس ويمكثون فى عبادة ونسك

فاخذ انطونيوس يتجول فى كل مكان يبحث عن هؤلاء النساك لكى ياخذ منهم الفضائل ويكتسب منهم اشياء عن النسك والزهد الذى سلكوا به فكان النحلة النشيطة التى تجمع رحيقها من اشكال وانواع الازهار المختلفة فكان يقضى نهاره كله فى البحث عن هؤلاء واكتساب الفضائل منهم فاذا سمع على رجل صالح فى مكان معين كان يسرع له ولا يتركه الا ان يتزود منه الفضيلة . فاخذ من هؤلاء الانقياء كثيرا فاحدهم اخذ منه الصبر واخر اخذ عنه الطاعة واخر اخذ عنه التواضع واخر صلاته بلا انقطاع واخر كثرة دراسته وقراءته وكان يتعلم كل هذا منهم واتخذ من بينهم شيخا معلما له ومرشدا وكانوا يحبونه هؤلاء النساك الأتقياء وايضا الناس التى قريبة من سكنه فى خارج المدينة او قريته وكان يحفظ فصل الانجيل بمجرد قراءته عليه مرة واحدة فكانوا يقيمونه ويطلقوا عليه ( حبيب الله ) وكان مثابرا على الصلاة بلا انقطاع فى السر .

5- حروب الشياطين الشرسه عليه :ـ

وبعد نموه المتزايد فى الفضيلة والنسك حسده الشيطان الذى هو عدو كل صلاح فلم يتحمل ان يرى مثل هذا الشاب المثابر على الفضيلة فاخذ يشن عليه حربه الشديدة عليه لكى يثنيه عن هذا الطريق فحاربه بهمسه بالأفكار الرديئة فتارة يهمس فى فكره عن ثروته التى تركها وتارة اخرى يقوده الى الندم على تركه أخته الصغيرة وعدم عنايته بها وتارة محبة المال ومحبة المجد وملذات الطعام وغيرها من تنعمات الحياة وأخيرا صور له صعوبة الطريق الذى هو سالك فيه وهذه خزعبلات كانت فى النهار اما فى الليل فكان يحاربه ضد عفته فكان يظهر له فى شكل امرأة جميلة وقلد حركاتها لإغوائه وكان يظهر له فى صور أشباح مخوفة جدا ومرعبة للغاية كان السابق من امر الشيطان لإغواء انطونيوس وإسقاطه وإرجاعه عن هذا الطريق اما القديس انطونيوس فقد واجه كل هذه الهجمات الشرسة من عدو الخير بأسلحته ( سلاح الله الكامل ) فامتلأ عقله ووجدانه بالمسيح وقد فكر فى روحانية النفس وبصلواته الكثيرة المستمرة واخذ يردد فى فكره فردوس النعيم وايضا تهديد الله بالنار جهنم والدود الذى لا يموت وبإشهاره سلاح الله الكامل امام وجه خصمه فقد جاز التجربة دون ان يمس بأذى . ولأن الرب كان يعمل مع انطونيوس الرب الذى من اجلنا اخذ جسدا ووهب الجسد نصرة على ابليس حتى يستطيع كل من يحارب باخلاص ان يقول : ” لست انا بل نعمة الله التى معى ”

( 1 كو 15 : 1) وقد انتصر على الشيطان . واعترف الشيطان بهزيمته امامه وظهر له كولد اسود وقال له :” لقد خدعت كثيرين وطرحت كثيرين ولكننى برهنت على ضعفى اذ هاجمتك وهاجمت كل جهودك وأتعابك كما هاجمت كثيرين غيرك ” فسال انطونيوس ” من انت يا من تتكلم هكذا معى ” فأجابه بصوت حزين أسيف : انا صديق الزنى وانا ادعى روح الشهوة . وما أكثر العفيفين الذين خدعتهم باغراءاتى وانا الذى يقول عنى النبى ” روح الزنى قد اضلكم “. (هـ4 : 12 ) وانا الذى ضايقتك كثيرا وغلبت منك كثيرا .

اما انطونيوس فشكر الله وقال له ” اذ فانت حقير جدا لانك اسود القلب وضعيف كطفل ومن الان فصاعدا لن اجزع منك ” لان الرب معينى وانا سأرى باعدائى ” ( مز 118 : 7 ) فهرب الشيطان من امامه مخزيا .

6- انتصاره على الشيطان وزيادة نسكه :ـ

وبعد انتصاره هذا على الشيطان فقد كانت هذه النصرة عمل المخلص فيه كما قيل فى ( رو 8 : 3 , 4 ) دان الخطية فى الجسد لكى يتم حكم الناموس فينا من السالكين ليس حسب الجسد بل حسب الروح ” وقد تعلم من الكتب ان مكايد إبليس كثيرة ( اف 6 : 11 ) فزاد فى نسكه وتفانى إذلال جسد لانه كان يعلم ان لإبليس طرق كثيرة وفخاخه كثيرة فاذا لم ينجح معه فى خداعه بالملذات الجسدية فيمكن ان يصطاده بوسائل وخدع اخرى . فاخذ يقمع جسده ويستعبده اكثر فاكثر . فيمكن للشيطان ان يدخل له من ناحية انه أقدس الناس كلها ويدخل له نوع من الكبرياء والتعالى ولكن القديس انطونيوس كان يطرد هذه الأفكار الشريرة من عدو الخير وقد اعتزم ان يدرب نفسه على حياة اشد صرامة فكان كل يوم يزيد من زهده وتقشفه وكان يحتسب كأن كل يوم هو أول يوم له فى هذه الحياة الانفرادية . فكان يسهر طوال ليله يصلى وكان يأكل مرة واحدة فى اليوم بعد الغروب وفى بعض الاحيان يأكل مرة كل يوم كامل 24 ساعة وفى بعض الاحيان مرة كل يومين واحيانا كل ثلاثة ايام وأحيانا كل اربعة ايام وكان طعامه من الخبز والملح وشرابه الماء القراح لا غير فقط  اما عن اللحم والخمر فكان حتى مجرد الكلام عنهما يعد نزفا . وكان ينام على حصير خشن وغالبا كان ينام على الأرض عارية وكان يلبس المسح كثوب ورداء من جلد الشاه فوقه وابى ان يدهن نفسه بالزيت قائلا لا يليق بالشبان ان يكونوا جادين فى التدريب دون ان يطلبوا ما يلطف الجسد بل يعوده على العمل كما قال بولس الرسول فى (2 كو 12 : 10 ) وكما قال ايليا النبى ” حى هو الرب الذى انا واقف امامه اليوم ” ( 1 مل 18 : 15 ) وقد عود نفسه على ان الناسك لا بد ان يرى حياته فى حياة ايليا النبى العظيم كما فى مرآه .

وبعد ان استمر فترة على هذه  الحال والمكان الساكن فيه خارج القرية فاخذ يضيق على نفسه فترك مكانه وذهب الى المقابر وانفرد فى احدى القبور وحبس نفسه فيها وكانت لا تبعد عن ناحية الميمون ( الميمون هى بلدة على ضفة النيل بمحافظة بنى سويف وهى كانت مقابلة لقريته التى ولد بها والميمون الان بها دير للأنبا انطونيوس فى المكان الذى سكن فيه ) وحدث ان فى احدى الليالى اتاه جمع من الشياطين واخذوا يضربونه بجلدات ومزقوا جسده حتى القاه على الارض فاقد النطق بسبب الآلام المبرحة لكن العناية الإلهية أرسلت فى الصباح جاء صديقه اليه ومعه الطعام لانطونيوس والخبز وفتح باب القبر ووجده ملقى على الأرض بين حى وميت , فرفعه واتى به الى الكنيسة فى بلدته قريته والتفوا حوله أقاربه ومعارفه وفى نصف الليل استفاق انطونيوس من غيبوبته وتوسل لصديقه الصالح ان يرجعه مرة اخرى لمكان عبادته وهو المقابر . ففعل به صديقه واغلق باب المقبرة وصار يصلى وهو راقد لانه لم يستطع الوقوف ويرنم ” ان نزل على جيش لا يخاف قلبى ” (مز 27 :3 ) لكن الشيطان عاد له مرة اخرى فى تلك الليلة على صور وحوش كاسرة اسود ودببه وفهود ونمور وكل أنواع الزواحف وبدوا وكانهم حطموا جدران القبر الأربعة واخذوا يضربونه ويرعبونه مرة اخرى . اما انطونيوس فكان يراقبهم وقال ” لو كانت فيكم اى قوة لكان يكفى ان ياتى واحد منكم , ولكن لان الرب قد جعلكم ضعفاء فأنكم تحاولون ان تفزعونى بكثرة عددكم والدليل على ضعفكم اتخاذكم شكل البهائم غير الناطقة لكن الله عزاه فى رؤيا فقد راى السقف انفتح وظهر نور وللحال اختفت الشياطين وانقشعت الام جسده واصبح سليما  وطلب الى الرؤيا قائلا ” اين كنت ولماذا لم تظهر فى البداية لتضع حدا لالامى “. فسمع صوتا قائلا ” يا انطونيوس لقد كنت هنا , ولكننى انتظرت لارى جهادك ولانك احتملت ولم تهزم , فسأكون عونا لك ابدا , واجعل اسمك معروفا فى كل مكان ” فتعزى انطونيوس وقام يصلى .

7- توغله فى الصحراء الشرقية :ـ

وكان عمر انطونيوس وقتئذ قد بلغ 35 عام فعزم على التوغل فى البرية وقد اراد ان يصطحب معه شيخه ومرشده فلما عرض عليه الأمر رفض الشيخ لكبر سنه ولم تكن هنالك عادة لهذه فى تلك الأيام . فقصد القفار شرقى النيل وتوغل وتعمق فى البرية الشرقية . واخذ يسير فى البرية وكان عدو الخير لا يتركه فكان يعزيه الشيطان فى احدى المرات بطبق كبير فضى وغير ذلك وكان انطونيوس ينتصر عليه دائما . وتابع المسير وحدث وهو يمشى عثرت رجليه بالذهب وكان عبارة عن كنز من الكنوز المصرية القديمة ردم بالرمل فظن فى مبدأ الأمر انها خدعة من الشيطان لكن المؤكد انه كان ذهب حقيقي وكانت كمية كبيرة جدا لكنه جاز مقابله كأنه سائر فوق النار ولم يلتفت اليه بل أسرع هاربا كى لا يعود يبصر هذا المكان وعزم ان لا يمر بهذا المكان مرة أخرى ( ويذكر لنا بستان الرهبان قصة أخرى عن سبب ذهابه للبرية وهى انه عندما كان ساكن فى ناحية الميمون على النيل قد أبصر يوما امرأة عربية وقد جاءت هى وجواريها لكى تغتسل فنزلت النهر وبدأت هى وجواريها يرفعن ثيابهن لكى يستحموا فى النهر فحول انطونيوس نظره عنهن ثم قال انطونيوس لهذه المرأة اما تستحين منى وانا رجل راهب ؟ اما هى فإجابته وقالت اصمت يا انسان من اين تدعو نفسك راهب ؟ لو كنت راهب لسكنت البرية الداخلية لان هذا المكان لا يصلح لسكن الرهبان .فلما سمع هذا الكلام قال هذا صوت الله وليس صوت إنسان فخرج وتوغل فى الصحراء الداخلية ).

نرجع ونكمل سيرته . فبعد ذلك توغل اكثر فى البرية فوجد حصنا عظيما مهجورا منذ فترة  طويلة ( ويقال انه قصر فرعون بنى على حدود مصر وجعلوه كنقطة عسكرية وكان هذا المكان سواء كان حصنا او قصرا كان يمتلئ بالزحافات والافاعى فحينما دخله هربت منه فى الحال هذه الزحافات فرتب له المكان وأصلحه على قدر استطاعته وكان يأتيه وقد بنى المدخل له وكان قد اختزن مئونة تكفى ستة اشهر وكان قد اوصى صديق له ان ياتيه كل ستة اشهر بما يكفى هذه المدة من طعام اما الماء اذا كان فى هذا المكان مياها داخلة له فكان ينزل ويشرب منها وكان لا يخرج من هذا المكان قطعا وهكذا قضى وقتا طويلا لتدريب نفسه وكان معارفه ياتون اليه لكنه كان لا يأذن لهم بالدخول ويبقوا خارجا اياما وكانوا يسمعون من خارج مكان القديس اصوات الشياطين تقول (غادر مكاننا  انى لك حتى تاتى الى البرية انك لا تستطيع ان تقوى على هجومنا ) فلما سمعوا هذه الأصوات نادوا عليه انطونيوس فسمعهم واتى الى الباب ورجاهم ان ينصرفوا ولا يخافوا فرشموا أنفسهم بعلامة الصليب وانصرفوا بشجاعة .

 

8- اعطاه الله موهبة شفاء المرضى :

وبعد التجارب الكثيرة المستمرة من عدو الخير فقد عطاه الله موهبة شفاء الإمراض وإخراج الأرواح الشريرة وقد ذاع صيته وشهرته وصار الناس يتقاطرون عليه من كل مكان بعضهم لنوال الشفاء من أمراضهم وبعضهم سماع تعاليمه المقدسة اما انطونيوس فلم يكن يخرج لهم قطعا ويندر ان يراه احد وبعدما كثروا الذين يريدونه وبرغبة حارة ولجاجة حتى كادوا ان يكسروا الباب فأخيرا خرج لهم من حصنه وكان قد تغير شكله وجسمه من محاربات الشياطين او من الصوم الشديد خرج وصلى على المرضى وبواسطته شفى الرب أسقام الكثيرين واخرج الأرواح النجسة  وقد أعطيت نعمة الوعظ له فكان يلقى الوعظ على الكثيرين المسترشدين الذين يريدون سماع نصائحه الروحية وحث على تفضيل محبة المسيح عن محبة العالم كله . فلما سمعوا كلامه اقتنع الكثيرين بحياة الوحدة فقبل وتتلمذ على يديه كثير منهم وعمرت البرية بالرهبان وسن لهم القوانين وأقام منهم المئات حول حصنه وذلك فى عام 305 م وكان مضى عليه حوالى عشرين عاما وتكاثر الرهبان حوله جدا وقد كان عمره حينئذ خمسة وخمسون عام وامتلأت كثيرا من المناطق بالرهبان اولاده وكان منهم الأغنياء والفقراء لم يلبث الى فترة قصيرة حتى قامت اديرة فى نواحى ممفيس وارسينو وبابل وافروديت واماكن كثيرة وكانت كل هذه الأماكن تحت رعاية وإشراف الانبا انطونيوس . فحدث وهو يتفقد بعض الرهبان انه عبر ترعة ارسينا ( بين النيل والفيوم ) وكانت مليئة بالتماسيح فصلى وعبر منها بامان دون ان ياذى هو ومن معه من الاخوة .

9- افتقاده لتلاميذه :ـ

وكان انطونيوس ينتقل من مكان الى اخر لكى يتفقد أولاده ويرشدهم ويقويهم ويثبتهم فى هذا الطريق فكان يعظهم ويقول الاتى ( يجب عليكم ان تقرروا فى أذهانكم ان الواحد منكم يحتسب ذاته كل يوم انه ابتدأ جديدا حتى لا يكسل ولا يتراخى فالإنسان يستطيع ان يجد نعيما فى اى مكان طالما هو متعلق بالله فى قلبه والشياطين يفزعون جدا من الصلوات والصوم والسهر والتقشفات لاسيما من احتقار العالم والفقر الاختياري وكسر حدة الغضب لان هذه الفضائل تسحق رأس إبليس كما ان أسلحة محاربتنا لأعدائنا هى الإيمان الحى والسيرة النقية . والذى تعبد لله وهجر العالم وان كان ترك كل شئ حتى مجد الملوك وكنوزهم ينبغى ان يحتسب كل ذلك كالعدم بالنسبة الى السماء وان الذى تركه يجب عليه تركه بعد قليل لانه ليس بأحد دائم على الأرض وان ترك الإنسان ما لا يقدر ان ياخذه معه بعد الموت فليس امرا كبيرا . وكما ان العبد الامين اذا امره سيده بشئ لا يستعفى من عمله لاجل خدمته الماضية كذلك الرجل المتعبد لله لا ينظر ما قد فعله وانما يلتفت الى ما بقي ما يجب عليه لربه وانه لا يجازى ولا ننال الأكاليل على البداية بل على النهاية الحسنة فاكتسابه الفضيلة ليس امرا صعبا كما يتصوره الناس بل  يجب ان نلقى كل اتكالنا على ربنا يسوع المسيح وان ابليس لا يستطيع ان يضرنا ما لم نسلم له أنفسنا ) وأكمل حديثه الطويل لرهبانه والذى كان يخاطبهم باللغة المصرية فقال : ( ان السلوك فى سبيل الفضيلة هو أفضل من فعل المعجزات وان الإنسان يقدر ان ينتصر بسهولة على الشيطان اذا اخلص العبادة لله من كل قلبه بسرور باطنى روحى مستحضرا الله فى ذهنه كل حين لان هذا النور يمزق ذلك الظلام ويزيل تجارب العدو سريعا ومما يفيدنا فى ذلك النظر الى سيرة القديسين واقتفاء أثارهم  فان فيها تحريضا على الاقتداء بهم )

وقال أيضا لتلاميذه الرهبان ( ما نتركه لا يقاس بملكوت السموات لذلك لا نحسب يا ابنائى ان الزمن طويلا( لان الام الزمان الحاضر لا تقاس بالمجد العتيد ان يستعلن فينا ) ( مر8 : 18) لذلك يجب ان لا تملك على احد رغبة الامتلاك ؟ لانه اى ربح نجنيه من هذا .

–  وأكمل قوله ( لنحذر من أعدائنا الشياطين لانهم فى غاية المكر والدهاء ولنجاهد حتى لا يتملك علينا الغضب او تغلبنا الشهوة لانه مكتوب ( فى يع 1 : 20 ) ولنحفظ قلوبنا بكل حرص ( ام 4 : 23) لان أعدائنا فى غاية الدهاء كما قال بولس الرسول ليست محاربتنا مع لحم ودم بل مع الرؤساء مع السلاطين مع ولاة العالم على هذه الظلمة مع اجناد الشر الروحية فى السماويات ) ( اف 6 : 12 )

– لا مبرر للخوف من إغراءات الشيطان لانها أذا رأيت كل المسيحيين ولا سيما كل الرهبان مجدين بابتهاج ومتقدمين فإنها أولا تهجم بالتجربة ؟ وتصنع الصعاب والأفكار الشريرة لعرقلة طريقنا . وهجومها هذا يرتد سريعا بالصلاة والصوم والإيمان بالرب .

– ويجب علينا ان لا نبالى بالشياطين وحتى ان تكلمت بالحق فالرب نفسه حتى مع تكلم الشياطين بالحق لأنها بحق قالت انت ابن الله ) ( لو 4 : 14 ) كمن أفواهها ولم يدعها تتكلم لئلا تزرع شرها مع الحق ولكى يعودنا المسيح على ان لا نبالى بها على الإطلاق . بل نقتدي بالقديسين ونفعل مثلهم ونقتدى بشجاعتهم لانهم عندما يرون هذه الأمور يقولون ( عندما قام على الخاطئ صمت صمتا وتواضعت وسكت عن الكلمات الطيبة ) ( مز 39 : 1و2 ) لذلك لا ينبغى ان نصغى للشياطين لانها غريبة عنا وأيضا لا قوة للشياطين ان تفعل بنا شيئا سوى التهديد فهى ضعيفة فعندما نذكر قصة أيوب وتجريده من كل شئ لم يكن إبليس هو القوى بل كان الله الذى سلم اليه ايوب لامتحانه ولذلك وجب علينا ان نخاف الله ونحتقر الشياطين ولا نرهبها لان الحياة الصالحة والإيمان بالله سلاح قوى وعلى اى حال فهى تخشى من الصوم والسهر والصلوات والوداعة والهدوء واحتقار المال والمجد الباطل والتواضع ومحبة المساكين والصدقة وتحرير النساك من الغضب وفوق كل هذا تقواهم نحو المسيح .

واذا ادعت التنبؤ بالمستقبل وجب ان لا يلتفت اليها احد لانها كثيرا ما تعلن مقدما ان الاخوة قادمون بعد بضعة ايام فيأتون فعلا وعلى اى حال فهى تفعل هذا لا لاهتمامها بالسامعين بل لكى تنال ثقتهم وبعد ذلك قد تهلكهم اذ تستحوذ عليهم فى سلطتها .

-لذلك يجب الا نصلى لكى نعرف  المستقبل او نطلب هذه المعرفة كأجر لنسكنا بل لتكن صلاتنا لكى يكون الرب معينا لنا للنصرة على ابليس .

لذلك اذا أتتكم ليلا وقالت نحن ملائكة فلا تصغوا اليها لانها كاذبة ولا بد علينا ان نحتقر الشياطين فهى لاحتقارها هذا نهرب مباشرا .

اما عن عمل المعجزات لا يليق الافتخار باخراج الشياطين او شفاء الامراض  لان عمل المعجزات ليس بايدينا بل هو بايدى المخلص الصالح وقص الانبا انطونيوس عن تجاربه مع الشياطين وخدعها التى ظهرت له لابنائه الرهبان وانه يجب عليهم الا يخافوا منهم بتاتا .

وقد اثر هذه النصائح والإرشادات الكثيرة التى قالها الانبا انطونيوس لتلاميذه وابنائه الرهبان فالبعض زاد فى الفضيلة والبعض طرح الاهمال والتراخى جانبا ولا سيما الغرور من قلوبهم واقتنعوا بضرورة احتقار هجمات الشيطان وقد اعطى كل الوقت للروح وليس للجسد .

10- خدمته للشهداء والمضطهدين :ـ

استمر الانبا انطونيوس يجنى ويقطف الورود والزهور من بستان الفضائل فكان يوما بعد يوم يزداد وينمو فيها ويعطى ويرشد أولاده وتلاميذه الكثيرين حتى جاء زمن الاضطهاد الذى اثاره الامبراطور مكسيميانوس دازا فى عام 311م فنزل مسرعا من صومعته وعزلته هو بعض اولاده الرهبان فنزلوا الى الاسكندرية واخذ يطوف فى الشوارع والسجون والأسواق وساحات القضاء بالمدينة واخذ يعظ ويشدد ويثبت هؤلاء المعترفين ويشوقهم لسفك دمهم من اجل فاديهم . وكان فى شدة الغيرة فى ساحة القضاء لكى يبعث الهمة فى نفوس الذين دعوا للجهاد كان يخفف عليهم مسجنهم بالترتيل والصلاة ليحول سجنهم المظلم الى مكان نور وكان كلامه الروحى يخفف الامهم ويشجعهم على الاستشهاد وكان يدافع عنهم فى ساحات القضاء بقوة شديدة .

عندما شعر الوالى عدم خوف انطونيوس ورفاقه الرهبان وغيرتهم فى هذا الامر وما يفعلونه امام القضاة والسجون مع المساجين امر الوالى بعدم ظهور اى راهب فى ساحات القضاة او فى المدينة كلها على الاطلاق فاختبوا رفاق انطونيوس الرهبان اما انطونيوس فلم يبالى بامره بل قام وغسل ثوبه ووقف فى مكان مرتفع وكان ثوبه ابيض وكان هذا مزمع ان يمر عليه الوالى وكان فى ابهى مظهر فراه الوالى وهو يمر عليه وكان يقف غير خائف مظهرا استعداده للاستشهاد فكان يصلى ان ينال أكليل الاستشهاد ولما راه الوالى احترمه لشهامته وعدم خوفه لكن الرب حفظه لاجل فائدتنا وفائدة الاخرين ولكى يكون معلما ومرشدا لكثيرين عن النسك والرهبنة وهكذا خدم المعترفين وتعب فى خدمته كانه شريكهم فى الاسر .

– وعندما توقف الاضطهاد أخيرا باستشهاد البابا بطرس خاتم الشهداء وكان فى 25 نوفمبر سنة 311م فقد عاد انطونيوس الى صومعته واعتزاله وقد ابتدأ بنسك اشد صرامة فكان دائم الصوم ويلبس لباسا من الشعر من الداخل ومن الخارج فكان من الجلد واحتفظ به حتى نهاية حياته وكان لا يستحم بالماء للتخلص من القذارة ولا يغسل قدميه ولم رأى احد جسده وهو عارى الا عند دفنه .

– وكان دائم التأمل فى الحضرة الإلهية وعظمتها فكان يقضى الليل كله فى التأمل والصلاة وكان يقول عندما تشرق الشمس عليه وهو يصلى ( أيتها الشمس لماذا تعدمينى بنورك اشعة النور الالهى )

11- ذهابه للصحراء الداخلية :ـ

وفكر انطونيوس فى ترك مكانه لازدحام الكثيرين حوله وحتى لا يملأه روح الكبرياء بسبب المعجزات التى يصنعها فذهب الى النهر ليركب مركب ليذهب الى طيبة العليا لكنه اتاه صوت يقول له ( اين أنت ذاهب ) فقال أريد الذهاب الى طيبة العليا لكثرة الجموع حولى . فأجابه الصوت وحتى لو ذهبت الى طيبة لن تجد الهدوء والى بوكوليا ( فى الوجه البحرى ) فارتحل الى الصحراء الداخلية فسأله انطونيوس ومن يرينى الطريق قال له بعض الإعراب مزمعين الذهاب الى هذا الطريق فارتحل معهم ثلاث ايام وثلاث ليال ووصل الى جبل عالى جدا وكان عند سطح الجبل البحرى ينبوع ماء صافى عذب جدا وكان هناك فى سهل وقليل من النخل فانفرد فيه انطونيوس كما أشار له الله بالصوت الذى كلمه على النهر وكان ياكل من ان العرب كان فى أسفارهم فى هذا الطريق يأتوا له ببعض الخبز وكان يأكل ببعض ثمار النخيل البلح ولما علموا الاخوه مكانه حرصوا على إمداده بالطعام . وبعد ذلك قال انطونيوس بطلب بعض الحنطة والفأس للزراعة فى مكانه وقام بفلاحة قطعة صالحة للزراعة وزرعها لكى يوفر خبزه بهذه الكيفية وتوافد عليه الكثير من الناس فلم راى هذا اثر ان يزرع لهم بعض الخضروات والبقول حتى يجد كل من اتاه قليلا من الغذاء . وحدث ان وحوش البرية كانت تأتى بسبب الماء لتشرب وكثيرا ما أتلفت زراعته وبستانه فحدث انه امسك بواحد منهم برقة وعطف وقال ( لماذا تسيئين الى وانا لم أسئ الى اى احد منك , انصرفي وباسم الرب لا تقربي هذا المكان ) ومن ذلك الوقت فصاعدا لم تقترب من هذا المكان

– وكان فى وحدته فى ذلك الجبل يتحمل الكثير من هجمات الشياطين العنيفة فكانوا الذين يزوروه أنهم كانوا يسمعون شغبا واصواتا كثيرة كأنها حربا هناك وفى الليل يروا الجبل مليئا بالوحوش البرية ورأوا انطونيوس مجاهدا ويصلى الى الرب دون رهبة من هؤلاء الأشرار  كان إبليس يراقبه ويحقد عليه وكان يرسل عليه ليلا الوحوش وفى يوما كان يصنع سلال ووقف واذ به راى وحشا له شكل إنسان حتى فخذيه لكن سيقانه وأقدامه كالحمار . وما من انطونيوس الا ورشم عليه علامة الصليب وقال انا عبد المسيح فهرب الوحش هو وأرواحه الشريرة .

12 – اما عن معجزاته فحكى لنا القديس اثناسيوس الرسولى عنها كثير والكثير ولكن سنوجز بعضها الان :ـ

منها شفاء فتاة ابنة  ضابط حربى هو مرتيان كانت معذبة بروح نجسة قال له اذا أمنت بالمسيح فالله يعطيك حسب أيمانك وصلاتك له فذهب اذ أمن شفيت ابنته .

وصنع معجزة اخرى عندما ذهب لتفقد الرهبان مع الاخوة الذين اتوا له لم يجدوا ماء فى الصحراء وكادوا ان يهلكون لكن انطونيوس انفرد وصلى فى حزن شديد فتفجرت الماء فى هذه الصخرة القاحلة ونجوا من الهلاك .

وقد علم أيضا على اخته انها شاخت فى العذروية وتقود غيرها من العذارى وكان عطوفا جدا على المتألمين وكان يصلى من اجلهم للرب وكثيرا ما استجاب له الرب ومع ذلك لم يفتخر واذا لم يستجب لم يتذمر بل كان يشكر الرب دائما ويطلب من المتألم الصبر مع الصلاة لينال الشفاء

4- شفاء ضابط فى البلاط الملكى يسمى فرونتو من مرضه الشديد فقال له انطونيوس انصرف فتشفى فامن وانصرف وشفى من مرضه .

5- شفاء فتاة من بوسيريس طرابلس مصابه بمرض شنيع فإذا تنزل من عينها او اذنها او انفها مسائل وسقط الى الأرض تحول الى دود وكانت مشلولة فذهبا الى انطونيوس وبقى الفتاة وأبوها مع الراهب بفنوتيوس المعترف خارجا فقال لهم من الداخل اذهبا وان لم تجدوها ماتت فستجدوها شفيت فان الشفاء هو عمل المخلص وليس من عندى انا الشقى .

وكان الرب يعطيه ان يعرف أشياء بعيدة . وقد أراه الرب وكان يتنبأ عن مجيء الأخوة له .

ايضا نفس القديس امون وهو جالسا على الجبل راى شخصا محمولا الى اعلى وكان هناك فرح عظيم بين الذين قبلوه ولما تعجب اتاه صوتا وقال ” هذه نفس امون راهب نيسترا ”

وقد شفى فتاة وهى فى اللاودكية عندما جاء له والدها الكونت ارخيلاوس فطلب منه الصلاة لابنته بوليكرشيا فشفيت الفتاة وهى مكانها . وقد ذكر عنه الكثير عن صراعه مع الشياطين ففى احدى المرات يظهر مارد يحاول ضد نفوس المؤمنين الصاعدة للسماء . وفى احدى المرات اختطف بالروح ورأى نفسه كانها خارج جسده وبعد ذلك وقفت فى الهواء كائنات اخرى مرعبة وأرادت ان تعرقل مسيره ولكن قاوموهم وشدوا وانطونيوس قائلين

( لقد مسح الرب خطاياه منذ ولادته ولكن يمكنكم ان تحاسبوه منذ ان صار راهبا وكرس نفسه لله ) وبعد ذلك بعد ما اتهموه ولم يثبتوا اى من التهم أصبح طريقه خاليا من العراقيل وللحال راى نفسه كانه قد اتى الى جسده وقد نسى انطونيوس الاكل والشرب واخذ يصلى ويئن بقية النهار والليل لانه دهش اذ راى كيف ان مصارعتنا مع خصوم أشداء .

كان وديعا ومتواضع الروح جدا ومع ذلك كانت طلعته تنم عن نعمة عظيمة وعجيبة وهذه النعمة اعطاها له المخلص . وكان عجيبا جدا فى الايمان والتقوى لانه لم يختلط قطعا بالمنشقين والمهرطقين سواء كانوا الميلتيين او المانسيين او غيرهم من المهرطقين .

وكان يصلى دائما للمسيح الهنا لينقذ الله المسيحيين من شرور هؤلاء المهرطقين وإظهار الحق وإزهاق الباطل غير هؤلاء المهرطقين كان هرطقة اريوس الشرير الذى أضل كثيرا من ابناء الكنيسة وساهم فى انشقاق الكنيسة الجامعة .

وقد راى رؤيا اظهر فيها الله له قرب مجئ هرطقة اريوس وما سيصيب المسيحيين منها فقد قال ” اننى رايت مائدة بيت الرب واقف حولها بغال من كل جهة فى حلقة مستديرة  ترفس الأشياء التى فيها كما يرفس القطيع عندما يقفز مضطربا وقد سمعت صوت يقول ان مذبحي سوف يتنجس ” وهذه الأمور تمت بعد ذلك بسنتين عندما حدثت ثورة الاريوسيين ونهبت الكنائس واغتصبوا الاوانى المقدسة وقد حكى رؤيته الى الأسقف سرابيون صديق اثناسيوس الرسولى الذى كان يجلس معه فى صومعته لكنه صلى الى الله لكى يخلص المؤمنين من هذا الامر وتعود الكنيسة الى هدوؤها مرة اخرى . فعزاه الله واراه ايضا كيف ينتصر على هذه البدعة .

13- نزوله الإسكندرية للمرة الثانية :ـ

وقد كانت عنده روح الأبوة الحانية على أولاده وكنيسته فهو الذى شدد المعترفين والشهداء عندما ثار الاضطهاد ونزل الى الإسكندرية فقد عاد ونزل مرة اخرى للإسكندرية ليضادى هذه البدعة فقد أرسل له القديس اثناسيوس البابا ليدعوه لينزل من الجبل وياتى الى الاسكندرية لكى يناصره فى جهاده ضد الاريوسيين وعند دخوله الإسكندرية شجب الاريوسيين قائلا ” ان هرطقتكم هى اخر الهرطقات (وكان هذا فى 25 – 27 يوليو سنة 338 م) وممهدة المسيح الكذاب وعلم الشعب ان ابن الله ليس مخلوقا ولا ظهر الى الوجود من العدم لكنه هو الكلمة الأزلية حكمة الاب ومساوى له فى الجوهر لان الكلمة كائن بالتساوي مع الاب وذلك لا تكن لكم شركة قط مع الاريوسيين اشد الملحدين لانه لا شركة للنور مع الظلمة ( 2 كو 6 : 14 )

وقد التف حوله الكثيرين فى الاسكندرية وجاء الى الكنيسة اليونانيون يطلبونه قائلين ” نطلب ان نرى رجل الله ” لانهم لقبوه هكذا انه ايضا شفى الكثيرين واخرج الكثير من الشياطين منهم وفى تلك الايام القليلة قد اعتنق المسيحية من الوثنيين الكثير جدا منهم وكان يزيدون على الذين يعتنقوها فى سنة كاملة

– وقد ذاعت شهرته وصيته حتى وصل الى الامبراطور قسطنطين وولديه قسطنطوس وقسطندس فكتبوا له خطابات وطلبوا منه الرد عليهم كاب لهم فتعجب الرهبان من تواضع الملك وكان من انطونيوس انه لم يهتم بالرسائل هذه وجمع الرهبان وقال لهم ” لا تتعجبوا ان كتب الينا الامبراطور فهو انسان مثلنا ولكن جدير بكم بالحرى ان تتعجبوا ان الله كتب الناموس الشريعة للبشر وكلمنا فى ابنه الوحيد “. وكان لا يرغب فى الرد على هذه الرسائل قائلا انه لا يعرف يكتب ردا عليها لكن الرهبان حثوه على كتابه الرد على الاباطرة لانهم مسيحيين فكتب لهم قائلا يوصيهم ان يعبدوا المسيح واعطاهم وصايا خلاصية بان لا يهتموا بمجد هذا العالم وانما يتذكروا دائما الدينونة الاتية وان يعرفوا ان المسيح وحده هو الملك الابدى الحقيقى وقد توسل اليهم ايضا ان يكونوا اكثر انسانية وان يهتموا بالعدل وان يهتموا بالفقراء اما هؤلاء الأباطرة لما قروا الرسالة أثرت فيهم وفرحوا جدا لاستلامهم هذا الرد على رسائلهم وادركوا الفرق بين كتابات الارثوذكس والاريوسيين واحتفظ الامبرطور برسالته كانها كنزا عظيما .

وايضا قد ارسل رسالة الامبراطور قسطنطين يحتج فيها على مقاومته للأرثوذكسية بقيامه بنفى البابا اثناسيوس خارج البلاد فيرجوه ان يعيده الى كرسيه مرة اخرى .

وقد كتب وحاجج الاريوسيين وهو فى الإسكندرية فقد وصفت حجته انها مثل حجج اثناسيوس الرسولى فى قوتها وبل كانوا يتهموه بان أرائه توافق اراء الاريوسيين فما منه الا انه شجب هذا الكلام كما ذكرنا سابقا وقال فيه ايضا الاتى ” إنكم مسيحيون لانكم فى التقوى الحقيقة وفى الايمان الحقيقى اما الاريوسيين فانهم حينما يقولون ان كلمة الاب ابن الله مخلوق فانهم لا يختلفون بشئ عن الوثنيون الذين يعبدون الخليقة عوضا عن الخالق . فصدقوا اذن ان كل الخلائق تقف ضدهم لانهم يجعلون فى عداد المخلوقات رب وسيد كل الاشياء التى هى كافة من صنع يديه فاهربوا اذن من مخالطتهم كهربكم من الحيات والعقارب فمن لا يحب يسوع المسيح فليكن محروما الرب سيجئ )

14- وايضا وكان هناك قائد يدعى بلاسيوس اضطهد الارثوذكس لانه كان يرعى الاريوسيين ويساعدهم فكتب اليه وقال له : ” اننى ارى الغضب قادما عليك لذلك كف عن اضطهاد المسيحيين لئلا يحل بك الغضب ؟ لانه الان على وشك المجئ اليك ” .

فلما وصلت الرسالة الى بلاسيوس ضحك واستهزا بها والقاها على الارض وتفل عليها وداس عليها برجليه واهان حاملها .

وحدث ان الرب ضربه بعد خمسة ايام حيث ان عضة حصان والى مصر نسطور وهو بجواره فعضه وهجم عليه ومزقه باسنانه ثم حمل للمدينة ومات بعد ثلاثة ايام من هذه الحادثة .

وكانت فترة بقائه فى الاسكندرية فترة مباركة حيث امن الكثير جدا حتى وصل انهم قال عنه تنصر على يديه الذى كان يتنصر فى سنة كاملة .

وعندما هدأت الامور فى الاسكندرية وبدعة اريوس ونظر للايمان قد انتعش فاثر ان يرجع الى ديره فحزنوا الشعب على فراقه وطلبوا ان يبقى حتى مدة غياب راعيهم البابا اثناسيوس فقال لهم ” ان الشمع يذوب اذ اقترب من النار هكذا تضمحل فضيلة الناسك اذا دنا من العالم ”

فعزاهم وثبتهم فى الايمان الصحيح وبشرهم بعودة راعيهم منتصرا

15- وقد رجع الانبا انطونيوس الى ديره وقد قام بكتابة عدد من الرسائل وكانت اكثرها للرهبان ويقول القديس جيروم انها سبعة رسائل فقط كانت فى الاصل القبطى ثم ترجمت لكن مؤرخين اخرين يقولون انها عشرون رسالة فقد ذكر العالم الكاثوليكى كواسن على الرسائل 13 رسالة الباقية قد وضعها تلميذ انطونيوس وهو اموناس وتظهر فيها ايضا روح انطونيوس وافكاره .

وكما نعرف ان القديس لم يكن متعلم وغير متعلم شيئا عن اللغات او العلوم بل كان يعرف فقط القراءة والكتابة باللغة المصرية وقد جاء كثيرا من الفلاسفة الحكماء لكى يختبروا ذكاءه ففى احدى المرات جاء فيلسوف يساله اذا كان لا يضجر من عدم القراءة والكتابة وقال له ” ان لى فى الطبيعة كتابا ” وجاءه ايضا فيلسوفين وهو فى الجبل الخارجى ليختبروه فقال لهم لماذا تتعبان نفسيكما لزيارة احمق مثلى او رجل جاهل فأجاباه اننا جئنا لاعتقادنا انك رجل حكيم فقال لهم ” اذ كنت حكيما فكونا اذا مثلى لان الاقتداء بالحكماء واجب فانا مسيحى فكونا كذلك فصمتا متحيرين ثم تركاه .

– وفى مرة اخرى قابله فى الجبل الخارجى فلاسفة اخرين وكانوا يهزئون به ( وقد ذكر المؤرخ سقراط 4 : 23 ) فى سقراط تاريخه 4 : 23 ) لانه لم يتعلم الحروف او الكتابة فقال لهم انطونيوس سألهم عما اذا الذى وجد اولا العقل ام الحروف ( او العلم ) فأجابوه العقل وان العقل مخترع العلم والحروف فقال لهم  انطونيوس اذا فمن كان له عقل راجح اصبح فى غير حاجة للعلم او الحروف .

– وجاءه ايضا حكماء اخرون ليناقشوه فى امر الديانة والكرازة بالصليب وكان يقصدوا الاستهزاء فقال لهم ” ايهما اجمل هل الاعتراف بالصليب ام ان تنسبوا الزنى ومضاجعة الاولاد لما يسمونه الها وناقشهم وافحمهم وبعد مناقشة طويلة اقترح عليهم اخرج الشياطين من التى بهم وكان معهم اثنين فرشم علامة الصليب وقال اسم المسيح فخرجوا الشياطين وقال افعلوا واخرجوا باسماء الهتكم فعجزوا عن ذلك .

16-  وكان لما بلغ عمره المائة وخمسة سنوات 105 كان قد امتلا صيته فى العالم كله وكانت صحارى مصر الشرقية والغربية قد امتلأت بالأديرة والرهبان وكانت اشبه بأبراج الحمام وملأنه من النساك والعباد وكان قد اضحى عمره يشرف على نهاية رحلته الطويلة فاخذ يجول يتفقد الرهبان فى الاديرة ويزور تلاميذه ويعطيهم نصائح ويحثهم على القيام بواجباتهم المقدسة ومما قال لهم واعظا اياهم ” هذه اخر زيارة اقوم بها لكم لان اخيرا قد قرب وقت ارتحالى فقد اشرفت على المائة وخمس اعوام فسوف افارقكم يا اولادى لكنى لا انفك عن محبتكم وانما ارجو ان تدوموا بكل غيره ممارسين اعمالكم المقدسة ولا تتراخوا ابدا اياكم ان يخمد نشاطكم فى تتميم واجباتكم واجعلوا الموت كل يوم نصب اعينكم واجتهدوا بعناء كلى فى ان تحفظوا انفكسم طاهرة وخالية من الافكار الرديئة ابذلوا الجهد فى اقتفاء اثار القديسين واتبعوا  بكل شجاعة طريق الحق وحذار من ان تشتركوا مع شيع الهراطقة الذين تعرفون رداءتهم  واعمالهم الذميمة واهربوا كما تهربون من الطاعون من الاريوسيين المعروف كفرهم عند كل الناس وايضا المانيين المنشقين . وان كان الحكام يساعدون ويناضلون مع الاريوسيين فلا تتعجبوا قط لان هذه السلطة الوهمية التى اختلسوها لابد ان تتلاشى بل فليكن ذلك محرضا لكم بزيادة على ان لا يكون لكم اقل علاقة معهم حافظوا بكل تقوى على تقليدات ابائكم واثبتوا بالاخص فى ايمان سيدنا يسوع المسيح له المجد الذى تعلمناه من الكتب المقدسة والذى فسرته لكم مرارا “.

وبعد ذلك رجع الى صومعته فى الجبل الداخلى وشعر بعض شهور قليلة بمرض شديد فدعا تلميذيه مكاريوس ابو مقار الكبير واما ناس ( اموناس ) الذين استمروا فى النسك حوالى 15 عام وخاطبهم قائلا : ” اننى كما هو مكتوب ذاهب فى طريق الاباء لاننى ارى اننى دعيت من الرب فكونوا ساهرين ودوموا على البر حسب عادتكما ولا تفقدا ثمرة اعمالكم المقدسة التى مارستماها منذ سنوات عديدة ولكن اجتهدوا كانكما مبتدئين لانكم تعلمون خداع الشياطين وقساوتهم ولا تجهلان ضعفه فلا تخافوه بل بالحرى تنسمو المسيح دوما وعيشا كأنكما مزمعان ان تموتا كل يوم واسهروا دون انقطاع على نفسيكما وتذكرا التعالم التى ارشدتكما اليها غالبا ولا تشتركان قط مع المنشقين ولا مع الهراطقة الاريوسيين لانكما تعلمان جيدا كيف كنت دائما محتقرا لهم بسبب هرطقتهم المرزولة لانهم تجاسروا لى محاربة المسيح وتعاليمه . ابذلا الجد والجهد لتتخذا اولا معه ثم مع القديسين لكى يقبلوكما كاصدقاء واصفياء فى ملكوت السموات اطبعا هذه الاشياء على صفحات قلوبكم . وان شئمتا ان تبرهنا على محبتكما لى وانكما تتذكرانى كأبيكما فلا تسمحا ان ينقل جسدى الى مصر خوفا من ان يحفظه اهلها فى بيوتهم وهذا هو السبب الذى حملنى على الفرار لاموت فوق هذا الجبل فادفنانى اذا تحت الارض ولا تقرا لاحد عن موضع لجسدى اذا جاء يوم القيامة اقتبل هذا الجسد من يد يسوع المسيح بكر القيامة خاليا من الفساد

اما ثيابى فوزعاها هكذا . اعطيا لاثناسيوس الاسقف احد جلود الغنم والرداء الذى استلمته منه جديدا ولكنه عتق معى وللأسقف سرابيون جلد الغنم الاخر واحفظنا لكما مسحى استودعكما الله يا ولدى العزيزين . ان انطونيوس يغادركما ويتخلف عنكما  فانا راحل ولن ابقى معكما فيما بعد . وبعد نصائحه هذه لتلميذيه اقترب اليه هذين وقبلاه وعانقاه وهما يبكيان . وفى الحال رفع رجليه على سريره وامتد عليه منتظر الموت وكانت طلعته بهية وكان لم يكن نظره قد ضعف او سقط احد اسنانه وكان مسرورا وفرح كانه ينتظر أصدقائه وكان يسطع نورا . وعندئذ قد انتقلت روحه الطاهرة الى الامجاد السماوية . وكان ذلك فى يوم 22 من شهر طوبه عام 356 م كانت نياحته .

فقام الاثنين بتكفينه واخفياه قبره حسب رغبته ووزعا متروكاته كما اوصى فكان من ناله شئ منها يعتبر كنزا عظيما يفوق الجواهر . فلم يعرف احد قط قبره الا تلميذيه الاثنين فقط

وقد دفن جسده الطاهر امام باب الهيكل القبلى الكنيسة التى بناها فى حياته للسيدة العذراء سميت بعد ذلك باسمه ولم تزل حتى اليوم تضم ذلك الجسد الطاهر داخل دير عظيم شيد فى ايام الانبا انطونيوس بجوار مغارته بجبل العربة . وهو الان ديره العامر فى البحر الأحمر وبه مغارته والماء الذى ينزل من الصخور نقطة ويتجمع فى مجرى فى الجبل وهو المصدر الوحيد للماء هناك للدير ويقدر كمية الماء بنحو فو 100م3 يوميا وهى مياه نقية جدا .

17- وقد وصفه اثناسيوس بأنه مؤسس الرهبنة وانه انسان نال الحكمة الالهية .

وحدث ايضا فى بداية توحد انطونيوس فى الجبل انه شعر بالملل يتسرب الى نفسه . فأخذ يصلى قائلا : ” ياسيدى اريد ان اكون كاملا ولكن افكارى تمنعنى ” وعندها سمع صوتا قائلا : ” اخرج خارجا وانظر ” فخرج وراى ملاك الرب مرتديا اسكيما او الاسكيم هو منطقة من جلد تتخلله صلبان على ابعاد متساوية وقد البسه الملاك للانبا انطونيوس فاصبح ان لابسه قد بلغ درجة عظمى من القداسة “. وكان يلبس طاقية على راسه . وكان الملاك يعمل فى ضفر الخوص وعمل السلال ووقف انطونيوس يراقبه فكان يضفر قليلا ثم يترك عمله ليصلى . وبعدها يضفر مرة اخرى ثم يقوم ويصلى ويترك الصلاة للعمل هكذا وكان يعمل مطانيات مع الصلاة واستمر الملاك يعمل هكذا امامه بالتتالى ثم سمع صوتا قائل له ” افعل هذا فتجد راحة لنفسك ” فأطاع هذا الامر السماوى وعلمه لتلاميذه الرهبان وأصبحت قاعدة عند الرهبان المصريين ( بستان الرهبان , ايريس المصرى )

18- وقد البس الانيا انطونيوس البابا اثناسيوس الاسكيم

وهو لبس الرهبنة وقال له من الان فصاعدا يكون هذا لبس الاباء البطاركة الى اخر الدهور فلما سمع القديس اثناسيوس هذا الكلام تعزت نفسه وتبارك منه وعاد الى الاسكندرية ( مخطوط 108 بتاريخ مكتبة دير الانبا انطونيوس ) وقد عاصر ستة باباوات مع بداية حياته عاصر البابا ديونسيوس ايضا فقد عاصر سبعة بطاركة .

ويقال ان اثناء اقامته فى الاسكندرية كان يقيم ضيفا على العلامة ديديموس الضرير الذى فقد نظره فى الرابعة من عمره وهو قد اكتشف واستطاع ان يبتكر طريقة ان يقرا بها فى حفر الحروف على الخشب بصورة بارزة وهكذا قد سبق طريقة برايل لتعليم المكفوفين بما يزيد على خمسة عشر قرنا

– وكانت بينه وبين انطونيوس صداقة متينة فكانوا يقضون الساعات الطويلة فى التحدث من عظائم الله ومنها احد الأحاديث هو :” لا تكتئب يا صديقي ديديموس لانك محروم من العينين اللتين بهما نبصر الحشرات , بل تهلل لان الله منحك العين الباطنة التى تشارك بها الملائكة فى رؤية الله عز وجل ” فكانت كلماته كالبلسم الشافى لجروح ديديموس النفسية ( ايريس المصرى )

وقد شبه الانبا اثناسيوس هذه الحياة النسكية بالحياة الملائكية فكما ان الملائكة يرددون اناشيد التسبيح والتمجيد للعزة الالهية كذلك كان اولئك النساك يقضون حياتهم فى تسبيح الله وتمجيده ) ( تاريخ الكنيسة بالفرنسية , حياة اثناسيوس , ايريس المصرى )

– وقد رتب القديس انطونيوس اوقات الصلاة واوقات العمل وغيرها للرهبان فقال الاثرى الفرنسى اميلينو ” ان اولئك النساك كانوا يعتقدون انهم اذا ادوا فريضة الصلاة بامانة كان لهم الحق فى ان يقبل الله صلواتهم . وقد وصلت اليهم هذه العقيدة من جدودهم الفراعنة “.

وكان انطونيوس قد وضع زيا للنساك وقد اتخذ زى كهنة الفراعنة لانه كان يلبس ثوبا من كتان الابيض هو ورهبانه وانتشر الى رهبان العالم اجمع وان كان ادخل عليه بعض التعديل البسيط .

وكان على النقيض من معظم الاباء الكنيسة المصرية كان يجهل كل لغة غير القبطية فقط وكان معظم الكتاب يعتبرونه اميا لعدم تعلمه .

رسائله واقواله فنذكر منها جزء من الرسالة الثامنة حيث يقول :

” الروح النارى العظيم الذى قبلته انا اقبلوه انتم ايضا واذا اردتم ان تنالوه ويسكن فيكم فقدموا اولا اتعاب الجسد وتواضع القلب , وارفعوا أفكاركم الى السماء ليلا ونهارا , واطلبوا كل قلبكم هذا الروح النارى القدوس وحينئذ يعطى لكم , لانه هكذا حصل عليه ايليا النبى واليشع وجميع الانبياء الاخرين ولا تفكروا فى قلوبكم وتكونوا ذوى قلبين وتقولوا ” من يستطيع ان يقبل هذه ,” فلا تدعوا هذه الافكار ان تدخل الى عقولكم بل اطلبوا باستقامة قلب انتم تقبلوه . وانا ابوكم اجتهد معكم واصلى لاجلكم لكى تقبلوه لانى اعلم انكم قد جحدتم ذواتكم لكى تستطيعوا ان تقبلوه لان كل من يفلح ذاته بهذه الفلاحة فى كل جبل فانه ينال نفس الروح الذى يسكن فى المستقيمى القلوب . وانا اشهد لكم , انكم تطلبون الله بقلب مستقيم فاديموا الطلبة باجتهاد من كل قلوبكم فانه سيعطى لكم كتاب نصوص ابائية ترجمة د/ نصحى عبد الشهيد .

– ومن اقواله ” من يقيم فى البرية يمارس النسك ينعتق من حرب ثلاث هى السمع والكلام والنظر  وتبقى عليه حرب واحده هى حرب الزنى ,

– ومنها ايضا قال ” الطاعة مع الامساك تخضع الوحوش

– وقال ايضا : اذا كان ممكنا فليكشف الراهب للاباء كل خطواته وكل قطرات الماء التى يشربها فى قلايته لكى يتأكد من انه لا يخطأ . ( كتاب اقوال الاباء الشيوخ )

– لقد كتب بلاديوس أسقف هيلينوبوليس فى اواخر القرن الرابع من انطونيوس فقال :” كان ذا عقلية قيادية حكيما يدرك حقيقة الناس بالفراسة بحيث كان الذين ياتون اليه يمتلئون دهشة اذ يجدون انه أدركهم على حقيقتهم رغم عزلته وابتعاده عن الناس وكان حديثه مطعما بملح سماوى وكان سامعوه يشعرون بغبطة قلبية ويحسدونه على ما وصل اليه من كمال روحى حبب فيه النفوس وجذب اليه القلوب كذلك كان الانبا انطونيوس يمتاز بالصبر والجلد فى المناقشة فيصغى لكل ما يقال له ويجيب عنه بكل تؤدة واتزان فلا عجب اذا قيل انه الله قد أقامه طبيبا روحيا , لأبناء وطنه ولجميع الملتفين حوله “.

(عن حياة القديس انطونيوس  منز  انجليزى , ايريس المصرى)

 

Broken Links Report - Arabic
مثال: رابط التحميل لا يعمل
Sending